← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 121380

موسوعة الأخلاق - الخراز

خالد الخراز

Полный текст (529 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والنصوصُ في حُسن الخُلق كثيرة، منها: أنَّها دليل كمال الدين (١)، وأنَّها أثقلُ شيء في الميزان (٢)، وأنها عبادةٌ يبلغ بها العبد درجات الصائم القائم (٣)، وأن صاحب الخلق من خيار الناس (٤)، وأنها من خير أعمال الإنسان (٥)، وأنها سببُ تأييد الله ونصره. الترهيب من الأخلاق السيئة وفي المقابل جاءت النصوص من الكتاب والسنة بالترهيب من الأخلاق السيئة، والنهي عنها، والتحذير منها، وذم العاملين بها. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات١١].

стр. 37

وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥)﴾ [المطففين١: ٥]. وقال سبحانه: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ [الهمزة: ١]. وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"ليس المؤمن بالطعَّان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذئ" (١). والنصوص في هذا الباب كثيرة، وصنف الإمام الخرائطي كتابًا سماه "مساوئ الأخلاق"، وأورد الإمام المنذري في كتابه "الترغيب والترهيب" نصيبًا منها، وللحافظ الذهبي كتاب في "الكبائر"، ولأبي الشيخ الأصبهاني كتاب في ذم مساوئ الأخلاق سماه "التوبيخ والتنبيهُ"، ومن العلماء من أفرد بعض الأجزاء في ذم نوع من الأخلاق السيئة كالإمام ابن عساكر في "ذم قرناء السوء" وفي "ذم من لا يعمل بعلمه"، وابن أبي الدنيا في "ذم البغي" و"ذم الملاهي" و"ذم الكذب" و"الغيبة والنميمة" والإمام الفريابي في "صفة المنافق" والخطيب في "البخلاء" و"التطفيل" والإمام الآجرى في كتاب "تحريم النرد والشطرنج والملاهي" وابن وضاح في كتابه "البدع والنهي عنها" وغيرهم كثير يصعب حصرهم. ...

стр. 38

الثمرات المستفادة من دراسة الأخلاق ؟ عندما ندخل في علم أو تدريس فن من العلوم، لا بد أن نعرف أهدافه، فلا يجوز أن تُعلم إنسانًا شيئًا إلا إذا عرفته الثمرات المستفادة منه. الثمرة الأولى: أن يعرف المرء غاية الوجود الإنساني، أن يكون ذا خلق، وهذا مراد الله سبحانه من الإنسان المسلم، أن يكون ذا خلق كامل زكي النفس، فالله سبحانه ما أنزل كتابه وتشريعه إلا لتربيتنا وتعليمنا وإيصالنا إلى مرتبة عالية من الأخلاق. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس٩: ١٠]. وهذا يدل على أن الفلاحَ إنما هو تزكية النفس، وجميع الأعمال الصالحة من صلاةِ وغيرها إنَّما هي لزكاة النفس وتطهيرها، حتى قضايا التوحيد كلها خلقية، فالاعتراف بأن اللهَ إلهٌ واحدٌ هذا من الخلق الرفيع، وهو الاعتراف بفضل الله سبحانه، ورد الجميل له بالشكر. وكذلك العبادةُ قضيةٌ خلقية، فإذا نظرنا إلى المعاملات أيضاً، نجد أنها قضايا خلقية، فمثلًا عدم الغش في البيع، وهو موقف خلقي، والقرض، ومثله الضمان، والحَوَالَةِ، والصُّلح، والإجارة، والوديعة، وغيرها من المعاملات، فالدينُ كله مواقف خلقية في الأساس، ولذلك كان غاية الدين التزكية، وتَعلم العلم غايتهُ العمل الصالح والأخلاق الرفيعة، والهدف من

стр. 39

الأخلاق أَن يصل إلى الكمال الإنساني الذي أراده الله سبحانه، فإذا ترك بعيدًا عن هداية الله، أصبح إنسانًا غير سوي. ولذا يقول الشاعر: لا تحسبنَّ العلمَ ينفع وحدهَ ... ما لم يُتوج ربُّه بخلاقِ وقال إبراهيم التنوخي: وإذا الفَتَى قد نالَ عِلمًا ثُم لَمْ ... يَعمل بهِ فكأنَّما لم يَعلَمِ الثمرة الثانية: الدعوة إلى الله ، والذي يظن أنَّ النَّاس تدخل في الدين فقط لأنَّهم يقتنعون عقليًّا فقط، لا شك أنه مخطئٌ. فليس كل النَّاس يدخلون في هذا الدين لأنهم اقتنعوا بعقولهم، وإنما كثير من الناس يدخلون في الدين لأنهم يرون أن أهلَ هذا الدين على خُلق، وأن الدعاةَ إلى الله عندهم أخلاق (١)، والشواهدُ في هذا الباب كثيرة، وحسبي أن أكتب لك هذه القصة الواقعية. قصة إسلام رجل إيطالي: ما قصة هذا الرجل؟ وكيف أسلم؟ هذا ما سنعرفه بإذن الله تعالى، فقد زارني أحد الفضلاء النبلاء من أهل الكويت في مسجد عبد الله خلف الدحيان في الفيحاء العامرة يوم الجمعة، وبعد أن انتهيت من الخُطبة، قدم لي فتى لم يتجاوز عمره الحادية عشرة اسمه جبريل، وقال لي: هذا الفتى

стр. 40

إيطالي الأصل، ويتحدث العربية، أتمنى أن تسمع لقصته العجيبة، وكيف أسلم والده، ووالده موجود في المسجد، وحضر خطبتك، وهو لا ينطق بالعربية حتى الآن، فسألته عن سبب دخولهم في الإسلام، فقال: كان أبي يعمل مديرًا لأحد البنوك في إيطاليا، وفي يوم من الأيام صرف مبلغًا بطريق الخطأ يساوي ألفًا وخمسمائة دينار كويتي لامرأة مسلمة ترتدي الحجاب والنقاب من أصول صومالية تستوطن إيطاليا، والمرأة أخذت هذا المال وانصرفت، وعند وصولها للمنزل فوجئت بزيادة في المبلغ، فعزمت على رده من الغد، وبات والدي في هم طول ليلته، ومن الغد جاءت المرأة لرد المال، ففرح والدي (المدير) لقدومها وردها هذا المال، وعجب لخلقها غاية الاعجاب، وسألها عن سبب ردها المال، فقالت: هذا المال ليس حقا لي؛ لأن شريعتنا الإسلامية تمنعنا أن نأخذ مال الغير إلا بإذن أهله، فهذا مال محرم عليَّ، عندها قال أبي وكان على دين النصرانية: هذا دين عظيم الذي يحملك على حفظ مال الغير، فشكرها لهذا الخلق الكريم، وطلب منها تزويده بكتب تعرفه بالدين الإسلامي، فأسلم والدي بعد يوم واحد، وتزوج منها، وهي أمي الآن التي أحدثك عنها. قال جبريل: وعزم أبي على نقل أمي إلى البلاد العربية إذا رزق بولد، حتى ينشأ في بيئة الصحابة التي قرأ عنها في الكتب، وبعد أن ولدتُ سماني جبريل، ثم نقلنا إلى مكان آمن في إحدى البلاد العربية حتى لا نتلوث بالعقائد الباطلة، والمشاهد السيئة في إيطاليا، ونشأ جبريل الذي هو أنا في بيئة مسلمة وتعلمت العربية، وحفظت من القرآن ثلاثة عشر جزأ

стр. 41

بحمد الله تعالى، وبعد أحداث الحادي عشر من (سبتمبر) لعام ٢٠٠١ ضغطت أمريكا على الأنظمة العربية، بضرورة إخراج الغربيين من بعض البلاد، وبالأخص من أسلم منهم، فتكدر أبي لهذا القرار، وعزم قبل العودة إلى إيطاليا أن يزور ثلاث دول عربية: دولة الكويت، ثم إمارة الشارقة في الإمارات، ثم مكة المكرمة، والمدينة النبوية، ويقدر الله سبحانه أن نصل إلى الكويت أولًا، ونستقر فيها بمساعدة أهل الخير، فعندما دخلنا الكويت أخذنا (فلان) بارك الله فيه، إلى ديوانه العامر بالإخوة الفضلاء، وندب الحضور إلى ضرورة مساعدتنا، وكنت أسمع حديثهم، وأبي جالسٌ إلى جانبي لا يفهم ما يقول الحضور؛ لأنه لا يحسن العربية، إلا إذا شرحت له، ومن سرورنا وسعادتنا أن تكفل بعضهم بالإقامة لنا، وآخر بالراتب، وثالث بأثاث الشقة، ورابع بأجرتها، وبعد أن خرجنا من الديوان وشرحت لأبي ما دار في الديوان فرح فرحا شديدًا، وحمد الله سبحانه، وقال: سبحان الله! كنت مهموماً مغمومًا، فأبدلني الله سبحانه فرجًا وسعةً، وتذكرت مناقب الأنصار مع المهاجرين، كيف فتحوا لهم القلوب والبيوت، وشاركوهم في الأموال والتجارة، فأنتم كذلك يا أهل الكويت، وقفتم مدي موقفا مشرفاً، زادكم الله فضلًا. قال الابن جبريل: هذه قصة إسلام أبي, والحمد لله على نعمة الإسلام. قلت: هل تأملتم سبب إسلام هذا الرجل، إنه موقف خلقي نبيل من هذه المرأة المسلمة، فلو أن كل مسلم ومسلمة امتثلوا آداب الإسلام بحق،

стр. 42

وتخلقوا بقيمه، لكان الحال غير الحال. وهذه قضية مهمة جداً، وهي الدعوة إلى الله سبحانه بوجوب التحلي بالعمل بعد العلم، فإن أهم ما يُميز الإنسان المسلم صورة تعامله مع الله، ومع إخوانه في الدين، ومع غيرهم، وهذه الصورة هي أول منظر يُرى به المسلم مع الله سبحانه، ومن محيطه، فإن أحسن، أرضى ربه ورضي عن نفسه، وأعطى صورة رائعة للآخرين عن هذا الدين، وعن معتقديه، فكأنه دعا بلسان الحال، وليس بلسان المقال إلى دينه دعوة أبلغ إلى القلب والعقل معًا وأوصل. فالاستقامة على الأخلاق لها أثر كبير، ونفعها بليغ، ولا أدل على ذلك مما جاء في السيرة النبوية من أن أخلاق الرسول ﷺ كانت محل إعجاب المشركين قبل البعثة، حتى شهدوا له بالصدق والأمانة. عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]. قال رسول الله ﷺ : "أَرَأَيتَكُم لو أَخبَرتكُم أن خَيْلًا تخرُجُ بِسَفحِ هذا الجبلِ، أكُنتم مُصدقيّ؟ " قالوا: ما جرّبنا عليك كذبًا. قال: "فإنِّي نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديدٍ" (١). وقد بدأ انعكاس الصور السلوكية الرائعة في تأثيرها في انتشار هذا الدين في بعض المناطق التي لم يصلها الفتح؛ إذ دخل في هذا الدين الحنيف شعوب بكاملها لما رأوا القدوة الحسنة مرتسمة خلقًا حميدًا في أشخاص مسلمين صالحيين، مارسوا سلوكهم الرشيد، فكانوا كحامل مصباح ينير

стр. 43

طريقه لنفسه بمصباحه، فيرى الآخرون ذلك النور ويرون به، وليس أجمل منه في قلب الظلام، وبناء على ذلك الإقبال سريعا دون دافع سوى القدوة الحسنة، فرب صفة واحدة مما يأمر به الدين تترجم حية على يد مسلم صالح يكون لها أثر لا يمكن مقارنته بنتائج الوعظ المباشرة؛ لأن النفوس قد تنفر من الكلام الذي تتصور أن للناطق به مصلحة، وأحسن من تلك الصفات التمسك بالأخلاق الحميدة التي هي أول ما يُرى من الإنسان المسلم، ومن خلالها يحكم له أو عليه. وُيذكر أنَّ قُتيبة بن مسلم الباهلي (١) (القائد المسلم الفاتح المشهور) عندما فتح سمرقند احتج أهلها وشكوا ظلمًا أصابهم، وتحاملًا من قتيبة عليهم، وأرسلوا إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز ﵀، فأجلس لهم عمر بن عبد العزيز القاضي جميع بن حاضر الناجي، فقضى بخروج عرب سمرقند -وهم قتيبة وجنوده- إلى معسكرهم، وينابذوهم على سواء، فيكون صلحًا جديدًا أو ظفرًا عنوةً. فقال أهل الرأي من أهل سمرقند: بل نرضي بما كان، ولا نجدِّد حربًا. وتراضوا بذلك، وقالوا: قد خالطنا هؤلاء القوم وأقمنا معهم، وأمِنونا وأمناهم" .. فتركوا الأمر ورضوا ولم ينازعوا. قلت: وذلك أنهم شاهدوا صدق المعاملة، والعفة والأمانة والمعروف

стр. 44

والعدل، فحملهم على النطق بعودتهم لهم. ويؤيد هذا قصة ثُماَمَة بن أثال الحنفي، عن أبي هريرة ﵁ قال: بعثَ النبي ﷺ خَيلاً قِبَلَ نجد، فجاءت برجُلٍ من بني حنيفةَ، يقالُ له ثُمَامَةُ بن أُثَالٍ، [سيدُ أهلِ اليمامةِ]، فربطوهُ بسارية من سواري المسجد، فخرجَ إليهِ النبي ﷺ فقال: "ماذا عِندَك يا ثمامة؟ " فقال: عندي خُير يا محمدُ، إِن تقتلني تقتل ذا دَم، وإن تُنعم تُنعِم على شاكر؟ وإن كُنتَ تريدُ المال فَسَل منهُ ما شِئتَ، فتركهُ حتى كان الغدُ، ثم قال له: "ما عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي ما قلت لك، فقال: "أَطلِقُوا ثُمامة". فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسلَ ثُمّ دخل المسجد، فقال: "أشهدُ أَن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله" (١). قلت: ما الذي حمل ثُمامة على الإسلام وقد وقع في الأسر؟ لماذا لم يذهب إلى أهلهِ بعد أن أطلقه الرسول ﷺ من الأسر؟ لماذا لم يقل: إنَّ المسلمين أسروني وقيدوني في المسجد، وأنا سيد قومي، ولي مكانة رفيعة، وشأن عظيم؟! ولكن ثُمامة أبصر الدعوة العملية، فالدعوة إلى الله عملية وقولية، وقد سمع الرسول ﷺ يتكلم في المسجد عن الإسلام، وشاهد تعامل الصحابة وتطبيقهم العملي لهذا الدين وحسن أخلاقهم، وهنا أدرك حقيقة الإسلام، فأسلم سريعا، ورب عملٍ واحد أبلغ من ألف قول. الثمرة الثالثة: تقوية إرادة الإنسان، وتمرين النفس على فعل الخير وترك الشر، حتى

стр. 45

تصبح سجية في النفس نحو الفضيلة حتى تتحقق السعادة، ولكن كم من الناس عن سعادتهم غافلون! وقد يحرمون نفوسهم من خير كثير بسبب قلة أدبهم. قال العلامة ابن القيم ﵀: "وانظر قلة أدب عوف مع خالد: كيف حرمه السَّلَب بعد أن بَرَد بيديه؟ " (١). أي عندما غضب عوف ولم يملك نفسه، حرم الخير. عن عوف بن مالك، قال: قَتَلَ رَجُلٌ مِن حِميَرَ رَجُلًا مِنَ العَدوِّ، فأَرَادَ سَلَبَهُ، فَمَنَعَهُ خَالِدُ بنُ الوليدِ، وَكَانَ وَالِيًا عَلَيهِم، فَأتَى رسُولَ اللهِ ﷺ عَوفُ بنُ مَالِكٍ، فَأخبَرَهُ، فقال لِخَالِدٍ: "مَا مَنَعَكَ أَن تُعطِيَهُ سَلَبَهُ؟ " قال: استَكثَرتُهُ، يَا رَسُولَ اللهِ! قال: "ادفَعهُ إلَيهِ"، فَمَرَّ خَالِدٌ بِعَوفٍ فَجَرَّ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قال: هَلْ أَنجَزتُ لَكَ مَا ذَكَرتُ لَكَ مِن رَسُولِ اللهِ؟ فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاستُغضِبَ. فقال: "لَا تُعطِهِ يَا خَالِدُ، لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ، هَلْ أَنتُم تَارِكُونَ لِي أُمَرَائِي؟ إنَّمَا مَثَلُكُم وَمَثَلُهُم كَمَثَلِ رَجُلٍ استُرعىَ إِبِلًا أَو غَنَمًا فَرَعَاهَا، ثُمَّ تَحَيَّنَ سَقْيَهَا، فَأوَردَهَا حَوْضًا، فشَرَعَت فِيهِ فشَرِبَت صَفوَهُ وَتَرَكَتْ كَدرَهُ، فَصَفوُهُ لَكُم وَكَدرُهُ عَلَيهِم" (٢). ما أجمل الأدب بالأفعال! وهكذا يصنع العقلاء، فقد خاصم رجل الأحنف فقال الرجل: لئن قلتَ واحدة لتسمعنَّ عشرًا، فقال الأحنف: لكنَّك إن قلتَ عشرًا، لم تسمع واحدة (٣).

стр. 46

فالواجب على العاقل أن يحرص على تقوية أرادته، ويؤدب نفسه على الأخلاق الحسنة، ويحملها على العدل، ولا يكن أول الظالمين لها. قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ [فاطر: ٣٢]. فالظالم لنفسه هو المقصر في عمله تجاه ربه الذي أحسن إليه، أو نبيه، أو أحدًا ممن يجب عليه بره، والمقتصد هو العامل في أغلب الأوقات، وأما السابق بالخيرات فهو العامل والمعلم لغيره والمجاهد لدينه. فالواجب أن يكون لنفسه من أعدل الناس، فمن عدل مع نفسه، فهو العاقل السابق بالخيرات، ومن دساها فهو الظالم لنفسه. قال الماوردي: "فأَمَّا عدلُهُ في نفسهِ فيكُونُ بحملها على المصالح، وكفَّها عن القبائحِ، ثُمَّ بالوُقُوفِ فِي أَحوالها على أَعدل الأمرين من تجاوُزِ أَو تقصيرِ. فإِنَّ التجاوُزَ فيها جورٌ، والتقصيرَ فيها ظُلمٌ، ومن ظلم نفسهُ فهو لغيره أَظلمُ، ومن جار عليها فهو على غيرهِ أَجوَرُ" (١). ولهذا قال بعض الحُكماء: لا ينبغي للعاقلِ أَن يطْلُبَ طاعة غيره، ونفسهُ مُمتنعةً عليه. ...

стр. 47

طرق تحصيل الأخلاق الحسنة تحصيل الأخلاق يكون بطريقين: الطريق الأول: طريقٌ موهوب، وهو عطاء من الله سبحانه، وهذا الخُلق الحسن ليس لنا سبب إليه إلا الهبة من الله سبحانه كما زكى الله سبحانه عيسى ﵇: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩)﴾ [مريم: ١٩]، وهذا يسمى الطبع الذي جُبِلَ الإنسان على التحلي به. الطريق الثاني: طريقٌ مكسوب، وهو من فعل الإنسان حسنه وقبيحه، وهذا يعرف أيضاً بالتطبع. والدليل على أن الأخلاق تنقسم إلى هذين القسمين حديث أشجَّ عبد القيس (١) قال: قال النبي ﷺ : "إن فِيكَ لخلقينِ يُحِبُّهُمَا اللهُ" قُلتُ: وما هما يا رسول الله؟ قال: "الحِلمُ وَالحَيَاءُ". قلت: قَديمًا كان أو حَديثًا؟ قال: "قديِمًا". قُلتُ: الحَمدُ للهِ الذي جَبَلَنِي على خُلقينِ أحبهما الله" (٢).

стр. 48

قال العلامة ابن عثيمين ﵀: "فهذا دليل على أن الأخلاق الحميدة الفاضلة تكون طبعًا وتكون تطبعاً، ولكن الطبع -بلا شك- أحسنُ من التطَبُّع؛ لأن الخلق الحسن إذا كان طبيعيًا صار سجيَّة للإنسان وطبيعة له، لا يحتاج في ممارسته إلى تكلُّف، ولا يحتاج في استدعائه إلى عناء ومشقة، ولكن هذا فضل الله يؤتيه من يشاء، ومن حُرم -أي حُرم الخلق عن سبيل الطبع- فإنه يمكنه أن يناله عن سبيل التطبع، وذلك بالمرونة والممارسة" (١). فالأخلاق منها ما هو موهوب، ومنها ما هو مكتسب، والموهوب من الله سبحانه. ونحن لا نطيل في هذه المسألة، لأنَّها عطاء من الله سبحانه، وهي الخُلُق الموهوب، والتي لا دخل لنا في كسبها. أما القسم الثاني فالدليل على ذلك من السنة النبوية في قول النبي ﷺ : "العِلمُ بِالتَّعَلمِ، وَالحِلمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَن يَتَحَرَّ الخَيرَ يُعطَهُ، وَمَن يَتَوَقَّ الشَّرَّ يُوقَهُ" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّديدُ الذِي يَملِكُ نَفسَهُ عِندَ الغَضَبِ" (٣).

стр. 49

وعن أبي هريرة ﵁ أن رجلَا قال للنبى ﷺ : أوصِني. قال:" لا تَغضَب". فرددَ مرارًا قال: "لا تَغضَب" (١). وهذا الغضب هو المذموم، فقول النبي ﷺ : "لا تغضب" أي عود نفسك الصبر، وكظم الغيظ، فإذا جاء ما يثير حفيظتك ويثير أعصابك، فلا بد من أن تهدأ وتتصبر، وكما قال: "الحلم بالتحلم" (٢). والشاهد من كل هذا أن الطريق الثاني لتحصيل الأخلاق هو المكتسب بفعلنا وأخلاقنا الكريمة والمعروف (بالتطبع) الكسبي المعروف. قال الشاعر منقر بن فروة: ومَا المَرءُ إلا حيثُ يجعلُ نَفسَهُ ... ففى صَالحِ الأخلاقِ نَفسَكَ فَاجعَلِ وقال أبو تمام: فلم أَجدِ الأَخلاقَ إلا تَخَلْقًا ... ولم أَجِدِ الإفضَالَ إلا تَفَضُّلا قال الماوردي ﵀: "اتباعُ الدِّين، والرجوع إلى الله في نَدْبه وآدابه، فيقهَر نفسَه على مذموم خُلُقها، وينقلها عن لئيم طبعها، وإن كان نقلُ الطباع عَسِرًا، لكنْ بالرياضة والتدرج يسهل منها ما استصعَب وُيحَبّب منها ما أَتعب، وإن تقدم قولُ القائل: مَن رَبُّه خَلَقَه كيف يُخَلّي خُلقه! غير أنه إذا عانى تهذيبَ نفسه، تظاهر بالتخلُّق دون الخلُق، ثم بالعاده يصير كالخلُق" (٣).

стр. 50

قلت: والخلاصة أن الأخلاق ما هو جبلي فطري وبقدر ما هو ثابت عليه من الخير ابتعد عنه الآخر، ومنها ما هو مكتسب ينبغي للعبد أن يجتهد في تربية نفسه، ولهذا جاءت الخطب والمواعظ والوصايا لتزكية النفوس، فتغير الطباع وتهذيب القلوب أمر يسير على من يسره الله سبحانه، فالإنسان إذا أراد تغير أخلاقه عود نفسه بالاعتياد والألفة عادات الخير فصعب عليه طرق الشر والهلكة ونفر منها، أما إذا سبق إلى الشر فالهلاك على بابه. ***

стр. 51

كيف تعرف عيوب نفسك ؟ اعلم -رعاك الله أيها الودود- أن الله إذا أراد بعبد خيرًا بَصَّرَهُ، بعيوبِ نفسِه، فمن كانت بصيرته نافذة لم تخف عليه عيوبُه، فإذا عرف العيوب أمكنه العلاج، ولكنَّ أكثر الخلق جاهلون بعيوب أنفسهم، يرى أحدهم القَذَى في عينِ أخيه ولا يرى الجذع في عين نفسه؛ كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يُبصِرُ أحدُكُم القَذاةَ في عينِ أخيهِ، وينسى الجِذْعَ في عينه مُعتَرِضًا" (١). قال ابن حزم: "العاقل: هو من ميَّز عيوبَ نفسه فغالَبَها، وسعى في قمعِها، والأحمقُ: هو الذي يَجهل عيوبَ نفسه، إمَّا لقلةِ عِلمه وتَمييزه، وضعفِ فِكرته، وإمَّا لأنَّه يُقَدِّرُ أن عيوبه خِصالٌ، وهذا أشدُّ عيبِ في الأرض" (٢). فمن أراد أن يعرف عيوبَ نفسه فله، في ذلك أربعُ طُرق: الأول: أن يجلس بين يدي شيخٍ بصيرٍ بعيوبِ النفس، وعلى منهج السلف، يُعرِّفُهُ عيوبَ نفسه وطرقَ علاجها، وهذا قد عَزَّ في هذا الزمان وُجُودُه، فمن ظفر به، فقد وقع على الطبيب الحاذق، فلا ينبغي أن يفارقه، فمجالسته دواء، والأخذ بنصحه عافية.

стр. 52

الثاني: أن يطلب صديقًا صَدُوقًا بصيرًا مُتَدَينًا، يلاحظ أفعاله وأقواله، فما كره من أخلاقه وعيوبه، ينبهه عليها، وكان هذا دأب الكرام بقولهم: "رحم اللهُ من أهدى إليَّ عيوبي" (١). فكل من كان أوفر عقلًا، كان أقل الناس إعجابًا، وأعظمهم اهتمامًا وفرحًا بتنبيه غيره له على عيوبه، يا لَلْأَسف فقد آل الأمر في أمثالنا إلى أن أبغض الخلق إلينا من ينصحنا ويعرفنا عيوبنا. الثالث: أن يستفيد معرفة عيوب نفسه من ألسنةِ أعدائه، ولعل انتفاع الإنسان بعدو مشاحن يذكر عيوبه أكثر من انتفاعه بصديق مُداهن يثني عليه ويُخفي عنه عيوبَه (٢). الرابع: أن يخالط الناس، فكل ما رآه مذمومًا فيهم فليبتعد عنه، وينفر منه، فيرى من عيوب غيره عيوب نفسه ويعلم أن الطباع متقاربة في اتباع الهوى فما يتصف به غيره، فلا ينفك هو عن أصله، أو عن أعظم منه، أو عن شيء منه، فليتفقد نفسه، ويطهرها من كل ما يذمه من غيره، وناهيك بهذا تأديبًا، فلو ترك الناس كل ما يكرهونه من غيرهم، لاستغنوا عن المؤدب، وهذا كله لازم لمن فقد شيخًا مربيًا ناصحًا في الدين، وإلا فمن وجده فقد وجد الطبيب فليلازمه، فإنه يخلصه من مرضه، فاحفظ هذا فإنه مهم. وقيل لرجل: من أدبك؟ قال: رأيتُ جهل الجهال قبيحًا، فاجتنبته، فتأدبت.

стр. 53

أحوال الإنسان في أخلاقه اعلم -أحسن الله إليك- أنَّ الإنسان لا يخلو من إحدى ست أحوال: الأولى: أن تكون أخلاقه كلها صالحة في الأحوال كلها، فهي النفس الزكية، وصلاحها هو الخير التام، وصاحبها هو السيد بالاستحقاق، فيحفظ صلاح أخلاقه كما يحفظ صلاح جسده، ولا يغفل عن مراعاتها، ثقة بصلاحها، فإن الهوى مراصد، والمهمل معرض للفساد. والحالة الثانية: أن تكون أخلاقه كلها فاسدة في الأحوال كلها، فهي النفس الخبيثة، وفسادها هو الشر التام، وصاحبها هو الشقي بالاستحقاق، فيعالج فساد نفسه كعلاجه مرض جسده، وهو أصعب أحوالها علاجًا، وأبطؤها صلاحًا. وقد قال بعض الحكماء: لا مرض أوجع من قلة العقل. والحالة الثالثة: أن تكون أخلاقه صالحة في كل الأحوال، فتنقلب كلها إلى الفساد في كل الأحوال، فهو المستعاذ به من "الحور بعد الكور" (١).

стр. 54

والحالة الرابعة: أن تكون كل أحواله فاسدة في كل الأحوال، فتنقلب إلى الصلاح في كل الأحوال، فما ذاك إلا لداع غلب على الطبع، فاجتذبه، وقوي عليه حتى قلبه، فيراعي حفظ أسبابه، وتقوية مواده، ولا يغفله؛ فيجذبه الطبع السابق كما اجتذبه، فإن نوازع الطباع أجذب، وهي إلى ما ناسبها أقرب، وقليل الفساد صلح أن يكون محفوظ الصلاح. قال بعض الحكماء: "كل متأدب من غيره متى لم يدم عليه الأدب، اختل ما يستفيد منه، ورجع إلى طبعه". وملاك صلاحها أن تكاثر من وافقه في الصلاح، وتجانب من خالفه فيه، فإن للصحبهَ تأثيرًا في اكتساب الأخلاق. قال بعضُ البُلَغاءُ: صلاح الشيم بمعاشرة الكرام، وفسادها بمخالطة اللئام. والحالة الخامسة: أن تكون أخلاقه صالحة في كل الأحوال، وبعضها فاسدة، فقد أعطته نفسه من صلاحها شطرًا، ومنحته من فسادها شطرًا، وهما متنافران، وفيما أعطت عون على ما منعت إن روعيت، وفيما منعت فساد لما أعطت إن أهملت. والحالة السادسة: أن تكون كل أخلاقه صالحة في بعض الأوقات، وبعضها فاسدة في بعض الأوقات الأخرى، فقد ترددت النفس بينهما، وتواطأت لهما،

стр. 55

والفساد داخل عليها، وليس منها، والعقل مساعد، والهوى معتدٍ، وكل واحد منهما جاذب للنفس، وهي تنقاد إلى ما وافقها، فإن توفرت فضائلها انقادت للعقل في صلاح الأخلاق، وإن زادت رذائلها اتبعت الهوى في فساد الأخلاق؛ لأن العقل علم روحاني يقود إلى الخير، والشهوة خلق بهيمي يقود إلى الشر، فأطلق عنان النفس إذا انقادت للعقل، واقبضه إذا اتبعت الهوى، تجدها على الصلاح مساعدة، وللفساد معاندة، فحسبك بها للعقل عونًا وظهيرًا. قال الرشيد: "قبح الله المرء لا واعظ له من عقله، ولا مطيع له من نفسه" (١). قلت: أخي -يحفظك الله تعالى- هذه الأحوال الستة المذكورة، والعاقل اللبيب من كان دائمًا على الحالة الأولى، فإن حاد عنها، رجع إلى ربه وتاب وأناب، وعاد إلى عقله ورشده، نسأل الله السلامة، والله الهادي إلى الصواب. ...

стр. 56

أسباب تغيّر الأخلاق الحسنة قال الماوردي ﵀: "رُبَّما تغيَّر حُسنُ الخُلُقِ والوطاءُ إلى الشَّراسةِ والبذاءِ؛ لأسبابٍ عارضةٍ، وأُمورٍ طارئةِ، تجعلُ اللّين خُشُونةً، والوطَاءَ غلظةً، والطلاقةَ عُبُوسًا. فمن أَسباب ذلك: الولايَة: التي تُحدثُ في الأخلاقِ تغيُّرًا، وعلى الخُلَطَاءِ تَنَكُّرًا، إما من لُؤمِ طَبعٍ، وإما من ضيقِ صَدرٍ. ومنها: العزلُ؛ فقد يسوءُ به الخُلُقُ، ويضيقُ به الصدرُ؛ إما لشدّة أَسفٍ أَو لقلةِ صبرٍ. ومنها: الغنى؛ فقد تتغَيَّرُ به أَخلاقُ اللَّئيمِ بطَرًا، وتسُوءُ طرائقُهُ أَشرًا. ومنها: الفقرُ؛ فقد يتغَيرُ به الخُلُقُ إما أَنفةَ من ذُلِّ الاستكانة أَو أَسفاً على فائتِ الغنى. ومنها: الهُمُومُ التي تُذهلُ اللُّبَّ، وتشغلُ القلب، فلا تتبعُ الاحتمالَ، ولا تقوى على صَبرٍ، وقد قيل: الهَمُّ كَالسُّمِّ. ومنها: الأمراضُ الَّتي يتغَيرُ بها الطَّبعُ ما يتغيرُ بها الجسمُ، فلا تبقى الأخلاقُ على اعتدالٍ، ولا يقدرُ معها على احتمالِ. ومنها عُلُوُّ السنِّ وحدوثُ الهرمِ لتأثيره في آلَةِ الجسدِ، كذلك يَكُونُ تأثيرهُ فِي أَخلاقِ النَّفسِ، فكما يضعفُ الجسدُ عن احتمالِ ما كان يُطيقهُ من أَثقالِ، فكذلكَ تعجزُ النَّفسُ عن أَثقالِ ما كانت تَصبِرُ عليهِ من مُخالفةِ الوفاقِ، ومضيق الشّقَاق.

стр. 57

فهذه سبعةُ أَسباب أَحدثَت سُوءَ خُلُقٍ كان عامًا. وهاهُنا سبب خَاصٌّ يُحدثُ سُوء خُلُقٍ خَاصٍّ، وهُو البغض الَّذي تنفرُ منهُ النَّفسُ، فَتُحدثُ نُفُورًا على المُبغضِ، فيؤُولُ إلى سُوءِ خُلُقٍ يخُصُّهُ دون غيره. فإِذا كان سُوءُ الخُلُقِ حادثًا بسببٍ، كان زوالُهُ مقرُونًا بزوالِ ذلكَ السَّبَبِ، ثُمَّ بالضّدّ (١). ...

стр. 58

كيف نكتسب الأخلاق الحسنة ؟ للأخلاق الفاضلة منزلة رفيعة في دين الله، ولها ارتباط قوي بقوة الإيمان وحسنه، وتدين المرء وتمسكه بالشريعة؛ لأن الأخلاق يمكن اكتسابها؛ لذا كان من المهم الحديث عن الوسائل التي يمكن من خلالها اكتساب الأخلاق الحسنة، والأمور المعينة على التحلي بها، وهذا ما سيأتي -بإذن الله تعالى-: ويزعم البعض أن الأخلاق لا يتصور تغيرها، ولو صح ذلك، لبطلت الوصايا والمواعظ والخطب، وكيف ينكر هذا في حق الإنسان وتغير خلق البهيمة ممكن؟! وكم من حيوان نقل من الاستيحاش إلى الاستئناس والسياسة والانقياد كالكلب والفرس الجموح، بل حتى الأسد والنمر والصقر والقرد، وكل ذلك تغير للأخلاق، فأجدر بالإنسان أن تتغير أخلاقه بالتدريب والرياضة. ولا ريب أن أثقل ما على الطبيعة البشرية تغيير الأخلاق التي طبعت عليها النفس، إلا أن ذلك ليس متعذرًا ولا مستحيلًا، بل إن هناك أسبابًا ووسائل، يستطيع الإنسان من خلالها أن يكتسب الأخلاق الحسنة. ومن ذلك ما يلي: ١ - تصحيح العقيدة: العقيدة الصحيحة هي التي تصحح الأخلاق، وتحمي الإنسان من الانزلاق، وليس ذلك إلا في عقيدة السلف أهل السنة والجماعة أصحاب

стр. 59

الحديث. فالسلوك (١) ثمرة لما يحمله الإنسان من معتقد، وما يدين به من دين، والانحراف في السلوك ناتج عن خلل في المعتقد، فالعقيدة هي السنة، وهي الإيمان الجازم بالله تعالى، وبما يجب له من التوحيد والإِيمان بملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشرِّه، وبما يتفرع عن هذه الأصول ويلحق بها مما هو من أصول الإيمان، وأكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا؛ فإذا صحت العقيدة، حَسُنت الأخلاق تبعًا لذلك؛ فالعقيدة الصحيحة (عقيدة السلف) عقيدة أهل السنة والجماعة التي تحمل صاحبها على مكارم الأخلاق، وتردعه عن مساوئها. كما قال رسول الله ﷺ : "أكَمل المؤمنينَ إِيماناً أَحسَنُهُم خُلُقاً" (٢). وقال رسول الله ﷺ : "أكمل المؤمنينَ إِيماناً أحسَنُهُم خُلُقاً، وخِيَارُكُم خِيَارُكم لِنِسَائِهِم" (٣). وقال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أكمَلَ المُؤمِنِينَ إِيماناً أَحسَنُهُم خُلُقاً، وَإِن حُسنَ الخُلُقِ لَيبلُغُ دَرَجَةَ الصومِ وَالصلَاةِ" (٤).

стр. 60

٢ - الدعاء: الدعاء لغةً: ما يُدعَى به الله سبحانه من القول. رغب إليه وابتهل، ويقال: دعا الله: رجا منه الخير (١)، "والدعاء كالنداء إلا أن النداءَ قد يقالُ: بـ "يا" أو "أيا" ونحو ذلك، من غير أن يضم إليه الاسم، والدعاءُ لا يكادُ يقالُ إلا إذا كان معه الاسمُ" (٢). أما في الاصطلاح: هو التَّوجُّه إلى الله بالرغبة إليه فيما عنده من الخير، إما للثناء عليه، وإِما الابتهال إليه بالسؤال لدفع ضرّ، أو جلب نفع، وكلها عبادة لله سبحانه. فعلى العبد أن يلجأ إلى ربه، ليرزقه حسن الخلق، ويصرف عنه سيِّئَهَا، والنبي ﷺ كان يقول في دعائه: "اللهُمَّ اغفِر خَطَايَايَ كُلَّها، اللهُمَّ أَنعِشنِي وَأَجِبرنِي وَاهدنِي لِصَالِحِ الأَخلَاقِ، فإِنَّه لَا يَهدِي لِصَالِحِهَا وَلَا يَصرِفُ سَيئَهَا إِلَّا أَنتَ" (٣) وقوله "أنعشني" أي ارفعني وقوِّ جأشي. ومن دعائه: "اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن مُنكَرَاتِ الأخلاق وَالأعمَالِ والأهوَاءِ" (٤). وفي الحديث: (اللهم آتِ نُفوسنا تقواها، وزكِّها أنْتَ خيرُ مَن زكاها" (٥).

стр. 61

٣ - المجاهدة: المجاهدة لغةً: بذل ما في الوسع والطاقة (١). أما في الاصطلاح: أخذ النفس ببذل الطاقة، وتحمل المشقة، في دفع المضرة، وتحصيل المنفعة (٢). فالسالك طريق الإصلاح يسعى بمجاهدة نفسه لتحقيق هدفه، والوصول بها إلى مراتب العلا، وعليه أيضاً أن يجاهد كل ما يقطع عليه الطريق بمغالبته، "وقد ضربت لك مثلين فليكون منك على بال: المثل الأول: رجل خرج من بيته إلى الصلاة لا يريد غيرها، فعرض له في طريقه شيطان من شياطين الإنس، فألقى عليه كلاماً يؤذيه، فوقف ورد عليه، وتماسكا، فربما كان شيطان الإنس أقوى منه، فقهره، ومنعه عن الوصول إلى المسجد، حتى فاتته الصلاة، وربما كان الرجل أقوى من شيطان الإنس، ولكنه اشتغل بمهاوشته عن الصف الأول، وكمال إدراك الجماعة، فإن التفت إليه أطمعه في نفسه، وربما فترت عزيمته، فإن كان له معرفة وعلم زاد في السعي والجَمْز (أي: السير والهدو) بقدر التفاته أو أكثر، فإن أعرض عنه واشتغل لما هو بصدده، وخاف فوت الصلاة أو الوقت: لم يبلغ عدوُّه منه ما شاء.

стр. 62

المثل الثاني: الظبي أشد سعيًا من الكلب، ولكنه إذا أحس به التفت إليه فيضعف سعيه فيدركه الكلب فيأخذه" (١). وهذا مثل ثالث: المتسابقون في رياضة الركض، كل متسابق منهم يبذل أقصى ما يملك من الجهد لكي يفوز بالسباق. وإنك لترى كل واحد منهم قد ثبت بصره على خط النهاية، فلا يلتفت يمنه ولا يسره حتى يحقق هدفه. وكل متسابق من هؤلاء وضع في ذهنه لحظه التكريم، فلو التفت أحدهم إلى هتافات الجمهور، أترى أنه يسبق، ولو أنه نظر في عطفه وملبسه وجمال جسمه أتراه يحقق هدفه. والآن أيها -الودود- هل أدركت خطورة القواطع من شياطين الأنس والجن، وأدركت خطورة النفس الأمارة بالسوء، والهوى، وقرناء الباطل، والبيئة السيئة، فهؤلاء قطاع الطريق، وأنت بينهم تسعى وتجاهد عدوك من أجل حليه الأخلاق وقلادة الأدب. ولا يمكن لنائم أن يفوز بتاج الفضيلة، ومنح الأخلاق وهو مقصر في حياته منغمس في لهوه، ومتدثر في سهوه، يرجو الربح في ميدان السباق. يحاول نيل المجد والسيفُ مغمدٌ ... ويأملُ إدراك العُلى وهو نائمُ فالخلق الحسن نوع من الهداية، يحصل عليه المرء بالمجاهدة، وبذل

стр. 63

الوسع، قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. والمجاهدة لا تعني أن يجاهد المرء نفسه مرة، أو مرتين، بل تعني أن يجاهد نفسه حتى يموت؛ ذلك أن المجاهدة عبادة، والله تعالى يقول: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٩]. تنبيه: العزم الأكيد على جهاد النفس لا يعني أن ينقض على النفس انقضاضًا حتى تتخلى عن جميع الصفات المذمومة، وتتحلى بالخصال المحمودة دفعة واحدة، فإن هذا مخالف لطبيعة البشر، وبخاصة أن كثيرًا من العادات والأفعال السيئة عندما يمارسها الإنسان مدة طويلة من الزمن، فإنها تصبح ثابتة في النفس مستقرة فيها، فلا بد من إرادة قوية، وجهد متواصل، وتدريب متكرر حتى تتخلى عنها، وتتحول من الشغف والتعلق بها إلى النفور منها والكراهية لها. وأقربُ مثالِ لذلك الطفل الرضيع الذي اشتد تعلقه بالرضاعة، فلو أرادت أمه أن تفطمه دفعةً واحدةً، فإنها لن تتمكن من ذلك، وسيزداد تعلق طفلها بالرضاعة وتشوقه إليها، والاْسلوب الصحيح أنْ تحاول الأم بالتدرج وبمختلف الوسائل صرف الطفل عن هذا التعلق الشديد، وإِيجاد البديل الذي يستغني به عن الرضاعة، فإذا انفطم، كره أن يعود للرضاعة مرة ثانية ونفر منها. والنفسُ كالطفلِ إن تهمله شبَّ على ... حبّ الرضاع وإن تفطمه ينفطم وبهذا الأسلوب حرم الله سبحانه الخمر والربا، فتحطيمُ العاداتِ السيئة

стр. 64

المتأصلة في النفس مع المبادرة إلى الأعمال الصالحة، أشبه بالتدريب الرياضي، والعادة -سواء كانت حسنة أو سيئة- فإنها تتكون في النفس، وتتعمق فيها مرة بعد مرة، ويعاني الإنسان في بدء الأمر من الاستمرار فيها، إذا لم تكن موافقة لحظوظ النفس، ولكنه مع التكرار والتدرج يألفها ويتعود عليها. فالعاقل من يجعل طريقة هجر العادات السيئة، والإقلاع عنها مماثلة لطريقة تكوينها. فإذا أراد العبد أن يستأصل عادة سيئة، ويزرع مكانها عادة حسنة، وخُلُقًا فاضلًا، فلا بد له أولًا من: تقوية الهدف الباعث، ثم العزم والتصميم، والثقة بالنفس، وعدم التردد حتى يصل إلى الهدف الصحيح، ويصبح ذلك ملكة وطبعًا مألوفًا. قال العلامة ابن قيم الجوزية ﵀: "المزاولاتُ تعطي الملكات، ومعنى هذا أن من زاول شيئًا واعتاده، وتمرن عليه، صار ملكة وسجية وطبيعة، كما أنه لا يزال يتكلف الحلم والوقار والسكينة والثبات، حتى تصير له أخلاقًا بمنزلة الطبائع .. فنقل الطبائع عن مقتضياتها غير مستحيل، غير أن هذا الانتقال قد يكون ضعيفًا، فيعود العبد إلى طبعه بأدنى باعث" (١). قلت: هذا خاص في تغيير الطباع المستقبحة، وليست حجة لمن زاول المحرمات والكبائر، فإن الاقلاع عنها واجب كالزنا والسرقة والظلم

стр. 65

وغيرهما، والتوبة منها واجب على الفور وتحقيق شروطها، وكلامنا في هذا الفصل كيف نكتسب الأخلاق الحسنة ونجتهد في تغييرها للأحسن. ٤ - المحاسبة: وذلك بتصفح أفعاله، ونقد النفس إذا ارتكبت خلقًا ذميمًا، وحملها على ألا تعود إليه مرة أخرى، مع أخذها بمبدأ الثواب، فإذا أحسنت أراحها، وأرسلها على سجيتها بعض الوقت في المباح، وإذا أساءت وقصرت، أخذها بالحزم والجد، وحرمها من بعض ما تريد، ولا ينبغي للمرء إذا رأى من نفسه تقصيرًا أن يهملها؛ لأن ذلك يجعله يستسهل ذلك، ويشق عليه بعد ذلك فطامها، بل ينبغي أن يعاقبها عقوبة مباحة، كما يعاقب ولده وأهله. "فالمحاسبة تكميل لمقام التوبة، والمراد بالمحاسبة الاستمرار على حفظ التوبة، حتى لا يخرج عنها، وكأنه وفاء بعقد التوبة" (١). *ما المقصود بعقوبة النفس هنا؟ المقصود بها العقوبة المشروعة، وهي إلزام النفس بشيء يشق عليها فعله، بشرط ألا يؤدي ذلك إلى ضرر بالجسم كما يفعل الصوفية المنحرفون من عقوبة النفس بعدم النوم، أو تحريم اللحم على النفس، أو الدخول في القاذورات، أو عدم الاغتسال. ومن ذلك قول أبي المواهب عبد الوهاب بن أحمد الشعراني الصوفي صاحب "طبقات الصوفية" في حديثه عن بعض شيوخ الصوفية المخالفين لهدي النبي ﷺ وما كانوا يلزمون به أنفسهم من مجاهدات مرفوضة شرعًا

стр. 66

وعقلًا يقول أبو صالح عبد القادر الجيلي: "قاسيت الأهوال في بدايتي، وما تركت هولًا إلا ركبته، وكان لباسي جبة صوف، وعلى رأسي خريقة، وكنت أمشي حافياً في الشوك وغيره، وكنت أقتات بخرنوب الشوك وقمامة البقل وورق الخس من شاطي النهر، ولم أزل آخذ نفسي بالمجاهدة حتى طرقني من الله تعالى الحال، فإذا طرقني صرخت وهممت على وجهي، سواء كنت في صحراء أو بين الناس، وكنت أتظاهر بالتخارس والجنون، وحملت مراراً إلى البيمارستان (المشفى) ". وكان يقول: "أقمت في صحراء العراق وخرائبه خمسًا وعشرين سنة مجرداً سائحاً، لا أعرف الخلق ولا يعرفونني .. ، ومكثت سنة في خرائب المدائن آخذ نفسي بطريق المجاهدات .. "!! (١). وفي ترجمه أخرى لمحمد السروري ﵀ المشهور بأبي الحمائل .. كان يغلب عليه الحال، فيتكلم بالألسن العبرانية والسريانية والعجمية، وتارة يزغرت في الأفراح والأعراس كما تزغرت النساء، وجاءه الشيخ علي الحديدي يطلب منه الطريق، فرآه ملتفاً لنظافة ثيابه، فقال: "إن كنت تطلب الطريق فاجعل ثيابك ممسحة لأيدي الفقراء"، فكان كل من أكل سمكاً أو زفراً يمسح في ثوبه يده مدة سنة وسبعة شهور، حتى صار ثيابه كثياب الزيَّاتين أو السماكين، فلما رأى ثيابه لقّنه الذِكر، وجاء منه في الطريق،

стр. 67

وأخذ عنه تلامذة كثيرة" (١). قلت: وهذا التصرف يدل على جهل في الدين، وفساد في العقل وانتكاسة في القيم، ودليل على ضعف العلم الشرعي الصحيح، وانحراف عن عقيدة أهل السنة والجماعة في التزكية والتربية، وليس هذا فحسب، بل أورد الإمام الغزالي في الإحياء صورًا كثيرة من معاقبة النفس وتعذيبها بحجة إصلاحها، وتزكيتها بما يدل على انحراف في العقيدة، وميل عن الأخلاق الكريمة، ومن هذه الصور أن رجلًا كلم امرأة، فلم يزل حتى وضع يده على فخذها، ثم ندم فوضع يده على النار حتى يبست، وآخر نظر إلى محاسن امرأة، فرفع يده فلطم عينه حتى بقرت. تأمل -أحسن الله إليك التوفيق- هذه الانتكاسة في تهذيب النفس، وردها إلى الطريق القويم، فالعقوبة المشروعة التي يجوز للعبد أن يأخذ بها في مجاهدة نفسه أن يلزمها الطاعة بقدر لا يخل بالواجبات الأخرى، لا أن يوردها موارد الهلاك من إتلاف عضو من جسمه، أو تقليل مطعم، أو تبذل في لباس، أو إرهاق النفس وحرمانها مما أباح الله، وغير ذلك مما يتنافى عن آداب الإسلام. فأنفع العقوبات ما كان عملًا صالحًا من الأعمال كالصدقة، وصيام عدة أيام، وقيام ساعات من الليل، وذلك يختلف باختلاف النفوس وقوة صبرها. وقد أَلمحَ الإمام ابن القيم إلى ذلك فقال: "من الناس من تكون قوة صبره على فعل ما ينتفع به وثباته عليه أقوى من صبره عما يضره، فيصبر

стр. 68

على مشقة الطاعة، ولا صبر له على داعي هواه إلى ارتكاب ما نُهِيَ عنه، ومنهم من تكون قوة صبره عن المخالفات أقوى من صبره على مشقة الطاعات، ومنهم من لا صبر له على هذا ولا ذاك، وأفضل الناس أصبرهم على النوعين، فكثير من الناس يصبر على مكابدة قيام الليل في الحر والبرد وعلى مشقة الصيام، ولا يصبر على نظرة محرمة" (١). وعلى هذا يمكن للعبد أن يلاحظ الأعمال التي تشق على نفسه، فيجعلها عقوبة له يؤدب بها تلك النفس إذا وقعت في معصية، أو فرطت في طاعة. فإذا ضيع صلاة الفجر بسبب مشقة الاستيقاظ، وترك لذيذ المنام، فليقم بإحياء ساعات من إحدى الليالي، يهجر فيها مضجعه، وإن قصر في حق غيره بخلًا بالمال، فليتصدق ليلزم نفسه بالإقلاع عن تلك الآفة. فالتشديد على النفس ومنعها مما تحب لفترة محدودة ترويض لها، وتليين لطبعها، وعلاج لأمراضها، وهو بمنزلة الدواء الذي يشربه المريض وهو كارهٌ له، رجاء أن يكون سبباً في الشفاء بإذن الله تعالى. ٥ - التفكر في الآثار المترتبة على حسن الخلق: التفكر: "تصرف القلب في معاني الأشياء لِدَرْك المطلوب، وسراج القلب، يرى به خيره وشره، ومنافعة ومضاره، وكل قلب لا تفكرَ فيه فهو في ظُلمات يتخبط". وقيل: هو إحضار ما في القلب من معرفة الأشياء (٢).

стр. 69

قلت: فإن معرفة ثمرات الأشياء، واستحضار حسن عواقبها؛ من أكبر الدواعي إلى فعلها، وتمثلها، والسعي إليها. والمرء إذا رغب في مكارم الأخلاق، وأدرك أنها من أولى ما اكتسبته النفوس، وأجل غنيمة غنمها الموفقون؛ سهل عليه نيلها واكتسابها. فعلى المرء أن يستذكر دائمًا ويحتسب ثواب حسن الخلق. عن النواس بن سمعان ﵁ قال: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن البِرِّ والإثمِ؟ فقال: "البِرِّ حُسنُ الخلقِ، والأثمُ ما حَاكَ في صدرِكَ، وكرهتَ أَن يَطَّلعَ عليه النَّاسُ" (١). وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَثقَلُ شيءٍ فِي المِيزَانِ حُسنُ الخُلقِ" (٢). وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ أكملَ المؤمنينَ إيمانًا أحسنُهنم خُلقًا، وإن حُسنَ الخُلقِ لَيبلُغُ درجةَ الصومِ والصلاةِ" (٣). وعن عائشة ﵂ أنَّ النبي ﷺ قال لها: "صِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسنُ الخُلُقِ وَحُسنُ الجِوَارِ، يُعَمرنَ الدِّيَارَ، وَيَزِيدانَ فِي الأَعمَارِ" (٤).

стр. 70

٦ - النظر في عواقب سوء الخلق: وذلك بتأمل ما يجلبه سوء الخلق من الأسف الدائم، والهم الملازم، والحسرة والندامة، والبغضة في قلوب الخلق؛ فذلك يدعو المرء إلى أن يقصر عن مساوئ الأخلاق، وينبعث إلى محاسنها. قال ابن القيم ﵀: "ومن عقوباتها (أي المعاصي وسوء الأخلاق) سقوط الجاه والمنزلة والكرامة عند الله وعند خلقه، فإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم، وأقربهم منه منزلة أطوعهم له، وعلى قدر طاعة العبد له تكون منزلته عنده، فإذا عصاه وخالف أمره سقط من عينه، فأسقطه من قلوب عباده، وإذا لم يبق له جاه عند الخلق، وهان عليهم عاملوه، على حسب ذلك، فعاش بينهم أسوأ عيش: خامل الذكر، ساقط القدر، زري الحال، لا حرمة له، فلا فرح له ولا سرور، فإن خمول الذكر وسقوط القدر والجاه، يجلب كل غم وهم وحزن، ولا سرور معه ولا فرح، وأين هذا الألم من لذة المعصية. ومن أعظم نعم الله على العبد: أن يرفع له بين العالمين ذكره، وُيعلي له قدره" (١). قلت: وليس هذا فحسب، بل تأمل ما يقول ابن القيم أيضاً: "ومن عقوباتها: أنَّها تسلب صاحبها أسماء المدح والشرف، وتكسوه أسماء الذم والصغار، فتسلبه اسم المؤمن، والبر، والمحسن، والمتقي، والمطيع، والمنيب، والولي، والورع، والصالح، والعابد، والخائف، والأواب،

стр. 71

والطيب، والمرضيَّ ونحوها. وتكسوه اسم الفاجر، والعاصي، والمخالف، والمسيء، والمفسد، والسارق، والكاذب، والخائن، والغادر وأمثالها" (١). وتأمل عاقبة هذه المرأة التي كانت تصوم النهار وتقوم الليل، ولكنها سيئة الخلق في معاملتها مع جيرانها. عن أبي هريرة ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ : يا رسول الله! إنَّ فلانة تقوم الليل وتصوم النهار، وتفعل وتصدق، وتؤذي جيرانها بلسانها؟ فقال رسول الله ﷺ : " لا خَيرَ فيها، هِيَ من أهل النار". قالوا: وفلانة تصلي المكتوبة وتصدق بأثوار (قطع من الأقط، وهو لبن جامد) ولا تؤذي أحدًا. فقال رسول الله ﷺ : "هيَ من أهل الجَنَّةِ" (٢). وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ مِنْ أَحَبِّكُم إِلَيَّ وَأقرَبِكُم مِنِّي مَجلِسًا يَومَ القِيَامَةِ، أَحَاسِنَكُم أَخلَاقًا، وإِن مِن أَبغَضِكُم إِلَيَّ وَأَبعَدِكُم مِنِّي يَومَ القِيَامَةَ الثَّرثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيهِقُونَ"، قالوا: يا رسولَ الله، قَدْ عَلِمنَا الثَّرثَارِينَ وَالمُتَشَدقِينَ، فَما المُتَفَيهِقُونَ؟ قال: "المُتَكَبرُونَ" (٣). ٧ - علو الهمة: الهمة لغة: "هي بالكسر: أول العزم، وقد تطلق على العزم القوي،

стр. 72

فيقال: له همة عالية" (١). أما في الاصطلاح: "الهم: هو عقد القلب على فعل شيء قبل أن يُفعل، من خير أو شر" والهمة: توجه القلب وقصده بجميع قواه الروحية إلى جانب الحق لحصول الكمال له أو لغيره" (٢). قال ابن القيم: "والهمة فِعلَة من الهم، وهو مبدأ الإرادة، ولكن خصوها بنهاية الإرادة، فالهمُّ مبدؤها، والهمة نهايتها. قال صاحب المنازل: "الهمة: ما يملك الانبعاث للمقصود صرفًا، ولا يتمالك صاحبُها ولا يلتفت عنها" والمراد: أن همة العبد إذا تعلقت بالحق تعالى طلبًا صادقًا خالصًا محضًا، فتلك هي الهمة العالية التي "لا يتمالك صاحبها" أي لا يقدر على المهلة، ولا يتمالك صبره لغلبة سلطانه عليه، وشدة إلزامها إياه بطلب المقصود "ولا يلتفت عنها" إلى ما سوى أحكامها، وصاحب هذه الهمة: سريع وصوله وظفره بمطلوبه، ما لم تعقه العوائق، وتقطعه العلائق، والله أعلم" اهـ (٣). قلت: فعلو الهمة يستلزم الجد، والترفع عن الدنايا ومحقرات الأمور.

стр. 73

عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الله كَريم يُحب الكَرَمَ وَمَعاليَ الأَخلاقِ، وَيبغِضُ سَفسافَها" (١). وسفسافها: أي حقيرها ورديئها، وشرفُ النفس أن يصونها عن الدنايا، والهمة العالية لا تزال بصاحبها تزجره عن مواقف الذل، واكتساب الرذائل، وحرمان الفضائل، حتى ترفعه من أدنى دركات الحضيض إلى أعلى مقامات المجد والسؤدد. قال ابن القيم ﵀ في (الفوائد ٢٠٣): "فمن علت همته، وخشعت نفسه؛ اتصف بكل خلق جميل، ومن دنت همته، وطغت نفسه؛ اتصف بكل خلق رذيل". وقال ﵀ في (الفوائد): "فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها، وأفضلها، وأحمدها عاقبة، والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات، وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار؛ فالنفوس العلية لا ترضى بالظلم، ولا بالفواحش، ولا بالسرقة ولا بالخيانة؛ لأنها أكبر من ذلك وأجل، والنفوس المهينة الحقيرة الخسيسة بالضد من ذلك". قال ابن السَّمَّاك: هِمَّةُ العاقل في النجاة والهَرَب، وهِمَّة الأحمق في اللَّهو والطَّرب (٢).

стр. 74

فإذا حرص المرء على اكتساب الفضائل، وألزم نفسه على التخلق بالمحاسن، ولم يرض من منقبة إلا بأعلاها، ولم يقف عند فضيلة إلا وطلب الزيادة عليها، نال مكارم الأخلاق. * من أمثلة ساقطي الهمة: ١ - قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)﴾ [الأعراف ١٧٥ - ١٧٦]. هذه قصة رجل من بني إسرائيل آتاه الله آيات -وقيل اسم الله الأعظم- لكنه انسلخ منها، واستبدل الإيمان بالكفر، والفضيلة بالرذيلة، فصورته بشعة قبيح المنظر، منسلخ الجلد، وخلفه الشيطان يحثه ويتبعه، فهذا الفاجر المتبوع أخلد إلى الأرض والتصق بها، وسقطت همته بالذنوب والمعاصي، واتبع هواه، فمثله كمثل الكلب في اللهاث الدائم، ومن طبع الكلب أنه يلهث دائمًا، وهذا الفاجر الجاحد التابع لهواه يلهث، لأن الشيطان يحثه على سيره المعوج. قلت: فالعاقل لا يستبدل نعم الله عليه من الهداية إلى الضلال، ومن العفة إلى المآثم، والعاقل لا يخالط اللاعبين العابثين؛ لأن صحبتهم جرب، وعشرتهم داء. ٢ - قال الفضيل بن عاصم: بينما رجل يطوف بالكعبة إذ بُصر بامرأة

стр. 75

ذات جمال فأفتنته وشغلت قلبه، فأنشأ يقول: ما كنتُ أحسبُ أن الحب يعرضُ لي ... عند الطوافِ ببيتِ اللهِ ذي السترِ حتى ابتليتُ فصار القلبُ مختبلًا ... في حبِّ جاريةِ حوراءَ كالقمرِ يا ليتني لم أكن عاينتُ صورتها ... لله ماذا توخاني به بصري هذا نموذج واحد لمن سقطت همته، وساء خلقه، في أقدس بقعة في الأرض، وقد ابتلي بسوء النظر، والبلايا كثيرة، فالله المستعان. ٨ - الصبر: الصبر لغة: الحبس والكف، يقال: صبرت نفسي على ذلك الأمر أي: حبستها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]. أما في الاصطلاح: "هو حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أو عما يقتضيان حبسها عنه" (١). فالصبر حبس النفس عن الجزع والتسخط، والشكوى، وعن تشويش الجوارح، وهو أنواع ثلاثة: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله تعالى، وصبر على قضاء الله وقدره في البلاء. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
следующие страницы →