← Фикх малики

Фикх малики · id 121378

التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات

أبو الطاهر ابن بشير

Полный текст (942 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

بروز، لكن بروز اللذين في الساق أكبر، فلهذا كان وقوع التسمية عليهما أشهر (١). وفي المدونة: يغسل أقطع الرجلين الكعبين وما بقي من القطع، لأن (٢) القطع تحتهما (٣). وهذا على أنهما اللذان في الساقين. وأما على القول الثاني فلا يغسل لأن القطع يأتي عليهما. (حكم تخليل أصابع الرجلين) والوجه الثاني: تخليل الأصابع وظاهر المذهب (٤) على ثلاثة أقوال: أحدهما: استحبابه، والثاني: إنكاره، والثالث: وجوبه. فأما الوجوب فلطلب (٥) التدلك، وأما الإنكار فلأنه رأى أن ما بين أصابع الرجلين في حكم الباطن، فغسله (٦) من الغلو الذي تنهى عن مثله الشريعة. وأما الاستحباب فلكونه في حكم الباطن. وقد ورد في الحديث التخليل (٧) فيحمل على الاستحباب لأنه أبلغ في النظافة. ... فصل (في حكم بول الصغير الذي لم يأكل الطعام) وقد تقدم أن بول الآدمي وروثه نجسان، وهذا في من لم يكن

стр. 282

صغيراً لم يأكل الطعام. وأما الصغير الذي على هذه الصفة، ففي نجاسة بوله ثلاثة أقوال: أحدها: الحكم بنجاسته قياساً على الكبير. والثاني: الحكم بطهارته، لما ورد في الحديث عن النبي ﷺ أنه أوتي بصبي لم يأكل الطعام فبال على ثوبه فنضحه، وفي بعض الطرق: ولم يغسله (١). والثالث: التفرقة بين بول الصبي وبول الصبية فيحكم بطهارة بول الذكر (٢) للحديث، ويقصره على ما ورد خاصة، ويحكم بنجاسة بول الأنثى طرداً (٣) للأصل. ولم يرد فيها حديث (٤). وقد علل هذا المذهب بأن الذكر خلق من تراب والأنثى من ضلع، فإذا لم يأكلا الطعام رُدَّا إلى أصلهما، فالتراب طاهر والضلع (٥) نجس. وهذا ليس بشيء لأنه يقتضي الحكم بطهارة الرجيع وأجمعت الأمة على نجاسته. وإنما الخلاف في البول. وأيضاً فإن المخلوق [من تراب ومن ضلع هما أصل الخلقة، آدم وحواء. وأما من بعدهما فهو مخلوق من نطفة وهو] (٦) يتغذى (٧) في الرحم بدم الحيض، فلا يقال فيه يرجع إلى الأصل. ...

стр. 283

فصل (في النهي عن البول قائمًا) ونذكر (١) هاهنا من آداب الأحداث البول قائما. وقال الأشياخ: لا يخلو الموضع المقصود بالبول من أربعة أقسام: أحدها: أن يكون طاهراً رخواً، أو صلبًا نجساً، أو صلباً طاهراً، أو رخواً نجسًا؛ فإن كان طاهراً رخواً فالأولى أن يجلس للبول لأنه أقرب إلى الستر، ولا يحرم عليه القيام. وإن كان الموضع صلبًا نجساً فينبغي أن يُترك ويُقصد غيره، لأنه إن قام خاف أن يتطاير عليه وإن جلس خاف أن يتلطخ بنجاسة الموضع، فإن كان صلباً طاهراً فليس إلا الجلوس لأنه يأمن التلطخ بالنجاسة [إن جلس] (٢) ولا يأمن منها (٣) إن قام، لأنه يتطاير عليه. وإن كان الموضع رخواً نجساً فهاهنا ليس إلا القيام، لأنه يأمن التطاير وإن جلس خاف التلطخ. ومحصول هذا أنه يجتنب النجاسة ويفعل ما هو أقرب للستر. واجتناب النجاسات آكد من الستر إذا كان بموضع لا يرى فيه. وقد روي عن النبي ﷺ أنه بال قائماً (٤). وقالت عائشة ﵂: "من حدثكم أن النبي ﵇ بال قائماً فلا تصدقوه" (٥). وإنما حكت عن أكثر أحواله أو ما لم تر غيره (٦). وأما بوله قائماً ففي الحديث ما يدل على أن ذلك كان لعلة وهي كون الموضع نجساً لأنه قال: أتى سباطة (٧) قوم فبال قائماً، والسباطة هي المزبلة والغالب كونها رخوة نجسة. ...

стр. 284

فصل (في أحكام المياه الجارية والراكدة) وقد مرَّ الكلام على حكم المياه ولم نفصل (١) هناك حكم الجاري والراكد، وهذا موضع تفصيله لنحاذي به الكتاب. وذلك أن الماء لا يخلو من أن يكون جاريًا أو راكداً؛ فإن كان راكداً فلا يخلو من أن تكون له مادة أو لا مادة له، فإن كان جاريًا (٢) فإن حكمه فيما تحل فيه النجاسة حكم الماء الكثير، فيجتنب المتغير منه دون غير المتغير، لأن هذا الماء غير ثابت والنجاسة غير ثابتة فيه في موضع متعين (٣)، فينظر إلى محل أثرها، فإن أثرت اجتنب موضع التأثير دون غيره. فإن كان راكداً ولا مادة له فهو راجع إلى الأصل الذي قدمناه (٤)، فإذا حلته النجاسة وهو يسير كان فيه ما قدمناه من الخلاف إذا (٥) لم يتغير. وإن كان كثيراً فإن تغير فهو نجس وإن لم يتغير (٦) فهو طاهر. غير أنهم (٧) قد فرقوا بين وقوع النجاسة فيه وبين موت الحيوان الذي له نفس سائلة؛ فرأوا أن لموت هذا الحيوان تأثير البلة [التي] (٨) تنفصل منه عند خروج نفسه. ولهذا أمر بأن يراق منه مقدار من الماء لأن تلك البلة دهنية تصعد على وجه الماء فتزال بما يراق منه. وما وقع في بعض الروايات من تحديد القدر المراق بالأربعين لا أصل له، إلا لئلا يُكثر العامي الموسوس إراقة الماء ويُقله المتساهل. ولهذا نقل عن ابن الماجشون أنه كان متى استفتاه أحد في مثل هذا قال له أرق منه أربعين دلواً أو خمسين أو ستين [أو سبعين] (٩).

стр. 285

وإنما كان يقول ذلك لئلا يُفهم من التحديد أنه قانون شرعي لا يتعدى، وذلك يختلف بكثرة الماء وقلته وصغر الدابة الميتة وعظمها (١). فإن كان الماء له مادة كماء الآبار فإنه يرجع إلى ما قدمناه (٢)، فإن كان كثيرًا ولم (٣) يتغير حكمنا بالطهارة، وإن كان يسيراً فعلى الخلاف المتقدم. وإذا حكمنا بالنجاسة على أحد الأقوال أو تغير الماء فإنا نأمره (٤) بإزالة جميع الماء المتغير النجس (٥) حتى يخلفه غيره. ولو تغير الماء بنجاسة ثم زال التغيير ففيه قولان: قيل حكم النجاسة باق، وقيل إذا زال تغييره زال حكم النجاسة، إذ زوال التغيير يشعر بغلبة الماء وقهره للنجاسة. ... فصل (في حكم الطعام تحله النجاسة) وأما حكم الطعام تحله النجاسة، فإن كثرت النجاسة وقل الطعام وتخللت (٦) جميع أجزائه فلا خلاف في الحكم بنجاسته. وإن قلت النجاسة وكثر الطعام ففي المذهب قولان: أحدهما: الحكم بنجاسته، لأنه لا يدفع عن نفسه ولا جزء منه إلا ويمكن أن تحله النجاسة. فلا يجوز الإقدام على استعمال شيء منه لإمكان أن تكون النجاسة حلته. والقول الثاني: الحكم بطهارته ليسارة النجاسة وكثرة الطعام، فهي كالمستهلكة (٧)، وهي كما نقول فيمن اختلط ذات محرم له مع نساء العالم وجهل عينها (٨) فإنه يسوغ له الزواج بلا خلاف. وإن أمكن أن يتزوج ذات محرم منه.

стр. 286

وإذا راعينا حكم النجاسة في الطعام فإنه لا يخلو أن يكون مما تسري النجاسة في جملته كالذائبات من الأدهان وغيرها، أو لا تسري في جملته كالجامدات؛ فإن كان مما تسري في جملته حكمنا بنجاسته جميعه، وإن كان مما لا تسري في جملته حكمنا بنجاسة ما سرت فيه دون غيره، وهذا كالعسل يكون (١) جامداً فتقع فيه فيحكم بنجاسة ما سرت فيه دون غيره. ولو كان مما تسري فيه مع طول المكث نظرنا إلى طول المكث وقصره (٢)، وهذا كالسمن الجامد. (حكم بيع واستعمال الطعام النجس) وإذا حكمنا بنجاسة الطعام فهل يباح استعماله وبيعه؟ أما استعماله ففيه قولان مشهوران: أحدهما: أنه يستعمل ويتوقى من نجاسته كما قالوا في الزيت تموت فيه الفأرة، فإنه يستصبح به في غير المساجد. وقالوا في العسل تموت فيه الفأرة أيضاً تعلف به النحل. والثاني: أنه لا يستعمل أصلاً، وهذا لما ثبت عنه ﷺ أنه قال عام الفتح وهو بمكة إن الله [ورسوله] (٣) حرم بيع الخمر والخنزير والميتة والأصنام فقيل له: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها، فقال: "لا هو حرام"، ثم قال النبي ﷺ [عند ذلك] (٤): "قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم الشحوم أجملوها ثم باعوها وأكلوا ثمنها" (٥).

стр. 287

وقد تعلق بهذا الحديث كل واحد من الفريقين وذلك أنه ﷺ حرم البيع أولاً ثم سئل عن الاستعمال فقال: لا. فيحتمل أن يريد بذلك تحريم الاستعمال وهو أقرب المذكورات، ويحتمل أن يريد تحريم البيع، وعنه جاوب بقوله: "لا" لأنه ذكر (١) فعل اليهود في إجمال الشحوم وبيعها وأكل ثمنها، فما ابتدأ به الحديث وختمه يقتضي تحريم البيع خاصة، وقوله "لا" لما سئل عن الاستعمال يقتضي تحريم الاستعمال وتحريم البيع. فإذا أجزنا الاستعمال فهل نجيزه للمكلفين كالاستصباح بالزيت [النجس] (٢) وما في معنى ذلك؟ أو إنما نجيزه لغير المكلفين كإطعام الطعام النجس للدواب؟ في ذلك قولان. وفي كتاب مسلم أنه ﷺ أمر بما عجن من الخبز من ماء آبار (٣) ثمود أن يعلف به الإبل (٤). وهذا يحتج به من يقول إن الاستعمال إنما يجوز لغير المكلفين. ويعتذر الآخرون عن هذا بأن الرسول ﷺ إنما أمر بذلك عقوبة، لأنه نهى عن الاستقاء (٥) من تلك الآبار ولم يكن ذلك لنجاستها. وفي تمكين اليهود والنصارى من ذلك قولان: أحدهما: جوازه، والثاني: منعه. وهذا على الخلاف هل هم مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟ ...

стр. 288

فصل (في حكم ما كانت نجاسته أصلية) فكل ما تقدم من الخلاف جار في كل نجس كانت نجاسته غير أصلية، بل كان طاهراً ثم تنجس بما حل (١) فيه كالزيت وسائر الأدهان والخبز يعجن بالماء النجس. وأما ما كانت نجاسته أصلية كالعذرة وشحم الميتة فالمعروف من المذهب أنه لا يستعمل بوجه. والكلام عليه (٢) محال على كتاب البيوع الفاسدة. وهل يطهر الزيت وسائر الأدهان بعد تنجيسها بماء يقع فيها؟ في المذهب قولان: المشهور أنه لا يطهر، والشاذ أنه يطهر وهو خلاف في شهادة ترجع إلى الحس، وذلك أن الأدهان لا تمتزج بها النجاسة امتزاجاً لا يمكن انفصالها عنها، بخلاف امتزاج سائر الأطعمة. وإذا تقرر ذلك فهل يمكن أن يبلغ إذا غسل منها مبلغا يذهب النجاسة (٣) ويبقى الدهن على أصله؟ هذا محل الخلاف وهو محال على شهادة. وينخرط في هذا السلك قولان في اللحم (٤) يطبخ بماء نجس هل يطهر بالغسل؟ وسبب الخلاف في هذا هل يبلغ الماء الطاهر منه مبلغاً يذهب بالنجاسة التي داخلته أم لا؟ ومنه أيضاً الزيتون يملح بماء نجس هل يطهر بعرضه على الماء الطاهر؟ ومنه أواني الفخار تستعمل في الأشياء النجسة الغواصة (٥) كالخمر، هل تطهر بعرضها على الماء؟ في جملة ذلك قولان. وهذا كله خلاف في شهادة ترجع إلى الحس. ويلاحظ هذا المعنى (٦) في البيض الطاهر يسلق مع النجس، هل ينجس بذلك الطاهر أم لا؟ وهو خلاف يرجع إلى الحس من وجه آخر هل يمكن أن ينفصل من

стр. 289

النجس شيء يدخل في أجسام (١) الطاهر فينجسه أم لا؟ ... فصل (في حكم المبيت في الثوب النجس) والمبيت في الثوب النجس لا يمنع لنفسه وإنما يمنع خوفًا من تحلل النجاسة فتصيب الجسد فينجس. فإن كان الوقت مما يمكن أن يعرق (٢) فيه فينبغي ألا يرقد فيه (٣) لئلا يتعرض للتلطخ بالنجاسة. وإذا نام فيه مع نجاسته (٤) وقطع على سلامته من التلطخ بذلك فلا شيء عليه، وإن قطع على تلطخه غسل النجاسة من موضعها إن كان معينا، فإن لم يكن معينا غسل سائر الجسد، فإن شك نضح. وكذلك حكم الثوب الذي تصاب فيه النجاسة (٥) فإنه يغسل ما يتيقن من نجاسته وينضح ما ترك فيه. وقد قدمنا حكم النضح فإن صلى (٦) قبل النضح فهل يعيد أم لا؟ فيه قولان: قيل لا إعادة عليه لأن النضح استحباب، وقيل يعيد لأنه مأمور به (٧) كما هو مأمور بغسل النجاسة. ... باب في حكم الطهارة الكبرى (٨) وهي ثلاثة أقسام: واجب وسنة وفضيلة؛ فتجب عند خمسة مواضع: أحدها: إنزال الماء الدافق للذة في يقظة أو منام، وهذا مجمع عليه.

стр. 290

والثاني: مغيب الحشفة وإن لم يكن أنزل، وهذا يختص باليقظة دون المنام، فمن رأى أنه يجامع ثم لم (١) ينزل فلا غسل عليه [وأما إن جامع ولم ينزل] (٢) فعلى وجوب الغسل فقهاء الأمصار. والثالث: انقطاع دم النفاس. والرابع: انقطاع دم الحيض. والغسل في هذين الموضعين مجمع على وجوبه. ولو خرج الولد ولم يصحبه دم ولا كان بعده ففي وجوب الغسل بخروجه قولان. والخامس: الإسلام، وهذا فيه قولان في المذهب: المشهور من المذهب إيجاب الغسل، والشاذ (٣) استحبابه. ... فصل (في مشروعية الغسل للجمعة والعيدين والحج) ويسن الغسل للجمعة. واختلف في العيدين؛ فقيل الغسل فيهما سنة، وقيل فضيلة. والمشهور من المذهب أن ما بعد ذلك من الاغتسال لا يلحق مرتبة السنن؛ وهي على ثلاثة: الغسل للإحرام، والغسل لدخول مكة، والغسل للوقوف بعرفة. وعدها بعض أهل المذهب من السنن. ولا شك أن هذه الاغتسالات متفاوتة (٤) المراتب في الشريعة؛ فآكدها غسل الجمعة، وقد أوجبه جماعة من أهل الظاهر (٥)، ويلحق بذلك غسل العيدين. والظاهر أنه لم يوجبه أحد. ويلحق بذلك الغسل للإحرام وهو آكد (٦) ما في الحج. وأما الغسل لدخول مكة والوقوف بعرفة فرتبتهما متساوية. وإذا عرضت هذه الاغتسالات (٧) على ما قدمناه في الفرق بين السنَّة والفضيلة علمت (٨) أن

стр. 291

غسل الجمعة والعيدين يمكن تسميتهما سنة لأن الرسول ﷺ داوم على فعلهما غير مستتر لذلك بل مظهر له. وأما غسل الحج فلم يتكرر منه تَكراراً (١) يقتضي له (٢) أن يلحق برتبة السنن، بل لم يتكرر أصلاً. وإذا حقق الإنسان ما قدمناه علم معنى تسمية السنة (٣) والفضيلة والنافلة، وأن اغتسال الحج يكاد (٤) أن لا يلحق بالفضائل، بل هو في رتبة النوافل. وإنما اتفقوا على غسل الجمعة واختلفوا في العيدين لما ورد في غسل الجمعة من الألفاظ التي تقتضي تأكيده حتى ظن منها أهل الظاهر الوجوب (٥). ... فصل والغسل الواجب يشتمل على ثلاثة أقسام: فروض وسنن وفضائل، كما اشتملت عليها الطهارة الصغرى. ويشارك [الغسل] (٦) الطهارة الصغرى في النية والماء الطاهر والموالاة. وأما الطهارة الكبرى فتنفرد بفريضة عموم سائر الجسد بالماء. (حكم إمرار اليد على سائر الجسد) وهل يجب إمرار اليد على سائر الجسد بالماء؟ المشهور من المذهب وجوبه، والشاذ إسقاطه. ووقع لأبي الفرج أنه يجب لا لنفسه؛ بل ليوصل الماء إلى سائر الجسد، إذ يمكن أن ينبو الماء عن بعضه لولا إمرار اليد.

стр. 292

وسبب هذا الخلاف التحاكم إلى اللغة (١) هل يسمى صب الماء من غير تدلك غسلاً أو لا يسمى بذلك إلا إذا قارنه التدلك؟ ويحتج من يسميه غسلاً بقولهم غسلت الأمطار ما تمر عليه، وهو صب الماء من غير زيادة. ويحتج الآخرون بتفريقهم بين الانغماس والاغتسال، ولا فرق إلا إمرار اليد وعدم إمرارها. ويعتذر آخرون عن هذا أن التفرقة ترجع إلى (٢) غير إمرار اليد؛ وذلك أن المغتسل قد عم جميع جسده والمنغمس قد يعم جميع [جسده] (٣)، وقد لا يعم. والثابت عن الرسول ﷺ أنه كان يفيض الماء على جسده ولم يثبت عنه التدلك. وقد روي عنه أيضاً (٤) ﷺ أنه أمر بالتدلك وقد لا يثبت (٥) ذلك. واحتج من أوجب التدلك [أيضاً] (٦) بقوله ﷺ : " ... أَنْقُوا الْبَشَرَ" (٧). وهذا لا دليل فيه، والمطلوب منه إيصال الماء إلى جميع أجزاء الجسد. هذا (٨) ما يتعلق بالمسألة من جهة اللغة، وأما الالتفات إلى المعنى فلا شك أن المطلوب من الغسل النظافة وإزالة الأوساخ وإنقاء البدن. وهل يحصل ذلك من غير تدلك أم لا؟ فمن أوجب التدلك رأى أنه لا يحصل [الإنقاء إلا به ومن لم يوجبه رأى أن ذلك يحصل] (٩) بمجرد صب الماء. وأما التحاكم إلى اللغة في تسمية الغسل فلا شك في حصوله وإن لم

стр. 293

يوجد التدلك (١). وهل يجزي التدلك على القول بايجابه (٢) وإن لم يكن مقارنا لصب الماء بل كان عقيبه؟ للأشياخ قولان: أحدهما: أنه لا بدّ من مقارنة التدلك بصب الماء، فلو انغمس المتطهر في ماء ثم تدلك عقيب ذلك من غير تأخير (٣) لم يجز عند هؤلاء. والثاني: أنه يجزيه إمرار اليد والتدلك إذا (٤) كان عقيب صب الماء أو الانغماس. وهذا خلاف في التسمية هل يحصل التدلك عقيب صب الماء أو لا يحصل إلا بأن يقارن صب الماء. [والصحيح أنه يجزئ التدلك عقيب صب الماء وتكليف غير ذلك من الحرج الذي تسقطه الشريعة] (٥). وإذا أوجبنا التدلك فكان (٦) في الجسد موضع لا يصيبه ذلك لقصر في اليد أو لعلة مانعة منه، وإن لم يقدر الإنسان على أن يستنيب من يدلك له [ذلك] (٧) الموضع، ولم يقدر على أن يمسح ذلك بحائط أو ما في معنى ذلك فلا خلاف في سقوط التدلك في الموضع الذي لا يقدر على تدلكه. وإن كان يقدر على الاستنابة (٨) أو على مسحه كما قلناه فهاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يستنيب، والثاني: أنه لا يلزمه (٩) الاستنابة، والثالث: [أنه] (١٠) إن كان يسيراً لم يلزمه ذلك وإن كان كثيراً لزمه. والقولان الأولان مبنيان على شهادة هل يحصل بطلب الاستنابة الحرج [فيسقط ذلك أم لا يحصل به حرج فلا يسقط] (١١).

стр. 294

وأما التفرقة بين اليسير والكثير فبناء على أن القليل معفو عنه لا سيما إذا قارنه ما قد يعد حرجاً. ... فصل (في حكم الشعور الكثيفة) واختلف في تخليل الشعور الكثيفة في الغسل، هل يجب ذلك؟ فالمشهور إيجابه في الغسل بخلاف الوضوء، والشاذ إسقاطه. ويستوي في هذا شعر اللحية وشعر الرأس- إن كانت وفرة- وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يخلل في الغسل من الجنابة أصول شعر رأسه (١). وقد اختلف الأصوليون هل تحمل أفعاله التي قصد بها القربة على الوجوب أو على الندب؟ وأجاز في المدونة للمرأة أن تغتسل ولا تنقض ضفرها (٢) ولكن تضغثه بيديها (٣). ومعناه تخلله بأصابعها وتعركه (٤) حتى يصل الماء إلى أصوله، وهذا إذا لم يكن عليه حائل يمنع وصول الماء إلى أصوله؛ فإن كان هناك حائل أزيل وإن أدى إلى نقض الضفر. وكذلك يجري الحكم في مسح الرأس في الوضوء. فإنه أجاز في المدونة أن تمسح على ضفرها (٥). وهذا إذا لم يكن عليه حائل يمنع من وصول الماء إليه؛ فإن كان هناك حائل جرى نقضه [وعدم نقضه على الخلاف في وجوب إيعاب جميع الرأس فقد تقدم. ...

стр. 295

فصل (ما يفعل من بيده نجاسة وليس معه ما يغرف به الماء) وأما سنن الطهارة الكبرى؛ فمنها غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء وذلك مما تشترك فيه الطهارتان الصغرى والكبرى] (١) وقد قدمنا صفة الغسل. ولو أتى الجنب إلى بئر قليلة الماء [أو ما في معناها] (٢) وبيده نجاسة وليس معه ما يغرف به [الماء] (٣). قال في المدونة: [يحتال حتى يغتسل أو يغرف] (٤) ولم يذكر كيف يحتال. وفي غير المدونة أنه يتوصل إلى غسل يديه بأن يرمي في الموضع ما يقبض به الماء إن أمكن ذلك؛ فإن لم يمكن أنزل [في] (٥) الماء خرقة طاهرة إن كانت معه ويغسل يديه بما يعتصر (٦) من الخرقة، فإن لم يمكنه ذلك وأمكنه أن يأخذ بفيه ماء ففيه قولان: [أحدهما:] (٧) أن له ذلك (٨) بفيه فيصب على يديه. والثاني: أنه لا يجزيه ذلك. فإذا أجزنا غسل النجاسة بغير الماء من المائعات (٩) فلا شك في جواز ذلك. فإن اقتصرنا على الماء فيختلف في هذه المسألة. وسبب الخلاف [في] (١٠) شهادة بأن [الماء] (١١) المنفصل عن الفم هل

стр. 296

يخالطه من الريق ما يضيف الماء (١) أو لا يخالطه قدر ذلك. فإن لم يقدر على تناول الماء بوجه من الوجوه إلا بأن يدخل يده فيه؛ فإن كان في يده من النجاسة مقدار ما يغير الماء فإنه يتيمم ويتركه، وإن كان الماء لا يتغير بذلك والماء يسير فيجري على الخلاف المتقدم في الماء اليسير تحله النجاسة ولا تغيره. وقد تقدم الثلاثة الأقوال: أحدها: أنه طاهر [مطهر] (٢) فيستعمله هذا. والثاني: أنه نجس فيتركه هذا، وينتقل إلى التيمم. والثالث: أنه مشكوك في حكمه (٣) فيختلف هل يتيمم ويصلي [صلاة واحدة على ما قدمناه] (٤) ثم يغتسل به ويصلي صلاة ثانية؟ أو يغتسل به ويتيمم ويصلي صلاة واحدة على ما قدمناه؟ وأما المضمضة والاستنشاق فهما عندنا (٥) سنتان في الغسل كما هما في الوضوء. وكذلك مسح داخل الأذنين. وأما خارجهما فلا خلاف في فرضيتهما في الغسل. والداخل هاهنا الصماخ (٦). ... فصل وأما فضائل الغسل فهي الابتداء بالوضوء قبله. (حكم الرجلين في الغسل) وهل يكمل أعضاء الوضوء أو يبقي الرجلين حتى يغسلهما في آخر غسله؟ في المذهب في ذلك قولان. وقد روت عائشة ﵂

стр. 297

عنه ﷺ أنه كان يكمل وضوءه (١). وروت عنه ميمونة (٢) ﵂ أنه كان يبقي غسل رجليه إلى آخر غسله (٣). والحديثان ثابتان عنهما ولا تاريخ يوجب النسخ (٤)؛ فيحمل فعله على جواز الأمرين. وقد قيل: إن ذلك يختلف فإن كان بموضع لا أوساخ فيه فيقدم غسل الرجلين، وإن كان في موضع فيه أوساخ فيؤخر ذلك؛ لأن تقديم غسلهما غير مفيد إذ يتلطخان بالأوساخ. وإنما ابتدأ بأعضاء الوضوء تشريفاً لها. فمن رأى أن حقيقة التشريف أن يكمل، رأى أن يكمل وضوءه. ومن رأى أن حقيقة التشريف أن يبدأ بها ويختم بها قال يؤخر غسل رجليه إلى آخر غسله. وهكذا قيل في هذا. وقد قدمنا أن الحديثين يقتضيان التخيير. وهل يعيد غسل أعضاء الوضوء إذا بدأ بها؟ أما إذا نوى به الفضيلة؛ فيعيد غسلها، وإن نوى الفرض فلا تلزمه الإعادة. وإن قلنا إنه يؤخر غسل رجليه [إلى آخر غسله،] (٥) فإنه إذا غسل وجهه وغسل ذراعيه أفاض الماء على رأسه ولم يمسح. وإن قلنا يكمل وضوءه فإنه يمسحه، ولا شك أنه لا يجزيه المسح عن الغسل، فيعيد غسله على كل الأحوال (٦).

стр. 298

فصل (في أن الغسل يجزي عن الوضوء) والغسل يجزي عن الوضوء؛ فلو اغتسل ولم يبدأ بالوضوء ولا ختم به (١) أجزأه غسله عن الوضوء لاشتماله عليه. هذا إن لم يحدث بعد غسل شيء من أعضاء الوضوء. وأما إن أحدث فلا يخلو من ثلاث صور: أحدها: أن يحدث قبل غسل شيء من أعضاء الوضوء؛ فهذا الذي قلنا فيه يجزيه الغسل عن الوضوء. والثانية: أن يحدث بعد كمال غسله (٢) فهو كالمحدث يلزمه أن يجدد وضوءه. والثالثة: أن يحدث في أثناء غسله، فهذا إن لم يرجع فيغسل ما غسله من أعضاء الوضوء قبل حدثه فإنه لا يجزيه. وهل يفتقر هذا في غسل ما تقدم من أعضاء الوضوء إلى نية أم تجزيه نية الغسل عن ذلك؟ فيه قولان للمتأخرين. وقال أبو محمد بن أبي زيد إنه يفتقر إلى نية. ورأى (٣) أبو الحسن بن القابسي أنه لا يفتقر إلى ذلك. وهذا على الخلاف هل يرتفع الحدث عن كل عضو بإكماله؛ فيكون هذا إذا غسل بعض الأعضاء قبل حدثه (٤) ثم أحدث فقد ارتفع الحدث عن الأعضاء المغسولة، وما طرأ من الحدث يوجب استئناف غسلها فيفتقر فيه إلى نية، أولاً يرتفع الحدث إلا بإكمال الطهارة فيكون هذا إذا أحدث بعد أن غسل بعض الأعضاء، عدَّ ذلك الغسل كالعدم، فإذا عاد انسحبت نية غسل الجنابة عليه. وهذا جار في كل الأحداث من مس الذكر وغيره (٥). ...

стр. 299

فصل (في فضيلة الابتداء بما بدأ به النبي ﷺ -) ومن فضائل الغسل الابتداء بما بدأ به النبي ﷺ ، وهو أن يغسل الأعلى من جسده فالأعلى والأيمن فالأيمن، وهذا لا أعلم خلافاً (١) في أنه لا يعد من الفروض. وقد قدمنا حكم الموالاة في الوضوء. وذلك بعينه جار (٢) في الغسل. ... فصل (حكم النية في الطهارة الكبرى والصغرى) وقد قدمنا أن النية من فروض الوضوء، وأن الغسل يشاركه في ذلك. وهذا هو المشهور من المذهب. وحكى ابن المنذر (٣) عن مالك في كتابه "الوسيط" (٤) أن النية غير واجبة في الوضوء، وكذلك يكون [على هذا حكمها في الغسل] (٥). وسبب الخلاف في هذا أن الطهارة الكبرى والصغرى (٦) فيهما شوب (٧) من العبادة والنظافة؛ فمن غلب عليهما شوب العبادة أوجب النية

стр. 300

كالصلاة، ومن غلب عليهما حكم (١) النظافة لم يوجب [النية] (٢) كغسل النجاسة (٣). وإذا أوجبنا النية فما محلها؟ أما محلها من المكلف القلب، والنية هي القصد، ومحل القصد (٤) القلب. وأما محلها من العبادات فأولها هذا فيما يبدأ منه بالفروض كالصلوات، وهاهنا يبدأ بالسنة (٥) كغسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء والمضمضة والاستنشاق. واختلف هل يبدأ بالنية في مبادئ الوضوء لأنه فعل متصل؟ أو تكون البداية بها (٦) عند الآخر في الفروض لأن النية إنما تفرض للفرض (٧) فلا يبدأ بها عند النوافل؟ والجمع بين القولين أن يبدأ بها في أول الوضوء، ثم يداوم ذكرها إلى غسل الوجه. ولا يضر بعد الابتداء بها في محلها أن تختلس (٨) بعد ذلك. هذا إذا قصد بنيته جملة الطهارة. وهل للمكلف أن يفرق النية على أعضاء الوضوء؟ في ذلك قولان: أحدهما: أنه لا يجوز كالصلاة؛ فإنه لا يجوز أن يفرق النية على أجزائها، بل عليه أن ينوي جملتها. والثاني: أنه يجوز بخلاف الصلاة، لأن كل عضو قائم بنفسه. وهذا يلتفت إلى ما قدمناه من الخلاف في الأعضاء هل يرتفع عن كل عضو منها الحدث بكماله أو لا يرتفع إلا بكمال جميعها. وفي المدونة فيمن أبقى (٩) غسل رجليه من طهارته فخاض بهما نهرا

стр. 301

فدلكهما فيه ولم ينو غسلهما للطهارة (١) أنه لا يجزيه حتى ينوي بهما الطهارة (٢). وأخذ القاضي أبو محمد [عبد الوهاب] (٣) من هذا جواز تفرقة النية على أعضاء الطهارة. ولولا (٤) أن هذا الذي أبقى (٥) غسل رجليه فرق نيته [على] (٦) الأعضاء لانسحبت (٧) النية الأولى على الرجلين لكان لا يفتقر في غسلهما إلى تجديد نية. وقد اعتذر عن هذا بأن النية إنما تنسحب (٨) ما لم تحصل التفرقة. وأما إذا حصلت التفرقة بطل (٩) حكم الانسحاب. وإذا قلنا بأن محل النية أول الطهارة؛ فإن قارنت فلا شك في الإجزاء، وإن تأخرت فلا شك في الإبطال، لأن ما تقدم من الوضوء خال عن النية، وإن تقدمت فلا يخلو من قسمين: أحدهما: أن تتقدم بالزمان الطويل أو بالزمان القصير. فإن طال الزمان لم تجز، وإن قصر فقولان: أحدهما: الإجزاء، وهذا بناء على أن ما قارب الشيء حكمه حكماً لشيء، أو مراعاة لقول من [لم] (١٠) يوجب النية. والثاني: عدم الإجزاء، لأن النية عَرَض لا تبقى وقتين (١١). فإذا لم يستدم ذكرها حتى تقارن الفعل فهي في حكم العدم. ولا خلاف في صحة الصوم وإن لم تقارن النية أول جزء منه. والمنصوص في [الصلاة] (١٢) وجوب مقارنة النية لأولها. وكأن الوضوء فرع بين هذين؛ فمن رده إلى الصوم فلا خلاف في عدم لزوم مقارنة النية فيه (١٣)

стр. 302

أو جاز أن تتقدم النية، ومن رده إلى الصلاة فلا. لأن الصوم يشق محاذاة أوله بالنية، والوضوء لا يشق فيه ذلك، ولذلك أوجبت المقارنة. ... فصل (في المطلوب من النية في الطهارة) والمطلوب من النية في الطهارة أن ينوي أحد ثلاثة أشياء: إما رفع الحدث، أو استباحة الصلاة، أو امتثال (١) الأمر. وهذه متى حضر (٢) ذكر جميعها فلا يمكن أن يقصد (٣) أحدها دون الآخر بل هي متلازمة، وإن حضر بباله بعضها أجزأ عن جميعها كما قدمناه. ولو خطر بباله جميعها وقصد بطهارته بعضها ناوياً عدم حصول الإجزاء فالطهارة أيضاً باطلة. لأن النية غير حاصلة، ومثاله أن يقول أرفع الحدث ولا أستبيح الصلاة، أو [أستبيح الصلاة] (٤) ولا أرفع الحدث، أو أمتثل أمر الله في الإيجاب ولا أستبيح ولا أرفع، فهذا أتى بنية متضادة شرعاً [وحكماً] (٥) فتتنافى (٦) النية وتكون كالعدم. ولو توضأ أو اغتسل قاصداً بالاستباحة صلاة (٧) دون غيرها فإن لم يحضر الغير (٨) بباله استباح كل صلاة، ولو حضر بباله وقصد أنه لا يتطهر له ومثاله أن يقول: أتطهر للظهر دون العصر؛ ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يجزيه ويصلي به سائر الصلوات، والثاني: أنه لا يجزيه ولا

стр. 303

يصلي به ظهراً (١) ولا غيره. والثالث: أنه يصلي به ما نوى دون غيره. وهذا بناه الأشياخ في الرفض للطهارة على الخلاف هل يؤثر أم لا؟ لأنه إذا قصد الظهر (٢) مثلاً دون العصر فكأنه يقول (٣) أستبيح الظهر فبعد (٤) استباحتها أرفض وضوئي، ولكنه أتى بالاستباحة والرفض في حالة واحدة. فمن التفت إلى سبق الإباحة غلب حكمها وقال: تجزي لكل صلاة. وما قصده من الرفض مخالف لحكم الشرع فيبطل. ومن التفت إلى وقوع القصدين [المتضادين] (٥) في حالة واحدة حكم بالتنافي كما قلناه فيمن نوى رفع الحدث دون استباحة الصلاة. ومن صحح الرفض ورأى أن للاستباحة رتبة السبق (٦) حكم بإجزاء الصلاة الأولى دون الثانية (٧). ... فصل (هل تجزي النية لغير الصلاة للصلاة ؟) وإذا حكمنا بأن النية لصلاة (٨) واحدة من غير خطور (٩) غيرها بالبال تجزي عن سائر الصلوات، فهل يحل غير الصلاة (١٠) في محلها في ذلك (١١)؟

стр. 304

(حكم ما تشترط له الطهارة) الأفعال على ثلاثة أقسام: قسم لا يصح إلا بالطهارة، كالصلاة على اختلاف أنواعها من فرض وسنة وفضيلة ونافلة وصلاة جنازة وسجود القرآن، وكذلك مس المصحف والطواف بالكعبة ودخول المسجد في حق الجنب والحائض. فهذا كله إن قصد إلى استباحة بعضه استباح بذلك سائر ما تشترط فيه الطهارة. (ما لا تشترط له الطهارة ولا تستحب) وقسم لا تشترط فيه الطهارة ولا تستحب (١) كالمشي إلى السوق والأكل والشرب، فهذا لا يجزي القصد إلى استباحته. ومتى قصد إلى ذلك بطهارته لم يستبح بذلك شيئًا من الأفعال التي تشترط فيها الطهارة. (ما تستحب له الطهارة) وقسم ثالث تستحب (٢) فيه الطهارة؛ كمن توضأ مجدداً أو اغتسل للجمعة ناسياً للجنابة أو توضأ لقراءة القرآن طاهراً أو توضأ للدخول على السلطان، ولا يقصد (٣) غير ما ذكرناه؛ ففيه قولان: أحدهما: أنه يستبيح كل ما الطهارة شرط فيه، والثاني: ألا يستبيح به شيئاً مما تفرض الطهارة له. وسبب الخلاف الالتفات إلى أن الطهارة غير واجبة لهذا القبيل ولا يجزي القصد إلى طهارة غير واجبة عن القصد إلى طهارة واجبة. والثاني: الالتفات إلى أنه قصد أن يكون على طهر، بل قصد إلى أن يكون على أكمل حال من الإجزاء. وقد تضمنت نيته الإجزاء زيادة فتجزي. ...

стр. 305

فصل (حكم تعدد المقاصد في رفع الحدث) ومتى قصد إلى رفع الحدث، فإن اتحد [الحدث] (١) فلا تفريع. وإن تعدد القصد فلا يخلو من أن يكون من جنس واحد أو من جنسين؛ فإن كان من جنس واحد فإن نوى رفع واحد منها ارتفع جميعها، هذا إذا لم يخطر بباله إلا ما نوى. فإن خطر غيره [بباله] (٢) وقصد رفع البعض دون البعض جرى على ما قدمناه إذا قصد استباحة الصلاة دون رفع الحدث، وإن كان جنس الحدث مختلفاً. فأما ما يوجب الطهارة الصغرى؛ فالمختلف منه كالمتفق لأن حكم الواجب منه (٣) متحد وهو الوضوء، وما يمنعه متحد وهو كل ما يشترط فيه الوضوء. وأما ما يوجب الطهارة الكبرى إذا اختلف جنسه كالحيض والجنابة فإن وقعت النية لهما أجزأت، وإن نويت إحداهما دون الأخرى فثلاثة أقوال: أحدها: الإجزاء لأن الواجب عنهما متحد وهو غسل جميع الجسد، والثاني: عدم الإجزاء لأن الحيض يختص بمنع الجماع والطلاق، والجنابة تختص بمنع قراءة القرآن ظاهرًا (٤) على المشهور. والثالث: أن القصد إلى الحيض يجزي دون القصد إلى الجنابة، وهذا لأن الحيض يمنع مما قلناه بلا خلاف، والجنابة قد قيل إن الحيض يشاركها في المنع من قراءة القرآن ظاهرًا. ومن كان عليه غسل جنابة وجمعة؛ فإن قصد الاغتسال للجنابة (٥) ناسيًا للجمعة ففي ذلك قولان: أحدهما: الإجزاء؛ لأنه قصد الآكد. والثاني: عدم الإجزاء، لأنه قصد واجباً. والغسل للجمعة سنة ولا يحصل إلا بحصول الواجب فهو أكمل ولا يحصل الأكمل إلا بالقصد إليه. وأما إن قصد الجمعة دون الجنابة فقد تقدم القولان. فإن قصدهما

стр. 306

جميعاً ففي المذهب قولان: أحدهما: الأجزاء، وهو المشهور، لأنه قد نوى كل واحد منهما والغسل متحد ونية الأجزاء والكمال لا تتنافى. والثاني: أنه لا يجزي، وهذا يرى تنافي النية هاهنا لأن الفرض واجب تحصيله والسنة غير واجب تحصيلها. فكأنه يقول في الغسل أغتسل لواجب غير واجب (١) في حالة واحدة وذلك متناف (٢). وما الذي يفعله على هذا القول؟ ينبغي أن يقصد الجنابة ويعتقد أنه نائب (٣) عن الجمعة. ... فصل (حكم الغسل إذا فقدت اللذة المعتادة) وقد تقدم أن الغسل يجب بإنزال الماء الدافق للذة مقارنة، فإن فقدت اللذة المعتادة وغير المعتادة ولم تكن مقارنة ولا سابقة (٤) فهاهنا قولان: المشهور أن الغسل غير واجب والشاذ إيجابه. وهذه صورة نادرة فهل يعلق الحكم عليها؟ بين الأصوليين خلاف في ذلك؛ فمن علق الحكم على الصورة النادرة رأى إسقاط الوجوب هاهنا، لأن اللذة متى فقدت جملة لحق بسلس الأحداث (٥)، وأيضاً فإن هذا إذا خلا ما يخرج منه عن اللذة جملة فهو كالودي صورة ومعنى، فلا يوجب (٦) غسلاً. ومن رأى إجراء الحكم على الغالب طرداً للقاعدة (٧) الكلية أوجب الغسل، لأن الشريعة علقت وجوب الغسل على المني والغالب حصوله بلذة، فإن حصل بغيرها فذلك نادر. وقد تكون اللذة متقدمة لسبب فلم يَعْرَ من لذة.

стр. 307

فإن قارن مادة غير معتادة كمن يسابق فيمني أو ينزل حوض الحمام (١) أو تلدغه عقرب فيكون منه ذلك، فهذا فيه قولان: إيجاب الغسل بحصول (٢) اللذة، وإسقاطه. لأن وجود المني عن ذلك نادر، فيلحق بالصور النادرة. فإن كانت اللذة معتادة لكنها سابقة، كمن يجامع فيجد اللذة (٣) ولا يكون منه ماء، أو يتلذذ بغير الجماع ولا يكون منه ذلك، ثم بعد ذهاب تلك اللذة جملة يكون منه الماء؛ ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: وجوب الغسل التفاتاً (٤) إلى اللذة المتقدمة، ولأنها (٥) قد أثرت انفصال الماء عن موضعه، وإنما عجزت الطباع عن إبرازه (٦) في الحال. والقول الثاني: إسقاط الغسل لأن الماء لا حكم له ما لم يبرز، فإذا برز عاريا من اللذة لحق بما (٧) فقدت فيه اللذة جملة. والقول الثالث: أنه إن كان عن جماع ثم اغتسل له قبل بروز الماء ثم برز فلا يعيد الغسل، وإن كان عن غير جماع فلم يغتسل له فإنه (٨) يغتسل عند بروزه وهذا لأنه (٩) يوجب الغسل له لكنه لا يكون غسلان لحدث واحد. وإذا أسقطنا الغسل فهل بجب منه الوضوء؟ في المذهب قولان: أحدهما: إيجابه، لأن أدنى مراتبه أن يكون كالودي (١٠). والثاني: إسقاطه لأنه كسلس المذي (١١).

стр. 308

وإذا صلى بعد وجود اللذة ثم برز (١) الماء، فهل يعيد تلك الصلاة؟ في المذهب قولان: أحدهما: الإعادة، وهو بناء على أن لانفصاله من موضعه حكما كما تقدم. والثاني: أنه لا يعيد تلك الصلاة وهو بناء على أن المراعى وقت بروزه. ... فصل (مشروعية الوضوء للجنب قبل النوم) ولا خلاف أن الجنب مأمور بالوضوء قبل النوم، وهل الأمر بذلك وجوب أو ندب؟ (٢) المذهب قولان: وقد ورد عن النبي ﷺ أنه أمر الجنب بالوضوء قبل النوم (٣). وبين الأصوليين خلاف في أمره هل يحمل على الوجوب أو على الندب؟ واختلف في علة أمره بالوضوء قبل النوم؛ فقيل: لينشط للغسل. وعلى هذا لو فقد الماء لم يؤمر بالتيمم. وقيل: ليبيت على إحدى الطهارتين لأن النوم موت أصغر فشرعت فيه الطهارة الصغرى كما شرعت في الموت الطهارة الكبرى. فعلى هذا فإن فقد الماء تيمم. ... فصل (هل يجبر المسلم زوجته الكتابية على الغسل ؟) ولا يجبر المسلم زوجته الكتابية على الغسل من الجنابة. وهل يجبرها على الغسل من الحيضة؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه يجبرها لأنها

стр. 309

بتزويجه كالملتزمة للأحكام الواجبة (١) فيما بينها وبين زوجها. واعترض المتأخرون قول من (٢) أوجب عليها الغسل بأن غسلها يفتقر إلى النية وهي ممن لا يصح منها القصد إلى الغسل. والجواب عن هذا أن كل غسل يتعلق بالمغتسل (٣) يفتقر إلى نية، وما يتعلق بغيره فلا يفتقر إلى ذلك كغسل الإناء من ولوغ الكلب وغسل الميت. ... فصل (حكم من استيقظ فوجد ماء في ثوبه) ومن انتبه فوجد ماء فإن أيقن أنه مني اغتسل. وإن أيقن أنه مذي توضأ. وإن شك جرى على الخلاف فيمن أيقن بالوضوء وشك في الحدث، فإن قلنا بإيجاب الوضوء هناك وجب الغسل على هذا، وإن قلنا باستحبابه هناك استحب الغسل لهذا (٤). ولو وجد منياً في ثوبه الذي ينام فيه ولا يدري من أي نوم كان؟ ففيه قولان أيضاً: أحدهما: إيجاب إعادة ما صلى من أول زمن نام. والثاني: إيجاب إعادة ما صلى من آخر نومة (٥) نام فيه. وهو على الخلاف فيمن أيقن بالوضوء وشك في الحدث، لأن هذا على يقين من طهارته المتقدمة، وشك هل كان المني في أول نوم نامه في الثوب أو آخر نوم. ووقع (٦) في بعض الروايات أنه إذا كان ينزع الثوب في النهار فإنه يعيد (٧) من آخر نومه (٨)، وإن كان لا ينزع فمن أول نوم (٩).

стр. 310

وهذا بناء على وجوب الغسل بالشك. وإنما رأى أنه متى كان ينزعه ولم ير فيه جنابة دل ذلك على أن الموجود فيه من آخر نوم. ... فصل (حكم وطء المسافر زوجته مع فقد الماء) ومنع في الكتاب المسافر من أن يطأ أهله إلا أن يكون معه من الماء ما يكفيه، ولم يجز له الوطء والانتقال إلى (١) التيمم، وأجاز ذلك لمن به شجة وهو ينتقل عن غسل موضعها إلى المسح، وكذلك لو كان ينتقل إلى التيمم. وفرق بطول أمر صاحب الشجة وحاجته إلى وطء أهله (٢). قال الأشياخ: ولو علم أنه يطول سفره وفقد الماء (٣) لكان بمنزلة صاحب الشجة. وفي الكتاب في المسألة الأولى أنه لا يطأ زوجته ولا جاريته كانا على وضوء أو على (٤) غير وضوء (٥). ثم قال: وكل ذلك سواء. وللأشياخ هاهنا قولان: هل تعود تسويته (٦) على المتوضئ والمحدث، أو على الزوجة والجارية (٧)، لأن الزوجة لها حق في الوطء والجارية لا حق لها في ذلك. ولا شك أن مراده (٨) التسوية في الجميع. ...

стр. 311

فصل (حكم قراءة القرآن ظاهرًا للجنب والحائض) واختلف في الجنابة والحيض؛ هل يمنعان قراءة (١) القرآن ظاهرا؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهما يمنعان من ذلك. والثاني: أنهما لا يمنعان. والثالث: أن الجنابة تمنع بخلاف الحيض. وقد تقرر أنهمِ كانوا في العصر الأول يمتنعون (٢) من قراءة ما كثر من القرآن إذا كانوا جنبًا. وثبت عنه ﷺ أنه قال في الجنب: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ" (٣)، وهذا يقتضي الإباحة. لكن ما ورد من فعلهم لا يتطرق إليه التأويل، وهذا إنما خرج على سبب وذلك أن أبا هريرة كان يماشي رسول الله ﷺ (٤) فانسل (٥) عنه فسأله عن سبب ذلك فقال: كرهت أن أماشيك جنباً فقال ﷺ : "سُبحَانَ اللهِ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ" (٦). وهذا عموم ورد على سبب. وبين الأصوليين خلاف في تعديته أو قصره على سببه. وأما التفرقة فلأن الجنب يقدر على رفع جنابته والحائض لا تقدر على ذلك، فلو منعت القراءة (٧) لأدى. إلى تضييع أجور تريد حصولها وقد يؤدي إلى نسيانها. (هل يباح للجنب دخول المسجد ؟) وهل يباح للجنب دخول المسجد عابري سبيل؟ فيه قولان: المشهور منعه، والشاذ جوازه. وقد روي عنه ﷺ أنه قال: "لا أحل المسجد لجنب

стр. 312

ولا لحائض" (١)، وهذا نص. ولكن يعارضه ما قدمناه من قوله: "إِن الْمُؤمِنَ لاَ يَنْجُسُ"، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٢) الآية. واختلف المفسرون هل المراد نفس الصلاة، أي لا تقربوا الصلاة بجنابة إلا [أن تكونوا] (٣) عابري سبيل، أي مسافرين فتيمموا وصلوا. وقيل: المراد موضع الصلاة فيكون على هذا دليلاً على جواز دخول الجنب للمسجد (٤) عابري سبيل. ... فصل (حكم من أم الناس جنبا) والمعروف من المذهب أن صلاة المأموم متعلقة (٥) بصلاة الإمام. والشاذ عدم الارتباط، وهو مذهب الشافعي. ولهذا لا يجوز عندنا أن يأتمّ المفترض بالمتنفل. واختلف في إمام صلى بالناس جنباً؛ فقيل: إن كان عامدًا بطلت الصلاة، وإن كان ناسيًا لم تبطل الصلاة، هذا في حقهم. وأما صلاته فباطلة بإجماع. وقيل صلاتهم صحيحة. وقيل باطلة. والقول بالصحة يقتضي أن

стр. 313

كل مصل صلى (١) لنفسه كما يقول الشافعي. والقول بالإبطال يقتضي تعلق الصلاتين. والتفرقة بين العمد والنسيان لم يظهر للشيخ أبي القاسم السيوري وجهها فقال: هما قولان [جميعاً] (٢) في التأليف، وإنما قال مالك بالإبطال (٣) لما سئل عن صلاة العامد في وقت لو سئل فيه عن صلاة [الناسي لقال تبطل، وقال بالصحة لما سئل عن الناسي في وقت لو سئل فيه عن صلاة] (٤) العامد لقال بالصحة. وهذا تأويل بعيد وتجهيل لمؤلف المدونة، فإنه فصل بين العامد والناسي وتفصيله فلا بدّ يقتضي اختلاف الحكم عنده. وقد اعتذر القاضي (٥) أبو محمد عن الفرق بأن الناسي غير عاص والعامد فاسق (٦) لعمده فتبطل الصلاة بناء على بطلان إقامة الفاسق. وهذا الاعتذار إذا أدير عليه التقسيم فإنه لا يخلو من أن يقال بتعلق الصلاتين أو بعدم تعلقهما؛ فإن تعلقتا وجب البطلان، وإن لم تتعلقا (٧) وجبت الصحة، وإن كان فاسقا. وخير ما اعتذر به أن الناسي، قاصد (٨) إلى الصلاة فتساوى القصدان، وإن كان باطلاً عند الله فلا يضر ذلك مع تساوي القصدين. فإذا كان عامداً (٩) ولم يقصد الصلاة فاختلف القصدان. ومتى اختلفت بطلت الصلاة عندنا.

стр. 314

(حكم الإمام يذكر جنابه في الصلاة) ولو ذكر الإمام جنابة في أثناء الصلاة فعلى القول (١) ببطلان صلاة المأمومين مع النسيان يقطع. وعلى القول بصحتها يستخلف كما قال في الكتاب. فإن لم يفعل وتمادى بطلت الصلاة. ولو علم أحد ممن خلفه بجنابته لبطلت صلاة العالم بذلك. قالوا ولو طرأ لأحد من المأمومين العلم في الصلاة أوجب على من طرأ له ذلك أن يعلم الإمام حتى يستخلف. وتبطل صلاة هذا لأنه في وقت العلم صار مقتدياً بمن لا يصح الاقتداء به. ... فصل (حكم من صلى بثوب نجس أو حرير) وقد قدمنا حكم المصلي بنجاسة ومتى يعيد؛ فإن كان إنما صلى بذلك عجزاً عن القدرة على غسل النجاسة (٢)، أو عجز عن ثوب طاهر يستر به فهاهنا قولان: أحدهما: أنه كالناسي يعيد في الوقت الذي يعيد فيه الناسي. والثاني: أن هذا يعيد الظهر والعصر أجمع (٣) بخلاف الناسي، لأن هذا معه عقله الذي يتلقى به التكليف. وبين الأصوليين خلاف في تكليف غير المستطيع. من قيل إن الناسي غير مكلف. والصلاة بالحرير المحض لا تجوز للرجل ولا لباسه في كل الأحوال إلا أن تدعو لذلك الضرورة، كحكة تمنع ملاقاة الجسم بغير الحرير. ففي المذهب قولان: أحدهما: الإجازة (٤) لأنها ضرورة. والثاني: المنع. وأصل مبنى هذا شهادة على (٥) أن الضرورة لا تتصور حتى تمنع أن يلاقي الجسم

стр. 315

بغير الحرير. وكذلك القولان في لباسه في الجهاد؛ الجواز لأنه موضع ترهيب وإظهار قوة، والمنع أخذا بعموم ما ورد في الحديث من النهي (١). فمن لم يجد إلا ثوب حرير [طاهر] (٢) وثوب نجس فبأيهما يصلي؟ قولان: أحدهما: أنه يصلي بالحرير من جهة أنه طاهر، ثم يعيد إذا قدر على غيره في الوقت. والثاني: أنه يصلي بالنجس، ثم يعيد إذا قدر على غيره أو على غسل النجاسة في الوقت أيضاً. وهذا خلاف (٣) في المكروهين إذا تقابلا أيهما يرتكب. والنجاسة تختص بالمنع في الصلاة دون غيرها فلها تأكيد بالاختصاص (٤). والحرير يحرم لباسه في كل الأوقات، فلهذا (٥) تأكد بعموم (٦) الأوقات. وهذا يتعلق بمسألة أصولية وهي الصلاة في الدار المغصوبة هل تصح أم لا؟ وذلك ينبني على الخلاف في النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ وإذا صلى بالحرير مع القدرة على غيره من الثياب الطاهرة فهل تبطل صلاته أم لا؟ ثلاثة أقوال: أحدها: البطلان، والثاني: الصحة مع العصيان، والثالث: إن كان عليه ما يستره من غير الحرير صحت الصلاة، وإن لم يكن عليه ما يستره بطلت. فالصحة والبطلان مبنيان على الخلاف في النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ وأما التفرقة بين أن يكون عليه ما يستره أم لا، فإنه متى صار (٧) عريانا عن غيره صار كالمكشوف العورة شرعاً، ومتى كان مستور

стр. 316

العورة بغيره كان (١) مرتكباً للنهي فاعلاً لما يلزمه في الصلاة من ستر العورة. ... فصل (حكم الصلاة أثناء مدافعة الخبث) ولا يجوز أن يصلي وهو يدافع خروج الحدث؛ فإن فعل ففي الكتاب يعيد بعد الوقت (٢). قال الأشياخ: وهذا على ثلاثة أقسام (٣): أحدها: (٤) أن يمنع الحدث إتمام الفروض، وهذا يعيد في الوقت وبعده. والثاني: أن يمنعه من إتمام السنن، فهذا يعيد في الوقت لا بعده (٥). وينبغي أن يختلف في هذا على الخلاف في تارك السنن [متعمداً] (٦) هل يعيد بعد الوقت؟ والثالث: أن يمنعه من إتمام الفضائل، فهذا لا إعادة عليه. وسيأتي بيان الفروض والسنن والفضائل في أول كتاب الصلاة إن شاء الله. ... فصل (في مشروعية أداء صلوات متعددة بوضوء واحد) ولا قائل اليوم (٧) بوجوب الوضوء لكل صلاة، وإنما يحكى ذلك عن علي ﵁، والعلماء غيره (٨) متفقون على أن في الآية إضماراً.

стр. 317

واختلفوا في المضمر (١) ما هو؟ فقيل: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين (٢) ليكون ذلك إجمالاً لجميع الأحداث، ثم جاء التفصيل بعده. وقيل: إذا قمتم إلى الصلاة من المضاجع، أي من النوم، لأن الأحداث قد ذكرت في الآية ولم يذكر النوم. وإن قلنا إنه المحذوف اشتملت (٣) على جميع الأحداث. وإنما اضطر العلماء إلى هذا لما ثبت عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يصلون بالوضوء الواحد صلوات، ما لم يحدثوا. وقد فعله الرسول ﷺ يوم فتح مكة، وسأله عمر ﵁ عن ذلك فقال: "عَمْداً صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ" (٤). وأراد أن يقتدى به في ذلك. وتجديد الوضوء مستحب بلا خلاف. ... فصل (حكم ثياب أهل الذمة) وقد قدمنا الخلاف في صور من عادته يستعمل النجاسة إذا شك هل معه نجاسة أم لا؟ فإن الخلاف في ذلك على الخلاف في الرجوع إلى الأصل والغالب. وقد حكموا (٥) في ثياب أهل الذمة إذا أخذها المسلم أنه لا يصلي بها، هذا فيما لبسوه. وأما ما نسجوه فأجازوا الصلاة بها. وإن أمكن أن يلاقوه بالنجاسة ولا يوجد فرق إلا أحد (٦) وجهين؛ إما لأن السلف كانوا يلبسون ما نسجه أهل الذمة من غير غسل، وهذا لمشقة غسل الجديد. وأما لأن الغالب فيما لبسوه التنجيس والغالب فيما نسجوه الطهارة، فإن شذت صورة فالحكم للأغلب. ...

стр. 318

فصل (حكم الغسل لمن أسلم من الكفار) وقد قدمنا الخلاف في وجوب الغسل على من أسلم من الكفار، والمشهور وجوبه، واستحبه إسماعيل القاضي. ثم اختلف القائلون بالوجوب هل ذلك لنفس الإسلام أو لأن الكافر جنب لا يغتسل فإذا أسلم وجب عليه غسل جنابته؟ وعلى هذا اختلف فيمن أسلم وقد علم بأنه لم تصبه جنابة؛ فعلى (١) جعل التعليل بوجوب الغسل للإسلام لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٢) والنجس لا يقرب الصلاة إلا بعد غسل نجاسته فيجب الغسل على الكافر وإن لم تتقدمه (٣) جنابة. وعلى التعليل بالجنابة لا يجب على مثل هذا غسل. ويعتذر هؤلاء عن قوله جل ذكره: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، أي إنهم نجس لشركهم. فإذا زال الشرك طهروا بالإسلام. ومعول إسماعيل القاضي على أن الإسلام يجُبُّ ما قبله. وقد ألزمه الأشياخ أن يسقط الوضوء عن من أسلم حتى يحدث بعد إسلامه. واعتذر عن هذا بأن الوضوء يجب للصلاة، فعلى كل قائم إليها أن يتوضأ إلا أن يتقدم له وضوء، والغسل إنما يجب للجنابة، وهذا قد سقط عنه حكم الجنابة بالإسلام. وهذا الذي قيل في الوضوء يضمحل (٤). وإذا قدرنا في الآية محذوفًا وهو إما محدثين (٥) أو من المضاجع. ويقال هاهنا هذا غير محدث لأن الإسلام يجُبُّ ما قبله. وفي الكتاب فيمن أجمع على الإسلام ثم اغتسل أنه يجزيه ذلك الغسل لإسلامه (٦). ومعنى أجمع هنا أي اعتقد الإسلام بقلبه. ولا شك أنه متى أوجبنا الغسل وفقد الماء فإنه يتيمم. [وما الذي ينوي بتيممه؟ فيه من

стр. 319

الخلاف ما تقدم؛ منهم من يقول: ينوي الطهارة الكبرى فإن نوى الطهارة الصغرى لم يجزه، ومنهم من يقول: ينوي الوضوء بتيممه. والله أعلم بالمطلوب] (١). ... فصل (حكم من صلى على النجاسة) وقد تقدم حكم من صلى بالنجاسة. وهكذا يكون حكم من صلى عليها إذا كانت النجاسة في موضع يلاقيه بعضو من أعضائه عند القيام أو عند الجلوس أو عند السجود. اهذا إذا كان مصلياً على ما هو ثابت كالأرض. وأما لو صلى على حصير متصل بطرفه نجاسة؛ فبين الأشياخ خلاف، هل تكون أفعاله تقتضي أنه كالمصلي على نجاسة (٢) أو لا يكون كذلك لسلامة موضعه. (حكم ثياب من يشرب الخمر أو لا يصلي) وعلى ذكر ثياب أهل الذمة فقد قال الأشياخ فيما معناه فيمن يشرب الخمر من المسلمين فيغسل جميع ما لبسه من الثياب. وأما من لا يشرب الخمر ولا يصلي فجميع ثيابه نجس إلا ما يكون برأسه. فالغالب عدم النجاسة فيه. فإن كان ممن يصلي فلا يغسل ما اشترى من ثيابه إلا ما يحاذي المخرجين (٣) منه، لأن الغالب منه عدم المعرفة بالاستبراء من البول، وكذلك ما ينام فيه، لأن الغالب وجود النجاسة في مثل ذلك. ...

стр. 320

باب في حكم الرُّعاف والرعاف لا يخلو من قسمين: أحدهما: أن يعلم أن الدم لا ينقطع عنه، والثاني: أن يعلم أنه ينقطع: (حكم من لا ينقطع عنه الدم) فإن علم أنه لا ينقطع فهذا لا يخرج من الصلاة لرعافه لأن خروجه لا يفيد، ويتم الصلاة على حاله. وهل يجوز له الإيماء أم يجب عليه الركوع والسجود؟ فإن كان ركوعه وسجوده يضر به في جسده جاز له بلا خلاف. وإن كان ذلك لا يضر به في جسده، فهاهنا قولان: قيل يجوز له ذلك لئلا يلطخ ثيابه، وقيل لا يجوز له الانتقال إلى الإيماء إلا لمضرة جسم لا لتلطخ ثياب. (حكم من ينقطع عنه الدم) وأما القسم الثاني وهو أن يعلم أن الدم ينقطع، وفي معناه إذا شك في ذلك، فإنه لا يخلو أن يقطر الدم أو يسيل، أو لا يقطر أو لا يسيل (١). فإن لم يقطر ولم يسل فإنه يفتل الدم (٢) ويمضي على صلاته. وإن قطر أو سال؛ فإن تلطخ له الكثير من جسده أو ثيابه قطع الصلاة، وإن لم يتلطخ به ذلك فهاهنا الأولى أن يقطع، فإن أحب التمادي على صلاته بأن يخرج ويغسل الدم عنه ثم يعود إلى الصلاة فله ذلك عند مالك، ولكن بشروط نذكرها: وهو أن المصلي لا يخلو أن يكون منفردًا أو في جماعة؛ فإن كان في جماعة فلا يخلو من أن يعقد من صلاة الجماعة ركعة أو لا يعقد ركعة. فإن كان في جماعة وعقد ركعة فلا خلاف في المذهب في أن له التمادي. وإن كان فذا، أو لم يعقد ركعة فهاهنا قولان: أحدهما: أنه يبني إن شاء،
следующие страницы →