← Фикх малики

Фикх малики · id 121378

التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات

أبو الطاهر ابن بشير

Полный текст (942 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

يقدم القياس على خبر الآحاد؟ (١) هل ترتفع العلة بارتفاع حكمها أم لا؟ (٢) هل يجب النسخ بالبلوغ أو بالنزول؟ (٣) هل كل مجتهد مصيب أم لا؟ (٤) إلى غير ذلك ... هذا العدد الكبير من القواعد الأصولية المنثورة في الكتاب، تضفي عليه قيمة علمية خاصة، وتحقق أهداف مؤلفه منه وهي التمرس على الاجتهاد والارتفاع عن التقليد. * المطلب الخامس: ابن بشير والقواعد الفقهية: إذا كان الفقه هو ثمرة العلوم الشرعية، فإن القواعد الفقهية هي ثمرة الفقه وزبدته، فيها تبلورت العقلية الفقهية الإسلامية الناضجة، القادرة على التجميع والتأصيل للمسائل الفقهية المتكاثرة (٥). وقد ظهر علم القواعد الفقهية كمادة مستقلة في القرن الرابع الهجري، وذلك بعد اختمار ونضج المادة الفقهية، فانكب أصحاب كل مذهب على دراسة فروع مذهبهم، ووضع الضوابط والقواعد له وضم المسائل المتشابهة إلى نظائرها، وجمع كل قضية مع شبيهتها. وهذا كله من أجل تكوين الملكة الفقهية، واكتساب القدرة على التخريج والتفريع وتيسير ضبط الفقه واستحضار جزئياته. وقد ألف عدد من الفقهاء كتباً مستقلة في هذا الميدان. وبالنسبة لابن بشير فإننا لا نسنطيع أن نثبت له كتاباً مستقلاً في هذا الفن، ولا أن ننفيه عنه، نظراً للإهمال الشديد الذي تعرض له تراثه، نعم نستطيع أن نجزم له بكتاب في الأشباه والنظائر وقد سبقت الإشارة إلى

стр. 177

ذلك، ومعلوم أن هناك فرقا بين القواعد الفقهية والأشباه والنظائر: إذ الأولى عبارة عن أصول فقهية كلية في نصوص موجزة دستورية تضم أحكاماً تشريعية عامة، في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها، وتصاغ بعبارة موجزة ومحكمة (١)، وتلحق بها القواعد الفقهية التي تشمل جزئيات وفروع تندرج في باب واحد أو جزء من باب (٢). أما الأشباه والنظائر، فليست كذلك. إذ يقصد بها المسائل التي يشبه بعضها بعضا مع اختلاف في الحكم لأمور خفية (٣) ... ومهما يكن من أمر فإن ابن بشير ضمن كتابه التنبيه على مبادئ التوجيه مادة علمية غزيرة في مجال القواعد الفقهية لو استخرجت منه لكانت كتاباً ضخما (٤). ومعظم القواعد التي وظفها ابن بشير في كتابه هي قواعد وأحكام كلية خلافية، كانت مثار نقاش وجدال بين الفقهاء ونتج عن الخلاف فيها خلاف في فروع أخص منها. ولعل لهذا ما يبرره، إذ الكتاب قصد به حكاية الخلاف داخل المذهب، فناسب هذا التعامل مع هذا النوع من القواعد الفقهية. وأرى من المفيد ذكر بعض القواعد التي تعامل معها ابن بشير في كتابه. فمنها على سبيل المثال: "من ملك أن يملك هل يعد مالكاً؟ " (٥) "هل تراعى الطوارئ أم لا؟ " (٦) "الأتباع هل تعطى حكم نفسها أو حكم متبوعاتها؟ " (٧) "هل يكون

стр. 178

النظر إلى الحال أو إلى المآل" (١) "هل المساكين كالشركاء بمضي الحول، أو ليس كالشركاء؟ " (٢) "المترقبات هل تعد حاصلة من يوم ترقبها أو من يوم حصولها؟ " (٣) "إمكان الأداء هل هو شرط في الوجوب أم لا؟ " (٤) "هل يعطى الحكم للنية أو للموجود؟ " (٥) "هل تتعين الأضحية بالشراء أو بالنية؟ " (٦) "من ملك ظاهر الأرض هل يملك باطنها أم لا؟ " (٧) "مجيء السعاة هل هو شرط في الوجوب أو في الأداء" (٨) "هل كل جزء من الصلاة عبادة قائمة بنفسها أو يقال صحة أوائلها موقوف على صحة أواخرها؟ " (٩) "هل يعلق الحكم على الصور النادرة أم لا؟ " (١٠). هذه جملة من الأمثلة على القواعد الفقهية التي تعامل معها ابن بشير في كتابه، ووظفها فيه، ولعل الحديث عن طريقة استثماره لها ومنهج استدلاله بها في الخلاف يقتضي بحثاً مستقلاً فلنكتفي بما ذكرنا. * المطلب السادس: مصادر ابن بشير في الكتاب: إذا كان بعض العلماء يميلون إلى التكتم على مصادرهم، وعدم البوح بها، كابن رشد الحفيد في بداية المجتهد ونهاية المقتصد، وابن خلدون في المقدمة وغيرهم، فإن ابن بشير كان واضحاً في هذه المسألة، كاشفاً عن مصادره ومبيناً لها في الغالب الأعم.

стр. 179

ويمكن تقسيم مصادره إلى ثلاثة أقسام: مصادر صرح بأسمائها، ومصادر لم يصرح بها وإنما صرح بمؤلفيها (١)، ومصادر أبهمها. فبالنسبة للمصادر التي صرح بها أو صرح بمؤلفيه، أول ما نذكر منها: ١ - المدونة؛ المصدر الذي يعتبر محور الكتاب وأساسه، وقد يعبر عنه أحياناً بالكتاب وأحيانًا أخرى بالمدونة؛ ولعل هذا من تصرف النساخ، وإن كان هناك احتمالاً بأن يقصد بالكتاب تهذيب البراذعي، لأنه بعد ظهوره أصبح البعض يطلق عليه مصطلح الكتاب، وعلى المدونة مصطلح الأم، ولكن هذا بعيد لسببين: أولهما: أن مصطلح الأم لم أقف عليه في كتاب التنبيه، ثانيهما: أنه من خلال تتبعي للنصوص التي نسبها للمدونة أو الكتاب وجدتها كلها في المدونة. فتبين لي أن المصطلحين لمسمى واحد. وبما أن المدونة كانت مصدراً رئيساً عند ابن بشير، بل هي محور كتاب التنبيه وقطب رحاه، حتى عد شرحاً لها، أرى أن ذلك يدعوني للحديث عن موقفه منها. موقفه من المدونة: من المعلوم أن ابن بشير ينتمي إلى المدرسة القيروانية، التي توسم بأنها أثرية تركز على نصوص المدونة، وتدارسها وتناقشها، وتخرج عليها، يقول أبو العباس المقري: "أما الاصطلاح القروي، فهو البحث عن ألفاظ الكتاب، وتحقيق ما احتوت عليه بواطن الأبواب وتصحيح الروايات، وبيان وجوه الاحتمالات، والتنبيه على ما في الكلام من اضطراب الجواب واختلاف المقالات مع ما انضاف إلى ذلك من تتبع الآثار، وترتيب أساليب الأخبار، وضبط الحروف على حسب ما وقع في السماع، وافق ذلك عوامل الإعراب أو خالفها" (٢).

стр. 180

فإذا هو منهج أشد التصاقاً واحتكاكاً بالمدونة من غيره من المدارس المالكية (١). والكتاب الذي بين أيدينا ناطق بذلك، فبالإضافة إلى أنه حريص على محاذاتها في الشكل والترتيب والتخريج عليها والتنبيه على ما ليس فيها، فإنه كذلك حريص على تتبع ألفاظها، وضبط حروفها وتصحيح رواياتها. وأسوق مثالين يوضحان ذلك: الأول: قوله: "وفي المدونة في خشاش الأرض أنه لا ينجس ما مات فيه [من الماء]. وإن وقع في قدر فيها طعام أكل ما فيها. وذكر عن أبي عمران أنه قال سقط من المدونة: "لا"، وإنما الأصل أنه لا يؤكل ما فيها لأنه لا ينجس الماء في الاستعمال، ويُمنع شربه وأكل الطعام لعلة أنه لا يؤكل إلا بذكاة. وهذا الذي قاله صحيح على أصل المذهب لكنه بعيد أن يقال سقطت لفظة "لا" من جميع الكتب وأغفلها الرواة" (٢). والثاني: قوله: "وفي المدونة: لا بأس بالخبز من سؤر الفأرة. ويروى بضم الخاء وبفتحها، ومعنى الضم نفس الخبز إذا أكلت منه ... ومعنى الفتح في الخَبْز أنها إذا شربت من ماء فيجوز أن يعجن به، وصوب بعض الأشياخ هذه الرواية ... " (٣). وعلى الرغم من هذا كله، فإنه لم يصل به اهتمامه بالمدونة واعتماده عليها وإعجابه بها إلى درجة التحفظ في انتقادها، والتهيب من التنبيه على أخطائها. بل بقدر ما هو معجب بها، ومتمسك بها، بقدر ما ينتقدها حيث

стр. 181

تدعو الضرورة لذلك اتباعاً للصواب إذا ظهر واستمساكًا بقوانين النظر الفقهي الذي يدور مع الدليل حيث دار، وأثبت هنا نصا من التنبيه بالغاً في الدلالة على هذا المعنى. قال ابن بشير: "والذي سمعناه في المذاكرات؛ أن هذه المسائل كلها ضعاف، وقد خالفه كثير من أصحابه في مثل هذه المسائل، وإن كانوا رواتها لما يرون من ضعفها. فروى أشهب عن مالك أنه قال: أكره حفر بيوت الجاهلية، وقبورهم للطلب فيها. وقال: أشهب بل يجوز حفر قبورهم، وفتشهم وأخذ سلبهم، وليست حرمتهم موتى أعظم من حرمتهم أحياء. وقد قال مالك في الذي يحلف بطلاق كل امرأة يتزوجها، إلى ثلاثين سنة، ثم يخاف العنت: يجوز له أن يتزوج. قال ابن نافع: إن تزوج طلقت عليه. وبه قال ابن الماجشون. وقال: لست آخذ فيها بقول مالك، فإن له أن يتسرى، وهو لو خص بلدا أو قبيلة لزمه. وكذلك إذا خص زمانًا يبلغه غيره. وقال مالك: من باع امرأته، طلقت عليه البتة. وقال ابن وهب: لا تطلق عليه، ولكنها إن طاوعته على البيع وهي رشيدة. وأقرت أن مشتريها وطئها طائعة رجمت، وإن ادعت الإكراه صدقت. وقال ابن القاسم وابن نافع: تطلق طلاق الخلع. وقال أصبغ بن الفرج: إن باعها من أهلها فهي طلقة خلع، وإن باعها من غيرهم، فهي ثلاث تطليقات. وقال مالك: من قال لرجل أو امرأة، دلني على من يشتري مني جاريتي ولك كذا. فيدله فإنه يلزمه ما سمى له. وان قال دلني على امرأة اتزوجها ولك كذا وكذا بذلك. قال لا شيء له، لأن النكاح لا بيع فيه، ولا إكراه. وبه قال ابن القاسم. وقال سحنون: لا أقول به، بل يلزمه، لأن المؤمنون عند شروطهم. وقال مالك في رجل يكون له على رجل دينار قرضًا، فيأخذ منه سدس دينار، أو يأخذ منه عند الأجل به درهم؛ إن ذلك جائز. وكذلك إن

стр. 182

أخذ بنصفه أو ثلث غرضًا جاز. فإن أخذ بما بقي من الدينار درهما؛ فلا خير فيه. قال أرى أنه يصير ذهبا وورقًا بذهب وعرضًا بذهب. قال أشهب: بل يجوز أن يأخذ باقيه ذهباً، فإنه بعض ديناره، فإنه قد كان بقي له من الجزء، وأخذه إذا لم يكن ذلك بالشرط عند التبايع. وكذلك في أخذ العوض بالجزء، والدراهم بجزء أخر، فإن ذلك لم يكن في صفقة واحدة، ولكن في عقد الأول مشروط. قال مالك: أكره أن يكون ولد الزنا إمامًا راتبًا، وقال ابن نافع: لا أرى به بأسًا ولا أدري، فإن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. قال مالك: من سرق من بيت مال المسلمين، تقطع يده، وإن كان له فيها سهم. وقال عبد الملك: لا تقطع عليه حتى يسرق فوق سهمه بربع دينار. وقال سحنون: الحق ما قال عبد الملك، إذا كان زيادة ربع دينار على حظه من ذلك المسروق منه. وقال مالك: من خلع امرأته على أنها متى ما طلبت الذي أعطته، فهي امرأته كما كانت، فطلبت ذلك فرده إليها، وراجعها ثم أصابها. قال: يفرق بينهما ولا يتناكحان أبدًا؛ لأنه نكحها في عدتها منه. رواه أشهب عن مالك. قال محمد بن المواز: سألت عنها غير واحد من أصحاب مالك، وكلهم يقول لا نأخذ به، ولا يحرم عليه التأبيد. وقال مالك: في الرجل يبتاع عشر نخلات، يختارها من حائط البائع، فذلك جائز. قال ابن القاسم: ما رأيت أحداً من أهل المعرفة يعجبه قول مالك ولا يعجبني. ولقد وافقته فيها نحوًا من أربعين ليلة. وقال مالك: أرى أن يقسم البيت الصغير وإن لم يقع لأحدهم ما ينتفع به. وكذلك الأرض القليلة. والدكان الصغيرة والحمام، وكل شيء. لقوله تعالى: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ قال بن القاسم: وأنا لا أرى ما لم ينقسم إلا بضرر من ارض، أو دار، أو حمام، لم ينقسم. إلا بحيث أن يظهر لكل واحد منهم ما ينتفع به على طريق الاستقلال، فيقسم، وإلا فلا.

стр. 183

ثم قال: وهذا قول جميع الرواة من أصحاب مالك إلى غير ذلك مما يكثر تتبعه. فلا تعتقد أن كل ما في المدونة صحيح، وإن في حديث النبي ﷺ ، صحيح وسقيم، وقد حان أن نرجع إلى الكتاب" (١). انتهى. وقد أثبت هذا النص على طوله، لأهميته ونفاسته. فهو يوضح بجلاء تحرر المالكية وتمسكهم بالآراء الراجحة ومخالفة الآراء المرجوحة، ولو كانت هي آراء الإمام نفسه. ٢ - الموطأ؛ لقد اعتمد ابن بشير الموطأ، ولكن ليس كاعتماده المدونة، إذ إشاراته إليه ونقوله عنه قليلة جداً إذا ما قورنت بالمدونة، ورغم هذا فإنه كان ينظر إليه نظرة إجلال وإكبار ويرى أنه كتاب علم ألف للعلماء. قال في كتاب المرابحة: "هذه مسألة من مسائل الموطأ قد قرأها سحنون، وكان يقول ما في الموطأ هو أصل علم المدنيين وكثير من أهل العلم أصله في الموطأ، إلا أنه ليس بتفسير يعلمه الجاهل، وإنما هو كلام مجموع من اختيار العلماء ممن قد تبصر في العلم. قال سحنون سمعت ابن القاسم يقول ما قرأت الموطأ قط إلا ازددت فيه علما ومعرفة، وهو أول ما سبق من العلم إلى أهل إفريقية، وكانوا يقرؤونه ولا يعرفون معناه، فكان بعض من كان بها من العلماء، إذا قرأه، ولم يفهم ما فيه، من الفقه والضوابط التي فيه من أصول العلم، يقول: ما أدري ماذا فيه من العلم، حتى قدم علي بن زياد من تونس إلى القيروان، فرووه عنه، وسألوه عن معانيه، فأخذ يشرح لهم معانيه، ويفسر لهم وجوهه، حتى استبان لهم ذلك الذي فيه". هكذا كان ابن بشير ينظر إلى هذا الكتاب القيم، وقد خصصته مع المدونة بهذه الكلمة، لما يتمتعان به من مكانة متميزة في الفقه الإسلامي. أما باقي المصادر فإني سأكتفي بالإلماع إليها، إذ المقام لا يسمح بغير ذلك.

стр. 184

٣ - كتب عبد الله بن وهب (ت) ١٩٧ هـ، وهي عبارة عن سماعاته من مالك والجامع الكبير. ٤ - كتب عبد الملك بن الماجشون، ت ٢١٢هـ، وهي عبارة عن سماعاته وكتاب في الفقه يرويه عنه يحيى بن حماد السجلماسي. ٥ - كتب أصبغ بن الفرج، ت ٢٢٥هـ، وهي سماعه من ابن القاسم وكتاب آداب الصائم وكتاب المزارعة. ٦ - الواضحة لعبد الملك بن حبيب، ت ٢٣٨هـ، وهي كتاب في الفقه والسنن اقتفى فيه منهج الإمام مالك في الجمع بين الأصول والفروع. ٧ - المستخرجة لمحمد بن عبد العزيز العتبي (ت) ٢٥٤ هـ ويسميها البعض العتبية نسبة إليه ويسميها البعض الآخر المستخرجة لأنه استخرجها من الأسمعة التي رويت عن الإمام مالك بواسطة تلاميذه. ٨ - كتب محمد بن سحنون، ت ٢٥٦هـ، وأهمها كتابه الكبير المعروف بالجامع. ٩ - المجموعة لمحمد بن عبدوس، ت ٢٦١هـ، وكتابه هذا يعد من أجل كتب المالكية لولا أن المنية عاجلته قبل إتمامه. ١٠ - كتب محمد بن عبد الحكم، ت ٢٦٨هـ. ١١ - الموازية أو كتاب محمد لمحمد بن إبراهيم بن المواز، ت ٢٦٩هـ، يعد هذا الكتاب من أجل كتب المالكية قصد به صاحبه بناء فروع المذهب على أصوله. ١٢ - المبسوط في الفقه للقاضي أبي إسحاق إسماعيل، (ت) ٢٨٢هـ. ١٣ - كتب ابن اللباد أبي بكر محمد بن وشاح، ت ٣٣٣هـ وهي كتاب الطهارة والآثار والفوائد. ١٤ - كتب أبي إسحاق محمد بن شعبان القرطبي، (ت) ٣٥٥هـ، وهي: كتاب الزاهي الشعباني في الفقه، ومختصر ما ليس في المختصر.

стр. 185

١٥ - كتب أبي بكر محمد عبد الله بن محمد صالح الأبهري الكبير، (ت) ٣٧٥ هـ ومن أهمها شرحه على مختصر ابن عبد الحكم، وهو من الكتب المعتمدة عند المالكية. ١٦ - كتب ابن خويز منداد أبي عبد الله البصري، وهي أحكام القرآن، ومسائل الخلاف. ١٧ - التفريع لابن الجلاب عبيد الله بن الجلاب، ت ٣٧٨ هـ، وهو معروف باسم الجلاب عند المتأخرين وهو معتمد عند علماء المذهب. ١٨ - كتب ابن أبي زيد القيرواني، ت ٣٨٦ هـ، ومن أهمها: النوادر والزيادات، والمختصر والرسالة. ١٩ - المقصد لعبد الخالق بن خلف بن سعيد بن شبلون، ت ٣٩٠ هـ. ٢٠ - كتاب أبي الحسن علي بن عمر بن القصار، ٣٩٨هـ، عيون المجالس في مسائل الخلاف. ٢١ - كتب أبي جعفر أحمد بن نصر الداودي، ت ٤٠٢هـ، منها كتاب النامي شرح الموطأ، وكتاب النصيحة شرح البخاري. ٢٢ - الممهد في الفقه وأحكام الديانة لأبي الحسن علي بن محمد المعافري المعروف بابن القابسي، ت ٤٠٣هـ. ٢٣ - كتب القاضي عبد الوهاب بن علي أبي محمد البغدادي، ت ٤٢٢هـ، ومنها كتاب التلقين، والإشراف في مسائل الخلاف، والمعونة في درس مذهب عالم المدينة، والممهد في شرح مختصر ابن أبي زيد القيرواني، وشرح الرسالة، وشرح المدونة، والنصرة لمذهب إمام دار الهجرة، والأوائل في مسائل الخلاف، وغيرها من كتب الفروع والخلاف. ٢٤ - تعليقة أبي عمران موسي بن عيسى الغفجومي الفاسي، ت ٤٣٠هـ، على المدونة.

стр. 186

٢٥ - تعليق عبد المنعم بن محمد أبي الطيب الكندي، ت ٤٣٥هـ، على المدونة. التهذيب لخلف ابن سعيد الأزدي المعروف بالبراذعي، ت ٤٣٨ هـ. ٢٦ - شرح الموازية لأبي إسحاق إبراهيم بن حبيب التونسي، ت ٤٤٣هـ. تعليق أبي القاسم عبد الخالق بن عبد الوارث السيوري القروي، ت ٤٦٠هـ، على المدونة. ٢٧ - التبصرة أو التعليق على المدونة والقصد والإيجاز لأبي القاسم عبد الرحمن بن محرز، ت٤٥٠هـ. ٢٨ - التبصرة أو التعليق على المدونة لأبي الحسن علي بن محمد اللخمي (ت) ٤٧٨ هـ. ٢٩ - كتب الباجي أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، ت ٤٧٨هـ، من أهمها المنتقى شرح الموطأ ومختصر المدونة. هذه أهم الكتب التي اعتمدها ابن بشير وذكرها بأسمائها أو ذكر مؤلفيها. أما القسم الثالث المتعلق بالمصادر التي أبهمها، والتي تتسم بشيء من الغموض، ولو صرح بها لأماط اللثام عن كثير من جوانب حياته الغامضة؛ هذه المصادر هي التي عبر عنها بمصطلح: الأشياخ أو الشيوخ وهو مصطلح راج كثيراً في الكتاب، وقد تبين لي من خلال استقراء الكتاب ومقارنته مع معاصريه الذين استعملوا نفس المصطلح كالمازري واللخمي، أنه يقصد به شيوخه وأساتذته، والفقهاء المعاصرين له. إلا أنه للأسف ضن علينا بذكر أسمائهم مما زاد حياته غموضًا. * المطلب السابع: القيمة العلمية للكتاب بعد أن تعرفنا على منهج ابن بشير الفقهي، ومكانته العلمية، وشخصيته المستقلة التي أهلته لأن ينافس وينتقد كبار الفقهاء ويزاحمهم

стр. 187

بآرائه، مسلحاً في ذلك بما يمتلكه من قواعد النقد والترجيح والاجتهاد. أرى أن نتحدث بعد هذا عن قيمة الكتاب العلمية، ومكانته بين الكتب الفقهية، وأسارع إلى القول بأن هذا الكتاب يعد من أهم كتب فقه المالكية وأنفسها، وأجودها، وذلك للأسباب التالية: أولاً: لم يؤلف الكتاب لمجرد التأليف أو رغبة في التأليف فحسب. وإنما جاء تلبية لمقصد وهدف حدده ابن بشير في مقدمة الكتاب. كما أنه ملأ فراغاً حاصلاً في الفقه المالكي. إذ لم يألف قبله- فيما أعلم- كتاب سلك فيه صاحبه مسلك الاختصار المبني على قواعد الأصول. ثانياً: جمع فيه مؤلفه مسائل الفقه المشتتة في كتاب واحد، متوسط الحجم، وضمنه ما تحتويه الدواوين الطويلة من العلم. ولكن بعد تلخيصها وتنقيح فصولها وحذف حشوها وفضولها. مع الإيجاز في العبارة والأسلوب الواضح، الذي لا يحتاج إلى شرح أو تبيين. ثالثاً: تضمن الكتاب نكتا عجيبة، وفوائد غريبة يتشوف لمعرفتها كبار العلماء وحذاقهم. فضلاً عن عامتهم، وأشير هنا إلى ما ذكره إبراهيم ابن هلال السجلماسي (ت): ٩٠٣هـ عن القرافي في بحثه عن الفرق بين الشهادة والرواية حيث قال: "فقول القرافي: أقمت أطلب الفرق بين الشهادة والرواية نحو ثماني سنين. فلم أظفر به، وأسأل الفضلاء عنه. قال ولم أزل شديد القلق والتشوق إلى معرفته حتى طالعت شرح البرهان للمازري ﵁، فوجدته حققه وميزه ... إلى آخر كلامه؛ قصور إذ الفرق موجود في تنبيه ابن بشير، وتبصرة ابن محرز. وهما بين يدي صغار الطلبة ..... " (١). الذي يعنينا من هذا النص هو: أن الإمام القرافي مكث يبحث عن الفرق بين الشهادة والرواية، ثماني سنين مع شدة القلق والتشوف إلى ذلك، وسؤال الفضلاء. وهذه النفيسة التي يبحث عنها الإمام القرافي، هذا البحث

стр. 188

هي: واحدة من الكنوز والنفائس، التي احتوى عليها كتاب التنبيه. قال ابن بشير: " ... ولما كان القياس عند المتأخرين من أهل المذهب ردّ ثبوت الهلال إلى باب الأخبار. [رأوا أن] الفرق بين [باب] الأخبار وبين باب الشهادة؛ أن كل ما خصّ المشهود عليه فبابه باب الشهادة، وكل ما عمَّ ولزم القائل به ما يلزم المقول [له]، فبابه باب الأخبار" (١). رابعًا: مما يدل على قيمت الكتاب العلمية كذلك؛ انتشاره بين الناس وإقبالهم عليه وحفظهم له (٢). وتأثيره فيمن بعد وقد سبق أن أشرت لذلك. ومما يزكي هذا قول ابن هلال في النص السابق: "إذ الفرق موجود في تنبيه ابن بشير وتبصرة ابن محرز وهما بين يدي صغار الطلبة". فنستنتج من هذا أن الكتاب كان ذائعاً في عصر ابن هلال حتى بين صغار الطلبة. وإن كانت العبارة فيها نوع من المبالغة، إذ صغار الطلبة والمبتدئون منهم خاصة، ألفت لهم رسالة ابن أبي زيد وأمثالها. لكن نستشف من هذا أن الكتاب كان ذائع الصيت ومنتشرًا وفي متناول حتى صغار الطلبة. خامسًا: ربط المؤلف فيه المسائل الفقهية بأدلتها المعتبرة؛ من الكتاب والسنَّة والإجماع والقياس، وعلل ووجه ووضح طريقة استثمار الأحكام من الأدلة، وهذا كله يقوي الثقة بهذه الأحكام ويكون مدعاة للتمسك بها والامتثال لمقتضياتها. سادسًا: تضمن الكتاب لخلاف المذهب وأسبابه، ومبرراته ودواعيه. وهذا يعد ضروريًا لمن أراد الوصول لدرجة الاجتهاد لأنه يصير بذلك بصيراً بأصول المذهب وقواعده ومواطن الاتفاق والاختلاف ... سابعاً: اشتماله على كم هائل من القواعد الفقهية والأصولية، التي

стр. 189

يندر وجودها في كثير من أمهات الكتب. وغير خاف ما لهذه القواعد من أهمية في الفتاوى والأحكام. ... المبحث الخامس: منهج التحقيق بعدما تعرفنا على الكتاب ومؤلفه والبيئة المؤثرة فيه بقي أن نختم هذه الدراسة بالحديث عن منهج التحقيق. وقبل ذلك أبدأ بوصف النسخ المعتمدة. * المطلب الأول وصف النسخ: نسخة (ق): مكانها: القروين. رقمها: ١٨٧٥ عدد أسطرها: ٢٧ سطراً. عدد كلماتها: حوالي ٢٨ كلمة في السطر. عدد صفحاتها: ٢٠٦ صفحة من الحجم الكبير. الناسخ علي بن أحمد. تاريخ النسخ: جماد الأول ٧٤٩ هـ. الخط: مغربي متوسط الجودة. يبتدئ من أول الكتاب، وينتهي بآخر كتاب الجهاد. الصفحة الأولى تختلف عن باقي صفحات الكتاب، خطها دقيق وفيه خروم كثيرة. أما باقي صفحات الكتاب فهي جيدة من حيث العموم، وقليلة الخروم والطمس. خالية من السماع والتمليك. يبدو أن ناسخها راجعها وأثبت بعض التصحيحات في الهامش. كتبت عناوين الكتب والأبواب والفصول بخط كبير متميز.

стр. 190

نسخة (ر): مكانها: الخزانة العامة بالرباط. رقمها: ٣٩٧ جلبت من الزاوية الناصرية بتمكروت، رقمها هناك: ١٢٧ ص. عدد أسطرها: ٣١ سطراً. عدد كلماتها: حوالي ١٩ كلمة في السطر. عدد صفحاتها: ٢٥٨ صفحة في سفر من الحجم الكبير. خطها: أندلسي متوسط الجودة. خالية من السماع والتمليك. ليس فيه تاريخ النسخ، ولا اسم الناسخ. فيها تصحيحات على الهامش، مما يدل أنها مراجعة. قليلة الخروم والطمس، ولكنها كثيرة السقط. كتبت عناوين الكتب والأبواب بخط غليظ. مبتورة الأول تبتدئ بأحكام المياه. وتنتهي بكتاب الأطعمة والأشربة. جاء في أسفل الصفحة الأخيرة: (وبتمامه تم الجزء الأول من كتاب "التنبيه على مبادئ التوجيه" للفقيه الجليل الحافظ أبي الطاهر إبراهيم بن عبد الصمد بن بشير التنوخي رحمة الله عليه ويتلوه في السفر الثاني كتاب الأيمان والنذور وصلى الله على آله وصحبه وسلم). نسخة (ص): مكانها: خزانة القرويين بفاس. غير مرقمة، وضعت في صناديق ضمن المبتورات. عدد أسطرها: ٢٧ سطراً، في السطر حوالي: ٢٦ كلمة. عدد أوراقها ٥٠ ورقة من الحجم الكبير. خطبها مغربي واضح تبتدئ من أول الكتاب، إلى باب الصلاة على الدابة من كتاب الصلاة الأول. تاريخ التحبيس ٨٠١ هـ. غير مرقمة.

стр. 191

كتب على الصفحة الأولى: (السفر الأول من كتاب التنبيه على مبادئ التوجيه. تأليف الشيخ الإمام العلامة الزاهد الورع أبي الطاهر إبراهيم بن عبد الصمد بن بشير التنوخي المهدوي ﵀. فيه من الكتب: كتاب الطهارة. كتاب الصلاة الأول. كتاب الصلاة الثاني كتاب الجنائز كتاب الصيام كتاب الاعتكاف كتاب الزكاة الأول كتاب الزكاة الثاني كتاب الأيمان والنذور كتاب العقيقة كتاب الصيد كتاب الذبائح. الحمد لله حبس هذا الكتاب على خزانة جامع الأندلس شرفه الله، أحمد العبدري ... تحبيسها؟؟؟ دائم الأبد لا يبدل عن حاله ولا يغير بمزيد لأصله والله حسبه. بتاريخ يوم الجمعة من شهر ربيع الثاني عام واحد وثمانمائة. نسخة (ت): مكان وجودها: خزانة الجامع الأعظم بتازة. رقمها: ٢١٧. عدد أسطرها ٣٠ سطراً. في السطر حوالي ٢٩ كلمة. عدد الصفحات: ٢٤٢ صفحة. في سفر ضخم. الخط: مغربي دقيق. الناسخ غير مذكور، ولا تاريخ النسخ. خال من السماع. محبس على الجامع الأعظم بتازة. مبتورة الأول كتب فوق الصفحة الأولى: إبراهيم بن بشير حبس على الجامع الأعظم بتازة رعاها الله. والنسخة جيدة من حيث الجملة، لولا بعض الخروم والطمس الذي أصاب أول صفحاتها وآخرها، تبتدئ من قوله في كتاب الطهارة: (فصل وأما الرجلان فالنظر فيهما ...). وتنتهي بقوله: (فصل وإذا ورث الخيار عن الميت).

стр. 192

نسخة (م): مكانها: القرويين. رقمها: ٨١٩. عدد أسطرها: ٣٥ سطراً. في السطر حوالي ٢٩ كاملة. وهي في سفر من الحجم الكبير. غير مرقمة الأوراق. خطها: مغربي رديء. فيه خروم كثيرة، وطمس تصعب الاستفادة منه. ليس فيها اسم الناسخ، ولا تاريخ النسخ. ولا ما يدل على السماع ولا التمليك. * المطلب الثاني: النسخ المعتمدة لقد تعرفت على كتاب التنبيه، من خلال نسخته الموجودة بالخزانة العامة بالرباط. فوقر في خلدي أن هذا الكتاب يستحق، لا بل يجب أن يحقق، وأن يخرج للوجود، فبدأت أبحث عن نسخه في الفهارس المتوفرة، فوقفت على بعض أجزائه في خزانة القرويين بفاس تحت رقم: ١١٣٢ وهي التي أشرت إليها بـ: "ل". فاعتقدت أن الكتاب بإمكانه أن يحقق من خلال هاتين النسختين. فأقدمت على تسجيله، ثم شرعت في نسخ نسخة "ر" ريثما أحصل على صورة لنسخة "ل" والتي طال انتظاري لها أكثر من ثمانية أشهر!! فلما حصلت على تلك النسخة، وشرعت في المقابلة الأولية لاختيار النسخة الأم. فوجئت بأمر لم يكن يخطر في بالي، ولم يكن في حسباني، وذلك أني وجدت نفسي، كأني أمام كتابين مختلفين [رغم أنه كتب على كل واحد منهما: كتاب التنبيه على مبادئ التوجه لإبراهيم ...]. فوجدت النسختين تختلفان في بعض الأحيان تماماً في المضمون، وفي بعض الأحيان تختلفان في التعبير وتتفقان في المعنى. وفي بعض الأحيان الأخرى تكون "ل" كالشارحة للكتاب، أو "ر" مختصرة له. فذهلت لما رأيت، وكادت الآمال المعقودة على الكتاب تتبخر.

стр. 193

فمكثت قرابة سنة أو أكثر، أبحث في الفهارس عن نسخة أو نسخ أخرى علي أجد فيها ما أحل به هذه النازلة المعضلة، ولما لم اظفر بشيء عزمت على تغيير الموضوع. فبدأت من جديد أبحث عن كتاب يستحق التحقيق. وفي هذه المرحلة التقيت مع أحد الأساتذة الفضلاء، فأخبرني بأن له صورة لكتاب التنبيه جلبها من خزانة الجامع الأعظم بتازة فقلت له: إني بحثت في فهارسها ولم أجد الكتاب ضمنه، فقال لي: إنه فعلاً، لم يذكر في الفهرسة (١). فأمدني مشكورًا بصورة من الكتاب. فوجدت هذه النسخة تتقارب كثيراً مع نسخة "ر" فتنفست الصعداء وبدأ يلوح لي بصيص من الأمل. وعلمت حينئذ أن الاعتماد على الفهارس غير مجد، وأن الطريقة المثلى هي جرد المكتبات والتعامل معها مباشرة. وأنى لي ذلك؟ وقد أحيطت هذه الأخيرة بترسانة من القوانين الصارمة والمعقدة. ورغم هذا فإني قصدت خزانة القرويين، فوجدتها مغلقة في وجه الزوار استعداداً لنقلها إلى المبنى الجديد، فتوسلت للمسؤولين هناك وتلطفت معهم. فاستجابوا لي مشكورين، وقدموا لي المساعدات الممكنة. فعثرت، بل اكتشفت ثلاث نسخ كانت غير معروفة من قبل. الأولى وقد أشرت إليها بـ "م" كتب عليها في الفهارس: أنه كتاب الفقه لمؤلف مجهول. والثانية أشرت إليها بـ: "ق" عثرت عليها في جناح بكر غير مفهرس، وأعطي لها حينئذ الرقم التالي: ١٨٧٥، والثالثة أشرت إليها بـ: (ص) وهي عبارة عن قطعة كانت في الصناديق ضمن المبتورات ولا رقم لها. فهذه النسخ ر، وت، وق، وم، وص. وجمتها متقاربة تصلح للمقابلة. والنسخة الشاذة هي التي أشرت إليها بـ: ل، ألغيتها وأنا مطمئن البال مرتاح النفس، لعدة أسباب أذكر منها ثلاثة فقط: أولاً: مخالفتها للنسخ الخمسة المذكورة. وحتى لا يبقى الكلام تجريدياً أجليه ببعض الأمثلة: ١ - جاء في مقدمة الكتاب في سبب تأليفه ما يلي: (وبعد، فإنه لما

стр. 194

انتهض إلى الطلب من لم يمارس قراءة الكتاب، ابتدأنا لهم موعداً ...). أما في "ل" ففيها ما يلي: (أما بعد فإنه لما انتهض خاطري إلى شرح كتاب المدونة أردت أن أسلك فيه الإيجاز والاختصار). لاحظ كيف أن الدافع لتأليف الكتاب في باقي النسخ هو محاولة نفع الطلاب الذين لم يتمرسوا على قراءة الكتاب، الذي هو المدونة بينما الدافع في "ل" هو: انتهاض خاطره لشرح المدونة. ٢ - جاء في نفس المقدمة في النسخ المعتمدة: (أحكام الشريعة تنحصر في ثلاثة أقسام: مطلوب فعله، ومطلوب تركه، ومأذون في فعله وتركه. والمطلوب فعله ينقسم قسمين: مطلوب طلباً لا خيرة للمكلف في تركه وهذا هو الفرض، ومطلوب طلباً للمكلف خيرة في تركه وهذا هو المندوب. والمطلوب تركه ينقسم قسمين: مطلوب طلباً لا خيرة للمكلف فيه وهذا هو الحرام، ومطلوب طلباً للمكلف فيه خيرة وهذا هو المكروه. والمأذون في فعله وتركه وهو المباح. ولا تقسيم فيه. والفرض يسمى على الحقيقة واجباً ولازماً وحتماً، والحرام يسمى محظوراً وممنوعاً. والمندوب ينقسم ثلاثة أقسام.) وجاء في نسخة "ل": (أحكام الشريعة تنحصر في خمسة أقسام: الواجب والمحرم والمباح والمكروه والمندوب ... ؟؟ قارن بين هذين النصين، فالخلاف فيهما بين وواضح. ثانياً: وقفت على ما يدل على أن نسخة "ل" لم تكن معتمدة عند المتقدمين، فقد نقل محمد بن يوسف العبدري (ت) ٨٩٧هـ نصاً من التنبيه في كتابه التاج والإكليل، وبعد مقارنته بالنسخ المتوفرة، تبين لي أنه لم يكن يعتمد على نسخة "ل" لأن النص مخالف لها ومطابق لباقي النسخ والنص هو التالي: (ولا شك أنه [إذا كان مطلقاً] فيبني على الرؤية أو العدد كما

стр. 195

قدمناه. فإن كان في مهواة لا يمكنه التوصل إلى الروَّية بني على العدد وأكمل كل شهر ثلاثين. فإن التبست عليه المشهور اجتهد وبنى على غلبة ظنه). بينما في "ل" فيه: (لا شك أن الأسير الذي قبض في بلاد الروم إن أرسل فإنه يصوم لرؤية الهلال ويفطر لرؤيته، فإن كان في مهواة لا يمكنه التوصل إلى الرؤية بني على العدد فأكمل كل شهر ثلاثين يوماً فإن إلتبست عليه الشهور، اجتهد وبنى على أغلبية ظنه). ثالثاً: ضياع أربع أسطر تقريباً من كل صفحة في "ل" اثنان في الأعلى واثنان في الأسفل، نتيجة لمحاولة إصلاح قديمة. بالإضافة إلى اختلاط أوراقها وضياع ترتيبها. لأجل هذا وغيره اضطرت مكرهاً، لعدم الاعتماد على هذه النسخة، والتي اشتملت في بعض الأحيان على زيادات نفيسة جداً، وتوسعاً في ذكر الأدلة وأسباب الخلاف. وهذا لا يعني أنني ألغيتها كلياً. بل كنت أستأنس بها وأستعين بها من حين لآخر كما هو مبين في هوامش الفروق. بعد هذا، هناك سؤال يطرح نفسه بإلحاح. وهو ما السر في اختلاف هذه النسخة عن غيرها؟ في الحقيقة إن اختلافها يعد لغزاً، ولعل مزيدًا من البحث يحل هذا اللغز. لكن الذي يمكن أن أجزم به هو: استبعاد تصرف النساخ فيها، لأنها تصرفات خارجة عن إطار النسخ، فبقي احتمال أن تكون هذه النسخة، إبرازة من إبرازات الكتاب. بمعنى أن الكتاب أخرجه المؤلف ثم أعاد فيه النظر من بعد. ويحتمل أن يكون أحد التلاميذ أو أحد العلماء تصرف في الكتاب. * المطلب الثالث: مسلكي في التحقيق حاولت في البداية أن أختار نسخة لتكون هي النسخة المعتمدة أثبتها في المتن، وأذكر الفروق بينها وبين باقي النسخ في الهامش. وهذا هو المنهج الأسلم والأحكم، ولكن للأسف الشديد لم أفلح في ذلك، ولم

стр. 196

أتمكن من ترجيح نسخة على أخرى، وبدأت أجيل النظر بين النسخ الأربع (ق) و (ر) و (ت) و (ص) بعدما استبعدت (م) فلم أجد في هذه النسخ ما يدل على أن آية واحدة منها نسخة المؤلف الأصلية، أو نسخة أحد تلامذته، أو مقابلته على النسخة الأصلية، أو متصلة بالسماع إلى المؤلف. فلما لم أظفر بأي شيء من ذلك. انتقلت إلى المفاضلة بين النسخ عن طريق ترشيح الأقل خرومًا وطمسًا، والأكثر صواباً. فابتعدت بهذه الطريقة نسخة "ت" لكثرة خرومها، ووجود طمس في أول وآخر كل صفحة منها. واستبعدت كذلك نسخة "ص" وإن كانت جيدة لأنها عبارة عن قطعة تحتوي على كتاب الطهارة وجزء يسير من كتاب الصلاة الأول فقط. فبقي الاختيار بين نسخة "ر" و"ق" والحق أن نسخة "ق" رجحت كفتها على نسخة "ر" لكثرة خروم وسقوط وأخطاء هذه الأخيرة وقلتها في الأولى. فراودتني فكرة اختيار نسخة "ق" وجعلها أصلاً، وبذلك أنأى بنفسي عن عهدة اختيار الكلمة الإنسب، عند اختلاف النسخ. ولكن لم أتمكن من ذلك، إذ وجدت هذه النسخة كثيرة الأخطاء كذلك. وكون ما في غيرها أولى بالإثبات مما فيها. فاضطررت مكرهاً بعد تقليب النظر والتهيب أن أسلك مسلك الانتقاء على خطورته ومشقته. فأقدمت عليه أقدّم رجلاً وأخّر أخرى، لعلمي بخطورة هذا المسلك وصعوبة اختيار اللفظة الصحيحة من بين ألفاظ النسخ. ورغم استحضاري لهذا كله فإني لما ترجمت الفكرة إلى عمل، تكشف لي أن الأمر أكثر مما كنت أتوقع. وأعظم مما كنت أتصور فقد واجهت أخطاء لا حصر لها، وتصرفًا من النساخ غريب يصل إلى حد العبث أحياناً. بل أكثر من هذا وجدت نفسي في بعض الأحيان أمام تعارض وتناقض بين النسخ لا يحتمل التأويل، ولا يدخل في التصحيف والأخطاء المعتادة عند النساخ. هذا فضلاً عن الأخطاء الإملائية والنحوية التي قد تتفق عليها كل النسخ في بعض الأحيان.

стр. 197

ولكي أجعل القارئ أمام وضعية هذه النسخ أسوق أمثلة توضح ذلك. ولن أتعرض للفروق العادية التي تكون بسبب التحريف والتصحيف، والتي لا تخل منها المخطوطات. ولكن أذكر الفروق الغريبة التي جعلتني أتعامل مع النسخ بحذر شديد. وقد قسمت هذه الفروق إلى قسمين: قسم تكون فيه النسخ متعارضة تماما. تدل كل واحدة منهما على نقيض ما تدل عليه الأخرى كأن تدل واحدة على الوجوب، والأخرى على التحريم. أو تدل واحدة على ارتباط الحكم بالليل والأخرى تدل على ارتباطه بالنهار وهكذا ... وقسم جاء نتيجة تصرف النساخ الواضح. وهذه أمثلة من القسم الأول: - إذا كان الماء دون القلتين حمل الخبث /// في (ر)، و (ق): فوق (١). - ولا يجزي من مسح رأسه على حائل /// في (ر) و (ص) و (ق): دون (٢). - فيأتي بركعة بأم القرآن وحدها /// في (ق) و (ت): خاصة وفي (م): بأم القرآن وسورة (٣). - في مقدار ثلاث ركعات بعد مغيب الشفق /// في (ق): قبل (٤). يقطع بغير سلام وهذا جواب من لا يراعي الخلاف /// في (ق): يقطع بسلام وهذا جواب من يراعي الخلاف (٥).

стр. 198

فالمنصوص صحة الصلاة /// في (ق): بطلان (١). صحت صلاته على كراهية فيها/// في (ق): لا عن كراهة (٢). لأنها حاضت بعد وقتها /// في (ق): قبل (٣). أن المذهب على قولين في فرضيته /// في (ق): على قول واحد (٤). والرداء مستحب في غير الأئمة /// في (ر): في حق (٥). ما أدرك فهو آخر صلاته /// في (ق): أول (٦). وكذلك لو سافر في البر بأهله /// في (ت): البحر (٧). فهل يصلي التي في ذمته سفرية أو حضرية؟ /// في (ت): وقتها (٨). يجري الخلاف في الإعادة بعد الوقت /// في (ر): في الوقت (٩). - وهي عبارة عن ظلمة أحد المنيرين، الشمس والقمر، أو بعضهما /// في (ق): لا بعضهما (١٠). أن الفجر الأول المستطيل /// في (ت): الأول غير المستطيل (١١). إمساك جزء من الليل /// في (ر): النهار (١٢). واستقرأ أبو الحسن اللخمي وجوب صومه /// في (ق): جواز (١٣).

стр. 199

ويجوز أن يقوم من المصحف إذا استمر على القراءة فيه، لا أن ينظر فيه /// في (ق) و (ت) و (م): ولا يصح أن يقرأ في المصحف إذا استمر على القراءة فيه إلا أن ينظر (١). يستوي الإنفاق بعد الحول قبل الشراء أو بعده في إيجاب الزكاة /// في (ر): إسقاط (٢). وعلى صاحب الثلاثين نصف /// في (ر): الثلث (٣). هذه نماذج من الفروق بين النسخ، وهي فروق غير عادية، سببت لي كثيراً من القلق والتعب. القسم الثاني: تصرف النساخ كما هو معلوم فإن النسخ أمانة، ولا يحق للناسخ أن يتدخل في المنسوخ بزيادة أو نقص أو تبديل أو تغيير. وهذا ما لم يلتزم به النساخ، فقد وصل بهم الأمر إلى حد انفراد كل نسخة بلفظة تخالف ما في غيرها. أما التقديم والتأخير، التعبير بأساليب مختلفة تؤدي نفس المعنى فهذا كثير جداً. فمن أمثلة انفراد كل نسخة بلفظة أذكر المثالين التاليين: - وقد قدمنا أن الرفع من الفضائل. وسببه إما تأهب /// في ص: تهيئاً وفي (ت): تهيب وفي ق: تنبيهاً (٤). - وهذا ينبغي أن يختلف في حق الموتى /// في (ت): حكم الكفن. وفي (ر): حق الورثة (٥).

стр. 200

أما التقديم والتأخير والتعبير بأساليب مختلفة تؤدي نفس المعنى فأذكر من أمثلته ما يلي: - باب في أحكام القصر في السفر/// في (ق) و (ر): الصلاة (١). - ثم ذكر أنه لم يصل الفريضة /// في (ق) و (ت): وقد علم أنه قد أخل بركعتين من الفريضة (٢) أن السلام لا يكون عقيب السجود /// في (ر): إلا عقيب التشهد (٣). والجواز للنساء خاصة /// في (ق): والمنع للرجال خاصة (٤). - وعدم الإجزاء مع غير قصدها /// في (ت): مع عدمها وفي (ق): مع فقدها (٥). لأن أرباب الماشية يقيمون /// في (ق) و (ت) و (م): يجتمعون (٦). * المطلب الرابع: عملي في التحقيق لقد اختلفت مناهج المحققين وتضاربت أساليبهم في التحقيق، ولم يتمكنوا من الاتفاق على منهج موحد، فمنهم من يقصر التحقيق على إخراج النص، إخراجاً سليمًا، قريباً مما كتبه المؤلف على اختلاف بينهم في بعض الأمور كجواز التدخل في المتن أو عدم جوازه وغير ذلك. ومنهم من يتعدى ذلك إلى خدمة النص بحل إشكالاته والتعريف بأعلامه وتخريج أحاديثه وتوثيق أقواله وشرح غريبه ... إلخ. وقد وقع اختلاف كبير كذلك بين المحققين في تحديد ما يحتاج إلى تعريف أو تعليق، وقدر ذلك.

стр. 201

ومنهم من يتجاوز كل هذا إلى اغناء النص بالشروح والتعليقات المستفيضة والترجيح بين الآراء والتوسع فيما اختصره المؤلف وإضافة ما فاته. ولقد آثرت أن أسلك في تحقيق هذا الكتاب المنهج الثاني الذي يقوم على خدمة النص. لأسباب رجحت كفتها عندي. وبما أن هذا المنهج هو أيضاً مختلف في بعض تفاصيله وجزئياته، فلا مناص لي من توضيح ما اخترت منه: ١ - حاولت قدر المستطاع أن أخرج النص بأفضل أسلوب وأشرق عبارة تتفق مع المعنى المراد. وذلك وفق منهج الاتقاء القائم على اختيار أصح العبارات، وإثباتها في النص، والإشارة إلى العبارات المرجوحة، فإن لم يتيسر لي ذلك، أو تساوت عندي العبارات، أثبت ما جاء في نسخة "ر" أو "ق" غالباً. وللقارئ إذا ما لاحظ اضطراباً وقلقاً في العبارة أن يختار من الحواشي اللفظة التي يراها أنسب. كما قمت بكتابة النص وفق قواعد الإملاء المعاصرة وضبطه بالنقط والفواصل وعلامات الاستفهام والتعجب، ويعلم الله كم عانيت في سبيل ذلك. فالنسخ لا تميز بين ألف الممدودة والمقصورة والتاء المبسوطة والمربوطة والهمزة تحذف دائماً في آخر الكلمة ووسطها إذا لم تكن أصلية. أما وضع النقطة والفاصلة فإنه احتاج مني إلى تركيز ودقة متناهية، وتكرار القراءة مرات عدة لفهم المعنى المقصود. إذ المعنى مرتبط بوضع النقطة، فإن وضعت في غير محلها اختل المعنى. ٢ - كما قمت بوضع عناوين للفصول والمسائل المتناولة داخل فصول الكتاب، ووضعتها بين قوسين تمييزاً لها عن العناوين التي وضعها المؤلف. ٣ - ذكرت أرقام الآيات القرآنية والسور التي وردت فيها. ٤ - قمت بتخريج الأحاديث والآثار الواردة في النص وذكرت مصادرها، وألفاظها الأصلية. وقد أشرت في بعض الأحيان إلى درجة الأحاديث في الصحة أو الضعف.

стр. 202

٥ - كما عرّفت بالأعلام التي تحتاج إلى تعريف عند أول ورودها في النص المحقق أما الأعلام التي ورد ذكرها في قسم الدراسة فأكتفي بذكر اسمها الكامل وتاريخ وفاته. ٦ - كما قمت ببعض التعليقات على النص المحقق من حين لآخر تجلية وتوضيحاً لبعض المسائل العلمية. ٧ - أما بالنسبة لتوثيق النقول والأقوال فقد لاحظت أن الكتاب عبارة عن نقول وأقوال يحكي المؤلف من خلالها خلاف المذهب، فرأيت إن تتبعت تلك الأقوال في مظانها فسيتطلب مني ذلك وقتاً طويلاً جداً قد لا تجود به أنظمة البحث المعاصرة. بل رأيت إنه سيكون جهداً يبذل في عمل قليل الجدوى إذ تلك الأقوال مستفيضة ومنتشرة وناقلها عدل ضابط فلا داعي للتكلف في ذلك، وقد وجدت من العلماء من يستنكر إهدار الجهود في مثل هذا العمل، وإغفال ما هو أهم منه. أذكر منهم أبا زهرة الذي قال: (ولقد نهج ذلك المنهج المتكلف شبابنا الذين يكتبون، فظنوا أنه كلما عني أحدهم بالإكثار من المصادر كان ذلك دليلاً على أنه يفهم نظام البحث الحديث وأنه مجدد فيما يكتب، وأن كتابته قد بلغت الذروة وبلغت الغاية. بل وصلت إلى النهاية، حتى لقد وجدنا بعضهم يجتهد في أن يأتي للأمثال الفقهية بمصادرها فيأتي للمثل الواحد بعدة مصادر مخطوطة وغير مخطوطة. والمثل مذكور في الكتب المتداولة المشهورة التي هي أوثق أحياناً من المخطوط) (١). من أجل هذا رأيت أن أسلك مسلكًا وسطاً لا أتخل فيه عن توثيق الأقوال نهائياً ولا أقوم باستقصائها كلها بل أكتفي بما تدعو الضرورة إليه. وقد رأيت أنه لا بدّ من توثيق النصوص المنقولة عن المدونة على اعتبار أنها هي محور الكتاب وعليها معتمده، فعمدت إلى تلك النصوص،

стр. 203

فما وجدته بحرفه وضعته بين قوسين تمييزاً له عن النصوص التي نقلها بمعناها. كما أني رأيت أن كلام اللخمي هو أيضاً جدير بأن يوثق على اعتبار أن ابن بشير قصد تتبعه بالنقد والتعقيب. أما ما سوى هذين فإني لم أقصد إلى استقصاء توثيق أقوالهم وتتبعها بل قصدت إلى أخذ نماذج في كل الكتاب ليظهر من خلالها منهجه في النقل والاستشهاد. ٨ - كما قمت بوضع فهارس للآيات والأحاديث والأشعار والمصادر والمواضيع.

стр. 204

كتاب الطهارة

стр. 205

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه وسلم تسليمًا الحمد لله الذي أبدع الأنام (١)، وشرع الأحكام، وأسبغ الإنعام على المتفقهين في الحلال والحرام. فصَّيرهم قدوة الأنام، ومصابيح الظلام. والصلاة على المبعوث لبيان شرائع الإِسلام وعلى آله وصحبه [البررة الكرام] (٢) المرافقين له في دار السلام (٣). وبعد، فإنه لما انتهض إلى الطلب من لم يمارس قراءة الكتاب (٤)، ابتدأنا (٥) لهم موعداً بقصد الإيجاز [والاختصار] (٦) دون التطويل والتكرار (٧)، وفيه من تحرير الدلائل وتقرير المسائل ما تشوكوا (٨) إلى نقله، وضعفوا عن حمله. فرأيت أن أملي عليهم من خلاف أهل المذهب ما يحصل به

стр. 206

للجمهور الاستقلال، منبهاً على أوائل التوجيه والاستدلال. وسميته "كتاب التنبيه على مبادئ التوجيه"، وهو كالمدخل إلى كتابي المسمى "بالأنوار البديعة في أسرار الشريعة" (١). وفي هذا الإملاء (٢) لمن اقتصر عليه ما يخرجه من زمرة أهل التقليد، وفي ذلك لمن ترقى إليه ما يبلغه رتبة المبرز المُجيد، ومن الله سبحانه أستمد (٣) المعونة والتأييد وإياه أسال التوفيق والتسديد، إنه جل ذكره الجواد المجيد.

стр. 207

[كتاب الطهارة] (١) (أقسام الحكم) أحكام الشريعة تنحصر في ثلاثة أقسام: مطلوب فعله، ومطلوب تركه، ومأذون في فعله وتركه. والمطلوب فعله ينقسم قسمين: مطلوب طلباً لا خيرة للمكلف في تركه وهذا هو الفرض، ومطلوب طلباً للمكلف خيرة في تركه وهذا هو المندوب. والمطلوب تركه ينقسم قسمين: مطلوب طلباً لا خيرة للمكلف فيه وهذا هو الحرام، ومطلوب طلباً للمكلف فيه خيرة وهذا هو المكروه. والمأذون في فعله وتركه وهو المباح. ولا تقسيم فيه. والفرض يسمى (٢) على الحقيقة واجبًا ولازمًا وحتمًا، والحرام يسمى محظورًا وممنوعاً. والمندوب ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ما تعظم أجوره، فيسمى سنة. والثاني: ما تقل أجوره فيسمى نافلة. والثالث: ما يتوسط في الأجر بين هذين فيسمى فضيلة، ورغيبة، وقد قيل في الفرق بين هذه أن كل ما واظب

стр. 208

عليه الرسول ﵇ على فعله مظهراً له فهو سنة بلا خلاف. وما نبه عليه وأجمله في أفعال الخير فهذا نافلة، وما واظب على فعله (١) في أكثر الأوقات وتركه في بعضها فهو فضيلة، ويسمى رغيبة (٢). وما واظب على فعله غير مظهر له ففيه قولان: أحدهما: تسميته سنة (٣) التفاتاً إلى المواظبة، والثاني: تسميته فضيلة التفاتاً إلى ترك إظهاره وهذا كركعتي الفجر. وحدود الواجب والحرام والمندوب والمكروه والمباح على التقريب؛ أن الواجب: ما أمرنا بذم تاركه ومدح فاعله. والحرام: عكسه. والمندوب: ما أمرنا بمدح فاعله من غير ذم تاركه. والمكروه: ما أمرنا بمدح تاركه من غير ذم فاعله. والمباح: ما أنبأنا مالك الأعيان (٤) بأن فعله وتركه سيان. وواجبات الشريعة على قسمين؛ قسم مراد لنفسه كالصلاة والصيام والزكاة والحج، وقسم مراد لغيره كالطهارة وستر العورة واستقبال القبلة. ولما كانت الصلاة من أشرف معالم الدين وجبت البداية بها لكنها لا تجزي إلا بالطهارة، ولا تجب الطهارة إلا بعد دخول وقت الصلاة. وقد اختلفت طرق المؤلفين في الفقه فجمهورهم على الابتداء بالطهارة لما كانت شرطا في صحة الصلاة. وابتدأ مالك في موطئه وابن المواز (٥) في كتابه (٦) بأوقات الصلاة. لما تعلق وجوب الطهارة بدخول الوقت، ولنجر على سنن الكتاب (٧) فنقول:

стр. 209

(أقسام الطهارة) الطهارة على قسمين: طهارة حدث، وطهارة خبث، وطهارة الحدث على قسمين: صغرى وكبرى، وقد ابتدأ في المدونة بالصغرى وفاقاً للابتداء بها في آية الطهارة ولأنها تتكرر ما لا تتكرر الطهارة الكبرى. والصغرى تشتمل على ثلاثة أقسام: فروض وسنن وفضائل. (فروض الطهارة الصغرى) ففروضها على المشهور (١) سبعة وهي: النية، والماء الطاهر، وغسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، وموالاة فعلها مع الذكر. (سننها) وسننها سبع وهي: غسل اليدين قبل إدخالها في الإناء، والمضمضة، والاستنشاق، ومسح داخل الأذنين، وتجديد الماء لهما، ورد اليدين في مسح (٢) الرأس من مؤخره إلى مقدمه، والترتيب. (فضائلها) وأكثر ما قيل في الفضائل (٣) إنها سبع وهي: التسمية، والسواك، ووضع الإناء على اليمين، وألا يتوضأ في موضع نجس، والابتداء بالميامن، والابتداء بمقدم الرأس في المسح، وتَكرار (٤) المغسول (٥) ثلاثاً.

стр. 210

وغرضنا محاكاة الكتاب وقد ابتدأ بحكم المغسول في القدر المُجزي والتَّكرار؛ فأما القدر المجزي فإنه الإسباغ بالإجماع، وهو عموم العضو بالماء والدلك (١). (نهاية تكرار المغسول) وأما الفضيلة فنهايتها الثلاثة، فمن عمَّ العضو مرة واحدة فقد أتى بالفرض. ووقع لمالك كراهية الاقتصار على الواحدة وعلل بوجهين: أحدهما: خيفة ألا يعم بها، أو خيفة أن يراه من لا يحسن فيقتدي به فلا يعم بواحدة. والثاني: أن المقتصر على الواحدة تارك للفضل جملة وتارك الفضل مقصر، فلا يجوز الاقتصار على الواحدة بإجماع كما لا تجوز الزيادة على الثلاث إذا عم بها بإجماع. وبأي نية يكرر؟ لا تخلو من ثلاثة أقسام: إما يتيقن أنه عمَّ بالأولى، أو يتيقن أنه لم يعم، أو يشك. فإن تيقن أنه عم [بالأولى] (٢) نوى بالزيادة الفضيلة (٣)، وإن تيقن أنه لم يعم نوى بالزيادة الفرض، وإن شك نوى بالزيادة الفرض (٤). لأن الطهارة في ذمته بيقين فلا يبرأ منها إلا بيقين الكمال، ومتى شك وجب عليه الإكمال فينوي الوجوب. فإن نوى الفضيلة في موضع تجب عليه نية الفرض فقولان؛ أحدهما: الإجزاء، والثاني: عدم الإجزاء. ومنه الخلاف (٥) في من اغتسل لجمعته ناسياً لجنابته. ولا يكرر غسل الرجلين على المعروف من المذهب، لأن المطلوب منهما (٦) الإنقاء وقد لا يحصل بالثلاث.

стр. 211

(حكم تكرار الممسوح) وكذلك لا يكرر الممسوح لأن مبنى أمره على التخفيف، والتَّكرار (١) تثقيل. وفي حديث عبد الله بن زيد (٢) أنه "مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ... " (٣). وهذا يظهر منه التَّكرار. ولمحاذرتهَ (٤) رأى الشيخ عبيد الله بن الجلاب (٥) أنه إذا ذهب بهما إلى قفاه، رفع راحتيه عن فوديه- وهما جانبا رأسه- فإذا ردَّ يديه رفع أصابع يديه عن وسط رأسه ومسح جانبى رأسه حتى يسلم من التكرار بالمسح على موضع واحد. والذي قاله خلاف لجميع أهل المذهب. واتفاق أهل المذهب أن يمر بيديه على جميع رأسه ذاهبًا وعائداً ليحصل المسح على جميع وجه الشعر، إذ الشعر منصب من وسط الرأس إلى جهة الوجه ومن الوسط أيضاً إلى جهة القفا. وفي تفسيره في هذا الحديث لصفة المسح مناقضة لما ابتدأ به لأنه قال أقبل وأدبر، ثم فسره بالإدبار والإقبال. وخير ما يُؤَوَّلُ لذلك بأن الواو لا توجب رتبة الترتيب. فقال: أقبل وأدبر، ومراده أدبر وأقبل، فابتدأ في اللفظ بذكر الإقبال تفاؤلاً. ...

стр. 212

فصل وقد قدمنا ذكر الفروض والسنن والفضائل جملة، ومنها ما فصِّل (١) في المدونة فيترك الكلام عليه إلى بابه، ومنها ما لم يقصد تفصيله (٢) كالوجه. والنظر فيه في شيئين (٣): أحدهما: حدّه، والثاني: حكم الشعور النابتة عليه. (حد الوجه) فأما حدُّه طولاً فمن منابت الشعر المعتاد إلى آخر الذَّقَن. واحترزنا بالمعتاد من الأَغَمِّ -وهو من نبت الشعر على بعض وجهه- فيجب عليه غسل ما غطاه (٤) الشعر من الوجه. ومن الأنزع -وهو من انحسر الشعر عن بعض رأسه- فلا يجب عليه غسل ما انحسر (٥) عنه الشعر من رأسه. فأما حدُّه عرضاً ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه من الأذن إلى الأذن، والثاني: أنه من العذار إلى العذار (٦)، فيخرج من ذلك ما بين العذار والأذن، والثالث: أنه كالقول الأول في حق النقي الخد من الشعر، وكالقول الثاني في حق الملتحي. وسبب الاختلاف اختلافهم في اسم الوجه على أي شيء يقع. وزاد القاضي أبو محمد (٧) قولاً رابعاً، وهو أن غسل ما بين العذار

стр. 213

والأذن سنة. وهذا وجهه أمره ﷺ بإطالة التحجيل والغرة (١)؛ وهو ما يبدو على أعضاء الوضوء من النور في الآخرة. فمن زاد على المقدار المفروض كثر نوره. ولهذا كان ﷺ إذا غسل يديه شرع في العضد (٢). (حكم الشعور النابتة على الوجه) فأما الشعور النابتة على الوجه إن كانت خفيفة بحيث تظهر منها البَشَرَةُ عند التخاطب وجب إيصال الماء إلى البشرة، وإن كانت كثيفة بحيث لا تظهر منها البَشَرَةُ فقولان: المشهور أن الفرض انتقل إلى الظاهر من الشعر لأنه الذي تحصل به المواجهة الآن. والثاني: أنه يجب عليه إيصال الماء إلى البَشَرَة لأنها محل الوجوب قبل نبات الشعر. وهل يجب غسل ما طال من شعر اللحية؟ قولان: أحدهما: الوجوب اعتبارًا بحكم ما نبتت عليه، والثاني: أنه لا يجب عليه اعتبارًا بحكم ما يحاذيه من الصدر. وكذلك القولان فيما طال من شعر الرأس. وأما حكم الوجه واليدين والرجلين وحكم الموالاة فنؤخر الكلام عليها إلى موضعها في الكتاب. (غسل اليدين قبل إدخالهما في الأناء) والمشهور من المذهب أن غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء سنة في حق من لم تكن في يديه نجاسة، فإن كان في يديه نجاسة أمرناه بإزالتها حذاراً من أن يلاقي بها الماء وتنظيفًا لليد من النجاسة. وهل يسن غسلهما للقريب العهد بغسلهما كمن توضأ ثم أحدث في أثناء وضوءه؟ قولان:

стр. 214

أحدهما: يسن له ذلك وهو (١) المشهور، كغسل الجمعة فإنه يسن لكل من تلزمه الجمعة وإن كان أنظف الناس بدنًا. والثاني: أنه لا يسن له ذلك لأن المقصود بالغسل نظافة اليدين عن الأوساخ التي يمكن أن يلاقيها من جولانها في البدن. وهل يغسلهما مجتمعتين أو كل واحدة بانفراد؟ قولان: أحدهما: الجمع لأنه أبلغ في النظافة، والثاني: الإفراد قياساً على سائر أعضاء الوضوء. وفي حديث عبد الله بن زيد في ذكر غسل اليدين روايتان: إحداهما: أنه قال: "فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ" (٢)، فهذا يقتضي الإفراد. والثانية: "فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ" (٣) - من غير تكرار- وهذا يقتضي جمعهما. وأما حكم المضمضة والاستنشاق وبقية سائر السنن فنؤخر الكلام عليها إلى موضعه من الكتاب. (حكم السواك) وأما السواك فهو من الفضائل في الوضوء، ولا يجب عند فقهاء الأمصار، لأنه ليس مذكوراً في الآية نصاً ولا تنبيهاً (٤). وهذا عمدتهم (٥) في إسقاط فريضة كل غير مذكور في الآية (٦) وعمدتهم في ذلك قوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ كما أمره الله تعالى" (٧) فأحال على الآية. (اختلاف المذهب في التسمية) وأما التسمية ففي المذهب فيها ثلاثة أقوال؛ أحدها: عدّها فضيلة- كما

стр. 215

قدمنا- لما روي عنه ﷺ أنه قال: "لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللهِ [عَلَيْهِ] " (١) (٢)، والثاني: إنكارها، لأن الحديث لم يثبت. وأيضاً فهو محمول على الذكر بالقلب، وهو النية، والثالث: أنه مخير إن شاء سمى وإن شاء لم يسم. فيعد من نوافل [الخير] (٣) ولا يلحق بالفضائل لأنه لم يثبت أمر به. (وضع الإناء على اليمين) وأما وضع الإناء على اليمين فالصحيح أنه لا يلحق بدرجة الفضائل لأنه لم يرد أمر بذلك، وقد لا يتيسر في كل الأواني. (الوضوء بموضع نجس) وكذلك محاذرة الوضوء بموضع نجس لا يعد من الفضائل، وإنما ينبغي أن يقال إن خاف أن تصيبه النجاسة فلا يتوضأ فيه بوجه، وإن أمن ذلك فالأولى تركه. ولا يلحق برتبة الفضائل. (مشروعية الابتداء بالميامين) وأما البداية بالميامن فهو من نوافل الخير، ولا يختص ذلك بالوضوء بل يستحب الابتداء باليمين في كل أفعال الخير. وأما الابتداء بمقدم الرأس فهو الوارد في حديث عبد الله بن زيد كما تقدم. ويمكن أن يبدأ به لأنه أول العضو (٤)، فلا يلحق بالفضائل لهذا (٥) الإمكان.
следующие страницы →