← Фикх малики

Фикх малики · id 121378

التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات

أبو الطاهر ابن بشير

Полный текст (942 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

أخذ تبيعًا من ثلاثين، وبقي عشرون وعشرة من الأربعين. والواجب فيها تبيع فيؤخذ من الأكثر منهما، والعشرون بلا شك أنه أكثر، وإنما يجب أخذ تبيعين من الأكثر على مذهب سحنون القائل بالفض (١) كما تقدم. وألزم ابنَ القاسم أيضًا أبو الحسن اللخمي أن يقول فيمن له اثنان وثمانون ضائنة وتسع وثلاثون معزة أن يأخذ من ذلك ضائنة ومعزة، واستقرأه من مسألة الجواميس والبقر, لأنه يأخذ عن مائة وعشرين شاة واحدة، ويبقى الزائد مع المعز فيؤخذ منه شاة أو يأخذ من الثمانين ضائنة وتبقى الاثنان والتسع والثلاثين فيأخذ منها معزة لأنه الأكثر (٢). وهذا الذي قاله صحيح إن قلنا إن الأوقاص مزكاة، وإن قلنا إنها غير مزكاة فإنه يقع الأخذ هاهنا عن الأربعين ثم يبقى من الضأن اثنان وأربعون فيؤخذ منها. وإن أضيف إليها المعز فهو يسير بالنسبة إليها، وإن ظن أن الأربعين إذا أخذ منها بقي ما بعدها وقصًا، فليس تقدير الباقي وقصًا بأولى من تقدير المعز وقصًا. وبالجملة فالتسع والثلاثون (٣) غير قائمة بنفسها والاثنان والثمانون أكثر فيؤخذ منها الشاتان (٤) جميعًا. ويختلف لو كان يملك عشرين ومائة ضائنة وأربعين معزة هل تؤخذ الشاتان من الضأن، وهذا بناء على أن الأوقاص غير مزكاة. لكن يجعل المعز هاهنا وقصًا، أو يؤخذ من كل واحد شاة لأنّ الواحدة (٥) مأخوذة عن مائة وعشرين ضائنة والأخرى عن الأربعين معزة. وقد قدمنا أن ابن القاسم يقول في هذه الصورة: تؤخذ شاة من كل واحدة منهما. وأن سحنون يقول: تؤخذ شاتان من الأكثر. وبينا وجه قوله وهو ينبني (٦) أيضاً في هذه الصورة على القول بأن الأوقاص غير مزكاة، وهكذا

стр. 877

يجري الأمر في البقر والجواميس ويسهل الحساب فيها لقرب النصاب (١) وكذلك في الإبل [والبخت] (٢). ولو كان للإنسان أربعون من نوع البقر وعشرة من نوع آخر لأخذ من الأكثر، وإن تساويا خُيّر الساعي. وإن كان له عشرون من نوع وعشرة من آخر فلا شك أنه يؤخذ من الأكثر. وقد قدمنا ما يجري من الخلاف إذا كان له أربعون من نوع وعشرون من نوع ولو كان بدل العشرين ثلاثون لم يختلف المذهب هاهنا أنه يؤخذ عن الأربعين منها وعن الثلاثين منها. وهكذا يجري الأمر كلما كثرت. وإن كانت الإبل مما تجب فيه الزكاة (٣) من سن واحد كحقتين أو بنتيْ لبون، يجري الأمر أيضًا على ما تقدم في الغنم. ولو كان له أربعون بختًا ومثلها عراب وجبت بنتا لبون، واحدة من كل صنف. وكذلك لو كانت خمسة وأربعين من صنف ومثلها من صنف آخر، لكان الحكم كالأول. ولو كانت له خمسون بختًا وثلاثون عرابًا لكان الحكم أيضًا كما تقدم, لأنّ كل واحدة لو انفردت وجبت فيها بنت لبون. وهذا بيَّن على مذهب ابن قاسم. وأما على رأي سحنون الذي يقدر الفض (٤) [فيها ويفض هاهنا الأكثر على الأقل] (٥) ويوجب بنتا (٦) لبون من الأكثر، ولو كانت أربعًا وخمسين بختًا وستًا وثلاثين عرابًا يجري على القولين. وهكذا يجري الأمر في الحقاق. وفيما قدمناه كفاية بحسب هذا المجموع. ...

стр. 878

فصل (حكم زكاة القراض إن كانت ماشية) وقد قدمنا حكم زكاة القراض إذا كان عينًا أو عرضًا، فإن كان ماشية ومر به الحول فلا يختلف هاهنا أنها تؤخذ منها الزكاة معجلة، وتؤخذ من الماشية إن كان القدر المأخوذ موجودًا فيها، فإن لم يوجد كلف ربها بأن يأتي بما يجب عليه، وإذا أخذ فهل تلغى كأنها خسارة وقعت في المال، أو يحسب على رب المال في رأس مالها، أو يحسب عليه وعلى العامل بحسب ربحه؟ في المذهب ثلاثة أقوال، وهي على ما تقدم. فمن (١) رأى أن الزكاة واجبة في النماء وهو موجود في المال ألغاها جملة وقدرها [كالذاهب] (٢) من جملة المال. ومن اعتد بها (٣) رأى أن المساكين كالشركاء وقد أخذوا جزءًا من المال. لكن هل يقدر ملك العامل للربح من يوم التحريك أو عند حصوله؟ وقد قدمنا الخلاف في ذلك، فإن قدرناه مالكًا من يوم التحريك حوسب بجزء الزكاة في نصيبه، وإن لم يقدره مالكًا إلا (٤) يوم الحصول كان ذلك على رب المال خاصة. ... فصل (زكاة الماشية إذا كانت للتجارة) زكاة الماشية مأخوذة من (٥) عينها، ولهذا نقول (٦) إنها إذا كانت نصابًا فأكثر أخذت منها زكاة العين لا زكاة القيمة, لأنّ زكاة العين هي الأصل وزكاة

стр. 879

القيمة إنما تؤخذ على تقدير كون العروض كالعين على ما تقدم. فمن ملك ماشية؛ فإن كانت دون النصاب جرت على حكم العروض، وإن كانت للقنية فلا زكاة فيها، وإن كانت للتجارة قوّمها المدير وزكى غيرَها (١) إذا باع. وإن كانت للقنية. جرت على القولين فيما اتخذ من العروض للقنية (٢)، هل تكون فيه الزكاة إذا بيعت أم لا (٣)؟ وإن كانت نصابًا وهي للقنية (٤) لا للتجارة زكّاها زكاة العين [إذا مر بها الحول. وإن كانت للتجارة فكذلك أيضًا. ولا تقوم (٥) وإن كان مديرًا لما قلناه من تقويم زكاة العين] (٦). لكن إن باع التي للتجارة قبل أن يحول الحْول أو قبل إتيان الساعي رجعت إلى حكم أصلها في التجارة، وإن باع التي للقنية فهل يستقبل بها حولًا أو يبني حول ثمنها على حول عينها؟ في المذهب خلاف نذكره في الباب الذي يلي هذا إن شاء الله. ... باب في حكم (٧) بدل الماشية ومن ملك ماشية فأبدلها بعين أو بماشية فرارًا من الزكاة، فإنه يؤمر (٨) بزكاة الأول، ولا يمكن من قصده إلى سقوط الزكاة، وهذا بلا خلاف. فإن لم يكن فرارًا فلا يخلو من أن يبدلها بعين أو ماشية، فان أبدلها بماشية فلا يخلو من أن تكون من نوعها أو من غير نوعها، ولا يخلوا أن يتخلل ذلك عين أو لا يتخلله.

стр. 880

فإن أبدل ماشية بعين والماشية للتجارة فقد قدمنا أنه يبني على حكم حولِ الأصل، ولا يختلف في ذلك. وإن كانت لغير التجارة وهي دون النصاب يستقبل بالثمن حولًا، وإن كان فيه نصاب أو (١) أضافه إلى ما يكمل به النصاب, لأنّ هذه لا زكاة في أصلها المبيع فيضاف الثمن إليه. فإن كانت نصابًا فباعها بعين فهل يستقبل به حولًا أو يبني على حول الماشية؟ في الكتاب قولان، (٢) فمن التفت [إلى أن] (٣) الأولى مزكاة والثانية كذلك حكم بالإضافة، ومن التفت إلى اختلاف أحكام الزكاة وأنها غيرها (٤) حقيقة وإنما زكيت الأولى وإن كانت في معنى العروض لوجود النماء فيها عدها كالعروض للقنية. وهكذا القولان أيضًا لو كانت الأولى عينًا فاشترى بها ماشية فهل تزكى أم لا؟ وهما على ما قدمناه. وإن كانت الأولى ماشية وأبدلها بماشية من غير صنفها كإبل وغنم أو بالعكس، فلا يخلو من أن يكون كل واحد منهما نصابًا، أو غير نصاب، أو أحدهما [نصابًا] (٥) دون الآخر؛ فإن كانت كل واحدة نصابًا فقولان: المشهور الاستقبال بالثانية حولًا، والشاذ بناؤها على حول الأولى. وهما على ما قدمناه من الالتفات إلى جريان الزكاة [فيهما] (٦). [والثاني بناء على الالتفات إلى اختلاف [معناهما في] (٧) الزكاة. فإن (٨) كانتا جميعًاً دون النصاب فلا شك في الأحكام (٩) للزكاة] (١٠)

стр. 881

وكذلك إذا كانت الثانية دون النصاب ولم يقصد الفرار. وقد قدمنا الحكم (١) إذا قصده. وإن كانت الأولى دون النصاب والثانية نصابا فقولان على القول بجريان الزكاة: أحدهما: سقوط بناء الثانية على [حول] (٢) الأولى لما كانت الأولى [لا] (٣) تجب فيها الزكاة، والثاني: وجوب البناء على أصل ملكه الأول (٤)، ويعد (٥) هذا إكمال النصاب (٦) كالربح. وإن كانت الماشية الثانية من نوع الأولى (٧)؛ فالمشهور من المذهب بناء حول الثانية على حول الأولى لأنهما لما تجانسا فكان الثانية هي الأولى بعينها (٨). والشاذ الاستقبال بالثانية حولًا]] (٩). وهذا اشتراط أن يمضي على العين الواحدة حولًا دون أن تبدل، وهذا إذا كانت الأولى نصابًا، فإن كانت دونه فلا شك على القول بالاستقبال بالثانية حولًا، وإن كانت الأولى نصابًا فإنه يستقبل هاهنا. وأما على القول الثاني ففي البناء والاستقبال قولان. وسببهما ما قدمناه من عد الزيادة كالربح والالتفات (١٠) إلى سقوط الزكاة في الأولى. فإن تخلل ذلك عين كمن باع ماشية بعين ثم يشتري بالذهب (١١) ماشية، فهل يبني على حول الأولى أو يستقبل؟ قولان: المشهور أنه يستقبل إلا أن يكون الأول للتجارة، وهما

стр. 882

[على] (١) ما قدمناه [من الخلاف إذا اشترى بالعين ماشية] (٢)، فهاهنا أحرى (٣) بالبناء إذا التفت إلى الأصل [الأول] (٤) والذي بعده وألغى (٥) الوسط. فإن استهلكت لإنسان ماشية وأخذ عنها ماشية بدلًا عن قيمتها، فهل يكون ذلك كبدل ماشية بماشية، أو كبيع الأول بالعين ثم يشتري بالعين ماشية (٦)؟ في الكتاب قولان وهما على الخلاف فيمن خُيِّر بين شيئين هل يعد كأنه لم يأخذ إلا ما وجب له فيكون هو (٧) كالبدل أو يعد كالتارك للقيمة والآخذ عنها ماشية فيكون كالمتنقل من شيء إلى شيء وفي هذا الأصل في المذهب قولان. ... باب في زكاة فوائد الماشية ولا تخلو الماشية من أن تصادف عند مستفيدها شيئًا (٨) من نوعها أو لا تصادف؛ فإن لم تصادف فبيَّن أنه يستقبل بما أفاده حولًا، وإن صادفت عنده شيئًا من نوعها فإن كانت الأولى دون النصاب أضافها إلى الثانية بلا خلاف واستقبل بها حولًا، ويستوي (٩) في هذا حكم العين والماشية. وإن كانت الأولى نصابًا فهل يضيف الثانية إليها فيزكيها لحول الأولى أو يستقبل بها حولًا؟ في المذهب قولان: المشهور أنه يزكيها لحول الأولى

стр. 883

بخلاف العين. ومذهب ابن عبد الحكم أنه يستقبل بها حولًا بمنزلة العين. وقد اختلف في وجه الفرق بينهما على طريقين: أحدهما: أن العين لا سعاة له، فإذًا تبقى كل فائدة (١) على حولها, لأنه يخرج الزكاة متى حل حول كل واحدة (٢). والماشية لها سعاة فإذا أبقى كل واحدة (٣) على حولها أمكن أن تحل الأحوال في وقت لا سعاة فيه فيتأخر إخراج الزكاة عن وقتها، فكان عدلًا بين أرباب الأموال والمساكين أن تضاف الثانية إلى الأولى. وأْيضًا فقد يدعي المالك أنه استفاد البعض بَعْدُ لتسقط الزكاة عنه وقت (٤) مجيء الساعي، ثم يستمر السقوط إلى العام الثاني فلم يمكن من ذلك [بحمية] (٥) الذرائع. والطريقة الثانية أن الماشية لها أوقاص، فلو بقي كل منها على حوله لأدى ذلك إلى مخالفة النصاب الذي قدره النبي- ﷺ مثال ذلك أن يكون للإنسان أربعون شاة ثم بعد مضي نصف الحول مثلًا يستفيد أربعين فلو أبقى كل فائدة (٦) على حولها لأدى إلى أن يُخرِج من ثمانين شاتين، وهذا خلاف حكم الشريعة. [وقد يستفيد أربعين أخرى، فيخرج شاة أخرى عنها لو قدر بقاء كل فائدة على حولها، فيصير في عشرين ومائة ثلاث شياه، وهذا خلاف حكم الشريعة] (٧). فكان على هذا إضافة الثانية إلى النصاب الأول عدلًا بين أرباب الأموال والمساكين. وعلى اختلاف حكم الطريقتين يختلف الحكم بين من لهم سعاة وبين من لا سعاة لهم؛ فإن عللنا بالأول وجب على من لا سعاة لهم أن يزكوا كل مال على حوله، وعلى التعليل الثاني يستوي الأمر فيهما فيضيف الثانية إلى الأولى. [ووجب على من لا سعاة لهم أن يزكوا كل مال على حوله] (٨)، وقد نص عليه في

стр. 884

المستخرجة (١). ولا يمكن أن يختلف في أن الأوقاص تزكى على الروايتين جميعًا، وإنما تزكى الثانية على حولها إذا كانت زائدة على الوقص أو كمل بالأول النصاب. ومثال هذا أن يكون للإنسان أربعون ثم يستفيد أربعين فلا يختلف أنه لا يزكي إلا واحدة, لأنّ الفائدة الثانية لا تؤثر. وكذلك أيضًا لو كانت الفائدة الثانية ثمانين. وإن كانت أكثر من ذلك فهاهنا ينظر إلى اختلاف التعليلين على ما قدمناه؛ فإن كان في موضع فيه سعاة فلا يختلف أنه يضيف الثانية إلى الأولى على المشهور من المذهب. فإن لم يكن له سعاة فهل يزكي عن الأولى شاة فإذا حل حول الثانية زكاها أيضًا، هاهنا يتصور الخلاف على اختلاف التعليلين؛ فمن علل بمجيء السعاة زكى كل مال على حاله (٢)، ومن علل بالأوقاص أجرى (٣) الحكم على المنصوص في المذهب [وإن لم يكن سعاة] (٤). ... فصل (هل يشترط لوجوب الزكاة إتيان الساعي) وإن لم يكن للماشية سعاة كان حولها كَحَول العين، وهو مرور الزمان. فإذا حل عليه الحول وجبت الزكاة، فإن كان لها سعاة فهل يشترط في وجوب الزكاة إتيان الساعي؟ في المذهب قولان: المشهور اشتراط ذلك، وإنما لا تجب إلا بوجهين: أحدهما: حلول الحول، والثاني: مجيء الساعي. والشاذ مراعاة الحول خاصة. وهذا قياس على سائر الأموال، والأول نظراً إلى ما استقر في الزمان واستمر عليه العمل. وأيضًا فلما كان رب المال ممنوعًا من إخراج الزكاة قبل إتيان السعاة، صار الوجوب إنما يتقرر بعد إتيانهم. وعلى هذا اختُلف لو مات من حال الحول على ما عنده

стр. 885

من الماشية قبل (١) إتيان الساعي فعلى المشهور من المذهب لا يجب عليه شيء، وهكذا قال في الكتاب (٢). ولو أوصى بها لكانت في الثلث غير مبدأة (٣) على الوصايا لأنها لم تجب، بخلاف أن يوصي بزكاة فرط فيها فإنما تكون مبدأة على الوصايا. القول الثاني أنه يجب إخراجها وإن لم يوص بها، وهذا على ما قدمناه. وعلى هذا أيضًا اختُلف إذا تخلف السعاة لعذر هل تجزي المخرج أم لا؟ والمشهور أنه لا يجزيه، والشاذ أنه يجزيه. (مسائل تنخرط في هذا السلك) ومما ينخرط في هذا السلك أن يمر الساعي بإنسان فيجد عنده دون النصاب ثم يعود في رجوعه فيجدها قد كملت بولادة. والمشهور أنه لا يزكي إذ ليس له أن يعود إليه. وقد استقر (٤) الأمر أنه لا زكاة (٥) عليه في هذا الحول، والشاذ أنه يؤخذ منه, لأنّ مروره الأول (٦) لا يوجب حكمًا إذ ليس من أهل الزكاة، وإنما يوجبها المرور الثاني. وينخرط (٧) في هذا أيضًا أن يمر به الساعي فيسأله عما عنده فيخبره ثم يصبح فيعد عليه فيجد بعضها قد مات أو زادت بولادة؛ فأما إن مات بعضها فالمنصوص أنه يحتسب بما يجد لا بما أخبره. قال بعض الأشياخ: وهذا إذا كان في أعيانها المأخوذ [منها] (٨). وأما إن كانت إبلًا تزكى بالغنم فإنه يأخذ عما أخبره به لا (٩) عما وجد بعد أن أصبح. وفي المذهب قول

стр. 886

أنه إن صدقه (١) فيما أخبره به فيأخذ به ولا يلتفت إلى الزيادة والنقصان، وإن لم يصدقه ولم يثق بقوله فإنه يأخذ بما وجد لا بما أخبره. وهذا يحتمل أن يكون تفسيرًا ويحتمل أن يكون خلافًا، وكذلك عده أبو عمران. وبالجملة هذه المسألة تجري على ما قدمناه في زكاة العين إذا ضاعت بعد الحول وقبل إمكان الأداء. وقد تقدم أن المشهور من المذهب أنه لو بقي دون النصاب لم يأخذ منه شيئًا، و [أن] (٢) الشاذ أنه يأخذ مما بقي بحسابه. وكذلك يختلف إذا ماتت وبقي منها دون النصاب، هل يأخذ مما بقي معولًا على خبر رب المال أو لا يأخذ وهو المشهور من المذهب؟ وإنما يكون ذلك إَذا عول على خبره، وأما إن لم يعول عليه وعول على أنه يعد فيأخذ بما وجد، فإنه [لا] (٣) يختلف أنه لا يلتفت إلى ما كان قبل العدد. وأما لو زادت. بالولادة، فإن لم يعول على خبره إخذ بما يجد عند العدد، وإن عول عليه ووفق به فهاهنا للمتأخرين قولان: أحدهما: أن المذهب على قول واحد، أنه ينظر إلى ما عول عليه. والثاني: أن المذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يلتفت إلى خبره, لأنّ هذا من الأموال الظاهرة، فلا يلتفت فيها إلا إلى الموجود لا إلى خبر المالك. والثاني: أنه إن كان موثوقًا بقوله وصدقه فقد صار حكمًا بأن الواجب عليه مقدار ما أخبره به، لا سيما أن الأمر (٤) على ما أخبره، وإنما زادت بالولادة [أو نقصت بإتلاف] (٥). ولو أخذ الساعى في العدد بعد النظر وبقي الشطر الآخر لم يعده حتى (٦) تلف بعض المعدود أو زاد بالولادة، فهل يكون عدها كالحكم بأن الواجب فيه ما استقر عنده من عدد؟ فيه للمتأخرين قولان: أحدهما: أنه

стр. 887

كحكم استقر عنده فلا يلتفت إلى زيادته ولا نقصانه بمنزلة ما لو عد الجميع. والثاني: أنه يعول على الزيادة والنقصان؛ لأنه لا يستقر الوجوب إلا بعد عد الجميع. إذا قلنا باستقرار الوجوب في المعدود فتلف منه البعض حتى لم يبق من الجميع إلا مقدار دون النصاب، أو تلف طير المعدود فكان المعدود دون النصاب، فهل يزكي ما بقي؟ هذا يجري على الخلاف الذي قدمناه في العين يتلف منه شيء بعد حلول الحول، وقبل إمكان الأداء. وكذلك أجراه الأشياخ على هذا المعنى، وتقدم في ذلك القولان. ... باب في أحكام الخلطة في الماشية (معنى النهي عن الجمع بين المفترق) وقد قال ﷺ : "لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة" (١). وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية. ولا خلاف أن للخلطة تأثيرًا في زكاة الماشية على الجملة وإن اختلف في التفاصيل. ومعنى نهيه ﷺ عن الجمع بين المفترق عند مالك وأصحابه أن يكون اثنان لهما غنم يجب في افتراقهما أكثر مما يجب في اجتماعهما، فإذا أطلهما (٢) الساعي جمعا ليخففا عن أنفسهما، كاثنين، لكل واحد منهم أربعون أو ستون فتجب عليهما في الافتراق شاتان ومع الاجتماع واحدة. فنهيا عن الجمع ليُسقطا بعض ما وجب عليهما. (معنى النهي عن التفريق بين المجتمع) ومعنى النهي عن التفريق أن يكونا خليطين لواحد مثلًا مائة وعشرون

стр. 888

وللآخر إحدى وثمانون، فإذا أطلهما الساعي فرّقا ليؤدي كل واحد منهما شاة، وفي الاجتماع يجب عليهما ثلاث شياه. فإذا فعلا ما نهيا عنه من التفريق أو من الجمع فالمذهب أن يأخذا بزكاة ما كانا عليه في الأول. واستقرأ أبو الحسن اللخمي من مسألة البائع ماشيته فرارًا، أنهما يؤخذان هاهنا بزكاة ما رجعا إليه، كما قاله في مختصر ابن شعبان في مسألة البائع فرارًا، أنه يؤخذ بزكاة العين (١). وهذا الاستقراء لا يلزم لأنّ تلك الماشية قد أخذت فيها الزكاة، وقد لا يختلف الحال بين زكاة الماشية وزكاة العين، وربما كانت زكاة العين أنفع للمساكين. وفي مسألة الخلط يختلف اختلافًا بينًا كما مثلنا به. (بما يعرف القصد إلى الفرار) وبأي معنى يحصل ظهور القصد إلى الفرار بالتفريق أو الجمع؟ أما إن قامت (٢) قرينة حال تدل على القصد بذلك فينبغي أن يعول عليها ولا يلتفت إلى الزمان، وأما إن لم تقم قرينة حال فهل يرجع إلى الزمان أم لا؟ في المذهب قولان: المشهور أنه يستدل على ذلك بقرب الزمان، والشاذ أنه لا يستدل عليه بزمان أصلًا بل ينظر إلى ما يظهر من قرينة الحال، ولا شك أن هذا هو الأصل. وإنما مراعاة الزمان [طلبًا للاستدلال على قصد الفرار من الزكاة بقرب الزمان. وإذا قلنا بمراعاة الزمان] (٣)، فما مقداره؟ ثلاث روايات: أحدها: أنه الشهران ونحوهما، والثاني: أنه الشهر، والثالث: أنه دون الشهر. ولا يظهر لهذا التحديد معنى يؤدي إليه حتى يكون غيره في حد الطرح (٤)، بل تحريم الجمع (٥) على قرب الزمان. فكل منهم شهد بنوع، والأصل كما قلناه مراعاة ظهور القصد.

стр. 889

وإذا وقع الإشكال في هذا القصد، هل تجب اليمين أم لا؟ يجري على الخلاف في أيمان التهم، وقد تقدم أن فيها ثلاثة أقوال. ... فصل (أقسام الخلطة) وإذا تقرر ما قدمناه، قلنا بعده: الخلطة على قسمين: أحدهما: الاشتراك في أعيان الماشية، فهؤلاء يسمون خلطاء وشركاء، والثاني: الاشتراك في الانتفاع، فهؤلاء يسمون خلطاء ولا يسمون شركاء. ومحمل (١) الحديث المتقدم في التراجع إلى القسم الثاني لا إلى الأول. وفيه يصح التراجع إذا أخذ من ماشية أحدهما. وأما مع (٢) الاشتراك، فلا يأخذ إلا مما هما (٣) مشتركين فيه، ولا معنى للتراجع. وقال أبو الحسن اللخمي: يصح التراجع بين الشريكين على أحد قولي مالك ﵀ أن الأوقاص غير مزكاة، (٤) (٥) إذا كان لأحد الشريكين ثلث وللآخر الثلثان، والجملة عشرون ومائة من الغنم، فإنه هاهنا إذا أخذ شاة يجب أن يكون نصفها على صاحب [الثلث والنصف على صاحب] (٦) الثلثين. فإذا أخذها من الجملة فقد فضل صاحب الأربعين بسدس شاة (٧) يرجع عليه بها, لأنّ الواجب على صاحب الأربعين (٨) نصف وهو إنما أدى على الحقيقة الثلثين. ...

стр. 890

فصل (أحكام الخلطة) وإذا تقرر ما قلناه، قلنا ما بعده من أحكام الخلطة تحصر (١) في ثلاثة فصول: أحدها: ما يوجب الخلطة، والثاني: [في] (٢) حكم المأخوذ من الخليطين (٣). والثالث: في حكم الخليط يكون له خليط آخر وماشيته منفردة عن الاختلاط (٤). (موجبات الخلطة) فأما الفصل الأول؛ فإن موجبات الخلطة خمسة وهي: الراعي والفحل والدلو والمراح والمبيت. ومعنى هذه: أما الراعي فأن (٥) يكون راعي الغنم واحدًا أو جماعة مشتركين بإذن أرباب الأموال. واشترط أبو الوليد الباجي الافتقار (٦) إلى جميعهم، فإذا حصل هذا المعنى عد هذا شرطًا من شروط الخلطة. فأما الفحل فأن يكون فعل جميع الغنم واحدًا أو جماعة يشتركون في أعيانها (٧)، أو يكون كل واحد منها (٨) يضرب [في] (٩) الجميع، واشترط أيضًا أن يفتقر إلى الجميع. وأما الدلو فمعناه السقي، ومقتضى اللفظ أن يسقى الجميع بدلو واحد، لكن ألحق بذلك الاشتراك في الماء، إما أن يكون موضعه مملوكًا أو تكون المنفعة فيه مشتركة.

стр. 891

وأما المراح فاختلف فيه على قولين: أحدهما: أنه الموقع (١) الذي تقيل فيه الغنم، والثاني: أنه الذي تجمع فيه ثم تنصرف منه إلى المبيت. ويشترط فيه أيضًا أن يكون مملوك الرقبة لجميعهم أو مملوك المنفعة. فإن كانت مواضع كثيرة، فيفتقر أن يكونوا محتاجين إلى جميعها، وكذلك الحكم في المبيت. وقد (٢) أضيف إلى هذه الشروط، [المسرح (٣) وهو الموضع الذي ترعى فيه. وهذا يكفي فيه اتحاد (٤) الراعي أو تعاون الرعاة. وإذا تقررت هذه الشروط] (٥)، فلا خلاف أنه لا يشترط في ثبوت الخلطة وجود جميعها. واختلف المذهب بعد ذلك في المعول عليه منها على أربعة أقوال: أحدها: أنه جلها، والثاني: أنه اثنان ما كان منهما، والثالث: أنه الراعي، والرابع: أنه الراعي والمرعى. وهذا كله تحريض (٦) على حصول الاشتراك في المنفعة التي تجعل المالكين كالمالك الواحد. فمن التفت إلى كثرة الاشتراك اشترط الجل حتىّ يكون ما يفترقان (٧) فيه تابعًا، ومن التفت إلى حصول الاشتراك جملة اشترط أثنين لأنّ الواحد لا يحصل به المقصود، ومن التفت إلى الراعي فلأنه يرى أنه إذا اجتمعت فيه حصل [به] (٨) الاجتماع في غيره، وكان إضافة المرعى (٩) إليها إنما ما هو تَتْميم، وإلا فإذا اجتمعت في الراعي لا بدّ أن يجمعها في المرعى. ويمكن أن ترجع هذه الأقوال إلى معنى واحد، وهو اجتماع الجل. ويكون المذهب على قولين: أحدهما: اشتراط الجل، والثاني: اشتراط اثنين، والتفات الجميع

стр. 892

إلى حصول الاختلاط فيما يجعل المالكين في المرافق كالمالك الواحد. ... فصل (شروط زكاة الخلطة) وأما أحكام (١) زكاة الخلطاء فقد قدمنا أن شروط الخلطة إذا حصلت عد الملك كالمتحد، وذلك عندنا بشروط: أن يكون كل واحد من الخلطاء مخاطبًا بالزكاة, لأنه ملك النصاب، وقد حل على [غنمه] (٢) حول. فإن لم يكن كذلك فلا تأثير لخلطته. (حكم من كان خليطه يهوديًا أو ذميًا) واختلف المذهب لو كان يهوديًا أو ذميًا أو عبداً هل يزكي خليط المسلم زكاة الانفراد أو زكاة من له خليط؟ والمشهور من المذهب أنه يزكي زكاة المنفرد. والشاذ أنه يزكي زكاة من له خليط. واستقرأ أبو الحسن اللخمي من هذا مراعاة الخلطة (٣) إذا نقص نصيب أحدهما عن النصاب، أو لم يحل على غنمه الحول. والجامع عنده أن كل واحد من الذمي والعبد والمالك دون النصاب والذي لم يحل (٤) على غنمه الحول غير مخاطب بالزكاة. فإذا اختلف في أحد هؤلاء وجب إجراء الخلاف في الباقي (٥). وليس كما قاله لأنّ الذمي قد اختلف فيه الأصوليون والمذهب هل هو مخاطب بفروع الشريعة أم لا؟ والخلاف [في مراعاة] (٦) خلطته على هذا الأصل؛ فمن قال إنه غير مخاطب [جعل خلطته غير مؤثرة ومن قال إنه

стр. 893

مخاطب] (١) حكم بتأثيرها. لكن يوجب على من خالطه من المسلمين ما يلزمه ويكون الذمي كالظالم للمساكين بإمساك ما يلزمه. (حكم زكاة ما بِيَدِ العبد) والعبد قد اختلف الناس في زكاة ما بيده، فقيل: تجب على سيده لأنه غير مالك أصلًا، وقيل: عليه في نفسه لأنه مالك حقيقة، وقيل وهو المذهب لا يجب عليه شيء. والقول بمراعاة خلطته مبني على مراعاة الخلاف، والإجماع على أن من قصرت غنمه عن النصاب أو لم يحل عليها الحول لا يجب في نفسه شيء، فكيف يقاس بعضهم على بعض؟ ومقتضى حكمها (٢) بأن الخلطاء كمتحدي الملك, لأنّ أحدهما لو كان معه معز وللآخر ضأن لكانا كالمالك الواحد وجرى في حكم ما تقدم على حكم المالك (٣) تكون غنمه مختلطة. وهذا نص في كتاب ابن سحنون. (حكم زكاة الأوقاص) واختلف المذهب في الأوقاص هل هي مزكاة أم لا؟ وعلى هذين القولين سيأتي ما في الكتاب في خليطين؛ لأحدهما تسع (٤) من الإبل وللآخر خمس (٥) هل يقتسمان المأخوذ منهما على أربعة عشر جزءًا أو على التساوي؟ (٦) فإن حكمنا بزكاة الأوقاص فعلى التفاضل، وإن حكمنا أنها غير مزكاة فعلى التساوي. وسبب الخلاف إلغاؤها قبل كمال النصاب الثاني والاعتداد (٧) بها بعد كماله، فمن نظر إلى الإلغاء قال لا شيء فيها، ومن نظر إلى الاعتداد

стр. 894

أوجب. ولا خلاف في الاعتداد بما لو كان لأحدها تسعة والآخر ستة, لأنّ الأوقاص هاهنا أثرت زيادة الشاة فلولا الواحدة والأربعة الزائدة على خمسة كل واحد لم يجب إلا شاتين، وإنما لفقت الأوقاص [هاهنا] (١) لما قدمناه من عد الخليطين كالمالك الواحد. وهكذا تنقلهم الخلطة إلى أن يخرجا من الإبل , وإن كان الانفراد يقتضي إخراج الغنم أو يخرج أحدهما، وقد ينقلها من فرض إلى فرض وهذا بيّن إذا اعتبر. ... فصل (٢) (حكم أخذ الساعي من الخليطين ما لا يجب عليهم) وإذا تقرر أن أصلنا اشتراط النصاب في حق كل واحد منهما، فإذا اجتمعا (٣) وليس لكل واحد منهما نصاب فلا زكاة عليهما، وإن كان لأحدهما نصاب والآخر دونه فالزكاة على من في حظه نصاب. فإن خالف الساعي هذا الحكم فأخذ ولا يجب الأخذ (٤) فلا يخلو من أن يكونْ المجتمع عنهما غير نصاب أو نصاباً، فإن قصّرا (٥) عن النصاب فهو غاصب، تكون (٦) مصيبتها من أخذت من غنمه. وإن أكمل باجتماعهما نصاب فإن قصد إلى الغصب فالحكم كالأول, وإن أخذ بتأويل فالمذهب أنهما يتراجعان في المأخوذ، وهذا على مراعاة الخلاف، أو لأنّ (٧) الساعي كالحاكم في مضي حكمه (٨) بلا خلاف.

стр. 895

وإن كان لأحدهما نصاب وللآخر دونه، فلا يخلو من أن يضر الذي له النصاب بالآخر حتى يوجب بالتأويل زائد أو لا يضره؛ فإن ضره كمن له مائة وعشرون من الغنم وللآخر إحدى عشر، [فجاء الساعي فأخذ شاتين فإن أخذهما بغير تأويل فواحدة على رب النصاب، والثانية مصيبة ممن أخذت] (١) منه، وإن أخذها بتأويل ففي المذهب قولان: أحدهما: أنهما يتراجعان في الشاتين، إذ كذلك قصد الآخذ فيمضي حكمه (٢) يكون كحكم (٣) بما اختلف النَّاس فيه. والثاني: أن واحدة تكون ممن له النصاب لأنّ ذلك هو الواجب عندنا، والثانية يتراجعان فيها لأنها [من] (٤) التي وقع فيه التأويل. وأجرى الأشياخ المتأخرون على هذا ما لو كان لأحدهما اثنان وثلاثون من الإبل وللآخر أربعة فجاء الساعي وأخذ بنت لبون؛ فعلى القول الأول يتراجعان فيها، وعلى القول الثاني يكون على صاحب الأكثر بنت مخاض، وينظر إلى قيمة ما زادت بنت لبون عليها فيتراجعان فيها. قال أبو الحسن اللخمي: ويجري فيها قول ثالث: - يعني في مسألة الغنم - أْن الشاة الزائدة (٥) يكون على كل واحد منهما نصفها، قال: بمنزلة ما لو شهد أربعة بالزنا واثنان بالإحصان ثم رجعوا ففي الدية قولان: أحدهما: أنها تكون على [عدد] (٦) الرؤوس، والثاني: أنها تكون نصفين: نصف علي الشهود بالزنا, ونصف على الشهود بالإحصان (٧) والجامع عنده أن كل واحد في الخليطين مؤثر في أخذ الزائد، كما أن كل فريق من هؤلاء الشهود مؤثر في وجوب الرجم. ولا يلزم ما قاله لأنّ القول [بكون] (٨) الدية (٩) شطرين نظرًا إلى أن

стр. 896

الإحصان يستقل بالإثنين كاستقلال (١) الزنا بالأربعة فهم في المعنى كالمتشاطرين (٢). ومسألة الخليطين، لا شك أن لزيادة العدد تاثيرًا في وجوب الزكاة، وفي (٣) تأويل المصدق فتقسمت (٤) على الأعداد. وإن كان صاحب دون النصاب غير مضر بالآخر، فإن أخذ الساعي مقدار الواجب فلا شك في اختصاص من له النصاب [به] (٥)، وإن (٦) زاد عليه فهو ظلم محض يكون ممن أخذ منه. وقد تقدم أن من وجبت له غنم بأعيانها فالزكاة فيها من يوم الوجوب. وحكم المرأة تتزوج على غنم بأعيانها جارية على هذا الأسلوب. فإذا ما طلقها الزوج فصار إليها نصف صداقها لأنّ الطلاق قبل الدخول فهل يستقبل حولًا من يوم عادت إليه أو يبني على ما تقدم له؟ في المذهب قولان. وهو على الخلاف في المرأة هل تملك الكل بالعقد أو نصفه؟ فإن قلنا إنها تملك الكل استقبل الزوج حولًا، وإن قلنا إنها تملك النصف خاصة يبني على الحول الأول. وإذا قلنا إنه يبني على الحول الأول فمن أين يجعله، هل من وقت ملك أو زكى أو من يوم أصدق؟ للمتأخرين قولان: والأكثر وهو الصحيح أنه من يوم ملك أو زكى. وقال بعض المشايخ من وقت عقد. ويكاد أن لا يكون له وجه إلا أنه يحتمل أنه بالعقد صار كأنه مِلْكٌ مفتتح فيبنى على ذلك الوقت. ... فصل (حكم الخليط يكون له خليط آخر) أما حكم الخليط تكون له ماشية منفردة أو يكون له خليط آخر فيها؛

стр. 897

فإن كان له خليط آخر ففي المذهب أربعة أقوال: أحدها: أنهم يعدون كلهم خلطاء، ومثاله أن يكون لواحد أربعون وللآخر ثمانون. أربعون منها خالط بها صاحب الأربعين، وأربعون خالط بها الآخر. وإذا عد الجميع [خلطاء] (١) زكوا شاتين على كل واحد من صاحبي الأربعين نصف شاة، وعلى صاحب الثمانين شاة. والقول الثاني: أن كل واحد من صاحبي الأربعين لا يحتسب بالآخر، وإنما يحتسب بغنم صاحبه الخالط له خاصة. فيكون على كل واحد من صاحبي الأربعين ثلث شاة وعلى صاحب الثمانين [ثلثا] (٢) شاة لأنه لا يحسبها مع (٣) كل واحد من صاحبي الأربعين. القول الثالث: أن كل واحد من صاحبي الأربعين لا يحتسب إلا بما معه خاصة، فيكون عليه نصف شاة وعلى صاحب الثمانين شاة (٤) , لأنه يجمع (٥) جميع ملكه فيضيف بعضه إلى بعض. والقول الرابع: أن صاحب الثمانين لا يجمع ملكه بعضه إلى بعض، لكن يزكى كل ملك خالط به الآخر كأنه لا يملك غيره. ولكن هذا القول يوافق القول الأول في هذه الصورة، فيكون عليهما (٦) شاتان، على كل واحد من صاحبي الأربعين نصف (٧)، وعليه نصفان. والطريق إلى الموافقة في هذه الصورة مختلف (٨) , لأنه في القول

стр. 898

الأول يجعل الجميع مختلطين (١)، وفي الرابع يجعلهم كالمنفردين بالاختلاط ولا يجمع (٢) مالك الثمانين بعضه إلى بعض. وتتصور المخالفة لو كان لواحد خمسة عشر من الإبل خالط (٣) بخمسة منها صاحب خمسة، وبعشرة صاحب خمسة أخرى. فعلى القول الأول يكون على الجميع بنت مخاض، وعلى القول الرابع تكون زكاتهم بالغنم فيزكي كل واحد من صاحبي [الخمسة] (٤) شاة واحدة، ويزكي صاحب الخمسة عشر ثلاثة شياه. وأما إذا كان إنسانًا مخالطًا ببعض غنمه, ونمثله بالصورة الأولى فيكون له ثمانون، خالط بالأربعين [منها من له أربعون] (٥)، ولم يخالط بالأربعين الأخرى. فيجري هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يكون عليهما شاة، على صاحب الثمانين ثلثاها وعلى صاحب الأربعين ثلثها، والثاني: أن يكون عليهما شاة وسدس، على صاحب الثمانين ثلثان وعلى صاحب الأربعين نصف (٦)، والثالث: أنهما يخرجان شاة ونصفًا (٧)، على صاحب الثمانين شاة وعلى صاحب الأربعين نصف. (مآخذ هذه الأقوال) وقد تقدم مآخذ (٨) هذه الأقوال في أحكام الاقتضاءات، لكنا ننبه عليه هاهنا، وذلك أنه اجتمع في هذه أمران كالمتناقضين: أحدهما: أن الخليط الأوسط يجب ضم ملك بعضه إلى بعض [مع عدم الخلطة، والطرفان ليس

стр. 899

بينهما خلطة، فلا يجب ضم ملكيهما بعضه إلى بعض] (١). فمن غلب حكم الوسط ورأى أن كل واحد منهما يجب ضم ملكه (٢)، وهو يجب ضم ملكه (٣) بعضه إلى بعض، قال (٤) يكون الجميع كالخلطاء. ومن غلب حكم الطرفين المنفردين أفرد ملك الوسط فجعله كالمالكين أربعين [أربعين] (٥) ولم يضم ملكه [بعضه] (٦) إلى بعض (٧)، وهذا هو القول الرابع. ومن رأى أن الوسط قد حصل لكل واحد من صاحب الأربعين خلطة (٨). والخليط يجب أن يضاف جميع ما يملكه إلى ما خالط به، جاء منه القول الثاني. ومن وجب عنده ضم ملك الواحد بعضه إلى بعض وأفرد حكم الخليط لما خالط به، جاء منه القول الثالث. ... باب في الهارب بماشيته من السعاة ولا شك أنه متعد في الهروب، فالواجب عليه متعلق بذمته. فلا يختلف المذهب في ذلك، لكن اختلف إذا زادت نعمه بعد أن كانت ناقصة في أعوام، هل يؤخذ بما يوجد في يده من الزيادة على سائر الأعوام؟ وهو الشاذ من المذهب، أو يؤخذ عن كل عام بما في يده؟ وهو المشهور. وكان المشهور هو القياس لأنه إنما يؤخذ بما تعدى عليه، فإذا ظلم فلا ينبغي أن يظلم فيزاد عليه

стр. 900

فوق الواجب. لكن أشهب القائل بالمذهب الثاني قد يرى أنه غير مصدق في دعواه النقص في السنين الماضية، أو يقيسِ (١) ذلك على المشهور من المذهب في من (٢) تخلف عنه السعاة، أنه يؤخذ بما تقدم من السنين بما في يديه الآن. وسيأتي بيانه في الباب الذي يلي هذا. وإذا قلنا إنه لا يؤخذ عن كل سنة إلا بما يملك فيها، فإن كان الأخذ ينقص ما في يديه إما لما أنقص، وإما لأنّ تسقط (٣) عنه بعض السنين لتقصيرها عن النصاب، فهل يبتدئ بالحساب من أول سنة فيؤخذ منه عنها ثم يكون نعمه بعد ذلك لا يجب فيها شيء؟ أو يجب [فيها دون أن يبتدئ بالسنة الآخرة.] (٤) ولم يؤخذ عما تقدم لتقرره في ذمته؟ في المذهب قولان. ومثاله أن يكون لرجل إحدى وأربعون شاة فيفر بها أربع سنين ولا تزيد، فيأتي المصدق ويقوم (٥) عليه، فالمشهور أنه يبتدئ بالسنة الأولى فيأخذ شاة، ثم شاة عن الثانية فينقص (٦) غنمه عن الصدقة، فلا يلزمه غير ذلك. والشاذ أنه يبتدئ بالسنة الآخرة ويأخذ عن جميع ما تقدم لتقرره في ذمته. وكأن سبب الخلاف في هذا أن الدَّيْن يُسقط زكاة العين ولا يسقط زكاة الماشية. وقد قدمنا الخلاف أيضًا في الدين إذا كان من زكاة هل يسقط الزكاة أم لا؟ وهاهنا الدين من زكاة (٧) لكنه متعلق بأعيان الماشية، بخلاف الدين الثابث في الذمة؛ فمن (٨) رأى أن الدين لا يسقط زكاة الماشية (٩)

стр. 901

جعل هذا كالمتقرر في الذمة لم تسقط به الزكاة، ومن رآه] (١) متعلقًا بأعيان الماشية بخلاف الدين الثابت في الذمة أسقط به. وقد قدمنا الخلاف في جزء الزكاة هل يتعلق بعين المال حتى يكون المساكين كالشركاء، أو يتعلق بالذمة. وهذا جارٍ على ذلك [الأسلوب] (٢). وإذا بنينا على المشهور من المذهب أنه لا يؤخذ من الهارب إلا عما يملك في كل عام فانصرف هاربًا بألف شاة، ثم قُدِرَ عليه وبيده أربعون، فقال نقصت من وقت الانصراف، فالمذهب أنه لا يصدق، وأنه يؤخذ عن جميع الأعوام على كمال الأنعام [إلا العام الآخر] (٣)، وهذا لأنه متعد في الهروب (٤)، وقوله غير موثوق به. والأصل الكمال إلا في الوقت الذي نقصت فيه. ولو انصرف مثلًا بأربعين ثم أتى بالألف، وقال إنما استفدتها قريبًا فهل يصدق تعويلاً على ما تقدم، أو لا يصدق تعويلاً على ما وجد في يده الآن؟ في المذهب قولان. ... باب في أحكام من تخلف عنه السعاة (حكم من تخلف عنه السعاة فزادت الماشية أو نقصت) وقد قدمنا الخلاف في السعاة، هل مجيؤهم (٥) شرط في الوجوب أو في الأداء؟ والمشهور من المذهب عدهم شرطًا في الوجوب، وهذا في بلد فيه سعاة. وأما بلد لا سعاة فيه فلا يختلف أنهم غير معدودين شرطًا أصلًا.

стр. 902

وإذا بنينا (١) على المشهور أن عدهم شرطًا [في الأداء] (٢)، فإذا تعذر إرسالهم في بعض السنين حتى أقام (٣) أرباب الماشية أعوامًا لم يؤدوا ثم أتى السعاة فإنهم يأخذون (٤) عن جميع ما تقدم من الأعوام. وهل ينظر إلى ما يوجد (٥) عند أرباب الماشية فيقدر كأنه ملكوه [في] (٦) كل عام؟ أما إن كانت الماشية فيما تقدم أكمل، فلا خلاف أنهم لا يضمّنون أرباب الأموال وإنما يأخذون عن الأنقص. وأما إن كانت أنقص فكملت فهاهنا قولان: المشهور متن المذهب أنهم ينظرون إلى حالة الموجود (٧) فيزكون على مقدارها لما تقدم من السنين. والشاذ أنهم يزكون عن كل عام بقدر المملوك فيه، وهذا [هو] (٨) القياس، لأنّ من تخلف عنه السعاة غير متهم (٩).وإذا كان كذلك فلا يؤخذ عنه عن أعوام كانت ناقصة بالإكمال. ومثال هذا أن يتخلف السعاة عن من يملك ألفًا من الغنم مثلًا، فيقيم عشرة أعوام ثم يأتي وليس في يده إلا أربعون، فلا خلاف هاهنا أنه لا يزكي إلا شاة، وإن كان بالعكس فكانت أولًا أربعين ثم كملت في العام الأخير فالقولان كما قدمناه: هل يؤخذ منه بالألف (١٠) عن (١١) الأعوام كلها، أو إنما يزكي شاة واحدة عن الأعوام المتقدمة وفي العام الأخير تسع شياه، وهذا هو الشاذ, وهو القياس. وأما المشهور فوجهه (١٢) العدل بين

стр. 903

أرباب المواشي (١) والمساكين، فكما لا يضمن أرباب الماشية النقص فكذلك يحاسبون بالزكاة عما تقدم. وبالجملة تجعل الأعوام كالعام الواحد، وأيضًا فقد تخلفت السعاة [للفتنة (٢) ثم بعثوا فأخذوا من الناس على ما في أيديهم. فيعد هذا كالإجماع المستقر. وهذا إن (٣) تخلفت عنه السعاة] (٤) وعنده نصاب , فإن كان عنده دونه ثم أتت السعاة وقد كمل نصابه أو زاد, فإن كان الكمال بفوائد (٥) فلا خلاف أنه لا يحسب عليه إلا من يوم الكمال، وإن (٦) كان بولادة فهل يكون كالفائدة أو يجعل جميع الأعوام كالعام الواحد؟ في المذهب قولان. وهكذا إن تخلف عنه وفي يده نصاب ثم نقص في بعض الأعوام ثم كمل بعد نقصه (٧)، فيجري على ما قدمناه في هذا من التفصيل؛ فمن عد جميع الأعوام كالعام الواحد أوجب الزكاة ولم يلتفت إلى النقص، ومن علل بالعمل أو التعديل بين أرباب الأموال والمساكين لم يوجب شيئًا إلا بعد الكمال. ولو غاب أعوامًا عدة مثلًا عمن (٨) له خمسة وعشرون من الإبل ثم جاء، فإن وجد فيها بنت مخاض أو بنت (٩) لبون أخذ ما وجد وزكى ما بقي بالغنم، وإن لم يجد ذلك كلف رب المال الشراء من غيرها. وهل يزكي لجميع الأعوام بالإبل أو يكون الحكم كالأول؟ في المذهب قولان، وهما على الخلاف في تعلق الزكاة بعين المال أو بالذمة؛ فمن علقها بعين المال أوجب عن عام واحد زكاة الإبل ويكون الشراء من غيرها هاهنا

стр. 904

كالتعويض (١)، ومن علقها بالذمة أوجب عن الأعوام كلها زكاة الإبل. فصل (متى يبعث السعاة) وقد تقدم أن أرباب الماشية ينقسم حالهم إلى من لهم سعاة، وإلى من لا سعاة لهم. وذكرنا أن من لا سعاة لهم يكون حالهم في الإخراج كالمالك للعين، وتحل الزكاة عليهم بمضي الحول. وقد ذكرنا الخلاف في مجيء السعاة هل هو شرط في الوجوب أو في الأداء. فمن لا سعاة لهم يزكون بلا خلاف وقت حلول الحول، وأما من له سعاة فمذهبنا أنهم يبعثون في [استقبال] (٢) الصيف حين تطلع الثريا بالغداة. وهذا تخفيف عن أرباب الأموال وعن السعاة؛ لأنّ أرباب الماشية يقيمون (٣) في هذا الزمان على مياههم [بالغدو] (٤) ويجمعون ماشيتهم، فيهون على السعاة تحصيل مقاديرها وعلى أرباب الأموال إخراج ما يجب عليهم. (وجوب إخراج العين الواجبة لا قيمتها) وأصل المذهب أن الزكاة لا تخرج بالقيمة وإنما يخرج [الإنسان] (٥) العين الواجبة عليه، فإن أخرج قيمتها؛ فأما في الدنانير إذا أخرج عنها دراهم أو بالعكس فقد تقدم الخلاف فيه، فأما الماشية والحرث فالمشهور من المذهب أنه إذا أخرج طوعًا القيمة فلا تجزيه، والشاذ أنها تجزيه. وهذا يحتمل طريقين: أحدهما: أنه جائز ابتداء، فيكون وجهه تغليب إرفاق المساكين، ويكون وجه المنع تغليب حكم العبادة. ويحتمل أن يكون غير جائز ابتداء لكن إذا وقع فقد نزل ما اختلف فيه الناس، فيمضي مراعاة للخلاف.

стр. 905

وإن أخرج القيمة كرهًا فلا يخلو أن يكون آخذوها يعدلون في الإصراف أو لا؛ فإن كانوا يعدلون فالمذهب على الإجزاء (١) لأنه [حكم بما] (٢) اختلف الناس فيه، وإن كانوا لا يعدلون فهاهنا قولان: أحدهما: الإجزاء، والثاني: عدمه. وهما نظرًا إلى أن التعدي على الإخراج يعود بالعداء (٣) في الأخذ. وقد قدمنا الخلاف في ولاة الجور يأخذون الزكاة هل يجزي أم لا؟ وإذا أخذوا القيمة فالإجزاء هاهنا يجري على كل أصل ثان وهو حكم الجائر (٤) من الولاة إذا قصد إلى الحكم وحكم فأصاب هل يمضي حكمه لأنه وافق الحق، أو يرد لأنه معزول شرعًا؟ فصل (حكم زكاة الماشية تغصب وترد لصاحبها) وقد تقدم الخلاف في المال العين يغصب أو يضيع، ثم يرجع إلى ربه، هل يزكيه لكل عام أم لا؟ أما الماشية تغصب ثم ترد إلى ربها فهل يزكيها لعام واحد أو لما تقدم من الأعوام؟ قولان. وأجراهما الأشياخ على الخلاف في رد الغلات إلى المغصوب منه، وإنما (٥) لم يقل واحد من أهل المذهب أن الزكاة ساقطة جملة لأنه [لا] (٦) خلاف في رد الأولاد، وهو من أعظم النماء إلا على ما يقوله أبو القاسم السيوري ويستقرئه من مسألة كتاب العيوب في المدونة، وبيانه يأتي في موضعه. (حكم الشجر المغصوب) وإن كان المغصوب شجرًا فهل (٧) المذهب متفق (٨) على وجوب الزكاة

стр. 906

فيها؟ للمتأخرين قولان (١)، وجمهورهم على أنها عارية عن الخلاف, لأن الغلات إن كانت مردودة على ربها فالنماء حاصل له فتجب عليه الزكاة، وقال بعضهم يجري على الخلاف. فإن كان مراده أن الخلاف هل يزكيها المغصوب منه أو الغاصب؟ فيكون هذا بناء على الخلاف في رد الغلات، فله وجه. وأن أراد أن المغصوب منه لا يزكيه (٢) وإن ردت عليه الغلات فبعيد، يكاد أن لا يكون له وجه. ... فصل (زكاة الماشية المردودة بالعيب) وقد اختلف المذهب في الرد بالعيب، هل هو نقض للبيع من أصله أو نقض له الآن؟ وكذلك في البيع الفاسد إذا نقض هل يكون كالمنتقض من الأصل أو يوم الحكم؟ وكذلك المردودة (٣) بالفلس. وعلى هذا اختلف المذهب في الماشية ترد بعيب أو ينقض البيع الفاسد فيها أو يأخذها ربها لفلس المشتري بعد أن قامت في يد المشتري عامًا أو أعوامًا، هل تزكيه على ملك المشتري أو على ملك ربها؟ وهل ببني ربها على ما تقدم له فيها أو يستقبل فيها حولًا؟ وفي كل ذلك قولان. ... فصل (على من يكون كراء نقل الزكاة) وقد تقدم الخلاف في سنة الجدب، هل يؤخذ فيها من الماشية أم لا؟ وإذا قلنا بالأخذ بعثت السعاة، وإذا قلنا بنفيه فلا تبعث. وإذا كان من له

стр. 907

ماشية بموضع لا تبلغه السعاة؛ فإن كان هناك مساكين أدى إليهم، فإن لم يكونوا وافتقروا إلى النقل فهل يكون كراء النقل عليه لأنّ الزكاة في ذمته، فعليه أن يوصلها إلى مستحقها؟ أو لا يكون عليه ذلك، بل يكون الكراء من بيت المال إن كان، أو من الزكاة إن لم يكن لأنّ الزكاة متعلقة بالعين والمساكين كالشركاء [فيها (١)؟ في المذهب في ذلك قولان. وقد قدمنا الخلاف في هذا الأصل (٢). ... باب في زكاة الحبوب والثمار وقد أجمعت الأمة على وجوب الزكاة في النبات على الجملة، وإن اختلفت في التفاصيل. وقد قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ (٣) الآية، لكن قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٤)، ظاهر في تعلق الحق، ومجمل في جنسه ومقداره. وقد أخذ أبو حنيفة من الآية ومن قوله ﷺ "فيما سقت السماء العشر" (٥) أن الزكاة واجبة في جميع النبات إلا الحشيش والقصب الهندي، إلى ما قاله من التفصييل الذي لسنا نذكره لأنّ القصد بيان المذهب والإشارة إلى مذهب المخالف. وساعده ابن الماجشون [على الإيجاب] (٦) في كل ذي أصل كالرمان والسفرجل والتفاح وسائر الثمار، وخالفه في البقول. وعوّل في هذا على الآية. وألزم أن يقول

стр. 908

بما قاله أبو حنيفة في البقول، لقوله تعالى: ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ (١) الآية، لكن قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢). وقد اعتذر المشهور من المذهب عما تقتضيه الآية، بأنه تعالى علق الحق بيوم الحصاد؛ فإنما يكون ذلك فيما يكون فيه الحصاد، وأيضًا فإن الرسول ﷺ قد روي عنه أنه استثنى البقول والفواكه فأسقط منها الزكاة (٣). ومن جهة المعنى (٤) أن الزكاة تتعلّق بالأموال الشريفة (٥) التي هي قوام الحيوان (٦)، أو قوام معيشته كافية [كالعين] (٧) والنعم، ويجب أن يختص من النبات بما فيه هذا المعنى وليس إلا الأقوات. ... فصل (أركان هذا الباب) وإذا تقررت هذه المقدمة (٨) قلنا بعدها النظر في هذا الباب ينحصر في ثلاثة أركان (٩): أحدها: ما تجب فيه الزكاة، والثاني: ما المقدار الواجب، والثالث: في صفة الإخراج.

стр. 909

(ما الذي تجب فيه الزكاة) فأما الركن الأول، فقد تقدم آنفًا قول ابن الماجشون في الفواكه ومخالفة المشهور له. وإذا قلنا بالمشهور فقد اختلفت طرق المتأخرين في الحكاية عن المذهب؛ فالجمهور متفقون على أن المذهب على إيجاب المزكاة في كل مقتات متخذ للعيش غالباً، وأما أبو الحسن اللخمي فحكى على المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: ما قدمناه، والثاني: تعلق ذلك (١) بما يخبز من الحبوب دون ما لا يخبز، فيرى أن القطاني (٢) مختلف في وجوب الزكاة فيها لأنها لا تخبز إلا في النادر، والثالث: التعلق بكل مقتات وإن لم يكن للعيش غالبًا (٣). ويضيف هذا القول إلى القاضي أبي محمد [عبد الو هاب] (٤). وهذا الذي عول عليه إنما يقع في إطلاق روايات يظهر في تفصيلها أن المذهب على قول واحد، لكن اختلف في مسائل [على] (٥) الخلاف في ردها إلى قبيل المقتات نادرأ أو (٦) المقتات غالبًا. وقد قدمنا الخلاف في النادر هل تتعلق به الأحكام أو لا؟ وتفصيل هذا الإجمال أنه لا خلاف في المذهب في إيجاب الزكاة في القمح والشعير والسلت (٧) والعلس (٨) والقطاني. لكن اختلف في البسيلة وهي: الكرسنة (٩)، هل تعد من القطاني أم لا؟ وهو خلاف في شهادة. ولا

стр. 910

خلاف أيضًا في التمر والزبيب. واختلف في التين؛ وقد ترجح قول مالك فيه، فقال ابن القصار وغيره: إنما تكلم مالك على بلده، والتين غير ثابت فيه، وإنما تجلب إليه وهو في بلاد الشام وغيرها من الأقطار مقتاتًا غالبًا. وقد نزل أبو الوليد الباجي هذا على (١) النظر إلى المقتات (٢) في زمن نزول الأحكام وقوت (٣) أهلها، والنظر إلى (٤) كل قطر وعادته. وهذا (٥) ينتقض عليه بالزيتون فإنه لا خلاف عندنا في وجوب الزكاة فيه، وإن لم يكن بالمدينة وأحوازها. وتجب الزكاة في كل ما فيه زيت، كالزيتون والجلجلان (٦). وأما حب الفجل الأحمر (٧) وزريعة الكتان، والقرطم وهو زريعة العصفر، ففي المذهب فيها ثلاثة أقوال: أحدها: إيجاب الزكاة, وإسقاطها، والتفرقة بين أن يكثر زيتها أو يقلّ. هذا خلاف في حال هل يكون في هذا من الزيت ما يلحق في الكثرة والمنفعة بالزيتون والجلجلان (٨) أم لا؟ وكذلك يختلف أيضًا فيما لا يتزبب من العنب, وما لا يخرج زيتًا من الزيتون، وما لا يثمر من النخل تتعلق الزكاة به نظرًا إلى الغالب أو لا تتعلّق نظرًا إلى الشيء في نفسه؟ وهو على الخلاف في تعليق الأحكام على النوادر، وهذا حقيقة المذهب إجمالًا وتفصيلًا. ...

стр. 911

فصل (المقدار الواجب) وأما المقدار الواجب فهو العشر فيما يُسقى من غير تكلف مشقة، ونصف العشر فيما يسقى بمشقة. وما كان يشرب سيحًا (١)، أو من السماء، أو بعروقه ففيه العشر، وما كان يشرِب بالغرب وهو الدلو (٢) والدواليب (٣) وغيرِ ذلك من أنواع نزع المياة، ففيه نصف العشر. فإن كان يشرب بالسيح لكن رب الأصول لا يملك الماء وإنما يشتريه بالثمن ففيه قولان: والمشهور وهو الصحيح أنه يزكي بالعشر، إذ فيه نص الحديث. وذكر أبو الحسن اللخمي أنه سئل عما يُتكلف في إجرائه نفقة, فأجاب أنه يزكي للستة الأول (٤) نصف العشر، وفي ما بعدها العشر. ومَن أوجب هاهنا نصف العشر فإنما يعول (٥) على الالتفات إلى المعنى, وأن مقصود الحديث أن ما فيه كلفة ففيه نصف العشر، وما لا كلفة (٦) فيه ففيه العشر [كاملًا] (٧). وهذا ظاهر [ما لم] (٨) يصادم النص؛ فإن الرسول ﷺ جعل (٩) فيما يشرب بالعيون [أو بالبعل] (١٠) العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر (١١)، فينيغي أن ينظرُ إلى المعنى لكن من غير أن يعود التعليل

стр. 912

بمصادمة النص. وقد قال المحققون إن كل علَّة تعود على النص بالإبطال فهي باطلة، وأيضًا قد يكون الخلاف في النوادر، هل تعطى حكم الغالب أو تعلق عليها الأحكام في أنفسها؟ وإن سقى شيئًا من النبات بالوجهين جميعًا: العين والنضح أو ما في معنى ذلك. فلا يخلو من أن يتساوى الأمران، أو يكون أحدهما تبعا؛ فإن تساويا فقولان: أحدهما: أنه ينظر إلى ما حيي به النبات فيعلق الحكم عليه، والثاني: أنه يزكى بثلاثة (١) أرباع العشر فيعطى لكل سقي حكمه. وهذا هو القياس، إلا أن يكون الذي حيي به النبات هو المقصود، والثاني: في حكم اللغو. وإن كان أحدهما تبعًا للآخر فثلاثة أقوال: أحدها: أن الأقلَّ لا يلتفت إليه وينظر إلى الأكثر. والثاني: ينظر إلى ما حيي به النبات. والثالث: إعطاء كل شيء (٢) حكم نفسه. والقولان مبنيان على الخلاف في الأتباع هل تعطى حكم متبوعاتها أم لا؟ وأما النظر إلى ما حيي به النبات فعلى ما قدمناه. (اعتبار النصاب) ولا خلاف عندنا في اعتبار النصاب فلا يزكى من وُجد دونه، وهو خمسة أوسق (٣). وقدَّر الأشياخ الوسق قفيزًا، وبالقروي أربعًا. فتكون الزكاة

стр. 913

في ست أقفزة وربع بالقروي، فإن نقص عن ذلك لم تجب وهذا لقوله ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" (١)، وما زاد على ذلك أُخذ بقدره كما يفعل في العين. وكل ما العادة فيه الكيل حكمه ما قدّمناه. وأما ما العادة فيه الوزن فإنه ينسب من الكيل، فإذا بلغ المقدار الذي ذكرناه وجبت فيه الزكاة. ويعتبر ما العادة فيه التجفيف حال جفافه، وذلك جارِ في العنب والبسر (٢) والتين إذا قلنا بإيجاب الزكاة في التين. وأما الزيتون فإنما يعتبر (٣) فيه حالة كماله، والكمال فيه الطيب، والجفاف نقص عن الكمال، فلا (٤) يعتبر [فيه] (٥). والذي قلناه في البُسر والعنب والتين إذا كان الجفاف فيه متأتيًا، و [العنب] (٦) إذا (٧) كان لا يتأتى فيه ذلك فهل يحسب حالة كماله التي لا يزيد عليها، أو يعتبر جفافه لو كان الجفاف فيه متأتيًا؟ في المذهب قولان. وهما على الخلاف في مراعاة النادر في نفسه، فيعتبر [حالة كماله التي لا يزيد عليها] (٨)، أو يعتبر الأكثر من غير نظر إلى النادر فيعد (٩) تأتي الجفوف (١٠) فيه.

стр. 914

وإذا اجتمع النصاب من صنف واحد وجبت الزكاة، وإن اجتمع من أصناف فهاهنا ينقسم [النبات] (١) الذي يجب فيه الزكاة إلى ثلاثة أقسام: قسم لا خلاف فيه أنه لا يضاف بعضه إلى بعض، [وقسم لا خلاف أنه يضاف بعضه إلى بعض، وقسم فيه قولان. (ما لا يضاف بعضه إلى بعض لتكملة النصاب) وأما ما لا يضاف بعضه إلى بعض، (٢)؛ فالزبيب لا يضاف إلى التين، [ولا هما إلى الزيتون] (٣) ولا جميعها إلى التمر، ولا الزيتون إلى الجلجلان، ولا جميع ذلك إلى زريعة الكتان، إن قلنا إنَّ فيه الزكاة. وبالجملة أنَّ كل صنف من هذه الأصناف منفرد بنفسه. وأصله أن (٤) ما تباين في الجنس والمنفعة فلا يضاف بعضه إلى بعض. وكذلك لا يضاف جميع ما ذكرناه إلى الحبوب. (ما يضاف بعضه إلى بعض) وأما ما يُضاف بعضه إلى بعض فالقمح والشعير والسلت يُضاف بعضه إلى بعض عندنا. على نصوص المذهب، [وأصله أن ما استوت المنفعة فيه أو تقاربت] (٥). ولا خلاف أن أنواع التمر والزبيب والزيتون يُضاف كل صنف منها بعضه إلى بعض. (الأنواع المختلف فيها) وأما المختلفة فيه فمنه العلس وهو الأشقلية، وقد اختلف المذهب فيه هل يُضاف إلى القمح وما ذُكر معه أو يكون صنفًا قائماً بنفسه؟ ومنه الأرز

стр. 915

والدخن والذرة؛ في المذهب قولان في إضافة بعضها إلى بعض في [أحكام الربا. وخرَّج [منه] (١) أبو الوليد الباجي في إضافة بعضه إلى بعض في] (٢) الزكاة. ولا شك في صحة هذا التخريج. وأما القطاني فهل يُضاف بعضها إلى بعض؟ قد اختلف قول مالك ﵀ في الإضافة في أحكام الربا، واختلف متأخرو أصحابه هل يجري مثل ذلك في الزكاة؟ فحكى أبو الوليد الباجي قولين، وروى القاضي أبو محمد جريانه في الزكاة. قال أبو الوليد الباجي: الصواب أنه لا يجري (٣)، وعوَّل على ما ذكره في الموطأ [من أن الدنانير والدراهم] (٤) جنسان في الربا، ويُضاف بعضها إلى بعض في الزكاة بلا خلاف. وهذا يدلّ على أن الربا يُشترط فيه من تقارب المنفعة ما لا يشترط في الزكاة. وهذا الذي قاله واضح. هذا النظر في إضافة [الأصناف. وأما إضافة الملك بعضه إلى بعض فإن اتفق الشرع في النبات والحصاد فلا شك في إضافة] (٥) بعضه إلى بعض. وينبني (٦) على هذا أن ما يوجد (٧) من الأشجار يُضاف بعضه إلى بعض إذا اتفقا في ظهور الثمرة. (حكم ما يثمر بَطْنَيْنِ) وإن كان المزروع بطنين [أو بطوناّ] (٨) فهل يعتبر فيه الفصول، فيضاف الشتوي منه إلى النابت في زمانه، وكذلك الصيفي والربيعي والخريفي؟ أو يُنظر إلى ما اتفق في زمن النبات ويُضاف إليه؟ فإن زرع ونبت قبل حصاد ما
следующие страницы →