← Фикх малики

Фикх малики · id 121378

التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات

أبو الطاهر ابن بشير

Полный текст (942 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المبحث الثالث: النقد عند ابن بشير ينتمي ابن بشير إلى المدرسة النقدية التي أسسها أبو الحسن اللخمي في القرن الخامس، والتي كان من روادها بالإضافة إلى ابن بشير؛ المازري وابن رشد الجد والقاضي عياض وغيرهم. يقول الفاضل بن عاشور: "فهؤلاء هم الذين سلكوا طريقة جديدة في خدمة الحكم، هي: الطريقة النقدية، التي أسس منهجها أبو الحسن اللخمي، فصاروا في الفقه يتصرفون فيه تصرف تنقيح، وينتصبون في مختلف الأقوال انتصاب الحكم الذي يقضي بأن هذا مقبول، وهذا ضعيف، وهذا غير مقبول، وهذا ضعيف السند في النقل، وهذا ضعيف النظر في الأصول، وهذا مغرق في النظر في الأصول، وهذا محرج للناس أو مشدد على الناس إلى غير ذلك. وهي الطريقة التي درج عليها الإمام المازري في شرحه على التلقين للقاضي عبد الوهاب، ودرج عليها ابن بشير في شرحه على المدونة الذي سماه التنبيه على مسائل التوجيه ... " (١). * المطلب الأول: مجانبة ابن بشير للتعصب وقبل الحديث عن منهجه النقدي لا بدّ لنا من التعرض لقضية تعتبر أساساً للنقد السليم ومعياراً للتقويم النزيه، أعني الإنصاف ومجانبة التعصب الذي ابتلي به بعض الفقهاء، فانساقوا وراء أهوائهم وتحاملوا على مخالفيهم. فجاءت معظم انتقاداتهم متابعة لأهوائهم. والشيخ ابن بشير ﵀ معافى من ذلك في الجملة، فإنصافه لغير المالكية فضلاً عن المالكية واضح جلي، وربما امتدح رأي المخالف وتوجيهه مومئاً أو مصرحاً بضعف رأي المذهب وتوجيهه، ويستحسن أن أذكر أمثلة توضح ذلك: المثال الأول قال: "وروي عن عمر ﵁ أنه صلى فلم يقرأ،

стр. 142

فقيل له في ذلك، فسأل عن الركوع والسجود هل أكملت؟ فقيل له أكملت، فقال: لا بأس إذاً. وقد تأول المالكية ذلك على أنه أعاد. وهذا بعيد؛ لأنه يبطل معنى سؤاله عن الركوع والسجود. وتأوله الشافعية على أنه ترك الجهر ولم يترك القراءة جملة. وهذا أقرب من التأويل الأول" (١). المثال الثاني: " ... وثبت عنه ﷺ أنه قال: "الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ [وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَالْبِئْرُ جُبَارٌ] وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ". وقد تعلق أصحابنا بهذا الحديث في أن المعدَن غير الركاز، لأن النبي ﷺ سماهما باسمين مختلفين. والظاهر أنه لا دليل في ذلك بل [يكاد أن] يكون حجة لأبي حنيفة القائل بأن ما يوجد في المعدن فيه الخمس، لأنه ﷺ تكلم على حكمين مختلفين، فأخبر بأن ما سقط في المعدن أو يسقط عليه المعدن، فهو جبار لا دية فيه. ثم أخبر أن في الركاز الخمس، أي في الركاز الذي يكون في المعدن. وبهذا يحسن تأليف النظم في الحديث، ولسنا لإكمال الحجاج، وإنما نبهنا على أوائله." (٢). فهذه النصوص معبرة بوضوح على إنصافه وعدم تعصبه لمذهبه وتعسفه على مخالفه، وهي ليست في حاجة إلى تعليق، فالنص الأول صرح فيه ببعد تأويل المالكية وقرب تأويل الشافعية. والنص الثاني صرح فيه كذلك بأن ما تعلق به المالكية لا دليل لهم فيه بل هو حجة للأحناف (٣).

стр. 143

ورغم هذا فإن ابن بشير رمي بالتحامل والتعسف في انتقاده للخمي. فقد ورد في طبقات المالكية لمجهول: "وكان بينه وبين أبي الحسن اللخمي قرابة وتعقبه في كثير من المسائل، ورد عليه اختياراته الواضحة في التبصرة وتحامل عليه في كثير منها، قال ابن ناجي: كان بعض من لقيته يقول: تعسف ابن بشير هنا كعادته معه في كثير من المسائل، وتعسفه عليه بين لمن وقف على كتابه التنبيه" (١) والحق أن المطلع على كتاب التنبيه يلاحظ أن ابن بشير انبرى للرد على تخريجات واختيارات اللخمي، ويلاحظ أنه خص أقواله واختياراته باهتمام زائد على غيره. ومرد ذلك في رأيي؛ جنوح اللخمي الواضح إلى كثرة التخريج، والترجيح، والنقد، والاستقراء، والاختيار على وجه اعتبره النقاد غير متقيد بالمسالك والتقريرات المذهبية في ذلك (٢). فنتج عن منحاه هذا، تكون مادة فقهية غزيرة متميزة عن سابقاتها، جديرة بالاهتمام، والتتبع، والتمحيص والتدقيق. فكان الأليق أن يقوم بذلك واحد من أبناء مدرسة اللخمي النقدية. ومهما يكن من أمر فإن ابن بشير لم يخرج في انتقاده للخمي عن إطار الأخلاق والآداب العلمية، وإن لوحظت صرامة، وشدة اقتضتهما المباحثة والاعتراض مما يدخل في مجال نقد النقد. وتأكيدًا لما سبق أذكر بعض الأمثلة التي انتصر فيها ابن بشير للخمي، وأشاد فيها برأيه ليتأكد بطلان ما قيل من تحامله وتعسفه عليه. المثال الأول: قال في باب حكم المسبوق وقضائه بعد إكمال إمامه: "لكن هذه المسألة نزلت قديما، فطال بحثنا عن روايات المذهب فيها،

стр. 144

وخالفني بعض أشياخي ودافع ما قاله أبو الحسن كل المدافعة. وإنما اعتمدت له على أن ما قاله القياس، إذاً لا بالروايات. فأخرجت من كتاب "الإملاء" لابن سحنون أن من أدرك ركعة من المغرب يقوم فيأتي بركعتين بأم القرآن وسورة في كل واحدة منهما بجهر بالقراءة ولا يجلس بينهما، وهذا نص في صحة طريقة أبي الحسن اللخمي، إذ جعل في هذه الرواية أن ما أدرك آخر صلاته في القراءة والجلوس جميعاً. ولم يكن عند من خالفني في هذه المسألة أكثر من قوله لبعض تلامذته: الكتب لا تقوم بأنفسها" (١). المثال الثاني: قال في كتاب الزكاة: "واستحسن أبو الحسن اللخمي أن يجعل في الجميع حولاً وسطًا لا ينبني على أول الاقتضاءات والفوائد ولا على آخرها. وهذا له وجه أن يحصل الوسط في ذلك، وهو جار على أصل المذهب في مال تنازعه اثنان أنه يقسم بينهما، لأن التعجيل والتأخير قد تنازعه المساكين ورب المال، ولا يمكن تغليب أحد الجانبيين مع الشك، فيقسم بينهما. وهذا بناء على [إسقاط] مراعاة الخلاف" (٢). المثال الثالث: قال أثناء حديثه عن اضطراب المذهب في حكم إزالة النجاسة: "وأما أبو الحسن اللخمي فحكى أن المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: إزالة النجاسة فرض، وهو مذهب ابن وهب القائل إن من صلى بها يعيد في الوقت وبعده عامدًا كان أو ناسيًا. والقول الثاني: أن إزالتها سنة، وهو مذهب أشهب القائل إن من صلى بها لا يعيد إلا في الوقت وإن كان متعمدًا. والقول الثالث: أن إزالتها سنة مع النسيان فرض مع الذكر، وهو مذهب المدونة لأنه يقول: من صلى بها عامدًا أعاد وإن خرج الوقت، وإن كان ناسيًا أعاد في الوقت، وهذا الذي قاله أبو الحسن اللخمي يشهد بصحته هذه الرواية" (٣).

стр. 145

فالأمثلة السابقة يظهر فيها بجلاء إنصافه للخمي وعدم التحامل عليه بل الانتصار لرأيه وإظهار وجاهته. ففي المثال الأول يظهر تبني ابن بشير لرأي اللخمي ودفاعه عنه ومناظرة شيوخه فيه. والمثال الثاني نرى ابن بشير يتحدث عن وجاهة رأي اللخمي وجريانه على أصل المذهب. والمثال الثالث نلاحظ كيف استدل للخمي بروايات المدونة. بعد هذا أرى أن المقام مناسب للحديث عن النقد عند ابن بشير وأبدأ بانتقاده للخمي للأسباب السالفة الذكر. * المطلب الثاني: انتقاد ابن بشير للخمي لقد تبين بالتتبع والاستقراء أن ابن بشير كان يتعقب اللخمي في عدة أمور لا يسمح المجال بذكرها كلها. وسأكتفي ببعض منها: أ- يؤاخذ ابن بشير اللخمي، على حكاية أقوال ونسبتها للمذهب وليست منه، ومن أمثلة ذلك: ١ - قال ابن بشير: "فإن كان الماء يسيرًا ولم يتغير. ففي المذهب ثلاثة أقوال: أحدهما: إنه نجس وهو مقتضى مذهب المدونة. والثاني: إنه طاهر مطهر لكنه يكره للخلاف. والثالث: مشكوك في حكمه فيجمع بينه وبين التيمم. فوجه الحكم بنجاسته قوله ﷺ : "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً"، ليبين إذا كان الماء دون القلتين حمل الخبث. وأيضاً فإن النفوس تعاف الماء اليسير إذا حلته النجاسة اليسيرة ومبنى النجاسات على ما تعافه النفوس وتستقذره الطباع. ووجه الحكم بطهارته قوله ﷺ : "خلق الله [تعالى] الماء طهوراً لا ينجسه شيء"، وهذا عموم في كل المياه. ومن رواية البغداديين في هذا الحديث: "إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه". وهذا نص [في] أنه باق على الطهارة والتطهير ما لم يتغير أحد هذه الصفات، فهذه مبادئ أدلة المذهب. ووجه الحكم بالشك فلتعارض الأدلة.

стр. 146

وحكى أبو الحسن اللخمي عن أبي مصعب أنه طاهر مطهر من غير كراهة. وهذا لا يوجد في المذهب بل مقول البغداديين على رواية أبي مصعب. وقد قالوا بالكراهة مراعاة للخلاف" (١). ٢ - "أن يوقن بالوضوء ويشك في الحدث، فهذا فيه قولان: أحدهما: الإيجاب للوضوء، والثاني: استحبابه. [والقسم الثالث: أن يشك في الحدث والوضوء جميعاً، فهذا يطرح ما شك فيه ويبني على ما كان حاله قبل الشك؛ فإن كان محدثاً لزمه الوضوء، وإن كان متوضئاً كان كالقسم الثاني]. وحكى أبو الحسن اللخمي عن المذهب خمسة أقوال فيمن أيقن بالوضوء وشكَّ في الحدث: أحدها: وجوب الوضوء، والثاني: إسقاطه. والثالث: استحبابه، والرابع: وجوبه إلا أن يكون في صلاة، والخامس: التفرقة بين أن يستند شكه إلى سبب متقدم أو سبب في الحال؛ فإن استند شكه إلى سبب متقدم [كمن شك هل كان أحدث قبل وقته فيجب عليه الوضوء، وإن استند إلى سبب في الوقت] كمن شك هل خرج منه ريح أم لا فإنه يعتبر هل سمع صوتاً أو وجد ريحاً، فإن لم ير أثراً من ذلك فلا وضوء عليه. وهذا لا يوجد في المذهب على ما حكاه أبو الحسن اللخمي من الخمسة الأقوال. وإنما في المدونة القولان خاصة" (٢). ٣ - "وأما متى يجب عليه ستر العورة؟ فيجب عن أعين الإنسان بإجماع. وهل يجب في الخلوة لحرمة الملائكة؟ حكى أبو الحسن اللخمي استحبابه. والذي سمعناه في المذاكرات القولين؛ الوجوب والندب" (٣). ب- يؤاخذه على تعويله على اختلاف الروايات والاستقراء من المحتملات ومن أمثلة ذلك: ١ - قال ابن بشير في حديثه عن السفر يوم الجمعة: " ... وأما إذا زالت الشمس فذلك ممنوع بلا خلاف في المذهب وذكر أبو الحسن قولاً

стр. 147

بالكراهة وعول فيه على اختلاف الرواية كشأنه في الاستقراء من المحتملات" (١). ٢ - "إن استخلف قوم واحداً منهم، فأتم الباقون أو واحد من الجماعة وحدانا تصح صلاتهم على المشهور. وقال محمد بن عبد الحكم: من لزمه أن يتم صلاته في جماعة فأتم فذا بطلت صلاته]. وقد أخذ من هذا أبو الوليد الباجي وأبو الحسن اللخمي بطلان صلاتهم إذا لم يستخلفوا بإمام، وبطلان صلاة من أتم فذا. ويحتمل أن يريد من يخرج عن إمامة الإمام الأول والمستخلف بعد أن اقتدوا به. وإنما أراد التنبيه على قول الشافعية أن للمأموم الخروج عن الاقتداء. فإذا احتمل ذلك لم يلزم [منه] الاستقراء" (٢). ج- يؤاخذه على جعل الخلاف في مسائل لا خلاف فيها ومن أمثلة ذلك: ١ - " وأما فقدان العقل بالجنون والسكر والإغماء، فيوجب الوضوء على أي حالة كان، لأنه يقتضي عدم العلم بخروج الحدث. وأراد أبو الحسن اللخمي أن يجعل فيه خلافاً إذا لم يطل، وعول في ذلك على كلام القاضي أبي محمد أن ذلك سبب حدث. وهذا الذي قاله ليس بشيء، لأن القاضي لما قال إنه سبب للحدث [ساوى بين قليله وكثيره في نقض الوضوء، وفرق في النوم. وإنما أراد به] [أنه سبب حدث] لكنه سبب يقتضيه ولا بد، وذلك حقيقة السببية" (٣). - قال في حكم غسل الجمعة "والمذهب كله على أنه سنة لا واجب. وحكى أبو الحسن اللخمي عن أبي جعفر أنه حكى اختلاف أصحابنا في غسل الجمعة فقال بعضهم: سنة مؤكدة لا يجوز تركها إلا

стр. 148

بعذر، وقال بعضهم: مستحب. وعوَّل على أن المذهب مختلف في وجوبه، أخذاً من حكاية أبي جعفر هذه. وليست صريحة في الوجوب كما ظنه، بل ظاهرها على غير الوجوب. وإنما يؤخذ من هذا أن المذهب على قولين: أحدهما: أن الغسل سنة، والثاني: مستحب. وهكذا قال أبو الحسن اللخمي في كتاب الطهارة. وقد يقال: إن ما حكاه أبو جعفر يقتضي الوجوب. وقوله: سنة، أي مما علم وجوبه بالسنة، كقول سحنون إن الوضوء من البول سنة، يريد: مما علم وجوبه بالسنة، وليس من قبل المندوبات. ولا شك أن ذلك محتمل، لكن الأظهر الأول" (١). ٢ - وقال في كتاب الصيد: "حكى أبو الحسن اللخمي أربعة أقوال في شروط الجارح، أحدها إذا زجر انزجر وإذا أشلي أطاع. الثاني أن يضاف إلى ذلك إذا دعي أجاب، وهذا في الكلاب، وأما الطير فلا يشترط فيها الانزجار، حكى ذلك ابن حبيب. وقال قول ابن القاسم أن الطير والكلاب سواء، فأخذ أبو الحسن من هذا قولاً ثالثاً، أن ابن القاسم اشترط في الكلاب والطير ثلاثة أوصاف وهي: الانزجار والاشلاء والاجابة عند الدعاء. وأخذ القول الرابع من الكتاب إذ قال: فيمن أدرك كلابه تنهش الصيد ولم تنفذ مقاتله فمات بنفسه قبل أن يمكنه ذكاته أنه يؤكل فجعل الانزجار ليس بشرط. وهذا الذي حكاه أبو الحسن ليس بخلاف وإنما يقال في هذا أن كل ما فقه التعليم من سباع الطير وسباع الوحش فإنه يشترط فيهما، والمقصود من ذلك أن تنتقل عن خلقها الأصلي حتى يصير تصرفها بحكم الصائد. فحينئذ تكون آلة له، وإذا تصرفت على خلفها الأصلي كانت آلة لنفسها فلم تمسكه على الصائد بل على نفسها، وأما قوله في الكتاب: فيحتمل أن يكون مات الصيد بنفسه لما نهشته الجوارح ولو زجرها فانزجرت لم ينفعه ذلك فلا يؤخذ منه قوله إلا برفع احتماله" (٢).

стр. 149

د- يؤاخذه على استعماله للقياس في مسائل لا مجال للقياس فيها ومن ذلك قوله: ١ - " ولا يعيد عندنا من صلى في جماعة؛ لأن الإعادة لما قدمناه من التلافي لما فاته من الأجر بصلاته وحده. وإذا كانت الصلاة في جماعة فلا فائت يتلافى. قال ابن حبيب: إلا أن تكون الصلاة الأولى في غير المساجد الثلاثة: الكعبة ومسجد الرسول ﷺ ومسجد بيت المقدس، ثم يدرك الجماعة في أحد هذه المساجد؛ فإنه يعيد لعظم الأجر في هذه بخلاف غيرها. وألزمه أبو الحسن اللخمي أن يعيد في هذه المساجد فذًا، وإن صلى أولاً في غيرها في جماعة لتفاوت فضل الجماعة والانفراد في غيرها. وألزمه ذلك من طريق القياس إلا أن يقال: إنما ورد الأمر بإعادة الفذ في جماعة، وهذا عكسه. والموضع موضع عبادة فلا يتعدى به ما ورد" (١). هكذا إذا تعامل ابن بشير مع اللخمي في نقاش علمي هادىء بعيد عن التحامل والتعسف، إلا أنه في بعض الحالات النادرة جداً يسبقه القلم فيستعمل ألفاظاً قاسية كما يتضح في المثال التالي: "واحتج محمد بن عبد الحكم لوجوب الصلاة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾. وإذا حرمت الصلاة على غير المؤمنين وجب ضدها، وهو الصلاة على المؤمنين، لأن النهي عن الشيء أمر بضده. وتعقب هذا أبو الحسن اللخمي بأن النهي عن الشيء أمر بضده إذا كان له ضد واحد، وإلا متى كانت له أضداد فلا يكون النهي أمراً بالضد. قال: وترك الصلاة على غير المؤمنين لها أضداد. وعدَّ من أضدادها إباحة الصلاة على المؤمنين، والندب إلى ذلك، والوجوب. وإذا ثبت النهي في حق غير المؤمنين أمكن أن يكون محمولاً على أحد أضداده في حق المؤمنين. إما الندب أو الإباحة أو الوجوب. فهذه غلطة فاحشة؛ لأن الضد في الحقيقة

стр. 150

إنما هو الأمر، فإن كان النهي مقتضياً للتحريم كان الأمر مقتضيًا لضده، وضد التحريم الوجوب" (١). هذه إذاً نماذج من انتقادات ابن بشير للخمي نكتفي بذكر ما ذكرناه إذ ليس الغرض استقصاء كل انتقاداته. * المطلب الثالث: انتقاد ابن بشير لباقي العلماء لم يكن جهد ابن بشير النقدي مقصوراً على اللخمي بل انتقد كل من رأى أن قوله لا ينسجم مع أصول المذهب ورواياته وقواعده وهذه نماذج من ذلك: ١ - انتقاده للمدونة بسبب التناقض. وانتقاده للقاضي عبد الوهاب لبعد قوله عن مقتضى اللفظ. وانتقاده للبراذعي لزيادة عبارة في النص. وانتقاده للباجي لكون قوله غير سالم من الاعتراض. وكل هذا في نص واحد. قال في حكم سؤر الحيوان الذي يمكن الاحتراز منه: " ... والثالث التفرقة بين الماء والطعام، ينطرح الماء ليسارته ويستعمل الطعام لحرمته، وهذا مذهب المدونة. ولكن حكم الماء الذي شربت منه الدجاج المخلاة أن يترك وينتقل إلى التيمم. ثم جعل المصلي به يعيد في الوقت خاصة. وهذا كالمتناقض لأن الانتقال إلى التيمم يقتضي الحكم بنجاسته والإعادة في الوقت تقتضي طهارته على كراهية فيه. وقد أجيب عن هذا الاعتراض بثلاثة أوجه: أحدها: أن مراده بالتيمم لا يقتصر عليه دون أن يتوضأ، وإنما تجوز في الكتاب بقوله يتيمم ويتركه. ومراده يجمع بينه وبين التيمم، قاله القاضي أبو محمد عبد الوهاب. هذا وإن ساعده الفقه فهو بعيد عن مقتضى اللفظ. والجواب الثاني: أنه حكم بنجاسته على أصله فقال يتيمم ويتركه ثم إذا صلى به أحد وقعت صلاته جائزة عند من يقول بطهارته، وهو أحد قولي مالك .... وهذا جار على أصل المذهب

стр. 151

في مراعاة الخلاف، والجواب الثالث: أن الإعادة إنما هي لأنه صلى بنجاسة، ولذلك يترك الماء لأن فيه نجاسة لا يدري موضعها ...... وهكذا نقل البراذعي في تهذيبه في هذا الموضع، فقال: ومن صلى ولم يعلم أعاد في الوقت. واستدرك الأشياخ عليه زيادته: "ولم يعلم". وإنما عول في ذلك على ما في كتاب الصلاة الأول من المدونة ... وهذا الجواب أشار إليه الباجي وهو معترض، لأن النجاسة إذا حلت بالماء تختلط بأجزائه فلا تبقى في مكان واحد" (١). ٢ - انتقاده لأشهب حيث رأى أن قوله، باطل لانخرامه وعدم شموله. فقال في حديثه عن وقت وجوب الزكاة: "وانفرد أشهب فقال: لا تجب على من لم يصم يوماً من رمضان. وهذا باطل بغير المكلَّف، فإنما تجب عليه وإن لم يلزمه صيام. فإن علَّل أشهب بأنها طُهرة للصائمين، ومن أسلم أو ولد ولم يمض له زمن يصح صومه فلا طهرة عليه، وغير المكلَّف أيضاً لا يفتقر إلى تطهير إلا أن يقول تلزم من كان موجودًا تجري عليه أحكام المسلمين ولو يوماً. فهذه مراعاة لحكم الإسلام لا لحكم الصوم" (٢). ٣ - انتقاده لأبي العباس الإبياني وابن بكير لكون قولهما يؤدي إلى الحرج الذي تسقطه الشريعة فقال: "وأما اللَّذة من غير لمس كمن يتذكر فيتلذذ أو ينظر فيتلذذ، فإن كان عن ذلك مذي وجب الوضوء، وإن لم يكن مذي ولا إنعاظ لم يجب الوضوء على المشهور والمعروف من المذهب. وأوجبه أبو العباس الإبياني وابن بكير. وهذا لا أصل له وهو يؤدي إلى الحرج الذي تسقطه الشريعة السمحة" (٣).

стр. 152

٤ - أ- انتقاده لابن الجلاب حيث رأى أن في قوله تناقضا (١) ومخالفة لأهل المذهب فقال: "ولا يكرر الممسوح لأن مبنى أمره على التخفيف، والتَّكرار تثقيل. وفي حديث عبد الله بن زيد أنه "مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهمَا وَأَدْبَرَ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ... " وهذا يظهر منه التَّكرار. ولمحاذرته رأى الشيخ عبيد الله بن الجلاب أنه إذا ذهب بهما إلى قفاه، رفع راحتيه عن فوديه - وهما جانبا رأسه- فإذا ردَّ يديه رفع أصابع يديه عن وسط رأسه ومسح جانبي رأسه حتى يسلم من التكرار بالمسح على موضع واحد. والذي قاله خلاف لجميع أهل المذهب. واتفاق أهل المذهب أن يمر بيديه على جميع رأسه ذاهبًا وعائدًا ... وفي تفسيره في هذا الحديث لصفة المسح مناقضة لما ابتدأ به لأنه قال أقبل وأدبر، ثم فسره بالإدبار والإقبال. وخير ما يُؤَوَّلُ لذلك بأن الواو لا توجب رتبة الترتيب. فقال: أقبل وأدبر، ومراده أدبر وأقبل، فابتدأ في اللفظ بذكر الإقبال تفاؤلاً" (٢). ب - وفي النص الثاني رأى أن قوله لا أصل له. فقال أثناء حديثه عن انتقال المسافر إلى التيمم مع وجود الماء: "ومنها أن يجد الماء لكن بثمن خارج عن المعتاد بما يجحف به لقلة دراهمه أو لكثرة الزيادة في الثمن. وقد قرر ابن الجلاب التحديد المزيد بمقدار ثلث الثمن. ولا أصل لذلك. وقد يهون ثمن الماء فيكون زيادة ثلاثة أمثاله فأكثر ليس بمجحف". ٥ - انتقاده لحمديس حيث رأى أن قوله مخالف لبعض طرق الحديث وللعلة. فقال: "ولا يجب الوضوء بمس شي من البدن ولا من الدبر على المشهور. وذكر حمديس أنه يلزم على قول من أوجب الوضوء على المرأة إن مست

стр. 153

فرجها أن يقول يلزم الوضوء من مس الدبر. وهذا الذي قاله غير صحيح، لأن الفرج ينطلق عليه تسميته. وقد ورد في بعض الطرق: "ومن مس فرجه توضأ"، وأيضاً فإنه مما يمكن اللذة بمسه بخلاف الدبر" (١). ٦ - انتقاده لأبي مصعب لتطرق الاحتمال لدليله فقال: "أما إمامة غير البالغ في الفرائض؛ وهو ممن يؤمر بالصلاة في الفريضة فلا تجوز ابتداء. فإن وقعت ففي بطلان الصلاة قولان: المشهور بطلانها لسقوط الفرض عن الصبي ووجوبه على البالغ. وقال أبو مصعب: تصح الصلاة. واحتج له بما في البخاري عن عمرو بن سلمة أنه كان يؤم قومه وهو دون البلوغ. لكنه كان غائباً عن حضرة الرسول ﷺ . ويمكن أن يكون لم يبلغه ذلك، وإنما يكون حجة لو بلغه فأقره. وقال أبو الوليد الباجي: ويحتمل هذا القول أن يكون بناء على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، ويحتمل أن يكون بناء على المشهور لكون الصبي معتقدًا للوجوب، فلم يكن اقتداء مفترض بمتنفل" (٢). ٧ - انتقاده للباجي لاستقرائه شرطاً شرعيًا من غير صاحب الشرع فقال في شروط الخطبة: "وهل من شرطها حضور الجماعة لها؟ قال القاضي أبو محمد وغيره من البغداديين: مقتضى المذهب اشتراطه مع عدم النص عليه. واستقرأه أبو الوليد الباجي من المدونة من قول مالك ﵀: ولا تجزئ الجمعة إلا بالجماعة والإمام يخطب. ولا شك أن مقتضى هذا اللفظ في اللسان ما قاله، لأن قوله: والإمام يخطب، معناه: الحال. فيكون بجماعة في حال خطبة الإمام. وهذا لو عوَّل عليه من كلام صاحب الشرع لكان له وجه. ولا يخفى أن ألفاظ المدونة لا يعول فيها على مثل هذا ... " (٣).

стр. 154

٨ - انتقاده للأشياخ لتخريجهم أقوالاً على أقوال في المذهب دون جامع بينها فقال في حكم اللمس: "وتفصيل المذهب أن اللمس لا يخلو من أربع صور: إحداها: أن يقصد به اللذة وتوجد، فيجب الوضوء بلا خلاف. والثانية: أن يجد ولا يقصد، فكذلك أيضاً يجب الوضوء. والثالثة: ألا يقصد ولا يجد، فلا يجب الوضوء. والرابعة: أن يقصد ولا يجد فيها، هنا مقتضى الروايات وجوب الوضوء. والأشياخ يحكون عن المذهب قولين: الإيجاب والإسقاط، وإنما يعولون في ذلك على الخلاف في الوضوء هل يرفض بالنية، وفي المذهب في ذلك قولان. وهذا الذي يعولون عليه ليس بشيء، لأن اللمس ها هنا قد وجد منه فعلاً بخلاف الرفض بمجرد النية من غير فعل" (١). ٩ - انتقاده الأشياخ لتعلقهم بصور نادرة لا تعلق الشريعة على مثلها أحكاماً. فقال في حديثه عما يحرم أثناء وقت صلاة الجمعة: "ولكن اختلف في فسخ هذه العقود على القول بفسخ البيع على قولين: أحدهما أنه يفسخ قياساً على البيع، والثاني لا يفسخ لأنها مشبهة به، والمشبه بالشيء دونه في المرتبة. قال الأشياخ: هكذا يجري الأمر في الصلوات وغيرها من العبادات إذا تعيَّن وقتها واشتغل عنها ببيع أو غيره. وهذا فيه نظر، لأن الشريعة شأنها الالتفات إلى الكليات وحماية الذرائع ومنع المشغلات وهذا يظهر في الجمعة. وأما ما سواها فصوره نادرة. والصور النادرة لا يعلق عليها مثل هذه العقوبات كفسخ البيع وما في معناه" (٢). ١٠ - انتقاده لبعض المتأخرين لبعد المعنى المعتمد في الاستقراء فقال: "واستقرأ بعض المتأخرين من المدونة أنه يغسل الذكر من المذي عند إرادة الوضوء، فإن غسله قبل ذلك لم يجزه وعوَّل في ذلك على قوله في المدونة: ولا يلزم غسل الأنثيين عند الوضوء، إلا أن يخشى أن يكون

стр. 155

أصابهما شئ، وإنما عليه غسل ذكره. فعوَّل على هذا الكلام ظاناً أن مراده إنما عليه غسل ذكره إذا أراد الوضوء. وهذا الاستقراء فيه بُعْدٌ، لأن مراده أنه لا يغسل الأنثيين وإنما يغسل الذكر خاصة" (١). * المطلب الرابع: ترجيحات ابن بشير واختياراته ومن أوجه النقد الفقهي عند ابن بشير نجده يحكم على الأقوال بالضعف والصحة ويختار ويرجح ... إلخ. أ - ومن أمثلة ذلك قوله في وقت أذان الصبح: "ومتى يجوز الأذان لها؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: إنما يؤذن لها في سدس الليل الآخر لأن المقصود التأهب لها، وذلك يحصل في هذا الوقت. والثاني: أن يؤذن لها بعد خروج الوقت المختار للعشاء الآخرة. والقول الثالث: أنه يؤذن لها بعد صلاة العشاء الآخرة، وإن صليت في أول وقتها. والصحيح هو الأول، ولا يحصل الغرض من التأهب على هذين القولين." (٢). ب - قال في حديثه عن تأويل رفع اليدين في الصلاة: " وقد قدمنا أن الرفع من الفضائل، وسببه إما تأهب لما يقدم عليه من الصلاة ورهبة، وإما نبذ للدنيا على ما نذكره في صفة الرفع. فيمكن أنه ﷺ كان يرفع بحسب ما يكون عليه من الأحوال من رغبة أو رهبة، أو ما يخطر بباله من نبذ الدنيا وطرحها. وهذا خير ما تأولت عليه هذه الأحاديث الواردة المختلفة في صفة الرفع". ج - قال في حكم مس الفرج: " فإن مسه ثم صلى قبل أن يتوضأ فأربعة أقوال؛ أحدها: أنه لا إعادة عليه، والثاني: أنه يعيد في الوقت، والثالث: أنه يعيد وإن خرج الوقت، والرابع: أنه يعيد بعد اليومين والثلاثة، فإن طال لم يعد.

стр. 156

والإعادة على ترك مراعاة الخلاف، وإسقاط الإعادة على مراعاته، وكذلك الإعادة في الوقت. وأما من قال يعيد بعد اليومين والثلاثة دون أن يطول فهو أضعف الأقوال". د- قال في باب الهارب بماشيته من السعاة: " ولا شك أنه متعد في الهروب، فالواجب عليه متعلق بذمته. فلا يختلف المذهب في ذلك، لكن اختلف إذا زادت نعمه بعد أن كانت ناقصة في أعوام، هل يؤخذ بما يوجد في يده من الزيادة على سائر الأعوام؟ وهو الشاذ من المذهب، أو يؤخذ عن كل عام بما في يده؟ وهو المشهور. وكان المشهور هو القياس" (١). * المطلب الخامس: موقف ابن بشير من المشهور والشاذ ما دمنا تحدثنا عن النقد والترجيح والاختيار، يستحسن أن نتحدث عن مسألة لصيقة بهذا المحور؛ أعني بذلك موقفه من المشهور والشاذ، وقد سبقت الإشارة إلى أن منهجه في ذلك أن يذكر الأقوال داخل المذهب، وينص على شهرتها وشذوذها في بعض الأحيان، وفي البعض الآخر لا يتعرض لذلك، بل يذكرها مجردة. ولعل العصر الذي عاش فيه ابن بشير ساعده على ذلك. إذ كان عصره عصر تنقيح وتحقيق وتهذيب، جمعت فيه الأقوال والروايات، وميز صحيحها من سقيمها. وربما تأثر بشيخه المازري الذي كان له دور كبير في ذلك. قال أبو القاسم النويري: " ... إن مذهب مالك، كان قبل المازري مشكلاً لكثرة رواياته، واختلاف أقوال أصحابه، فيبقى فيه المقلد حائراً في الفتوى وفي القضاء وفي ما يتدين به، ولذلك اختار عنه المشارقة مذهب الشافعي وأبي حنيفة، حتى قام المازري فاعتنى بنخل المشهور عن الضعيف واختياراتهم وترجيحاتهم، ورجح هو كثيراً فتبعه من بعده فسهل المذهب حينئذ" (٢).

стр. 157

وعلى الرغم من عدم التسليم بكل ما جاء في هذا النص، فإن الذي يعنينا منه، هو أن هذا العصر كان عصر خدمة المذهب. ولنعد إلى شيخنا، لنشير إلى أنه اختصر الخلاف في تحديد المعنى المراد بالمشهور؛ فحصره في قولين بدلاً من ثلاثة، قال ابن فرحون: "وقد اختلف المتأخرون في رسمه فقيل: المشهور: ما قوي دليله، وقيل: ما كثر قائله، حكاهما ابن بشير ... " (١). وبهذا يكون قد أزاح القول الثالث الذي يرى أن المشهور هو: قول ابن القاسم. وبالاستقراء والتتبع تبيين لي أنه يقصد بالمشهور: ما كثر قائله، بغض النظر عن رجحانه أو عدم رجحانه، وقد تبين لي ذلك من خلال بعض الأمور منها: أنه ينص على رجحان المشهور في مقابل الشاذ، كما أنه ينص على رجحان الشاذ، أو يلمح إليه بدون تصريح. ولو كان يقصد بالمشهور الراجح؛ لما احتاج إلى الإشارة إلى رجحانه ولما احتاج إلى التنبيه على رجحان الشاذ، ويزكي هذا تنصيصه في بعض الأحيان على شهرة القولين معا، مما يدل على أنه يقصد انتشارهما واشتهارهما بين الناس. لا رجحانهما، إذ يستحيل ذلك، اللَّهم إلا على قول المصوبة، وابن بشير ليس منهم. وأجلي ما قلت بالأمثلة: فمن أمثلة تنصيصه على رجحان المشهور قوله في الزروع التي تسقى بالسيح: "فإن كان يشرب بالسيح لكن رب الأصول لا يملك الماء وإنما يشتريه بالثمن ففيه قولان: والمشهور - وهو الصحيح - أنه يزكي بالعشر، إذ فيه نص الحديث." (٢).

стр. 158

ومن أمثلة ترجيحه للشاذ ما جاء في حديثه عن تخلف السعاة: "وهل ينظر إلى ما يوجد عند أرباب الماشية فيقدر كأنه ملكوه [في] كل عام؟ أما إن كانت الماشية فيما تقدم أكمل، فلا خلاف أنهم لا يضمِّنون أرباب الأموال وإنما يأخذون عن الأنقص. وأما إن كانت أنقص فكملت فهاهنا قولان: المشهور من المذهب أنهم ينظرون إلى حالة الوجود فيزكون على مقدارها لما تقدم من السنين. والشاذ أنهم يزكون عن كل عام بقدر المملوك فيه، وهذا [هو] القياس، لأن من تخلف عنه السعاة غير متهم" (١). ومن أمثلة التنصيص على شهرة القولين معاً قوله: "وإن ركع في بيته للفجر ثم أتى المسجد فهاهنا قولان مشهوران: أحدهما: أنه يركع في المسجد ركعتين للأمر بالتحية. والثاني: أنه لا يركع للحديث المتقدم في نفي الركوع بعد الفجر" (٢). بعد هذا بقي سؤال يطرح نفسه بإلحاح، وهو ما هو موقفه من العمل بالراجح في مقابل المشهور؟ الحق أنه لا يمكنني أن أحدد موقفه بدقة من خلال ما بيدي من كتاب التنبيه؛ إذ ربما يتجلى موقفه أكثر في كتابه النوازل المفقود، الذي يكون النظر الفقهي فيه عملياً؛ لأن الجواب فيها يتنزل على مقصود السائل وهو التطبيق في الواقع، أما كتاب التنبيه فقد يكون سلك فيه مسلك التفقه بالرجوع إلى الأقوال المرجوحة والشاذة للنظر فيها من الناحية النقدية والتوجيهية، وهي الطريقة التي يقصد بها تأسيس المذهب من جهة والتمرن على استثمار الأحكام من جهة أخرى. ولا نستغرب هذا إذا علمنا بأن الشيخ المازري كان لا يفتي إلا بالمشهور بالرغم من بلوغه درجة الاجتهاد. وعلى هذا النهج سار كثير من الفقهاء، حتى وصل التعصب للمشهور قمته عند إبراهيم بن هلال (ت ٩٠٣هـ) الذي قال: "لا يجوز لأحد أن يفتي

стр. 159

إلا بالمشهور ولا يعمل إلا بالمشهور فمن أفتى بغير ذلك لم يعتد به" (١)، وقال: "لأن الحكم بغير المشهور لا يجوز. بل هو فسق وزندقة، قاله العلماء، لأنه من ناحية اتباع الهوى" (٢)، ولا يتجه هذا الكلام إلا إذا حمل على أن المقصود به ردع من لا قدرة له على الترجيح من الهجوم على الاختيار بالهوى والتشهي، أما مطلقاً فما أبعده عن الصواب. ولن أجد أفضل من يرد على هذا الكلام، من أحمد بن عبد العزيز الهلالي حفيد الشيخ المذكور، الذي يرى أن ما عليه المحققون؛ هو وجوب العمل بالراجح في مقابل المشهور حيث قال: "إن الراجح نشأت قوته من الدليل نفسه، من غير نظر للقائل، والمشهور، نشأت قوته من القائل. فإن اجتمع في قول سبب الرجحان والشهرة ازداد قوة، وإلا كفى أحدهما. فإن تعارضا؛ بأن كان في المسألة قولان أحدهما: راجح والآخر مشهور، فمقتضى نصوص الفقهاء والأصوليين؛ أن العمل بالراجح واجب." (٣). ففي هذا القدر كفاية، ودلالة واضحة، على أن ابن بشير يعد من رواد المدرسة النقدية وحذاقها في المذهب المالكي. وبما أن الآليات التي وظفها في النقد والتعقيب، هي غالباً نفس الآليات التي وظفها في الاجتهاد. أرى أن ذلك يدعوني للحديث عن اجتهاده في هذا المكان. ... المبحث الربع: الاجتهاد عند ابن بشير: * المطلب الأول: أنواع الاجتهاد إن للاجتهاد مراتب ودرجات، أعلاها، الاجتهاد المطلق أو المستقل، والمقصود به أن يستقل الإنسان بأصوله وفروعه، وهذا النوع افتقد من أوائل

стр. 160

القرن الرابع، ولعل آخر المجتهدين المستقلين ابن جرير الطبري ت ٣١٠هـ إذ لم نسمع بعده عمن استقل بالاجتهاد. إلا أن جذوة الاجتهاد من حيث العموم لم تتوقف ولن تتوقف إذ لا بدّ أن يوجد في الأرض من يقوم لله بالحجة. ولقد ظهر الاجتهاد بعد هذه المرحلة في أنماط وأشكال مختلفة، أهمها التخريج والاستقراء أو الإجراء، وهي مصطلحات ذات معان متقاربة، يستعملها المجتهد المقيد الذي التزم النظر في نصوص إمامه، يستنبط منها ويقيس عليها، ويلحق ما سكت عنه إمامه بما نص عليه. ولقد اختلف علماء المذهب في حكم التخريج ونسبة القول المخرج إلى الإمام؛ فأجازه عامتهم بشروط منها: مراعاة قواعد الإمام الخاصة به. وأجازه اللخمي مطلقاً، من غير مراعاة قواعد الإمام بل يخرج على قواعده وقواعد غيره. ومنعه مطلقاً ابن العربي، وابن عبد السلام، وميارة الفاسي، وهو ظاهر نقل الباجي (١). وكيف ما كان الحال، فقد تعاطى له كبار أئمة المذهب بعد مرحلة الاجتهاد المطلق، استجابة لما أفرزه المجتمع من قضايا ونوازل لا تجيب عنها أقوال إمام المذهب على كثرتها، فكان من الضروري الالتجاء إلى الاجتهاد لملئ ذلك الفراغ التشريعي، والإجابة على تلك النوازل والمسائل، فنشطت حركة التخريج والتفريع ... وقد كان هذا في المرحلة التي تلت مرحلة الأئمة الكبار، أعني القرن الثالث والرابع. والمرحلة التي جاءت بعد هذه ورث أصحابها عن سابقتها ثروة فقهية غزيرة، احتاجت إلى من يقوم بتنقيحها وغربلتها وتميز صحيحها من سقيمها ومشهورها من شاذها، فتفرغ علماء هذه المرحلة لهذا العمل. ولعل هذا هو السبب الرئيس الذي جعلنا نلاحظ قلة المخرجين في المرحلة التي تلت مرحلة الظهور والتأسيس، وإن كانت هناك استثناءات وحالات خرجت عن هذا النسق. كاللخمي والمازري

стр. 161

وابن بشير، الذين ضاهوا الأوائل في كثرة تخريجاتهم واستقراءاتهم، والتي جرت عليهم انتقادات ممن جاء بعدهم، وخاصة اللخمي وابن بشير. * المطلب الثاني: منزلة ابن بشير الاجتهادية بعد تدقيق النظر وإمعانه في الإجراءات والتخريجات التي وقفت عليها لهؤلاء الأئمة، خاصة منهم ابن بشير يمكنني أن أقول بأنه كان مجتهداً منتسباً؛ وهي منزلة بين الاجتهاد المطلق واجتهاد التخريج، فهو لم يستقل بأصوله بل تمسك بأصول المالكية في الاستنباط والتوجيه والتخريج، إلا أنه لم ينظر في نصوص إمام المذهب نظر المجتهد المستقل في نصوص الشارع، بل كان يرى عدم جواز ذلك، ويستشف هذا من اعتراضه على الباجي حين استقرأ من ألفاظ المدونة؛ اشتراط الجماعة لخطبة الجمعة وقد مر النص قريباً (١) وقد أوضح ذلك النص بجلاء موقفه من هذا النوع من التخريج. إلا أن هذا لا يعني أنه كان لا يرى جواز التخريج على نصوص الإمام بل إن موقفه هذا كان محصوراً في استنباط الأحكام واستثمارها من نص الإمام. وإنزال نصوصه منزلة ألفاظ المشرع، أما ما عدا ذلك فإننا نجده يخرج على نصوص الإمام، بمعنى أنه يقيس عليها ويلحق بها نظيرتها. كما أنه يخرج على نصوص الشارع، وعلى القواعد الأصولية والفقهية، فنتج عن هذا انفراده ببعض الأقوال وإنشاؤه للخلاف في بعض المسائل. وهذه أمثلة نصية توضح ذلك: أولاً: تعامله مع نصوص الشارع مباشرة: النموذج الأول: قال أثناء حديثه عن حكم المولاة في الوضوء: " ... وسبب الخلاف بين الوجوب والسقوط مبني على خلاف الأصوليين في الأمر هل يقتضي الفور أو للمكلف التراخي؛ فإن قلنا إنه يقتضي الفور وجبت

стр. 162

الموالاة، وإن قلنا إنه يقتضي التراخي لم تجب. وكذلك أيضًا وضوؤه ﷺ ثم قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (١). يتضح في هذا النص أنه وظف القواعد الأصولية، وطبقها على الحديث مباشرة، وأجرى حكم ترتيب أفعال الوضوء على حكم موالاة الأفعال، ولم يعتمد على نصوص المذهب. النموذج الثاني: قال ابن بشير: "ولا خلاف أن الخطبة إذا اشتملت على حمد الله تعالى [والثناء عليه] والصلاة على نبيه ﵇ وشيء من الوعظ ومن تلاوة القرآن أنها مجزية. ولا يوجد في المذهب نص على اشتراط خطبتين حتى لا يجوز دونهما. وحكى أبو الحسن اللخمي في ذلك قولين. وهذا لو ساعدته الروايات لكان له وجه، لأن الرسول ﵇ خطب خطبتين، فيجري على ما قدمناه من الالتفات إلى أفعاله. وإن أتى منها بما لا بال له، مثل أن يقول الحمد لله وشبهَه. فهل يجزي؟ قولان. والرجوع في ذلك إلى لسان العرب، ولا شك أن مثل هذا المقدار لا يسمى خطبة ... " (٢). يتضح من هذا النص أنه استدل على وجوب الخطبة من فعل الرسول ﷺ على الرغم من وجود النص في المذهب واحتكم إلى أهل اللسان ولم يحتكم إلى نصوص المذهب. ثانياً: تعامله مع القواعد الأصولية والفقهية . النموذج الأول: قوله: "وفروض الأعيان تجب بالعقل والبلوغ والإسلام ودخول الوقت. واشتراطنا البلوغ بعد ذكر العقل يجري على خلاف الأصوليين هل يوصف غير البالغ بالعقل أم لا؟ فإن قلنا إنه موصوف بذلك فيشترط البلوغ. وإن قلنا إنه غير موصوف بذلك فيكتفى باشتراط العقل. وأما اشتراط الإسلام فيجري على الخلاف في الكفار هل هم

стр. 163

مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟ وإن قلنا إنهم مخاطبون فلا يشترط الإسلام، وإن قلنا إنهم غير مخاطبين فيشترط ... " (١). نلاحظ أنه وظف هنا مسألتين أصوليتين وهما هل يوصف غير البالغ بالعقل أم لا؟ وهل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟. النموذج الثاني قوله: "وإن رجع سهواً فلا تبطل صلاته بلا خلاف فإن رجع جهلاً يجري على الخلاف في حكم الجاهل هل هو كالناسي أو كالعامد؟ " (٢). نلاحظ أنه وظف في هذه المسألة قاعدة فقهية وهي هل الجاهل كالناسي أو كالعامد. النموذج الثالث قوله: "ومنها لو طرأ الخوف ثم انكشف الغيب بعدمه فالمنصوص من المذهب صحة الصلاة وإسقاط الإعادة. واستحب ابن المواز الإعادة في الوقت؛ وقد يقال: يجري الخلاف في الإعادة في الوقت على الخلاف في الاجتهاد هل يرفع الخطأ أم لا؟ ولعلٌّ هذا لم يقل به أحد من أهل المذهب" (٣). نلاحظ أنه وظف قاعدة أصولية وهي هل الاجتهاد يرفع الخطأ أم لا؟ وانفرد بقول في المذهب. ثالثاً: إجراء المسكوت على المنطوق: النموذج الأول: قال ابن بشير: "وقد قدمنا أن ما لا نفس له سائلة لا ينجس [بالموت] عندنا، والبرغوث من هذا القبيل. هذا إذا لم يجلب دماً فإن اجتلبه فقولان: فقيل هو طاهر نظراً إلى أصله، وقيل: نجس نظراً إلى الدم الحاصل معه. وعلى هذا يجري حكم قتل البرغوث في المسجد" (٤).

стр. 164

نلاحظ هنا أنه أجرى حكم البرغوث إذا قتل في المسجد على حكم الميت الذي لا نفس له سائلة. النموذج الثاني: قال ابن بشير: "وصوم رمضان من معالم الشريعة وأركان الإسلام. ووجوبه معلوم من دين الأمة ضرورة، ومن يجحد الوجوب فهو كافر قطعاً؛ فإن أقر بالوجوب وامتنع من الصوم فهل يكون كافرا؟ يجري على ما قدمناه من الخلاف في المُقر بوجوب الصلاة التارك لها." (١). نلاحظ أنه أجرى حكم تارك الصيام المقر به على تارك الصلاة المقر بها. رابعاً: الأجراء على الخلاف . النموذج الأول: قال ابن بشير: "وفي المدونة في من صلى وذكر في الصلاة أنه نسي مسح رأسه فلا يجزيه أن يمسح رأسه بما في لحيته من بلل. وهذا لا شك أنه يقطع الصلاة لأنه صلى بوضوء ناقص، وإذا قطع فإن كان ليس في لحيته من الماء ما يكفي لمسح رأسه فلا شك أنه يطلب الماء لذلك، وإن كان فيها من البلل ما يكفي لمسحه فهل يمسح بذلك أم لا؟ أما إن كان بحضرة ماء فإن لا يمسح بذلك. وأما إن بعد عن الماء فيجري على الخلاف في الوضوء بالماء المستعمل، وقد تقدم" (٢). نلاحظ هنا أنه أجرى حكم من وجد في لحيته بللاً لا يكفي لمسح كامل رأسه على الخلاف في الوضوء بالماء المستعمل. النموذج الثاني: قال ابن بشير: " ... وكذلك يجري الحكم في مسح الرأس في الوضوء. فإنه أجاز في المدونة أن تمسح على ضفرها.

стр. 165

وهذا إذا لم يكن عليه حائل يمنع من وصول الماء إليه؛ فإن كان هناك حائل جرى نقضه وعدم نقضه على الخلاف في وجوب إيعاب جميع الرأس فقد تقدم". نلاحظ هنا أنه أجرى حكم مسح الضفائر في الوضوء إذا كان هناك حائل يمنع وصول الماء، على الخلاف في وجوب إيعاب جميع الرأس. خامساً: تخريج قول ثالث: الأمثلة السابقة قد لا يكون فيها نص لأهل المذهب، فيجتهد ابن بشير لإلحاقها بمثيلاتها، ويخرج لها حكماً، أما هذه فقد وجدت فيها أحكام ونصوص، لكنه رأى أنه من الممكن أن تجري فيها أحكام أخرى، غير التي نص عليها سابقوه، وهذه أمثلة توضح ذلك: النموذج الأول: قال في حديثه عن إمامة العاجز عن القيام إذا كان المقتدون به عاجزين كعجزه: "وإذا صححنا الإقتداء به فصح بعض المقتدين فما يفعل؟ قولان: قيل يقوم فيتم لنفسه فذًا؛ لأنه افتتح الصلاة بوجه جائز، ولا يصح إتمامه مقتديًا. والثاني أنهم يتمون معه الصلاة قائمين. وهذا تعويلاً على صحة الإقتداء به أولاً، ومراعاة لقول من يقول يجوز الإقتداء بالجالس وإن كان المقتدي به قائماً، ويجري فيه قول ثالث: أنه يقطع الصلاة كالأمة تعتق في الصلاة وليس عليها ما يستر عورة الحرة." (١). نلاحظ هنا أنه حكى قولين عن المذهب وزاد قولاً ثالثاً يمكن أن يجري في المسألة. النموذج الثاني: قال ابن بشير: "والستر هل هو من شرط صحة الصلاة، أو هو فرضٌ، من تركه أثم لكنه ليس بشرط في صحة الصلاة؟ وقد قدمنا القولين في الرجل يصلي بادي الفخذين هل يعيد في الوقت، أو لا إعادة عليه؟ فأما الإعادة في

стр. 166

الوقت فيحتمل أن يكون بناء على أن الفخذين ليسا بعورة ولكنه يعيد مراعاة للخلاف، أو على أنه عورة لكن يقتصر على الإعادة في الوقت مراعاة للخلاف. وأما ترك الإعادة فيحتمل أن يكون بناء على أن الفخذين ليسا بعورة وهو الظاهر أو على أنه عورة، لكنها عورة خفيفة. ولا شك أنه يجري فيه قول ثالث بوجوب الإعادة وإن خرج الوقت بناء على أنه عورة على ترك مراعاة الخلاف" (١). نلاحظ أيضًا أنه ذكر قولين في المسألة ونص على إمكان إجراء قول ثالث فيها. النموذج الثالث: قال في حديثه عن زكاة المغشوش من الدنانير: " ... فإن اختلفت الموازين وكانت في بعضها كاملة وفي بعضها ناقصة فالمنصوص للبغداديين وجوب الزكاة تعويلاً على الكمال. ولا يبعد أن يجري على قولين. وبين الأصوليين خلاف إذا اجتمع شيئان أحدهما موجب والثاني مسقط هل يغلب الموجب أو بالعكس؟ " (٢). نلاحظ هنا أنه ذكر قولاً منصوصا للبغداديين ورأى أنه يمكن أن يجري فيه قول آخر. النموذج الرابع: قال في حديثه عن العطايا التي تقارن العقد ويقع عليها النكاح: "فإن انفسخ النكاح فهل تبقى على حكمها الأول من عدم افتقارها إلى الحوز أو لا تبقى على ذلك؟ فيه قولان للمتأخرين، ويجري فيه قول ثالث بأنها لا تلزم إذا ظهر أنها إنما أعطيت بقصد صحة النكاح." (٣). نلاحظ أنه ذكر هنا قولين للأشياخ وزاد قولاً ثالثاً. سادساً: إنشاؤه للخلاف: ومما يلحق بالأمور السابقة؛ إنشاؤه للخلاف في مسائل لم يختلف

стр. 167

فيها أهل المذهب، وقد يعبر عن ذلك بأساليب متعددة، منها قوله: "ينبغي أن يختلف" أو "لا يبعد أن يختلف" أو "فقد يختلف" أو "فيختلف". أما إذا كان يحكي الخلاف عن علماء المذهب فإنه يستعمل الفعل الماضي المبني للمجهول اختلف، أو يبنيه للمعلوم وينسبه للمختلفين كقوله: اختلف الأشياخ أو المتأخرون أو غيرهم. وقد سبق الحديث عن الخلاف عند ابن بشير، وأنه محصور في الخلاف الصغير أو النازل. فنكتفي هنا بذكر أمثلة على إنشائه للخلاف. النموذج الأول: قال فيمن صلى إلى غير القبلة: "فأما من صلى وهو قادر على التحويل أو التحول فينبغي أن يعيد أبدًا. وأما من لم يقدر على ذلك لفقد من يحوله؛ فينبغي أن يختلف في إعادته كما اختلف في [إعادة] المريض يعدم من يناوله الماء، فيتيمم ويصلي ثم يجد من يناوله." (١). نلاحظ أنه أجرى المسألة على نظيرتها فرأى أنه يجب أن يختلف فيها كما اختلف في مثيلاتها. النموذج الثاني: قال في العاجز عن كل حركات الصلاة ولم يبق له إلا النية: " ... وقد طال بحثنا عن مقتضى المذهب في هذه المسألة. والذي عولنا عليه في المذاكرات موافقة مذهب الشافعي مع العجز عن نص يقتضيه في المذهب .... ولا يبعد أن يختلف المذهب في هذه المسألة وإن وجد فيها نص] " (٢). نلاحظ أنه وإن ركن للمذهب الشافعى فإنه لا يستبعد أن يختلف المذهب لوجود أسباب الاختلاف.

стр. 168

النموذج الثالث: قال ابن بشير: "ولا يجوز أن يصلي وهو يدافع خروج الحدث؛ فإن فعل ففي الكتاب يعيد بعد الوقت. قال الأشياخ: وهذا على ثلاثة أقسام: أحدها أن يمنع الحدث إتمام الفروض، وهذا يعيد في الوقت وبعده. والثاني أن يمنعه من إتمام السنن، فهذا يعيد في الوقت لا بعده. وينبغي أن يختلف في هذا على الخلاف في تارك السنن [متعمداً] هل يعيد بعد الوقت؟ ... " (١). نلاحظ هنا أنه ذكر قول الأشياخ، ورأى أن المسألة ينبغي أن يختلف فيها، طرداً للقواعد وإجراءً لها على مثيلاتها. بعد هذا أنتقل إلى قضية أخرى وثيقة الارتباط بالاجتهاد أعني التعليل. المطلب الثالث: التعليل عند ابن بشير: إن إدراك كنه الشريعة، مرتبط أشد الارتباط بمعرفة مقاصدها وأسرارها وعللها "فمن لم يتفقه في مقاصد الشريعة فهمها على غير وجهها" (٢). "وزلة العالم أكثر ما تكون عند الغفلة عن اعتبار مقاصد الشريعة" (٣). لقد كان ابن بشير مدركاً لهذه الحقيقة أشد الإدراك. وبذل جهداً في إبراز علل الأحكام وأسرارها، وألف في ذلك كتاباً مستقلاً سماه: "الأنوار البديعة إلى أسرار الشريعة" وجعل كتاب التنبيه، مدخلاً لهذا الكتاب (٤). فمزج فيه الأحكام بالعلل حتى أصبح الكتاب يتميز بهذه الميزة قال محمد مخلوف: "ألف كتاب التنبيه ذكر فيه أسرار الشريعة" (٥) ولو أنه ركز على النصوص الشرعية، بدل الأقوال الفقهية؛ لكان من أوائل المؤسسين لعلم المقاصد لكن يبدو أنه تأثر بشيخه اللخمي الذي رسم معالم هذا المنهاج (٦).

стр. 169

ويمكن تصنيف جهود ابن بشير في هذا المجال، ضمن المقاصد الجزئية التي تكتفي بذكر مقاصد الأحكام الفرعية، وإن كان من حين لآخر يتعرض للمقاصد الخاصة والعامة (١). تجاذب الأحكام بين التعبد المحض ومعقولية المعنى: لقد قسم الغزالي الأحكام الشرعية إلى ثلاث أقسام: قسم تعبدي محض لا مدخل للحظوظ والأغراض فيه، وقسم المقصود منه حظ معقول وليس يقصد منه التعبد. وقسم مركب يقصد منه الأمران جميعاً وهو حظ العباد وامتحان المكلف بالاستعباد. وبغض النظر عن صحة هذا التقسيم أو عدم صحته (٢)، فإن ابن بشير سار عليه. فنجده يتردد أحياناً في إلحاق بعض العبادات بأحد الأقسام، أو يجزم بأنها من قسم معين. والأمثلة على ذلك كثيرة منها: أولاً: الأحكام التي اختلف العلماء في كونها معللة أو غير معللة فمن ذلك: أ- اختلاف العلماء في غسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب هل هو للتعبد المحض أو لما يمكن أن يكون ولغ فيه من النجاسة أو لأنه مما يستقدر (٣). ب- اختلاف القائلين بغسل جميع الذكر من المذي هل يفتقر إلى نية

стр. 170

أم لا؟ وسبب الخلاف هل غسل جميعه تعبد فيفتقر إلى النية أو غسله لتتقطع مادة المذي فلا يفتقر إلى نية؟ (١). ج- الاختلاف في طلاق غير المدخول بها. هل يجوز في الحيض إذ لا عدة يخاف تطويلها أو لا يجوز لأن ذلك غير معلل (٢). د- وقال في أنصبة الزكاة: "وقد تصرفت الشريعة في هذه النصب تصرفاً مناسبًا يعقل معناه وإن كان فيه شوب التعبد على التفصيل" (٣) ثم راح يذكر بعض الحكم والأسرار. فهذه نماذج من الأحكام تردد الفقهاء في إلحاقها بأحد الجانبين؛ جانب الأحكام المعللة أو جانب الأحكام التعبدية. وأما ما جزم بأنه تعبد محض فهو قليل، منه قوله: "وهل يفتقر النضح إلى نية؟ للمتأخرين قولان: أحدهما وجوب النية لأنه تعبد، والثاني إسقاطها. قال ابن محرز؛ لأنه لا يخلو أن يكون أصابه شيء أم لا؟ فإن أصابه فلا يفتقر إلى نية، وإن لم يصبه فلا شيء عليه. وهذا الذي قاله هو القياس، لولا أن النضح تعبد والتعبد يفتقر إلى نية" (٤). أما ما عقل معناه فهو كثير منه ما حكاه عن غيره وأقره ومثاله: ما حكاه عن أبي المعالي في المقصد من الصوم فقال: " ... المقصود بالصوم في الشريعة وجهان: أحدهما: كسر الشهوتين؛ شهوة البطن والفرج، فإنهما إذا أرسلا على شهواتهما ولم تعود النفوس كسرها دعتا إلى الوقوع في المحظور. وإذا تعوَّد الإنسان إمساكهما عن المباح وأخذ نفسه بذلك قدر على إمساكهما عن الممنوع. فكأن الصوم في الشريعة إمساك عن مباح

стр. 171

ليكون حمى للممنوع، وعليه نبه ﷺ : "أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلاَ وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ". والوجه الثاني: أن المقصود أيضًا كسر الشهوتين. لكن ليس للاعتياد، بل يحصل من نفس الكسر قمع النفس عن شهواتها ومنعها من الاسترسال على لذاتها. وإليه الإشارة بقوله ﷺ : "الصَّوْمُ جُنَّةٌ"" (١). ومنه ما حكاه عن المحققين في علة إدراك الصلاة بركعة واحدة قبل خروج الوقت. فقال: "قال المحققون في الانتصار للمشهور إن رسول الله ﷺ إنما جعل مُدْرَكَ الصلاة قبل الطلوع أو قبل الغروب بالركعة؛ لأن الركعة صلاة كاملة؛ فيها تكبير وقيام وقراءة وركوع وسجود، وهذه جملة أحكام الصلاة. ثم الركعات بعدها تكرير لهذه الأفعال من غير زيادة، وإنما تكررت لحصول تأثيرها في النفس وهي في معنى الأول قطعاً، فالمدرك للركعة حصلت له جملة الصلاة في الوقت" (٢). ومنه ما نقله عن غيره وانتقده وله عدة أمثلة منها: أ- قال في الزرع الذي يسقى بالسيح، لكن رب الأصول لا يملك الماء وإنما يشتريه: "ومن أوجب هاهنا نصف العشر فإنما يعول على الالتفات إلى المعنى، وأن مقصود الحديث أن ما فيه كلفة ففيه نصف العشر، وما لا كلفة فيه ففيه العشر [كاملاً]، وهذا ظاهر [ما لم] يصادم النص؛ فإن الرسول ﷺ جعل فيما يشرب بالعيون [أو بالبعل] العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر، فينبغي أن ينظر إلى المعنى لكن من غير أن يعود التعليل بمصادمة النص، وقد قال المحققون: إن كل علَّة تعود على النص بالإبطال فهي باطلة" (٣). ب- قال في علة كراهية اتخاذ الأعرابي إماما: "وأبو الوليد الباجي

стр. 172

يرى أن العلة في الكراهية كالعلة في كراهة العبد، هو مداومته على ترك بعض الفروض كالجمعة، وإكمال الصلاة لكثرة أسفاره. وابن حبيب وغيره من أهل المذهب يعللون لجهله بالسنن. ولو صح ما قالوه لمنعت إمامته، لأنه إذا جهل أحكام الصلاة كان الإتمام به معرضًا للبطلان" (١). ج - قال في علة طهارة بول الصبي ونجاسة بول الصبية: "وقد علل هذا المذهب بأن الذكر خلق من تراب والأنثى من ضلع، فإذا لم يأكلا الطعام رُدَّا إلى أصلهما، فالتراب طاهر والضلع نجس. وهذا ليس بشيء لأنه يقتضي الحكم بطهارة الرجيع وأجمعت الأمة على نجاسته. وإنما الخلاف في البول. وأيضاً فإن المخلوق من تراب ومن ضلع هما أصل الخلقة، آدم وحواء. وأما من بعدهما فهو مخلوق من نطفة" (٢). أما ما لم ينسبه لغيره فهو كثير منه: أ- قال في وجوب جمع الذهب والفضة في تكميل النصاب، لاتحاد مقاصدهما: "ولما كان النقدان متفقين في حال المقاصد، وأنهما ثمن للمبيعات وقيم المتلفات، وهذا هو المقصد الأول [بهما]، ولا يختلفان إلا من باب كثرة القيمة وقلتها وجب عندنا أن يجمعا في الزكاة فيكمل النصاب من أحدهما بالآخر" (٣). ب- قال في علة كراهية الصلاة بين الأساطين: "والصلاة بين الأساطين مكروهة، إلا أن يضيق المسجد. واختلف في علة الكراهية فقيل: أنها محل الشياطين والنجاسات، إذ كانوا يلقون هناك نعالهم، وقيل إنما كرهت لتقطيع الصفوف، ولا تفسد الصلاة على هذا التعليل. وإن عللنا بنجاسة الموضع تفسد الصلاة" (٤).

стр. 173

ج- قال في العلة في امتناع أهل الفضل عن الصلاة، على مظهري الكبائر: "فينبغي لأهل الفضل أن يجتنبوا الصلاة على مظهري الكبائر ليرتدع بذلك أمثالهم" (١). د- قال في العلة من منع إعطاء آل البيت من الصدقة: "فالمنع لقوله ﷺ للحسين ﵁ وقد أخذ تمرة من تمر الصدقة: أما علمت أن الصدقة لا تحل لآل محمد. ومن حمل ذلك على عمومه؛ منع في التطوع والواجبة، ومن قصره على الغالب من كونه من الصدقة الواجبة، قصره على الواجب دون التطوع. ويدل عليه تعليله ﷺ للمنع لأنها أوساخ الناس. وأما الجواز مطلقاً فمعلل بأنهم إنما منعوا منها لما كانت الأرزاق الواجبة لهم جارية عليهم، والآن انقطعت فحلت لهم الصدقة. وأما التفرقة في إجازة الواجبة دون التطوع فإن الواجبة لا مِنَّة فيها بخلاف التطوع، فجاز لهم أخذ ما لا منة فيه" (٢). * المطلب الرابع: ابن بشير والأصول: إن كل من أراد أن يسلك مسلك الاجتهاد، لا مناص له من التحقق والتمكن من الأصول، وابن بشير حامل لواء الاستقلال بالاجتهاد والترفع عن أهل التقليد، كان واحداً ممن استجمعوا شرائط هذا العلم وسلكوا سبيله. بل عبدوه ومهدوه لغيرهم. فهو كثير الاعتماد على القواعد الأصولية في كتابه التنبيه، وقد وظفها توظيفًا رائعاً محكمًا، فمزج الفروع بالأصول وبين مناهج العلماء في استنباط الأحكام، وتوسع في ذلك توسعا بينا لا تخطئه العين. حتى أصبح ذلك سمة بارزة فيه. ولعل ما ساعده على ذلك اهتمامه بهذا العلم، وإفراده بالتأليف (٣) في

стр. 174

وقت اتهم فيه المغاربة بالتقصير في علم الأصول والعزوف عنه وقلة بضاعتهم فيه (١). ومن كثرة استعماله للقواعد الأصولية واعتماده عليها، أصبح محط انتقاد بعض العلماء. قال ابن فرحون: "وكان ﵀ يستنبط أحكام الفروع من قواعد أصول الفقه. وعلى هذا مشى في التنبيه. وهي طريقة نبه ابن دقيق العيد على أنها غير مخلصة، إذ الفروع لا يطرد تخريجها على القواعد الأصولية" (٢). وقد سبق الحديث عن هذه القضية، فلا داعيًا لتكراره (٣). ومهما يكن من أمر فإن الدارس أو المتفقه، يجد متعة في التعامل مع القواعد الأصولية وربطها بالفروع الفقهية. فهي الوسيلة المثلى لتنمية الملكة والمساعدة على استنباط الأحكام واستثمارها. ولتجلية الموضوع أكثر يستحسن ذكر بعض القواعد الأصولية التي احتج بها ابن بشير أو رد إليها اختلاف الفقهاء. فمن ذلك قوله: هل الأمر يدل على الوجوب أو الندب؟ (٤) هل القضاء يفتقر إلى أمر ثان؟ (٥) هل الأمر يقتضي الفور أم التراخي؟ (٦). هل الأوامر تتعلق بوقت الكراهة؟ (٧) هل يقتدى بأفعاله كلها؟ (٨) هل الأمر بالشيء نهي عن

стр. 175

ضده؟ (١) هل تحمل الأسماء على الأوائل أم الأواخر؟ (٢) هل العطف يفيد التشريك؟ (٣) هل الجمع يفيد التشريك؟ (٤) هل إلى للانتهاء أم للغاية؟ (٥) هل يخصص العام بالعادة؟ (٦) هل العام الوارد على سبب يتعداه أم لا؟ (٧) هل النفي يقتضي الإجمال؟ (٨) هل يرد المطلق إلى المقيد؟ (٩) هل يعمل بدليل الخطاب؟ (١٠) هل يعمل بلحن الخطاب؟ (١١) ما المقدم إذا اجتمع موجب ومسقط؟ (١٢) إذا قال الصحابي شيئاً ولم ينكر عليه هل يعد إجماعا؟ (١٣) إذا قال الصحابي شيئاً من السنَّة كذا هل يضاف إلى النبي ﷺ ؟ (١٤) زيادة العدل هل تقبل أم لا؟ (١٥) هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ (١٦) هل يكلف غير المطبق؟ (١٧) ما العمل إذا تعارض استصحابان؟ (١٨) هل يقاس على الرخص؟ (١٩) هل يعول على قياس الشبه (٢٠) ما حقيقة قياس العكس (٢١) هل

стр. 176

يقدم القياس على خبر الآحاد؟ (١) هل ترتفع العلة بارتفاع حكمها أم لا؟ (٢) هل يجب النسخ بالبلوغ أو بالنزول؟ (٣) هل كل مجتهد مصيب أم لا؟ (٤) إلى غير ذلك ... هذا العدد الكبير من القواعد الأصولية المنثورة في الكتاب، تضفي عليه قيمة علمية خاصة، وتحقق أهداف مؤلفه منه وهي التمرس على الاجتهاد والارتفاع عن التقليد. * المطلب الخامس: ابن بشير والقواعد الفقهية: إذا كان الفقه هو ثمرة العلوم الشرعية، فإن القواعد الفقهية هي ثمرة الفقه وزبدته، فيها تبلورت العقلية الفقهية الإسلامية الناضجة، القادرة على التجميع والتأصيل للمسائل الفقهية المتكاثرة (٥). وقد ظهر علم القواعد الفقهية كمادة مستقلة في القرن الرابع الهجري، وذلك بعد اختمار ونضج المادة الفقهية، فانكب أصحاب كل مذهب على دراسة فروع مذهبهم، ووضع الضوابط والقواعد له وضم المسائل المتشابهة إلى نظائرها، وجمع كل قضية مع شبيهتها. وهذا كله من أجل تكوين الملكة الفقهية، واكتساب القدرة على التخريج والتفريع وتيسير ضبط الفقه واستحضار جزئياته. وقد ألف عدد من الفقهاء كتباً مستقلة في هذا الميدان. وبالنسبة لابن بشير فإننا لا نسنطيع أن نثبت له كتاباً مستقلاً في هذا الفن، ولا أن ننفيه عنه، نظراً للإهمال الشديد الذي تعرض له تراثه، نعم نستطيع أن نجزم له بكتاب في الأشباه والنظائر وقد سبقت الإشارة إلى

стр. 177

ذلك، ومعلوم أن هناك فرقا بين القواعد الفقهية والأشباه والنظائر: إذ الأولى عبارة عن أصول فقهية كلية في نصوص موجزة دستورية تضم أحكاماً تشريعية عامة، في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها، وتصاغ بعبارة موجزة ومحكمة (١)، وتلحق بها القواعد الفقهية التي تشمل جزئيات وفروع تندرج في باب واحد أو جزء من باب (٢). أما الأشباه والنظائر، فليست كذلك. إذ يقصد بها المسائل التي يشبه بعضها بعضا مع اختلاف في الحكم لأمور خفية (٣) ... ومهما يكن من أمر فإن ابن بشير ضمن كتابه التنبيه على مبادئ التوجيه مادة علمية غزيرة في مجال القواعد الفقهية لو استخرجت منه لكانت كتاباً ضخما (٤). ومعظم القواعد التي وظفها ابن بشير في كتابه هي قواعد وأحكام كلية خلافية، كانت مثار نقاش وجدال بين الفقهاء ونتج عن الخلاف فيها خلاف في فروع أخص منها. ولعل لهذا ما يبرره، إذ الكتاب قصد به حكاية الخلاف داخل المذهب، فناسب هذا التعامل مع هذا النوع من القواعد الفقهية. وأرى من المفيد ذكر بعض القواعد التي تعامل معها ابن بشير في كتابه. فمنها على سبيل المثال: "من ملك أن يملك هل يعد مالكاً؟ " (٥) "هل تراعى الطوارئ أم لا؟ " (٦) "الأتباع هل تعطى حكم نفسها أو حكم متبوعاتها؟ " (٧) "هل يكون

стр. 178

النظر إلى الحال أو إلى المآل" (١) "هل المساكين كالشركاء بمضي الحول، أو ليس كالشركاء؟ " (٢) "المترقبات هل تعد حاصلة من يوم ترقبها أو من يوم حصولها؟ " (٣) "إمكان الأداء هل هو شرط في الوجوب أم لا؟ " (٤) "هل يعطى الحكم للنية أو للموجود؟ " (٥) "هل تتعين الأضحية بالشراء أو بالنية؟ " (٦) "من ملك ظاهر الأرض هل يملك باطنها أم لا؟ " (٧) "مجيء السعاة هل هو شرط في الوجوب أو في الأداء" (٨) "هل كل جزء من الصلاة عبادة قائمة بنفسها أو يقال صحة أوائلها موقوف على صحة أواخرها؟ " (٩) "هل يعلق الحكم على الصور النادرة أم لا؟ " (١٠). هذه جملة من الأمثلة على القواعد الفقهية التي تعامل معها ابن بشير في كتابه، ووظفها فيه، ولعل الحديث عن طريقة استثماره لها ومنهج استدلاله بها في الخلاف يقتضي بحثاً مستقلاً فلنكتفي بما ذكرنا. * المطلب السادس: مصادر ابن بشير في الكتاب: إذا كان بعض العلماء يميلون إلى التكتم على مصادرهم، وعدم البوح بها، كابن رشد الحفيد في بداية المجتهد ونهاية المقتصد، وابن خلدون في المقدمة وغيرهم، فإن ابن بشير كان واضحاً في هذه المسألة، كاشفاً عن مصادره ومبيناً لها في الغالب الأعم.

стр. 179

ويمكن تقسيم مصادره إلى ثلاثة أقسام: مصادر صرح بأسمائها، ومصادر لم يصرح بها وإنما صرح بمؤلفيها (١)، ومصادر أبهمها. فبالنسبة للمصادر التي صرح بها أو صرح بمؤلفيه، أول ما نذكر منها: ١ - المدونة؛ المصدر الذي يعتبر محور الكتاب وأساسه، وقد يعبر عنه أحياناً بالكتاب وأحيانًا أخرى بالمدونة؛ ولعل هذا من تصرف النساخ، وإن كان هناك احتمالاً بأن يقصد بالكتاب تهذيب البراذعي، لأنه بعد ظهوره أصبح البعض يطلق عليه مصطلح الكتاب، وعلى المدونة مصطلح الأم، ولكن هذا بعيد لسببين: أولهما: أن مصطلح الأم لم أقف عليه في كتاب التنبيه، ثانيهما: أنه من خلال تتبعي للنصوص التي نسبها للمدونة أو الكتاب وجدتها كلها في المدونة. فتبين لي أن المصطلحين لمسمى واحد. وبما أن المدونة كانت مصدراً رئيساً عند ابن بشير، بل هي محور كتاب التنبيه وقطب رحاه، حتى عد شرحاً لها، أرى أن ذلك يدعوني للحديث عن موقفه منها. موقفه من المدونة: من المعلوم أن ابن بشير ينتمي إلى المدرسة القيروانية، التي توسم بأنها أثرية تركز على نصوص المدونة، وتدارسها وتناقشها، وتخرج عليها، يقول أبو العباس المقري: "أما الاصطلاح القروي، فهو البحث عن ألفاظ الكتاب، وتحقيق ما احتوت عليه بواطن الأبواب وتصحيح الروايات، وبيان وجوه الاحتمالات، والتنبيه على ما في الكلام من اضطراب الجواب واختلاف المقالات مع ما انضاف إلى ذلك من تتبع الآثار، وترتيب أساليب الأخبار، وضبط الحروف على حسب ما وقع في السماع، وافق ذلك عوامل الإعراب أو خالفها" (٢).

стр. 180

فإذا هو منهج أشد التصاقاً واحتكاكاً بالمدونة من غيره من المدارس المالكية (١). والكتاب الذي بين أيدينا ناطق بذلك، فبالإضافة إلى أنه حريص على محاذاتها في الشكل والترتيب والتخريج عليها والتنبيه على ما ليس فيها، فإنه كذلك حريص على تتبع ألفاظها، وضبط حروفها وتصحيح رواياتها. وأسوق مثالين يوضحان ذلك: الأول: قوله: "وفي المدونة في خشاش الأرض أنه لا ينجس ما مات فيه [من الماء]. وإن وقع في قدر فيها طعام أكل ما فيها. وذكر عن أبي عمران أنه قال سقط من المدونة: "لا"، وإنما الأصل أنه لا يؤكل ما فيها لأنه لا ينجس الماء في الاستعمال، ويُمنع شربه وأكل الطعام لعلة أنه لا يؤكل إلا بذكاة. وهذا الذي قاله صحيح على أصل المذهب لكنه بعيد أن يقال سقطت لفظة "لا" من جميع الكتب وأغفلها الرواة" (٢). والثاني: قوله: "وفي المدونة: لا بأس بالخبز من سؤر الفأرة. ويروى بضم الخاء وبفتحها، ومعنى الضم نفس الخبز إذا أكلت منه ... ومعنى الفتح في الخَبْز أنها إذا شربت من ماء فيجوز أن يعجن به، وصوب بعض الأشياخ هذه الرواية ... " (٣). وعلى الرغم من هذا كله، فإنه لم يصل به اهتمامه بالمدونة واعتماده عليها وإعجابه بها إلى درجة التحفظ في انتقادها، والتهيب من التنبيه على أخطائها. بل بقدر ما هو معجب بها، ومتمسك بها، بقدر ما ينتقدها حيث
следующие страницы →