← Фикх малики

Фикх малики · id 121378

التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات

أبو الطاهر ابن بشير

Полный текст (942 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

ينذرهما بعينهما أو تبعاً (١) للشهر أو تبعاً للسنة؛ فإن نذرهما بعينهما ففي المذهب قولان: المشهور أنه لا يصومهما قياسًا على يوم العيد. والشاذ يصومهما قياسًا على المتمتع. وكذلك القولان أيضًا في ناذر ذي الحجة وناذر السنة. والقول أنه يصومهما [هاهنا شاذ جدًا] (٢)، وأما اليوم الرابع من يوم النحر؛ ففي صيامه على النذر قولان: المشهور [جواز] (٣) صومه، لأنه ليس محلاً للنحر عندنا. ولا يتناوله قوله ﷺ : في أيام [النحر] أنها أيام أكل وشرب [وتبعل] (٤). والشاذ أنه لا يصومه، لأنه ملحق باللذين قبله في حكم الرمي بالجمار. وكذلك الخلاف في هذه الثلاثة الأيام هل يصومها من وجبت عليه الكفارة فافتتح الصيام قبل العيد وكان معذوراً حتى لا يبطل تتابعه؟ وهل يصح القضاء في هذه الثلاثة أيام؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يصح، والثاني: أنه يصح، والثالث: التفرقة فيصح في اليوم الرابع، ولا يصح في اليومين اللذين قبله. ومعرفة سبب الخلاف يؤخذ مما تقدم. (حكم تتابع القضاء) ولا يجب تتابع القضاء عندنا بل يستحب. والأصل في هذا أن القضاء إنما ثبت من غير شرط التتابع فيه، فلا تعمر الذمة بتتابعه إلا أن يثبت ما

стр. 737

يقتضيه. وما يقوله أهل المذهب من أن كل صوم في القرآن ينقص (١) عن الشهر فلا يجب تتابعه، وما أكمل فيه الشهر وجب تتابعه، فإنما هو على التقريب وليس ذلك علة في وجوب التتابع وعدم وجوبه. وإنما وجب التتابع في ما كان شهرًا أو شهرين للنص على وجوب التتابع. ويرجع إلى الاحتراز [بالتخيير] (٢) بين الصوم والفطر فيما يجب صومه ولا يصح (٣) فيه القضاء، وهذا كَرَمَضان ثانٍ. ولو نوى به القضاء عن الأول [فالمذهب على ثلاثة أقوال: الإجزاء عن هذا، ويكون أداء. والإجزاء عن الأول] (٤)، ويكون قضاء. وقد تؤولا جميعًا على المدونة؛ لأنه قال: ويكون عليه قضاء رمضان الآخر، ويروى بكسر الخاء، فيكون معناه: الإجزاء عن القضاء. ويُروى بفتحها، ويكون معناه (٥): الإجزاء عن الأداء. وقيل لا يجزي عن واحد منهما. وخرَّج الباجي قولين بالإجزاء عن الأول والثاني، على خلاف في المذهب؛ هل تجزي نية القضاء عن نية الأداء، أو عكسه [عدم الخلاف هل يجزيه نية الأداء عن نية القضاء] (٦). ومثله الأسير يصوم شهرًا، ثم يتبيَّن له أنه صام شعبان. وقد قدمنا الخلاف في ذلك. والذي يعول عليه في هذا. أما في مسألة الأسير فما قدمناه. وأما مسألة القضاء؛ فإن هذا قاصداً إلى الصوم مع العلم بوجوب صوم هذا الشهر عليه؛ فمن قال بالإجزاء على الأداء رأى أن حقيقة النية قد حصلت (٧)، وحكم بأن الصوم للقضاء حكم بخلاف الشريعة وهو مردود. ومن قال بالإجزاء عن القضاء أعطاه حكم قصده وراعى حكم النية،

стр. 738

ولا صوم إلا بها عندنا فيجزيه عن القضاء، وإن أخطأ (١) بتأخير الأداء. وأما من نفى الإجزاء فلأنه رأى تعيين الشهر يقتضي صومه عن الأداء. والقصد [وقع] (٢) بخلاف ذلك وحصل التنافي بين العلم بوجوب (٣) الأداء والقصد إلى القضاء. ومتى حصل التنافي [بين العلم بوجوب الأداء والقصد إلى القضاء] (٤) بطل. وخرَّج أبو الحسن اللخمي على هذا الخلاف فيما لو قصد أن يصوم رمضان عن نذر أو عن كفارة ظهار أو غيرهما. والمنصوص في هذا عدم الإجزاء على الجميع. ولعل هذا لا يجري فيه الخلاف لبعد ما بين الوجوب هاهنا، بخلاف ما إذا قصد ما هو من جنس واحد. ... فصل (كيف يقضي الشهر كاملا من عوّل على التتابع) ولا خلاف أن من أفطر في رمضان أيامًا لا يجب عليه إلَّا عدتها، فإن أفطر جميع الشهر وابتدأ القضاء متفرقاً أو في أثناء شهر ثان؛ فلا يجب عليه إلا عدد الأيام. فإن ابتدأ القضاء في شهر شوال وعوَّل على المتابعة من أوله، فإن كان كعدد الأول فلا شك في الإجزاء، وإن كان هذا الثاني أكمل فهل يجب عليه صيام جميعه؟ [وهل يكتفي به إذا نقص؟] (٥) في المذهب قولان: أحدهما: أنه يراعي عدد الأيام ولا حكم للشهر، لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٦). والثاني: أنه يراعي حكم الشهر؛ لأنه ليس في

стр. 739

ذمته إلا شهر. ويلتفت هذا الخلاف (١) في القضاء، هل يجب بالأمر الأول فيكون عليه عدد الأيام، أو بأمر ثانٍ فيراعي الشهر. ... باب في أحكام النية في الصوم (٢). ولا خلاف [عندنا] (٣) في وجوب النية للصائم وعدم الإجزاء مع غير قصدها (٤) إلا ما ذكره ابن الماجشون وأحمد بن المعذّل (٥) في الصوم المتعيّن. وهذا لأنّ الصوم عبادة محضة، وهو يقع عبادة وعادة. والنية للتمييز بين العبادات والعادات. ثم لا خلاف أنه لا تجزي عندنا إلا أن تتقدم النية على سائر أجزائه، فإن طلع الفجر ولم ينوِ لم يجزه في سائر أنواع الصيام إلا يوم عاشوراء ففيه قولان: المشهور من المذهب أنه كالأول، وهذا لعموم قوله ﷺ : "لا صيام لمن لم يبيَّت الصيام من الليل" (٦) على أنه قد اختُلف في مقتضى هذا النفي. وتحقيقه مُحال على فنه من

стр. 740

الأصول. والشاذ اختصاص يوم عاشوراء بصحة الصوم وإن وقعت النية في النهار، لقوله ﷺ يوم عاشوراء: "أنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر" (١). وظاهره يقتضي إباحة الصيام لمن لم يبيِّته، ولعلَّه يحتمل هذا في المشهور (٢) على بيان الحكم في عدم الوجوب، ويكون معناه: فمن شاء أن يصم في عام ثان لا في هذا اليوم. (محل النية) وإذا ثبت اشتراط تقدّم النيّة. فلا خلاف عندنا أن محلّها الليل، ومتى عقدت فيه أجزأت ولا يشترط مقارنتها للفجر بخلاف الصلاة والطهارة والحج، فإنا (٣) نشترط المقارنة والتقدم بالزمان اليسير على ما تقدّم تفصيله. والفرق بين الصوم وبين سائر [هذه] (٤) العبادات أن الغالب [مجيء] (٥) أول زمن (٦) الصيام والناس (٧) نيام. وفي تكليفهم المقارنة كبير مشقة عليهم، تُسقط مثلها الشريعة. (هل يجزي تبييت النية في أول رمضان علي سائره أم لا ؟) لكن اختلف المذهب هل يجزي التبييت في أول رمضان على سائره، أو لا بدّ لكل ليلة من التبييت؛ فالمشهور: الإجزاء. والشاذ اشتراط التبييت في كل (٨) ليلة، [لأن الليل زمان لا يصح صومه، فهو كالتابع للنهار] (٩).

стр. 741

وسبب الخلاف النظر إلى تخلل الفطر، وهو يقتضي منع اتصال العبادة، فيفتقر إلى التبييت كل ليلة. أو النظر إلى أن الليل زمن لا يصح صومه، فهو كالتابع للنهار، أو في حكم العدم معه. أو النظر إلى اتصال الصيام، أو التعويل على صوم جميع تلك الأيام. (هل يفتقر سارد الصوم إلى تبييت النية كل ليلة ؟) وعلى هذا التعليل اختلف في من شأنه سرد الصوم، أو من نذر صوم يوم بعينه، هل يفتقر إلى التبييت كل ليلة أو يكفيه التعويل من أوله؟ ولا شك على الشاذ من المذهب أنه يفتقر إلى التبييت. وإنما هذا الخلاف على المشهور، فمن علَّل في رمضان بوجوب اتصال الصيام أوجب التبييت في حق من شأنه سرد الصوم وفي حق ناذر يوم بعينه، ومن علَّل بالتعويل على إدامة الصيام لم يوجبها في حق من يسرد الصوم وأوجبها في حق الناذر ليوم بعينه، ومن عوَّل على التعويل (١) على صوم الأيام أسقط التبييت عن جميع هؤلاء. وفي المذهب في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: إيجاب التبييت إلا في رمضان كما تقدم. والثاني: نفي إيجابها عن سارد الصوم وعن الناذر يومًا بعينه. والثالث: إسقاطه عن الناذر (٢) دون غيره. ولو طرأ في رمضان ما أباح الفطر فهل يفتقر إلى [إعادة] (٣) التبييت؟ في المذهب قولان. وقد قدمنا مسألة الحائض تشك هل طهرت قبل الفجر أو بعده؟ وأن الأشياخ أخذوا منها أن إعادة التبييت لا يلزم، لأنه إنما علَّل في المدونة وجوب القضاء بأنها لا تدري أطهرت قبل الفجر أو بعده، ولم يلتفت إلى النيَّة. وهذا الاستقراء ظاهر على أنه قد يُعلِّل [بعلَّة] (٤) ثم يعوِّل

стр. 742

على غيرها. وهذا كما قدمناه في الإمام أن يقرأ الإمام سورة فيها سجدة (١) في صلاة الفرض خيفة التخليط. ثم سئل عن الفذ فكرهه أيضًا. والتخليط مأمون في حقه. وسبب الخلاف في وجوب إعادة النية (٢) النظر إلى التعويل على إدامة الصوم في الأول ووجوبه. وما طرأ من الفطر غير مؤثر في النية الأولى، ولا يفتقر إلى تبييت. أو النظر إلى تخلل زمان يصح (٣) صومه [وفطره] (٤)، فصار قاطعًا للنية الأولى. وقد فرق بعض المتأخرين بين الحائض وغيرها بوجهين: أحدهما: أنها معولة في الغالب على وجود الحيض فتفطر فيه، ثم تعود إلى الصيام وكأنها قاصدة في الأول إلى التبييت بعد انقطاع الحيض، بخلاف المريض والمسافر وهذا ظاهر في المريض وأما المسافر فإن عوَّل من (٥) أول رمضان في أول صومه على أنه يسافر، فهو كالحائض. والثاني: أنَّ زمن الحيض لا يصح صومه فأشبه الليل، بخلاف المسافر والمريض. وإذا قلنا بصحة التبييت من الأول فإنما يجتزي بذلك ما لم يأت بما يناقض نيته (٦). وإن أتى بما يناقض، وقصد إلى الفطر؛ فإن كان بعد انعقاد الصوم في أثناء النهار فقولان: أحدهما: أن ذلك لا يضره، والثاني: أنه يبطل صومه. وهما على الخلاف في الصوم، هل كل جزء منه قائم بنفسه أو أواخره مبنية على أوائله. فإن قلنا إن كل جزء يعطى حكم نفسه أبطلنا الصوم. وإن قلنا إن أواخره مبنية على أوائله اختلف في هذا على الخلاف في رفض العبادة

стр. 743

هل يؤثر أم لا؟ وإن كان قصده إلى رفض النية قبل الفجر فلا يصح صومه. وفي هذا نظر إذا قلنا إن جميع الشهر في حكم اليوم [الواحد] (١)، فعلى هذا يختلف فيه وإن قصد إلى الرفض قبل الانعقاد وقبل طلوع الفجر. ... باب في أحكام الكفارة (٢) والنظر فيها ينحصر في فصلين: أحدهما: على من تجب، والثاني: في صفتها. فأما الأول فقد تقدَّم [الكلام] (٣) عليه، وأما الثاني فهي صغرى وكبرى. فالصغرى مدٌّ عن كل يوم بمدِّ النبي ﷺ ، وأما الكبرى فقد اختلف المذهب في صفتها؛ فالمشهور: أنه ليس فيها إلا الإطعام. لكن اختلف المتأخرون هل ذلك من باب الأولى ويجزئ غيره، أو من باب الأوجب فلا يجزئ غيره. والشاذ أن يكون بالإطعام وغيره. وإذا قلنا بهذا فهل تتنوع بقدر (٤) أنواع الموجب، أو تكون على حدٍّ سواء. في المذهب قولان: والأشهر تساويهما وإن اختلف الموجب. والشاذ أنها بالإطعام إن كانت بغير جماع، وعتق أو صيام (٥) إن كانت بالجماع. وإذا قلنا بالتساوي فهل هي على التخيير ككفارة الأيمان أو على الترتيب ككفارة الظهار؟ في ذلك قولان. وإذا قلنا بالتخيير هل يبتدأ بالطعام أولًا أو بالعتق؟ في ذلك قولان. وسبب الخلاف اختلاف ظواهر، [فَعُول في] (٦) المشهور على قوله ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ تعالى: (٧)، وحمله على الكفارة

стр. 744

الكبرى بتعمد الفطر. وقد قدمنا الخلاف في معنى الآية. ومن فرَّق بين الموجب (١) رأى أن الآية محمولة على الفطر بغير الجماع، والأحاديث تقتضي الفطر بالجماع، ونظر أيضًا إلى أن الأشد والآثم [يجب على الأشد في الارتكاب] (٢) والجماع أشد والشهوة فيه أغلب، فكان الواجب عنه أكبر (٣) من الواجب عن غيره. ومن قال بالترتيب عوَّل على ما في بعض الطرق من أنه ﷺ سأل المستفتي له هل يستطيع إعتاق رقبة؟ فلما أخبره بعدم قدرته على ذلك سأله عن استطاعته الصوم، فلما أخبره بالعجز عنه سأله عن القدرة عن الإطعام. فهذا يقتضي الترتيب ككفارة الظهار، ولأنها أيضًا تنوعت بأنواع الظهار ومقدرة (٤) بقدرها فتجب المساواة بينهما. ومن خيَّر فلما في بعض الطرق من التخيير، وكأن من يرى أن الأولى الابتداء بالعتق يراعي مذهب المرتبين، ومن يرى الابتداء بالإطعام يراعي مذهب المقتصرين عليه. هذا مبادئ سبب الخلاف بحسب ما يليق بهذا المجموع. والإطعام [ستون مدًّا] (٥) لستين مسكينًا كما في الظهار، وكذلك في الحديث عنه ﷺ (٦). وهل تكون من عيش المكفِّر أو من غالب عيش الناس

стр. 745

إن اختلف ذلك. قال أبو الحسن اللخمي: "يجري على الخلاف في الكفارة في زكاة الفطر". وأما الرقبة فيشترط فيها السلامة [والإيمان] (١) كما يشترط في سائر الكفارات. وبيان ذلك يأتي في كتاب الإيمان والظهار. ... فصل (تعدد الكفارة) وعندنا أن الكفارة تتعدد بتعدد الأيام. وهل تتعدد بتعداد الانتهاك في اليوم الواحد؟ أما إن انتهك قبل أن يكفِّر فلا خلاف أنها لا تتعدَّد، وأما إن كفَّرَ ثم انتهك، فإن أكل أو شرب أو جامع فللمتأخرين قولان: أحدهما: إيجاب كفارة ثانية وثالثة وإن أكثر الانتهاك تكررت (٢) الكفارة. والثاني: الاقتصار على كفارة واحدة وهو خلاف في عودة حرمة اليوم بإخراج الكفارة أو نفي عودتها. (عقوبة من ظهر عليه الأفطار متعمداً) وتجب العقوبة على من ظهر عليه الإفطار في رمضان متعمدًا. وإن جاء مستفتياً [تائباً] (٣) فأجراه أبو الحسن اللخمي على الخلاف في شاهد الزور إذا جاء مستفتيًا. وفي عقوبته قولان. والظاهر هاهنا نفي العقوبة لأنّ الرسول ﷺ يعاقب المستفتي له في ذلك (٤). وأيضاً، فإن شهادة الزور أكبر من انتهاك حرمة الصوم لتعلقها بالغير (٥)، ولأن الرسول ﵇

стр. 746

عدَّها من أكبر الكبائر ثم ردَّدَّ قوله: "ألا وقول الزور" حتى تمنىَّ الحاضرون سكوته" (١). وإذا وجبت العقوبة كان مصروفة إلى الاجتهاد بقدر جرأة الفاعل وعدم جرأته. (وجوب الكفارة على السفيه) وتجب الكفارة على كل مكلف وإن كان سفيهاً. ويكفر عنه وليُّه بالإطعام إن قلنا إنه متعيِّن، أو يأمره بالصيام إن قلنا بأن الكفارة على التخيير. وأما إن قلنا إنها على الترتيب فتجري على حكم كفارة الظهار. وفيها خلاف هل يجزي على السفيه الصيام عنه وإن كان واجداً للرقبة، أو لا تجزيه إلا الرقبة؟ وبيانه يأتي في موضعه. ... باب في أحكام نذر الصيام والتطوع والأصل في النذر أنه إلزام من المكلَّف، فيحاذي فيه قصده وما نصَّ عليه. وإن لم يقصد شيئًا (٢)، وكان اللفظ محتملاً الأقل والأكثر فبأيهما يلزم؛ في المذهب قولان: أحدهما: أنه يلزمه (٣) الأكثر حتى ينصَّ على الأقل أو يقصد؛ لأنه عمَّر ذمته، ولا تبرأ إلا بالأكثر. والثاني: أنها تبرأ بالأقلِّ حتى ينصَّ على الأكثر أو يقصده (٤).

стр. 747

هذا القانون في هذا الباب وإليه ترجع أكثر مسائله، ومنها أنه لو نذر (١) صياماً ونصَّ على لزوم التتابع فيه أو قصده فلا يختلف في لزوم ذلك، فإن نصَّ على عدم التتابع أو قصده فلا يختلف فيه أنه لا يلزم. وإن أتى بلفظ محتمل ولم يقصد شيئًا ففي المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يلزمه التتابع، ذكر أعواماً أو شهورًا جملة أو واحدًا [أو أيامًا. والثاني: أنه لا يلزمه التتابع في الثلاث صور. والثالث: أنه إن ذكر أعوامًا أو شهورًا جملة أو آحاداً] (٢) لزمه التتابع. وبالعكس إن ذكر أيامًا فقولان في اللزوم ونفيه، راجعان إلى الأصل المتقدم. وأما (٣) التفرقة فلأن الأيام عند هذا القائل يصح تواليها وعدم تواليها. والشهور والأعوام تقتضي ألفاظها الموالاة. وهذا شهادة وحكم على اللغة والتحاكم إليها، [وكأن هذا القائل] (٤) يرى أنه كالنص على التتابع إذا ذكر شهرًا أو شهوراً أو أعواماً، أو كالآتي بلفظ يقتضي ظاهره ذلك. فخرج عنده اللفظ عن أن يكون مستجملاً (٥) لا يقتضي شيئًا. وينخرط في هذا السلك أن ينذر شهرًا ويبدأه (٦) في أثناء الشهر لا في أوله، ففيه قولان: أحدهما: أنه يجزيه تسعة وعشرين يوماً لأنها الأقل. والثاني: أنه يلزمه (٧) إكمال ثلاثين يوماً لأنه الأكمل. ومنه أيضًا أن ينذر نصف شهر ففيه قولان (٨): أحدهما: هل يبرأ بأربعة عشر يومًا، أو لا يبرأ إلا بخمسة عشر يومًا.

стр. 748

وكذلك [اختلف] (١) لو حلف ألا يفعل فعلاً إلى (٢) نصف شهر؛ ففيه القولان كما تقدم. ومن هذا الأسلوب أيضًا أن ينذر سنة بعينها، فهل يلزمه أن يقضي الأيام التي لا يصح صومها؟ في ذلك قولان. ولو نصَّ على القضاء أو قصده لم يختلف فيه، [ولو نصَّ على [نفي] (٣) القضاء أو قصده لم يختلف فيه أيضًا] (٤)، وإنما الكلام على نفي النص والقصد إليه، وكلامنا (٥) على قضاء يومي العيدين. وأما اليومان اللذان بعد يوم النحر فحكمهما الفطر على المشهور من المذهب. وقد قدمنا ما فيهما من الخلاف. وأما اليوم الرابع من يوم النحر فيصومه هذا، على المشهور من المذهب، فقد قدَّمنا ما فيها من الخلاف أيضًا. فإذا (٦) قلنا إنه يقضي من الأيام التي يفطر فيها، فهل يلزمه قضاء شهر رمضان أيضًا لأنه يصومه لغير النذر؟ للمتأخرين فيه قولان: أحدهما: أنه لا يلزمه القضاء؛ لأنه نذر أن يصوم وقد صام. والثاني: لزومه (٧). وكل ما رأيت من الخلاف بين الأقل والأكثر فهو جار على هذا الأسلوب الذي ذكرناه، وعليه يجري حكم (٨) الأيمان [في ذلك] (٩) هل يبدأ فيها بالإقل أو بالأكثر؟ في المذهب في ذلك قولان. وسيأتي بيانه في [كتاب] (١٠) النذور إن شاء الله. ...

стр. 749

فصل (كراهية النذر) وكرِه مالك ﵀ توقيت منذور من صيام أو غيره، وهذا إن كان لأمر يرجوه المكلَّف أو يخافه، ففي الحديث النهي عن ذلك. وقال ﷺ : "إنما يستخرج ذلك من البخيل" (١) معناه: أن هذه الأشياء تكون كالمعاوضة، وأن المكلَّف إذا فعل منها فعلًا استحق أن يعاوض (٢) عنها بمطلوبه. والله تعالى يجلُّ عن الأعواض والانتفاع بالعبادات. وإن كان النذر لغير ذلك فكراهيته لئلا يأتي وقت العبادة في زمان يشق على الإنسان أداؤها فيه، فيأتيها مسخطًا أو مكرهًا، فيكون حينئذ إلى العقوبة أقرب منها إلى المثوبة (٣). لكن من نذر [من ذلك] (٤) شيئًا فعليه الوفاء بنذره لقوله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه" (٥). وهذا إذا نذر ما يكون طاعة ويصح انعقاده. ومثاله في الصوم أن ينذر صيام يوم قدوم فلان فيقدم ليلًا، فإنه [يصح صيامه] (٦) صبيحة تلك الليلة. وإن قدم نهارًا فلا يصح انعقاد الصوم لذلك اليوم عندنا. وهل عليه قضاؤه؟ في المذهب قولان، وهما على الخلاف في القصد هل يتعلق باليوم بعينه فلا يكون عليه القضاء، أو يتعلق بوجوب صوم يوم شكرًا لله تعالى؟ فإن صحَّ صوم يوم القدوم صامه، وإلا صام يومًا مكانه. ولو قدم في الأيام الممنوع صومها كيومي العيدين؛ فالمنصوص نفي القضاء. وخرَّجه أبو الحسن اللخمي على الخلاف، وهو بيِّن على ما علَّلناه.

стр. 750

(من نذر يوماً بعينه فنسيه) ومن مواقع (١) الخلاف في النذور أن ينذر يومًا بعينه ثم ينساه؛ ففي المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يصوم يومًا من أيام الجمعة كائن ما كان، وهذا نظراً إلى أن المقصود يومًا (٢) وهي متساوية. والثاني: أنه يصوم سائر الأيام؛ لأنه عيَّن يوماً وجهله، فلا يتحصل له إلا بصوم جميع الأيام. وكان هذين القولين جاريان على ما تقدم في براءة الذمة بالأقل أو بالأكثر. والثالث: أنه يصوم آخر يوم [من الجمعة] (٣)، فيجعله قضاء إن لم يكن هو. وهذا نظرًا إلى المقصود (٤)، لكنه راعى التعيين. ... فصل (ما يقطع التتابع) وقد قدمنا الخلاف في صيام أيام التشريق لمن نذرها أو قضى فيها رمضان، وذلك الخلاف جار في صومها عن الكفارات. وإذا كانت الكفارة مما يلزم تتابعها فلا تبتدئ في أول ذي الحجة ولا في أول ذي القعدة، للعلم بأن التتابع سينقطع. فإن (٥) ابتدأت قصدًا، فلا شك في قطع التتابع ووجوب الابتداء. وإن ابتدأ قبل ذلك فطرأ مرض أو عذر اقتضى الإفطار حتى [رجع إلى الصيام] (٦) في ذي الحجة وتخلل يوم النحر (٧) فهل ينقطع بذلك التتابع؟ في المذهب [قولان، وهما على

стр. 751

الخلاف في الإفطار لعذر النسيان أو غيره هل ينقطع به التتابع أم لا؟ في المذهب] (١) ثلاثة أقوال: انقطاعه، وعدم انقطاعه، والتفرقة بين أن يقع (٢) الإفطار [مع القصد، ظاناً] (٣) أن الزمان ليس بزمان الصوم، فينقطع (٤) التتابع. [أو يقع النسيان مع العلم بأن الزمان زمان الصوم، فلا ينقطع التتابع] (٥). ويمكن تخريج هذا على الخلاف في الصيام والنذر، هل بابه من أبواب المأمورات فلا يفترق عمده من نسيانه، أو من باب المنهيات فيفترق كما قدمناه في كتاب الطهارة؛ وأما التفرقة فلأن ناسي العدد أو جاهل الزمن معه ضرب من التفريط، فلا يصح عذره. ... [فصل] (٦) (حكم من أفطر في صوم نذر) ومن أفطر في صوم نذرة فإن كان عمدًا (٧) [عصى ووجب] (٨) عليه القضاء، وإن كان نسيانًا أو لعذر؛ فإن كان النذر غير معيَّن وجب القضاء، وإن كان معيَّنا فأربعة أقوال: أحدها: وجوب القضاء مطلقًا قياسًا على رمضان، ولأن في ذمَّته صومًا لم يوف به. والثاني: نفي القضاء، وهو بناءٌ على أن بابه باب المنهيات. والثالث: إيجاب القضاء في النسيان ونفيه في الحيض والمرض؛ لأنّ الناسي معه ضرب من التفريط. والرابع: النظر إلى

стр. 752

أن المقصود هل هذا اليوم لمعنى فيه فلا يجب القضاء، أو إنما المقصود [صوم] (١) يوم فيجب القضاء. ... فصل (إجازة مالك صوم الأبد) والتطوع بالصوم لا شك أنه مشروع. وأجاز مالك ﵀ وأصحابه صوم الأبد. وحكى أبو الحسن اللخمي عن غير واحد منعه، وليس كما قال، [بل مذهب] (٢) فقهاء الأمصار جوازه. وإنما حكى البغداديون الخلاف عن أهل الظاهر (٣). وما ورد في الحديث من النهي عن صيام الأبد (٤) محمول عند المجيزين على أشخاص مُعيَّنين عَلِم ﷺ من أحوالهم العجز عنه، أو لحوق المضرة بهم.

стр. 753

(ما يستحب صيامه) ومما ورد في الشريعة التحضيض (١) على صيام يوم عرفة. وثبت عنه ﷺ أنه قال فيه: "يُكَفِّرُ السنَتَينِ (٢) الماضِية والمستقبَلَة" (٣). ويليه في الفضل يوم عاشوراء، وثبت عنه ﷺ أنه كصوم سنة (٤). ويلحق به صوم يوم التروية. ومن المرغب فيه صوم الأشهر الحرم (٥) وشعبان؛ فإنه كان ﷺ يكثر الصيام فيه (٦)، وثبت عنه ﷺ الترغيب في صوم ستة أيام من شوال (٧) وهي ما بعد يوم الفطر وأنه كصيام الدهر، وهذا لأنّ الحسنة بعشر (٨) أمثالها. فيحصل بصيام رمضان وبصيام هذه الستة الأيام ثلاث مائة وستون يوما. وقد كره مالك صيامها، وهذا على رأيه في كراهية التحديد، لا سيما فيما يلحقه الجاهل بالفرائض. وأجاز مطرِّف صيامها.

стр. 754

(كراهية إفراد الجمعة بالصوم) ومما وقع النهي عنه في الحديث إفراد يوم الجمعة بالصوم، لئلا يعظم كتعظيم (١) اليهود للسبت، وأجازه مالك. قال الداودي (٢) وإنما أجاز إفراده بالصوم لأنه لم يبلغه الحديث. يريد أنه لو بلغه لنهى عنه. ومما ثبت الترغيب فيه صوم ثلاثة أيام من كل شهر. وقد قدمنا أن بعض المفسرين يقول هي المراد بقوله تعالى: ﴿أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٣). وإنما رغب في صيامها لما قلنا من الحسنة بعشر (٤) أمثالها. فيحصل من ذلك صيام الأبد. لكن اختلف في أي الأيام يتعيَّن (٥) الصوم؛ فروت عائشة ﵂ عنه ﷺ : "أنه كان لا يعيِّن من الشهر يومًا بعينه" (٦)، وروى عنه أبو الدرداء أنه حضَّه (٧) على الأيام البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر (٨). وكان أبو الدرداء ﵁ يصوم الأول والحادي عشر والواحد والعشرين. واستحب أبو الحسن القابسي أن يصوم من أول الشهر للمبادرة (٩) إلى الأعمال خشية القواطع (١٠). وهذه الآثار تقتضي نفي التعين.

стр. 755

فصل (في قيام رمضان) وقد تقدم أن قيام رمضان من الفضائل. والانفراد به في البيوت أفضل لأنه أسلم للنية، إلا لمن صحَّت نيَّته، أو إذا كان الانفراد يؤدي إلى تعطيل القيام في المساجد. ولا يلزم القيام بجميع القرآن، لكنه الأولى مع القدرة عليه. ولا يترك من يستكمله ويصلي وراء غيره إلا أن يكون في ذلك الغير معنى من الصلاح، أو ما في معناه ليس في المستكمل. ويجوز أن يقوم من المصحف إذا استمر على القراءة فيه، لا أن ينظر فيه (١) عندما يشكل عليه لأنّ في هذا شغلًا كثيراً. وليس في أعداد الركعات شيء (٢) مؤقت لا يجوز غيره. [وقد روي: إحدى عشر ركعة كقيام النبي ﷺ ، وروي ثلاثة وعشرون، وروي تسعة وثلاثون. وهذا الذي استحب مالك] (٣). وبالجملة ليس فيها (٤) توقيت كما قدمناه. وإذا كثرت الركعات قلَّت القراءة، وبالعكس. وما يتعلق بالقنوت وغير ذلك من الأحكام قد تقدم في كتاب الصلاة.

стр. 756

كتاب الاعتكاف (تعريف الاعتكاف ومشروعيته) وهو في اللغة: اللزوم مطلقاً، وفي الشرع: لزوم العبادات المختصة (١) بالإنسان في الأماكن المختصة بالعبادات. وهو ثابت في شرعنا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٢). وقد كان في شرع من قبلنا، دليله قوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٣). وقد وقع لمالك ﵀ ما ظاهره الكراهة له، وعلل بأحد الوجهين: إما لأنه من الرهبانية التي نهت عنها الشريعة، والظاهر بطلان هذا التعليل لما ثبت عنه ﷺ أنه اعتكف واعتكف جماعة من السلف. وإما لأنه عبادة شاقة قد يعجز عنها الداخل فيها فيؤدي إلى قطعها وإبطالها بعد التزامها، فيلحقه الذم كما لحق مبتدع الرهبانية، لقوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (٤). فإذا تقررت هذه المقدمة قلنا بعدها: النظر في هذا الكتاب ينحصر في فصلين: أحدهما: أركان الاعتكاف وشروطه. والثاني: مفسداته. ...

стр. 757

فصل (في أركانه وشروطه) فأما أركانه وشروطه فنذكرها جملة، ثم نأخذ في تفصيلها. وهي بالقول الجلي لزوم المعتكف (١) المسجد صائمًا مدمناً على العبادة ليله ونهاره، مشتغلاً بكل عبادة، لا يتعلق (٢) بغير نفسه. وأما تفصيل هذا؛ فإن المعتكف يدخل المسجد وقد هيأ (٣) أسباب معيشته وما يفتقر إليه من اللباس إن كان قادرًا على ذلك. وإن كان عاجزًا فهل يجوز له الاعتكاف ثم ينظر النظر اليسير في أسباب المعيشة وغسل ثيابه؟ في المذهب قولان: أحدهما: إجازته للضرورة، والثاني: المنع لأنّ اشتغاله بما قلنا خروج عن حقيقة الاعتكاف. (مدة الاعتكاف) وأكمل الاعتكاف في عشرة أيام والزيادة عليها خروج إلى حد الرهبانية وزيادة على فعل الرسول ﵇. وقد يؤدي ذلك إلى العجز فيبطل الجميع. فإن فعل ووفَّى به فلا حرج. وهل يجوز اعتكاف يوم واحد؟ في المذهب قولان: الإجازة، لأنه ﷺ أمر بذلك عمر ﵁ (٤). والكراهية، اقتداءً بفعل الرسول ﵇، ولم يعتكف أقل من عشرة أيام. فإن نذر اعتكاف ليلة فهل يبطل نذره لأنه نذر ما لا يجوز (٥) في

стр. 758

الاعتكاف، إذ من شرطه الصوم، أو يصح ويلزمه اعتكاف يوم وليلة لارتباط أحدهما بالآخر؟ في ذلك قولان. (مكان الاعتكاف) فإن اعتكف دون العشرة وكان لا يتخلل اعتكافه جمعة جاز أن يعتكف في سائر المساجد. فإن اعتكف عشرة أو دونها وكان يتخلل اعتكافه يوم جمعة فهل يجوز له أن يعتكف في غير مسجد يجمع فيه؟ (١) في المذهب قولان: المشهور أنه لا يجوز، والشاذ جوازه. وهو خلاف في الخروج إلى الجمعة هل هو مباح لأنه من العبادة المتعلقة بنفس الإنسان، أو لا يجوز لأنه تصرف مستغنًى عنه بأن يعتكف في موضع تجمع فيه الجمعة؟ فإن (٢) اعتكف في غير الجامع ثم أتت الجمعة، أو ابتدأ الاعتكاف في غيره ثم ظن أن الجمعة لا تأتيه فمرض أو حاضت المرأة ثم أتتهم الجمعة أُمروا بالخروج إليها. وهل يبطل بذلك اعتكافهم أم لا؟ قولان: أحدهما: البطلان لأنه مخالف [لحقيقة] (٣) الاعتكاف، والثاني: الصحة لأنه أمر ضروري كحاجة الإنسان. وإذا قلنا بصحة الاعتكاف فهل يعود إلى موضع اعتكافه أو يتم في الجامع؟ قولان: أحدهما: العودة لأنه تعيَّن بالقصد والإتمام في الجامع [مخالفة لحقيقة الاعتكاف. والثاني: الصحة والإتمام في الجامع] (٤) لأنه مساوٍ للأول، والرجوع عمل مستغنى عنه. (حكم ابتداء الاعتكاف ونهايته) ولا خلاف عندنا أن من دخل موضع اعتكافه بعد طلوع الفجر لا يعتد بذلك اليوم؛ لأنّ الاعتكاف لا يكون إلا بصوم، والصوم يفتقر إلى نية قبل الفجر. وإن دخل قبل غروب الشمس اعتد باليوم. وإن دخل بعد الغروب

стр. 759

وقبل الفجر، فهل يعتد به أم لا؟ في المذهب قولان: أحدهما: الاعتداد لأنّ المقصود (١) [دخوله في زمن يصح فيه عقد] (٢) الصوم وهو حاصل بذلك. والثاني: نفي الاعتداد به لأنّ المشروع فيها أن يجمع بين الليل والنهار، ولا يصح استيفاء جميع أجزاء الليل (٣) إلا أن يدخل قبل الغروب. هذا حكم ابتداء الاعتكاف، وأما نهايته؛ فإن اعتكف غير العشر الأواخر من رمضان؛ فإن المذهب أجاز خروجه إذا غربت الشمس من آخر اعتكافه. ورأى أبو الحسن اللخمي أنه لا يخرج إلا بعد طلوع الفجر. وعوّل على قول أبي سعيد الخدري ﵁: فلما كانت (٤) ليلة إحدى وعشرين وهي التي يخرج الرسول ﵇ في (٥) صبيحتها من اعتكافه (٦). ولعل أهل المذهب لم يعوّلوا على هذا؛ لأنه ليس بإخبار عن قول الرسول ﷺ . ولعله إنما قام تلك الليلة لالتماس (٧) ليلة القدر. وقد قالوا إنه (٨) المقصود بالاعتكاف لأنّ (٩) المعتكف مواظب على العبادة ولا

стр. 760

يتركها إلا مغلوباً (١). وإذا اعتكف في زمان (٢) يظن أن ليلة القدر فيه حصل له (٣) التماسها بالعمل. وإن كان الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان فهل يخرج عند غروب الشمس قياسًا على الأول أو بعد طلوع الفجر؛ في المذهب قولان: البقاء إلى طلوع الفجر؛ لأنه المروي عن الرسول ﵇. وإذا قلنا إنه يبقى إلى الطلوع فهل على جهة الوجوب أو على جهة الندب؟ في المذهب قولان. وهما على الخلاف في أفعاله ﷺ ، هل تحمل على الوجوب أو على الندب. وثمرة الخلاف لو فعل بعد خروجه فعلاً يضاد الاعتكاف فهل يفسد اعتكافه ويبتدئه من الأول أم لا؟ فإن أوجبنا الإقامة فسد اعتكافه وابتدأه من الأول، وإن قلنا باستحبابه لم يفسد. وقيل إنه يفسد بنفس الخروج. ومعنى قولنا: "إنه يخرج بعد طلوع الفجر"، أن يخرج إلى شهود العيد، فإذا شهده رجع منه إلى أصله (٤). (اشتراط الصوم للاعتكاف) ومن شروط الاعتكاف ألا يكون إلا بصوم، لكنه لا يختص الصوم به لأنه ﷺ اعتكف في رمضان. وقد استدل أصحابنا على اشتراط كونه في صوم بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٥). وهذا يقتضي تعلق الاعتكاف بالصوم لأنّ النهي عن المباشرة إنما المقصود بها (٦) في الآية منع الصيام. وهذا الاستدلال يفتقر إلى مزيد نظر لسنا له الآن، لكن المعوَّل

стр. 761

في ذلك على فعل النبي ﷺ وفعل السلف. وهذا إذا كان الاعتكاف تطوعا، فإن نذره فلا يخلو أن ينذره معلقاً بزمن [الصوم] (١) كمن نذر اعتكاف أيام من رمضان، أو أيام من صيام واجب عليه لكفارة أو لنذر، فهذا كالأول. أو ينذره مطلقا. فهل يختص بصيام (٢) يكون له خصوصاً؟ في المذهب قولان: أحدهما: كالأول. وإنما يتعلق النذر بالاعتكاف خاصة لا بصوم (٣). لكنه لا يوقع إلا في الصوم. والثاني: اشتراط صوم يختص به. ويرى هذا أن نذر الاعتكاف يتضمن نذر الصوم، فيلزمه صوم (٤). وهذا الذي قلناه من اشتراط الصوم إنما يلزم في الاعتكاف الذي لا يقصد به الجوار. كالجوار في مكة، يلتزم البيت للنظر إليه (٥) وذلك عبادة، ثم ينقلب ليلًا إلى أهله، فهذا لا يلزمه (٦) صوم. وكذلك إن لزم غير البيت من المساجد فقصد التحرم (٧) ببيت الله تعالى ولم يقصد الاعتكاف الشرعي. فهذا أيضًا لا يلزمه فيه الصوم. وإذا لزم الصوم كما قلنا فطرأ ما يمنع منه كالحيض والمرض؛ فأما الحائض فلا شك أنها تفارق المسجد في زمان الحيض. فإن انقطع عنها الدم فاغتسلت في أثناء النهار فهل يلزمها الرجوع إلى المسجد عند انقطاع الدم والاغتسال، وإن كانت لا تصوم ذلك اليوم؟ وكذلك المريض يقدر على لزوم المسجد ولا (٨) يمكنه الصوم، أو يصح في بعض اليوم (٩).

стр. 762

وكذلك المعتكف في آخر رمضان يبقى عليه شيء من اعتكافه حتى يجب عليه إتمامه في شوال، هل يجلس يوم العيد في المسجد؟ في ذلك كله قولان: أحدهما: وجوب الجلوس في المسجد لأنه عبادة، فلا تسقط بسقوط عبادة أخرى وهي الصوم. والثاني: أنه لا يلزمه ملازمة المسجد لأنّ ذلك الزمن غير معتد به في (١) الاعتكاف، والإعتكاف (٢) لا يكون إلا بصوم فتسقط الملازمة في ذلك الزمن. (هل يخرج المعتكف لصلاة العيد وغيره من العبادات أم لا ؟) وإذا أوجبنا الملازمة يوم العيد هل يخرج إلى صلاة العيد أم لا؟ قولان. والخروج مراعاة لقول من يقول لا يلزمه [اللزوم وإلا فصلاة] (٣) العيد سنة. فلا (٤) ينبغي أن يخرج إليها مع وجود اللزوم والاعتكاف متصل. فيلزم المنوي منه بالدخول فيه كما تلزم العبادة المتصلة بالدخول فيها. ولو [نوى] (٥) اعتكاف عشرة أيام مثلًا فدخل فيها لزمه إتمامها كما يلزم إتمام الحج والركعتين من النافلة واليوم في صوم التطوع إذا دخل فيه. ولو نوى صوم عشرة أيام لم يلزمه تمامها بالدخول في أولها لأنها غير متصلة بقطع الليل. وقد قدمنا أن الاعتكاف عبارة عن لزوم العبادات التي تختص بالنفس، ولا ينقطع عنها إلا مضطراً، ولا يخرج إلا لحاجة الإنسان أو لأخذ المعيشة عن قرب إن افتقر إلى ذلك، ولا يترك ما هو فيه لعبادة تختص بالغير كتشييع الجنازة أو عيادة المريض والحكومة بين الناس وأداء الشهادة إذا افتقر أداؤها إلى الخروج واشتغال. فإن كان لا يفتقر إلى خروج وقلّ الاشتغال جاز. واختلف المذهب في صلاة المعتكف على الجنازة في موضع اعتكافه،

стр. 763

فأجيز لأنه من جنس الصلاة، وكره لأنها فرض على الكفاية تتعلّق بالغير. واختلف أيضًا في صعود المؤذن المنارة إذا كان معتكفاً. فأجيز لأنه ذكر، ومنع لأنه غير متعلق بالنفس وله محل مخصوص يؤدى فيه. ... فصل (مفسدات الاعتكاف) وأما (١) مفسدات الاعتكاف، فكل ما يوجب الكفارة في الصيام يفسد الاعتكاف بلا خلاف. وأما ما يقتضي القضاء فهو على قسمين: أكل وشرب وما في معناهما. فلا يُفسد (٢) الاعتكافَ نسيانُهما (٣) وإن أوجب القضاء عندنا. وقبلة ومباشرة وما في معناهما تبطل الاعتكاف عندنا على أيّ حال وقعت؛ في ليل أو نهار، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٤). والمقصود بهذه الآية عند أصحابنا مقدمات النكاح. ولا شك أنَّ النهي عن أواخره تضمنته الآية من باب أولى. ويناقض الاعتكاف زوال العقل بأي وجه كان، لكنه إن كان سببه مكتسب كالسكر، أفسده جملة وبدأ من أوله. وإن كان سببه من الله تعالى كالإغماء والجنون، كان كالمرض يجب قضاء الزمن الذي فقد فيه عقله على ما نفصلّه فيما بعد. وأما المعاصي التي لا تفسد الصيام ولا تفقد العقل؛ فالصغائر منها لا تبطل الاعتكاف، وفي الكبائر منها قولان: رأي المغاربة أنها لا تبطله، قياسًا على الصوم. ورأي البغداديين أنها تبطله؛ لأنها مناقضة لمعنى الاعتكاف. [وتنازعًا] (٥) قوله في الكتاب: "وإن سكر ليلًا فصحَّ عقله قبل الفجر فسد

стр. 764

اعتكافه"، هل ذلك لأنه أتى بسبب يفقد به عقله فعطل زمنًا من الاعتكاف، أو لأنه أتى بكبيرة؟ وقول ابن شهاب وعطاء أو يحدث (١) ذنبًا مما نهي عنه. وهذا يساعد (٢) رأي البغداديين. واختلف في خروجه مضطراً لما يتعيَّن عليه من حق الله تعالى كالجهاد، أو في حق آدمي كالسجن في دين، هل يبطل اعتكافه لأنه قاطع لاتصاله كقطع الصلاة بفعل يضادها (٣)، أو لا يبطل لأنه لضرورة كالمرض والحيض؟ وهذا إذا لم يقصد بالاعتكاف هروبا من حق وجب عليه، وإن قصد ذلك بطل اعتكافه، ولا يختلف فيه. وإذا بطل الاعتكاف وجب القضاء على الإطلاق، وإن طرأ ما يقطع الاتصال ولا يفسده (٤) كالمرض والحيض. فكل موضع يجب فيه قضاء الصيام [يجب فيه قضاء الاعتكاف، [وكل موضع لا يجب فيه قضاء الصيام] (٥)، أو يختلف فيه كالنذر المعيَّن يمرض فيه أو تحيض المرأة فيختلف في قضاء الاعتكاف] (٦) كما اختُلف في قضاء الصوم. (جواز عقد النكاح للمعتكف) و [أجازوا] (٧) للمعتكف أن يعقد النكاح ويتطيب بخلاف المحرم. والفرق أن المعتكف في موضع لا يخالط فيه النساء ولا يرى من يفتنه،

стр. 765

فيكفيه الاحتراز بموضعه. والمحرم في موضع متعرض لمخالطة (١) النساء، فنهي عن عقد النكاح ودواعيه من الطيب وما في معناه. ... فصل (المقصود بالاعتكاف إحياء ليلة القدر) والمقصود بالاعتكاف إحياء ليلة القدر وإصابتها بالعمل. وقد كان النبي ﷺ يعتكف العشر الأواسط من رمضان، ثم أُعلم أن مطلوبه في الأواخر فاعتكف (٢) في العشر الأواخر (٣). واختُلف في العشر الأواخر، وسنذكر خلاف الناس فيها. وشذ بعضهم فقال إنها كانت في زمن الرسول ﷺ ثم رفعت. وهذا غير صحيح؛ لأنّ النبي ﷺ أمر بالتماسها، وأخبر أن أمته أنها اعطيتها لما [تقلص من] (٤) أعمارها حتى تنوب لها منابة طول أعمار الأمم الماضية. وهذا يدلّ على بقائها لأمته. ودونه في الشذوذ من قال إنها في جميع السنة. ويردّه قوله

стр. 766

تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ (١)، والقرآن أنزل جميعه إلى السماء الدنيا في رمضان. وهذا يقتضي أن ليلة القدر فيه (٢). ودونه في الشذوذ من قال إنها في جميع الشهر، ويردّه أمره ﷺ بالتماسها في العشر الأواخر. ودونه في الشذوذ من قال إنها في جميع العشر الأواخر ويردّه أيضًا أمره ﷺ بالتماسها في الأوتار. [واختلفا القائلون بأنها في الأوتار] (٣) هل تتعينّ لها ليلة أم لا؟ فقيل تتعين. واختلف القائلون بذلك على أعداد [أوتار] (٤) العشر الأواخر؛ فقيل لا تتعين، وهو مذهب جمهور المتأخرين. واختلف هؤلاء؛ هل تنتقل في المشهور أو لا تنتقل، بل تكون في ليلة معيَّنة لكنها مجهولة عندنا. وفي الجهل بها فائدة كبرى (٥) لئلا يتكل المكلف عليها فيترك العمل، فإذا طلبت في زمن يظن كونها فيه حصّلها وحصّل غيرها. وقد روي في الحديث الأمر بالتماسها في التاسعة والسابعة والخامسة (٦). فاختلف هل المقصود ظاهر هذا اللفظ، أو لتسع بقين، أو لسبع بقين، أو لخمس بقين. فيكون المقصود ليلة إحدى وعشرين، أو ليلة ثلاث وعشرين، أو ليلة خمس وعشرين، وهو قول مالك في الكتاب. والصحيح فيها، وفي الصلاة الوسطى، وفي الساعة التي في يوم الجمعة أنها مجهولة عند المكلفين لفائدة كبرى، وهي كثرة الأعمال كما قدمناه. وقد نجز عرضنا من الاعتكاف.

стр. 767

كتاب الزكاة (تعريف الزكاة) [قال الفقيه الجليل الإمام مؤلفه ﵁] (١): الزكاة في اللغة: عبارة عن الزيادة والنماء. وفي الشريعة: عبارة عن [نقص] (٢) مخصوص (٣) بإخراج جزء من المال، لكن سمّتها الشريعة زكاة؛ إما لأنها تعود بنماء المال، وتركها يعود بنقصانه كما روي عنه ﷺ أنه قال: "ما خالطت الزكاة مالاً إلا فجعته" (٤)، وإما لأنها منمية للأجور، وإما لأنها مكملة (٥) للأخلاق بالتطهير عن رذيلة (٦) البخل. (حكمتها) وشرعت إرفاقاً (٧) للمساكين وشكراً لله تعالى. وإليه الإشارة بقوله تعالى:

стр. 768

﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (١). وتطهرًا من رذيلة (٢) البخل، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٣) الآية. (حُكمها) وكل ما دلّ على وجوب الصلاة دلّ على وجوب الزكاة، وهما قرينان في الكتاب (٤) والسنَّة وإجماع الأمة، وباقترانها استدل الصديق ﵁ على وجوب مقاتلة مانعي الزكاة. (بعض حِكمها وأسرارها) وقد عدلت الشريعة فيها بين أرباب المال والمساكين فلم تعلقها بغير النامي من المال. ولهذا تعلقت بثلاثة أنواع: النماء المحض، وهو النبات والمعدن. وما ينمو بطبعه، وهي الماشية. وما هو معد (٥) للنماء، وهو العين؛ الذهب والفضة. وأسقطتها من العروض إلا أن يقصد بها التجارة فتكون راجعة إلى حكم العين (٦)؛ لأنّ نماء هذا النوع (٧) يصرفه في العروض، ولا شك أن ما هو نماء في نفسه لا يفتقر إلى ضرب الحول بل تجب الزكاة عند حصوله. وما ينمو بطبعه أو بالتحريك لا يحصل فيه كمال النماء المقصود إلا بعد أن يحول عليه الحوْل، ولهذا ضربت الشريعة الأحوال للعين والماشية، وأوجبت زكاة المعدن والنبات عند حصولها. ثم لو أوجبت الزكاة في اليسير والكثير لم يتميز الآخذ عن المعطي، وأدى إلى الإجحاف بمالك اليسير، فقدّرت النصاب. ولا خلاف أنها مقدرة

стр. 769

في النبات والماشية، وكذلك عندنا هي مقدرة في سائر الأموال التي تتعلّق بها الزكاة. ولا خلاف أن نصاب الورق مائتا درهم، وهذا لما ثبت عنه ﷺ أنه قال: "لَيسَ فِيما دُونَ خَمْسِ أَواقٍ مِنَ الوَرِق (١) صدَقةٌ" (٢)، والأوقية مقدرة بأربعين درهماً. وأما الذهب فنصابه عند جمهور الأمة عشرون دينارًا، وقد روي عنه ﷺ حديث موافق لهذا التقدير لكن لم يثبت سنده، والمعوّل على تقدير (٣) صرف الدينار بعشرة دراهم خالصة (٤). ... فصل (زكاة العين) وإذا تقرر [ما قدمنا] (٥) قلنا بعده النظر في هذا الكتاب وهو زكاة العين، ينحصر في ركنين: أحدهما: أحكام النصاب والأحوال، والثاني: أحكام الفوائد والديون والتجارات وتميزها مع الاختلاط. وهذا الركن كأنه فرع للأول. (نصاب العين) ونبدأ بالنظر في نصاب العين وتفصيل أحكامه ثم نحاذي ترتيب الكتاب. وقد قدمنا مقدار نصاب العين وهو إن كان كاملًا لا نقص فيه وزناً ولا صفة وجبت الزكاة كما قدمناه ثم الزائد عليه يؤخذ منه بحسابه.

стр. 770

(نصاب العين الناقصة إذا كان التعامل بالوزن) ولا خلاف أن المأخوذ ربع العشر، وهو من العشرين دينار نصف دينار، ومن المائتي درهم خمسة دراهم، وما زاد على ذلك أخذ بحسابه. وإن نقصت الدنانير والدراهم عن هذا المقدار فلا يخلو [من] (١) أن يكون التعامل بها بالوزن أو بالعدد؛ فإن كان التعامل بها بالوزن وكان النقص يؤثر في انحطاطها عن الحاصل بالكامل (٢) لم يختلف في أن الزكاة غير واجبة. وإن كان لا يؤثر فإن كان النقص كثيرًا فلا خلاف أن الزكاة غير واجبة. وهذا القسم كأنه لا يتصور إذ لا يتعامل بالوزن ويكثر النقص ثم يتوصل بالناقصة إلى ما يتوصل إليه بالوازنة إلا أن ينظر إلى القيمة. ولا خلاف عندنا أنه لا تراعى القيمة في التقدير. وحكى الغزالي عن مالك ﵀ مراعاتها، وأن الشافعي أطنب في الرد عليه، ولا يوجد ما قاله في المذهب وإنما رأى ما في الموطأ من أنها إذا نقصت وكانت تجوز بجواز الوازنة وجبت الزكاة، فظن أن النقص في المقدار والجودة (٣) في الصفة، لأنها بارتفاع قيمتها تلحق بالوازنة. وهذا الذي ظنوه باطل قطعًا وليس هو مراد أهل المذهب، وإنما مرادهم (٤) ما نفصله. وإن قل النقص فلا يخلو من أن تتفق الموازين عليه (٥) أو تختلف، فإن اتفقت عليه وهو يسير ففي المذهب قولان: أحدهما: وجوب الزكاة التفاتاً إلى حصول الأغراض بها كما تحصل بالكاملة، والثانى: سقوطها التفاتًا إلى النصاب المقدر (٦) في الحديث. وهذا ناقص عنه. فكأنه في القول الأول لاحظ المعنى وفي القول الثاني لاحظ اللفظ وحمله على اتباع ما ورد.

стр. 771

فإن اختلفت الموازين وكانت في بعضها كاملة (١) وفي بعضها ناقصة فالمنصوص للبغداديين وجوب الزكاة تعويلًا على الكمال. ولا يبعد أن يجري، على قولين. وبين الأصوليين خلاف إذا اجتمع شيئان: أحدهما: موجب، والثاني: مسقط، هل يغلب الموجب أو بالعكس؟ (نصاب العين الناقصه إذا كان التعامل بالعمد) فإن كان التعامل بالعدد فلا يخلو من أن ينقص في العدد أو ينقص في الوزن؛ فإن نقصت في العدد فلا خلاف في سقوط الزكاة، وإن نقصت في الوزن ولم تجز بجواز الوازنة فلا خلاف في سقوط الزكاة، وإن جازت بجواز الوازنة فثلاثة أقوال: أحدهما: وجوب الزكاة مراعاة للمعنى (٢) كما قدمناه. والثاني: سقوطها نظرًا إلى ما ورد. والثالث: وجوبها مع النقص اليسير لا بالعكس (٣). وهذا نظراً إلى أن اليسير في حكم المعفو عنه. (نصاب العين الناقصة إذا كان النقص في الصفة) وإن كان النقص في الصفة فلا يخلو من أن يكون أصلًا في المعدن (٤) بأن يكون رديئًا أو فيه من الغش [يسير] (٥). فإن كان (٦) من أصل الخلقة وقد اصطلح الناس على التعامل به من غير التفات إلى ذلك النقص، أو يكون بإضافة غش إليه؛ فإن كان في أصل المعدن كما قدمنا فمقتضى المذهب إلحاقه بالكامل في الصفة، فإن كان مضافًا إليه فإن كان يسيرًا جدًا وقد مر الناس على ترك مراعاته كما يقال في الدنانير المرابطية فهو كالأول لا يلتفت إليه. فإن كان كثيرًا فالمذهب على قولين: أحدهما: الاحتساب بما فيه من الخالص وإطراح الغش، فإن كمل

стр. 772

من (١) الخالص مقدار النصاب وجبت الزكاة، وبالعكس إن لم يكمل. وهذا هو المشهور. والثاني: النظر إلى الأكثر فيجعل [الأقل] (٢) تبعاً له؛ فإن كان الأكثر هو الخالص فيجعل الجميع في حكمه وبالعكس. وهذا على الخلاف في الأتباع هل تعطى حكم أنفسها أو حكم متبوعاتها. على أن هذا القول بعيد هاهنا لأنّ المقصود بالنصاب حصول الغنى به، وقد قدرته الشريعة. فإذا وجد الغش فلا شك أن الغنى (٣) المطلوب شرعاً غير حاصل فكيف يقال إن الزكاة واجبة. ومقتضى المذهب أيضًا أن المراعى في الوزن ما كان في الزمان الأول، ولو قيل إن الإجماع عليه لَمَا بَعُدَ (٤). ووقع لابن حبيب ما يقتضي مراعاة أوزان كل بلد. وتعقبه أبو الوليد الباجي، وألزم عليه وجوب الزكاة متى اجتمع للإنسان عشرون رباعياً في قطر صقلية ومن كان مثلهم؛ لأنهم يعتدون هناك بالرباعي وبه يتعاملون. وهذا الذي ألزمه غير صحيح لأنّ أهل صقلية لا يعتدون بالرباعي بدل الدنانير، وإنما يجعلونه جزءًا من الدينار، لكنهم يتعاملون به على أنه جزء كما قلنا، ولا يقتضي أن يعتدوا به كاملًا. ... فصل (هل يكمل بالقيمة النصاب) وهل تراعى قيمة الذهب والفضة فيكمل بالقيمة النصاب وإن قصرت في الوزن؟ أما المكسور (٥) فلا خلاف في المذهب أنه لا يُلتفت إلى قيمته بل إلى وزنه، وكذلك التبر (٦) ...........................

стр. 773

والمسكوك (١) إن تصور فيهما زيادة قيمة. وأما المصوغ فإن كانت الصياغة غير مباحة فلا تعتبر قيمتها أيضًا بلا خلاف. وإن كانت مباحة فظاهر المذهب على قولين: أحدهما: ترك اعتبار قيمتها إلحاقًا لذلك بالمسكوك، والثاني: اعتبارها لأنها كالسلعة المملوكة ويقدر على بيعها وتحصيل العوض عنها. وإذا قلنا باعتبار القيمة فكيف صورة ذلك؟ المنصوص أنها كالعروض فإذا بيعت وجبت الزكاة حينئذ، ولا يكمل بها الأنصاب. ويتخرج في المذهب قول ثان أنه يكمل به النصاب قياسًا على ما قيل في الحلي تكون فيه الأحجار التي لا يقدر على تخليصها أنها تزكى زكاة العين على ما سيأتي بيانه إن شاء الله. ... فصل (جمع الذهب والفضة في تكميل النصاب) ولما (٢) كان النقدان متفقين في حال (٣) المقاصد وأنهما ثمن للمبيعات وقيم المتلفات، وهذا هو المقصد الأول [بهما] (٤)، ولا يختلفان إلا من باب كثرة القيمة وقلتها وجب عندنا أن يجمعا في الزكاة فيكمل النصاب من أحدهما بالآخر. لكن المراعى في ذلك الوزن دون القيمة، ويقدر الدينار بعشرة دراهم. ووقع لأشهب أن (٥) أوقية الدنانير أربعة (٦) [دنانير] (٧)، وإنما عوّل على أن صرف الدينار في حكم الزكاة بعشرة دراهم. وأوقية الدراهم

стр. 774

على ما ورد في الحديث [في حكم الزكاة] (١) أربعون درهمًا، لكن قد قدمنا حكم مراعاة [قيمة] (٢) الصياغة. (حكم إخراج القيمة في الزكاة أو أحد النقدين عن الآخر) وإذا وجب إكمال النصاب منهما فهل يخرج أحدهما عن الآخر في الزكاة؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: الجواز، والثاني: المنع، والثالث: الجواز في إخراج الورق عن الذهب لا بالعكس (٣). والمعلوم من مذهبنا منع إخراج القيمة في الزكاة؛ فمن منع مطلقًا رأى أن إخراج أحدهما عن الآخر كإخراج القيمة في الزكاة، ومن أجاز مطلقًا رأى أنهما لو تساويا في إكمال النصاب كانا كالشيء الواحد لأنّ المطلوب منهما متفق كما تقدم. ومن فرق فلأن الورق أيسر على الأخذ في التصرف (٤) بخلاف الذهب. وإذا قلنا بجواز الإخراج فهل يراعى الصرف الأول؛ الدينار بعشرة دراهم، أو صرف وقت الإخراج؟ ثلاثة أقوال: أحدها: مراعاة الصرف الأول نظرًا إلى أنه كالشرع الثابت في الزكاة. والثاني: التعويل على صرف الوقت لأنّ النظر إلى تحصيل المقصود من المقدار الواجب، وهذا لا يحصل إلا بصرف الوقت. والثالث: النظر إلى صرف الوقت إلا أن يكون المخرج دون الصرف الأول، فيلزمه أن يخرج الصرف الأول، ومثاله أن يلزمه مثلًا نصف دينار فيريد أن يخرج عنه ورقًا. فإن (٥) كان صرفه أكثر من خمسة دراهم أخرج مقدار الصرف، وإن كان أقل خُيّر بين أن يخرج خمسة أو [يخرج] (٦) نصف دينار. وهذا أحتياط للزكاة فيعطى للمساكين الأكثر.

стр. 775

وإذا أراد أن يخرج من الجنس فإن كان المزكى مسكوكًا ووجب فيه مقدار دينار (١) كامل أخرجه من [الجنس] (٢) فإن وجب بعض الدينار فهاهنا [لا يمكن من] (٣) كسره إن كان التعامل بالدينار الكامل. وأما إن كان التعامل ببعض الدينار كما يتعامل في بعض البلاد بالرباعية، فإن وجد منها مقدار كامل أخرجه. وإن لم يكن إلا بفضة فهل يجوز كسره؟ في المذهب قولان، مع الاتفاق أنه لا يجوز كسر الدينار الكامل. والإجازة في حق البعض؛ لأنه لما كان غير كامل فهي قطع فلا يفعل فيها (٤) أكثر مما هي عليه، والمنع لأنّ تلك الأبعاض مسكوكة فأشبهت الدينار الكامل. وإن كان التعامل بالكامل كما قلنا ووجب البعض هل يلزم إخراج قيمة السكة إن أخرج ذهباً؟ في المذهب قولان. والذي عند ابن حبيب أنه لا يلزمه ذلك لأنّ السكة غير مراعاة في إكمال النصاب بهذا، وكذلك لا تراعى هاهنا. ورأى أبو الحسن القابسي مراعاة السكة، فلا يجوز أن يعطى عنده للمساكين قطعة ذهب غير مسكوكة؛ لأنهم كالشركاء للمزكي. والمذهب مختلف في هذا الأصل؛ هل المساكين كالشركاء بمضي الحول، أو ليس كالشركاء؛ وإنما يجب على المكلف في ذمته مقدارٌ، متى أوصله إليهم سقط من ذمته. لكنه إنما يتعلق بالذمة يحوال (٥) العين الذي في يده. وإن أخرج ورقاً أخرج قيمته مسكوكاً بلا خلاف عندنا. وإن كان المزكى مصوغاً فله أن يخرج عنه قطعة ذهب، لكن كسر المصوغ جائز. وإن أراد أن يخرج قيمته ورقاً فإن كانت الصياغة آنية فهي
следующие страницы →