* المطلب السابع: لماذا أهمل المترجمون ابن بشير ؟
سبق أن أشرث في بداية هذا الفصل إلى أن ابن بشير لم يلق عناية واهتمامًا من قبل المترجمين، والآن وبعد أن ظهرت مكانته في الفقه عمومًا وفي المذهب المالكي خصوصًا علينا أن نجيب على هذا السؤال اللغز.
وبعد التأمل في المسألة تبين لي أن ذلك يرجع إلى ثلاثة أسباب:
السبب الأول: هو طبيعة ابن بشير نفسه، فقد تبين من خلال كتابه أنه لم يكن يبحث عن الشهرة والظهور، بل كان يفضل الخمول ويميل إلى الإبهام والتنكير وعدم ذكر أخباره وشيوخه. على خلاف ما جرت به عادة كثير من العلماء من تسجيل بعض أخبارهم ومناظراتهم ومراسلاتهم وشيوخهم ... بطريقة عرضية ضمن كتبهم حتى إن الباحث يستطيع التعرف على معالم شخصية المصنف من خلال أخباره المبثوثة في كتبه. وهذا ما لا نلمسه في التنبيه. وإن اضطر ابن بشير إلى ذكر شيء من ذلك، فإنه يبهم الأحداث وينكرها. وأسوق أمثلة توضح ذلك.
منها ما جاء في كتاب الوكالة: "ومن ذلك أخذ بعض المذاكرين مسألة وقعت في بعض البلاد بين يدي بعض القضاة ... " (١)، فالنص في غاية التعتيم والتكتم، فلم يبين من هم هؤلاء المذاكرين، ولا البلد ولا القضاة. فساق هذه الأشياء كلها مبهمة.
وعلى هذا النهج جاء كلامه عن أشياخه فلم يسم لنا أي شيخ منهم. فإن كان السياق يقتضي ذكرهم يميل إلى التعميم كعادته كما في المثالين التاليين:
" ... وقد ألزمه بعض أشياخي .. " (٢) " ... وقد كان بعض أشياخي ينكر هذا الذي يعتمد عليه ... " (٣).
стр. 107
فعلى هذا النهج كان يذكر الأحداث التي يضطر لذكرها، فتبين لي أن ابن بشير ساهم أيضًا بقسط وافر في التعتيم عن نفسه وعن أخباره.
السبب الثاني: قلة المعتنين بالتاريخ في عصر ابن بشير. وقد أشار إلى هذا صاحب معالم الإيمان في ترجمة أبي عبد الله محمَّد بن أبي الفرج المازري المعروف بالذكي فقال: "ثم انقضت هذه الطبقة بعد الخمسمائة سنة ولم يبق بالقيروان من له اعتناء بتاريخ، لاستيلاء مفسدي الإعراب على إفريقية وتخريبها وإجلاء أهلها عنها إلى سائر بلاد المسلمين وذهاب الشرائع بعدم من ينصرها من الملوك إلى أن من الله على الناس بظهور دولة الموحدين" (١).
السبب الثالث: وهو احتمال أن يكون الموحدون ساهموا في طمس تاريخ هذا الرجل المهتم بالفروع الفقهية.
وقد علمنا أن الموحدين كان من أهدافهم القضاء على المذهب المالكي؛ يقول عبد الواحد المراكشي عن أبي يوسف يعقوب الموحدي: "وكان قصده في الجملة هو مذهب مالك وإزالته من المغرب مرة واحدة، وحمل الناس على الظاهر من القرآن والحديث. وهذا المقصد بعينه كان مقصد أبيه وجده، إلا أنهما لم يظهراه، وأظهره يعقوب هذا" (٢). ويقول أيضًا: "وفي أيامه انقطع علم الفروع وخافه الفقهاء وأمر بإحراق كتب المذهب ... فأحرق منها جملة في سائر البلاد كمدونة سحنون وكتاب ابن يونس ونوادر ابن أبي زيد ومختصره وكتاب التهذيب للبراذعى وواضحة ابن حبيب وما جانس هذه الكتب ونحا نحوها" (٣).
ومن المعلوم أن بضاعة ابن بشير لا تخرج عن هذه الكتب. فلا بدّ إذًا أن يكون من الفقهاء الخائفين، أو الذين أحرقت كتبهم، أو غير ذلك.
стр. 108
بل إن الأمر وصل إلى أكثر من هذا، فعبد الحق الإشبيلي تعرض لمحنة بعد دخول الموحدين لبجاية. وقد أهدر المنصور دمه، لكن الله نجاه منهم (١). وابن العربي مات مسموما بعد أدائه البيعة لعبد المؤمن وانصرافه من مراكش، وطبعًا أصابع الاتهام موجهة نحو الموحدين الذين يعرفون ولاء هذا الفقيه للدعوة المرابطية (٢). والقاضي عياض خنق بعد تشريده والتنكيل به (٣).
بعد هذا لا أستبعد أن يكون للموحدين تأثير في طمس أخبار هذا الرجل- والله أعلم-.
* المطلب الثامن: وفاته
لا نعرف شيئًا عن تاريخ وفاته، وكل ما نعرفه هو أنه كان حيا سنة ٥٢٦ هـ أثبت ذلك في كتابه التحرير، فقال إنه انتهى من تأليفه في هذه السنة (٤). وكذلك توصلت من خلال كلام الحطاب إلى أنه عاش بعد سنة ٥٣٦ هـ. جاء ذلك عرضًا عندما قال أثناء حديثه عن بيع النجاسات، بأن المازري متقدم على ابن بشير. والنص كالتالي: "قال ابن عرفة: ويفهم من كلام المازري رده بأنه لو اعتبر فارقا ما صح تخريج ابن القاسم المنع في الزبل لمالك من منعه بيع العذرة. انتهى بالمعنى. وهو ظاهر. والضمير في رده عائد إلى التعقب. لا بقيد كونه لابن بشير، لتقدم المازري عليه. وكذلك قال في التوضيح." (٥) ففي هذا النص يصرح الحطاب بأن، المازري متقدم على ابن بشير. ومعلوم أن المازري توفي سنة ٥٣٦ هـ. فيستنتج من هذا أن ابن بشير عاش بعد هذا التاريخ.
стр. 109
أما ما ذكره محققا كتاب العمر، من أنه عاش بعد سنة ٥٧٣ هـ فقد سبق لي أن قلت بأنهما لم يبينا طريقة التوصل لذلك.
وبالنسبة لطريقة موته ومكانها، فقد ذكر ابن فرحون أنه مات شهيدًا قتله قطاع الطرق في طريقه إلى الحج بعقبة (١). فرحمه الله وأسكنه فسيح جناته.
وقبل أن أنتقل إلى الحديث عن الكتاب المحقق. أختم هذا الفصل بتأكيد ما قلته سابقًا من أن ابن بشير اشتهر بكتبه وآرائه الفقهية، ولم يشتهر بتلاميذه ومترجميه.
стр. 110
الفصل الثالث: التعريف بالكتاب
المبحث الأول: توثيق الكتاب وبيان منهجه.
المبحث الثاني: الخلاف الفقهي عند ابن بشير.
المبحث الثالث: النقد عند ابن بشير.
المبحث الربع: الاجتهاد عند ابن بشير.
المبحث الخامس: منهج التحقيق.
стр. 111
الفصل الثالث: التعريف بالكتاب
المبحث الأول: توثيق الكتاب وبيان منهجه
يعتبر كتاب التنبيه على مبادئ التوجيه وعاء من أوعية الفقه المالكي، قصد به صاحبه بناء فروع المذهب على أصوله، وتوجيه الأقوال وتعليلها ودراستها دراسة فقهية ترفع قارئها عن التقليد.
فجاء الكتاب محتويًا على مادة علمية غزيرة؛ شملت معظم جوانب العلوم الإسلامية، ولهذا لا أحيد عن الصواب إذا قلت؛ إن الكتاب يصلح أن يكون موضوعًا لعدة رسائل جامعية، بعضها يتناول منهجه العلمي في الاستدلال، والبعض الآخر منهجه في التعامل مع القواعد الأصولية أو الفقهية، أو منهجه في النقد أو التخريج ... إلخ.
لأجل ذلك فإن هذا الفصل لا يمكنه أن يتناول كل تلك الجوانب بالدراسة والتحليل، وإنما سيحاول إعطاء صورة واضحة عن منهجية ابن بشير الفقهية، ليستعين بها القارئ على فهم الكتاب، ومعرفة قيمته العلمية، ومنزلته بين كتب الفقه المالكي.
* المطلب الأول: اسم الكتاب ونسبته لابن بشير وتاريخ تأليفه
نص ابن بشير في مقدمة الكتاب على أن اسمه: التنبيه على مبادئ التوجيه، وبذلك لم يدع مجالاً للاختلاف في اسمه. كما أنه يعرف عند
стр. 112
الفقهاء اختصارًا باسم: التنبيه أو تنبيه ابن بشير (١).
ولم يختلف العلماء كذلك في نسبة هذا الكتاب لابن بشير، فالإجماع حاصل على ذلك، وتحققت صحة هذه النسبة بعدة أمور منها:
١ - نسبة الكتاب له من قبل المترجمين، فكل من ترجم له نسب له هذا الكتاب.
٢ - نسبة الكتاب له من قبل الفقهاء الناقلين عنه فكثيرًا، ما يرددون قال ابن بشير في التنبيه. أو في تنبيهه، ولا أرى ضرورة لذكر النصوص الدالة على ذلك فهي كثيرة جدًا.
٣ - وجود اسمه على جميع مخطوطات الكتاب التي لم يصبها البتر.
стр. 113
تاريخ تأليفه:
أما بالنسبة لتاريخ تأليفه؛ فلا نعرف ذلك بالضبط إلا أنه يلوح لي أنه ألفه في مرحلة النضج لأنه كتبه بعد الأنوار البديعة إلى أسرار الشريعة الذي ألفه للمبرزين، وألف بعده التنبيه ليكون مدخلًا له، يترفع به قارئه عن التقليد. وقد صرح بهذا في نسخة [ل] فقال: "وسميته كتاب التنبيه على مبادئ التوجيه ... وقد ألفت قبله كتابًا سميته "بالأنوار البديعة في أسرار الشريعة".
* المطلب الثاني: هدفه من تأليف الكتاب:
إن كل عمل جاد ناجح لا بدّ أن تكون له غاية يصبوا إليها، وهدف ينشد الوصول إليه، وبدونهما يكون العمل عبثًا، والكلام حشوًا، والجهد شقاء. وهذه الحقائق كانت حاضرة لدى شيخنا ابن بشير، إذ أفصح عنها في مقدمة الكتاب وفي تضاعف مسائله، فقال: ". وبعد، فإنه لما انتهض إلى الطلب من لم يمارس قراءة الكتاب، ابتدأنا لهم موعدًا بقصد الإيجاز [والاختصار] دون التطويل والتكرار، وفيه من تحرير الدلائل وتقرير المسائل
стр. 114
ما تشوقوا إلى نقله، وضعفوا عن حمله. فرأيت أن أملي عليهم من خلاف أهل المذهب ما يحصل به للجمهور الاستقلال، منبهاً على أوائل التوجيه والاستدلال ... وهو كالمدخل إلى كتابي المسمى "بالأنوار البديعة في أسرار الشريعة". وفي هذا الإملاء لمن اقتصر عليه ما يخرجه من زمرة أهل التقليد، وفي ذلك لمن ترقى إليه ما يبلغه رتبة المبرز المُجيد .. ".
وقال في آخر باب السهو "وقد استوفينا كثيراً من أحكام السهو ولا يشذ عنه إلا نوادر الصور، ومن حقق الأصول التي قدمنا، لم يشذ عنه شيء من هذا الباب" (١).
وقال في آخر كتاب الصلاة الثاني: "وقد أتينا على الغرض من هذا الكتاب، ولا يشذ عما حصرنا إلا مسائل أتينا على أصولها" (٢).
وقال في أول كتاب الصيام: "وأما ما يجب بارتكاب الممنوعات؛
فنأتي فيه بكلام جلي يكتفي به الذكي ونحيل غيره على التفصيل" (٣).
وقال في باب زكاة الحبوب: " ... لأن القصد بيان المذهب والإشارة إلى مذهب المخالف" (٤).
من خلال هذه النصوص يتضح لنا أن ابن بشير رام تحقيق الأهداف التالية:
١ - إفادة طلبة العلم المتشوفين لمعرفة خلاف المذهب، وأدلته وتوجيهها.
٢ - الإشارة إلى مذهب المخالف.
٣ - إعطاء أصول ضابطة للمسائل، وقواعد جامعة للفروع، يستفيد منها الذكي، وإحالة غيره على التفصيل.
стр. 115
٤ - إخراج من اقتصر على هذا الكتاب من زمرة أهل التقليد.
٥ - جعل الكتاب مدخلاً إلى كتابه الآخر الأنوار البديعة إلى الأسرار الشريعة الذي من ترقى إليه بلغ مرتبة المبرز المجيد.
هذه هي أهم الأهداف التي صرح بها ابن بشير وحاول تحقيقها من خلال هذا الكتاب. وهي أهداف جليلة، لا يحوم حولها إلا النظار، إذ جوهرها تعبيد الطريق للاجتهاد، والتمرس عليه وتحصيل رتبته.
نعم لقد جاء في نسخة "ل"- التي لم أعتمدها لأسباب سيأتي ذكرها- ما نصه: "أما بعد فإنه لما انتهض خاطري إلى شرح كتاب المدونة، أردت أن أسلك فيه الإيجاز والاختصار ... ".
ففي هذه النسخة ذكر سبباً آخر هو: رغبته في شرح كتاب المدونة. ولعل هذا ما جعل كثيراً من العلماء يذكرون ابن بشير ضمن شراح المدونة، ولكن من اطلع على الكتاب، لا يجده فيه سالكًا للشرح بالمعنى المعروف المتداول عند الشراح المتأخرين، وهو مباشرة المتن بالتوضيح والتبيين والتعليق.
بل كل ما هناك أن ابن بشير حاول أن ينسج كتابه على منوال المدونة، وأن يحاذيه في الترتيب والتبويب والتراجم، وحرص على ذلك وأكده أكثر من مرة، فقال: "ولنجر على سنن الكتاب فنقول .. " (١) وقال: "وغرضنا محاكاة الكتاب" (٢). وقال: "ونجري على ترتيب الكتاب" (٣). وقال: "لكن شأننا في هذا الإملاء أن نبه على الترتيب الواجب ثم نحاذي رتبة الكتاب" (٤) وهذا النمط من الشرح أو التعليق على المدونة لم يكن غريباً على المدرسة المالكية، فقد عرفت في هذا العصر- وخاصة بالقيروان - شروحًا وتعاليق على المدونة لا يلحظ فيها أي مسلك للشرح اللفظي
стр. 116
للكتاب، وإنما تفصيل المذهب وتوجيه مسائله والتخريج عليها على نسق المدونة، دون العروج على ألفاظها بالبيان والشرح، وعلى هذا جرى اللخمي في تعليقته الشهيرة بالتبصرة. ولعله في ذلك مستفيد من القاضي عبد الوهاب في طريقته الفذة في شرحه على الرسالة وعلى مختصر ابن أبي زيد القيرواني، إذ أبان المذهب وبسط أدلته ورد على مخالفيه، دون التوقف عند ألفاظ الكتاب بالتعليق المباشر والبيان اللفظي.
* المطلب الثالث: أسلوبه ولغته:
الأسلوب السلس الفصيح من مجملات التأليف الفقهي. وقد أدرك العلماء قديماً هذه القضية، فعبر عنها ابن السيد البطليوسي بقوله: " ... إن الطريقة الفقهية مفتقرة إلى علم الأدب مؤسسة على أصول كلام العرب" (١) ولقد توفرت هذه الحقيقة في جملة من كتب الخلاف، وكتب الفقه الشارحة لمتون الحديث كبعض شروح الموطأ والبخاري وغيرها، والعلة في ذلك كون هذه المؤلفات تتداخل فيها الأدلة والمناقشات والاعتراضات والاحتجاجات والافتراضات، مما يجعل الأسلوب الجاري على أساليب البلاغة ومقتضيات اللسان غالباً على هذا النمط.
أما كتب التفريع المذهبي التي ينتمي إليها كتاب التنبيه، فإن طبيعة مادتها قد لا تسعف على الإتيان بذلك الأسلوب الذي يطمح إليه. وشيخنا ابن بشير واحد من جملة الفقهاء الذين سيطرت عليهم المادة الفقهية، فجاء أسلوبه علمياً عقلياً، تقريريًا قد تبدو عليه سمة الجفاف.
رغم أن ألفاظه دقيقة ومركزة، وتراكيبه رصينة ومتأنية، وعباراته واضحة لا غموض فيها ولا التباس وليست في حاجة إلى شرح ولا تبيين، وبالجملة فأسلوبه أسلوب من يقرر الحقائق لا من يصف أو يستطرد أو يتخيل.
стр. 117
وقد اعتمد المؤلف في كتابه طريقة الإملاء (١)، متبعا النمط السائد بإفريقية في هذا الوقت في التعليق على المدونة حيث قال في المقدمة: "فرأيت أن أملي عليهم من خلاف المذهب" وقال أيضاً: "وفي هذا الإملاء لمن اقتصر عليه ما يخرجه من زمرة أهل التقليد ... " والإملاء قد يكون من محفوظ أو مرتجلا .. بالإضافة إلى أن حرص المؤلف على محاذاة المدونة التي صيغت على شكل أسئلة وأجوبة أثرت على أسلوبه كذلك، وتركت بصمات واضحة فيه. فكثيراً ما يعالج المسائل الفقهية على شكل أجوبة يضع لها أسئلة.
والأمثلة التي توضح ذلك كثيرة أختار منها ما جاء في باب زكاة العروض من كتاب الزكاة الأول: فمن ذلك قوله: "ولا يجوز عندنا أن يتطوع بالإخراج قبل البيع فإن فعل فهل يجزيه؟ " "هل تجب عليه الزكاة لعدم تحصيل حول يزكي فيه، أو لأنه لما أكثر الإدارة في العروض صارت في حقه كالعين؟ وعلى هذا اختلف المذهب فيمن كان يبيع العروض بالعروض ولا ينض له عين، هل يجب عليه التقويم أم لا؟ " "وإذا قلنا بوجوب الزكاة وإن لم ينض له شيء، فهل يخرج عرضا بقيمته أو يبيع ويخرج عينه؟ " "وإذا بارت عروض المدير فهل يخرج بذلك عن حكم الإدارة ويرجع إلى النوع الأول الذي تجب فيه الزكاة بالبيع؟ " "وهل يزكي المدير دينه؟ " "وهل يقوم المدير ما كان من الدين طعامًا من بيع؟ " "وهل يقوم المدير ما استغله من الثمار والحب؟ ".
على هذا المنوال سار ابن بشير في معظم الكتاب يضع أسئلة ثم يجيب عنها.
стр. 118
ورغم هذا فقد أبى ابن بشير إلا أن يسير على النهج المألوف في وقته، المتسم بالحرص على اضفاء لمسة جمالية على اسم الكتاب ومقدمته. فصاغ عنوان الكتاب مسجعا، قصير الفواصل، شفاف المعنى، منمًا عن مضمون الكتاب. وسار على نفس النهج في المقدمة، فضمنها كثيراً من السجع، وأشار إلى دوافع تأليفه للكتاب ومنهجه الذي سار عليه، كل ذلك في أسلوب رشيق جميل، حرصًا منه على براعة الاستهلال التي تحسب في بلاغة الكتاب.
* المطلب الرابع: طريقة تنظيم الكتاب:
لقد حاولت أن أرصد المنهج الذي سار عليه ابن بشير في كتابه التنبيه على مبادئ التوجيه، فوجدته اتبع الخطوات التالية:
قام بتقسيم الكتاب، إلى كتب وأبواب وفصول. فذكر لكل كتاب أو باب عنواناً، ولم يعنون الفصول غالباً. ثم إنه بعد ذكر عناوين الكتب والأبواب يأتي بمقدمة، يُعرف فيها ما يحتاج إلى تعريف في اللغة والاصطلاح. ثم يذكر حكم القضية الكلية المتناولة، معززا بالأدلة العامة التي تنبني عليها معظم فروع الكتاب أو الباب. وقد يستطرد أحياناً في هذه المقدمة، ويذكر بعض الحكم والعلل التشريعية كما جاء في كتاب الزكاة الأول وغيره.
فإذا انتهى من ذلك؛ ذكر المحاور الرئيسية التي يريد طرحها في ذلك الكتاب أو الباب. وهذه نماذج توضح ذلك:
١ - قال في بداية كتاب الصيام: "والصوم في اللغة: الإمساك مطلقاً، وهو في الشرع: عبارة عن إمساك مخصوص في زمن مخصوص على وجه مخصوص. وصوم رمضان من معالم الشريعة وأركان الإسلام. ووجوبه معلوم من دين الأمة ضرورة، ومن يجحد الوجوب فهو كافر قطعًا؛ فإن أقر بالوجوب وامتنع من الصوم فهل يكون كافراً؟ يجري على ما قدمناه من الخلاف في المُقر بوجوب الصلاة التارك لها. ويجبر على فعله عند القائلين بنفي التكفير، كما يجبر على فعل الصلاة.
стр. 119
والأصل في وجوبه الكتاب والسنَّة وإجماع الأمة؛ فأما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، وفيه: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، وقد اختلف هل الإشارة بها إلى رمضان. وهو يسير بالنسبة إلى شهور السنة، فلهذا عبر عنه بأيام معدودات، أو إلى غيره. واختلف القائلون بذلك على ثلاثة طرق: أحدها أنها ثلاثة أيام من كل شهر غير معينة، والثاني أنها أيام البيض، والثالث أنها يوم عاشوراء. وجمعت لأنها تتكرر في العدّ.
فمن قال: الإشارة بها إلى رمضان، جعل ما بعدها من النص على أشهر بيانًا [للإجمال المتقدم]، ومن قال الإشارة بها إلى غيرها جعل ما بعدها من تعيين الشهر ناسخاً.
واختلف في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ هل هو منسوخ أم لا وهؤلاء يرون أنه كان في أول الإسلام المكلف يخير بين أن يصوم أو يفطر ويطعم، ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وهو غير منسوخ، ومعنى يطيقونه أي يلزمون به [ويكلفون به، وإن كان عليهم في الأداء مشقة. وقد قرئ يطوقونه أي يلزمونه]. وسيأتي الخلاف في موضعه. والحامل والشيخ الكبير هل تلزمهما الفدية أم لا؟ وهو جار على هذا.
وأما السنَّة فقد نقل وجوبه متواتراً، وتلقته الأمة بالقبول لقوله ﷺ : "بُنِيَ الْإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ" فذكر فيها صوم رمضان.
وأما الإجماع فهو ثابت قطعاً. قال أبو المعالي: المقصود بالصوم في الشريعة وجهان: أحدهما كسر الشهوتين؛ شهوة البطن والفرج، فإنهما إذا أرسلا على شهواتهما ولم تعود النفوس كسرها دعتا إلى الوقوع في المحظور. وإذا تعوَّد الإنسان إمساكهما عن المباح وأخذ نفسه بذلك قدر على إمساكهما عن الممنوع. فكأن الصوم في الشريعة إمساك عن مباح ليكون حمى للممنوع، وعليه نبه ﷺ : "أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَى أَلاَ وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ". والوجه الثاني أن المقصود أيضاً كسر الشهوتين. لكن
стр. 120
ليس للاعتياد، بل يحصل من نفس الكسر قمع النفس عن شهواتها ومنعها من الاسترسال على لذاتها. وإليه الإشارة بقوله ﷺ : "الصَّوْمُ جُنَّةٌ".
وإذا ثبتت هذه المقدمة، قلنا بعد هذا: المقصود من الكتاب ينحصر في خمسة فصول: أحدها شروط الصوم، والثاني أركانه، والثالث تفصيل ممنوعاته، والرابع حكم ما يجب بارتكاب الممنوعات، والخامس حكم مقتضيات الفطر".
٢ - وقال في بداية قضاء المنسيات: "والأصل في قضائها الكتاب والسنَّة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ الآية، وإن احتملت فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى: يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. [وهذا يقتضي أن المراد بالآية إذا ذكرتك إياها، وقيل في تأويل الآية: إن معناها أقم الصلاة لتذكرني فيها، وقيل: لنذكرك بها. وقراءة ابن شهاب: ﴿أقم الصلاة للذكرى﴾ يحتمل هذه الأوجه].
وأما السنَّة فمنها الحديث المتقدم آنفا. وقد ثبت عنه ﷺ أنه نام عن صلاة الصبح ثم قضاها بعد طلوع الشمس.
وأما الإجماع فقد اجتمعت الأمة على وجوب قضاء المنسية من الصلوات إذا كانت خمسا فدون. ومذهب فقهاء الأمصار وجوب القضاء وإن زادت على الخمس قياسًا على المجمع عليه ووجوب قضاء ما تعمد تركه، لأنهم رأوا أن الآية تقتضي العموم [في العمد] وغيره إذا حملناها على موافقة ما ورد في الحديث من التأويل، ولأن القضاء إذا ثبت في المنسية والتي نام عنها - وإن كان الإثم ساقطا- فأحرى أن يجب في المتعمد تركها بثبوت الإثم في الترك [عامداً]. واقتصاره في الحديث على ذكر المنسيات والتي نام عنها من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى.
وإذا ثبتت هذه المقدمة فإن النظر في هذا الباب ينحصر في ثلاثة فصول: أحدها أوقات القضاء، والثاني لزوم الترتيب، والثالث حكم
стр. 121
المنسيات في ترتيب بعضها على بعض. وإذا اعترى الشك في أيامها وأعيانها وأعدادها".
على هذا النهج سار ابن بشر، في كتابه وقد أثبت هذين النموذجين على طولهما تجلية لذلك.
أما بالنسبة للفصول، فإنه في الغالب الأعم يتركها بدون عناوين. وقد يتناول في الفصل الواحد عدة جزئيات وفروع متناثرة، وأحياناً يفرد بعض القضايا بفصول مستقلة.
ثم إن ابن بشير آل على نفسه ألا يستطرد في ذكر الجزئيات والتفاصيل والأمور الواضحة، إلا أنه لم يتمكن من الوفاء بذلك أحياناً، وكثيراً ما يتنبه إلى أنه قد خرج عن المنهج الذي رسمه لنفسه. فيقول: "ولنقبض عنان البيان عن هذا المكان، وقد خرجنا في هذا الباب عن مقصود الكتاب." (١).
ولكي يجعل الكتاب أكثر وضوحاً، وفي متناول طلبة العلم، قام بشرح الغريب الذي يستدعي شرحا، إذ نادراً ما يحتاج القارئ الرجوع إلى المعاجم اللغوية. فأصبح الكتاب بذلك تام الوضوح لا يحتاج إلى مزيد بيان.
* المطلب الخامس: طريقة تناوله للمسائل الفقهية
لقد اخترع ابن بشير طريقة جديدة، انفرد بها عن غيره، تقوم على الاختصار المبني على القواعد الأصولية (٢). فقد حاول أن يجمع المادة الفقهية، وأن يذكر أقوال المذهب وفاقًا وخلافًا، وأن يذكر مبادئ الأدلة، مع الإشارة إلى أسباب الخلاف، وانتقاد الأقوال التي تخالف أصول المذهب، كل ذلك في حرص شديد على عدم الإطالة في الجزئيات والتفاصيل. فجاء الكتاب في شكل مختصر اختصارًا موسوعياً. ابتعد فيه عن
стр. 122
الإطناب، واتسم بالوضوح والشمول. فقارئه لا يشعر بأنه أمام مختصر مغلق، لا يفهم إلا بواسطة الشروح أو الشروح والحواشي، كما أنه لا يشعر بأنه أمام كتاب مطول ممل، يغرق صاحبه في تتبع الجزئيات والفروع التي لا تنتهي.
ومن أجل هذا نجد الباحثين المعاصرين اختلفوا في تصنيفه؛ هل هو ضمن الموسوعات (١) والمطولات؟ أو هو ضمن المختصرات؟ فالدكتور عمر الجيدي جعله ضمن الموسوعات المطولات (٢) والدكتور محمد شرحبيلي جعله ضمن المختصرات (٣). والحق أن الصفة التي تصدق عليه هو كونه مختصراً اختصارًا موسوعيًا.
* المطلب السادس: منهجه في المسائل التي لا نص فيها في المذهب:
يندر جداً أن نجد مسألة ليست من النوازل، لا نص فيها في المذهب
стр. 123
ولا تدخل في معنى المنصوص أو شيء من ضوابطه، يقول الجويني: "يبعد أن تقع واقعة لم ينص على حكمها في المذهب، ولا هي في معنى شيء من المنصوص عليه فيه من غير فرق، ولا هي مندرجة تحت شيء من ضوابطه." (١) وإن كان الجويني شافعياً فإن كلامه هذا ينطبق على سائر المذاهب.
وعلى ندرة هذه المسألة، فقد حظيت بالاهتمام من طرف العلماء، وتناولوها بالدرس والنقاش. فالأحناف مثلاً يرون الرجوع والميل إلى المذهب المالكي عندما لا يجدون في مذهبهم قولاً في المسألة، على اعتبار أنه أقرب المذاهب إليهم (٢).
والمالكية اختلفوا، فبعضهم يرى وجوب العمل بالمذهب الشافعي، على اعتبار أن الشافعي تلميذ لمالك. والبعض يرى وجوب اتباع المذهب الحنفي، لقلة الخلاف بينهما. لكن الذي رجحه المحققون كالقرافي والأجهري هو الرجوع إلى المذهب الشافعي فيما لا نص فيه (٣)، ولعل ابن بشير سار في هذا الاتجاه على الأقل في هذا الجزء الذي وقفت عليه، وقد لاحظت ذلك في مسألتين: الأولى: صرح فيها أنه عول على مذهب الشافعي وإن حكى في نفس الوقت مذهب أبي حنيفة.
والثانية: لم يصرح فيها باعتماده على مذهب الشافعي، وإنما حكاه، ويستشف من حكايته هذه مع عدم حكاية المذاهب الأخرى، أنه مال إليه.
والمسألتين هما كالتالي:
стр. 124
الأولى: قوله فيمن عجز عن كل أفعال الصلاة ولم يبق له إلا النية:
" وقد طال بحثنا عن مقتضى المذهب في هذه المسألة. والذي عولنا عليه في المذاكرات موافقة مذهب الشافعي مع العجز عن نص يقتضيه في المذهب. فالمسألة في غاية الإشكال من [جهة أن التكليف لا يمكن إلا متمكناً ولا يقع التكليف إلا بممكن. ولكن] الاحتياط مذهب الشافعي، والرجوع إلى براءة الذمة هو مقتضى مذهب أبي حنيفة. ولا يبعد أن يختلف المذهب في هذه المسألة [وإن وجد فيها نص] " (١).
والثانية: قوله في المفاضلة بين الأفقه والأصلح في الإمامة:
" وإن اجتمع الأصلح والأفقه، فلم أر في المذهب نصاً في هذه المسألة. وللشافعية قولان: أحدهما تقديم الأفقه مراعاة لقدرته على مراعاة إصلاح ما يعرض له في الصلاة من المفسدات الشواذ. والثاني تقديم الأصلح، إذا كان لَهُ من الفقه ما يمكن به أداء الصلاة وإصلاح ما يعرض له فيها من المفسدات المتكررة والتي ليست شاذة جداً" (٢).
* المطلب السابع: المنهج التأصيلي عند ابن بشير:
لقد مر المذهب المالكي من حيث تأصيل المسائل الفقهية وربطها بأدلتها، قبل ابن بشير بعدة مراحل.
المرحلة الأولى: مرحلة الانطلاق من النصوص مباشرة عند استثمار الأحكام، والاستئناس بآراء الصحابة والتابعين والتمسك بالتراث الفقهي لأهل المدينة، وهذه المرحلة يمثلها إمام المذهب نفسه.
стр. 125
المرحلة الثانية: مرحلة تدوين الأحكام مؤصلة ومرتبطة بأدلتها إقتداء بروح منهج الإمام. وقد تبلور هذا المنهج على يد كل من سحنون في المدونة وابن حبيب في الواضحة ونظرائهما.
المرحلة الثالثة: مرحلة التخفيف من التأصيل والتقليل من الأدلة، وقد سُلك هذا الاتجاه تحت ضغط تنوع الأدلة وتضخم الكتب الفقهية. ويعد ابن أبي زيد القيرواني بكتابه مختصر المدونة، والنوادر والزيادات. والبراذعي، بكتابه التهذيب؛ رائدي هذه المرحلة.
المرحلة الرابعة: مرحلة العودة إلى التأصيل مرة أخرى، والسير على المنهاج العلمي الأمثل والانطلاق من المنابع الأولى؛ القرآن والحديث في إطار قواعد المذهب وفروعه (١).
وقد أحيى هذا المنهج كل من ابن يونس الصقلي (ت) ٤٥١ هـ، وأبو الحسن اللخمي ٤٧٨ هـ والمازري ٥٣٦ هـ وابن بشير.
فابن بشير ينتمي إلى المرحلة الرابعة مرحلة العودة إلى التأصيل. وقد تجلت الصورة التأصيلية في كتابه التنبيه على مبادئ التوجيه، الذي اختار له هذا العنوان لينم عن مدى اهتمامه بتوجيه الأقوال وتأصيلها.
إلا أن طبيعة الكتاب المتسم بالاختصار؛ جعلته لا يتوسع في ذكر الأدلة. بل يكتفي برؤوسها ومبادئها، حيث يقول مفصحاً عن منهجه في ذلك: "ولسنا لإكمال الحجاج وإنما نبهنا على أوائله" (٢).
ومن خلال نماذج من كتابه التنبيه أحاول تلمس معالم منهاجه، وأختار مثالين من كتاب الصلاة الثاني.
стр. 126
المثال الأول قوله: "من كان إماماً فسلم من صلاته قبل كمالها، فقال له بعض المقتدين: إنك لم تكمل صلاتك، فقال: بل أكملت، وسأل غير المتكلم أولا، فأخبره أنه لم يكمل. فهل تصح هذه الصلاة أو تبطل؟ في المذهب ثلاثة أقوال: المشهور صحتها، والشاذ بطلانها. وقال سحنون: إن جرى ذلك في الصلاة الرباعية بعد ركعتين صحت الصلاة، وإن كان من غير الرباعية أو ليس بعد الركعتين بطلت. ووجه المشهور الاعتماد على الحديث في أنه ﷺ سلم من اثنتين فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله فقال: كل ذلك لم يكن، فقال ذو اليدين: قد كان بعض ذلك. فسأل الناس فأخبروه بصحة ما قال ذو اليدين ورجع رسول الله ﷺ إلى إكمال صلاته.
ووجه الشاذ إما لأن الحديث لا يحكم بصحته. وقد تكلم عليه أصحاب أبي حنيفة [من جهة] أن الراوي أبو هريرة ﵁، ولهم في ذلك معان لسنا لها. وإما لأنه انفرد بنقله الآحاد. وإما لأن القياس مقدم عليه. وبين الأصوليين خلاف في تقديم القياس على خبر الآحاد. وإما لأن القصة جرت في زمن يجوز فيه النسخ ولم يتكلم ذو اليدين إلا وهو يجوز النسخ فعذر بذلك. بخلاف من يطرأ له ذلك بعد تقرر الشرائع واستحالة النسخ. وعلى هذا عول ابن كنانة القائل ببطلان الصلاة، وأجاب ابن القاسم عن هذا بأن غير ذي اليدين من الصحابة تكلموا بعدما علموا بأن الصلاة لم تقصر.
وأما وجه قول سحنون، فهو أن القياس بطلان الصلاة، وقد وردت صحتها في صورة فيقتصر على ما وردت. ولا يجري القياس فيما عداها." (١).
المثال الثاني قوله: "ولو نسي أن يسجد سجود السهو فلم يسجده حتى طال الأمر؛ فأما اللتان بعد السلام فيسجدهما متى ما ذكر، وأما اللتان قبله فهل تبطل الصلاة لتركها متى طال الأمر؟ في المذهب خمسة أقوال:
стр. 127
أحدها: أنها تبطل، وهو المشهور. والثاني: أنها لا تبطل، وهو الشاذ. والثالث: أنها تبطل إن كان السجود واجبًا عن نقص فعل، ولا تبطل إن كان عن نقص قول. والرابع: أنها تبطل لنقص الجلوس الأوسط وأم القرآن من ركعة واحدة، ولا تبطل إن كان من نقص غير ذلك. والخامس: أنها تبطل إن كان النقص في القول أو في الفعل، إلا أن تكون التكبيرتان وما في معناهما من قول "سمع الله لمن حمده".
فأما القولان بالبطلان ونفيه فبناء على أن السجود واجب لأن الرسول ﷺ أمر به فتبطل الصلاة لتركه، أو على أنه ليس بواجب لأنه بدل على غير واجب فلا تبطل الصلاة لتركه. وهذا الذي قلناه من كون المبدل غير واجب هو أصل المذهب وقاعدته. وانفرد أبو الوليد الباجي فرأى أن القول بالبطلان يقتضي أن المبدل عنه واجب، ورأى أن الصلاة على ثلاثة أضرب؛ منها إن كان لا يجزيه عنها إلا الإتيان بها ونفي ما قدمنا من الفروض. ومنها واجبات ينوب عنها السجود، وهذه التي عددناها آنفاً. ومنها فضائل هيئة لا تجبر. وهذا قياس على الحج فإنه على هذه الثلاثة الأقسام.
وأما الأقوال الأخيرة فمبناها على تأكيد المتروك وعدم تأكده، فتأكد عند قوم لكونه فعلاً، وعند قوم لهذا أو بالخلاف في فرضيته كأم القرآن في ركعة، وعند قوم بهاذين، وبكثرة الأقوال".
وبهذين المثالين تبرز النزعة التأصيلية الواضحة والمتمكنة في منهج ابن بشير، ورغم ميله إلى الاختصار والاكتفاء برؤوس الأدلة؛ يمكن أن تدفع به مع غيره ممن ساروا على نفس المنهج، التهمة التي حاول البعض إلصاقها بالمذهب المالكي. أعني دعوى عدم تأصيله واستناده إلى أقوال الرجال بدل الاستناد إلى النصوص من الكتاب والسنة (١).
...
стр. 128
المبحث الثاني: الخلاف (١) الفقهي عند ابن بشير
لقد ظهر الخلاف في المسائل الفقهية من عهد النبي ﷺ ، واختلف الصحابة رضوان الله عليهم بين يديه ﵇، وأقرهم على ذلك (٢). وقد ظهر الحديث عن الخلاف في وقت مبكر جداً. ومن بين أقدم المؤلفات في هذا الميدان: الحجة على أهل المدينة لمحمد بن الحسن الشيباني (ت) ١٨٩هـ.
وقد كانت مناهج العلماء الخائضين في هذا المجال في بداية الأمر لا تخرج عن منهجين اثنين:
الأول: منهج سرد الأقوال والآراء الفقهية مجردة من أدلتها وأصولها، أو مع ذكر بعض الأدلة والأصول من غير قصد إلى الترجيح والاختيار. ومن جملة من سلك هذا المنهج نجد: أبا عبد الله محمد بن نصر المروزي ت ٢٩٤هـ في كتابه اختلاف العلماء. وأبا جعفر محمد بن جرير الطبري في كتابه اختلاف العلماء كذلك.
стр. 129
وكأن أصحاب هذا المنهج يعتمدون على مشروعية الخلاف، أو يرون أن كل مجتهد مصيب ما دام الخلاف مشروعاً ومقصوداً.
الثاني: منهج من يسرد الأقوال والآراء الفقهية، معززة بأدلتها وأصولها، مع قصد الترجيح والاختيار ونصرة مذهب من المذاهب أو رأي من الآراء. وقد شحنت مؤلفات أصحاب هذا المنهج بأساليب أهل الجدل والمناظرة. أو أساليب أهل الحديث والأثر الذين يركزون على دراسة الأسانيد وضبط المتون، كالتمهيد لابن عبد البر وغيره.
وفي القرن الخامس وفي الغرب الإسلامي بالتحديد، حصل تقدم وتطور نوعي في تعامل الفقهاء مع الخلاف الفقهي، فقد نقلوا الدرس الفقهي من سرد للخلاف، أو الانتقاء منه، إلى تعليل الخلاف وتأصيله وتقعيده وذكر أسبابه ومبرراته.
وقد تناول علماء الغرب الإسلامي هذه القضية من شقين:
شق نظري مجرد قصد به، حصر أسباب الخلاف الرئيسية. وشق تطبيقي قصد به ربط الفروع بتلك الأسباب. ولعل أول من تحدث بوضوح عن الشق النظري هو: ابن حزم الظاهري في كتابه الإحكام في أصول الأحكام، (١) وقد لخص أسباب الخلاف في عشرة نقاط، تعتبر أصولاً ترجع إليها كل الأسباب الفرعية (٢). ثم تبعه بعد ذلك ابن السيد البطليوسي، فأفرد المسألة بكتاب مستقل (٣)، وإن تحدث فيه عن أسباب الخلاف عمومًا في الفقه وأصول الدين وغيرهما، ثم جاء بعد هؤلاء الشاطبي (٤) وابن
стр. 130
جزي (١) وغيرهما، ولم يظهر التأليف في هذه القضية عند المشارقة- حسب علمي- إلا في القرن الثامن على يد ابن تيمية، في كتابه رفع الملام عن الأئمة الأعلام.
أما الشق التطبيقي الذي يتتبع المسائل الخلافية، ويذكر سبب الخلاف في كل مسألة؛ فقد ظهر في القرن الخامس. ومن رواده الأوائل: اللخمي، وعبد الحميد الصائغ، والمازري، وابن بشير، وهؤلاء كلهم مالكية من الغرب الإسلامي، ولا أعلم للمشارقة كتاباً ألف على هذا المنوال الذي يتتبع المسائل الخلافية، ويعللها ويبين أسبابها ودواعيها.
وما إن انتشر هذا المنهج الجديد، وتداوله المالكية في الخلاف الداخلي بالخصوص، حتى أنجب الغرب الإسلامي جهبيذًا التقط الخيط وخطى به خطوة إلى الأمام، أعني أبا الوليد محمد بن رشد الحفيد ت ٥٩٥هـ الذي استفاد من جهود سابقيه، ووظف ما قالوه في الخلاف العالي، وخرج على الناس بكتاب غاية في السبك والإحكام فبهر أعينهم ونال إعجابهم، إلا أن هذا المنهج لم يكتب له الاستمرار إذ آخر من سار على هذا المنهج هو أبو الحسن علي بن سعيد الركراكي من علماء القرن السابع (٢) في كتابه مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل.
* المطلب الأول: اقتصار ابن بشير على ذكر الخلاف داخل المذهب:
إن أهم ما يلاحظه المطلع على الكتاب؛ هو كثرة إيراده للأقوال والخلاف داخل المذهب. وقد استغرب البعض كثرة هذه الأقوال في المذهب وسأل عنها فقيل له: "ذلك لكثرة نظاره في زمان إمامه، وقد أخذ عنه مشافهة، نحو ألفين كلهم مجتهد، أو قارب الاجتهاد" (٣). ومهما يكن
стр. 131
من أمر فإن المسألة ظاهرة صحية، تدل على مرونة المذهب، وإمكان استيعابه لأراء متعددة داخل دائرته. ولعله من هذا المنطلق حرص ابن بشير على إيراد هذه الأقوال، بل نص على أن من مقاصده في هذا الكتاب ذكر خلاف المذهب. فقال في المقدمة: "فرأيت أن أملي عليهم من خلاف أهل المذهب، ما يحصل به للجمهور الاستقلال، منبهًا على أوائل التوجيه والاستدلال".
وقال كذلك في كتاب الصلاة الثاني: "هذا أصل الكلام في صلاة الخوف على المذهب وفاقًا وخلافاً." (١).
والكتاب كله شاهد على هذا، فإن كانت المسألة متفقا عليها أشار إلى ذلك. وإن كانت مختلفا فيها داخل المذهب، ذكر ذلك الخلاف. وطريقته في ذلك؛ أن يبدأ بذكر المشهور، ثم يثني بالشاذ، وقد يخالف هذه الطريقة في بعض الأحيان كما هو الشأن في المثالين التاليين، حيث قدم الشاذ على المشهور:
أ- "واختلف هل الأفضل في تشييع الجنازة المتقدم عليها، أو التأخير؟ على ثلاثة أقوال: أحدها أن الأولى المتقدم. والثاني بالعكس، وهما شاذان. والثالث هو المشهور، أن المشاة يتقدمون والركبان يتأخرون." (٢).
ب- "قال في الهارب بماشيته: ولا شك أنه متعد في الهروب، فالواجب عليه متعلق بذمته. فلا يختلف المذهب في ذلك، لكن اختلف إذا زادت نعمه بعد أن كانت ناقصة في أعوام، هل يؤخذ بما يوجد في يده من الزيادة على سائر الأعوام؟ وهو الشاذ من المذهب، أو يؤخذ عن كل عام بما في يده؟ وهو المشهور ... " (٣).
وفي كثير من الأحيان يذكر الأقوال بدون أن ينص على شهرتها أو
стр. 132
شذوذه، فيكتفي بقوله: القول الأول كذا، والقول الثاني كذا، والثالث ... الخ.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الكتاب يعد مصدراً هاماً لمعرفة الأقوال التي حكم عليها تحت ضغط مؤثرات مختلفة بالشذوذ، فأغفلها كثير من الناس، والحاجة ماسة إليها في عصرنا هذا الذي لا بدّ لنا فيه من اللجوء إلى الاجتهاد الانتقائي في المسائل المبحوثة، والإنشائي في المسائل المستجدة.
أما بالنسبة للمذاهب الأخرى؛ فإنه يكتفي بالإشارة إليها من حين لآخر، وهي إشارات قليلة، ولا ضير في ذلك إذ الكتاب في الخلاف داخل المذهب، وليس في الخلاف العالي، وقد ألمع إلى هذا ابن بشير فقال: "لأن القصد بيان المذهب والإشارة إلى مذهب المخالف ... " (١). وإشاراته مقصورة غالباً على المذهب الشافعي والحنفي. وقد يشير من حين لآخر لغير هؤلاء من المجتهدين كالليث بن سعد، وداود الظاهري، وغيرهما. أما الإمام أحمد فإني لم أقف له على أية إشارة، ولعل هذا راجع إلى ما كان رائجا آنذاك من عد الإمام أحمد من المحدثين لا من الفقهاء.
ومن مصطلحاته في هذا الشأن؛ أنه يطلق على علماء غير المذهب لفظة الناس، كما في النماذج التالية حيث قال: "لكن اختلف الناس والمذهب." (٢) "وقد اختلف الناس فيه وفي المذهب قولان" (٣) "وأما أوقات النوافل فإنه يحرم أداؤها عند طلوع الشمس وعند الغروب بإجماع. واختلف الناس فيما عدا ذلك، ولسنا للاختلاف ... " (٤) "واختلف في العشر الأواخر وسنذكر خلاف الناس فيها" (٥).
стр. 133
واستعماله لهذا المصطلح لا يشم فيه أية إشارة إلى التنقيص، أو اللمز كما هو مستعمل عند البعض (١).
* المطلب الثاني: ثمرة الخلاف:
ثم إن ابن بشير لم يقتصر على سرد الخلاف والتعرض للأقوال. بل تعدى ذلك إلى ذكر ثمرة الخلاف وفائدته، والتي بها يتضح للقارئ ما يترتب على كل قول عند تفعيله. وهذا كله يساعد على الترجيح والاختيار وينمي ملكة النظر عند المحصلين. ومن أمثلة ذلك قوله في باب زكاة الفطر:
"فأما زمان الخطاب بها ففي المذهب اضطراب يؤخذ من مسائل مفردة في المذهب. ويتحصل من ذلك أربعة أقوال: أحدها أنها تجب بغروب الشمس من ليلة الفطر، [والثاني من طلوع الفجر، والثالث من طلوع الشمس، والرابع أنها تجب بغروب الشمس من ليلة الفطر]، لكن وجوباً مُوَّسعاً آخره غروب الشمس من يوم الفطر ... وفائدة هذا الخلاف فيمن ولد أو أسلم أو مات أو بيع [من العبيد] في ما بين هذه الأزمان، هل تجب فطرته؟ أو لا تجب على المولود والداخل في الإسلام؟ وهل تسقط عن الميت؟ " (٢).
وقوله كذلك: "وإن كان الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان فهل يخرج عند غروب الشمس قياساً على الأول أو بعد طلوع الفجر؟ في المذهب قولان: البقاء إلى طلوع الفجر، لأنه المروي عن الرسول ﵇. وإذا قلنا إنه يبقى إلى الطلوع فهل على جهة الوجوب أو على جهة الندب؟ في المذهب قولان ...
وثمرة الخلاف لو فعل بعد خروجه فعلاً يضاد الاعتكاف فهل يفسد
стр. 134
اعتكافه ويبتدئه من الأول أم لا؟ فإن أوجبنا الإقامة فسد اعتكافه وابتدأه من الأول، وإن قلنا باستحبابه لم يفسد. وقيل إنه يفسد بنفس الخروج." (١).
* المطلب الثالث: الخلاف في الحال:
ومن منهجه أيضًا في تعامله مع المسائل الخلافية؛ التمييز بين الخلاف الذي يكون بتباين الأقوال، وهو المعروف بخلاف في فقه. والخلاف في الحال، أو الخلاف في شهادة، الذي يتفق فيه على أصله، ويختلف في حصوله في محل النزاع. فمن الفقهاء من يرى حصوله في محل النزاع، ومنهم من لا يرى ذلك فيقع الخلاف. وقد أكثر ابن بشير من التنبيه على هذا النوع من الخلاف. قال ابن راشد القفصي (ت) ٧٣٦ هـ: " ... وقد يتفق على سببية السبب وشرطية الشرط، ويختلف هل وقع ذلك في محل النزاع أو لا؟ وعن هذا يعبر ابن بشير بأن الخلاف في شهادة، وإذا تأملت ذلك ظهر لك سبب الاتفاق والاختلاف، فاحتفظ بهذا الأصل فإنه جيد جدا" (٢)، وقال الونشريسي: "ولأجل تغيير الفوائد في الأموال والسكك وغيرهما، جمع العلماء الأقوال المختلفة الصادرة عن أئمتهم المتقدمين على وقتهم، فقالوا في كثير من مسائل الخلاف هو خلاف في حال لا خلاف في مقال، وللشيخ أبي الطاهر بن بشير التنوخي عناية بالجميع في كثير من مسائل الخلاف، وردها إلى خلاف في حال." (٣). فمن خلال هذين النصين، يتبين أن ابن بشير يتميز باعتنائه واهتمامه بهذا النوع من الخلاف. وهذه أمثلة توضح ذلك:
- أولاً: قال في إزالة النجاسة من المخرجين بالأحجار: "وهل يكتفي للمخرجين بثلاثة أو يطلب لكل واحد ثلاثة؟ قولان. وهو خلاف في
стр. 135
شهادة، هل يتلطخ الحجر بأحدهما فلا يكفي في الآخر، أو يمكن أن يحصل الانتقاء في الموضعين بثلاثة." (١).
- ثانياً: قال في تطهير الزيت من النجاسة: "وهل يطهر الزيت وسائر الأدهان بعد تنجيسها بماء يقع فيها؟ في المذهب قولان: المشهور أنه لا يطهر، والشاذ أنه يطهر وهو خلاف في شهادة ترجع إلى الحس، وذلك أن الأدهان لا تمتزج بها النجاسة امتزاجاً لا يمكن انفصالها عنها، بخلاف امتزاج سائر الأطعمة. وإذا تقرر ذلك فهل يمكن أن يبلغ إذا غسل منها مبلغاً يذهب النجاسة ويبقى الدهن على أصله؟ هذا محل الخلاف وهو محال على شهادة." (٢).
- ثالثًا: قال في تنزيل التنحنح في الصلاة منزلة الكلام فيها: "وهل يتنزل التنحنح بمنزلة الكلام؟ أما إن كان بغلبة فلا خلاف في صحة الصلاة، وأما إن كان بغير غلبة، ففي المذهب قولان: أحدهما أنه بمنزلة الكلام، ينظر في السهو والعمد إلى ما قدمناه. والثاني أنه ليس بمنزلته، وهو خلاف في شهادة تصوره هل تتركب منه حروف كما تتركب من الكلام، أم لا يتركب ذلك؟ وهكذا اختلفوا في النفخ هل يتنزل منزلة الكلام، وهو على ما قدمناه" (٣).
* المطلب الرابع: خلاف التنوع
كما أنه كثيرًا ما ينبه على نوع آخر من الخلاف يمكن الاصطلاح عليه بخلاف التنوع، أو خلاف الهيئات والصور، وهذا النوع من الخلاف تكون كل صوره وهيئاته جائزة، وتبرأ ذمة المكلف بفعل أيهما شاء. ومن أمثلته: قوله: "وهل يشير بالمسبحة أو يمدها غير محرك لها؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها أنه يشير بها. فقيل المراد بذلك طرد الشياطين وقمعها. وهذا
стр. 136
أيضاً تحقيق معناه، أنه يقرر على نفسه ما يذكر من التشهد. ويذكرها بالتقصير عن معاني ما يذكره ويمنعها أيضاً من الغفلة عن ذلك. والقول الثاني أنه [يبسط مسبحته غير محرك لها. قيل المراد بذلك الإشارة إلى الوحدانية. والقول الثالث أنه] يبسطها موحداً إلى أن يبلغ قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله" فيشير بأصبعه مقررا على نفسه جميع ما يلزمه الإيمان به. وهذا كله لا ينبغي أن يعد خلافاً، وإنما يعد هيئات" (١).
* المطلب الخامس: ما لا ينبغي أن يختلف فيه:
بقدر حرص المؤلف على ذكر الخلاف، فإنه لا يعزب عنه ذكره المسائل المتفق والمجمع عليها، إما داخل المذهب أو حتى خارجه، والمسألة واضحة نستغن عن تكلف الأمثلة والشواهد لها. لكن الذي ينبغي أن يشار إليه، هو أن ابن بشير لم يتوقف عند ذلك، بل تعداه إلى ذكر المسائل التي لا ينبغي أن يختلف فيها. وكأنه يريد بذلك سد الباب على من يريد أن ينشئ خلافاً بدون وجود أسبابه ودواعيه، وهو ما يمكن أن نسميه بالخلاف المرفوض، الذي لا مسوغ له ولا مبرر.
ومن أمثلة ذلك قوله في الواجب بارتكاب الممنوعات:
"ويتعلق بارتكاب الممنوعات ثلاثة أشياء: القضاء والكفارة وقطع التتابع، ولا يخلو المرتكب من أن يكون معذوراً أو غير معذور؛ فإن كان معذورا بالنسيان أو بالغلط في التقدير؛ وجب القضاء في جميع أقسام الصيام إلا في التطوع فلا يجب بلا خلاف على هذا. وهل يستحب؟ في المذهب قولان، وهكذا نقل. ولا ينبغي أن يختلف في استحبابه، لأنه فعل بر." (٢).
وقال في باب حكم التحريم بالمصاهرة: "وقد قدمنا أن مقدمات الوطء؛ كالوطء، وهذا إذا كانت اللذة. فإن كان لمس وما في معناه لغير لذة؛ فإنه لا تنتشر الحرمة، وإن كان للذة من غير بالغ ففيه قولان، وهذا
стр. 137
إنما يصح في المميز. وأما من لا يميز اللذة من غيرها، فينبغي ألا يختلف فيه." (١).
* المطلب السادس: أسباب الخلاف عند ابن بشير
لقد سبقت الإشارة إلى أن ابن بشير ينتمي إلى مدرسة تعليل الخلاف التي ولدت وازدهرت في الغرب الإسلامي. والمتتبع للكتاب يلاحظ حرص ابن بشير على ذكر سبب الخلاف في معظم المسائل الخلافية التي أوردها في كتابه، ويعبر عن ذلك بأساليب متعددة فإما أن يقول: "وسبب الخلاف كذا" أو "الخلاف آيل إلى كذا" أو "منشأ الخلاف كذا" أو "مثار الخلاف كذا". وقد لا يصرح في بعض الأحيان بذلك وإنما يستشف من خلال كلامه.
ولعل حرص ابن بشير على ذكر سبب الخلاف؛ راجع إلى أهمية هذا الأخير في معرفة أصول الآراء الفقهية وأسسها، ومناهج العلماء في استنباط الأحكام واستثمارها من مصادرها. وهذا كله يخدم مقصده من الكتاب، الذي يهدف منه إلى تمرين المتفقة على الاجتهاد، والارتفاع به عن التقليد.
والمتأمل في أسباب الخلاف التي ذكرها ابن بشير، يرى أنها كثيرة جدًا ومتنوعة، والغالب عليها القواعد الخلافية التي وردت بصيغة الخلاف، وانبنى على الخلاف فيها خلاف في مسائل فرعية وهي؛ إما قواعد أصولية أو فقهية.
فمن القواعد الأصولية قوله: "هل تحمل أوامره على الوجوب أو على الندب" (٢) "هل يخصص العموم بالعادة أم لا؟ " (٣) "هل الأمر يقتضي الفور، أم للمكلف التراخي؟ " (٤).
- ومن القواعد الفقهية قوله: "هل كل جزء من الصلاة عبادة قائمة
стр. 138
بنفسها أو يقال صحة أوائلها موقوف على صحة أواخرها؟ (١) " "من ملك أن يملك هل يعد مالكاً؟ " (٢) "هل يعلق الحكم على الصور النادرة أم لا؟ " (٣).
- وقد يكون الخلاف راجعاً إلى النصوص. ومن ذلك قوله: "اختلاف آيتين" (٤) أو "اختلاف الظواهر" (٥) أو "تعارض آية وحديث" (٦).
- وقد يكون الخلاف راجعاً إلى مسائل لغوية، ومن ذلك قوله: "هل الأسماء تحمل على الأوائل أو الأواخر" (٧)، "هل "إلى" لانتهاء الغاية أو للجمع" (٨) "الاختلاف في اسم الوجه" (٩).
- وقد يكون الخلاف راجعاً إلى مسائل تتعلق بعلوم الحديث، ومن ذلك الاختلاف في ثبوت الحديث (١٠) - والاختلاف في زيادة العدل هل تقبل أم لا؟ (١١) أو قبول رواية الصحابي غير الفقيه (١٢) ...
وقد يكون الخلاف راجع إلى غير ذلك كالاختلاف في رعي الخلاف (١٣) أو الاختلاف في التعليل (١٤) أو الاختلاف في التغليب (١٥) ... إلى غير ذلك.
стр. 139
وحتى لا يبقى الكلام نظرياً أرى أنه من الضروري أن أورد أمثلة توضح منهج ابن بشير في تعرضه لسبب الخلاف. وأكتفي بذكر ثلاثة أمثلة:
الأول: قال فيمن شك في طلوع الفجر هل يباح له الأكل في رمضان أم لا؟
"وأما إن شك فهاهنا قولان: كراهية الأكل، وتحريمه. ورأى ابن حبيب أن القياس الإباحة.
وسبب الخلاف استصحاب حالين: أحدهما إباحة الأكل، والثاني وجوب الصوم؛ فمن نظر إلى استصحاب زمن الليل؛ أجاز الأكل أو كرهه مراعاة للخلاف، ومن نظر إلى وجوب استصحاب الصوم منع إلا أن يتيقن بالجواز" (١).
الثاني: "وإذا وجبت الزكاة فأديت إلى فقراء الموضع الذي وجبت فيه، أجزت بلا خلاف. فإن أديت إلى غيرهم؛ فإن كان بأهل الموضع حاجة وغيرهم ليس بمنزلتهم، لم تجز، وإن تساوت الحالات فهل يجزي إخراجها إلى غير الموضع الذي وجبت فيه؟ فالمذهب على قولين. وسبب الخلاف قوله ﷺ لمعاذ: "فأخبرهم -يعني أهل اليمن- أن الله أوجب عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم"، فهل يحمل ذلك على فقراء المسلمين أو فقراء أهل الموضع؟ هذا سبب الخلاف ... " (٢).
الثالث: قال في باب الكفارة في الصيام "وأما الكبرى فقد اختلف المذهب في صفتها؛ فالمشهور: أنه ليس فيها إلا الإطعام. لكن اختلف المتأخرون هل ذلك من باب الأولى ويجزئ غيره، أو من باب الأوجب فلا يجزئ غيره. والشاذ أن يكون بالإطعام وغيره. وإذا قلنا بهذا فهل تتنوع بقدر أنواع الموجب، أو تكون على حدٍّ سواء؟ في المذهب قولان: والأشهر تساويهما وإن اختلف الموجب. والشاذ أنها بالإطعام إن كانت بغير
стр. 140
جماع، وعتق أو صيام إن كانت بالجماع. وإذا قلنا بالتساوي فهل هي على التخيير ككفارة الأيمان أو على الترتيب ككفارة الظهار؟ في ذلك قولان. وإذا قلنا بالتخيير هل يبتدأ بالطعام أولاً أو بالعتق؟ في ذلك قولان.
وسبب الخلاف اختلاف ظواهر، فَعَوَّلَ في المشهور على قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، وحمله على الكفارة الكبرى بتعمد الفطر. وقد قدمنا الخلاف في معنى الآية.
ومن فرَّق بين الموجب رأى أن الآية محمولة على الفطر بغير الجماع، والأحاديث تقتضي الفطر بالجماع، ونظر أيضاً إلى أن الأشد والآثم [يجب على الأشد في الارتكاب] والجماع أشد والشهوة فيه أغلب، فكان الواجب عنه أكبر من الواجب عن غيره. ومن قال بالترتيب عوَّل على ما في بعض الطرق من أنه ﷺ سأل المستفتي له هل يستطيع إعتاق رقبة؟ فلما أخبره بعدم قدرته على ذلك سأله عن استطاعته الصوم، فلما أخبره بالعجز عنه سأله عن القدرة عن الإطعام. فهذا يقتضي الترتيب ككفارة الظهار، ولأنها أيضًا تنوعت بأنواع الظهار ومقدرة بقدرها فتجب المساواة بينهما.
ومن خيَّر فلما في بعض الطرق من التخيير، وكأن من يرى أن الأولى الابتداء بالعتق يراعي مذهب المرتبين، ومن يرى الابتداء بالإطعام يراعي مذهب المقتصرين عليه. هذا مبادئ سبب الخلاف بحسب ما يليق بهذا المجموع ... " (١).
نلاحظ من خلال هذه الأمثلة كيف أن ابن بشير يذكر الأقوال وسبب الخلاف باختصار وتركيز بل صرح في آخر المثال الثالث بأنه اكتفى بذكر مبادئ أسباب الخلاف. وهذا هو المنهج الذي سار عليه في الكتاب، فقد آثر عدم الإطالة والتوسع في هذا الباب، وإنما أتى بما فيه الكفاية.
...
стр. 141
المبحث الثالث: النقد عند ابن بشير
ينتمي ابن بشير إلى المدرسة النقدية التي أسسها أبو الحسن اللخمي في القرن الخامس، والتي كان من روادها بالإضافة إلى ابن بشير؛ المازري وابن رشد الجد والقاضي عياض وغيرهم. يقول الفاضل بن عاشور: "فهؤلاء هم الذين سلكوا طريقة جديدة في خدمة الحكم، هي: الطريقة النقدية، التي أسس منهجها أبو الحسن اللخمي، فصاروا في الفقه يتصرفون فيه تصرف تنقيح، وينتصبون في مختلف الأقوال انتصاب الحكم الذي يقضي بأن هذا مقبول، وهذا ضعيف، وهذا غير مقبول، وهذا ضعيف السند في النقل، وهذا ضعيف النظر في الأصول، وهذا مغرق في النظر في الأصول، وهذا محرج للناس أو مشدد على الناس إلى غير ذلك. وهي الطريقة التي درج عليها الإمام المازري في شرحه على التلقين للقاضي عبد الوهاب، ودرج عليها ابن بشير في شرحه على المدونة الذي سماه التنبيه على مسائل التوجيه ... " (١).
* المطلب الأول: مجانبة ابن بشير للتعصب
وقبل الحديث عن منهجه النقدي لا بدّ لنا من التعرض لقضية تعتبر أساساً للنقد السليم ومعياراً للتقويم النزيه، أعني الإنصاف ومجانبة التعصب الذي ابتلي به بعض الفقهاء، فانساقوا وراء أهوائهم وتحاملوا على مخالفيهم. فجاءت معظم انتقاداتهم متابعة لأهوائهم.
والشيخ ابن بشير ﵀ معافى من ذلك في الجملة، فإنصافه لغير المالكية فضلاً عن المالكية واضح جلي، وربما امتدح رأي المخالف وتوجيهه مومئاً أو مصرحاً بضعف رأي المذهب وتوجيهه، ويستحسن أن أذكر أمثلة توضح ذلك:
المثال الأول قال: "وروي عن عمر ﵁ أنه صلى فلم يقرأ،
стр. 142
فقيل له في ذلك، فسأل عن الركوع والسجود هل أكملت؟ فقيل له أكملت، فقال: لا بأس إذاً.
وقد تأول المالكية ذلك على أنه أعاد. وهذا بعيد؛ لأنه يبطل معنى سؤاله عن الركوع والسجود. وتأوله الشافعية على أنه ترك الجهر ولم يترك القراءة جملة. وهذا أقرب من التأويل الأول" (١).
المثال الثاني: " ... وثبت عنه ﷺ أنه قال: "الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ [وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَالْبِئْرُ جُبَارٌ] وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ". وقد تعلق أصحابنا بهذا الحديث في أن المعدَن غير الركاز، لأن النبي ﷺ سماهما باسمين مختلفين. والظاهر أنه لا دليل في ذلك بل [يكاد أن] يكون حجة لأبي حنيفة القائل بأن ما يوجد في المعدن فيه الخمس، لأنه ﷺ تكلم على حكمين مختلفين، فأخبر بأن ما سقط في المعدن أو يسقط عليه المعدن، فهو جبار لا دية فيه. ثم أخبر أن في الركاز الخمس، أي في الركاز الذي يكون في المعدن. وبهذا يحسن تأليف النظم في الحديث، ولسنا لإكمال الحجاج، وإنما نبهنا على أوائله." (٢).
فهذه النصوص معبرة بوضوح على إنصافه وعدم تعصبه لمذهبه وتعسفه على مخالفه، وهي ليست في حاجة إلى تعليق، فالنص الأول صرح فيه ببعد تأويل المالكية وقرب تأويل الشافعية. والنص الثاني صرح فيه كذلك بأن ما تعلق به المالكية لا دليل لهم فيه بل هو حجة للأحناف (٣).
стр. 143
ورغم هذا فإن ابن بشير رمي بالتحامل والتعسف في انتقاده للخمي. فقد ورد في طبقات المالكية لمجهول: "وكان بينه وبين أبي الحسن اللخمي قرابة وتعقبه في كثير من المسائل، ورد عليه اختياراته الواضحة في التبصرة وتحامل عليه في كثير منها، قال ابن ناجي: كان بعض من لقيته يقول: تعسف ابن بشير هنا كعادته معه في كثير من المسائل، وتعسفه عليه بين لمن وقف على كتابه التنبيه" (١) والحق أن المطلع على كتاب التنبيه يلاحظ أن ابن بشير انبرى للرد على تخريجات واختيارات اللخمي، ويلاحظ أنه خص أقواله واختياراته باهتمام زائد على غيره. ومرد ذلك في رأيي؛ جنوح اللخمي الواضح إلى كثرة التخريج، والترجيح، والنقد، والاستقراء، والاختيار على وجه اعتبره النقاد غير متقيد بالمسالك والتقريرات المذهبية في ذلك (٢). فنتج عن منحاه هذا، تكون مادة فقهية غزيرة متميزة عن سابقاتها، جديرة بالاهتمام، والتتبع، والتمحيص والتدقيق. فكان الأليق أن يقوم بذلك واحد من أبناء مدرسة اللخمي النقدية.
ومهما يكن من أمر فإن ابن بشير لم يخرج في انتقاده للخمي عن إطار الأخلاق والآداب العلمية، وإن لوحظت صرامة، وشدة اقتضتهما المباحثة والاعتراض مما يدخل في مجال نقد النقد.
وتأكيدًا لما سبق أذكر بعض الأمثلة التي انتصر فيها ابن بشير للخمي، وأشاد فيها برأيه ليتأكد بطلان ما قيل من تحامله وتعسفه عليه.
المثال الأول: قال في باب حكم المسبوق وقضائه بعد إكمال إمامه: "لكن هذه المسألة نزلت قديما، فطال بحثنا عن روايات المذهب فيها،
стр. 144
وخالفني بعض أشياخي ودافع ما قاله أبو الحسن كل المدافعة. وإنما اعتمدت له على أن ما قاله القياس، إذاً لا بالروايات. فأخرجت من كتاب "الإملاء" لابن سحنون أن من أدرك ركعة من المغرب يقوم فيأتي بركعتين بأم القرآن وسورة في كل واحدة منهما بجهر بالقراءة ولا يجلس بينهما، وهذا نص في صحة طريقة أبي الحسن اللخمي، إذ جعل في هذه الرواية أن ما أدرك آخر صلاته في القراءة والجلوس جميعاً.
ولم يكن عند من خالفني في هذه المسألة أكثر من قوله لبعض تلامذته: الكتب لا تقوم بأنفسها" (١).
المثال الثاني: قال في كتاب الزكاة: "واستحسن أبو الحسن اللخمي أن يجعل في الجميع حولاً وسطًا لا ينبني على أول الاقتضاءات والفوائد ولا على آخرها.
وهذا له وجه أن يحصل الوسط في ذلك، وهو جار على أصل المذهب في مال تنازعه اثنان أنه يقسم بينهما، لأن التعجيل والتأخير قد تنازعه المساكين ورب المال، ولا يمكن تغليب أحد الجانبيين مع الشك، فيقسم بينهما. وهذا بناء على [إسقاط] مراعاة الخلاف" (٢).
المثال الثالث: قال أثناء حديثه عن اضطراب المذهب في حكم إزالة النجاسة: "وأما أبو الحسن اللخمي فحكى أن المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: إزالة النجاسة فرض، وهو مذهب ابن وهب القائل إن من صلى بها يعيد في الوقت وبعده عامدًا كان أو ناسيًا. والقول الثاني: أن إزالتها سنة، وهو مذهب أشهب القائل إن من صلى بها لا يعيد إلا في الوقت وإن كان متعمدًا. والقول الثالث: أن إزالتها سنة مع النسيان فرض مع الذكر، وهو مذهب المدونة لأنه يقول: من صلى بها عامدًا أعاد وإن خرج الوقت، وإن كان ناسيًا أعاد في الوقت، وهذا الذي قاله أبو الحسن اللخمي يشهد بصحته هذه الرواية" (٣).
стр. 145
فالأمثلة السابقة يظهر فيها بجلاء إنصافه للخمي وعدم التحامل عليه بل الانتصار لرأيه وإظهار وجاهته.
ففي المثال الأول يظهر تبني ابن بشير لرأي اللخمي ودفاعه عنه ومناظرة شيوخه فيه. والمثال الثاني نرى ابن بشير يتحدث عن وجاهة رأي اللخمي وجريانه على أصل المذهب. والمثال الثالث نلاحظ كيف استدل للخمي بروايات المدونة.
بعد هذا أرى أن المقام مناسب للحديث عن النقد عند ابن بشير وأبدأ بانتقاده للخمي للأسباب السالفة الذكر.
* المطلب الثاني: انتقاد ابن بشير للخمي
لقد تبين بالتتبع والاستقراء أن ابن بشير كان يتعقب اللخمي في عدة أمور لا يسمح المجال بذكرها كلها. وسأكتفي ببعض منها:
أ- يؤاخذ ابن بشير اللخمي، على حكاية أقوال ونسبتها للمذهب وليست منه، ومن أمثلة ذلك:
١ - قال ابن بشير: "فإن كان الماء يسيرًا ولم يتغير. ففي المذهب ثلاثة أقوال: أحدهما: إنه نجس وهو مقتضى مذهب المدونة. والثاني: إنه طاهر مطهر لكنه يكره للخلاف. والثالث: مشكوك في حكمه فيجمع بينه وبين التيمم.
فوجه الحكم بنجاسته قوله ﷺ : "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً"، ليبين إذا كان الماء دون القلتين حمل الخبث. وأيضاً فإن النفوس تعاف الماء اليسير إذا حلته النجاسة اليسيرة ومبنى النجاسات على ما تعافه النفوس وتستقذره الطباع. ووجه الحكم بطهارته قوله ﷺ : "خلق الله [تعالى] الماء طهوراً لا ينجسه شيء"، وهذا عموم في كل المياه. ومن رواية البغداديين في هذا الحديث: "إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه". وهذا نص [في] أنه باق على الطهارة والتطهير ما لم يتغير أحد هذه الصفات، فهذه مبادئ أدلة المذهب. ووجه الحكم بالشك فلتعارض الأدلة.