← Фикх малики

Фикх малики · id 121378

التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات

أبو الطاهر ابن بشير

Полный текст (942 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

فإن اختلفت الموازين وكانت في بعضها كاملة (١) وفي بعضها ناقصة فالمنصوص للبغداديين وجوب الزكاة تعويلًا على الكمال. ولا يبعد أن يجري، على قولين. وبين الأصوليين خلاف إذا اجتمع شيئان: أحدهما: موجب، والثاني: مسقط، هل يغلب الموجب أو بالعكس؟ (نصاب العين الناقصه إذا كان التعامل بالعمد) فإن كان التعامل بالعدد فلا يخلو من أن ينقص في العدد أو ينقص في الوزن؛ فإن نقصت في العدد فلا خلاف في سقوط الزكاة، وإن نقصت في الوزن ولم تجز بجواز الوازنة فلا خلاف في سقوط الزكاة، وإن جازت بجواز الوازنة فثلاثة أقوال: أحدهما: وجوب الزكاة مراعاة للمعنى (٢) كما قدمناه. والثاني: سقوطها نظرًا إلى ما ورد. والثالث: وجوبها مع النقص اليسير لا بالعكس (٣). وهذا نظراً إلى أن اليسير في حكم المعفو عنه. (نصاب العين الناقصة إذا كان النقص في الصفة) وإن كان النقص في الصفة فلا يخلو من أن يكون أصلًا في المعدن (٤) بأن يكون رديئًا أو فيه من الغش [يسير] (٥). فإن كان (٦) من أصل الخلقة وقد اصطلح الناس على التعامل به من غير التفات إلى ذلك النقص، أو يكون بإضافة غش إليه؛ فإن كان في أصل المعدن كما قدمنا فمقتضى المذهب إلحاقه بالكامل في الصفة، فإن كان مضافًا إليه فإن كان يسيرًا جدًا وقد مر الناس على ترك مراعاته كما يقال في الدنانير المرابطية فهو كالأول لا يلتفت إليه. فإن كان كثيرًا فالمذهب على قولين: أحدهما: الاحتساب بما فيه من الخالص وإطراح الغش، فإن كمل

стр. 772

من (١) الخالص مقدار النصاب وجبت الزكاة، وبالعكس إن لم يكمل. وهذا هو المشهور. والثاني: النظر إلى الأكثر فيجعل [الأقل] (٢) تبعاً له؛ فإن كان الأكثر هو الخالص فيجعل الجميع في حكمه وبالعكس. وهذا على الخلاف في الأتباع هل تعطى حكم أنفسها أو حكم متبوعاتها. على أن هذا القول بعيد هاهنا لأنّ المقصود بالنصاب حصول الغنى به، وقد قدرته الشريعة. فإذا وجد الغش فلا شك أن الغنى (٣) المطلوب شرعاً غير حاصل فكيف يقال إن الزكاة واجبة. ومقتضى المذهب أيضًا أن المراعى في الوزن ما كان في الزمان الأول، ولو قيل إن الإجماع عليه لَمَا بَعُدَ (٤). ووقع لابن حبيب ما يقتضي مراعاة أوزان كل بلد. وتعقبه أبو الوليد الباجي، وألزم عليه وجوب الزكاة متى اجتمع للإنسان عشرون رباعياً في قطر صقلية ومن كان مثلهم؛ لأنهم يعتدون هناك بالرباعي وبه يتعاملون. وهذا الذي ألزمه غير صحيح لأنّ أهل صقلية لا يعتدون بالرباعي بدل الدنانير، وإنما يجعلونه جزءًا من الدينار، لكنهم يتعاملون به على أنه جزء كما قلنا، ولا يقتضي أن يعتدوا به كاملًا. ... فصل (هل يكمل بالقيمة النصاب) وهل تراعى قيمة الذهب والفضة فيكمل بالقيمة النصاب وإن قصرت في الوزن؟ أما المكسور (٥) فلا خلاف في المذهب أنه لا يُلتفت إلى قيمته بل إلى وزنه، وكذلك التبر (٦) ...........................

стр. 773

والمسكوك (١) إن تصور فيهما زيادة قيمة. وأما المصوغ فإن كانت الصياغة غير مباحة فلا تعتبر قيمتها أيضًا بلا خلاف. وإن كانت مباحة فظاهر المذهب على قولين: أحدهما: ترك اعتبار قيمتها إلحاقًا لذلك بالمسكوك، والثاني: اعتبارها لأنها كالسلعة المملوكة ويقدر على بيعها وتحصيل العوض عنها. وإذا قلنا باعتبار القيمة فكيف صورة ذلك؟ المنصوص أنها كالعروض فإذا بيعت وجبت الزكاة حينئذ، ولا يكمل بها الأنصاب. ويتخرج في المذهب قول ثان أنه يكمل به النصاب قياسًا على ما قيل في الحلي تكون فيه الأحجار التي لا يقدر على تخليصها أنها تزكى زكاة العين على ما سيأتي بيانه إن شاء الله. ... فصل (جمع الذهب والفضة في تكميل النصاب) ولما (٢) كان النقدان متفقين في حال (٣) المقاصد وأنهما ثمن للمبيعات وقيم المتلفات، وهذا هو المقصد الأول [بهما] (٤)، ولا يختلفان إلا من باب كثرة القيمة وقلتها وجب عندنا أن يجمعا في الزكاة فيكمل النصاب من أحدهما بالآخر. لكن المراعى في ذلك الوزن دون القيمة، ويقدر الدينار بعشرة دراهم. ووقع لأشهب أن (٥) أوقية الدنانير أربعة (٦) [دنانير] (٧)، وإنما عوّل على أن صرف الدينار في حكم الزكاة بعشرة دراهم. وأوقية الدراهم

стр. 774

على ما ورد في الحديث [في حكم الزكاة] (١) أربعون درهمًا، لكن قد قدمنا حكم مراعاة [قيمة] (٢) الصياغة. (حكم إخراج القيمة في الزكاة أو أحد النقدين عن الآخر) وإذا وجب إكمال النصاب منهما فهل يخرج أحدهما عن الآخر في الزكاة؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: الجواز، والثاني: المنع، والثالث: الجواز في إخراج الورق عن الذهب لا بالعكس (٣). والمعلوم من مذهبنا منع إخراج القيمة في الزكاة؛ فمن منع مطلقًا رأى أن إخراج أحدهما عن الآخر كإخراج القيمة في الزكاة، ومن أجاز مطلقًا رأى أنهما لو تساويا في إكمال النصاب كانا كالشيء الواحد لأنّ المطلوب منهما متفق كما تقدم. ومن فرق فلأن الورق أيسر على الأخذ في التصرف (٤) بخلاف الذهب. وإذا قلنا بجواز الإخراج فهل يراعى الصرف الأول؛ الدينار بعشرة دراهم، أو صرف وقت الإخراج؟ ثلاثة أقوال: أحدها: مراعاة الصرف الأول نظرًا إلى أنه كالشرع الثابت في الزكاة. والثاني: التعويل على صرف الوقت لأنّ النظر إلى تحصيل المقصود من المقدار الواجب، وهذا لا يحصل إلا بصرف الوقت. والثالث: النظر إلى صرف الوقت إلا أن يكون المخرج دون الصرف الأول، فيلزمه أن يخرج الصرف الأول، ومثاله أن يلزمه مثلًا نصف دينار فيريد أن يخرج عنه ورقًا. فإن (٥) كان صرفه أكثر من خمسة دراهم أخرج مقدار الصرف، وإن كان أقل خُيّر بين أن يخرج خمسة أو [يخرج] (٦) نصف دينار. وهذا أحتياط للزكاة فيعطى للمساكين الأكثر.

стр. 775

وإذا أراد أن يخرج من الجنس فإن كان المزكى مسكوكًا ووجب فيه مقدار دينار (١) كامل أخرجه من [الجنس] (٢) فإن وجب بعض الدينار فهاهنا [لا يمكن من] (٣) كسره إن كان التعامل بالدينار الكامل. وأما إن كان التعامل ببعض الدينار كما يتعامل في بعض البلاد بالرباعية، فإن وجد منها مقدار كامل أخرجه. وإن لم يكن إلا بفضة فهل يجوز كسره؟ في المذهب قولان، مع الاتفاق أنه لا يجوز كسر الدينار الكامل. والإجازة في حق البعض؛ لأنه لما كان غير كامل فهي قطع فلا يفعل فيها (٤) أكثر مما هي عليه، والمنع لأنّ تلك الأبعاض مسكوكة فأشبهت الدينار الكامل. وإن كان التعامل بالكامل كما قلنا ووجب البعض هل يلزم إخراج قيمة السكة إن أخرج ذهباً؟ في المذهب قولان. والذي عند ابن حبيب أنه لا يلزمه ذلك لأنّ السكة غير مراعاة في إكمال النصاب بهذا، وكذلك لا تراعى هاهنا. ورأى أبو الحسن القابسي مراعاة السكة، فلا يجوز أن يعطى عنده للمساكين قطعة ذهب غير مسكوكة؛ لأنهم كالشركاء للمزكي. والمذهب مختلف في هذا الأصل؛ هل المساكين كالشركاء بمضي الحول، أو ليس كالشركاء؛ وإنما يجب على المكلف في ذمته مقدارٌ، متى أوصله إليهم سقط من ذمته. لكنه إنما يتعلق بالذمة يحوال (٥) العين الذي في يده. وإن أخرج ورقاً أخرج قيمته مسكوكاً بلا خلاف عندنا. وإن كان المزكى مصوغاً فله أن يخرج عنه قطعة ذهب، لكن كسر المصوغ جائز. وإن أراد أن يخرج قيمته ورقاً فإن كانت الصياغة آنية فهي

стр. 776

على قسمين كما نبينه فيما بعد (١) محرمة ومختلف فيهاة فالمحرمة في حكم المكسورة (٢)، ولا تراعى قيمة صياغتها. وإن كانت حلياً فللمتأخرين قولان: أحدهما: أن الصياغة كالعروض يقومها المدير (٣) ويتركها غيره إلى أوان البيع فيزكيها إذا باع، والثاني: أن الصياغة متابعة للعين، وهذا على ما قلناه في إعطاء الأتباع حكم متبوعاتها أو حكم أنفسها. وإذا قلنا إنها تتبع العين فهل يزكي قيمة الصياغة إن أخرج ورقاً أو يزكي قيمة الذهب مكسورًا؟ قال أبو القاسم بن الكاتب وغيره: يزكي قيمة الواجب عليه مصوغًا. وقال أبو عمران وغيره: يزكي قيمة الواجب مكسورًا. وقد كثرت مناظرتهم في هذه المسألة حتى ألف بعضهم على بعض. ونكتة ما عول عليه كل واحد منهم نذكره؛ وذلك أن ابن الكاتب ومن قال بقوله قاسوا المسألة على حكم جزاء الصيد، إذ المكلف مخير فيه بين أن يُخرج المثل من النَّعم أو عَدل الصيد طعاماً، فإن اختار المثل أخرجه، وإن اختار إخراج الطعام فإنما يقدر الأصل لا المثل، فكذلك هاهنا هو مخير بين أن يخرج قطعة ذهب [أو قيمتها دراهم، فإن أخرج قطعة الذهب

стр. 777

أجزأه، وإن أخرج القيمة رجع إلى الأصل وأخرج، (١) قيمة المصوغ. وأبو عمران ومن قال بقوله التفتوا إلى المسألة في نفسها فقالوا: لا يخلو أن يكون للمساكين حق في الصياغة، فلا يجوز للمكلف أن يعطي مما وجب عليه ذهباً غير مصوغ، أو يكون لا حق لهم فيها فيجوز، وإذا اتفقا على جواز إعطاء الذهب غير المصوغ فكذلك يلزم أن يعطي القيمة إذا تبيّن بما قلناه أن لا حق للمساكين في الصياغة وهذا هو الأصل (٢) في المسألة. ولا مناسبة بين جزاء الصيد وبين هذه المسألة؛ لأنّ الواجب هناك أحد شيئين؛ يعني إذا اختار المثل أو الطعام وكل (٣) واحد منهما أصل فيقدر كل واحد منهما بالأصل، وهاهنا القيمة إنما تجب عن الواجب في الذمة، والواجب إخراجه. فإذا جاز إخراج غير مصوغ فكذلك ينبغي أن تجزي قيمته. (حكم اختلاف السكك) وإذا اختلفت السكك فكان يملك نوعاً منها فأراد أن يخرج من نوع آخر؛ فإذا اتفقت في السلامة من الغش أو في مقدار الغش إن (٤) كانت غير سالمة فلا شك في الجواز. فإن اختلفت (٥) فأراد إخراج الأدنى عن الأجود؛ فإن أخرج من الأدنى عن وزن (٦) الواجب عليه فلا شك في المنع، [لأنه أخرج دون ما يجب عليه. وإذا أخرج قيمة الواجب فللمتأخرين قولان: أحدهما: الجواز، والثاني: المنع] (٧). وهذا على ما قدمناه من الخلاف هل

стр. 778

المساكين شركاء في المقدار الواجب فلا يخرج القيمة (١) لأنه يكون ربًا (٢). وإنما يجب لهم في ذمته مقدار معلوم، فله أن يعطيهم من أي الأنواع شاء. ولا شك أنه إن أراد أن يعطي الأجود عن الأدنى وأخرج مقدار الوزن فيجزيه، لأنه سلم من الربا وأعطى الأفضل، وإن أراد أن يخرج بالقيمة فيجزي على القولين. ... باب زكاة الحلي وما يتعلق به (عدم وجوب الزكاة في الحلي المتخذ للباس ووجوبها في المتخذ للتجارة والكراء) وقد قدمنا وجوب الزكاة في العين: الذهب والفضة وأن ذلك لكونهما متهيئين للنماء. وإذا صيغا فجوهرهما يقتضي وجوب الزكاة، وصورتهما تقتضي إسقاطها؛ لأنهما بالصياغة لحقا بالعروض. وقد غلب مالك ﵀ في الحلي المباح اتخاذه حكم الصورة فأسقط الزكاة، وهذا إذا اتخذ للباس ناجزًا أو متاخرًا؛ فإن اتخذ للتجارة فالإجماع على وجوب الزكاة؛ لأنها إذا وجبت في عروض التجارة وأصلها عدم الوجوب فأحرى أن تجب في الحلي المتخذ للتجارة، إذ أصله وجوب الزكاة. فإن اتخذ للكراء ليصرف في معنى مقتضاه المعاوضة والحاصل فيه غير مربوح فيه، كمن يتخذ ليصدقه امرأته، أو اتخذ لحاجة إن عرضت [فيباع فيها] (٣)، ففي ذلك قولان: أحدهما: وجوب الزكاة نظرًا إلى أصله، ولأنه لم يتخذ للقنية والثاني: إسقاطها نظراً إلى أنه لم يتخذ للتجارة. هذا في غير المكري.

стр. 779

وأما ما اتخذه للكراء ففيه النماء وهو يلحقه بما اتخذ للتجارة، وبقاء العين وهو يلحق بالمقتنى للباس، ففيه شبهة من موجب ومسقط، وقد تقدم خلاف الأصوليين أيهما يغلب؟ ولا خلاف أن العروض لا تنتقل من القنية إلى التجارة بالنية. وأما الحلي المباح ففيه قولان: أحدهما: أنه كالعروض، ولا تنتقل إلى التجارة إن كان أصله القنية بمجرد النية. والثاني: أنه ينتقل، لأنّ النية فيه تعيده إلى أصله. والأصل (١) في هذه وجوب الزكاة. ... فصل (تمييز المصوغ المباح من غيره) ولما كان المصوغ يتنوع فتجب الزكاة فيما لا يباح منه وتسقط فيما يباح، وجب أن يبين المباح من غيره، وهو على قسمين: آنية وحلي. فالآنية إن اتخذت للاستعمال فجمهور الأمة على تحريمها، وإنما يخالف داود (٢) في الأكل دون الشرب. وقوله باطل قطعًا. وإن اتخذت للزينة فالمذهب على قولين: الجواز لأنّ الحديث وارد في الاستعمال، وعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ (٣) يقتضي الجواز، والمنع قياسًا على الاستعمال. وأما الحلي فهو مباح للنساء بلا خلاف وذلك فيما يلبسنه ويتعلق

стр. 780

بلباسهن كالأزرار أو ما في معناها. وأما ما يتخذ لغير اللباس فهو في حكم الأواني المتقدم بيانها. (حكم تحلية السيف والخاتم والمصحف) وأجمعت الأمة على إباحة تحلية السيوف والخاتم والمصحف. فأما السيف فلا خلاف في جواز تحليته بالفضة، وهل يجوز بالذهب؟ قولان: أحدهما: الجواز قياسًا على الفضة؛ لأنه استقني للترهيب على العدو، وهو بالذهب أشد إرهاباً. والثاني: المنع لعموم قوله ﷺ في الذهب والحرير: "هذان حرام على ذكور أمتي، حلال لإناثها" (١). وأما الخاتم فلا يجوز للرجال اتخاذه ولا جزء منه (٢) بالذهب لعموم الحديث المتقدم. وأما المصحف فيجوز تحليته بالذهب والفضة. وهل يلحق بالسيف جميع ما يتخذ (٣) آلة للحرب؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: اختصاص السيف بالجواز دون غيره. والثاني: إلحاق آلة الحرب به. والثالث: قصر الجواز على ما يطاعن به ويضرب به، دون ما يتقى به ويتخذ للتحزم. والقولان بالإلحاق والقصر على الخلاف في الرخص، هل يقاس عليها؟ والقول الثالث فلأن حقيقة القياس رد الشيء إلى مثله، ومثل السيف ما يطعن به ويضرب دون غيره. وإذا تقرر هذا فكل ما يباح تسقط منه الزكاة، وكل ما يحرم تجب فيه

стр. 781

الزكاة لأنه مكسور شرعًا، وكلما اختلف فيه فيجري على الخلاف، هل تجب فيه الزكاة أم لا؟ ... فصل (حكم زكاة الحلي المربوط بالجواهر) وإن كان الحلي مربوطًا بشيء من الجواهر؛ فإن كان مما يمكن نزعه من غير فساد، وكان مما تجب فيه الزكاة زكّي ما فيه من الذهب والفضة زكاة العين، وما فيه من الحجارة زكاة العروض. فإن لم يمكن نزعه إلا بفساد فهاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: تغليب حكم الجواهر التي فيه، فيزكى زكاة العروض. والثاني: مراعاة الأكثر، فيعطى الحكم. والثالث: إعطاء كل نوع حكم نفسه فيتحرى ما فيه من العين فيزكى، وما فيه من الحجارة يجري على حكم العروض. وهذان القولان على الخلاف في الأتباع هل تعطى حكم نفسها أو حكم متبوعاتها؟ وأما القول الأول فغلب فيه أحكام الحجارة إلحاقًا لها بالعروض لمشابهته لها بالصورة والاختلاط بالحجارة. وفي الكتاب: روى ابن القاسم وعلي بن زياد وابن نافع: إذا اشترى [رجل] (١) حلياً للتجارة أو ورثه فَحَبَسَهُ للبيع، كلما احتاج إليه باع، أو للتجارة (٢). وأكثر الروايات (٣) على أن عقيب هذا الكلام: وروى أشهب معهم فيمن اشترى حليًا للتجارة وهو مربوط (٤) بالحجارة ولا يستطاع نزعه فلا زكاة عليه [فيه] (٥) حتى يبيعه (٦).

стр. 782

فيفهم من هذا الكلام أن الحلي إذا كان للقنية ولم يكن للتجارة فإنه يزكيه حين يبيعه، ولا خلاف أن سلع القنية ليست كذلك. وفي رواية ابن وضاح (١) زيادة "زكاة" بين قوله "أو للتجارة" وبين "وروى أشهب" (٢). وعلى هذه الرواية يكون الحكم بيّنًا؛ فتحمل رواية ابن القاسم وعلي بن زياد وابن نافع على حلي غير مربوط بحجارة، وهو للتجارة فيزكى. ورواية أشهب (٣) على الحلي المربوط بالحجارة (٤). وتكلم فيها على الشراء خاصة، ولا زكاة فيه حينئذ إلا أن يبيعه على القول أنه كالعروض، إذا لم يستطع نزعه إلا بفساد. ورواية الجماعة محمولة على الحلي غير المربوط. والجواب في رواية أشهب أنه يزكيه كالعين. وهذا حكم الحلي [المربوط] (٥) نظراً إلى أصله. وقد قدمنا الخلاف في الحلي إذا كان للقنية هل ينتقل إلى التجارة بالنية بخلاف العروض أو لا ينتقل؟ ...

стр. 783

باب في أحكام نماء المال والفوائد ولا خلاف [عندنا] (١) أن الأولاد تزكى (٢) على حول الأمهات، وسيأتي حكمها في زكاة الماشية. وأما الأرباح فالمعروف من المذهب أنها كالأولاد تزكى على حول الأصل، والشاذ أنها كالفوائد يستقبل بها حولاً من يوم الحصول. وهذا على ما يقوله الأشياخ على الخلاف في المترقبات هل تعد حاصلة من يوم ترقبها أو من يوم حصولها؟ والصحيح أن الأرباح مضافة إلى أصولها لأنّ العين إنما تعلقت بها الزكاة لكونها معدة للنماء، ولا تنمى إلا بالأرباح، والأرباح أولى بأن تجري فيها الزكاة لأنها في حكم ما يستخرج من المعدن وما يحصل من النبات. وإنما تخيل من قال بالاستقبال إن صح على أنه لا يكاد [يوجد] (٣) نماء أن الأرباح حاصلة يوم نضوضها (٤) وهي ليست جزءًا من المال، فأشبهت الفوائد. وإذا تقرر أن الأرباح مزكاة على حول الأصول (٥) فهل تضاف إلى يوم ملك المال وتُعدّ كأنها موجودة في ذلك الوقت، أو إلى يوم تحريك المال والشراء به، أو إلى يوم الحصول فيعتبر هل جميع النصاب باق في يده؟ في المذهب ثلاثة أقوال: مذهب المغيرة وهو غير المذكور في المدونة أنها

стр. 784

كالموجودة يوم ملك الأصل، ومذهب ابن القاسم أنها كالموجودة يوم الشراء، ومذهب أشهب أنها يعتبر وجودها عند الحصول. وعلى هذا اختلف في مسألة من حال عليه الحول وعنده عشرة دنانير فأنفق منها خمسة ثم اشترى بخمسة سلعة فباعها بخمسة عشر، واشتراها قبل الإنفاق. فمذهب المغيرة وجوب الزكاة إن تقدم الشراء أو بالعكس (١)، ومذهب ابن القاسم وجوب الزكاة إن تقدم الشراء لا بالعكس (٢)، وهو على ما قلناه. ومذهب أشهب يعتبر الوجود عند الحصول (٣). وهذه المسألة فيها قياس العكس للمغيرة؛ لأنه قال في الكتاب: فكما لا يحسب ما أنفق قبل الحول فكذلك لا يترك أن يحسب ما أنفق بعد الحول قبل الشراء أو بعده. فاستعمل الشيء وعكسه قبل الحول وقاس عليه مثله بعد الحول (٤)، وهذا هو حقيقة قياس العكس (٥) عند الأصوليين. وبينهم خلاف في قبوله. وقد ذكرنا ما قيل في مسألة كتاب الصيام هناك أنها قياس عكس، وبيَّنا أن ذلك ليس بصحيح، وإنما هناك قياس طرْد. وإنما قاس فيها الغوارب على الطوالع، فظن من لا تحقيق عنده أنه قياس عكس لما كان الغارب ضد الطالع وعكسه، وليس كذلك. وإنما حقيقة قياس العكس هذا (٦) الذي ذكره المغيرة، وهو كما قال أصحابنا في الرد على أبي حنيفة في قوله: إن القيء لا ينقض الوضوء، بأن يقولوا: كل ما لا ينقض الطهارة قليله، فلا ينقض كثيره، أصله الدم وعكسه البول. وإنما هذا لأنّ أبا حنيفة

стр. 785

يقول: إن اليسير من القيء لا ينقض الطهارة ولا ينقضها (١) الكثير منه. وهو متفق معنا على أن البول يستوي قليله وكثيره في النقض، والدم يستوي قليله وكثيره في عدم النقض، فألزمه أصحابنا استواء قليل القيء وكثيره في عدم النقض (٢). فكذلك ألزم المغيرة أن يستوي الإنفاق بعد (٣) الحول قبل الشراء أو بعده في إيجاب (٤) الزكاة، كما يستوي الإنفاق قبل الحول قبل الشراء أو بعده في إسقاط الزكاة. ... فصل (حكم من تسلّف مالًا فتاجر به فربح) وإذا تقرر أن حكم الأرباح حكم الأصول فإنما ذلك إذا اشترى بمال يملكه ونقده (٥). فإن تسلف مالاً وليس عنده عوضه (٦) فنقده في سلعة ثم باعها فربح فهل يستقبل به حولاً أو يعد كالمالك له من يوم الشراء؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يستقبل به حولاً؛ [كان الذهب كله مسلوفاً] (٧)، أو كان يملك بعضه وتسلف البعض. لكنه إنما يستقبل الحول بما يقابل الذي تسلف، وأما ما يقابل ملكه فيزكيه على حول أصله إن كمل به النصاب. والقول الثاني: أنه يضيف ربح السلف إلى يوم الشراء. والقول الثالث: أنه إن نقد شيئاً من عنده زكى جميع الربح على حول يوم الشراء، وإن لم ينقد

стр. 786

من عنده شيئًا استقبل بالربح حولًا. وهذا يقتضي خلافًا في الأرباح هل تعد حاصلة يوم (١) الشراء أو يوم الحصول إذا كانت مسندة إلى ذمة لا إلى [مال الزكاة] (٢)، [وكأن من أسقط الزكاة رأى] (٣) أن الربح لا يزكى إلا أن يستند إلى ملك فيعد كأنه نما عنه ويشبه الولادة، ومن أوجبها رأى أن الذمة كالملك الحقيقي فأسند الربح إليها، ومن فرق بين أن ينقد شيئًا من عنده أو لا ينقد راعى الإسناد إلى مال على الجملة (٤)، فمتى وجد أضيف إليه الربح فإذا فقد لم يوجد ما يضاف إليه فاستقبل به حولاً. ومن (٥) اشترى على مال يملكه لكنه لم ينقد وإنما اشترى بدين فثلاثة أقوال: أحدها: أن الربح مضاف إلى يوم ملك الأصل وإن لم ينقده. والثاني: أنه يضاف إلى يوم الشراء. والثالث: أنه يستقبل به حولًا. ولا شك أن من قال في المسألة الأولى بوجوب الزكاة فالوجوب عنده في هذه [المسألة] (٦) أوْلى، وأما من قال هناك بالاستقبال فتختلف أقواله في هذه المسألة الثانية، لأنه إنما اشترى على مال وإن لم ينقده، فمن عد استعداده للنقد كالنقد أوجب (٧) الزكاة، ومن نظر إلى أنه مشترٍ بديْن ولم يعدّ الاستعداد للنقد كالمنقود، فيختلف قوله هاهنا هل يضاف إلى يوم الشراء أو إلى يوم الحصول. وعلى هذا اختلف على قولين فيمن اشترى بديْن ولا يملك ما ينقد فباع بربح هل يضاف الربح إلى يوم الحصول أو إلى يوم الشراء؟ وبقيت مسائل تلحق بهذا الباب لكن تعلقها بباب الفوائد أشبه فنؤخر الكلام عليها إلى باب الفوائد. ...

стр. 787

فصل (حكم من ضاع ماله أو بعضه بعد الحول) ولا خلاف أن الزكاة لا تجب قبل حلول الحول، فمن ضاع ماله أو بعضه حتى قصر عن النصاب قبل حلول الحول لم يتعلق بذمته شيء. فإن ضاع بعد حلول الحول وبعد إمكان الأداء تعلقت الزكاة بذمته، وإن ضاع بعد حلول الحول وقبل إمكان الأداء ففي تعلقها بالذمة قولان: المشهور أنها (١) لا تتعلّق، والشاذ أنها تتعلّق. وهو على الخلاف في إمكان الأداء هل هو شرط في الوجوب أم لا؟ وإذا قلنا إنها تتعلّق فإنما تتعلّق هاهنا بالقدر الباقي فيجب ربع عشره خاصة، ويلتفت في هذا إلى الخلاف في كون المساكين كالشركاء في المال بقدر الزكاة أو ليس بالشركاء، وقد تقدم ذلك. ولو حال الحول على نصاب فلم يؤدِّ زكاته حتى اشترى به سلعة فربح فيها فإنه يؤدي على العام الأول (٢) على مقدار النصاب، فيؤدي مثلًا عن عشرين دينارًا نصف دينار وكان اشترى [بها] (٣) سلعة فباعها مثلًا بأربعين ديناراً (٤)، فإن كان عنده من العروض ما يقابل النصف الدينار الذي وجب عليه في الزكاة زكى على العام (٥) الثاني وعن أربعين، فإن لم يكن عنده فالمنصوص أنه لا يزكي للعام الثاني إلا عن تسعة وثلاثين ونصف، ويجري على الخلاف في الدين الواجب في الزكاة، هل يسقط الزكاة أم لا؟ وسيأتي بيانه في موضعه [إن شاء الله] (٦). قال ابن عبد الحكم يستقبل بالربح حولًا (٧)

стр. 788

من يوم حصوله، ومنها (١) أخذ القول بأن الربح كالفائدة (٢) ... فصل (حكم زكاة العبد) والعبد لا يملك ملكًا حقيقياً لأنّ للسيد انتزاع ما بيده، فلهذا نقول لا زكاة عليه فيما بيديه ولا على السيد؛ لأنه لم يملك ملكًا أيضًا وإنما ملك أن يملك. وهكذا نقول في المديان لا يزكي لأنه يُملك عليه انتزاع ما في يده وهذا يختص في حق المديان (٣) بزكاة العين. ولا يسقط الدين زكاة الحرث والماشية على ما سيأتي بيانه في حكم الدين. ولا خلاف عندنا أن العبد لا تجب عليه زكاة في كل ما في يده [وهذا لأنّ الانتزاع يتوجه في كل ما في يده] (٤)، ويجري مجراه كل من كان فيه بقية رق. وإن أعتق استقبل بما في يديه من الناض حولًا، وكذلك الماشية على ما سيأتي بيانه. وأما زكاة الثمار فالخلاف [فيها] (٥) عندنا هل تجب بالطيب، أو باليبس، أو بالجذاذ؛ فإن أعتق قبل الطيب وجبت عليه الزكاة، وإن أعتق قبل الجذاذ لم تجب عليه، وإن أعتق فيما بين ذلك فعلى الخلاف، وسيأتي بيان هذه. الأقوال وتوجيهها في كتاب الزكاة الثاني. ...

стр. 789

فصل (حكم زكاة مال الصبي والمفقود والأسير) ومذهبنا تغليب إرفاق المساكين في الزكاة، فلهذا نقول بوجوبها على [كل] (١) من ملك ملكًا حقيقيًا كان مكلفاً أو غير مكلف كالصبيان والمجانين، وهذا لا خلاف فيه عندنا (٢) في سائر أنواع الزكاة. وقال أبو الحسن اللخمي: أما الحرث والماشية فلا يختلف في وجوب الزكاة فيهما عليهم؛ لأنهما ناميان بأنفسهما. وأما العين فإن كان ممن يتولاه ويتجر به وجبت الزكاة بلا خلاف أيضًا، وإن كان لا يتجر به جرى على الخلاف في المال المعجوز عن تنميته (٣). وهذا الذي قاله غير صحيح لأنّ المال هاهنا مهيأ للنماء، وإنما العجز من قبل المالك. ولا خلاف أن من كان من المكلفين عاجزاً عن التنمية أنه تجب عليه الزكاة، وهذا الإجماع عليه. وإنما الخلاف إذا لم يقدر على المال حتى يعدم فيه التهيؤ للنماء على ما سيأتي بيانه. وقد قالوا في مال المفقود والأسير أن الناض منه لا يزكى لإمكان سقوط الزكاة منه بدين أو غيره، ويزكى الحرث والماشية. وعلل أبو الحسن اللخمي سقوطه لإمكان موت المالك، (٤) وهذه العلة يجب طردها في الجميع لأنه لا يعلم الوارث بعينه ولا مقدار ما يرث حتى تجب فيه الزكاة أو تسقط. وإنما علل في الرواية [بما ذكرناه من إمكان] (٥) سقوط الزكاة في العين. وقد قال الأشياخ إن الوصي يحترز في إخراج الزكاة من خلاف أبي حنيفة فإن خفي [له] (٦) وأمن من المطالبة أخرج من غير مطالبة الحاكم (٧).

стр. 790

وإن حاذر المطالبة فمذهب المخالف يرجع إلى الحاكم وعولوا على قوله في المدونة في الوصي يجد في التركة خمرًا أنه يرفع أمرها إلى الحاكم حتى يتولى كسرها وهذا محاذرة من مذهب المجيز تخليلها (١). ... باب في زكاة العروض (وجوب الزكاة في عروض التجارة وعدم وجوبها في عروض القنية ودَوْر النية في ذلك) ولا خلاف [بين الأمة] (٢) أن عروض القنية غير مزكاة، وقد قال ﷺ : "لَيسَ عَلَى المسلم في عَبدِهِ وَلاَ في فَرَسِهِ صَدَقَةٌ" (٣)، وقد فهمت الأمة من هذا سقوط الزكاة في عروض القنية، وهذا لِمَا قدمناه من اختصاص الزكاة بالأموال النامية لئلا يؤدي إخراجها من غير النامي إلى فنائه بالزكاة. وأما عروض التجارة فتتعلق بها الزكاة على الجملة عند جمهور الأمة، ولنُبين (٤) ما يحصل به العروض ووصف التجارة [حتى تتعلّق بها الزكاة] (٥) فنقول: من ملك عرضاً فلا يخلو أن يملكه بغير معاوضة [كالميراث والهبة والصدقة وما في معنى ذلك، أو بمعاوضة. فإن ملكه بغير معاوضة] (٦) لم يتعلق به حكم الزكاة وإن قصد به التجارة، كما قدمنا في غير هذا الباب من أن النية بمجردها لا تنقل

стр. 791

العروض عن الأصل، والأصل في العروض سقوط الزكاة وكونها معدة للقنية. وإن ملَكه بمعاوضة فلا يخلو المدفوع عنه من أن يكون عوضًا أو عينًا؛ فإن كان عيناً انصرف بالنية إلى ما تصرفه إليه من التجارة أو القنية، لأنّ النية هاهنا ترده إلى أصل ما دفع فيه، فإن كان عرضاً فإن كان للتجارة فهو كالعين، وإن كان للقنية بنوْا بالمأخوذ عند القنية فلا شك في انصرافه إليها. وإن نوى به التجارة فهل ينصرف إليها؟ قولان: أحدهما: أنه لا ينصرف لأنه مأخوذ عن عرض قنية، فحكمه حكمه. والثاني: أنه ينصرف إلى التجارة بحصول المعاوضة على الجملة. ثم ما ينصرف بالنية لا يخلو من أن ينوي به التجارة أو القنية أو الغلة، أو لا ينوي شيئًا؛ فإن نوى به القنية فلا شك في انصرافه إليها كما قدمنا، وإن نوى به التجارة تعلقت به الزكاة، وإن نوى به الغلة (١) ففي تعلق الزكاة به إن بيع قولان: أحدهما: أنها تتعلّق به لأنه معدُّ للتنمية فأشبه عروض التجارة، والثاني: أنها لا تتعلّق به لأنه باق العين فأشبه عروض القنية. فإن فقدت النية منه لم تتعلّق الزكاة به لأنه يرجع إلى الأصل، والأصل عدم الزكاة في العروض. وإن نوى به اثنين مما قدمناه القنية والتجارة، [أو القنية والغلة، أو الغلة والتجارة] (٢)؛ فإن جمع بين القنية والتجارة ففي تعلق الزكاة به إن بيع قولان: أحدهما: أنها لا تتعلّق، والثاني: أنها تتعلّق، وهما على الخلاف في اجتماع موجب ومسقط أيهما يغلب؟ وإن نوى القنية والغلة؛ فعلى مذهب

стр. 792

من يسقط الزكاة من المغتل تسقط هاهنا، وعلى مذهب من يوجبها يجتمع هاهنا موجب ومسقط، فقد يختلف فيه (١) قوله إلا أن يراعي الخلاف فيوجب. [وإن نوى الغلة والتجارة فعلى مذهب من يزكي المغتل تجب الزكاة هاهنا بلا شك، وعلى مذهب من لا يزكيه يجتمع موجب ومسقط فقد يختلف (٢) قوله إلا أن يراعي الخلاف فيوجب] (٣). وتنتقل العروض التي للتجارة إلى القنية بالنية على ما قدمناه من أن النية ترد إلى الأصل، ولا تنتقل عروض القنية إلى التجارة بالنية لكن إن نوى بعرض التجارة القنية ثم عاد فنوى بها التجارة ففي رجوعها إلى ذلك قولان: أحدهما: أنها لا ترجع إذ لا تنتقل بالنية عن الأصل كما قدمنا. والثاني: أنها تنتقل (٤) لأنّ أصلها هاهنا التجارة فتعود إليها. (حكم غلة ما اشتُري أو كري للتجارة أو غيرها) واختلف في غلة ما اشتري للتجارة هل يكون فائدة يستقبل بها حولًا لأنّ التجارة إنما تتعلّق بعينه لا بغلته، أو يزكيه على حول الأصل [كما يزكي ثمنه لو بيع] (٥)، [وإذا تقرر هذا قلنا بعده:] (٦) وأما غلة ما اشتري للتجارة فلا خلاف أنها مزكاة على حول (٧) الأصل. وإذا تقرر هذا قلنا بعده من اكترى أرضًا أو كانت له، فزرعها؛ فلا يخلو من أن يكون الكراء للتجارة والزرع للتجارة، أو يكون الكراء (٨) للاستعمال والغلة للأكل، أو يكون أحدهما للتجارة والآخر لغير التجارة.

стр. 793

فإن كانا جميعاً للتجارة نُظِر، فإن حصل من الزرع [دون ما] (١) تجب فيه الزكاة أزكى ثمنه إذا بيع على حول أصله (٢)، وإن كان مقدار ما تجب فيه الزكاة زكاه عند حصاده وبنى [على] (٣) حول ثمنه إذا باعه] (٤) على أصل زكاة عينه. وإن كانا جميعاً للقنية استقبل بالثمن حولًا، كان الحاصل منه مقدار ما تجب الزكاة في عينه أو لا تجب. وإن كان أحدهما للتجارة والآخر لغير التجارة فقد اختلف؛ هل يعطى حكم الزرع للبذر والعمل، أو للأرض. فإن أعطينا الحكم للأرض نظر؛ فإن كانت للتجارة زكى، وإن كانت للقنية استقبل بالثمن حولاً. وإن أعطينا الحكم للبذر والعمل راعاهما على ما قدمناه في الأرض. والمحكي عن أبي محمد عبد الحميد ﵀ (٥) أنه كان يسقط الزرع على البذر والعمل والأرض، ويعطي لكل واحد منهما حظاً من الزرع، فعلى هذا المذهب ينبغي أن ينظر إلى مقدار ما يقابل الشيء الذي للتجارة فيزكي ثمنه عند بيعه والذي للقنية يستقبل به حولاً. وقد يقال هاهنا إنه قد اجتمع موجب ومسقط فيختلف هل يغلب الموجب أو المسقط على ما قدمناه ثم ينظر؛ فإن وافق حكم الأرض حكم البذر فذلك بيّن، وإن خالفه فأجراه على ما تقدم.

стр. 794

فصل (حكم زكاة من اشترى أصول التجارة فأثمرت) ولو اشترى أصولاً للتجارة فأثمرت فعلى مذهب من يجعل القنية (١) كفوائد يستقبل بالثمن حولًا، كانت مما تجب الزكاة في عينها أو لا تجب. وعلى مذهب من يوجب الزكاة على حكم الأصول ينظر، فإن لم تجب الزكاة في العين لأنها دون النصاب أو لأنها مما لا تجب الزكاة في عينه زكى ثمنها إذا باعها على حول الأصول، فإن وجبت الزكاة في عين الثمن (٢) بني حولها إذا باعها على يوم زكاها. وقد كانت هذه المسائل بباب الفوائد أشبه، لكن ألحقناها بهذا الباب لما تعلق بها من حكم القنية والتجارة. ... فصل (حكم زكاة العروض التي يترصد بها الأسواق دون إدارتها) فإذا تقرر الفرق بين ما تتعلّق به الزكاة من العروض أو لا تتعلّق، واستوفينا ذلك خلافاً ووفاقًا، قلنا بعده: الزكاة تتعلّق عندنا بعروض التجارة على صفتين راجعتين (٣) إلى اختلاف حكم المتجر؛ فإن كانت العروض يترصد بها الأسواق وزيادتها دون إدارتها فلا تجب الزكاة حتى تباع، فتجب حينئذ إن تم حول أصلها، أو ينتظر تمامه إن لم يتم. ولو أقامت أحوالاً لم تبع لم تجب إلا زكاة واحدة. وهذا لأنّ الزكاة قد فهم من الشريعة أنها متعلقة بالنماء وبالعين لا بالعروض، فإذا قامت أحوالًا لم تبع فإنه لم يحصل فيها النماء إلا مرة واحدة، فلا تجب إلا زكاة واحدة. وهي قبل البيع عرض، والزكاة لا تتعلّق بالعروض، فإذا باع وجبت الزكاة.

стр. 795

(عدم جواز إخراج الزكاة قبل البيع وزكاة الدين قبل حلوله) ولا يجوز عندنا أن يتطوع بالإخراج قبل البيع، فإن فعل فهل يجزيه؟ قولان: المشهور عدم الإجزاء، [وهذا لأنّ الزكاة لم تجب بعد. وأما الإجزاء] (١) فيمكن أن يكون مراعاة للخلاف أو بناء على جواز الإخراج قبل الحول. وكذلك القولان عندنا في إخراج زكاة الدين قبل حلوله؛ المشهور (٢) المنع، لما قلنا من أن الزكاة لم تجب بعد. والإجزاء، إما مراعاة للخلاف وإما لأنها إنما تمنع من الإخراج لئلا يتلف (٣) الدين، أو يمنع مانع من اقتضائه. فإذا أخرج وسلم الديْن واقتضى، تبيّن صحة الإخراج وأنه واقعٌ موقعه. ... فصل (حكم زكاة المال المدار) وإن اكتسب العروض لإدارتها بالبيع والخلف، ويبيع بسعر الوقت ولا يرتصد الأسواق فهذا يجب عليه عندنا زكاة القيمة في العروض. لكن اختلف المذهب؛ هل تجب عليه الزكاة لعدم تحصيل حولٍ يزكي فيه، أو لأنه لما أكثر الإدارة في العروض صارت في حقه كالعين؟ وعلى هذا اختلف المذهب فيمن كان يبيع العروض بالعروض ولا ينض له عين، هل يجب عليه التقويم أم لا؟ المشهور أنه لا يجب. فمن جعل الزكاة لاختلاط الأحوال قال لا تجب، ومن قال إنها صارت في حكم العين أوجب التقويم. وإذا قلنا إن التقويم لا يجب فهل

стр. 796

ينتقل بذلك عن حكم الإدارة؟ في المذهب قولان: المشهور أنه لا ينتقل بل يكون على حكم الإدارة، [باقيًا عليه] (١)، فإذا نض له [درهم] (٢) واحد أو أقل منه وجب عليه التقويم. والشاذ أنه لا يجب عليه حتى ينض له مقدار النصاب فيزكي حينئذ ما نص [له] (٣)، ثم كلما باع زكى. وهذا حكم بأنه خرج عن حكم الإدارة. وسبب الخلاف هل كونه لا ينض له عين فيجعل العروض كالبائرة (٤) القيمة فيخرجها عن حكم الإدارة ويجعلها كأنها باقية لم تزل، أولاً يلحقها بذلك لأنها قد تبدلت أعيانها فهي على الحقيقة متجر بها، لكن لا يقومها حتى يحصل عيناً فيجعلها تابعة له. وإذا راعينا حصول العين جعلناها باقية على حكم الإدارة، فهل يراعى حصول العين في إبان وجوب (٥) الزكاة أو حصولها على الجملة متى حصل؟ في المذهب قولان: المشهور أنه متى حصل وجب التقويم، إذ بحصوله خرجت عن حكم البوار، وقد حصل ما يزكى عينه في الحول. والشاذ مراعاة آخر الحول إذ به يتحصل الخطاب بالإخراج. وإذا قلنا بوجوب الزكاة وإن لم ينض له شيء، فهل يخرج عرضاً بقيمته أو يبيع ويخرج عينه (٦)؟ في المذهب قولان. والجاري على أصل هؤلاء أنه يخرج من العروض، إذ جعلوه في حكم العين. ومن قال بالبيع وإخراج العين، فإنما راعى الخلاف. (ما الحكم إذا بارت عروض المدير ؟) وإذا بارت عروض المدير فهل يخرج بذلك عن حكم الإدارة ويرجع

стр. 797

إلى النوع الأول الذي تجب فيه الزكاة بالبيع؟ في المذهب قولان. وسبب الخلاف هل يعطى الحكم للنية والنية (١) فيها الإدارة ولا ينتقل عنها إلا بنية الادخار، أو يعطى الحكم للموجود، وقد وجد (٢) فيه الادخار. وقال أبو الحسن اللخمي: إنما هذا (٣) إذا بار الأقل، فيختلف فيه هل يجعل تبعًا للأكثر أم لا؟ وعنده أنه إذا بار الجميع أو الأكثر لا يختلف في خروجها عن حكم الإدارة (٤). والمذهب يختلف على الإطلاق كما قلناه. وإذا (٥) قلنا بخروجها عن حكم الإدارة فهل مدة البوار الذي يحصل له بذلك محدوده [أم لا] (٦)؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنها غير محدودة، وهذا رجوع إلى العادة. والثاني: أنها محدودة بالعامين، وهذا تقريب، والأول هو الأصل. (حكم المال الذي بعضه مدار وبعضه غير مدار) وإذا كان المال على أسلوب واحد؛ إما إدارة، وإما ادخارًا للتجارة فحكمه ما تقدم. فإن اختلف لكون بعضه مدارًا وبعضه غير مدار، فإن تساويا أعطي كل نوع حكمه من غير خلاف، وإن اختلفا فثلاثة أقوال: أحدها: أنه كالأول يعطي كل واحد حكم نفسه. والثاني: أن الأقل [تبع للأكثر، وهذا على الخلاف في الأتباع هل تعطى حكم أنفسها أو حكم متبوعاتها. والثالث: أنه ينظر فإن كان الأقل هو المدار] (٧) زكى (٨) القيمة، وإن كان الأقل غير المدار جعل تبعًا للمدار، وهذا تغليب لإيجاب الزكاة،

стр. 798

إذ المخالف يوجب الزكاة في العروض التي للتجارة سواء كانت مدارة أو غير مدارة، وإن كان الأقل غير مدار (١) أعطي حكم التبع تغليباً لإيجاب الزكاة، وإن كان المدار الأقل بقي الأكثر على حكمه فلم يزكيه زكاة القيمة وزكى المدار على حكم نفسه. (حكم زكاة دين المدير) وهل يزكي المدير دينه؟ لا يخلو الدين من أن يكون مقصوداً به النماء كالبيع، أو غير النماء بالسلف (٢)؛ فإن قصد به النماء فالمشهور من المذهب أنه يزكيه إن كان يرجو (٣) اقتضاءه، والشاذ أنه لا يزكيه. وسبب الخلاف هل يلحق الدين بالسلع وهو أقل منازله فيزكى، أو يلحق بما بار منها، أو يجعل (٤) في حكم العدم ما لم يقبضه فلا يزكيه. وإذا قلنا إنه يزكيه فهل بالقيمة أو بالعدد وإن كان ناضاً. أما الحال فيزكى عدده، وأما المؤجل ففيه قولان: المشهور أنه تزكى قيمته لا عدده، والشاذ أنه يزكى عدده، وهو على الخلاف فيما في الذمم، هل يعد كالحال أم لا؟ وفي المذهب [في ذلك] (٥) قولان وبيانهما يأتي في البيوع إن شاء الله. وإن كان الدين لم يقصد به النماء كالسلف؛ فللمتأخرين قولان: أحدهما: أنه لا خلاف في المذهب أنه لا يزكى؛ لأنه خارج عن حكم قصد التجارة. والثاني: أن المذهب على قولين. وقد أطلق في المدونة زكاة الدين ولم يفصّل، وفصّل في غير المدونة فقال: يقوَّم ما كان من بيع دون ما كان من سلف. ولعل هذا الخلاف في غير المدار (٦) إذا كان يسيرًا، هل

стр. 799

يعطى حكم نفسه أو حكم الأكثر؟ فيشترط في السلف على هذا أن يكون يسيرًا، فإن كان كثيرًا لم تجب الزكاة فيه قبل قبضه بلا خلاف. وهل يقوم المدير ما كان من الدين (١) طعامًا من بيع؟ للمتأخرين قولان: أحدهما: أنه لا يقومه، لأنّ تقويمه بيع الطعام قبل قبضه. والثاني: أنه يقومه؛ لأنّ تقويمه هاهنا إنما هو يتميز حق المساكين. ولعل هذا على الخلاف في القسمة هل هي بيع أم لا؟ وفي ذلك قولان في المذهب. وهل يقوم المدير ما استغله من الثمار والحَب؟ أما ما (٢) فيه زكاة العين فلا يقومه إن بلغ النصاب، وأما ما ليس فيه زكاة العين أو لم (٣) يبلغ النصاب فإن كان أكثر التجارة قوم الغلة كما تقدم، وإن كانت غلة المشترى للتجارة جرى على ما قدمناه من القولين (٤) هل غلتها فائدة يستقبل بها حولًا أم لا؟ (حكم آلات المدير) واختلف المتأخرون في آلات المدير كأنوال (٥) الحائك وآلة العطار وما أشبه ذلك، فقال بعضهم لا يقومها لدوام بقاء أعيانها وأنه غير متجر بها، وقال بعضهم يقومها لأنها معينة على السلع المدارة. وهذا يجري على الخلاف فيما (٦) اشتُري من السلع للكراء، وقد تقدم في ذلك القولان. ...

стр. 800

باب في زكاة الدين وزكاة الفوئد (تعريف الدين وحكم زكاته) ونحن نفرد كل واحد منهما بالكلام على أحكامه، ثم نذكر حكم اختلاطها؛ فأما الدين فهو عبارة عن كل ما يخرج (١) عن يد المالك إلى ذمة، فلا يزكيه (٢) ما دام في تلك الذمة حتى يقبضه بعد عام فأكثر، فإن قبضه وكان نصابًا أو مضافًا إلى مال عنده قد جمعه وأتاه (٣) الحول فكمل به النصاب فيزكيه زكاة واحدة. وقد قدمنا الخلاف إذا زكاه قبل قبضه [وقد مر عليه الحول. وقد ذكرنا أن سبب الخلاف هل وجبت الزكاة فيه قبل قبضه] (٤)، وإنما لم يخاطب بتعجيلها خيفة أن لا يقبضه أو يكون كعروض التجارة لا تجب الزكاة فيه إلا بعد القبض. وعلى هذا الأسلوب اختلف لو قبض منه عشرة لا يملك غيرها، ثم قبض عشرة أخرى هل يكون حول الجميع من يوم قبض الآخرة أو يكون حول كل واحدة منها من يوم قبضها؟ والمشهور أن حول الجميع من يوم قبض الآخرة، وهذا بناءً على أن الزكاة غير واجبة إلا بعد القبض. والشاذ أن حول كل واحدة [من] (٥) يوم قبضها، وهذا (٦) بناء على أن الزكاة واجبة. لكن لا يؤمر بتعجيلها خيفة [ألا يقتضي، فإذا اقتضى تبيين أنه كان مخاطبًا بها، فيبقى كل مال على [حول أصله] (٧). وعليه أيضًا الخلاف لو اقتضى عشرة فضاعت، ثم اقتضى عشرة

стр. 801

أخرى هل تجب الزكاة أم لا؟ فمن رأى أنه مخاطب في الأول لكن لا يؤمر بالإخراج خيفة] (١) ألا يقتضي أوجب الزكاة وإن (٢) ضاعت، ومن رأى أنه غير مخاطب لم يوجبها إلا أن يبقى المال في يده حتى يكمل فيه النصاب. وأما لو أنفق العشرة فالمذهب أنه (٣) على إيجاب الزكاة لأنه نصاب قد جمعه ملك وحول، وقد أنفق بعضه مختارًا. فيصير كالمفرط في إخراج الزكاة بعد الحول، فتجب في ذمته. ورأى بعض المتأخرين جريان الخلاف وإن أنفق، وهو القياس على ما قدمناه من سبب الخلاف في الضياع. لكن فرقوا بينهما في الروايات كما قدمناه من أن الضياع قد يكون بغير سبب ولم ينتفع به، والإنفاق بسببه وقد انتفع به. ويكون كالمفرط في الإخراج بعد مضي الحول. لكن قال سحنون بالمساواة بين الضياع بسببه أو بغير سببه. وينبغي أن يكون الضياع بسببه (٤) كالإنفاق. (قاعدة المذهب في حكم الدين) ونرجع إلى قاعدة المذهب في حكم الدين فنقول إن ما ذكرناه أنه عبارة عن كل مال خرج من يد المالك، احترازًا من دين وجب في ذمته قبل أن يحصل في يد المالك. وهذا القسم يكون حَوْله من يوم قبضه ولا يزكيه عند قبضه، لأنه فائدة. ولو كان الدين حاصلا عن سلعة كانت للقنية فبيعت؛ فإن بيعت بنقد فحَوْل ثمنها من يوم قبضه، وإن بيعت بدين فمتى حول ثمنها؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه يكون من يوم قبضه كالأول. والثاني: أنه يكون من يوم البيع. وهو على الخلاف في بيع النسيئة (٥)، هل

стр. 802

هو نوع من أنواع التجارة أم لا؟ وهو خلاف في حال. وينبغي أن ينظر هل زاد في الثمن للتأخير فيكون مال أصرفه في شيء وجبت تنميته فتجب الزكاة، أو لم يزد في الثمن فلم تحصل التنمية فلا تجب الزكاة. هكذا يقوله بعض الأشياخ. وينبغي أن يكون هذا جاريًا على أصل آخر، وهو من ملك أن يملك هل يعد مالكاً أم لا؟ فإن عددناه مالكًا كان هذا كالقابض لثمن النقد ثم صرفه في دين، فيكون حوله من يوم البيع. وإن لم نعده مالكاً لم يحصل له الثمن إلا بعد قبضه، ولا أصل له مزكى (١) يبني عليه وليستقبل به الحول من يوم قبضه. ... فصل (زكاة بعض الدين المقبوض) وإذا استحق الدين أن يزكى بعد (٢) قبضه لأنه من الصنف المملوك أصله، [أو ثمن سلعة للتجارة، أو غير سلعة القنية] (٣) بيعت بالدين على أحد القولين (٤). فإنه إن قبض منه عشرين دينارًا زكاها بلا شك، كان عنده مال يضيفه إليه أم لا. فإن قبض دون ذلك، فإن كان عنده مال قد جمعه وأتاه الحول فكمل به النصاب زكى، وإلا لم يزك حتى يكمل ما يقبضه عشرين دينارًا. وأما إن أضافه إلى مال عنده كمل النصاب على ما قدمناه، وإذا كمل له من المقبوض، أو منه ومما في يديه النصاب فيزكى حينئذ. فإن ما يقتضيه من دينه إن بقي منه شيء يكون حوله يوم قبضه ولو كان دينارًا واحدًا مثلًا. وإذا زكى النصاب الأول فهل يبقيه على حوله ويكون حوله من يوم

стр. 803

زكاه، أو يضيفه إلى ما بعده لأنه نقص عن النصاب بالزكاة؟ في المذهب قولان: والمشهور أنه يبقيه على حوله، والشاذ أنه يضيفه إلى ما بعده. وسبب الخلاف هل تراعى الطوارئ أم لا؟ فمن لم يراعها أبقاه على حوله فزكاه إذا حل، ومن راعاها أضافه إلى ما بعده؛ لأنه لا يأمن على ما بعده التلف. وان تلف لم تجب في الأول زكاة لأنه دون النصاب. وإذا اختلطت عليه أحوال الاقتضاءات أضاف الآخر منها إلى الأول، لأنّ أكثر العلماء يوجبون الزكاة في الدين وإن لم يُقبض. وإذا اختلطت أحوال الفوائد ففيها قولان: المشهور عكس هذا وأن الأول [منها] (١) يضاف إلى الآخر، والشاذ أنها كالديون. وإنما فارقت الديون على المشهور لأن جمهور الأمة لا يوجبون زكاتها حتى يمضي الحول بخلاف الديون. وأما القول الآخر فيمكن أن يكون مبناه على مراعاة الخلاف الشاذ. وفي المذهب قولان في مراعاته. أو يكون (٢) سبب الخلاف اجتماع موجب ومسقط وفي المذهب قولان أيهما يغلب؟ وقد تقدم ذلك. واستحسن أبو الحسن اللخمي أن يجعل في الجميع حولًا وسطًا لا ينبني على أول الاقتضاءات والفوائد ولا على آخرها (٣). وهذا له وجه أن يحصل الوسط (٤) في ذلك وهو جارٍ على أصل المذهب في مال تنازعه اثنان أنه يقسم بينهما, لأنّ التعجيل والتأخير قد تنازعه (٥) المساكين ورب المال، ولا يمكن تغليب (٦) أحد الجانبين مع

стр. 804

الشك، فيقسم بينهما. وهذا بناء على [إسقاط] (١) مراعاة الخلاف. ولو لم يكن لرب الديْن (٢) غيره، فاقتضى منه دينارًا ثم آخر فاشترى بالأول سلعة ثم بالثاني كذلك، فباع السلعة الأولى بعشرين دينار والثانية كذلك مثلًا. فإن كان شراؤه بالدينار الثاني بعد أن باع السلعة الأولى لم يترك (٣) إلا إحدى وعشرين دينارًا لأنّ التجر في الثاني وقع بعد أن وجبت الزكاة [في الأول] (٤)، ويستقبل بالربح الثاني حولًا من يوم وجبت الزكاة. وإن كان شراؤه بالثاني قبل أن يبيع فإنه يزكي أربعين, لأنّ الربح وسببه حاصل قبل وجوب الزكاة في الأصل. وهذا على أن الأرباح مضافة إلى أصول (٥) الأموال. وأما على القول بأنها فوائد، يستقبل بالأرباح حولًا. وهكذا روى ابن نافع وأشهب عن مالك (٦) ﵀ في هذه المسألة. ولو كان الشراء بالثاني (٧) أولًا، ثم بالأول؛ فإن اشترى بالأول قبل أن يبيع المشترى بالثاني، فلا شك أنه يزكي الأربعين كما قدمناه على المشهور. وأما على قول أشهب الذي يرى أن النصاب إذا أَكمل بالثاني، يبقى الأول على حوله. وإن كان دون النصاب فينبغي أن لا يزكي إلا إحدى وعشرين [ديناراً]، (٨)؛ لأنّ الغيب كشف أنه إنما اشترى بالأول بعد أن وجبت فيه الزكاة. وأما إن كان شراؤه بالأول بعد أن باع المشترى بالثاني فلا شك أنه لا

стр. 805

يزكي على القولين إلا إحدى وعشرين. هذا حكم الاقتضاءات على الجملة إذا انفردت. ... فصل (زكاة الفوائد) وجمهور الأمة على أن الفوائد يُستقبل بها حولًا ولا يُزكى عند ملكها، لما ثبت عنه ﷺ من إسقاط الزكاة قبل مضي الحول (١) لأنّ الشريعة سامحت أرباب الأموال فلم توجب عليهم إخراج الزكاة قبل انتفاعهم بالأموال. فإذا انتفعوا وكمل النماء المقصود وجبت الزكاة. والفوائد عبارة عن كل ما لم يتقدم (٢) عليه ملك ولا على أصله، كالغلات (٣) مثلًا. وقد قدمنا أن غلات السلع المقتناة فوائد، والقولان في غلات التجارة. وهذا الذي أجملناه يتضمن جميع أنواع الفوائد من العطايا والمواريث وما يجب في الدم من أروش الجنايات وأثمان السلع المقتناة وأنول الغلات. وفي كتابة المكاتب خلاف، هل هي ثمن لرقبته أو حكمها حكم الغلة؛ فإن قلنا إنها ثمن لرقبته فيكون حكمها حكم أثمان الرقاب، فينظر هل المكاتب للتجارة أو للقنية، ويجري على حكم ما تقدم. وإن قلنا إنها كالغلات فيجري على حكم الغلات، وقد تقدّمت. (حكم من أفاد نصابًا) وإذا ثبت هذا قلنا [بعده] (٤) من أفاد مالًا فلا يخلو من أن يكون نصاباً أو دون النصاب، فإن كان النصاب أو عنده ما يكمل به النصاب جعل حوله

стр. 806

من يوم أفاده، وإن كان دون النصاب فإن أفاد بعده ما يكمل به النصاب أضاف الأول إلى الثاني على مذهب ابن القاسم، وزكى الأول على حوله (١) على مذهب أشهب على ما قدمناه في مقتضي عشرة من ديْنه ثم عشرة، هل تعود العشرة (٢) الأولى إلى حولها؟ فإذا أكمل النصاب من غير زيادة عليه ثم أفاد بعده فائدة وزكى النصاب الأول بربع عشرة، فهل يعود (٣) لنقصه بجزء الزكاة إلى حول ما بعده؟ فيه قولان كما قدمناهما في من اقتضى عشرين ثم عشرة. والمشهور من المذهب أن الأول يبقى (٤) على حوله. والشاذ أنه ينتقل إلى حول ما بعده. وإذا بنينا على المشهور فإنه يزكي كل فائدة على حولها إلا أن يصيرا جميعًا إلى ما ليس فيه الزكاة. ومثاله (٥) أن يستفيد عشرين في المحرم مثلًا ثم عشرة في رجب، فإذا حل حول المحرمية زكّاها [ثم إذا حل حول الرجبية زكّاها، فإن حل حول المحرمية مرة أخرى نظر ما إن لو أضافه إلى الرجبية كمل النصاب بها، زكّاها] (٦) حينئذ على المشهور من المذهب، ولم يزكها على القول الثاني حتى يحل حول الرجبية. ثم إذا حال حول الرجيبة نظر أيضًا؛ فإن كان فيها وفي المحرمية نصاب زكّاها حينئذ، وإن لم يكن فيهما النصاب لم يترك. وإذا مر الحول بالأولى (٧) فاعتبرهما (٨) فقصر عن النصاب حتى أتى

стр. 807

حول الثانية وهما على نقصهما (١) عادا إلى حول واحد إن كان فيهما بعد ذلك النصاب بتجر، فإن وقع التجر قبل ذلك أضاف الحول إلى يوم وقع الربح. ولا يخلو من أن يحصل قبل حلول حول الثانية أو بعده أو معه؛ فإن حصل قبل حلول الثانية انتقل حول الأولى إليه وبقيت الثانية على حولها، وإن حصل بعد حول (٢) الثانية صار حولهما جميعاً واحداً، وإن حصل مع حول الثانية فكذلك أيضًا يصير حولهما جميعاً واحداً. والتمثيل (٣) بما قدمناه في العشرين المحرمية والعشرة (٤) الرجبية فإذا جاء المحرم فاعتبرهما فوجدهما ناقصين عن النصاب فإنه لا يزكي، وإن اتجر فيهما أو في أحدهما فكمل النصاب [في ربيع] (٥) انتقل حول المحرمية إليه، وبقي حول الرجبية على حاله، فإن بقي على نقصهما (٦) حتى أتى حول الرجبية وهما كذلك، ثم اتجر بهما أو بأحدهما فكمل النصاب في شعبان مثلًا، صار حولهما جميعاً شعبان. وإن كمل النصاب في رجب صارتا جميعاً رجبتين. ولو (٧) زكى الأول [في المحرم] (٨) لأنّ معه منها ما فيه النصاب، ثم نقصا (٩) بعد ذلك حتى أتى رجب، فاعتبرهما فلم يكن فيهما النصاب، ثم اتجر بهما أو بأحدهما فكمل نصابه قبل المحرم، فإنه ينتقل حول الثانية إلى يوم كمال نصابه، [ويبقى حول الأول على حاله. وأصل هذا أنهما يبقيان على حولهما ما لم يمر حول الأولى] (١٠) وحول الثانية، وليس فيهما مقدار

стр. 808

النصاب. وأن الأرباح مزكاة على حول الأول (١) فإذا حصل الإكمال (٢) بالربح عُدَّ (٣) كأنه لم يزل حاصلاً. لكن لا تجب الزكاة إلا يوم الحصول فجعل الحول من يوم حصل الإكمال وتفصيل هذا الإجمال (٤) ما قدمناه. ... فصل (حكم زكاة فائدتين جمعتا في ملك وحول) وإذا جمع الفائدتين في ملك وحول زكيت إحداهما بالأخرى من غير خلاف. لكن هل يكون حولهما واحدًا أو يعود حول الأول إلى يوم استفادهما؟ وقد قدمنا الخلاف في ذلك؛ ومثاله مسألة العشرتين (٥). فإن لم يجمعهما حول واحد واجتمعا في ملك، ومثاله أن يستفيد عشرة فتقيم عنده في يده ستة (٦) أشهر، ثم يستفيد عشرة فتقيم الثانية ستة أشهر، فبعدها ينفق الأولى أو تضيع، ثم تبقى الثانية إلى تمام الحول. فابن القاسم يسقط الزكاة لأنه لم يكمل عنده نصاب حال عليه الحول، وأشهب يوجبها. وهو بناءً على ما قدمناه من أصله أن الزكاة الأولى قد وجبت، وإنما لم يؤمر بالإخراج خوفًا من ضياع الثانية. ... فصل (حكم اجتماع اقتضاءات وفوائد) وإذا اجتمعت اقتضاءات وفوائد، وقد اجتمعت الفوائد وأصل الديون

стр. 809

في ملك وحول فإنه ينظر فإن كان في كل صنف من الاقتضاءات والفوائد مقدار النصاب لم يضف حول شيء منها إلى الأخرى، إلا أن يتفق حول الفوائد (١) ووقت الاقتضاءات. وإن قصرت عن النصاب متفرقة وأكملته مجموعة، فإنه يضيف الفوائد إلى ما بعدما (٢) والاقتضاءات إلى ما قبلها من صنفها، وهذا لأنّ الديْن حال الحول على أصله. وإنما لم يزد (٣) ما يقتضي منه وإن (٤) كان دون النصاب؛ إما خوفاً ألا يقتضي، وإما لأنه لا يعد مستقرًا في ذمته إلا بعد اقتضائه. فإذا اقتضاه تبيّن وجوب الزكاة فيرده إلى ما قبله. والفوائد لم يحل (٥) على أصلها حول فيضيفها إلى ما بعدها مما حال عليه الحول؛ ومثال هذا أن يقبض (٦) عشرة ثم عشرة فإنه يزكي العشرة الثانية، أنفق الأولى أو أبقاها على ما قدمناه. لأنّ الثانية مضافة إليها. وإن استفاد عشرة ثم اقتضى عشرة فلا يضيف الفائدة إلى الدين إلا أن تبقى في يده حتى يحول عليه الحول عند ابن القاسم (٧)، وحتى يقضي عند أشهب على ما قدمناه (٨) في المال إذا جمعه ملك ولم يجمعه حول. ولو اجتمعت فوائد وديون ولو أضاف الفوائد مفردة إلى ما بعدها (٩) لم يكمل منهما النصاب ولو أضاف الدين إلى ما قبله، لكنه إن أضاف بعضه إلى بعض كمل به النصاب. وقد اختلف المتأخرون على قولين: فمنهم من أوجب الزكاة لما كان

стр. 810

الدين يقتضي الإضافة إلى ما قبله، والفوائد تقتضى الإضافة إلى ما يضاف بعضه إلى بعض من الدين. وأسقط بعضهم اعتبارا بكل صنف منفردًا إلى ما يضاف إليه، ومثال هذا أن يقتضي عشرة ثم بعدها يستفيد عشرة ثم يقضي خمسة، وقد أنفق العشرة التي اقتضى أولًا. فهذه الخمسة إذا أضفناها إلى العشرة الأولى المقتضاة لم تكن فيها زكاة. وإن أضيفت العشرة (١) إليها فكذلك أيضًا. فمن اعتبرهما أسقط، وإن أضيفت العشرة الفائدة إليها صارت خمسة عشرة؛ فالخمسة مضافة (٢) إلى ما قبلها فكأنها واسطة بين الفائدة والاقتضاء الأول، فتجب إضافتها إلى كل واحد منهما، فيقتضي ذلك إضافة الجميع. فمن اعتبر هذا أوجب الزكاة، لكن إنما اختلفوا هل تجب الزكاة في الخمسة المقتضاة خاصة، لأنها تزكى بالملكيين. وسمعنا في المذاكرات وجوب الزكاة في الجميع عند بعض الأشياخ، وهو مقتضى ما عللنا به بعد. وكذلك لو اقتضى عشرة ثم استفاد عشرة ثم بعدها اقتضى دينارًا فيجري هذا الخلاف في الدينار أو في (٣) الجميع حسب ما ذكرناه. ولو كان الاقتضاء عشرة لم يختلف في وجوب الزكاة في الجميع لأنها كيفما أضيفت على الانفراد وعلى (٤) الاجتماع وجبت الزكاة. وعلى هذا القانون (٥) تجري مسائل خلافية في زكاة خليط الخليط هل توجب الواسطة اجتماع (٦) الجميع أم لا؟ وسيأتي بيانه في حكم زكاة الخليط. ...
следующие страницы →