← Фикх малики

Фикх малики · id 121378

التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات

أبو الطاهر ابن بشير

Полный текст (942 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

العورة بغيره كان (١) مرتكباً للنهي فاعلاً لما يلزمه في الصلاة من ستر العورة. ... فصل (حكم الصلاة أثناء مدافعة الخبث) ولا يجوز أن يصلي وهو يدافع خروج الحدث؛ فإن فعل ففي الكتاب يعيد بعد الوقت (٢). قال الأشياخ: وهذا على ثلاثة أقسام (٣): أحدها: (٤) أن يمنع الحدث إتمام الفروض، وهذا يعيد في الوقت وبعده. والثاني: أن يمنعه من إتمام السنن، فهذا يعيد في الوقت لا بعده (٥). وينبغي أن يختلف في هذا على الخلاف في تارك السنن [متعمداً] (٦) هل يعيد بعد الوقت؟ والثالث: أن يمنعه من إتمام الفضائل، فهذا لا إعادة عليه. وسيأتي بيان الفروض والسنن والفضائل في أول كتاب الصلاة إن شاء الله. ... فصل (في مشروعية أداء صلوات متعددة بوضوء واحد) ولا قائل اليوم (٧) بوجوب الوضوء لكل صلاة، وإنما يحكى ذلك عن علي ﵁، والعلماء غيره (٨) متفقون على أن في الآية إضماراً.

стр. 317

واختلفوا في المضمر (١) ما هو؟ فقيل: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين (٢) ليكون ذلك إجمالاً لجميع الأحداث، ثم جاء التفصيل بعده. وقيل: إذا قمتم إلى الصلاة من المضاجع، أي من النوم، لأن الأحداث قد ذكرت في الآية ولم يذكر النوم. وإن قلنا إنه المحذوف اشتملت (٣) على جميع الأحداث. وإنما اضطر العلماء إلى هذا لما ثبت عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يصلون بالوضوء الواحد صلوات، ما لم يحدثوا. وقد فعله الرسول ﷺ يوم فتح مكة، وسأله عمر ﵁ عن ذلك فقال: "عَمْداً صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ" (٤). وأراد أن يقتدى به في ذلك. وتجديد الوضوء مستحب بلا خلاف. ... فصل (حكم ثياب أهل الذمة) وقد قدمنا الخلاف في صور من عادته يستعمل النجاسة إذا شك هل معه نجاسة أم لا؟ فإن الخلاف في ذلك على الخلاف في الرجوع إلى الأصل والغالب. وقد حكموا (٥) في ثياب أهل الذمة إذا أخذها المسلم أنه لا يصلي بها، هذا فيما لبسوه. وأما ما نسجوه فأجازوا الصلاة بها. وإن أمكن أن يلاقوه بالنجاسة ولا يوجد فرق إلا أحد (٦) وجهين؛ إما لأن السلف كانوا يلبسون ما نسجه أهل الذمة من غير غسل، وهذا لمشقة غسل الجديد. وأما لأن الغالب فيما لبسوه التنجيس والغالب فيما نسجوه الطهارة، فإن شذت صورة فالحكم للأغلب. ...

стр. 318

فصل (حكم الغسل لمن أسلم من الكفار) وقد قدمنا الخلاف في وجوب الغسل على من أسلم من الكفار، والمشهور وجوبه، واستحبه إسماعيل القاضي. ثم اختلف القائلون بالوجوب هل ذلك لنفس الإسلام أو لأن الكافر جنب لا يغتسل فإذا أسلم وجب عليه غسل جنابته؟ وعلى هذا اختلف فيمن أسلم وقد علم بأنه لم تصبه جنابة؛ فعلى (١) جعل التعليل بوجوب الغسل للإسلام لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٢) والنجس لا يقرب الصلاة إلا بعد غسل نجاسته فيجب الغسل على الكافر وإن لم تتقدمه (٣) جنابة. وعلى التعليل بالجنابة لا يجب على مثل هذا غسل. ويعتذر هؤلاء عن قوله جل ذكره: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، أي إنهم نجس لشركهم. فإذا زال الشرك طهروا بالإسلام. ومعول إسماعيل القاضي على أن الإسلام يجُبُّ ما قبله. وقد ألزمه الأشياخ أن يسقط الوضوء عن من أسلم حتى يحدث بعد إسلامه. واعتذر عن هذا بأن الوضوء يجب للصلاة، فعلى كل قائم إليها أن يتوضأ إلا أن يتقدم له وضوء، والغسل إنما يجب للجنابة، وهذا قد سقط عنه حكم الجنابة بالإسلام. وهذا الذي قيل في الوضوء يضمحل (٤). وإذا قدرنا في الآية محذوفًا وهو إما محدثين (٥) أو من المضاجع. ويقال هاهنا هذا غير محدث لأن الإسلام يجُبُّ ما قبله. وفي الكتاب فيمن أجمع على الإسلام ثم اغتسل أنه يجزيه ذلك الغسل لإسلامه (٦). ومعنى أجمع هنا أي اعتقد الإسلام بقلبه. ولا شك أنه متى أوجبنا الغسل وفقد الماء فإنه يتيمم. [وما الذي ينوي بتيممه؟ فيه من

стр. 319

الخلاف ما تقدم؛ منهم من يقول: ينوي الطهارة الكبرى فإن نوى الطهارة الصغرى لم يجزه، ومنهم من يقول: ينوي الوضوء بتيممه. والله أعلم بالمطلوب] (١). ... فصل (حكم من صلى على النجاسة) وقد تقدم حكم من صلى بالنجاسة. وهكذا يكون حكم من صلى عليها إذا كانت النجاسة في موضع يلاقيه بعضو من أعضائه عند القيام أو عند الجلوس أو عند السجود. اهذا إذا كان مصلياً على ما هو ثابت كالأرض. وأما لو صلى على حصير متصل بطرفه نجاسة؛ فبين الأشياخ خلاف، هل تكون أفعاله تقتضي أنه كالمصلي على نجاسة (٢) أو لا يكون كذلك لسلامة موضعه. (حكم ثياب من يشرب الخمر أو لا يصلي) وعلى ذكر ثياب أهل الذمة فقد قال الأشياخ فيما معناه فيمن يشرب الخمر من المسلمين فيغسل جميع ما لبسه من الثياب. وأما من لا يشرب الخمر ولا يصلي فجميع ثيابه نجس إلا ما يكون برأسه. فالغالب عدم النجاسة فيه. فإن كان ممن يصلي فلا يغسل ما اشترى من ثيابه إلا ما يحاذي المخرجين (٣) منه، لأن الغالب منه عدم المعرفة بالاستبراء من البول، وكذلك ما ينام فيه، لأن الغالب وجود النجاسة في مثل ذلك. ...

стр. 320

باب في حكم الرُّعاف والرعاف لا يخلو من قسمين: أحدهما: أن يعلم أن الدم لا ينقطع عنه، والثاني: أن يعلم أنه ينقطع: (حكم من لا ينقطع عنه الدم) فإن علم أنه لا ينقطع فهذا لا يخرج من الصلاة لرعافه لأن خروجه لا يفيد، ويتم الصلاة على حاله. وهل يجوز له الإيماء أم يجب عليه الركوع والسجود؟ فإن كان ركوعه وسجوده يضر به في جسده جاز له بلا خلاف. وإن كان ذلك لا يضر به في جسده، فهاهنا قولان: قيل يجوز له ذلك لئلا يلطخ ثيابه، وقيل لا يجوز له الانتقال إلى الإيماء إلا لمضرة جسم لا لتلطخ ثياب. (حكم من ينقطع عنه الدم) وأما القسم الثاني وهو أن يعلم أن الدم ينقطع، وفي معناه إذا شك في ذلك، فإنه لا يخلو أن يقطر الدم أو يسيل، أو لا يقطر أو لا يسيل (١). فإن لم يقطر ولم يسل فإنه يفتل الدم (٢) ويمضي على صلاته. وإن قطر أو سال؛ فإن تلطخ له الكثير من جسده أو ثيابه قطع الصلاة، وإن لم يتلطخ به ذلك فهاهنا الأولى أن يقطع، فإن أحب التمادي على صلاته بأن يخرج ويغسل الدم عنه ثم يعود إلى الصلاة فله ذلك عند مالك، ولكن بشروط نذكرها: وهو أن المصلي لا يخلو أن يكون منفردًا أو في جماعة؛ فإن كان في جماعة فلا يخلو من أن يعقد من صلاة الجماعة ركعة أو لا يعقد ركعة. فإن كان في جماعة وعقد ركعة فلا خلاف في المذهب في أن له التمادي. وإن كان فذا، أو لم يعقد ركعة فهاهنا قولان: أحدهما: أنه يبني إن شاء،

стр. 321

وهو ظاهر الكتاب (١). والثاني: أنه لا يبني. وسبب الخلاف هل التمادي لحرمة الصلاة أو لحرمة الجماعة؟ فإن قلنا إن ذلك لحرمة الصلاة بني هذا، وإن قلنا إن ذلك لحرمة الجماعة لم يبن هذا. وإذا أجزنا البناء فإنه يخرج ممسكاً لأنفه غير متكلم ولا ماش على نجاسة، فيغسل الدم في أقرب المواضع. فإن (٢) تكلم عمداً بطلت صلاته إجماعاً، وإن تكلم سهواً ففي بطلان صلاته ثلاثة أقوال: أحدها: أنه بمنزلة من تكلم في صلاته [سهوا] (٣)، والثاني: أنه تبطل (٤) صلاته، والثالث: أنه إن تكلم في مسيره لم تبطل (٥) وإن تكلم في عودته بطلت (٦). وإن مشى على نجاسة كان بمنزلة المتكلم على ما فصلناه في الصحة، لأن حكم الصلاة (٧) مستدام. والبطلان (٨) لأن الأثر ورد أنه يبني ما لم يتكلم. والتفرقة فلأن السائر لغسل الدم ذاهب (٩) عن الصلاة، فضعفت استدامة حكمها. والعائد قد غسل الدم وتهيأ للصلاة، فقويت الاستدامة. وإن خرج (١٠) على أن يغسل الدم في موضع قريب فذهب إلى أبعد منه بطلت صلاته، لأنه زاد زيادة مستغنى عنها. فإذا غسل الدم فهل يرجع إلى المسجد أو إلى [الإمام] (١١) أو يصلي

стр. 322

في موضع يمكنه (١) الصلاة فيه؟ فلا يخلو أن يعلم أن الإمام باق في الصلاة أو قد أكملها؛ فإن كان [علم] (٢) أن الإمام باق في الصلاة عاد إلى حيث فارق الإمام، لأنه لا يجوز له أن يتم الصلاة فذا وقد ابتدأ الصلاة في جماعة. وإن علم أن الإمام فرغ من الصلاة فلا يخلو أن تكون جمعة أو غيرها؛ فإن كانت جمعة فهاهنا ثلاثة أقوال: المشهور: أنه يعود (٣) إلى الجامع، والثاني: أنه يتم بموضعه، والثالث: أنه إن حال بينه وبين العودة حائل أجزأته الصلاة (٤) في موضعه، وإن لم يحل بينه وبين العودة حائل عاد إلى الجامع. وهذا على الخلاف في شروط الجمعة هل تلزم (٥) في جملتها أو في أوائلها. وإن كانت غير جمعة فإنه لا يعود إلى الموضع الذي (٦) فارق الإمام فيه، فإن عاد بطلت صلاته لأنها زيادة مستغنى عنها. وحكم الظن في إكمال الإمام أو عدم إكماله كحكم (٧) العلم. [ولو اجتهد فأداه اجتهاده إلى أن الإمام قد أكمل ثم تبين له خلاف ما ظنه لَعُذرَ بذلك. وكذلك] (٨) لو اجتهد فأداه اجتهاده إلى أن الإمام لم يكمل لَعُذرَ أيضاً. ولو اجتهد فخالف ما ظهر له بطلت (٩) صلاته، لأنه يصير قد زاد في الصلاة عمداً إلا أن يتأول وجوب الرجوع فيختلف في ذلك على الخلاف في الجاهل هل هو كالعامد أو كالناسي؟ وما يصنعه إذا عاد إلى إصلاح الصلاة؟ أما (١٠) إن وجد الإمام لم

стр. 323

يفرغ فإنه يساويه في الفعل ويكون كالمسبوق، وإن وجد الإمام قد أكمل فإنه يبتدئ الصلاة على حكم نفسه فيعود إلى حيث فارق الصلاة. فإن صلى بعض ركعة فهل يكملها أو يستأنفها؟ قولان. وسبب الخلاف تقابل المكروهين: أحدهما: الزيادة في الصلاة من غير ضرورة، والثاني: التفرقة بين أجزاء الركعة. فإن راعينا الزيادة أكمل الركعة، وإن راعينا التفرقة ابتدأ. وعلى هذا الخلاف فيمن ذكر في تشهده سجدة لا يدري من أي الركعات (١)؛ فقال ابن القاسم: يسجد (٢) سجدة ثم يقوم (٣) فيأتي بركعة لئلا تكون السجدة من آخر ركعة (٤). فإذا لم يصلها فرَّق بين أجزاء الركعة. وقال أشهب: يأتي بركعة من غير سجود لأنه إذا أتى بركعة اكتفى بها والسجدة زيادة مستغنى عنها. ... فصل وإذا رجع إلى تلافي (٥) ما فاقه، فكيف يلافي ذلك؟ أما إن لم يفته (٦) من أول الصلاة شيء فيبني، ولا شك أن ما أدرك أول صلاته. (حكم من رعف في صلاة الجمعة) وإذا رعف في صلاة الجمعة فإن عقد مع الإمام ركعة بسجدتيها ولم يعقد الثانية حتى رعف؛ فإنه إذا غسل الدم عنه قضى الثانية على نحو ما

стр. 324

كان يصليها (١) مع الإمام فيقرأ فيها بأم القرآن وسورة، فإن نسي السورة سجد لسهوه قبل السلام، فإن نسي أم القرآن فقال في الكتاب يتمها (٢) ويعيد ظهرًا أربعاً (٣). والخلاف في هذه المسألة محال على كتاب الصلاة الأول. وإن لم (٤) يعقد مع الإمام ركعة حتى رعف وأجزنا (٥) له البناء فإنه يعود بعد غسل الدم. فإن وجد الإمام وأدرك معه ركعة بسجدتيها، قام بعد سلام الإمام فأتى (٦) بركعة على نحو ما فاتته (٧). ويستحب [له] (٨) أن يقرأ فيها بسورة الجمعة بعد أم القرآن. وإن لم يدرك مع الإمام ركعة فهل يبني على ما يأتي به من الظهر على ذلك التكبير الذي كبره للجمعة؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه يبني على التكبير [الذي كبره] (٩)، والثاني: أنه يسلم ثم يبتدئ (١٠). وسبب الخلاف هل الجمعة بدل من (١١) الظهر، وأعداد الركعات غير مراعاة (١٢)، فيبني على الإحرام (١٣) المتقدم. أو الجمعة فرض قائم بنفسه وأعداد الركعات مراعاة (١٤) فيقطع ويبتدئ. ...

стр. 325

فصل (في اجتماع البناء والقضاء) وإذا اجتمع البناء والقضاء فبأيهما يبدأ؟ في المذهب قولان: أحدهما: الابتداء بالقضاء لأنه أول الصلاة، وإنما يمنعه من الابتداء (١) به لئلا يخالف الإمام فإذا انقضى (٢) حكم الإمام ابتدأ به. [والثاني] (٣): الابتداء (٤) بالبناء استصحابا لحكم الإمام وكأنه باق. ويتصور ذلك بأن يفوت الراعف (٥) أول الصلاة ثم يرعف فيفوته آخرها. ولذلك ثلاث صور. أحدهما: أن يفوته من الصلاة الرباعية الركعة الأولى والركعة الآخرة ويدرك الوسطيين، فهاهنا قولان: أحدهما: أنه إذا غسل الدم صلى ركعة يقرأ فيها بأم القرآن وسورة، ثم يقوم فيصلي ركعة بأم القرآن. خاصة. والثاني: أنه يبتدئ بالتي بأم (٦) القرآن خاصة. والصورة الثانية: أن تفوته الأولى والآخرتان ويدرك التالية فيختلف هل يبتدئ إذا غسل الدم عنه بالركعة الأولى أم بالآخرتين على نحو ما تقدم (٧). والصورة الثالثة: أن تفوته الأوليان والآخرة ويدرك الثالثة فيختلف هل يبتدئ بالأوليين أم بالآخرة؟ فإن قلنا إنه يبتدئ بالأوليين فإنه يصلي ركعة يقرأ فيها بأم القرآن وسورة ثم يجلس ثم يقوم فيصلي ركعة بأم القرآن وسورة أيضاً. ثم يقوم فيصلي ركعة بأم القرآن خاصة، وكملت صلاته؛ فيكون قاضياً في القراءة بانياً في الجلوس، وإن قلنا إنه يبتدئ بالآخرة فإنه يصلي ركعة بأم القرآن خاصة ويجلس ثم يقوم فيأتي بركعتين بأم القرآن وسورة في كل واحدة منهما. ولا خلاف في الصورة الأولى والثالثة أن الحكم فيهما ما ذكرناه

стр. 326

[... في الصورة الأولى] (١). وأما الصورة الثانية (٢) فعلى القول بالابتداء بالقضاء لا تفريع، وعلى القول بالابتداء بالبناء فهل تصير صلاته كلها جلوسا أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنه يقوم فيأتي بركعة بأم القرآن خاصة ثم يجلس لأنها ثانية صلاة نفسه (٣)، ثم يقوم بعد ذلك فيأتي بركعة بأم القرآن وحدها (٤)، ثم يجلس لأنها آخر صلاة الإمام، وقد كان الإمام يجلس في هذا الموضع، وأيضاً فإنه يقوم منها إلى القضاء ولا يقوم إليه إلا من الجلوس. والقول الثاني: إنه لا يجلس اعتباراً بحكم نفسه والإمام غير حاضر فيراعى حكمه. ويتصور هذا التنزيل في مسألتين: إحداهما: الحاضر يدرك من صلاة المسافر الركعة الثانية فيجتمع عليه القضاء والبناء فيختلف بأيهما يبدأ. وهل يبني في الجلوس على حكم نفسه أو لا يقوم للقضاء إلا من الجلوس؟ فيه قولان. والمسألة الثانية: الإمام يصلي صلاة الخوف في الحضر فيدرك إنسان الركعة الثانية، فإنه يجتمع قضاء وبناء فيختلف فيه على نحو ما قلناه. ... باب في حكم المسح على الخفين واجتمعت الأمة على وجوب ملاقاة العضو بالماء إلا أن تدعو الضرورة إلى ستره كالجبيرة. وهل يجوز أن يمسح على العمامة من لم يضطر إلى ذلك؟ فمذهب فقهاء الأمصار أنه لا يجوز. وأما الخفان ففي المذهب في مسحهما ثلاثة أقوال: أحدها: جواز المسح للحاضر والمسافر، والثاني: جوازه (٥) للمسافر دون الحاضر، وهذان

стр. 327

في المدونة (١). والثالث: أنه لا يمسح في حضر ولا سفر، حكاه ابن وهب (٢) وأشهب عن مالك، وهذه الرواية ينبغي أن تتناول على أن قصده: الغسل أولى. وقد قال ابن القصار: إنكار المسح فسق. وقال ابن حبيب: لا ينكره إلا مخذول (٣). وقال أبو حامد الغزالي (٤): أجمع فقهاء الأمة (٥) عليه، وإنما يخالف فيه الروافض. وحكى ابن القصار أن رواته عن النبي ﷺ سبعون نفساً رووه قولاً وفعلاً، ولهذا لم يختلف مذهب أبي حنيفة في جوازه مع أنه زيادة على النص والزيادة على النص نسخ عنده، لكنه رأى أن الحديث عنده في حيز التواتر، فذلك الذي أوجب أن قال به. وأكثر الأحاديث يقتضي المسح في السفر (٦). وفي بعضها ما يدل على المسح في الحضر (٧). وبين الأصوليين خلاف في زيادة العدل هل تقبل أم لا؟ وإذا ثبت ذلك فالنظر في المسح في وجهين (٨): أحدهما: صورته، والثاني: شروطه.

стр. 328

(صورة المسح) فأما صورته فالمذهب فيها (١) على ثلاثة أقوال: أحدهما: أن (٢) يبتدئ من مقدم الرجلين حتى ينتهي إلى العقب ويجعل يده اليمنى من أعلى الخف، واليسرى من أسفله. والثاني (٣): أنه يجعل الابتداء بالعقب فيجعل اليمنى من أعلى الخف واليسرى من أسفلها حتى ينتهي إلى مقدم الرجل. والثالث: أنه يجعل اليمنى من أعلى القدم (٤). واليسرى من [أسفل] (٥) العقب ويذهب بهما مخالفاً. واستحسن الأشياخ هذا لئلا يكون في أسفل الخف ما يلوث به ما يستر العقب. وإذا ابتدأ منه فإنه لا يلوثه شيء. وفي الكتاب في صفته (أن مالكاً أراهم المسح على الخفين فوضع يده اليمنى على أطراف أصابعه من ظاهر قدميه، ووضع اليسرى من تحت أطراف أصابعه من باطن خفيه ومر بهما وبلغ باليسرى حتى بلغ بهما إلى عقبيه وأمرهما على عقبه إلى موضع الوضوء، وذلك أصل الساق وحد الكعبين) (٦). وظاهر هذا أنه يمسح (٧) الرجلين في مرة واحدة. وهكذا تأوله أبو القاسم ابن شلبون (٨)، وحمله أبو محمد بن أبي زيد وغيره من الأشياخ على كل رجل تفرد بالمسح (٩)، وإنما جمعهما في اللفظ، ولا يتبع غضون الخف (١٠) -وهو ما

стр. 329

تكسر (١) منهما وانطوى بعضه على بعض- فإن اقتصر على الأعلى دون الأسفل أو اقتصر على الأسفل دون الأعلى ففي المذهب في جملة ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: الإجزاء، وهو رواية أشهب، وعدم الإجزاء [حتى يوعب الأعلى والأسفل وهو بناء من هذا القائل على المسح إنما هو عوض عن الغسل، والغسل يجب استيعابه فليكن المسح كذلك. والقول الثالث المقتصر على الأسفل لا يجزي، والمقتصر على الأعلى يجزيه، وهو المشهور من المذهب] (٢). والخلاف في هذا كالخلاف في مسح الرأس. وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "لو كان هذا الدين يؤخذ بالقياس لأجزأ مسح أسفل الخفين عن أعلاهما ولم يجز أعلاه عن أسفله" (٣). وهذا إشارة إلى إجزاء الأعلى عن الأسفل. وعدم إجزاء الأسفل عن الأعلى توقيف، ولا يكون توقيفاً إلا ما علم من جهة [صاحب] (٤) الشريعة. وإذا قلنا بإجزاء مسح الأعلى فهل يعيد المقتصر عليه في الوقت أم لا؟ قولان: أحدهما: إنه لا يعيد، والثاني: إنه يعيد مراعاة للخلاف. ... فصل (في شروط المسح) وأما شروط المسح فشرطان (٥): أحدهما: يرجع إلى الماسح، والثاني:

стр. 330

إلى المسموح؛ فأما ما يرجع إلى الماسح فمنه كونه مسافراً، وقد تقدم. ومنه كونه كامل الطهارة. فإن غسل رجلاً فأدخلها في الخف ثم غسل الأخرى فأدخلها، فالمشهور أنه لا يمسح، والشاذ أنه يمسح. وهو على الخلاف في ارتفاع الحدث عن كل عضو بإكماله أو بإكمال الطهارة. وكذلك يختلف فيمن نكس وضوءه فغسل رجليه ثم أدخلهما الخفين ثم [غسل] (١) بقية الأعضاء. ولو أدخلهما بعد التيمم ففي المذهب قولان: المشهور أنه لا يمسح، والشاذ أنه يمسح. وهو على الخلاف في التيمم هل يرفع الحدث أم لا (٢)؟ ويشترط في جواز المسح أن يلبسهما لضرورة المشي فإن لبسهما بغير ضرورة ذلك، كالمرأة تلبس الخفين وقد خضبت بالحناء، وكذلك الرجل يريد أن ينام أو يحدث فيلبس خفيه ليمسح عليهما. فلا يجوز لهما ذلك ابتداء. فإن فعلاه فهل تصح صلاتهما بذلك المسح أم لا؟ ففيه قولان: أحدهما: الصحة لما ثبت من جواز المسح مطلقاً، والثاني: أنه لا تجزيه (٣) الصلاة لأن المسح رخصة وردت في اللابس لضرورة المشي فلا يلحق به (٤) غيره. وأما ما يرجع إلى الممسوح فأن يكون خفا من خفاف العرب (٥)، صحيحاً أو مقطوعاً قطعاً يسيراً لا يظهر منه القدم، ويمكنه مداومة المشي فيه، ويكون ساترًا لمحل الغسل، ولا يكون عاصيًا بلبسه. فإن كان من غير أخفاف العرب (٦) كالجوربين، فإن لم يكن على محل الفرض جلد فلا يجوز المسح، وإن كان عليه جلد ففيه قولان. واختلف قوله في المدونة في الجرموقين يكون عليها جلد مخروز هل يجوز المسح عليهما أم لا؟ (٧).

стр. 331

واختلف في مراده بالجرموقين فقيل: هما الجوربان، وقيل: هما خف على خف، وقيل: هما خفان دون الساقين غليظان، لا ساق لهما يستعملهما المسافرون مشاتًا. وجميع هذه الصفات مختلف في المذهب في جواز المسح عليهما. وسبب الخلاف أن المسح رخصة. وبين الأصوليين خلاف في الرخص (١) هل تقتصر على ما وردت أو يقاس عليها؟ وأما صفة (٢) الخف فلا يشترط فيها عندنا إلا ما قدمته. لكن اختلف المذهب هل يشترط في ذلك ألا يبدو (٣) القدم -وهو الذي عول عليه في الكتاب (٤) - أو يشترط إمكان مداومة المشي به، وهو الذي اعتمده البغداديون من أهل المذهب. وأما اشتراط كونه ساترًا لمحل فرض الغسل فهو المعروف من المذهب. وقد روى الوليد بن مسلم (٥) عن مالك في المحرم يقطع الخفين أسفل من الكعبين، أنه يمسح على الموجود منهما ويغسل ما ظهر من موضع الغسل. وقد أنكر الباجي وغيره هذه الرواية. ورأوا أنها غلط عن مالك والوليد هذا أكثر صحبة (٦) للأوزاعي فكثيراً ما ينقل مذهب الأوزاعي (٧) ويغلط في نسبته (٨) إلى مالك.

стр. 332

والجمع بين الغسل والمسح كأنه خلاف الإجماع لأن الإجماع منعقد على أنه يغسل الرجل أو يمسحها (١) على مذهب من قال به، إلا أن يسترها الخف ففيه ما قدمناه من الخلاف. وأيضاً فإن مسح الخف إنما رخص فيه لمشقة النزع، وإذا قطع الخف دون الكعبين فلا مشقة في نزعه. وإن لبس خفين عاصياً بلبسهما كالمحرم يلبسهما من غير ضرورة؛ ففي جواز المسح له قولان: المشهور أنه لا يمسح، والشاذ أنه يمسح. وفي المذهب أصل مطرد في كل عاص هل تباح له الرخص بما يعود بالرفق له، كالمسافر سفراً محرماً يريد قصر الصلاة أو الإفطار في رمضان في [معصية] (٢) ففي المذهب قولان: المشهور أنه لا يترخص بذلك. والشاذ أنه يترخص به. وسبب الخلاف هل شرعت هذه الرخص معونة على الأفعال فلا يستعين على ما هو فيه عاص، أو شرعت تخفيفاً على الإطلاق فيترخص بها جميع من وجدت فيه الصفات التي جعلت علامة على الترخيص؟ ... فصل (حكم نزع الخف بعد غسلهما) وإذا غسل رجليه فلبس (٣) خفيه ثم نزعهما فلا يؤمر بإعادة الغسل. ولو أحدث بعد لبس الخفين ثم توضأ ومسح على الخفين ثم نزعهما فإنه يؤمر بغسل رجليه، فإن أخر غسلهما (٤) جرى على الخلاف في

стр. 333

الموالاة، وكذلك يجري في حكم ابتداء الوضوء بنزع الخفين على القول بأن التفرقة تفسد الطهارة لعذر كان أو لغير عذر. هكذا رواه بعض الأسكندرانيين (١) عن مالك أن نازع الخف يبتدئ الوضوء من أوله، فإن أخرج رجلاً وامتنع عليه نزع الرجل الأخرى حتى خاف إن اشتغل بذلك فوات الوقت؛ ففي المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يغسل الرجل المنزوعة ويمسح الأخرى قياساً على الجبيرة، والثاني: أنه ينتقل إلى التيمم لأن الرجلين في حكم العضو الواحد، ولا يجتمع في العضو الواحد أصل وبدل (٢)، والثالث أنه يمزق الخف ويغسل الرجل. وهذا كله على الخلاف في القياس على الرخص؛ فمن قاس على ذلك قال بالمسح على الخف فيكون كالجببرة، ومن لم يقس عليها ولم يلتفت إلى إضاعة المال في طلب فروض الصلاة قال يمزق الخف، ومن التفت إلى إضاعة المال ردها إلى أصل التيمم، فإن الإنسان له السفر في المفازات التي لا ماء فيها، يَطْلُبُ بذلك الربح في المال. فقال: هاهنا ينتقل إلى التيمم. (مدة المسح) والمشهور من المذهب أن المسح غير مؤقت بزمان، وله أن يستديمه ما لم يلزمه غسل الجنابة. لكن يستحب له إن كان حاضراً (٣) - وجوزنا له المسح على القول بجواز المسح للحاضر- أن ينزعهما لكل جمعة لغسل الجمعة. وروي عن مالك أن المسح مؤقت للمسافر بثلاثة أيام وللحاضر يوم

стр. 334

وليلة. وأكثر الأحاديث تقتضي نفي التوقيت (١). وفي صحيح مسلم أنه ﷺ وقَّت للحاضر والمسافر بما ذكرناه (٢). وبين الأصوليين خلاف في زيادة العدل هل تقبل أم لا. ... باب في أحكام التيمم التيمم طهارة ترابية تتوجه (٣) مع الاضطرار دون الاختيار. والنظر فيها ينحصر في خمسة فصول: الأول: صفتها، والثاني: وقتها، ومن يباح له الانتقال إليها، وبأي شيء يكون، ولماذا تفعل؟ (صفة التيمم) فأما صفة التيمم فهي مسح الوجه (٤) واليدين. واختلف المذهب هل

стр. 335

يكتفي لهما بضربة واحدة يجعل يديه على الأرض ثم يمسح وجهه ثم يديه أم يفتقر (١) إلى ضربة ثانية لمسح اليدين؟ والمشهور الافتقار إلى ذلك، والشاذ أنه لا يفتقر إلى ذلك. وسبب الخلاف اختلاف الأحاديث؛ ففي أكثرها ضربة للوجه وضربة لليدين (٢). وفي بعضها الاقتصار على ضربة واحدة (٣). وبين الأصوليين خلاف في قبول زيادة العدل (٤). وإذا قلنا فإنه لا يقتصر على واحدة فاقتصر؛ فثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يعيد في وقت (٥) ولا غيره، والثاني: أن يعيد في الوقت، والثالث: أنه يعيد وإن خرج الوقت. وهذا طرد للقول بإيجاب الضربتين. وترك الإعادة اختصاصها بالوقت مراعاة للخلاف. ولا خلاف أيضاً في إيعاب (٦) جميع الوجه بالمسح. وأما اليدان فاختلف في المقدار الواجب منهما في التيمم؛ فقيل: إلى المرفقين، وقيل: إلى الكوعين. وسبب الخلاف هل يرد المطلق إلى المقيد فيجب المسح إلى المرفقين،

стр. 336

أو يؤخذ بأوائل الأسماء فيجب إلى الكوعين؟ وإذا أمرناه بالمسح إلى المرفقين واقتصر على الكوعين؛ فثلاثة أقوال: أحدها: الإعادة في الوقت، والثاني: لا إعادة في وقت ولا غيره، والثالث: الإعادة وإن ذهب (١) الوقت. وهذا طرد إيجاب المسح إلى المرفقين. والأول مراعاة للخلاف (٢). وهيأة المسح في الوجه لا تختلف. وأما اليدان فقال محمد بن عبد الحكم: هيأتهما غير محصورة. وأراهم صفة التيمم فابتدأ بالكفين وعمَّ سائر اليدين. وفي الكتاب (٣) أنه ابتدأ باليسرى على اليمنى فيُمِرُّهَا من فوق الكعبين إلى المرفقين ويُمِرُّهَا أيضاً من باطن المرفقين إلى الكوعين ويُمِرُّ أيضاً اليمنى على اليسرى كذلك. وقد اختلف الأشياخ هل مقتضى هذا أنه إذا وصل إلى الكوع اليمنى لم يكملها، بل يجعل أصابع يده اليمنى على اليسرى، فإذا وصل إلى الكوع (٤) اليسرى مسح كفيه أحدهما: بالأخرى وخلل أصابعه؟ أو يمسح اليمنى حتى يكملها، ثم يمسح اليسرى كذلك؟ وقد احتج الأولون بقوله: ويمرها أيضًا من باطن المرفقين إلى الكوعين. ووقف (٥) عند ذلك. واعتذر الآخرون عن هذا بأن مراده إلى آخر (٦) الكوعين أنه جعل ذلك غاية يقف عندها. قالوا: ولو اتبعنا الظاهر من غير هذا التأويل لوجب أن يترك الكفين (٧) من غير مسح؛ لأنه قال بعد قوله إلى الكوعين: ويمر أيضاً اليمنى على اليسرى كذلك. والجمود على ظاهر قوله يقتضي مسح اليدين جميعاً إلى الكوعين من غير أن يمسح

стр. 337

الكفين، وهذا لم يقله أحد. وإنما يقول: إنه لا يكمل مسح الأولى، ابن حبيب (١). لأنه يشترط (٢) المسح بالتراب. والمشهور أنه لا يشترط. وإذا مسح على إحدى هذه الصفات فإنه يخلل أصابع يديه. وقد اشترط الشافعية وضع اليدين على الأرض مضمومتي الأصابع في الضربة للوجه ومفتوحتِها (٣) في الضربة لليدين. وإنما راعوا المسح بالتراب. وإذا فتح أصابعه في الضربة للوجه علق التراب ما بين الأصابع فيصير مسح ذلك الموضع بتراب قصد به الوجه. وهذا لا يشترط على المشهور. وقد يلزم من مراعاة التراب اشتراطه. وإن كان في الأصابع خاتم أزيل. هذا هو المنصوص من المذهب. وإن لم يزله لم يجزه التيمم. وقال محمد بن مسلمة: إن ترك شيئًا (٤) من أعضاء التيمم أجزأه. واستقرأ (٥) أبو الحسن اللخمي من هذا أنه إن لم ينزع الخاتم أجزأه (٦). ... [فصل (وقت التيمم) أما وقت التيمم فالمشهور أنه لا يجوز قبل دخول وقت الصلاة؛ لأنه (٧) لا يجوز إلا بعد الطلب وفقد الماء، وذلك لا يجب إلا بعد دخول الوقت. والشاذ جوازه بناء على أنه يرفع الحدث. ومتى يجوز؟ على المشهور من المذهب فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يتيمم قبل دخول (٨) الوقت، والثاني: أنه يتيمم اليائس من الماء وسط

стр. 338

الوقت، وغيره آخره (١)، والثالث: هو المشهور فيه تفصيل (٢)؛ وذلك أن فاقد (٣) الماء أو فاقد القدرة على استعماله لا يخلو من أن يكون عالماً باستدامة الفقد إلى أن يخرج الوقت، أو ظانًا لاستدامته، أو عالماً بوجود القدرة في الوقت، أو ظاناً لذلك، أو متردداً؛ فإن كان عالماً للفقد (٤)، أو ظاناً له تيمم أول الوقت. وإن كان عالماً بالوجود، أو ظاناً له تيمم آخره. وإن كان متردداً تيمم وسط الوقت. فإن وجد الماء من أمرناه بالتيمم أول الوقت فلا إعادة عليه، وإن وجده من أمرنا بالتيمم وسط [الوقت] (٥)، [أو] (٦) وجد القدرة على ذلك؛ فإن كان الأصل عنده الوجود والفقد متردد فيه، أعاد في الوقت. وهذا كالعالم بموضع الماء ويخاف أن لا يدركه في الوقت، وكالمريض يكون عنده الماء ولا يجد من يناوله إياه ويتردد هل يجد في الوقت من يناوله أم لا؟ وإن كان الأصل عنده الفقد والوجود متردد، كالمتردد هل بين يديه ماء يبلغه أم لا؟ فهذا لا إعادة عليه. وإن تيمم في أول الوقت من أمرناه بالتأخير إلى آخر الوقت؛ فأما العالم ففيه قولان: أحدهما: أنه يعيد وإن خرج الوقت، والثاني: أنه لا يعيد إلا في الوقت. ويمكن تخريج هذا على الخلاف في الوجوب هل يتعلق بأول الوقت أو هو وجوب موسع؟ وأما الظان فإنه يعيد في الوقت فإن خرج الوقت فلا إعادة عليه] (٧). ...

стр. 339

فصل (في حكم المتيمم يجد الماء) والمتيمم يجد الماء لا يخلو من أن يكون الموجود منسيًا في رحله أو لم يتقدم له به علم؛ فإن كان منسياً في رحله فلوجوده ثلاث صور: إحداها: أن يجده قبل التلبس بالصلاة، والثاني: أن يجده في أثنانها، والثالث: أن يجده بعد إكمالها؛ فإن وجده قبل التلبس بها (١) فلا شك أنه يجب عليه استعماله، وإن وجده في أثنائها فقولان: أحدهما: أنه يقطع ثم يستعمله ويبدأ، لأنه مفرط بنسيانه. والثاني: أنه يتم صلاته، لأنه فاقد للماء [فيعذر] (٢)، والناسي لا يلزمه التكليف. وإن وجده بعد إكمال الصلاة ففي الإعادة ثلاثة أقوال: أحدها: سقوطها قياساً على الناسي، والثاني: وجوبها وإن خرج الوقت بناء (٣) على أنه غير معذور بالتفريط (٤)، وقياسًا على المُظاهِر ينسى رقبة في ملكه فيصوم أو يطعم، ثم يعلم بها فإنه يجب عليه إعتاقها. والثالث: أنه يعيد في الوقت. والفرق بين هذا وبين الرقبة أن الإعتاق غير مؤقت بوقت والصلاة مؤقتة (٥). فإذا ذهب الوقت فقد فات التلافي. وإن لم يتقدم له بالماء علم؛ فإن وجده قبل التلبس بالصلاة فكما قلنا في الناسي، وإن وجده في أثنائها لم يقطع على المنصوص في المذهب، لأنه غير مفرط، وإن وجده بعد إكمالها فالأصل ألا إعادة إلا على ما قلناه (٦) في تفصيل المشهور. ...

стр. 340

فصل (من يباح له التيمم) وأما من يباح له التيمم فحصره على سبيل الإجمال أنه كل من لزمته الصلاة وتعذر عليه استعمال الماء بفقده، أو لفقده القدرة على استعماله. وأما التفصيل؛ فإن المسافر والمريض إذا فقدا الماء فأجمعت الأمة على أن لهما الانتقال إلى التيمم عوضاً عن الوضوء، وكذلك عند فقهاء الأمصار عوضاً عن الطهارة الكبرى. وأما الحاضر يفقد الماء ولا مرض به فهل يجوز له التيمم؟ لمالك قولان. وإذا أجزنا له التيمم ففعل وصلى ثم وجد الماء بعد الوقت فهل يعيد أم لا؟ قولان في المدونة. وسبب الخلاف في إجازة التيمم له خلاف الأصوليين في دليل الخطاب (١)؛ هل يقال به أم لا؟ إذ قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (٢)؛ فإن قلنا بدليل الخطاب لم يجز التيمم للحاضر الصحيح، وإن لم نقل بدليل الخطاب أو قلنا به، ولكن (٣) يحمل ما في الآية على أنه خرج على الغالب وفهمنا قطعاً أن المقصود إدراك الوقت بالتيمم، فالتيمم بدل عن الوضوء فأجزنا للحاضر أن يتيمم. وأما الإعادة وإن خرج (٤) الوقت مع إجازة التيمم فجواب من أشكل عليه الأمر وأخذ بالاحتياط فأمر بأداء الصلاة في الوقت وقضائها بعده ليجمع بين القولين. (حكم من فقد الماء والتراب) وقد اختلف المذهب فيمن فقد الماء والتراب أو ما في معناه على

стр. 341

أربعة أقوال: أحدها: أنه لا يصلي، ولا يعيد، والثاني: أنه يصلي ويعيد، والثالث: أنه يصلي ولا يعيد، والرابع: أنه لا يصلي ويعيد. وسبب الخلاف هل الطهارة شرط في الوجوب فيسقط الأمر بالصلاة ولا تجب إعادتها، أو شرط في الأداء فيسقط الأمر بها وتجب إعادتها، أو ليس بشرط إلا مع القدرة فيؤمر بها ولا يعيد؟ والإعادة مع الأمر بها جواب من (١) أشكل عليه الأمر فاحتاط بأدائها في الوقت وقضائها بعده. وقد أجرى أبو إسحاق التونسي (٢) هذا الخلاف في الحاضر يفقد الماء إذا قلنا إنه ليس من أهل التيمم. (متى ينتقل المسافر إلى التيمم مع وجود الماء ؟) وينتقل المسافر إلى التيمم وإن وجد الماء وذلك بشروط منها: أن يخاف إن استعمله من لصوص أو سباع، فهذا إذا خاف على نفسه. فإن خاف على ماله فقولان: أحدهما: إجازة الانتقال قياساً على السفر لطلب الأرباح مع تجويز فقد الماء. والثاني: أنه لا ينتقل. وهذا يرى أن ذهاب المال لا يقابل الصلاة بالتيمم، وهو مذهب بعيد. وأولى ما نزل على (٣) عدم تيقن الخوف أو غلبة الظن؛ منها: أن يجد ويخاف- متى استعمله- العطش على نفسه أو على حيوان معه [أو] (٤) آدمي أو غيره. وهذا يبيح التيمم بلا خلاف في المذهب.

стр. 342

ومنها أن يجد الماء لكن بثمن خارج عن المعتاد بما يجحف به لقلة دراهمه أو لكثرة الزيادة في الثمن. وقد قرر ابن الجلاب التحديد المزيد بمقدار ثلث الثمن. ولا أصل لذلك. وقد يهون ثمن الماء فيكون زيادة ثلاثة (١) أمثاله فأكثر ليس بمجحف. ولو وجد المسافر أو الحاضر - إذا ألحقناه بالمسافر- الماء (٢)، لكنه في موضع يفتقر إلى إخراجه. ومتى اشتغل بإخراجه فإنه يفوت وقت الصلاة؛ فإنه يتيمم لأنه معدم في وقت الصلاة. فإن كان بين يديه ولا يفتقر إلى إخراجه لكنه لو اشتغل باستعماله لفاته الوقت؛ ففيه قولان: مذهب المغاربة يستعمله لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٣)، وهذا واجد. ومذهب البغداديين أنه يتيمم. إلا أن المقصود قطعا إدراك الصلاة في الوقت ولولا هذا المقصود لما أبيح التيمم، لأنه متى فقد الماء ولم يراعِ الوقت أُمهل حتى يجد الماء. (حكم المريض الذي يخاف استعمال الماء) وأما المريض فإن خاف من استعمال الماء تَلَفَ نفسِه فلا خلاف في المذهب أنه لا يستعمله وينتقل إلى التيمم. وإن خاف زيادة مرض، فالمشهور أنه ينتقل. والشاذ أنه لا ينتقل. وهذا لتقابل المكروهين. والصحيح انتقاله، لأن استعمال الماء على هذه الصفة من الحرج الذي تسقطه الشريعة. وإذا بنينا على المشهور فله استعمال التيمم متى خاف أحد أربعة أوجه: حدوث مرض، أو زيادته إن كان مريضا، أو تأخير برء، أو إتلاف نفس. ووجدان ما لا يقوم بجميع الطهارة كفقدان الجميع عند مالك. ...

стр. 343

فصل (في ما يتيمم به) وأما ما يتيمم به. فإن تيمم بتراب طاهر منبت غير منقول عن وجه الأرض إلى الأواني فلا خلاف في الإجزاء. فإن لم يكن على الأرض تراب ففيه قولان: المشهور أنه غير مشترط، والشاذ اشتراطه. وقد اختلف أهل اللغة في الصعيد ما هو؟ فهل كل ما صعد على [وجه] (١) الأرض ترابًا كان أو غيره إذا كان من أجزائها؟ وقيل: وإن لم يكن من أجزائها إذا اتصل بها نباتاً أو سقوطاً معتاداً كالثلج (٢) أو الجليد. وقيل: هو التراب. واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿طَيِّبًا﴾ (٣) فقيل: منبِتاً. وقيل: طاهراً، وهو الأظهر. لكن احتج من قال هو المنبت بقوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ (٤). وفي الحديث قوله ﷺ : "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً" (٥). وفي بعض الطرق "وتربتها طهوراً" (٦). وبين الأصوليين خَلاف في قبول زيادة العدل. وإذا قلنا بأن التيمم على غير التراب جائز فهل يجوز مع وجود التراب ومع فقده؟ في المذهب قولان: أحدهما: جوازه، وهو الأصح (٧) على هذا المذهب. والثاني: كراهيته، مراعاة للخلاف. وعلى ما قلناه في الآية والأحاديث اختلف المذهب هل يشترط التراب

стр. 344

كما قاله ابن شعبان؟ (١) أو يشترط وجه الأرض [و] (٢) ما كان من أجزائها أو [من غير أجزائها؟ أو يكون] (٣) يجوز التيمم بالخشب والحشيش والثلج والجليد (٤) والحجر (٥). وأما المعادن على القول بأنا لا نشترط التراب فإذا خلت منه جاز التيمم بها ما دامت مصاحبة لسطح الأرض. وكذلك الأحجار واليواقيت. فإن نقلت المعادن وصارت عقاقير أو معدة للاستعمال واللباس خرجت عن حكم الصعيد. (حكم التيمم بالملح) وفي الملح ثلاثة أقوال: قال أبو الحسن ابن القصار (٦): يتيمم به، وحكى الباجي وغيره أنه لا يتيمم به، وفصل الباجي (٧) بين المعدني فأجاز التيمم به وبين المصنوع فمنع التيمم به فجعله كالثلج أو الماء بل اشترط فيه من الصناعة. وهذا كما اختلف في حلوله في الماء هل يكون كقراره أو كالمائعات. وإن نقل التراب لمن يتيمم به ففي جواز التيمم قولان: أجازه ابن القاسم في كتاب محمد (٨) لأنه من الصعيد، ومنعه ابن بكير. واحتج بقول

стр. 345

النبي ﷺ : "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً". ولا يكون ذلك إلا بمباشرتها بالكف. ... فصل (لأي شيء يكون التيمم ؟) وأما لأي شيء يكون؟ فإذا تعينت الصلاة جاز التيمم لها (١)، وهذا يختص بصلاة الفرض ويعم كل من ذكرنا أنه من أهل التيمم اتفاقًا. وعلى قول من أجازه وإن لم يتعين فلا يجوز التيمم لها إلا المسافر الفاقد للماء يصير من أهل التيمم فإنه يتيمم لكل ما يفتقر إلى طهارة. وهل يتيمم من فقد الماء لصلاة الجمعة حذراً من فواتها؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه لا يتيمم، قاله أشهب. وهذا لأنه يراها بدلاً من الظهر فإن (٢) لم يمكن أداؤها بشرطها انتقل إلى الأصل. والثاني: أنه يتيمم، حكاه ابن القصار وأبو جعفر الأبهري (٣). وهذا لأنها صلاة قائمة بنفسها، وفي المذهب قولان في ذلك. وفي جوازه للسنن في حق الحاضر قولان: مذهب الكتاب أنه لا يجوز، على المشهور في المذهب. والشاذ أنه يجوز، قاله ابن سحنون (٤). ولعل هذا لأنه مطلوب بالصلاة ومطالب بتحصيل (٥) الأجر فيستوي أن يكون مطلوبًا بها جزماً أو ندباً.

стр. 346

وأما صلاة الجنازة فإن لم يتعين الوجوب جرت على القولين، والمشهور (١) أنه لا يتيمم لها لأنها وإن قلنا بفرضيتها على الكفاية فإذا لم تتعين لحقت في عدم التعين بالسنن. وإن تعينت فحكى ابن القصار أن القياس يوجب جواز التيمم. قال: ويحتمل أن يقال لا يجوز (٢) لأن من الناس من يجوز الصلاة على القبر، وقد روي ذلك عن مالك. فيدفن الميت، ثم إذا وجد الماء توضأ وصلى على القبر. ... فصل (هل يصلى بالتيمم أكثر من فرض) وقد تقدم الخلاف في التيمم هل يرفع الحدث أم لا؟ والاتفاق على توجه (٣) الطلب؛ ولهذا يقول أهل المذهب إذا تيمم لاستباحة فرض فلا يصلي به فرضاً غيره، لأنه يتوجه عليه الطلب للثانية (٤). فبعد الفقد يلزمه التيمم ثانية، وإن اتحد وقت الفرضين بأن يكونا مجموعين أو كانت فروضا فائتة؛ ففي المذهب قولان: المشهور أنه لا يجمع بينهما بناء على أن التيمم لا يرفع الحدث، والشاذ أنه يجمع بينهما، وهي قولة لمالك، وهو بناء على أنه يرفعه. فإن أمرناه بأن يجمع فجمع فهل يعيد الثانية؟ ثلاثة أقوال: أحدها: الإعادة في الوقت، قاله مالك في كتاب محمد. وقال ثانية (٥): يعيد أبدًا. وقال أصبغ (٦): إن كانتا مشتركتي الوقت كالظهر والعصر، وكالمغرب

стр. 347

والعشاء الآخرة أعاد الآخرة [في الوقت. وإن كانتا غير مشتركتي الوقت كالصبح والظهر أعاد الآخرة] (١). وإن خرج الوقت فالإعادة بعد الوقت على نفي مراعاة الخلاف، والتخصيص بالوقت مراعاة له، والتفرقة لأن الطلب يتوجب إذا افترق وقتهما. ولم يختلف المذهب أنهما لا يجتمعان. ومعلوم أنه لا يصلي الفريضة بتيمم النافلة، هذا على القول أنه لا يرفع الحدث. أما على القول بأنه يرفعه فيلزم أن يصلي بذلك الفرض إلا أن يقال يتوجه الطلب للفرض فلا نظر إذا لم يتوجه في حق العاجز. وكذلك (٢) لو تيمم للفريضة فصلى قبلها نافلة للزمته الإعادة للفريضة لتوجه الطلب، فإن صلى بتيممه الفريضة فله أن يصلي به النافلة (٣)، لأن النوافل في حكم التبع للفرائض (٤) فينسحب عليها حكمها. ... فصل (هل تصلى السنن بتيمم الفرض ؟) فإن تيمم لصلاة الصبح، فهل له أن يصلي بذلك التيمم ركعتي الفجر المشهور أنه لا يجوز له لما قدمناه من توجيه (٥) الطلب. وروى يحيى بن يحيى (٦) عن مالك إجازته استحبابا. وهذا لأنه رآها في حكم التبع، وهي

стр. 348

بدل من (١) الأخيرتين من الرباعية. وهل له أن يصلي السنن كالوتر بما صلى به الفرض؟ فالمشهور من المذهب جوازه، واستحب سحنون إعادة التيمم للوتر (٢)، وهذا لتأكيده. (هل توطأ الحائض إذا انقطع دمها وتيممت ؟) وعلى الخلاف في رفع التيمم للحديث اختلف هل يجوز وطئ الحائض إذا انقطع دمها وتيممت؟ فالمشهور منعه، والشاذ جوازه. (حكم إمامة المتيمم بالمتوضئين) وكذلك الخلاف في إمامة المتيمم بالمتوضئين؛ فالمشهور كراهيته، والشاذ جوازه. ... فصل (في مسائل متفرقة من أحكام التيمم) وحكم التيمم في وجوب النية حكم الوضوء لكنه، [لا]، (٣) يقصد بالتيمم على المشهور إلا استباحة الصلاة دون رفع الحدث. وعلى الشاذ: له أن يقصد رفع الحدث. وقد قدمنا أن مذهب المدونة فيمن تيمم للحدث الأصغر ولم (٤) يذكر أنه جنب لا يجزيه. وقيل: يجزيه، وهذا لاتحاد

стр. 349

الفعل. وإذا نفينا الإجزاء فصلى، فمقتضى الكتاب الإعادة. وهكذا نص عليه في مختصر ابن عبد الحكم. وقيل: يعيد في الوقت مراعاة للخلاف. وكذلك حكم الموالاة والترتيب في التيمم كحكمها (١) في الوضوء. وفي المدونة فيمن نكَّس تيممه وصلى، تجزيه صلاته ويعيد التيمم لما يستقبل (٢). وهذا مما يسأل عنه فيقال: أليس يعيد التيمم؛ لأنه يتيمم لكل صلاة فما معنى أمره بإعادته ها هنا؟ والجواب إن مراده استحباب الإعادة إذا أراد أن يصلي به نافلة. وفي المدونة في اليائس من الماء يتيمم في أول الوقت ثم يجد الماء قال: لا إعادة عليه (٣). وقال الأشياخ: معناه أنه وجد ماء غير الذي أيس (٤) منه، وإلا لو وجده بعينه لأعاد (٥)؛ لأنه ظن فأخطأ. وفي المذهب قولان في رفع الخطأ بالاجتهاد، وهو على خلاف بين الأصوليين في تصويب المجتهدين. وقال في الكتاب في المريض والخائف والمسافر يتيممون في وسط الوقت (٦). قال ابن عبدوس (٧) وغيره: معناه وقت الاختيار (٨). وقال فيمن غربت عليه (٩) الشمس إن طمع أن يدرك الماء قبل مغيب الشفق مضى

стр. 350

إليه (١). وهذا يؤخذ منه أن وقت المغرب ممتد إلى مغيب الشفق. وفي المذهب في ذلك قولان. وقد يقال: إنه قال ذلك مراعاة للخلاف، إذ أحد القولين أن الحاضر لا يتيمم (٢)، وهذا حاضر. على أن المذهب اختلف هل من شرط السفر المبيح للتيمم كونه مما تقصر فيه الصلاة، أو ليس من شرطه ذلك؟ وقوله في الكتاب: وقد كان ابن مسعود يقول غير هذا ثم رجع إلى أنه يغتسل. فاختلف الأشياخ ما مراده بذلك فقيل: كان ابن مسعود يقول: إنه إذا وجد الماء لا يغتسل لأن تيممه يرفع الحدث ثم رجع إلى أنه يغتسل. وقيل: إن مراده أن ابن مسعود يقول: يغتسل ويعيد الصلاة، ثم رجع إلى أنه يغتسل فقط، فلا إعادة عليه (٣). وقوله في الكتاب: لا يعيد الجنب الصلاة إذا وجد الماء. قال أبو الحسن ابن القابسي: هذا إن لم يكن في بدنه نجاسة، وإلا لو كانت لأعاد في الوقت. وقال أبو بكر ابن اللباد (٤): وإن لم تكن في بدنه نجاسة لكنه أجنب من وطئ في الفرج فإن فرجه ينجس من بلة فرج المرأة. وهذا عندنا فيه قولان: أحدهما: الحكم بنجاسته لأن النجاسة تمر عليه، والثاني: أنه غير نجس لأنه ولوج لا يتعلق به نجاسة. وقوله في المدونة: [ولا بأس]، (٥) في الطين الخضخاض (٦) يخفف

стр. 351

وضع يديه عليه (١). قال ابن حبيب: ثم يرفع يديه ويخففهما لينثر (٢) ما فيه من الأذى خيفة أن يتعلق (٣) بوجهه، ويفعل في الضربة لليدين كذلك. ... باب في حكم الحيض والنفاس وينفصل من الفرج دمان: أحدهما: لا يوجب حكماً، وهو دم علة وفساد، ويعبر عنه بالاستحاضة. وإنما يستحب منه الوضوء عندنا لكل صلاة. والثاني: دم الحيض والنفاس، وهما يمنعان من ثمانية أشياء، واختلف في تاسع: يمنع من وجوب الصلاة وأدائها، وأداء الصوم، والطواف، والاعتكاف، ومس المصحف، ودخول المسجد، والجماع، والطلاق. واختلف هل للحائض أن تقرأ القرآن ظاهرا؟ والمشهور من المذهب جوازه لأنها مضطرة وتخاف النسيان. وهل يمنع الجماع في الفرج وغيره؟ أما الفرج فلا خلاف في منعه. وأما ما فوق الإزار فلا خلاف في جوازه، أما تحت الإزار مما دون الفرج ففي المذهب فيه قولان: المشهور منعه، والشاذ جوازه. وسبب الخلاف قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (٤) الآية. واختلف هل المراد به موضع الحيض أو زمانه؟ فإن قلنا المراد به موضعه اختص الفرج بالتحريم، وإن قلنا المراد زمانه اقتضى تحريم الجملة، لكن خص ما فوق الإزار بالحديث.

стр. 352

فإن انقطع دم الحائض ولم تغتسل بالماء ففي تحريم وطئها قولان: المشهور تحريمه تعويلاٌ على قراءة من قرأ (يَطَّهَّرْنَ) بالتشديد، وعلى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾. والشاذ أنه لا يحرم. قاله ابن بكير تعويلاٌ على قراءة من قرأ ﴿يَطْهُرْنَ﴾ بالتخفيف، لكنه كرهه مراعاة للخلاف. ... فصل (في حد الطهر والحيض) ولا حد لكثير الطهر بإجماع. وكذلك لا حد عندنا ليسير الحيض فيما يرجع إلى العبادات. وأما ما يرجع إلى العادة (١)؛ فيسيره محدود بما بيانه (٢) محال على موضعه. وأما كثير الحيض فهو محدود. والمشهور حده إما بالرجوع إلى العادة وإما بخمسة عشر يوما. وقال ابن نافع (٣): تستظهر (٤) على الخمسة عشر يوماً بثلاثة أيام. وهذا يدل على أن أكثره ثمانية عشر يوماً. والصحيح هو المشهور. لقوله ﷺ : "أن (٥) النساء يتركن الصلاة شطر عمرهن (٦) "، وقد

стр. 353

خرج مخرج الذم، فيكون منبئاً على أكثر الحيض وأقل الطهر. وفي أقل الطهر قولان: أحدهما: حده بما يثبت بالعادات، والثاني: حده (١) بالأيام. وإذا حددناه بالأيام فما عددها؟ أربعة أقوال: أحدها: خمسة أيام، قاله ابن الماجشون. والثاني: ثمانية أيام، قاله سحنون واستقرأه أبو محمد بن أبي زيد من المدونة. والثالث: عشرة أيام، قاله ابن حبيب. والرابع خمسة عشر يوما، قاله محمد بن مسلمة. وهذه الأقوال لا أصل لها إلا الرجوع إلى العادة، وكذلك جميع ما اتفق فيه من مسائل الحيض والاستحاضة، وجميع ما اختلف فيه. فإنما يرجع الاتفاق إلى اتفاقهم في العادة، والاختلاف إلى اختلافهم فيها؛ لأن دم الحيض فضلات الغذاء يجمع في الرحم ثم ينفصل بعد الاجتماع. وذلك على عادة أجراها الله تعالى في النساء. ومتى استمرت على العادة فهو دم الحيض، ومتى خرجت عن العادة فهو دم الاستحاضة. وإنما يعول في ذلك على العوائد نفيًا وإثباتًا؛ فمرة يرد مالك الأمر إلى العادة من غير جزم، ومرة يجزم هو أو أحد أصحابه بحسب ما ثبت عندهم. فإن ثبتت عادة فلا إشكال فيما (٢) اتفقوا. وإن اختلفت شهد كل واحد بما ثبت عنده من العادة. وقد احتج لمذهب ابن مسلمة بأن الله سبحانه جعل عدة من تحيض ثلاثة قروء واليائسة ثلاثة أشهر، وهي بدل من (٣) القرء. والتقسيم يؤدي (٤) إلى أن الشهر يقوم مقام (٥) أكثر الحيض وأقل الطهر. وأيضاً فالحديث المتقدم يشهد لذلك. ...

стр. 354

فصل (في حكم الدم الخارج ممن لا تحيض أو ممن تحيض) وإذا رأت المرأة دماً فلا يخلو من ثلاثة أقسام: إما أن تكون ممن لا تحيض لصغر، وإما أن تكون ممن لا تحيض لكبر، وإما أن يكون سنها من من تحيض (١)؛ فالأولى لا حكم لدمها لأنه دم علة [وفساد] (٢)، والثانية فيها قولان فيما يرجع إلى العبادة (٣) لا إلى العِدَدِ: أحدها: أنه كدم الحيض. رواه ابن المواز عن مالك (٤) لأن ترك العبادة تنزيه عن (٥) قربها مع وجود دم، والكبيرة (٦) أولى بذلك. والثاني: أنه كدم العلة، قاله في كتاب العدة من المدونة، وبه قال ابن حبيب (٧). وهذا قياس على الصغيرة وعلى حكم العدة (٨). وهل تغتسل على هذا القول لانقطاعه؟ قال ابن القاسم: لا غسل عليها، وهذا هو الأصل. وقال ابن حبيب: عليها الغسل وهذا احتياط. وكم سن اليائسة؟ قال ابن شعبان (٩): خمسون سنة. محتجاٌ بقول عمر: بنت خمسين عجوزاً في الغابرين. وقالت عائشة: قل من تُجَاوِزُ الخمسين فتحيض إلا أن تكون فارهة (١٠) والثالثة: هي التي في سن من تحيض، فيحمل (١١) ما تراه من الدم على الحيض بإجماع، إلا أن يعرض ما

стр. 355

ينقله عن ذلك على ما نفصله. وإن حكمنا بكونه حيضاً (١)،وانقطع اغتسلت وصلت وكانت طاهراً. وكيف يعلم انقطاعه؟ لانقطاعه علامتان: الجفوف وهو أن تدخل الخرقة فتخرجها جافة. والقَصَّة البيضاء وهي أن الدم يكون في أول الحيض أسوداً غليظاً ثخيناً، لا يزال يدق ويصفر حتى يكون في آخره كالقصة (٢) وهو الجير. وإن كانت المرأة معتادة لأحدهما فرأت عادتها حكمت بانقطاعه. وإن رأت غير عادتها فقولان: أحدهما: أن القصة أبلغ من الجفوف؛ فمن اعتادت بالجفوف طهرت بالقصة البيضاء، ومن اعتادت بالقصة لم تطهر بالجفوف، قاله ابن القاسم. والثاني: عكس هذا وهو أن الجفوف أبلغ، قاله ابن عبد الحكم. [وإن كانت غير معتادة فلا تطهر إلا بالجفوف، قاله ابن القاسم وابن الماجشون. وقال الباجي: وهو نزوع (٣) إلى قول ابن عبد الحكم] (٤). وكل هذا مبني على عوائد النساء كما قدمناه، ولكن إن رأت غير عادتها وقلنا لا تطهر بذلك فإنما معناه أن تنتظر الثاني، ما لم تخف فوات وقت الصلاة. وما هو الوقت؟ حكى أبو محمد عبد الحق عن أشياخه قولين: أحدهما: أنه الوقت المختار، والثاني: الضروري. وهذان وجههما (٥) كون أحد الأمرين يسد مسد الآخر. لكن طلب المعتاد (٦) من باب الأولى والأسَدِّ (٧) وعند الضرورة وخوف الفوات الكلي. ...
следующие страницы →