← Фикх малики

Фикх малики · id 121378

التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات

أبو الطاهر ابن بشير

Полный текст (942 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

ليسوا في عياله فهل يعطيهم؟ لا يختلف أنه لا يمنع من ذلك. وهل يجوز أم لا (١)؟ في المذهب ثلاثة أقوال: الكراهية في الكتاب، وعلل بخشية المدح (٢). وفي غيره قولان: الجواز لمساواتهم لغيرهم في الاستحقاق، والاستحباب لانفرادهم بحق القرابة. وفي الحديث أنهم أفضل من صرفت إليهم الصدقة (٣). وقد يكون هذا خلاف في حال، فإن قصد المن أو فضلهم وهم ليسوا في الحاجة كغيرهم كره، وإن أمن المن وأعطاهم لسد الحاجة (٤) ولمساواتهم لغيرهم في الحاجة فالأولى هاهنا الاستحباب لما لهم من حق القرابة. ... فصل (العاملون على جمع الزكاة) والصنف الثالث: العاملون على الزكاة وهم جُباتها وموصّلوها إلى الإمام ليفرقها أو يتولون تفريقها. ولا خلاف أن الصدقة تحل لهذا الصنف وإن كانوا أملياء. وهم أحد الخمسة الذين استثناهم رسول الله ﷺ في أخذ الزكاة وإن كانوا أملياء. لكن اختلف في العبد والنصراني؛ هل يجوز استعمالهما عليها أم لا؟ فأما العبد فالخلاف فيه مبني على أخذ (٥) المستعمل؛ هل يغلب عليه حكم الإجارة المحضة [أو يضاف إلى ذلك] (٦) كونه ممن يستحق على الجملة؟ فإن قلنا بتغليب حكم الإجارة أعطي منها، وإن قلنا بتغليب

стр. 842

ذلك وإضافة كونه ممن يستحق على الجملة فإنه لا يستعمل عليها. وأما الذمي ففي استعماله ولاية له، ولا تحل ولايته. لكن إن كان خادمًا بحيث لا يكون له سلطان على أحد من المسلمين فيختلف فيه على الخلاف في العبد. وإن استعمل عليها فقيرًا أعطي لحق الفقر والاستعمال. وإن كان غنيًا أعطي أجره (١) بحسب الاجتهاد، ولا يزاد على قدر ما يستحقه بالعمل. ... فصل (المؤلفة قلوبهم وهل حكمهم باق أو منسوخ) والصنف الرابع: هم المؤلفة قلوبهم. وقد اختلف هل حكمهم باق أو منسوخ لاستغناء المسلمين عنهم. وإنما كان ذلك في زمن حاجة الرسول ﷺ إليهم. والصحيح بقاء حكمهم، لكن إنما يعطون وقت الحاجة إليهم، قاله القاضي أبو محمد. واختلف في صفتهم فقيل هم قوم من الكفار يعطون ليستألفوا (٢) على الإسلام. وكانوا لا يسلمون بالسيف والقهر، لكن يسلمون بالعطايا والإحسان. وقيل: هم قوم أسلموا في الظاهر ولم يَسْتَقْرِ الإسلام في قلوبهم، فيعطون ليتمكن الإسلام في قلوبهم. وقيل هم قوم من عظماء المشركين أسلموا ولهم أتباع يعطون ليستألفوا أتباعهم على الإسلام. وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى، والقصد بها الإعطاء لمن لا يتمكن الإسلام عنده حقيقة (٣) إلا بالعطاء، فكأنه ضرب من الجهاد. وقد علمت الشريعة أن المشركين ثلاثة أصناف: صنف يرجع بإقامة الدليل وإظهار

стр. 843

البرهان، وصنف بالقهر والسيف، وصنف بالعطاء والإحسان. فيستعمل الإمام بالنظر (١) ما يكون للمسلمين مع كل صنف ما يكون لسبب نجاته من الكفر وتخليصه. ... فصل (عتق الرقاب) والصنف الخامس: الرقاب. ولا خلاف عندنا في الإجزاء إذا اشتروا رقبة سليمة من العيوب، مؤمنة، ليس فيها عقد حرية. فأعتقها عن المسلمين حتى يكون ولاؤها لهم. فإن كانت معيبة فهل تجزي؟ في المذهب قولان: أحدهما: الإجزاء لتناول العموم لها، والمنع (٢) قياسًا على الكفارات (٣)، وكذلك إن كانت كافرة (٤). فإن كان فيها عقد حرية كالكتابة، أو عتق البعض، أو التدبير فهل يجزى الإعطاء في ثمن حريتها؟ في المذهب ثلاثة أقوال: الجواز، لتناول العموم له. ومنع الإجزاء, لأنّ الولاء ليس للمسلمين لكن لمن ابتدأ الحرية. والتفرقة بين أن يعطي لإكمال العتق (٥) فيجزي، أو لغير إكماله (٦) فلا يجزي. وهذا نظرًا إلى أن المقصود تحرير الرقبة لا الولاء. فإن حصلت الحرية بالعطية أجزأ وإلا لم يجزي. وإن أعتق عن نفسه فهل يمضي عتقه مجزيًا عن الزكاة ويكون ولاؤه للمسلمين، أو يمضي العتق عنه ويكون [الولاء] (٧) له ولا يجزى عن المسلمين ويعيد الزكاة؟ في المذهب قولان: أحدهما: مضيها عن الزكاة،

стр. 844

ويكون ولاؤه للمسلمين, لأن المال لهم فيغلب حكمه لأنه المخطئ في اشتراط الولاء له. والثاني: نفي الإجزاء عن الزكاة تغليبًا للقصد. (هل يعطى الأسير لفك رقبة) وهل يعطى منها الأسير لفك (١) رقبته؟ قولان: المشهور: أنه لا يعطى، وهو نظرًا إلى اشتراط الولاء للمسلمين ولا ولاء هاهنا. والثاني: أنه يعطى لأنه فك لرقبته (٢)، وقال ابن عبد الحكم: إنه إذا أخرج زكاته ثم افتقر، فإنه لا يأخذ (٣) منها. وإن أسر افتكت منها رقبته. وهذا لأنّ المال غير عائد إلى الأسير في الفك وعائد إليه في الفقر. ... فصل (الغارمون) والصنف السادس: الغارمون. ولا خلاف (٤) أن من عرف بالدين (٥) وكثر عليه، واستدانه من الآدميين في غير فساد أنه يستحق [أخذ] (٦) الزكاة لأداء دينه، وإن كان عنده مال يؤدي (٧) منه دينه لكنه إذا أداه كان فقيرًا؛ فإن استدانه في فساد، فإن كان على حالته لم يعط، وإن نزع عنها فهل يعطى؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه لا يعطى لأن استدانته غير مباحة بل محرمة، والثانى: أنه يعطى. وهذا نظرًا إلى حالته التي فيها الآن. والأول نظرًا إلى ابتداء أمره (٨). وإن كان الدين لله تعالى كالكفارة والزكاة التي فرط فيها فهل يعطى

стр. 845

لذلك؟ في المذهب قولان. وقد قدمنا الخلاف في هذا الدين هل يسقط الزكاة أم لا؟ وهذا جار عليه. وإن مات مستدينًا فهل يؤدى دينه من الزكاة، في المذهب قولان: أحدهما: أنه لا يؤدى، وهذا حمل الآية على الحي لا على الميت، والثاني: أنه يؤدى، وهذا نظر إلى كونه غارمًا في حين الاستدانة (١). وهل من صفات الغارم أن يكون محتاجًا؟ ذكر الداودي عن مالك قولين: أحدهما: مراعاة ذلك. والثاني: أنه يشير إلى أنه لا يراعى، بل إن (٢) كان مديانًا وله من المال ما يؤدي منه دينه وفوق (٣) ذلك أنه يعطى، قال ولا يفصح (٤) به، وفي الكتاب فيمن بيده ألف أدينار، (٥) وعليه ألفان وله دار وخادم يساويان (٦) ألفان، أنه لا يعطى من الزكاة إلا أن (٧) يؤدي الألف في دينه فتبقى عليه ألف فحينئذ يعطى ويكون من الغارمين (٨). وقال أشهب يعطى وإن لم يؤد. وهذا يشير إلى الخلاف الذي ذكره (٩) الداودي. وسبب الخلاف النظر (١٠) إلى الحال أو إلى المآل. ولا شك في مراعاة كونه لا يستدين لأخذ الزكاة لأنه إن استدان لذلك صار قاصدًا لأخذ الزكاة بالدين، فلا يمكن من ذلك. ومراعاة الحاجة كما قدمناه قد يلحق (١١) الغارم بالفقير والمسكين، ولهذا قال في القول الثاني لا يراعى ذلك. ...

стр. 846

فصل (المراد بسبيل الله) والصنف السابع: سبيل الله [تعالى] (١). وهو محمول على الجهاد عند الجمهور من العلماء، فيصرف إلى المجاهدين وآلة الحرب. ولا خلاف في ذلك أن المغازي يعطى من ذلك، وإن كان غنيًا ببلده [إذا كان فقيرًا بموضعه. وإن كان غنيًا بموضعه] (٢) فهل يعطى؟ قولان: أحدهما: أنه لا يعطى، لعدم حاجته. والثاني: أنه يعطى، إذ لو لم يعط مع ملائه لكان هذا الصنف راجعًا (٣) إلى صنف ابن السبيل. وأيضا فإنه يعطى على سبيل الإجارة على الغزو فيأخذها وإن كان غنيًا. وهل تصرف في بناء الأسوار التي يتقى بها مضرة (٤) العدو، وإنشاء الأساطيل التي المقصود بها مجرد الغزو وما في معنى ذلك من مجرد الآلات (٥)؟ ظاهر المذهب على قولين: والمشهور: أنها لا تعطى لذلك، وهذا لأنهم فهموا من هذا الصنف نفس الجهاد دون ما يستعان به عليه. والثاني: أنها تعطى لذلك، وهذا لأنّ الأساطيل مما يستعان بها على الجهاد، وفي الأسوار تحصن من العدو، وهذا (٦) داخل في عموم قوله تعالى: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ... فصل (ابن السبيل) والصنف الثامن: ابن السبيل. والمراد به من كان بغير بلده، يعطى

стр. 847

ليستعين بذلك على الوصول إلى بلده، أو على (١) استدامة سفره. فإن كان فقيرًا بموضعه ولا يجد من يسلفه، فإنه لا خلاف أنه يعطى. وإن وجد من يسلفه وهو مليء بموضعه فهل يعطى؟ قولان: أحدهما: أنه لا يعطى، والثاني: أنه يعطى. وهو خلاف يرجع إلى أحد وجهين: إما إلى الشهادة بمشقة السلف (٢) وعدم مشقته، أو إلى رده إلى الفقير. لكنه ذكر صنفًا مفردًا (٣) لكونه فقيرًا في موضعه الذي هو به دون بلده، أو لا يرجع (٤) إلى ذلك لأنه لو روعي فقره لم يكن لعده (٥) صنفًا معنى. وإن كان غنيًا بمكانه الذي هو به فهل يعطى؟ في المذهب قولان: المشهور: أنه لا يعطى إذ لا حاجة تدعوه إلى ذلك، والثاني: أنه يعطى، وهذا نظراً إلى العطاء بمجرد (٦) السفر إذ يتناوله قوله تعالى: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾. ... فصل (هل يُعطى لآل الرسول ﷺ من الزكاة) وهل يعطى من ذلك لآل الرسول ﷺ في المذهب أربعة أقوال: أحدها: أنهم لا يعطون من سائر الصدقات الواجبة والتطوع. والثاني: أنهم يعطون من الجميع. والثالث: أنهم يعطون من صدقة التطوع دون الواجبة. والرابع: بالعكس فالمنع لقوله ﷺ للحسين ﵁ وقد أخذ تمرة من تمر الصدقة "أما علمت أن الصدقة لا تحل لآل محمد" (٧).

стр. 848

ومن حمل ذلك على عمومه منع في التطوع والواجبة، ومن قصره على الغالب من كونه من الصدقة الواجبة قصره على الواجب دون التطوع. ويدل عليه تعليله ﷺ للمنع لأنها أوساخ الناس. وأما الجواز مطلقًا فمعلل بأنهم إنما منعوا منها لما كانت الأرزاق الواجبة لهم جارية عليهم، والآن انقطعت فحلت لهم الصدقة. وأما التفرقة في إجازة الواجبة دون التطوع فإن الواجبة لا مِنَّة فيها بخلاف التطوع، فجاز لهم أخذ ما لا منة فيه. ... فصل (من هم آل الرسول ﷺ -) وإذا قلنا بمنعهم، فمن الممنوع منهم؟ لا خلاف في المذهب أن بني هاشم ممنوعون، وأن ما فوق غالب (١) غير ممنوعين، وما بين ذلك فيه (٢) قولان: أحدهما: المنع، والثاني: الإجازة. وسبب الخلاف، هل تتناولهم لفظة "الآل" لقوله ﷺ "لا تحل الصدقة لآل محمد". وهل يمنع الموالي كما يمنع الأحرار؟ في المذهب قولان: أحدهما: المنع، لقوله ﷺ : "مولى القوم منهم" (٣). والثاني: الجواز. وقد أجازه ابن القاسم فاحتج [عليه] (٤) بما ذكرناه من الحديث فقال: فقد جاء في حديث

стр. 849

آخر: "ابن أخت القوم منهم" (١)، وإنما يريد في المعونة والقرب. ... فصل (كيفية توزيع الزكاة) وإذا تقرر أن هذه الأصناف تستحق أخذ الزكاة، فإن الوالي والمزكي لنفسه يجتهد فينظر إلى مواضع الحاجة بحسب الوقت فيصرف فيه الزكاة، ويختلف ذلك باختلاف الأعصار والأمصار. ولا يجوز للإنسان أن يمسك صدقته حتى يخرجها عن مستحقها، بل الواجب عليه أن يبادر إلى إخراجها إذا وجد مستحقها. والأفضل لمن وجبت عليه أن يوليها غيره، وهذا لخوف المحمدة والثناء. وقد يجب ذلك إذا كان ممن يجهل مواضعها، أو لا يسلم من قصد الرياء (٢). (حكم من دفعت له الزكاة فزال السبب الذي من أجله دفعت له) وقد قدمنا الخلاف إذا اجتهد فأخطأ، فإن دفعها إلى من يستحقها لمعنى، فلم يصرفها فيه حتى زال المعنى الذي أخذها لسببه، فإنها تؤخذ منه. وهذا كابن السبيل، يأخذها فلا ينفق منها حتى يصل موضعه، أو يصله ماله على القول بأنه لا يأخذها إن كان غنيًا في موضعه. والغازي يأخذها للغزو ثم يقعد عنه. وتردد أبو الحسن اللخمي في الغارم يسقط دينه أو يؤديه من غيرها، هل تسترد منه إذا كان غير محتاج على أحد القولين (٣). وإنما أخذها بمجرد الدين فينبغي أن تؤخذ (٤) منه إذا سقط دينه أو أداه من غيرها كالغازي. ...

стр. 850

باب في أحكام (١) المعدن والركاز (تعريف المعدن والركاز) وأصل لفظة المعدن في اللغة الإقامة، يقال عدن بالمكان، أي: أقام به، ومنه ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ (٢)، أي: جنات إقامة. وأما الركاز فقال الخليل (٣) إنه كل مال مدفون في الأرض إما بفعل آدمي، أو قطع الذهب والفضة تجمع في الأرض. وحكى أن المعدن غير هذا. وليس أحد من أهل اللغة سمى المعدن ركازًا، وهو مذهب مالك والشافعي أنه لا يسمى المعدن ركازًا (٤). لكن اختلف المذهب في الركاز ما هو؟ [فقيل كقول الخليل المتقدم و] (٥) قيل إنه كل مال مدفون دفنه آدمي، وليس ما يجمع في الأرض بفعل الله تعالى من ذلك. وقيل إنه مختص بالذهب والفضة دون غيرهما من الأموال، وعليه يجري الخلاف [في المذهب] في الندرة (٦) توجد في المعدن، وفي الركاز يكون فيه غير الذهب والفضة، وسيأتي بيانه. ...

стр. 851

فصل (من الذي يملك المعدن) والنظر في المعدن في وجهين: أحدهما: لمن يكون؟ والثاني: في حكم ما يؤخذ منه؟ فأما الوجه الأول فإنه لا يخلو من أن يوجد في أرض مملوكة أو في أرض لا ملك فيها (١) لأحد؛ فإن كانت الأرض مملوكة فلا يخلو من أن يكون ملكًا لمعين أو لغير معين كأرض العنوة. فأما غير المملوكة فحكم المعدن الموجود فيها للإمام بلا خلاف في المذهب، وهذا لأنها من مصالح المسلمين، والإمام موكل على النظر في ذلك، فيقطعها (٢) لمن يراه نظرا (٣) ويكلف من يعملها للمسلمين. فإن كانت مملوكة لغير معين ففيها قولان: أحدهما: أنها كالأول لأنها لا يملكها أحد معين، فعادت كغير المملوكة، والثاني: أنها لمن افتتح تلك الأرض أو لورثتهم، وهذا بناء على أن من ملك ظاهر الأرض ملك باطنها. وإن وجد في أرض مملوكة (٤) لمالك معين ففيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه للإمام كالأول. والثاني: أنها لمالك الأرض. والثالث: أنه إن كان ذهبًا وفضة فهو للإمام، وإن كان غير ذلك من الجواهر فهو لمالك الأرض. والقولان الأولان بناء على الخلاف فيمن ملك ظاهر الأرض هل يملك باطنها أم لا؟ فإن قلنا إنه لا يملكه، وكان هذا لا ملك عليه لأحد فرجع إلى الأول. وإن قلنا إنه يملك الباطن كملكه للظاهر فهو لمالك الأرض. وأما التفرقة فلأنه رأى أن العين تؤخذ منه الزكاة والأخذ للإمام، فقد دخل فيه نظر الإمام على (٥) الجملة فيدخل على التفصيل. ...

стр. 852

فصل (ماذا يجب في المعدن) وأما الوجه الثاني فإن المستحق عندنا فيما يوجد في المعدن ويتكلف فيه عمل وتصفية، الزكاة (١). وروى ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن (٢) غير واحد: "أن النبي ﷺ قطع لبلال ابن الحارث المعادن القبلية" (٣) فتلك لا يؤخذ منه [إلا] (٤) الزكاة إلى الآن، وثبت عنه ﷺ أنه قال: "العَجْمَاءُ جُبَارٌ [وَالمعَدِنُ جُبَارٌ وَالبِئرُ جُبَارٌ] (٥) وَفِي الرَّكَازِ الخُمُسُ" (٦). وقد تعلق أصحابنا بهذا الحديث في أن المعدن غير الركاز, لأنّ النبي- ﷺ سماهما باسمين مختلفين. والظاهر أنه لا دليل في ذلك بل [يكاد أن] (٧) يكون حجة لأبي حنيفة القائل بأن ما يوجد في المعدن فيه الخمس, لأنه ﷺ تكلم على حكمين مختلفين فأخبر بأن ما سقط في المعدن أو يسقط عليه المعدن، فهو جُبار لا دية فيه. ثم أخبر أن في الركاز الخُمس، أي في الركاز الذي يكون في المعدن. وبهذا يحسن تأليف النظم في الحديث، ولسنا لإكمال الحجاج، وإنما نبهنا على أوائله. واختلف المذهب في الندرة توجد في المعدن على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه فيه الزكاة، والثاني: أن فيه الخمس، والثالث: أنها إن كثرت ففيها الخمس، وإن قلت ففيها الزكاة. والقولان على ما قدمنا من الخلاف في الركاز.

стр. 853

وما هو؟ هل هو دفن الآدميين فيكون في هذه الزكاة؟ أو كل مال مجتمع فيكون في هذه الخمس؟ والركاز مأخوذ من ركزت الشيء في الأرض؛ فمن حمله على ما دفنه دافن لم بسم الندرة ركازًا، ومن حمله على كل مال مركوز سماها ركازًا. فأما التفرقة فلأن اليسيرة في حكم التبع للموجود في المعادن. (هل يكمل نصاب معدن بمعدن آخر ؟) وقد قدمنا أنه لا يعتبر فيه الحول، لكن اختلف المذهب هل يجمع [ما يوجد] (١) في معادن مختلفة فيكمل به (٢) النصاب إذ (٣) يعتبر فيه النصاب عندنا؟ أو لا يجمع؟ في المذهب قولان. ولا خلاف أنه لا يجمع ما أخذ من معدن واحد ثم انقطع ثم أدرك نيلاً آخر، فهذا لأنه إذا انقطع صار الموجود منه كمعدن ثان (٤)، ولم يجتمعا في حين الأخذ. والنظر هاهنا في المال الحولي (٥). فمن نفى الجمع في المعدنين قاسه على نفيه في المعدن ينقطع نيله ثم يوجد نيل آخر، ومن أتبعه نظر إلى حصول النيلين (٦) في وقت واحد، والالتفات (٧) إلى ملك ما يكون به غنيًا (٨) من هذا المال. وإن أخذ من معدن واحد ذهبًا وفضة واتفق ذلك، فذكر ابن الجلاب أنه يضاف أحدهما إلى الآخر فيكمل به النصاب. وأجراه أبو الوليد الباجي على الخلاف في ضم ما يوجد في أحد المعدنين إلى الآخر. ولا شك في صحة تخريجه إذا كان الأخذ في وقت واحد، وأما إن كان في وقتين فيكون بمنزلة المعدن إذا انقطع نيله.

стр. 854

وإذا كان المعدن لنظر الإمام (١) أو لمالك معين فعمل فيه جماعة فهل يكونون كالشركاء في الزرع لا تجب فيه الزكاة إلا على من [في حصّته نصاب كامل؟ أو تجب إذا كان في الجميع نصاب؟ فيه قولان: أحدهما: أنه يعتبر نصاب (٢) كل إنسان في نفسه، والثاني] (٣): وجوب الزكاة مطلقًا إذا كان في الجميع نصاب. وعلى هذا أيضًا يختلف لو كان العامل عبدًا أو ذميًا، هل تجب عليه الزكاة؟ وسبب الخلاف هل يعطى الحكم لمالك المعدن ويكون هؤلاء كالأجراء فيه فيراعى حكم المالك الواحد، أو يكونون كالمالكين فيراعى حكمهم في أنفسهم. وهذا ينبني على الخلاف هل يجوز أن يدفع المعدن لمن يعمله بالجزء كالقراض وبأجرة معلومة، في المذهب في ذلك قولان. ... فصل (لمن يكون الكنز ؟) والنظر أيضًا في الكنز (٤) من وجهين: أحدهما: لمن يكون؟ والثاني: حكم (٥) المستحق منه؛ فأما الوجه الأول فإنه لا يخلو على الجملة من أن يجده مالك الأرض التي وجد فيها أو غيره؛ فإن وجده المالك فلا خلاف أنه لواجده، وإن وجده غيره فقولان: أحدهما: أنه للواجد، والثاني: أنه لمالك الأرض. وهما على الخلاف المتقدم في من ملك ظاهر الأرض، هل يملك باطنها أم لا؟ وأما على التفصيل فإنه لا يخلو من أن تظهر عليه علامة [تدل على أنه لأهل الكفر وهو من دفنهم، أو علامة تدل على أنه

стр. 855

للمسلمين، وهو من دفنهم، أو يشكل الأمر. ولا يخلو من أن يكون (١) في فيافي الأرض، أو في ملك معين لمسلم، أو في أرض عنوة، أو في أرض صلح] (٢). فإن كان عليه علامة من أهل الكفار (٣) ووجد في فيافي الأرض فهو لواجده بلا خلاف، إذ لا ملك عليه لأحد فهو كالصيد والحشيش يستحقه من سبق إليه وأخذه. وإن كان في ملك إنسان معين ووجده غير المالك فيختلف فيه كما تقدم، وفيه القولان، فإن وجده المالك فهو له بلا خلاف. وإن كان في أرض عنوة فيختلف فيه، هل يكون لواجده أو للجيش الذين فتحوا الأرض أو لورثتهم إن وجدوا، وإن لم يوجدوا وعرف به، فإن فقدوا جملة رجع إلى جملة المسلمين (٤). وفيه القولان وهما على ما تقدم. وإن وجد في أرض الصلح فإن وجده المالك للأرض وهو من أهل الصلح [عليها] (٥) ففيه قولان: أحدهما: أنه يكون لجميع أهل الصلح، والثاني: أنه يكون لمالك الأرض، وهما على الخلاف المتقدم. وينظر في هذا أيضاً هل صالحوا على الأرض (٦) جملة؟ أو كل إنسان صالح عن موضعه؟ فإن صالحوا عن الجميع فيتفق هاهنا أنه لجميع أهل الصلح، وإن صالح كل إنسان على ما يستحقه فاتفق القول هاهنا أنه لواجده. وإن وجده غير المصالح (٧) وهو يملك تلك الأرض (٨) فيختلف فيه

стр. 856

هل يكون لواجده لأنه ملك الأرض وقد ملك باطنها، أو لجميع أهل الصلح لأنهم صالحوا عليه. وإن كان لا يملك وإنما وجد في ملك غيره فيختلف فيه على قولين: أحدهما: أنه لواجده، بناء على أن من ملك ظاهر الأرض لا يملك الباطن، والثاني: أنه لرب الأرض أو لجملة أهل الصلح على ما بيناه من التفصيل على أية صفة وقع صلحهم. وهذا إذا لم يكن من أموال هؤلاء المصالحين. فإن كان من أموالهم فاتفق أنه يكون لهم أو لمالكه المعين (١) إن علم. وإن علم أنه من دفن (٢) أهل الإسلام، فليس بكنز (٣) يكون لواجده بل يرد لربه إن عرف، فإن لم يعرف كان كاللقطة يعرف به. وإن أشكل أمره بحيث لا يكشف عن حقيقته (٤)، فإن لم يظهر له ما يدلّ على شيء كان حكمه حكم الركاز، ويحمل على أنه من دفن الجاهلية. ... فصل (الواجب في الكنز) وأما المأخوذ منه فهو الخمس إن كان ذهبًا أو فضة، فإن كان غير ذلك من الأموال ففيه قولان في الكتاب (٥)، وهما على ما قدمناه من الخلاف في اسم الركاز على ماذا يطلق. هذا حكم الركاز. (حكم ما لَفَظَه البحر وما لم يتقدم عليه ملك لأحد) وأما ما لفظه البحر وما لم يتقدم عليه ملك لأحد، فهو لواجده ولا

стр. 857

خمس فيه. وإن تقدم عليه ملك لمسلم ففيه قولان، هل يكون لواجده لأنه في حكم المستهلك أو لمالكه؟ وهذا حكم كل ما ترك بموضعه في البحر والبر وعجز عنه ربه وهو تارك له (١)، وسيأتي بيانه في حكم أكرية السفن في كتاب الأقضية. وإن كان الملك المتقدم لذمي فحكمه حكم المسلم، وإن كان لحربي فإن وجد معه أربابه؛ فإن أخذه واجده بقتال، ولولا قتاله لم يقدر عليه، وجابه (٢) أربابه فهو كالفيء يخمّس. وإن أخذه بغير قتال ولو ترك لم يقدر أربابه على أن يتخلصوا من قبضة أهل الإسلام (٣)، فالنظر فيه للإمام. وهو كأموالهم التي انجلوا (٤) عنها ولم يوجف (٥) عليهم بخيل ولا ركاب. وإن لم يكن معه أربابه فهو لواجده ولا شيء عليه فيه. ... فصل (أقسام الأموال التي ينظر فيها الإمام وكيفية تقسيمها) وقد تقدم أنه لا زكاة في غير الأموال النامية وأن كل ما استفيد وهو عين استقبل به حولًا، فإن كان عرضًا (٦) فلا زكاة عليه حتى يباع ويستقبل به حولًا وقد تقدم ذلك. والأموال التي ينظر فيها الإمام على ثلاثة أقسام:

стр. 858

قسم: يحل للأغنياء والفقراء بلا خلاف؛ وهو المال المأخوذ من الكفار الحربيين والمعاهدين، كالخمس من الغنيمة، وما انجلى عنه أهله، وخمس الركاز، والجزية، وما يؤخذ من تجارتهم (١)، وما يؤخذ من أرض العنوة وأرض الصلح. وقسم: لا يحل إلا للفقراء بلا خلاف، إلا من ذكر معهم في آية الزكاة، وهذا كالزكاة. وقسم: اختلف المذهب فيه على قولين: هل هو كالثاني, لأنه مال أصله للمسلمين فأشبه الزكاة؟ أو هو كالأول, لأنه لم يؤخذ من مالكه بالطوع ولا يعرف مالكه بعينه، فأشبه الفيء وهو كأموال مستغرقي الذمة، واللقطة إذا لم يعرف ربها وعرفت؟ وإذا ثبت أن الفيء وما ذكر معه يستحقه الأغنياء والفقراء فهل يقسمها الإمام على التفضيل أو المساواة, في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يقسمه على المساواة، وهكذا كان فعل الصديق ﵁ (٢)، والثاني: أنه يقسمه على التفضيل بقدر الفضائل ويفضل بقدر الفضائل الشرعية والغنى عن المسلمين، ويسبق الفاضل عن الأدنى، وهذا فعل عمر ﵁ (٣). والثالث: أن الإمام مخير بين المساواة والتفضيل، وهذا لأنه راعى أن فعل كل واحد منهما حجة. وإنما قدم من قدم أو ساوى من ساوى على جهة النظر والاجتهاد، فيجتهد الإمام في ذلك بحسب ما يراه. ولهذا أخبر عمر أنه [إن بقي] (٤) ساوى بين الناس كما فعله أبو بكر. وقد تأولوا المساواة على الابتداء بالفقير كما يساوى بينه وبين الغني ليس أن يعطى كما يعطى الآخر. وبالجملة إن هذا مال يحل للأغنياء فينبغي أن ينظر الإمام فيما هو

стр. 859

الأصلح للمسلمين فيفعله، فيبدأ في خراج الأرض بالموضع الذي جبي فيه فيسد حاجته، وإن فضلت فضلة نقله إلى غيره، وإن نزل بقوم حاجة صرف إليهم ما يدفع (١) حاجتهم كما فعل عمر ﵁ في أهل الحجاز زمان الرمادة (٢)، فإنه نقل إليهم أموال مصر. وسيأتي الكلام على الجزية مفصلًا في كتاب الجهاد. [تم كتاب الزكاة الأول بحمد الله وحسن عونه] (٣). ****

стр. 860

كتاب الزكاة الثاني (اختصاص وجوب الزكاة بالنعم) وقد تقدم أن الشريعة علقت الزكاة بالأموال النامية، وإن منها النعم (١) فلا تجب الزكاة عندنا إلا فيها. وهذا لاختصاص النص بها، ولأنها المعدة للنماء غالباً، وفيها الدر والنسل والأصواف والأشعار والأوبار. وغير ذلك من الحيوان، لا يوجد فيها كمال النماء على هذه الصفة. لكن إن [ضرب] (٢) نوع من الوحش في نوع من هذه حتى كان عنه النتاج، فهل تجب في المتولد عنها زكاة أم لا؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: وجوب الزكاة، والثاني: إسقاطها، والثالث: وجوبها إذا كانت الأمهات من النعم، وسقوطها إن كانت من الوحش. وقد استقرئ هذا القول من المدونة لقوله: كل ذات رحم فولدها بمنزلتها (٣). وسبب الخلاف ما قدمناه من اجتماع موجب ومسقط أيهما يغلب؟ وأما القول الثالث فإن الأصول تقتضي أن الولد تبع للأم في الحرية والرق، وأيضًا فإن النطفة كالمستهلك (٤) والولد جزء (٥) من الأم. ولعل وجه الإسقاط أيضًا أن النسل لا يكون [إلا] (٦) من هذا المتولد، والنسل هو معظم النماء.

стр. 861

فصل (نصاب الإبل والواجب فيها) وإذا تقرر اختصاص الزكاة بالنعم (١)، فالنظر فيها أولًا في ركنين: أحدهما: النصاب الذي تعلق به الزكاة (٢)، والثاني: في قدر المخرج (٣). وأما النصاب فاجتمعت الأحاديث على بيانها، وتعلق بها أيضًا حكم المخرج على الجملة. ولنبينها ثم نذكر مواضع الخلاف؛ فأما الإبل فلا شيء فيما دون الخمس منها، فإذا بلغت خمسا ففيها شاة إلى تسع، فإذا بلغت عشرة ففيها شاتان إلى أربعة عشر، فإذا زادت واحدة (٤) ففيها [ثلاث شياه إلى تسع عشرة، وإذا زادت واحدة ففيها (٥) أربع شياه إلى أربع وعشرين، فإذا زادت واحدة ففيها] (٦) بنت مخاض (٧)، فإن لم توجد فابن لبون ذكر إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت واحدة ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين، فإذا زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت واحدة ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة فهاهنا وقع في الحديث في كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون (٨).

стр. 862

واختلف المذهب في الزيادة المعتبرة على العشرين ومائة، هل تكون بالعشرات أو بالواحدة؟ في المذهب في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: اعتبار الزيادة بالعشرة، فلا تنتقل عن الحقتين إلى أن تبلغ ثلاثين ومائة، والثاني: أنها تنتقل فيكون فيها ثلاث بنات لبون، والثالث: أنها صورة (١) يخير فيها الساعي بين أخذ حقتين أو ثلاث بنات لبون. وسبب الخلاف أنه ﷺ ، قال: "إِذَا زَادَتْ"، ومقتضى اللفظ اعتبار زيادة الواحدة فأكثر، لكنه قال: "في كُل خَمْسِينَ حِقَّة وَفِي كُل أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُون"، فراعى زيادة العشرات (٢)؛ فمن التفت إلى اللفظ الأول غير بزيادة (٣) الواحدة، ومن التفت إلى اللفظ الثاني راعى زيادة العشرة (٤)، وقد اختلف المتأخرون في توجيه القول الثالث؛ فمنهم من يراه مبنيًا على الشك والتردد وإجمال (٥) الحديث، ومنهم من يراه مبنيًا على أنه مقتضى الحديث، ويكون الساعي مخيرًا في هذا المقدار كتخيره إذا بلغت مائتين (٦) على ما سنذكره. ومبنى هذا الاختلاف نذكره فيما بعد. فإذا بلغت ثلاثين ومائة ففيها حقة وابنتا لبون. ولا خلاف في المذهب في هذا المقدار. ثم لا تتغير (٧) الزيادة بعد ذلك إلا بالعشرات. وتقريب النظر في ذلك أن الثلاثين ومائة فيها حقة وابنتا لبون كما ذكرنا، فكلما

стр. 863

زادت عشرة أزيلت (١) بنت لبون وجعل مكانها حقة. فإذا صار الجميع حقاقًا (٢) وزادت عشرة، رد الكل بنات لبون وزيد في العدد واحدة. ثم إن زادت عشرة أزيلت بنت لبون ورد في مكانها حقة. هكذا أبدًا. ومثال ذلك إذا زادت على الثلاثين ومائة عشرة، وجبت فيها حقتان وبنت لبون. فقد أزلنا بنت لبون ورددنا مكانها حقة، فإذا زادت عشرة وجبت ثلاث حقاق، فإذا زادت عشرة صار المأخوذ أربع (٣) بنات لبون، فإذا زادت عشرة وجبت حقة وثلاث (٤) بنات لبون. هكذا أبدًا. وأصله على التقريب ما قلناه. والمعوّل عليه قوله ﷺ : "في كُل خَمسِينَ حِقَّة وَفِي كُل أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُون". وإذا بلغت مائتين فهاهنا إن عددت بالأربعينات كان فيها خمس بنات لبون، فإن عددت بالخمسينات كان فيها أربع حقاق، فيكون الساعي مخيرًا. وفي المذهب تفصيل نذكره بعد. ... فصل (أسنان الإبل وحكمها) ويفتقر إلى معرفة الأسنان المذكورة في الحديث، وولد الناقة في أول السنَّة يسمى حُوَارًا، وهذا هو المحتاج إليه على ما ذكره الفقهاء في كتبهم، وإن كان له تفصيل أسماء يفتقر إليها في علم اللغة (٥). فإذا دخل في السنَّة الثانية سمي ابن مَخَاضِ والأنثى بنت مخاض، ومعنى ذلك أن الأم صارت في حد المخاض لأنها تحمل سنة وتغب (٦) أخرى. فإذا دخل في السنَّة الثالثة سمي ابن لَبُونِ، بمعنى أن أمه صارت في حد مَن لها لبن ترضع به.

стр. 864

فإذا دخل في السنَّة الرابعة سميت الأنثى منه حِقَّة، بمعنى أنها استحقت الحمل للحمولة، والفحل تلقح (١) حينئذ. وإن كان الذكر لا يلقح إلا في السنَّة السادسة. فإذا دخلت في الخامسة سميت جَذَعَة، وهي آخر ما تؤخذ في الزكاة. وفي السنَّة السادسة ثَنِيَّة (٢)، ولا حاجة لنا إلى ذلك ولا ما بعده، إذ لا يتعلق به حكم الزكاة. (بعض حِكَمِ ذلك) وقد تصرفت الشريعة في هذه النصب (٣) تصرفًا مناسبًا يعقل معناه على الجملة وإن كان فيه شوب (٤) التعبد على التفصيل. فَعُدَّ مالكِ الأربعة فدون فقيرًا، كما عُدَّ مالك دون العشرين [دينارا] (٥) فقيرًا، ومالك الخمس (٦) غنيًا فيستحق أن يؤخذ منه. لكن إن أخذ من عين المال أجحف به. والشركة أيضًا في الحيوان مضرة فيعوض عن القدر الواجب بشاة، ثم لا يجب في الزيادة القليلة شيء بخلاف العين لأنّ إخراج الجزء من العين ممكن، وهاهنا لا يمكن إلا بالشركة، ففيها مضرة. فراعت الشريعة زيادة الخمسة إلى أن تبلغ خمسًا وعشرين فحينئذ يستحق الإخراج من الإبل، فيؤخذ من الخمسة وعشرين بنت مخاض، إذ ما قبلها لا يستغني عن أمه ولا يقدر الساعي على حمله (٧). ثم يراعى الزيادة بالعشرة كرتين، ثم بالخمسة عشرة كرتين، ولا يؤخذ ما فوق الجذعة لأنها من كرائم (٨) الأموال. وإنما تكررت بنت لبون وحقة فتؤخذان مرتين مرتين إذا أثنى العدة (٩) التي وجبت فيه أولًا. وقد نبه ﷺ على أن الشرف

стр. 865

يحصل في المأخوذ بالأنوثية أو بزيادة السن, فقال: "في الخمسة والعشرين بنت مخاض، فإن لم توجد فابن لبون ذكر" (١). ونبّه بالذكورية هاهنا لأنه إنما انتقل (٢) إلى السنن الأعلى مع فقد السنن الأدنى لكون الأنوثية فضلًا والذكورية نقصًا. وهذا التعليل أهم (٣) مما قيل من أنه إنما ذكر الذكوربة احترازًا من الخنثى، وهذا يعلم بطلانه قطعًا، وأن صاحب الشريعة لا يتعرض لمثل هذه الصورة إذ هي نادرة تكاد ألا توجد، نعم ولو وجدت لم يكن للاحتراز منها فائدة. ... فصل (المأخوذ من الإبل عند فقد بعض الأصناف أو وجودها) وإذا وصلت (٤) الإبل خمس وعشرين، فلا يخلو من أن يوجد فيها بنت مخاض وابن لبون جميعًا، أو يفقدا جميعًا، أو يوجد أحدهما ويفقد الآخر. فإن وجدًا جميعًا فلبس إلا بنت مخاض، إلا أن يرضى الساعي بابن اللبون ويراه نظرًا للمساكين، ففيه قولان: أحدهما: أنه يجزي، والثاني: أنه لا يجزي. وهذا بناء على أن القيم لا تجزي بدلًا عن الأعيان الواجبة في الزكاة. وأما القول الأول فهو بناء على أن القيم تجزي، أو على أن هذا قد يجب يومًا [ما] (٥). ولم يخرج بالكلية عن النوع الواجب مخالف (٦) القيم. فإن فقدا جميعًا، فالمنصوص من المذهب أن على رب المال أن يأتي بابنة مخاض، طاع أو كره. وتأول ابن المواز على أن ابن القاسم أنه قال:

стр. 866

إن أتى بابن لبون قبل منه. وأنكره بعض المتأخرين ورأوا أن المذهب كله على ما ذكرناه من المنصوص. ويحتمل أن يكون المذهب على قولين، ويكون سبب الخلاف قوله ﷺ : "فإن لم توجد فابن لبون" هل معناه: فابن لبون إذا وجد فيها، أو ابن لبون مطلقًا سواء كان فيها أو لم يكن. وإن وجد أحدهما دون الثاني، فليس إلا ما وجد، وهذا لا خلاف فيه لتناول الحديث له نصًا ومفهومًا. ... فصل (مسألة التخيير فيما زاد من الإبل على المائة والعشرين إلى المائة والثلاثين) وقد قدمنا الخلاف في ما بين العشرين ومائة (١) إلى الثلاثين ومائة، وذكرنا أن أحد الأقوال (٢) التخيير. واختلف المتأخرون: هل القول بالتخيير شك في المقدار الواجب فيكون للساعي أن يبتدئ النظر عند نزول المسألة، أو هو (٣) قول يقتضيه لفظ الحديث والنظر. وعلى هذا اختلف (٤)؛ هل يكون التخيير ثابتًا وإن لم يكن في الإبل إلا أحد السنَّين، أو إنما (٥) يكون التخيير مع وجودهما جميعاً. وفي المذهب في ذلك قولان. فإن قلنا إن التخيير شك في المقدار، وإنما يبتدئ الساعي النظر عند وقوع النازلة، فإذا قوي في نفسه أحد الأمرين، كلف رب الإبل (٦) أن يأتي بحقتين (٧) أو ثلاث بنات لبون على قدر ما يؤديه إليه اجتهاده.

стр. 867

وإن قلنا إن التخيير من مقتضى الحديث والنظر، فأيهما دفع رب المال أجزأه، وإن لم يوجد فيها إلا أحد السنين لم يكلف الآخر. ... فصل (من المخير في الواجب في المائتين ؟) وقد قدمنا أن الواجب في المائتين؛ إما أربع حقاق، أو خمس بنات لبون. وهل يكون الساعي في ذلك مخيراً أو رب المال؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: تخيير الساعي (١)، والثاني: تخيير رب المال، والثالث: تخيير الساعي إذا وجدا جميعًا. وأما إن فقدا جميعًا أو فقد أحدهما، فالتخيير لرب المال. والأول نظرًا إلى أن الواجب أحد السنين، فيختار وكيل المسلمين (٢). والثاني: نظرًا إلى أن اختياره (٣) قد يضر بصاحب الإبل وكل صنف منها واجب حقيقة (٤). وهذا المعنى راعاه في القول الثالث فرأى أنه لا مضرة عليه إذا كانا جميعاً موجودين في الإبل. ... فصل (المأخوذ في الإبل المزكاة بالغنم) وإذا كانت الإبل مزكاة بالغنم، وهي المسماة شنقًا (٥)، فهل يؤخذ

стр. 868

من المعز أو من الضأن؟ أما إن تطوع (١) المزكي بالأفضل أخذ منه، وإن طلب الأدنى (٢) فأراد إخراج المعز، فإن كانت هي كسبه وكسب أهل البلد أخذت منه. وإن كان كسبه مخالفًا لكسب أهل البلد فقولان: أحدهما: مراعاة كسبه لأنه المأخوذ به، وفي تكليفه إخراج ما ليس في ملكه مشقة عليه، والثاني: مراعاة كسب أهل البلد, لأنّ كسبه نادر والنادر لا يراعى. ... فصل (حكم إعطاء أفضل من الواجب) وإذا وجبت على إنسان سن فبدل أفضل منها ورضي به المصدق، فلا شك في الإجزاء. وإن أخذ على الفضل (٣) ثمنًا، أو أعطى النقص وأكمل النقص بالثمن، فهل يجزي؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يجزي وجائز ابتداء. والثاني: أنه مكروه، وإن وقع أجزأه. والثالث: أنه لا يجزي إلا أن يعطي أفضل ويأخذ ثمنًا فيرد الثمن المأخوذ. وهذا مع فوات المأخوذ. وأما إن كان قائمًا، فيسترده على هذا القول ويخرج مقدار هذا الواجب. ونفي الإجزاء مبني على منع إخراج القيم. وأما الإجزاء فمبني على أحد الأمرين: إما لجواز إخراج القيم، وإما لأنه قد أخرج النوع على الجملة. وأما الكراهية فهي مراعاة الخلاف مع [كون] (٤) القول بالإجزاء. ...

стр. 869

باب في زكاة البقر وقد ثبت عنه ﷺ أنه أسقط [عنها] (١) الزكاة قبل بلوغها ثلاثين (٢)، فإذا بلغتها ففيها جذع (٣)، ثم لا زيادة (٤) حتى تبلغ أربعين ففيها مسنة (٥)، ثم لا زيادة (٦) [فيها] (٧) حتى تبلغ ستين ففيها جذعان (٨)، ثم لا زيادة (٩) فيها حتى تبلغ سبعين ثم يكون (١٠) الحساب في كل أربعين مسنة وفي كل ثلاثين تبيع (١١) ويكون الحكم على ما قدمناه في الإبل، سواء كما (١٢) قدمنا في الحساب. وإذا بلغت عشرين ومائة، فهاهنا يتفق العددان، فإن عددت بالأربعينيات كان فيها ثلاث مسنات، وإن عددت بالثلاثينيات كان فيها أربع توابع. فيكون الحكم كما قدمناه في المائتين من (١٣) الإبل.

стр. 870

واختلف في سن الجذع [منها] (١)، وهو التبيع؛ فقيل ابن سنتين، وقيل ما أوفاهما ودخل في الثالثة. وكذلك اختلف في المسنة؛ فقيل بنت ثلاث سنين، وقيل ما أوفتهما ودخلت في الرابعة. والتحاكم في هذا إلى أهل اللغة. و [أصل] (٢) القول الثاني هو الصحيح عندهم. ولا يجزي في الأربعين إلا مسنة أنثى، ويجزي في الجذع في الثلاثين ذكر. وهل تؤخذ الأنثى؟ أما إن طاع بها ربها فلا يختلف في جواز أخذها، وأما إن امتنع فهل ذلك من حق الساعي إذا كانت في البقر؟ في ذلك قولان: أحدهما: أنه لا يكلف ذلك إذ في الحديث النص على الذكر، والثاني: أنه يكلف قياسًا على المأخوذ من (٣) الإبل [فإنها الإناث] (٤). ... باب في زكاة الغنم (نصاب الغنم والواجب فيها) وقد ثبت عنه ﷺ أنه أسقط عنها الزكاة قبل أن تبلغ أربعين؛ فإذا بلغتها ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت (٥) واحدة ففيها شاتان إلى مائتي شاة، وإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، ثم ما زاد ففي كل مائة، شاة. ويكاد [ألا] (٦) يظهر في هذا التقدير إلا حقيقة التعبد. واختلف في صفة المأخوذ منها على ثلاثة أقوال: فقيل: يجزي الجذع والثني من المعز والضأن ذكراً كان أو أنثى، وقيل لا يجزي إلا أنثى، لكن

стр. 871

تجزي جذعة كانت أو ثنية من المعز أو الضأن. وقيل: حكمها حكم الأضحية لا يجزي إلا الجذع من الضأن ذكرًا كان أو أنثى، والثني من المعز ذكرًا كان أو أنثى [إلا أن يكون تيسًا] (١) فالقول الأول بناء على أن النظر إلى الجذع، والثني هو العدل بين خيار المال وشراره. ولم يثبت ما يقتضي أخذ شيء بعينه، فرجع في ذلك إلى العدل بين الشرار والخيار. والثاني، التفاتًا إلى أن هذا عدل لكن المنصوص في الإبل أنها لا تؤخذ إلا إناثًا، فيرد هذا الحكم إليها. وأيضاً فقد روي مثله عن الرسول ﷺ , وفي سنده ضعف. وأما القول الثالث فوجهه القياس على الأضاحي. وإنما فرق فيها بين المعز والضأن, لأنّ المعز لا يلقح منها الجذع، ويلقح من الضأن. فكأن كمال المنفعة لا يحصل في المعز إلا إذا صارت إلى سن الثني. والمطلوب في العبادات ما هو كامل المنفعة. (صفة المأخوذ) ولا تؤخذ كرائم الأموال كالأكولة والفحولة والربا (٢) وهي التي لها ولد وذات (٣) اللبن، ولا يؤخذ شراره كالسخال والتيوس والعجفاء وذات العوار (٤). وهذا إذا كان في المال رديئًا وجيدًا. فإن كان من جنس واحد رديئة كلها أو جيدة كلها، فهل يؤخذ منها إن جمعت؟ قلت أربعة أقوال: أحدها: أنه يؤخذ منها على الإطلاق حتى لو كانت سخالًا، قاله ابن عبد الحكم، لكنه ذكر أنه يراعى في قوله ترك الإيجاب (٥) والثاني: أنه لا يؤخذ منها بل يكلف رب المال شراء الوسط

стр. 872

على ما تقدم. والثالث: يؤخذ منها إلا أن تكون عجافاً فلا يؤخذ منها، بل يكلف أن يشتري غيرها. والرابع: أنه يأخذ من الجميع إلا أن تكون كلها سخالاً. وسبب الخلاف هل يقاس ذلك على الحبوب فيؤخذ من كل نوع منها (١)، أو يرجع ذلك إلى عموم ما ورد عن عمر ﵁ أنه يؤخذ من الوسط. وأما التفرقة بين العجاف وغيرها؛ فإن العجاف لا منفعة فيها فهي كالعدم، وأما التفرقة بين السخال وغيرها فلأن السخال لا تجلب (٢) ولا تقوم بأنفسها. وقد نص عمر ﵁ على أنها لا تؤخذ. (هل تؤخذ الزكاة سنة الجدب) وقد اختلف المذهب هل يبعث السعاة إلى أخذ الزكاة في سنة الجدب على قولين: أحدهما: أنهم لا يبعثون تخفيفًا عن أرباب الأموال، إذ أنها معدومة في مثل هذه السنة، [ولأن المأخوذ يكاد لا تكون فيها منفعة] (٣)، والثاني: أنهم يبعثون لوجود أعيان الماشية التي تجب فيها الزكاة. ... فصل (سن الجذع والثنية من الضأن) وسن الجذع من الضأن (٤) فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه ابن ستة أشهر. والثاني: أنه ابن ثمانية أشهر والثالث ابن عشرة أشهر والرابع ابن سنة كاملة. والرجوع في ذلك إلى اللغة فيعول على قول أربابها. وأما الثنية فهي التي طرحت ثناياها. ...

стр. 873

باب في أجتماع الأصناف وأصناف النوع يضاف بعضها إلى بعض فيكمل به النصاب، وتكون كالصنف الواحد كالبخت (١) والعراب (٢) والبقر والجواميس والضأن والمعز. لكن النظر في اجتماعها من أيها يؤخذ؟ ولنبدأ بالغنم؛ فإذا كانت في أول فرضها وهي أربعين (٣) وكانت مختلطة، فهاهنا يراعى الأكثر بلا خلاف، فيؤخذ منه إن كان الضأن أو المعز. فإن كانت متساوية فالمنصوص أن الخيار للساعي يأخذ أيها شاء. ورأى أبو الحسن اللخمي أن القياس أن يؤخذ من كل واحدة نصفها، إذ لا ترجيح لأحد الصنفين على الآخر، وفي تخيير الساعي مضرة على رب الغنم (٤). وهذا الذي قاله صحيح لولا أنه وقع (٥) في مخالفة الأصول من مشاركة الفقراء لرب الغنم. وقد قدمنا أن الأوقاص (٦) إنما ضربت في الغنم حتى تجب العين الكاملة، فإن زادت الغنم على ذلك، وهي إذا انفرد كل صنف لا يجب فيه شيء أو تجب في صنف دون آخر، فالحكم كما قدمناه ينظر إلى الأكثر. ويخير الساعي عند التساوي، وهذا (٧) كالتسع والسبعين،

стр. 874

فإن الأربعين يجب فيها لو انفردت، والتسع والثلاثين [إذا انفردت] (١) لا يجب فيها شيء، أو السبعين مثلًا، فإن كل واحدة لو انفردت لم يجب فيها شيء، أو يكون أحد الصنفين أكثر فتجب فيه دون غيره، فإن كملت ثمانين وأحد الصنفين أكثر أخذ من الأكثر أيضًا بلا خلاف. وإذا كانت متساوية كان الساعي مخيرًا كما قدمناه. وإن زادت على ذلك فهل يبقى حكم التخيير أو يؤخذ من الأكثر، هاهنا قولان: المشهور أنه يؤخذ من الأكثر، والشاذ تخيير الساعي. وهذا مثلًا في أربعين معزة وثمانين ضائنة (٢) فينظر في المشهور إلى أن الشاة واجبة في الجميع، والضأن أكثر فيؤخذ منه. وكذلك إن قلنا إن الشاة واجبة في الأربعين خاصة وما زاد عليها وقص لا يجب فيه شيء، فإن القسمة تقتضي كثرة الضأن إذا قسمنا المأخوذ منها كما يقسم الزائد. ورأى في الشاذ أن كل واحد من الصنفين مستقل في الإيجاب، والزائد عليه غير مؤثر. فإن زادت على ذلك فلا يخلو من أن يكون الصنفان (٣) مستقلين في الإيجاب وهما (٤) متساويان، أو يكون أحدهما أكثر لكنهما مستقلان أيضًا، أو يكون أحدهما مستقلاً والآخر غير مستقل؛ فإن استقلا وتساويا كمن له خمس وستون ضائنة (٥) ومن المعز مثلها (٦)، فهاهنا تؤخذ واحدة من كل صنف بلا خلاف. وإن استقلا وأحدهما أكثر من الآخر، فهاهنا قولان: مذهب الكتاب أنه تؤخذ شاة من الأكثر، وينظر إلى الباقي فإن كان الصنف الثاني مستقلاً بنفسه والباقي [من] (٧) المأخوذ منه دونه أخذت شاة من الصنف الثاني، فإن كانا متساويين خُير الساعي، وإن كان المأخوذ منه أولًا أكثر (٨) أخذ

стр. 875

منه (١). ومذهب سحنون أنه يؤخذ من المأخوذ منه على الإطلاق فيؤخذ من الأكثر شاتان. ومثال هذه أن يكون للإنسان عشرون ومائة ضائنة وأربعون معزة فإنه يؤِخذ منه على المشهور ضائنة ومعزة، وعلى مذهب سحنون ضائنتان، أو يكون له مائة وثلاثون (٢) ضائنة وأربعون معزة فيكون الخلاف كما قدمناه وإن كان له ثلاث مائة وأربعون ضائنة وأربعون معزة فيكون الخلاف كما قدمناه، وإن كان له ثلاثمائة وأربعون ضائنة وستون معزة فيؤخذ منه بلا خلاف ثلاث ضوائن على أصليهما, لأنه إذا أفرد الباقي عن ما وجبت (٣) فيه الشاتان من (٤) الضأن كان أكثر من المعز. وعلى ما قدمناه عن ابن مسلمة (٥) تكون عليه ضائنتان، وخير الساعي في المعزة. ومثار (٦) الخلاف بين ابن القاسم وسحنون أن ابن القاسم يقدر الأخذ من الأكثر حتى يكمل به تمام النصاب، ثم يلتفت إلى التقدير في الباقي فينظر إلى الكثرة والتساوي. وسحنون يقدر الوجوب في حالة واحدة فيفض (٧) الأكثر على الأقل. وإذا فض ذلك أخذ من الأكثر على الإطلاق. وقد ألزم أبو الوليد الباجي ابن القاسم مذهب سحنون في قوله في الكتاب فيمن له أربعون جاموسًا وعشرون بقرة: إنه يأخذ تبيعًا من كل واحد منهما (٨). وهذا الإلزام ليس بشيء لأنّ ابن القاسم استمر على أصله, لأنه

стр. 876

أخذ تبيعًا من ثلاثين، وبقي عشرون وعشرة من الأربعين. والواجب فيها تبيع فيؤخذ من الأكثر منهما، والعشرون بلا شك أنه أكثر، وإنما يجب أخذ تبيعين من الأكثر على مذهب سحنون القائل بالفض (١) كما تقدم. وألزم ابنَ القاسم أيضًا أبو الحسن اللخمي أن يقول فيمن له اثنان وثمانون ضائنة وتسع وثلاثون معزة أن يأخذ من ذلك ضائنة ومعزة، واستقرأه من مسألة الجواميس والبقر, لأنه يأخذ عن مائة وعشرين شاة واحدة، ويبقى الزائد مع المعز فيؤخذ منه شاة أو يأخذ من الثمانين ضائنة وتبقى الاثنان والتسع والثلاثين فيأخذ منها معزة لأنه الأكثر (٢). وهذا الذي قاله صحيح إن قلنا إن الأوقاص مزكاة، وإن قلنا إنها غير مزكاة فإنه يقع الأخذ هاهنا عن الأربعين ثم يبقى من الضأن اثنان وأربعون فيؤخذ منها. وإن أضيف إليها المعز فهو يسير بالنسبة إليها، وإن ظن أن الأربعين إذا أخذ منها بقي ما بعدها وقصًا، فليس تقدير الباقي وقصًا بأولى من تقدير المعز وقصًا. وبالجملة فالتسع والثلاثون (٣) غير قائمة بنفسها والاثنان والثمانون أكثر فيؤخذ منها الشاتان (٤) جميعًا. ويختلف لو كان يملك عشرين ومائة ضائنة وأربعين معزة هل تؤخذ الشاتان من الضأن، وهذا بناء على أن الأوقاص غير مزكاة. لكن يجعل المعز هاهنا وقصًا، أو يؤخذ من كل واحد شاة لأنّ الواحدة (٥) مأخوذة عن مائة وعشرين ضائنة والأخرى عن الأربعين معزة. وقد قدمنا أن ابن القاسم يقول في هذه الصورة: تؤخذ شاة من كل واحدة منهما. وأن سحنون يقول: تؤخذ شاتان من الأكثر. وبينا وجه قوله وهو ينبني (٦) أيضاً في هذه الصورة على القول بأن الأوقاص غير مزكاة، وهكذا

стр. 877

يجري الأمر في البقر والجواميس ويسهل الحساب فيها لقرب النصاب (١) وكذلك في الإبل [والبخت] (٢). ولو كان للإنسان أربعون من نوع البقر وعشرة من نوع آخر لأخذ من الأكثر، وإن تساويا خُيّر الساعي. وإن كان له عشرون من نوع وعشرة من آخر فلا شك أنه يؤخذ من الأكثر. وقد قدمنا ما يجري من الخلاف إذا كان له أربعون من نوع وعشرون من نوع ولو كان بدل العشرين ثلاثون لم يختلف المذهب هاهنا أنه يؤخذ عن الأربعين منها وعن الثلاثين منها. وهكذا يجري الأمر كلما كثرت. وإن كانت الإبل مما تجب فيه الزكاة (٣) من سن واحد كحقتين أو بنتيْ لبون، يجري الأمر أيضًا على ما تقدم في الغنم. ولو كان له أربعون بختًا ومثلها عراب وجبت بنتا لبون، واحدة من كل صنف. وكذلك لو كانت خمسة وأربعين من صنف ومثلها من صنف آخر، لكان الحكم كالأول. ولو كانت له خمسون بختًا وثلاثون عرابًا لكان الحكم أيضًا كما تقدم, لأنّ كل واحدة لو انفردت وجبت فيها بنت لبون. وهذا بيَّن على مذهب ابن قاسم. وأما على رأي سحنون الذي يقدر الفض (٤) [فيها ويفض هاهنا الأكثر على الأقل] (٥) ويوجب بنتا (٦) لبون من الأكثر، ولو كانت أربعًا وخمسين بختًا وستًا وثلاثين عرابًا يجري على القولين. وهكذا يجري الأمر في الحقاق. وفيما قدمناه كفاية بحسب هذا المجموع. ...

стр. 878

فصل (حكم زكاة القراض إن كانت ماشية) وقد قدمنا حكم زكاة القراض إذا كان عينًا أو عرضًا، فإن كان ماشية ومر به الحول فلا يختلف هاهنا أنها تؤخذ منها الزكاة معجلة، وتؤخذ من الماشية إن كان القدر المأخوذ موجودًا فيها، فإن لم يوجد كلف ربها بأن يأتي بما يجب عليه، وإذا أخذ فهل تلغى كأنها خسارة وقعت في المال، أو يحسب على رب المال في رأس مالها، أو يحسب عليه وعلى العامل بحسب ربحه؟ في المذهب ثلاثة أقوال، وهي على ما تقدم. فمن (١) رأى أن الزكاة واجبة في النماء وهو موجود في المال ألغاها جملة وقدرها [كالذاهب] (٢) من جملة المال. ومن اعتد بها (٣) رأى أن المساكين كالشركاء وقد أخذوا جزءًا من المال. لكن هل يقدر ملك العامل للربح من يوم التحريك أو عند حصوله؟ وقد قدمنا الخلاف في ذلك، فإن قدرناه مالكًا من يوم التحريك حوسب بجزء الزكاة في نصيبه، وإن لم يقدره مالكًا إلا (٤) يوم الحصول كان ذلك على رب المال خاصة. ... فصل (زكاة الماشية إذا كانت للتجارة) زكاة الماشية مأخوذة من (٥) عينها، ولهذا نقول (٦) إنها إذا كانت نصابًا فأكثر أخذت منها زكاة العين لا زكاة القيمة, لأنّ زكاة العين هي الأصل وزكاة

стр. 879

القيمة إنما تؤخذ على تقدير كون العروض كالعين على ما تقدم. فمن ملك ماشية؛ فإن كانت دون النصاب جرت على حكم العروض، وإن كانت للقنية فلا زكاة فيها، وإن كانت للتجارة قوّمها المدير وزكى غيرَها (١) إذا باع. وإن كانت للقنية. جرت على القولين فيما اتخذ من العروض للقنية (٢)، هل تكون فيه الزكاة إذا بيعت أم لا (٣)؟ وإن كانت نصابًا وهي للقنية (٤) لا للتجارة زكّاها زكاة العين [إذا مر بها الحول. وإن كانت للتجارة فكذلك أيضًا. ولا تقوم (٥) وإن كان مديرًا لما قلناه من تقويم زكاة العين] (٦). لكن إن باع التي للتجارة قبل أن يحول الحْول أو قبل إتيان الساعي رجعت إلى حكم أصلها في التجارة، وإن باع التي للقنية فهل يستقبل بها حولًا أو يبني حول ثمنها على حول عينها؟ في المذهب خلاف نذكره في الباب الذي يلي هذا إن شاء الله. ... باب في حكم (٧) بدل الماشية ومن ملك ماشية فأبدلها بعين أو بماشية فرارًا من الزكاة، فإنه يؤمر (٨) بزكاة الأول، ولا يمكن من قصده إلى سقوط الزكاة، وهذا بلا خلاف. فإن لم يكن فرارًا فلا يخلو من أن يبدلها بعين أو ماشية، فان أبدلها بماشية فلا يخلو من أن تكون من نوعها أو من غير نوعها، ولا يخلوا أن يتخلل ذلك عين أو لا يتخلله.

стр. 880

فإن أبدل ماشية بعين والماشية للتجارة فقد قدمنا أنه يبني على حكم حولِ الأصل، ولا يختلف في ذلك. وإن كانت لغير التجارة وهي دون النصاب يستقبل بالثمن حولًا، وإن كان فيه نصاب أو (١) أضافه إلى ما يكمل به النصاب, لأنّ هذه لا زكاة في أصلها المبيع فيضاف الثمن إليه. فإن كانت نصابًا فباعها بعين فهل يستقبل به حولًا أو يبني على حول الماشية؟ في الكتاب قولان، (٢) فمن التفت [إلى أن] (٣) الأولى مزكاة والثانية كذلك حكم بالإضافة، ومن التفت إلى اختلاف أحكام الزكاة وأنها غيرها (٤) حقيقة وإنما زكيت الأولى وإن كانت في معنى العروض لوجود النماء فيها عدها كالعروض للقنية. وهكذا القولان أيضًا لو كانت الأولى عينًا فاشترى بها ماشية فهل تزكى أم لا؟ وهما على ما قدمناه. وإن كانت الأولى ماشية وأبدلها بماشية من غير صنفها كإبل وغنم أو بالعكس، فلا يخلو من أن يكون كل واحد منهما نصابًا، أو غير نصاب، أو أحدهما [نصابًا] (٥) دون الآخر؛ فإن كانت كل واحدة نصابًا فقولان: المشهور الاستقبال بالثانية حولًا، والشاذ بناؤها على حول الأولى. وهما على ما قدمناه من الالتفات إلى جريان الزكاة [فيهما] (٦). [والثاني بناء على الالتفات إلى اختلاف [معناهما في] (٧) الزكاة. فإن (٨) كانتا جميعًاً دون النصاب فلا شك في الأحكام (٩) للزكاة] (١٠)
следующие страницы →