← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 121380

موسوعة الأخلاق - الخراز

خالد الخراز

Полный текст (529 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مَوْسُوعَةُ الأَخْلَاقِ تأليف خالد بن جمعة بن عثمان الخراز مكتبة أهل الأثر

стр. 2

حقوق الطبع محفوظة للؤلف الطبعَة الأولى ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م مكتبة أهل الأثر للنشر والتوزيع الكويت. حولي. شارع المثنى. تلفاكس: ٢٦٥٦٤٤٠/ الخط الساخن: ٦٥٥٤٣٦٩ E.mail:aahel_alather@hotmail.com

стр. 3

مَوْسُوعَةُ الأَخْلَاقِ

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مُقدّمة إنَّ الحمدَ لله، نحمده ونَستعينُه ونَستغفرُه، ونعوذُ بالله من شُرورِ أنفُسِنا، ومن سَيئاتِ أعمالِنا، من يهدهِ الله فلا مُضلَّ لهُ، ومن يُضلل فلا هادي لَهُ. وأشهدُ أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ ، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فقد قال رسول الله ﷺ : "إنّما بُعثتُ لأتمِّم صالحَ الأخلاق". وفي رواية: "مكارم" (١). وفعلًا تمّت بإذْن الله تعالى، إذْ رَبَّى جِيلًا فاق الأمم في كل مجال، وغيَّر ملامح التاريخ، وجعلَ ذلك التاريخ يستدير ليُسطر آيات الحق ومسيرة النور الذى بدَّد الظلام والظلمات، وجاء فَيَّاضاً بِالخَيْرِ صَداعاً بالحقِّ طافِحاً بالخُلُقِ الكريم، وقد أتى منَاسِباً لكل أمَّة، مجتازاً حدود الزَّمان والمكان؛ ليكون حلاًّ لكل ظرف ولأيِّ ظرفٍ مهما كان، وأيًّا كان، وقد سعَدت أُمَّتنا بهذا النُّور العظيم الذي منحها الهوية والكرامة. وإنَّ الناظر في هذا الدِّين العظيم ليَعرفُ حقَّ المعرفة أنَّه وُجِدَ للبشرية

стр. 6

جَمْعَاء، ولا حياة كريمة لها بدونه، ونستَغْرب كيف يَحْيا الآخَرُون الذين حَرَمُوا أنفسهم الهدايةَ تَعَصُّبًا وضَلالًا وجَهْلًا؟! ولكن الجواب يَأتينا سَريعاً من كتاب الله الكريم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦]. ومن أهم ما يُمَيّز الإنسان المسلم صورة تعَامُله مع الله سبحانه، ومع إخْوانهِ في الدين، ومع غيرهم، فإن أحسن، أرضى ربَّه ورضي عن نفسه، وأعطى صورة رائعة للآخرين عن هذا الدين، وعن معتقديه، فكأنه دعا بلسان الحال وليس بلسان المقال إلى دينه دعوة أبلغ وأوصل إلى القلب والعقل معاً. وقد بدا انعكاس الصور السلوكية الرائعة في تأثيرها في انتشار هذا الدين في بعض المناطق التي لم يصلها الفتح الإسلامي؛ إذ دخل في هذا الدين الحنيف شعوب بكاملها لمَّا رأوا القدوة الحسنة مرتسمة خُلُقاً حميداً يُنيرُ طريقهُ لنفسه بِمصبَاحه، فيرى الآخرون ذلك النور، ويرون به، وبناء على ذلك الإقبال سريعاً دون دافع سوى القدوة الحسنة، فَرُب صفة واحدة مما يأْمر به الدين تُتَرجَمُ حية على يد مسلم صالحٍ، يكون لها أثرٌ لا يمكن مقارنته بنتائج الوعظ المباشرة؛ لأن النفوس قد تَنْفَر من الكلام الذي تَتَصوَّر أن للناطق بهِ مصْلَحة، وأحسن تلك الصفات التَّمسك بِالأخلاق الحميدة التي هي أول ما يُرى من الإنسان المسلم، ومن خِلالِها يُحْكَمُ له أوْ عَلَيه من الله، ثم مِن قِبَلِ النَّاس. ونظراً؛ لما لهذا الأمر من أهمية، وحرصاً مني على الإسهام في التأكيد

стр. 7

على الالتزام بالأخلاق لكل إنسان مسلم، وغيرةً على أخلاق الأمة في هذه الأيام التي لَوَت أعناقَ الأخلاق الإسلامية، أو مسختها أو قتلتها، واتبعت صرعات من شرق وغرّب، متخذةً منهم القدوة، وتحت تأثير النجَاحَات المادِّية التي حققتها الأمم غير الإسلامية، والهجمات المحمومة التي ما انفك الأعداء يُوالُونَها في كل حين، قاصدين إطفَاء هذا النُّور، وتدْجِين المسلمين، علمًا بأنَّ كل ما يقترفونه بحق هذه الأمة يَجْري في خطِّ مدروس، تَضَافَرت على إنجاحه أحقاد اليهود، والصليبية، وغيرهم، وبعد أن عَجَزوُا عن تدْمِيرِ الإسلام وأهله في ميادين الحروب، حوَّلُوا الأمر إلى حرْبِ أَخْلاقِية تجرد شبابنا من كلِّ القيم، ولن يفلحوا ما دَامَ في هذه الأمة رجالْ مُخْلِصُون، يُنَافحُونَ عن هذا الدِّين في كل مجال. وياللأسف فإننا نجد في هذا الزمان المتأخِّر أقوامًا ادعوا التَّمكُن ورجَاحة العقل، غير أنَّهم إلى الشهوات والشُّبُهات يَركُضُون، ومع النِّفاق وسُوء الأَخلاق يَجْرونَ. وهم بذلك يخالفون حتى مسمى العقل، فما سُمي العقلُ عقلًا إلا أنه يَمْنَعُ الإنْسَانَ مِنْ الإِقْدَامِ عَلَى شَهَوَاتِهِ إذَا قَبُحَتْ، ويلزمه صراط الله المستقيم، والعاقل مَنْ عَقَلَ عَنْ اللهِ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، وتمسّك بشرعه. قال العلامة ابن قيم الجَوْزية ﵀: "وحياة العقل: هي صحة الإدراك، وقوة الفهم وجودته، وتحقق الانتفاع بالشيء أو التضرر به، وهو نور يخص الله به من يشاء من خلقه، وبحسب تفاوت الناس في قوة ذلك النور وضعفه، ووجوده وعدمه، يقع

стр. 8

تفاوت أذهانهم وأفهامهم وإدراكاتهم، ونسبته إلى القلب كنسبة النور الباصر إلى العين" (١). قال أبو حاتم: "نبغ أقوامٌ يدَّعُون التَّمكن من العَقْل باستِعمال ضِدّ ما يُوجبُ العقل من شهَواتِ صُدُورهم، وَترْك ما يُوجِبُه نَفْسُ العقل بهجَمَات قُلُوبِهِم، جَعَلُوا أسَاسَ العقل الذي يَعقدُون عليه عند المعضلات: النِّفاق والمُدَاهَنَة، وفُرُوعه عند ورُود النائِبَات حُسنَ اللباس والفَصَاحَة، وزَعَمُوا أن من أَحْكَم هذه الأشيَاء الأرْبع فهو العاقل! " (٢). * من هو العاقل ؟ هو الذي يحبس نفسه ويرُدُّها عن هواها، وسُمي العقلُ عقلًا لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك، أي يحبسه، وقيل: العقلُ هو التمييز الذي به يتميز الإنسان من سائر الحيوان. وقال ابن الأنباري: رجل عاقل، وهو الجامع لأمره ورأيه. وقال صاحب المحكم كما في "تهذيب الأسماء واللغات": العقل ضد الحمق، والجمع عقول، عقل يعقل عقالًا، وعقالًا فهو عاقل من قوم عقلاء. * محل العقل: قيل العقل جوهر روحاني، خلقه الله تعالى متعلقًا ببدن الإنسان، وقيل:

стр. 9

جوهر مجرد عن المادة يتعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف، وقيل: محله الدماغ في الرأس، وقيل: محله القلب. والتحقيق أن العقل له تعلق فيهما معًا، حيث يكون الفكر والنظر في الدماغ، ومبدأ الإرادة والقصد في القلب؛ ولهذا يمكن أن يقال: "القلب موطن الهداية، والدماغ موطن الفكر" (١). * نعمة العقل: والعقلُ نِعْمَة عظيمةٌ من أَجَلِّ النِّعم، ومن خِلالِه يستطيعُ المَرْء أن يدْرِكَ مَا حَوْلَهُ، وما الذي ينبغي عليه أن يأتيه أو يَجتنبُه، وبه يَعرفُ المرء نفسه، ويعرف ربه، وُيبصرُ طريقه ويبني علاقات وطِيدَة، ويَعْقد صِلات حميمة مع من حَولَهُ، والعاقل من اتَّعظَ بِغَيِره، والأَحْمَق أَو الجَاهِل من اتَّعظَ به غيره، والعاقل من يكون حاضر العقل والقلب، فلا طيش ولا ضلال. والآيات القُرآنية في بيان نِعْمَة من يستخدمون عقولهم ويستدلون بها على الحق كثيرة، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤]. وقوله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨]. وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت: ٤٣]. وأفاض المولى سبحانه في مدح من انتفع بعقله بالمواعظ والعبر

стр. 10

والآيات، فقال سبحانه: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾ [المائدة: ١٠٠]. وذم الله سبحانه قومًا عطلوا عقولهم، وفي ذلك آيات كثيرة، ومنها قوله : ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٢]. وقال : ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك: ١٠]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾ [الأنفال: ٢٢]. أمَّا الأحاديث النَّبوية عُمُومًا، فكُلّها يُسَلَّم لها العقل السليم الذي تَربَّى على الإسلام، ويَنقَادُ لها، كيف لا وهي العَافية للناس، والسَّعادة في الدارين؟! ولا ينقاد للسنة إلا عاقلٌ، ومن نبذ السنة النبوية فإنه أحمق لا عقل له. قال أبو حاتم: "وأفضل ما وهب الله لعباده العقل"، ولقد أحسن الذي يقول: وأفضل قسم الله للمرء عقلهُ ... فليس من الخيرات شيء يُقَاربُه إذا أكمل الرحمنُ للمرءِ عقلهُ ... فقد كمُلَت أخلاقهُ ومآربه يعيش الفتى في الناس بالعقل إنه ... وإن كانَ محظورًا عليه مكاسبُه

стр. 11

قيل لابن المبارك: "ما خير ما أُعطيَ الرجل؟ فقال: غريزة عقل، قيل: فإن لم يكن؟ قال: أدبٌ حسن، قيل: فإن لم يكن؟ قال: صمتٌ طويلٌ، قيل: فإن لم يكن؟ قال: موت عاجل" (١). قال أبو حاتم: "فالواجب على العاقل: أن يكون بِمَا أحْيَا عقله من الحكمة أكلَفَ (أي أشد تعلقًا وانشغالاً) منه بما أحيا جسده من القوت؛ لأنَّ قوت الأجساد المطاعم، وقوت العقل الحكم، فكما أن الأجساد تموت عند فقد الطعام والشراب، وكذلك العقول إذا فَقَدت قُوتَها من الحِكْمة ماتت" (٢). قال الماوردي: "واعلم أنّ بالعقلِ تُعرفُ حقائقُ الأمورِ .. ، وبه يَمتَازُ الإنسانُ عن سائرِ الحيوانِ، فإذا تَمَّ في الإنسانِ سُميَ عاقلًا، وخرج به إلى حَدِّ الكمال" (٣). قال بعضهم: إذ تم عقل المرء تمت أمُورُه ... وتَمَّت أياديه وتم بناؤُهُ فإن لم يكن عقل تَبيَّن نقْصُه ... ولو كانَ ذا مال كثيرًا عَطاؤُهُ * ثمرة العقل: قال العلامة ابن القيم ﵀: "ثمرة العقل الذي به عُرف الله ، وأسماؤهُ، وصفاتُ

стр. 12

كماله، ونعوتُ جلاله، وبه آمن المؤمنون بكتبه، ورسله، ولقائه، وملائكته، وبه عُرفت آياتُ ربوبيته، وأدلهُ وحدانيته، ومعجزاتُ رسله، وبه امتُثلتْ أوامره، واجتنبت نواهيه، وهو الذي يلمح العواقب فراقبها، وعمل بمقتضى مصالحها، وقاوم الهوى، فردَّ جيشه مفلولاً، وساعدَ الصبر حتى ظفر به بعد أن كان بسهامه مقتولًا، وحث على الفضائل، ونهى عن الرذائل، وفتق المعاني، وأدركَ الغوامض، وشدَّ أزر العزم، فاستوى على سُوقه، وقوّى أزر الحزم حتى حظي من الله بتوفيقه، فاستجلبَ ما يزينُ، ونفى ما يشينُ، فإذا ترك وسلطانه؛ أسر جنود الهوى، فحصرها في حبس "من ترك لله شيئًا عوضه الله خيرًا منه"، ونهض بصاحبه إلى منازل الملوك، إذا صير الهوى المَلِكَ بمنزلة العبد المملوك، فهي شجرةٌ عرقُها الفكر في العواقب، وساقها الصبر، وأغصانها العلم، وورقها حسن الخلق، وثمرها الحكمة، ومادتها توفيق من أزمة الأمور بيديه، وابتداؤها منه، وانتهاؤها إليه. وإذا كان هذا وصفه، فقبيحٌ أن يُدال عليه عدوّه، فيعزله عن مملكته، ويحطه عن رتبته، ويستنزله عن درجته، فيصبح أسيرًا بعد أن كان أميرًا، ومحكومًا بعد أن كان حاكمًا، وتابعًا بعد أن كان متبوعًا، ومن صبر على حكمه أرتعه في رياض الأماني والمنى، ومن خرج عن حكمه؛ أورده حياض الهلاك والرَّدى. قال علي بن أبي طالب رضى الله عنه: "لقد سبق إلى جنات عدنِ أقوامٌ ما كِانوا بأكثر الناس صلاةَ، ولا صيامًا، ولا حجًّا، ولا اعتمارًا، لكنهم عقلوا عن

стр. 13

الله مواعظه، فوجلت منه قلوبهم، واطمأنت إليه نفوسهم، وخشعت له جوارحهم، ففاقوا الناس بطيب المنزلة، وعلوّ الدرجة عند الناس في الدنيا، وعند الله في الآخرة". وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: "ليس العاقلُ الذي يعرف الخيرَ من الشر، ولكنه الذي يعرف خير الشرين". وقالت عائشة رضى الله عنها: " قد أفلح من جعل الله له عقلًا" اهـ (١). قلت: هذه ثمرة العقل، وفضل العقلاء، أما من طَالَع أحوالَ الجَهلة يَرى عَجَبًا لسُوء أخْلاقهم مع ما عندهم من نِعَمة العقل. قال بعضُ الحكماء: الأدب صورة العقل، فصور عقلك كيف شئت. وقال آخر: العقلُ بلا أدب كالشجر العاقر، ومع الأدب كالشجر المثمر. وقال بعضُ البلغاء: الفضل بالعقل والأدب، لا بالأصل والحسب؛ لأن من ساد أدبه ضاع نسبه، ومن قلَّ عقلُه، ضلَّ أصلُه. وقال بعضُ العلماء: الأدب وسيلة إلى كُلِّ فضيلة، وذريعة إلى كل شريعة. "والواجب على العاقل: أن يكون حسن السَّمْت (أي الهيئة)، طويلَ الصَّمْتِ، فإنَّ ذلك في أخْلاق الأنبياء، كما أن سُوء السَّمت وترك الصَّمت من شِيم الأَشقِيَاء". قلت: فكل من منعه عقله عما لا ينبغي، فهو من جمله العقلاء، ثم بِأيّ شيء يفخر المرءُ إذا كانت أخلاقُه سيئة، وطِباَعُه قبيحةٌ؟! وعلى ماذا

стр. 14

يتكبَّر، وبم يفرح إذا كان مسلوب الفضيلة؟! "فالعاقلُ لا يَغْتبطُ بصفة يَفُوقه فيها سَبُعٌ أو بهيمةٌ أو جمادٌ، وإنَّما يغتبط بتقدُّمه في الفضيلة التي أبانه الله -تعالى- بها عن السِّباع والبهائم والجمادات، وهي التميِيز الذي يُشارك فيه الملائكةَ، فمَنْ سُرَّ بشجاعته التي يضعها في غير حقها لله ، فليعلم أنَّ النمر أَجرأُ منه، وأن الأسدَ والذِّئب والفيل أَشْجعُ منه، ومَنْ سُرَّ بقوة جسمه، فليعلم أن البغل والثَّور والفيل أقوى منه جِسْمًا، ومن سر بحمله الأثقال، فليعلم أنَّ الحمار أحمل منه، ومَنْ سُرَّ بسرعة عَدْوِه فليعلم أن الكلب والأرنب أَسْرعُ عَدوًا منه، ومَنْ سرَّ بحُسنِ صوته فليعلم أن كثيرًا من الطيرِ أحسنُ صوتًا منه، وأنَّ أصوات المزامير ألذّ وأطرب من صوته، فأي فخر وأي سرور فيما تكون فيه هذه البهائمُ متقدِّمةَ له؟! لكن من قويَ تمييزه، واتَّسع علمُه، وحَسُنَ عمله، فلْيَغْتبط بذلك، فإِنه لا يتقدمه في هذه الوجوه إلا الملائكةُ، وخيارُ النَّاسِ" (١). وأهلُ السنة والجماعة هم الذين أنزلوا العقل منزلته اللائقة به، فهم وسط بين طرفين: الطرف الأول: من جعل العقل أصلاً كليًا أوليًا، مستقلًا بنفسه عن الشرع، مستغنيًا عنه. الطرف الثاني: من أعرض عن العقل، وذمه وعابه، وقدح في الدلائل العقلية مطلقاً.

стр. 15

والوسط في ذلك -وهم أهل السنة والجماعة- قالوا: ١ - إن العقل شرط في معرفة العلوم، وكمال الأعمال وصلاحها؛ لهذا كانت سلامة العقل شرطًا في التكليف، فالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة، وتدبر القرآن يكون بالعقول؛ قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]، فالعقل هو المدرك لحجة الله على خلقه. ٢ - إن العقل لا يستقيم بنفسه، بل هو محتاج للشرع. ٣ - إن العقل مصدق للشرع في كل ما أخبر به. ٤ - إن الشرع دلّ على الأدلة العقلية، وبينها، ونبَّه عليها (١). قال الإمام الشاطبي: "إذا تعاضد النقلُ والعقل على المسائل الشرعية؛ فعلى شرط أن يتقدَّم النقلُ فيكون مَتْبُوعًا، ويتأخر العقلُ فيكون تابعًا؛ فلا يَسرح العقلُ في مجال النظر إلا بقَدَر ما يُسرِّحه النقل" (٢). قلت: وهذا كتاب جمعت فيه من الأخلاق والآداب ما يحسن للعاقل فعله، وما يقبح به إتيانه من الخصال المذمومة، وسَميته (موسوعة الأخلاق)، وجعلتهُ على أربعة أبواب كما يأتي مفصلًا في الكتاب -إن شاء الله-. وأصل هذا الكتاب سلسلة دروس ألقيتها على بعض طالبات الجامعة من

стр. 16

كلية الشريعة وغيرهنَّ من عصر كل يوم أربعاء لعام ١٤٢٥هـ، ثم أذيعت على حلقات في إذاعة القرآن الكريم في دولة الكويت لشهر رمضان المبارك من نفس العام، وبعدها سلسلة دروس في مسجد عبد الجليل من كل أحد في منطقة الفيحاء العامرة من عام ١٤٢٨ للهجرة النبوية، ضمن برنامج ثقافي تابع لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. وها هو اليوم كتاب يقرأ أسال الله تعالى أن يبارك فيه، وقد أضفت إليه بعض الزيادات المهمة، ووضعت في كتابي هذا على قدر ما بلغه علمي، وحواه فكري، وشريطتي على قارئ كتابي "عدم التقصي في البحث عن أخطائي، والصفح عما يقف عليه من إغفالي، والتجاوز عما أهملته، وإن أداه التصفح إلى صواب نشره، أو إلى خطإٍ ستره؛ لأنه قد تقدمنا بالإقرار بالتقصير إذا رأى القارئ أي شيء يُنسب إلى الإغفال والإهمال، وقلما نجا مؤلف لكتاب من راصد بمكيدة، أو باحث عن خطيئة. وقد كان يقال: من ألف كتابًا فقد استشرف، وإذا أصاب فقد استهدف، وإذا ما أخطأ فقد استقذف، وكان يقال: لا يزال الرجل في فُسحة من عقلهِ ما لم يقل شعرًا أو يضع كتابًا" (١). ويحضرني قول أبي القاسم الحريري: وَإِنْ تجدْ عيبًا فَسُدَّ الخَلَلا ... فَجَلَّ مَنْ لا عيبَ فيهِ وَعَلَا وأسألُ الله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، أن يجعل عملي

стр. 17

خالصًا لوجهه الكريم، وأن يغفر لي ولوالدي، وأهلي ومشايخي وجميع إخواني، ومن كان سببًا في هذه الدروس، ولجميع المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. والحمد لله رب العالمين. وكتبه خالد بن جمعة بن عثمان الخراز الكويت - الفيحاء ١٤٢٨ هـ-٢٠٠٧ م

стр. 18

قال مخلد بن الحسين لابن المبارك: "نحنُ إلى كثيرٍ من الأدب، أحوجُ منَّا إلى كثيرٍ من الحديث". [تدكرة السامع والمتكلم (١٤) لابن جماعة].

стр. 19

الباب الأول مقدمات وأسس مهمة في الأخلاق

стр. 20

قال الحسن: "كان الرجل يطلب العلم، فلا يَلْبَث أن يُرَى ذلك في تَخَشُّعه وهَدْيه ولسانه وبصره ويده". [الجامع للخطيب ١/ ١٤٢].

стр. 21

تعريف الأخلاق الأخلاق مفردها خُلُق: فما معناها؟ الخُلق في اللغة: هو العادة، والسجيَّة، والطَّبع، والمروءة، والدِّين. واصطلاحًا: قال الجرجاني: "الخُلُق" عبارة عن هيئة للنفس راسخة، تَصدُر عنها الأفعال بِسهُولة وُيسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كان الصادر عنها الأفعال الحسنة، كانت الهيئة خُلُقًا حسنًا، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة، سُمِّيت الهيئة التي تصدر عنها هي مصدر ذلك خُلُقًا سيئًا" (١). وقال ابن منظور: "وفي التنزيل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، والجمع أخلاق، والخلق: السجية" وقال: "الخلُقُ -بضم اللام وسكونها: هو الدِّينُ، والطبعُ، والسجيةُ" (٢). وأمَّا علم الأخلاق: فهو "علمٌ موضوعه أحكام قيمية تتعلق بالأعمال التي تُوصف بالحسن أو القُبحِ" (٣).

стр. 22

والمعنى أننا إذا أطلقنا كلمة الأخلاق إنما نعني بها الحسن، أو الجانب الحسن، وكذلك من الممكن أن نقول: الأخلاق الذميمة أو السيئة. ومن الواضح أن إضافة كلمة بعد كلمة الأخلاق نصف بها الأخلاق يجعلها حسب ذلك الوصف الحسن أو السيء، والإسلام يدعو إلى الأخلاق الكريمة، وينهى عن مذمومها. موضوع الأخلاق هو كل ما يتصلُ بعمل المسلمِ ونشاطهِ وما يتعلقُ بعلاقتهِ بربهِ، وعلاقتهِ مع نفسهِ، وعلاقته مع غيرهِ من بني جنسه، وما يحيطُ به من حيوانٍ وجمادٍ. الفرق بين الأخلاق والصفات الإنسانية كيف نميز بين الأخلاق، والسلوك الإنساني، أو الصفاتِ الإنسانية؟ عند التَّأمل والنظر يتبينُ لنا أنَّ الخُلق صفة مستقرة في النفس، فِطريَّةٌ كانت أو مكتسبة، ذات آثار في السلوك محمودة أو مذمومة. فالخلقُ كما -سيأتي- ينقسمُ إلى قسمين: محمود ومذموم. فهل كل صفة مستقرة في النفس تُعدُّ من الأخلاق؟ الجواب: لا؛ لأنَّ منها غرائز لا صلة لها بالأخلاق، والذي يفصلُ الأخلاق وُيميِّزُهَا عن غيرها هي الآثار القَابلة للمدح أو الذَّم، وبذلك يتميز الخُلُق الحسن عن الغريزة. فالأكل مثلا غريزة، والإنسان عند الجوع يأكلُ بدافع الغريزة وليس مما يمدح به أو يذم. لكن لو أنَّ إنسانَا أكلَ زائدًا عن حاجته الغريزية، صارَ فعله مذمومًا، لأنه

стр. 23

أثر لخلق في النفس مذموم، وهو الطمع، وعكس ذلك أثر لخلق في النفس محمود، وهو القناعة. كذلك فإن مسألة حبّ البقاء ليست محلًا للمدح أو الذم في باب السلوك الأخلاقي، لكن الخوف الزائد عن حاجات هذه الغريزة أثر لخلق في النفس مذموم، وهو الجبن، أما الإقدامُ الذي لا يصلُ إلى حد التهور، فهو أثر لخلق في النفس محمود، وهو الشجاعة. وهكذا سائرُ الغرائزِ والدوافع النفسية التي لا تدخلُ في باب الأخلاق، إنَّما يميزها عن الأخلاق كون آثارها في السلوك أمورًا طبيعية ليست مما تُحمد إرادة الإنسان عليه أو تذم (١). أنواع السلوك الإرادي للإنسان عند التأمل نلاحظُ أن كثيرًا من أنواع السلوك الإرادي للإنسان، لا يدخل في باب الأخلاق، ومن ذلك: ١ - الاستجابة للغريزة كما سبق بيانه. ٢ - الآداب الشخصية أو الاجتماعية: كآداب الطعام والشراب والنظافة والنظام والأناقة وإصلاح مظهر الجسد احترامًا لأذواق الناس، وتكريمًا لهم واسترضاء لمشاعرهم. ٣ - التقاليد إلاجتماعية، فالسلوك نابعٌ من طاعة تقاليد المجتمع. فوضع أنواع السلوك الإنساني تحت عنوان الأخلاق خطأ؛ لذا ينبغي التفريق بينهما.

стр. 24

فالخلق المحمود: صفة ثابتة في النفس فطرية أو مكتسبة، تدفع إلى سلوك إرادي محمود عند العقلاء. ويمكن أن نُميز الأخلاق الحميدة عن غيرها بأنها: كل سلوك فردي، أو اجتماعي، تلتقي النفوس البشرية على استحسانه، مهما اختلفت أديانها ومذاهبها وعاداتها وتقاليدها. والخلق المذموم: صفة ثابتة في النفس، فطرية أو مكتسبة، تدفع إلى سلوك إرادي مذموم عند العقلاء. ويمكن أن نُميز الأخلاق الذميمة عن غيرها بأنها: كل سلوك فردي، أو اجتماعي، تلتقي النفوس البشرية على استقباحه، مهما اختلفت أديانها ومذاهبها وعاداتها وتقاليدها (١). أركان الأخلاق لكل عبادة من العبادات أركان يقوم عليها، فالإسلام له أركان خمسة، والإيمان له أركان ستة، كما أن للأخلاق أركان حسنة كانت أم قبيحة. قال الإمام ابن قيم الجوزية: "الدين كلُّه خُلُق، فمن زادَ عليك في الخُلق زاد عليك في الدين". وحسن الخلق يقوم على أربعة أركان لا يتصور قيام ساقه إلا عليها: ١ - الصبر. ٢ - العفة. ٣ - الشجاعة.

стр. 25

٤ - العدل. فالصبر: يحمله على الاحتمال وكظم الغيظ، وكف الأذى، والحلم والأناة والرفق، وعدم الطيش والعجلة. والعفة: تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل، وتحمله على الحياء، وهو رأس كل خير، وتمنعه من الفحشاء، والبخل والكذب، والغيبة والنميمة. والشجاعة: تحمله على عِزَّة النفس، وإيثار معالي الأخلاق والشيم، وعلى البذل والندى، الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته، وتحمله على كظم الغيظ والحلم. والعدل: يحمله على اعتدال أخلاقه، وتوسطه فيها بين طرفي الإفراط والتفريط، فيحمله على خلق الجود والسخاء الذي هو توسط بين [التبذير والبخل]، وعلى خلق الشجاعة، الذي هو توسط بين الجبن والتهور، وعلى خلق الحلم الذي هو توسط بين الغضب والمهانة وسقوط النفس. ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة. ومنشأ جميع الأخلاق السافلة، وبناؤها على أربعة أركان: ١ - الجهل. ٢ - الظلم. ٣ - الشهوة. ٤ - الغضب. فالجهل: يريه الحسن في صورة القبيح، والقبيح في صورة الحسن،

стр. 26

والكمال نقصًا، والنقص كمالًا. والظلم: يحمله على وضع الشيء في غير موضعه، فيغضب في موضع الرضى، ويرضى في موضع الغضب، ويجهل في موضع الإقدام، ويقدم في موضع الإحجام، ويلين في موضع الشدة، ويشتد في موضع اللين، ويتواضع في موضع العزة، ويتكبر في موضع التواضع. والشهوة: تحمله على الحرص والشح والبخل، وعدم العفة والتهمة، والجشع، والذل والدناءات كلها. والغضب: يحمله على الكبر والحقد والحسد والعدوان والسفه" اهـ ملخصًا (١). أنواع الأخلاق تنقسم الأخلاق إلى نوعين اثنين، وتحت كل نوع خصال متعددة: ١ - أخلاق حسنة: وهي حسن الأدب، والفضيلة، كالصدق، والشجاعة، والعفة، والكرم، وغير ذلك. ٢ - أخلاق سيئة: وهي سوء الأدب، والرذيلة، كالكذب، والجبن، والخسة، والبخل، وغير ذلك. أقسام علم الأخلاق وعلم الأخلاق منه ما هو نظري، ومنه ما هو عملي، والنظري هو

стр. 27

المسمى بـ "فلسفة الأخلاق"، أو "علم الأخلاق النظري". وأما علم الأخلاق العملي فهو العمل الذي هو موضوع العلم العملي، كالصدق والعدل ونحوهما؛ ويمكن اعتبار القسم العملي "فنًا" أي: عِلماً تطبيقياً بالنسبة للقسم النظري. مصادر الأخلاق المسلمون يستقون مصادر الأخلاق من القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة، وليس للبشرية أيضاً بديل عن هذين المصدرين. وفي حياة الصحابة، والتابعين معين ثرّ، وميراث زاخر من الأخلاق المستمدة من الشريعة الإسلامية الغراء مما يغني عن الأعراف أو التقاليد، أو أي خلق دخيل. "والنظم العالمية اليوم، والدول القديمة والحديثة لها مسار في الأخلاق، وكل دولة تُربي شعبها على الأخلاق التي تريد، فما نعتبره نحن حسنًا قد يعتبره آخرون قبحاً، فنحن مثلًا نعتبر العفة في الفتى وفي الفتاة خلقاً كريماً، ينبغي أن يُربى وينمى ويحافظ عليها، وهذه العفة شذوذ عند العالم الأوربي والأمريكي، والحياء والستر عندنا خلق كريم، بينما هو في المجتمع الغربي كبت وتقييد ذميم. كذلك بعض الغرائز غير معترف بها عند (النظام الشيوعي)، فهو يرى أنها انحراف فطري، ينبغي أَن تُحارب، مثالُ ذلك المِلكيةُ الخاصة، فالنظامُ الشيوعي لا يعترفُ بهذه الغريزةِ، ويعتبرُها انحرافًا فطريًّا، ينبغي أن

стр. 28

يُحارب، وليس هناك شيء اسمه غريزة تملك. بينما (النظام الرأسمالي) يُنمِّي هذه الغريزة، وُيربي الإنسان على حب التملك إلى أبعد حد، ولا مانع من أن يستغل الآخرين لتحقيق هذه الغاية. فالشعوبُ ليسوا بمنزلةِ واحدة في نظرتهم إلى الأخلاق، وأسبابُ اختلاف هذه النظرة عندهم تعودُ إلى الأهداف، فكلُّ نظامِ له أهداف معينة، فلا بد أن يصبغَ الشعب بصبغة معينة، فكلُّ حكومةِ ترى أن تُربي أبناءَها بأنواعٍ من التربية، ولذلك تضع مناهج التعليم، ومن خلال مناهج التعليم تصنع مناهج تربوية، والغرض إيجاد ما يُسمَّى بالمواطن الصالح، فمواصفاتُ هذا المواطن ينبغي أن تكون بهذه الصفات؛ ولذا نجد بعض الدول تعتني بالمعلم لأنه مهندس الإنسان، فهو أغلى شيء عندهم أغلى من المال، والبناء، ومقدم على كل شيءِ، فكل حكومةِ، وكل سلطةِ تريد أن تبني الناس بناء على مرادها وهواها تقوم بذلك" (١). وعلى الصعيد الشخصي إذا كان لك هدف معين فأنت تبني نفسك بما يتلاءم مع هذا الهدف، بمعنى أن تتخلق بأخلاق تتناسب مع الهدف الذي تريد الوصول إليه. وهدف الإسلام يختلف عن ذلك كله، فالرب -جل وعلا- له مراد من خلقه الإنسان، فمن مراده أن يُعبد وحده لا شريك له. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].

стр. 29

وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. فهدفُ الإسلامِ هو تكوينُ الفرد الصالح، وهو عبارة عن أعمال يتربى عليها الإنسان، بحيث يكون مسلماً صالحاً، بحيث تستوعب جميع أعماله وتصرفاته وعلاقته مع ربه، ودينه، ومع من يحيط به من بني البشر، بل جميع الخلق. قال الحسن البصري: كان الرجل يطلب العلم، فلا يلبث أن يُرى ذلك في تخشعه، وهَديه ولسانه وبصره ويده (١). * فمصادر الأخلاق في الإسلام تُستمد مما يلي: أولًا: القرآن الكريم: يعتبر القرآن الكريم المصدر الأول للأخلاق، والآيات في ذلك كثيرة: قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]. ونظائر هذه الآيات كثيرة في كتاب الله تعالى، وكلها من مصادر

стр. 30

الأخلاق. والرسول ﷺ هو أول من تخلق بأخلاق القرآن الكريم وألزم نفسه بآداب القرآن، وفي الصحيح عن عائشة ﵂ أنها قالت: كانَ خُلُقُ الرسول ﷺ القرآن (١). قال الحافظ ابن كثير: "ومعنى هذا أنَّهُ قد أَلزمَ نفسَهُ ألا يفعلَ إلا ما أَمَرَهُ بهِ القُرآنُ، ولا يترُكَ إلا ما نهاهُ عنهُ القرآنُ، فصارَ امتثالُ أمرِ ربهِ خُلُقًا له وسجيَّةَ، صلوات اللهِ وسلامهُ عليه إلى يومِ الدينِ" (٢). ثانيًا: السنة النبوية تعريف السنة باعتبار كونها مصدرًا تشريعيًا: وهي أقواله وأفعاله، وتقريراته، والسنة النبوية الصحيحة المصدر الثاني للأخلاق بنص القرآن الكريم: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: ٧]. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]. وقال رسول الله ﷺ : "إنما بعثتُ لأتمم صالح الأخلاق" تقدم قريبًا. قال إبراهيم الحربي: ينبغي للرجل إذا سمع شيئًا من آداب النبي ﷺ أن

стр. 31

يتمسك به (١). ولذا حرص الصحابة -رضوان الله عليهم- واهتموا وتابعوهم اهتماماً كبيرًا وتخلقوا بالأخلاق الحسنة مستندين في ذلك إلى ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فهم قدوتنا وسلفنا الصالح في الأخلاق. قال أستاذنا الدكتور عمر الأشقر -حفظه الله تعالى-: "أصحاب الرسول ﷺ هم الجيل المثالي رباهم الرسول ﷺ ، وكانت توجيهات القرآن تلاحقهم، تعالج أمراض النفوس، وتزكي القلوب، وترقى بهم إلى القمم السامقة، قال ابن مسعود رضى الله عنه: "أولئك أصحاب محمد ﷺ ، كانوا أفضل الأمة، أبرها قلوبا، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم" أخرجه أبو عمر ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٩٧/ ٢). وقد استطاع الصحابة في الفترة التي تلت وفاة الرسول ﷺ أن يقيموا حياتهم في المجتمع الإسلامي وفق منهج الرسول ﷺ , .. وقد أمرنا الرسول باتباع سنة الخلفاء الراشدين، ففي الحديث، (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور .. " رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. ومما يدل على فضل الصحابة أن الله شهد لهم، ورضي عنهم، وأثنى

стр. 32

عليهم في القرآن وفي كتبه السابقة. وإذا كان للصحابة هذه المنزلة فلا عجب أن يكونوا مصابيح الدجا، وأعلام الهدى، ومنارات تضيء طريق السائرين إلى ربهم، وعصمة للأمة حال حياتهم من الضلال والزيغ" (١). والآثار السلفية، والمناقب العلية من هدى الصحابة الكرام يعجز القلم عن حصرها، والباحث عن جمعها، وسيرتهم العطرة وحياتهم المنيفة في الأخلاق والسلوك كثيرة. ...

стр. 33

هدف الأخلاق في الإسلام الهدف من الالتزام بالأخلاق عند المسلم هو إرضاء الله ، ولا ينبغي بتاتًا أن يكون هدفه مدح الناس له؛ لأن ذلك يُعد من الرياء، وكذلك لا ينبغي للعاقل أن يكون هدفه من وراء ذلك الكسب المادي فقط، والإسلام أيضاً يهدف إلى بناء مجتمع يقوم على التراحم والتعاون والإيثار وحب الخير للناس، من خلال علاقات حسنة مع الوالدين والأبناء، والأزواج، والأرحام، والجيران، وجميع المسلمين، بل وغير المسلمين، بل يتعدى ذلك إلى الحيوان والجماد، فالإسلام -بحمد الله تعالى- يهدف إلى حمل المسلم على التحلي بمكارم الأخلاق، والعيش في ظلها. أهمية الأخلاق أيها الودود، بعد أن تبيّن لك هدف الأخلاق، إليك جملة من النصوص الدالة على أهمية الأخلاق، وأنها تحقق لك سعادة الدنيا والآخرة. ١ - امتثال أمر الله سبحانه: كثيرة هي الآيات القرآنية التي تدعو العاقل إلى امتثال أمر الله سبحانه في الأخلاق، إما إيجابا، أو نهيا، أو إرشادًا، ومنها: قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا

стр. 34

قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦]. وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الحجرات: ١١: ١٢]. ولهذا لما سئلت عائشة ﵂ مَا كَانَ النبِي ﷺ يَصْنَعُ فِي بَيتِهِ؟ قَالَت: كَانَ يَكُونُ فِي مِهنَةِ أَهلِهِ -تَعنِي خدمَةَ أَهلِهِ- فَإِذَا حَضَرَت الصلاةُ خَرَجَ إِلَى الصلاةِ" (١). وهكذا كان رسول الله ﷺ يمثتل أمر الله تعالى في كل شأنه قولًا وعملاً، وكان خلقه القرآن. ٢ - أنها طاعة لرسول الله ﷺ : عن أَبي ذر رضى الله عنه قال: قال لي رَسُولُ اللهِ ﷺ : (اتِّقِ اللهِ حَيثُمَا كنتَ، وَأَتْبع السَّيئةَ الحَسَنَةَ تَمحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقِ حَسَنِ" (٢). ٣ - أنها سبب لمحبة الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].

стр. 35

وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]. وعن أُسامة بن شَرِيك رضى الله عنه قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ كأن على رؤوسنا الطير، ما يتكلم منا متكلم، إذ جاءه أناس، فقالوا: مَن أحبُّ عباد الله إلى الله؟ قال: "أحسنُهُم خُلُقًا" (١). ٤ - أنها سبب لمحبة رسول الله ﷺ -: عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من أحَبّكمْ إليّ، وأقربكمْ مني مَجلِسًا يومَ القيامةِ، أحاسِنَكم أخلاقًا" (٢). ٥ - أنها من أعظم أسباب دخول الجنة: عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: سُئلَ رسول الله ﷺ عن أكثر ما يُدخِلُ الناس الجنةَ؟ فقال: "تقوى الله وحُسنُ الخُلُقِ" (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مرَّ رجلٌ بغُصنِ شجرةِ على ظهرِ طريقِ، فقال: واللهِ لأُنحِّينّ هذا عنِ المُسلمينَ، لا يُؤذيهم، فأُدخل الجنةَ" (٤).

стр. 36

والنصوصُ في حُسن الخُلق كثيرة، منها: أنَّها دليل كمال الدين (١)، وأنَّها أثقلُ شيء في الميزان (٢)، وأنها عبادةٌ يبلغ بها العبد درجات الصائم القائم (٣)، وأن صاحب الخلق من خيار الناس (٤)، وأنها من خير أعمال الإنسان (٥)، وأنها سببُ تأييد الله ونصره. الترهيب من الأخلاق السيئة وفي المقابل جاءت النصوص من الكتاب والسنة بالترهيب من الأخلاق السيئة، والنهي عنها، والتحذير منها، وذم العاملين بها. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات١١].

стр. 37

وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥)﴾ [المطففين١: ٥]. وقال سبحانه: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ [الهمزة: ١]. وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"ليس المؤمن بالطعَّان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذئ" (١). والنصوص في هذا الباب كثيرة، وصنف الإمام الخرائطي كتابًا سماه "مساوئ الأخلاق"، وأورد الإمام المنذري في كتابه "الترغيب والترهيب" نصيبًا منها، وللحافظ الذهبي كتاب في "الكبائر"، ولأبي الشيخ الأصبهاني كتاب في ذم مساوئ الأخلاق سماه "التوبيخ والتنبيهُ"، ومن العلماء من أفرد بعض الأجزاء في ذم نوع من الأخلاق السيئة كالإمام ابن عساكر في "ذم قرناء السوء" وفي "ذم من لا يعمل بعلمه"، وابن أبي الدنيا في "ذم البغي" و"ذم الملاهي" و"ذم الكذب" و"الغيبة والنميمة" والإمام الفريابي في "صفة المنافق" والخطيب في "البخلاء" و"التطفيل" والإمام الآجرى في كتاب "تحريم النرد والشطرنج والملاهي" وابن وضاح في كتابه "البدع والنهي عنها" وغيرهم كثير يصعب حصرهم. ...

стр. 38

الثمرات المستفادة من دراسة الأخلاق ؟ عندما ندخل في علم أو تدريس فن من العلوم، لا بد أن نعرف أهدافه، فلا يجوز أن تُعلم إنسانًا شيئًا إلا إذا عرفته الثمرات المستفادة منه. الثمرة الأولى: أن يعرف المرء غاية الوجود الإنساني، أن يكون ذا خلق، وهذا مراد الله سبحانه من الإنسان المسلم، أن يكون ذا خلق كامل زكي النفس، فالله سبحانه ما أنزل كتابه وتشريعه إلا لتربيتنا وتعليمنا وإيصالنا إلى مرتبة عالية من الأخلاق. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس٩: ١٠]. وهذا يدل على أن الفلاحَ إنما هو تزكية النفس، وجميع الأعمال الصالحة من صلاةِ وغيرها إنَّما هي لزكاة النفس وتطهيرها، حتى قضايا التوحيد كلها خلقية، فالاعتراف بأن اللهَ إلهٌ واحدٌ هذا من الخلق الرفيع، وهو الاعتراف بفضل الله سبحانه، ورد الجميل له بالشكر. وكذلك العبادةُ قضيةٌ خلقية، فإذا نظرنا إلى المعاملات أيضاً، نجد أنها قضايا خلقية، فمثلًا عدم الغش في البيع، وهو موقف خلقي، والقرض، ومثله الضمان، والحَوَالَةِ، والصُّلح، والإجارة، والوديعة، وغيرها من المعاملات، فالدينُ كله مواقف خلقية في الأساس، ولذلك كان غاية الدين التزكية، وتَعلم العلم غايتهُ العمل الصالح والأخلاق الرفيعة، والهدف من

стр. 39

الأخلاق أَن يصل إلى الكمال الإنساني الذي أراده الله سبحانه، فإذا ترك بعيدًا عن هداية الله، أصبح إنسانًا غير سوي. ولذا يقول الشاعر: لا تحسبنَّ العلمَ ينفع وحدهَ ... ما لم يُتوج ربُّه بخلاقِ وقال إبراهيم التنوخي: وإذا الفَتَى قد نالَ عِلمًا ثُم لَمْ ... يَعمل بهِ فكأنَّما لم يَعلَمِ الثمرة الثانية: الدعوة إلى الله ، والذي يظن أنَّ النَّاس تدخل في الدين فقط لأنَّهم يقتنعون عقليًّا فقط، لا شك أنه مخطئٌ. فليس كل النَّاس يدخلون في هذا الدين لأنهم اقتنعوا بعقولهم، وإنما كثير من الناس يدخلون في الدين لأنهم يرون أن أهلَ هذا الدين على خُلق، وأن الدعاةَ إلى الله عندهم أخلاق (١)، والشواهدُ في هذا الباب كثيرة، وحسبي أن أكتب لك هذه القصة الواقعية. قصة إسلام رجل إيطالي: ما قصة هذا الرجل؟ وكيف أسلم؟ هذا ما سنعرفه بإذن الله تعالى، فقد زارني أحد الفضلاء النبلاء من أهل الكويت في مسجد عبد الله خلف الدحيان في الفيحاء العامرة يوم الجمعة، وبعد أن انتهيت من الخُطبة، قدم لي فتى لم يتجاوز عمره الحادية عشرة اسمه جبريل، وقال لي: هذا الفتى

стр. 40

إيطالي الأصل، ويتحدث العربية، أتمنى أن تسمع لقصته العجيبة، وكيف أسلم والده، ووالده موجود في المسجد، وحضر خطبتك، وهو لا ينطق بالعربية حتى الآن، فسألته عن سبب دخولهم في الإسلام، فقال: كان أبي يعمل مديرًا لأحد البنوك في إيطاليا، وفي يوم من الأيام صرف مبلغًا بطريق الخطأ يساوي ألفًا وخمسمائة دينار كويتي لامرأة مسلمة ترتدي الحجاب والنقاب من أصول صومالية تستوطن إيطاليا، والمرأة أخذت هذا المال وانصرفت، وعند وصولها للمنزل فوجئت بزيادة في المبلغ، فعزمت على رده من الغد، وبات والدي في هم طول ليلته، ومن الغد جاءت المرأة لرد المال، ففرح والدي (المدير) لقدومها وردها هذا المال، وعجب لخلقها غاية الاعجاب، وسألها عن سبب ردها المال، فقالت: هذا المال ليس حقا لي؛ لأن شريعتنا الإسلامية تمنعنا أن نأخذ مال الغير إلا بإذن أهله، فهذا مال محرم عليَّ، عندها قال أبي وكان على دين النصرانية: هذا دين عظيم الذي يحملك على حفظ مال الغير، فشكرها لهذا الخلق الكريم، وطلب منها تزويده بكتب تعرفه بالدين الإسلامي، فأسلم والدي بعد يوم واحد، وتزوج منها، وهي أمي الآن التي أحدثك عنها. قال جبريل: وعزم أبي على نقل أمي إلى البلاد العربية إذا رزق بولد، حتى ينشأ في بيئة الصحابة التي قرأ عنها في الكتب، وبعد أن ولدتُ سماني جبريل، ثم نقلنا إلى مكان آمن في إحدى البلاد العربية حتى لا نتلوث بالعقائد الباطلة، والمشاهد السيئة في إيطاليا، ونشأ جبريل الذي هو أنا في بيئة مسلمة وتعلمت العربية، وحفظت من القرآن ثلاثة عشر جزأ
следующие страницы →