والطيب، والمرضيَّ ونحوها.
وتكسوه اسم الفاجر، والعاصي، والمخالف، والمسيء، والمفسد، والسارق، والكاذب، والخائن، والغادر وأمثالها" (١).
وتأمل عاقبة هذه المرأة التي كانت تصوم النهار وتقوم الليل، ولكنها سيئة الخلق في معاملتها مع جيرانها.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ : يا رسول الله! إنَّ فلانة تقوم الليل وتصوم النهار، وتفعل وتصدق، وتؤذي جيرانها بلسانها؟ فقال رسول الله ﷺ : " لا خَيرَ فيها، هِيَ من أهل النار". قالوا: وفلانة تصلي المكتوبة وتصدق بأثوار (قطع من الأقط، وهو لبن جامد) ولا تؤذي أحدًا. فقال رسول الله ﷺ : "هيَ من أهل الجَنَّةِ" (٢).
وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ مِنْ أَحَبِّكُم إِلَيَّ وَأقرَبِكُم مِنِّي مَجلِسًا يَومَ القِيَامَةِ، أَحَاسِنَكُم أَخلَاقًا، وإِن مِن أَبغَضِكُم إِلَيَّ وَأَبعَدِكُم مِنِّي يَومَ القِيَامَةَ الثَّرثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيهِقُونَ"، قالوا: يا رسولَ الله، قَدْ عَلِمنَا الثَّرثَارِينَ وَالمُتَشَدقِينَ، فَما المُتَفَيهِقُونَ؟ قال: "المُتَكَبرُونَ" (٣).
٧ - علو الهمة:
الهمة لغة: "هي بالكسر: أول العزم، وقد تطلق على العزم القوي،
стр. 72
فيقال: له همة عالية" (١).
أما في الاصطلاح:
"الهم: هو عقد القلب على فعل شيء قبل أن يُفعل، من خير أو شر" والهمة: توجه القلب وقصده بجميع قواه الروحية إلى جانب الحق لحصول الكمال له أو لغيره" (٢).
قال ابن القيم: "والهمة فِعلَة من الهم، وهو مبدأ الإرادة، ولكن خصوها بنهاية الإرادة، فالهمُّ مبدؤها، والهمة نهايتها.
قال صاحب المنازل:
"الهمة: ما يملك الانبعاث للمقصود صرفًا، ولا يتمالك صاحبُها ولا يلتفت عنها"
والمراد: أن همة العبد إذا تعلقت بالحق تعالى طلبًا صادقًا خالصًا محضًا، فتلك هي الهمة العالية التي "لا يتمالك صاحبها" أي لا يقدر على المهلة، ولا يتمالك صبره لغلبة سلطانه عليه، وشدة إلزامها إياه بطلب المقصود "ولا يلتفت عنها" إلى ما سوى أحكامها، وصاحب هذه الهمة: سريع وصوله وظفره بمطلوبه، ما لم تعقه العوائق، وتقطعه العلائق، والله أعلم" اهـ (٣).
قلت: فعلو الهمة يستلزم الجد، والترفع عن الدنايا ومحقرات الأمور.
стр. 73
عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الله كَريم يُحب الكَرَمَ وَمَعاليَ الأَخلاقِ، وَيبغِضُ سَفسافَها" (١).
وسفسافها: أي حقيرها ورديئها، وشرفُ النفس أن يصونها عن الدنايا، والهمة العالية لا تزال بصاحبها تزجره عن مواقف الذل، واكتساب الرذائل، وحرمان الفضائل، حتى ترفعه من أدنى دركات الحضيض إلى أعلى مقامات المجد والسؤدد.
قال ابن القيم ﵀ في (الفوائد ٢٠٣): "فمن علت همته، وخشعت نفسه؛ اتصف بكل خلق جميل، ومن دنت همته، وطغت نفسه؛ اتصف بكل خلق رذيل".
وقال ﵀ في (الفوائد): "فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها، وأفضلها، وأحمدها عاقبة، والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات، وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار؛ فالنفوس العلية لا ترضى بالظلم، ولا بالفواحش، ولا بالسرقة ولا بالخيانة؛ لأنها أكبر من ذلك وأجل، والنفوس المهينة الحقيرة الخسيسة بالضد من ذلك".
قال ابن السَّمَّاك: هِمَّةُ العاقل في النجاة والهَرَب، وهِمَّة الأحمق في اللَّهو والطَّرب (٢).
стр. 74
فإذا حرص المرء على اكتساب الفضائل، وألزم نفسه على التخلق بالمحاسن، ولم يرض من منقبة إلا بأعلاها، ولم يقف عند فضيلة إلا وطلب الزيادة عليها، نال مكارم الأخلاق.
* من أمثلة ساقطي الهمة:
١ - قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)﴾ [الأعراف ١٧٥ - ١٧٦].
هذه قصة رجل من بني إسرائيل آتاه الله آيات -وقيل اسم الله الأعظم- لكنه انسلخ منها، واستبدل الإيمان بالكفر، والفضيلة بالرذيلة، فصورته بشعة قبيح المنظر، منسلخ الجلد، وخلفه الشيطان يحثه ويتبعه، فهذا الفاجر المتبوع أخلد إلى الأرض والتصق بها، وسقطت همته بالذنوب والمعاصي، واتبع هواه، فمثله كمثل الكلب في اللهاث الدائم، ومن طبع الكلب أنه يلهث دائمًا، وهذا الفاجر الجاحد التابع لهواه يلهث، لأن الشيطان يحثه على سيره المعوج.
قلت: فالعاقل لا يستبدل نعم الله عليه من الهداية إلى الضلال، ومن العفة إلى المآثم، والعاقل لا يخالط اللاعبين العابثين؛ لأن صحبتهم جرب، وعشرتهم داء.
٢ - قال الفضيل بن عاصم: بينما رجل يطوف بالكعبة إذ بُصر بامرأة
стр. 75
ذات جمال فأفتنته وشغلت قلبه، فأنشأ يقول:
ما كنتُ أحسبُ أن الحب يعرضُ لي ... عند الطوافِ ببيتِ اللهِ ذي السترِ
حتى ابتليتُ فصار القلبُ مختبلًا ... في حبِّ جاريةِ حوراءَ كالقمرِ
يا ليتني لم أكن عاينتُ صورتها ... لله ماذا توخاني به بصري
هذا نموذج واحد لمن سقطت همته، وساء خلقه، في أقدس بقعة في الأرض، وقد ابتلي بسوء النظر، والبلايا كثيرة، فالله المستعان.
٨ - الصبر:
الصبر لغة:
الحبس والكف، يقال: صبرت نفسي على ذلك الأمر أي: حبستها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨].
أما في الاصطلاح:
"هو حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أو عما يقتضيان حبسها عنه" (١).
فالصبر حبس النفس عن الجزع والتسخط، والشكوى، وعن تشويش الجوارح، وهو أنواع ثلاثة: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله تعالى، وصبر على قضاء الله وقدره في البلاء.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
стр. 76
فالصبر أحد الأركان الأساسية التي يقوم عليها الخلق الحسن، والصبر يربي المرء على الاحتمال، وكظم الغيظ، وكف الأذى، والحلم، والأناة، والرفق، وترك الطيش والعجلة.
قال ابن قيم الجوزية ﵀: "حسن الخلق يقوم على أربعة أركان، لا يتصور قيام ساقه إلا عليها: الصبر، والعفة، والشجاعة، والعدل" (١).
وقال: "وهو على ثلاثة أنواع: صبر بالله، وصبر لله، وصبر مع الله.
فالأول: صبر الاستعانة به، ورؤيته أنه هو المُصَبِّر، وأن صبر العبد بربه لا بنفسه كما قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧].
والثاني: الصبر لله، وهو أن يكون الباعث له على الصبر محبة الله، وإرادة وجهه، والتقرب إليه لا لإظهار قوة النفس، والاستحماد إلى الخلق.
الثالث: الصبر مع الله، وهو دوران العبد مع مراد الله الديني منه، ومع أحكامه الدينية. صابرًا نفسه معها، سائرًا بسيرها .. أين ما توجهت ركائبها" (٢).
"والشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، فإن يعقوب ﵇ قال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦].
إنما ينافي الصبر شكوى الله، لا الشكوى إلى الله" (٣) كما هو حال بعض المسيئين الأدب في شكواهم وتسخطهم من قضاء الله وقدره، فالله المستعان.
стр. 77
وقال الماوردي: "وليس لمن قل صبرُه على طاعة الله تعالى حظٌّ من بِرّ، ولا نصيبٌ من صلاح، ومن لم يَرَ لنفسه صبرًا، يكسبها ثوابًا، ويدفع عنها عقابًا، كان مع سوء الاختيار بعيدًا من الرشاد، حقيقًا بالضلال" (١).
وعلى العاقل احتساب الأجر عند الله ، فهذا الأمر من أعظم ما يعين على اكتساب الأخلاق الفاضلة، وتحمل أذى الناس؛ فإذا أيقن المسلم أن الله سيجزيه على حسن خلقه ومجاهدته؛ سيهون عليه ما يلقاه في ذلك السبيل؛ قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦].
وقال سبحانه: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾ [الإنسان: ١٢].
٩ - التواصي بحسن الخلق:
وذلك ببث فضائل حسن الخلق، وبالتحذير من مساوئ الأخلاق، وبنصح المبتلين بسوء الخلق، وبتشجيع حسني الأخلاق، فحسن الخلق من الحق، والله سبحانه يقول: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ٣].
وكان الرجلان من أصحاب النبيِّ ﷺ إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهُما على الآخر: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ ـ، ثم يُسلم أحدهما على الآخر (٢).
وفي الأثر فائدة التواصي بالحق والصبر باستذكار قراءة سورة العصر.
стр. 78
والربح الحقيقي للمسلم أن يكون له ناصحون ينصحونه ويوصونه بالخير والاستقامة، فإذا حسنت أخلاق المسلم، كثُر مصافوه، وأحبه الناس.
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "المُؤمِنُ مِرآةُ المُؤمِنِ، وَالمُؤمِنُ أَخُو المُؤمِنِ، يكُفُّ عَليهِ ضَيعَتَهُ، وَيَحُوطُهُ مِن ورائِه" (١).
قال المناوي: "فأنت مرآة أخيك يبصر حاله فيك، وهو مرآة لك تبصر حالك فيه" (٢).
قال الخُوَارزمي:
لا تَصحبِ الكسلانَ في حالاتهِ ... كمْ صالحِ بفسادِ آخرَ يَفسُدُ
عَدوى البليدِ إلى الجَليدِ سريعة ... كالجمر يُوضعُ في الرمادِ فَيَخمُدُ
١٠ - قبول النصح الهادف، والنقد البناء:
فهذا مما يعين على اكتساب الأخلاق الفاضلة، ومما يبعث على التخلي عن الأخلاق الساقطة، فعلى من نُصِحَ أن يتقبل النصح، وأن يأخذ به؛ حتى يكمل سؤدده، وتتم مروءته، ويتناهى فضله.
بل ينبغي لمتطلب الكمال -خصوصًا إذا كان رأسًا مطاعًا- أن يتقدم إلى خواصه وثقاته، ومن كان يسكن إلى عقله من خدمه وحاشيته -فيأمرهم أن يتفقدوا عيوبه ونقائصه، ويطلعوه عليها، ويعلموه بها؛ فهذا ما يبعثه للتنزه من العيوب، والتطهر من دنسها.
стр. 79
قال الإمام الشافعي ﵀:
تَعمّدني بنُصحِكَ في انفرادي ... وَجَنِّبني النصيحةَ في الجماعَة
فإن النصحَ ببن النَّاس نَوع ... مِنَ التوبيخ لا أرضَى استِماعَهْ
فإن خالَفْتَني وعَصَيتَ قَولي ... فلا تجزَع إذا لم تُعطَ طاعَهْ
١١ - أن يتخذ الناس مرآة لنفسه:
العاقل ينظر لغيره، ويجعلهم مرآه لنفسه، فكل ما كرهه ونفر عنه من قول، أو فعل، أو خلق -فَليَتَجَنَّبْه، وما أحبه من ذلك واستحسنه، فليفعله.
قال ابن حزم:
"لكلِّ شيءِ فائدةٌ، ولقد انتفعتُ بمحكِّ أهل الجهل مَنفعة عظيمةً، وهي أنه توقَّدَ طبعي، واحتَدَمَ خاطري، وحَمِيَ فكري، وتَهَيَّجَ نشاطي، فكان ذلك سببًا إلى تواليفَ عظيمة المَنْفعةِ، ولولا استِثَارُهُم ساكني، واقْتِداحُهُم كامني، ما انْبَعثتُ لتلكَ التَّوالِيفِ" (١).
قال الشاعر:
إنَّ السعيد له من غيره عظةٌ ... وفي التجارب تحكيمٌ ومعتبرُ
وقال الطاهر بن الحسين:
إذا أعجبتكَ خصالُ امرئِ ... فكُنْهُ يكُن منكَ ما يعجبكْ
فليسَ على المجدِ والمكرُماتِ ... إذا جئتَها حاجبٌ يحجُبكْ (٢)
стр. 80
١٢ - مصاحبة الأخيار وأهل الأخلاق الفاضلة:
فالمرء مولع بمحاكاة من حوله، شديدُ التأثر بمن يصاحبه.
ومجالستهم تكسب المرء الصلاح والتقوى، والاستنكاف عنهم تَنَكُّبٌ عن الصراط المستقيم.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ الجَليسِ الصالحِ والجليسِ السُّوءِ؛ كمثَلِ صاحبِ المِسك وكِيرِ الحدّادِ: لا يَعدَمُكَ من صاحب المسكِ إِما تَشتَرِيهِ، أو تَجِدُ رِيحَه، وكِيرُ الحدّادِ يَحرِقُ بدنكَ أو ثَوبَك، أو تَجِدُ منه رِيحًا خبيثَةً" (١).
قال أبو حاتم: "العاقل يلزم صحبة الأخيار، ويفارق صحبة الأشرار؛ لأن مودة الأخيار سريع اتصالها، بطيء انقطاعها، ومودة الأشرار سريع انقطاعها، بطيء اتصالها، وصحبة الأشرار سوء الظن بالأخيار، ومن خادن الأشرار، لم يسلم من الدخول في جملتهم، فالواجب على العاقل أن يجتنب أهل الريب؛ لئلا يكون مريبًا، فكما أن صحبة الأخيار تورث الخير، كذلك صحبة الأشرار تورث الشر" (٢).
стр. 81
قال الشاعر:
عليك بإخوان الثقات فإنهم ... قليل فصلهم دون من كنت تصحبُ
ونفسك أكرمها وصنها فإنها ... متى ما تجالس سفلةَ الناس تغضبُ
فالصداقة المتينة، والصحبة الصالحة، لا تحل في نفس إلا هذبت أخلاقها الذميمة. فإذا كان الأمر كذلك، فما أحرى بذي اللب أن يبحث عن إخوان ثقات؛ حتى يعينوه على كل خير، ويقصروه عن كل شر.
قال ابن الجوزي: "ما رأيتُ أكثر أذى للمؤمن من مخالطة من لا يصلح، فإنَّ الطبع يسرق؛ فإن لم يتشبه بهم ولم يسرق منهم، فَتَرَ عن عملهِ" (١).
قال الناظم:
أنت في الناس تقاسُ ... بالذي اخترتَ خليلا
فاصحب الأخيار تعلو ... وتنل ذِكرًا جميلا
قال العلماء: إنما سمي الصديق صديقًا لصدقه، والعدو عدوًا لعدوه عليك.
١٣ - الاختلاف إلى أهل الحلم والفضل وذوي المروءات:
فإذا اختلف المرء إلى هؤلاء، وأكثر من لقائهم وزيارتهم؛ تَخَلَّق بأخلاقهم، وقبس من سمتهم ونورهم.
أ- يرُوى أنَّ الأحنف بن قيس قال: "كنا نختلف إلى قيس بن عاصم نتعلم منه الحلم كما نتعلم الفقه".
ب- كان أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁ يرحلون إليه، فينظرون إلى
стр. 82
سمته، وهديه، ودَلَّه، قال: "فيتشبهون به" (١).
ج- قال الإمام مالك: قال ابن سيرين: "كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم. قال: وبعث ابن سيرين رجلًا فنظر كيف هَدْيُ القاسم (هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق) وحاله (٢).
د- قال القاضي أبو يعلى ﵀: روى أبو الحسين بن المنادي بسنده إلى الحسين بن إسماعيل قال: سمعت أبي يقول: "كنا نجتمع في مجلس الإمام أحمد زُهاء على خمسة آلاف أو يزيدون، أقل من خمسمائة يكتبون، والباقي يتعلمون منه حُسنَ الأدب، وحسن السمت" (٣).
هـ- قال إبراهيم بن حبيب بن الشهيد لابنه: "يا بني، إيت الفقهاء والعلماء، وتعلم منهم، وخذ من أدبهم وأخلاقهم وهديهم، فإن ذاك أحب إليَّ لك من كثير من الحديث" (٤).
و- وقال الأعمش: كانوا يأتون همام بن الحارث يتعلمون من هديه وسمته.
ز- قال ابن القاسم ﵀: "كنت آتي مالكًا غلسًا، فأسأله عن مسألتين، ثلاثة، أربعة، وكنت أجد منه انشراح الصدر، فكنت آتي كل سحر، فتوسدت مرة في عتبته فغلبتني عيني فنمت، وخرج مالك إلى المسجد فلم أشعر به، فركضتني سوداء له برجلها، وقالت لي: إن مولاك لا يغفل كما تغفل أنت،
стр. 83
اليوم له تسع وأربعون سنة ما صلى الصبح إلا بوضوء العتمة" (١).
ح- زرت شيخنا الإمام الألباني ﵀ ثلاث مرات في بيته، في الأردن على وجه الخصوص، وقد شاهدت من هديه في تنظيم وقته، وطريقه استخدامه للكهرباء، وصلاته، وطريقة جلوسه، ومحاورته، واستخدامه للهاتف، وكان ﵀ إذا دخل غرفه فتح نورها، وإذا خرج منها أطفأ نورها، وهكذا يفعل مع كل غرفة، وأفدت من استخدامه للورق بما لا ضياع منها، فكان له معجمًا للحديث يكتب على ظهر الورقة بعض الأحاديث بأسانيدها من مخطوطات المكتبة الظاهرية، وخلف الورقة دعاية، أو دعوة زفاف، أو أخبار الصحف، وربما سألنا عن صحة الحديث، وهو علامة العصر في الحديث، فلله دره من إمام نادر.
قلت: ولا يلزم أن يكون هؤلاء الذين يختلف إليهم من أهل العلم فقط، بل قد يوجد من العوام من أهل البصيرة والفطرة السليمة من جُبِل على كريم الخلال وحميد الخصال.
قال ابن حزم: "وقد رأيتُ من غمار العامَّةِ من يجري في الاعتدال، وحميد الأخلاق إلى ما لا يتقدَّمُهُ فيه حكيمٌ عالمٌ رائِضٌ لنفسه، ولكنَّه قليلٌ جدًّا" (٢).
١٤ - قراءة القرآن بتدبر وتعقل:
قال ابن الجوزي: "لما كان القرآن العزيز أشرف العلوم، كان الفهم
стр. 84
لمعانية أوفى الفهوم؛ لأن شرف العلم بشرف المعلوم" (١).
فهو الهُدى والنور، وهو كتاب الأخلاق الأول، وهو الذي يهدي للتي هي أقوم، وحسن الخلق من جملة ما يهدي إليه القرآن.
وفيه من الوصايا العظيمة الجامعة التي لا توجد في أي كتاب آخر، والتي لو أخذت بها البشرية لتغير مسارها، ولاستنارت سبلها، ولعاشت عيشة الهناءة والعز والسلام، بل إن آية واحدة في القرآن جمعت مكارم الأخلاق، وهي قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
فالحياة في ظلال القرآن نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها، فأي نعمة أعظم من نعمة قراءة القرآن والعيش معه؟
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ٢]، سماه الله نورًا؛ لأن القلوب لا تضيء ولا تشرق إلا بتلاوة القرآن والعمل به.
قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢].
والقرآن شفاء، وفي القرآن رحمة لمن خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان، فأشرقت وتفتحت بنوره من الهوى والدنس والطمع والحسد ونزغات الشيطان.
وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان ١٨: ١٩].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨].
وقال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾ [البقرة: ٢٦٣].
وقال سبحانه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٤].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢)﴾ [الشعراء١٥١: ١٥٢].
وقال سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩].
هذه الآيات البينات الواضحات -هي وغيرها كثير- نموذجٌ من الأخلاق الكثيرة التي وردت في القرآن الكريم، وهي معين ثر لكل من يريد أن يزكي نفسه ويصلحها.
١٥ - إدامة النظر في السيرة النبوية:
السيرة لغة:
الطريقة والسنة حميدة كانت أو ذميمة، أو: هي الحالة التي يكون عليها الإنسان وغيره.
أما في الاصطلاح:
معرفة جميع أحوال النبي ﷺ على التفصيل منذ ولادته -بل وقبل ذلك
стр. 87
إلى وفاته، وما يتصل بذلك.
فالسيرة النبوية تضع بين يدي قارئها أعظم صورة عرفتها الإنسانية، وأكمل هدي وخلق في حياة البشرية.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
قال ابن حزم ﵀: "من أراد خيرَ الآخرةِ، وحِكمةَ الدنيا، وعَدْل السِّيرةِ، والاحتواءَ على محاسنِ الأخلاق -كلِّها- واستحقاقَ الفضائلِ بأَسْرها؛ فَليَقتَدِ بمُحمدٍ رسول الله ﷺ ، وليَستعمل أخلاقه، وسِيَرَهُ ما أمكَنَهُ، أعاننا الله على الاتِّسَاءِ به، بمَنِّه، آمين" (١).
*ثمرات دراسة السيرة النبوية:
١ - بدراسة السيرة النبوية يتم حسن الاقتداء به ﷺ .
٢ - تحقيق محبة العبد لربه والتي لا تتم إلا باتباع رسول الله ﷺ ، ولا يأتي ذلك إلا بمعرفة شمائله.
٣ - معرفة كثير من الأحكام الشرعية، وتطبيقها العملي.
٤ - معرفة الناسخ من المنسوخ.
٥ - الاستفادة من العظات والعبر والدروس المبثوثة للفرد والمجتمع.
٦ - معرفة فضائل النبي ﷺ ، وخصائصه، ودلائل نبوته ﷺ ، ومعجزاته مما يزيد في الإيمان ويقويه.
٧ - دراسة السيرة النبوية تُفيد وتعين على معرفة كثير من أسرار التشريع
стр. 88
وحِكَمه، وتفيد في معرفة أسباب نزول الآيات، ومناسبات بعض الأحاديث.
٨ - يقف المسلم على شدة عداوة الكفار من المشركين والمنافقين، وأهل الكتاب للإسلام والمسلمين، وطرق مخططاتهم وأهدافهم، كما يقف المسلم على جهاد النبي ﷺ ، وجهاد أصحابه في كسر شوكة الكفار، وإزاحة جميع العقبات التي تحول دون وصول دعوة الإسلام إلى كافة الناس (١).
٩ - معرفة شمائل النبي ﷺ ، فإنها تنبه الإنسان على مكارم الأخلاق، وتذكره بفضلها، وتعينه على اكتسابها، والشمائل جمع شمال، وهي السجايا والأخلاق التي كان عليها النبي ﷺ (٢).
١٦ - النظر في سير الصحابة الكرام وأهل الفضل والحلم:
السلف الصالح أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، وهم الذين ورثوا عن رسول الله ﷺ هديه، وسمته، وخلقه، فالنظر في سيرهم، والاطلاع على أحوالهم- يبعث على التأسي بهم، والاقتداء بهديهم ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ [الأحزاب: ٢٣].
стр. 89
إن الإحاطة بتراجم أعيان الأمة مطلوبة، ولذوي المعارف محبوبةٌ، ففي مدارسة أخبارهم شفاءٌ للعليل، وفي مطالعة أيامهم إرواءٌ للغليل.
"فأي خصلة خير لم يسبقوا إليها؟ وأي خطة رشد لم يستولوا عليها؟ تالله لقد وردوا رأس الماء من عين الحياة عذبًا صافيًا زلالا، وأيدوا قواعد الإسلام، فلم يدعوا لأحد بعدهم مقالا" (١).
"واعلم تحقيقًا أن أعلمَ أهلِ الزَّمانِ وأقربَهم إلى الحقِّ أشبهُهُم بالصحابةِ وأعرفُهم بطريق الصحابةِ، فمنهم أُخِذَ الدِّينُ، ولذلك قال عليٌّ ﵁: خَيرُنا أتبعُنا لهذا الدِّينِ" (٢).
قال الناظم:
فتشبهوا أن لم تكونوا مثلهم ... إنَّ التشبه بالكرامِ فلاحُ
وكذلك قراءة سير التابعين ومن جاء بعدهم في تراجمهم مما يحرك العزيمة على اكتساب المعالي ومكارم الأخلاق, ذلك أن حياة أولئك تتمثل أمام القارئ، وتوحي إليه بالاقتداء بهم، والسير على منوالهم.
وجدير بمن لازم العلماء بالفعل أو العلم أن يتصف بما اتصفوا به، وهكذا من أمعن النظر في سيرتهم أفاد منهم "وهكذا كان شأنُ السلف الصالح، فأوَّلُ ذلك ملازمةُ الصحابة ﵃ لرسول الله ﷺ ، وأخذُهُم بأقواله وأفعاله، واعتمادهم على ما يرد منه، كائنًا ما كان، وعلى أيِّ وجهِ صدَر .. ، وإنما ذلك بكثرة الملازمة، وشدَّة المثابرة .. وصار مثلُ
стр. 90
ذلك أصلًا لمن بعدهم؛ فالتزم التابعون في الصحابة سيرتَهم مع النبي ﷺ ففقهوا، ونالوا ذِروةَ الكمال في العلوم الشرعية" (١)، والأخلاق العلية.
١٧ - مطالعة كتب الآداب الشرعية:
مطالعة كتب الآداب الشرعية فيها تربية على مكارم الأخلاق، وتذكرة بفضلها، وتعين العاقل على اكتسابها، ويزيدها جمالًا فهمها، وقراءتها على أهل العلم.
قال الإمام الشاطبى ﵀: "مطالعةُ كتب المصنِّفين ومدوِّني الدواوين، نافع في بابه؛ بشرطين:
الأول: أن يحصل له من فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب، ومن مشافهة العلماء، أو مما هو راجع إليه" .. والكتب وحدها لا تفيد الطالبَ منها شيئًا، دون فَتح العلماء، وهو مشاهد معتاد.
والشرط الآخر: أن يتحرَّى كتبَ المتقدمين من أهل العلم المراد؛ فإنهم أقعد به من غيرهم من المتأخرين" (٢).
ومن هذه الكتب النافعة:
١ - "الآداب الشرعية" للإمام ابن مفلح المقدسي.
٢ - "أدب الدنيا والدين" للإمام أبي الحسن علي بن محمد الماوردي (٣).
стр. 91
٣ - "الظرف والظرفاء" لأبي الطيب الوشاء.
٤ - "روضة العقلاء" للإمام أبي حاتم البستي.
٥ - "الأخلاق والسير في مداواة النفوس" للإمام ابن حزم.
٦ - "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان" للإمام ابن قيم الجوزية.
٧ - "صيد الخاطر" للإمام ابن الجوزي.
٨ - "الآداب" للإمام البيهقي.
٩ - "عيون الأخبار" لابن قتيبة.
١٠ - "مدارج السالكين" للإمام ابن قيم الجوزية (١).
١١ - "الأدب المفرد" للإمام البخاري.
١٢ - "المجالسة وجواهر العلم" للدينوري.
١٨ - الاعتبار بحوادث التاريخ:
النظر في تقلبات الحياة وما فيها من عبر مَعينٌ ثَرْ لكل عاقل يريد النجاة بنفسه إلى سفينة الأخلاق، والتاريخ وما فيه من تجارب باعث رئيس لمن يحب اكتساب الأخلاق الحسنة.
قال ابن خلدون:
"اعلم أنَّ فنَّ التاريخِ فنٌّ عزيزُ المذهبِ، جمُّ الفوائدِ، شريفُ الغايةِ؛ إذ هوَ يوقِفُنا على أحوالِ الماضينَ من الأممِ في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوكِ في دُوَلهم وسياساتهم؛ حتَّى تَتِمَّ فائدة الاقتداءِ في ذلك
стр. 92
لمن يَرومُهُ في أحوال الدين والدنيا" (١).
وقال ابن الأثير: "لقد رأيتُ جماعة ممن يدعي المعرفة والدراية، ويظن بنفسه التبحر في العلم والرواية، يحتقر التواريخ ويزدريها، ويعرض عنها ويلغيها، ظنًّا منه أن غاية فائدتها إنما هو القصصُ والأخبار، ونهايةَ معرفتها الأحاديث والأسمار، وهذه حالُ من اقتصرَ على القشر دون اللبّ نظرُه، ومن رزقه الله طبعًا سليمًا، وهداه صراطًا مستقيمًا، علم أنّ فوائدها كثيرة، ومنافعها الدنيوية والأخروية جمة غزيرة، وها نحن نذكر شيئًا مما ظهر لنا فيها.
منها: ما يحصلُ للإنسان من التجارب والمعرفة بالحوادث وما تصير إليه عواقبها، فإنه لا يحدث أمر إلاَّ قد تقدم هو أو نظيره، فيزدادُ بذلك عقلاً، وُيصبح لأن يُقتدى به أهلًا.
ولقد أحسن القائل حيث يقول شعرًا:
رأيتُ العقلَ عقلين ... فمطبوعٌ ومسموع
فلا ينفعُ مسموع ... إذا لم يَكُ مَطبُوعُ
كما لا تَنفَعُ الشمسُ ... وضوءُ العينِ مَمنُوعُ (٢)
يعني بالمطبوع العقل الغريزي الذي خلقه الله تعالى للإنسان، وبالمسموع ما يزداد به العقل الغريزي من التجربة، وجعله عقلًا ثانيًا توسّعًا وتعظيمًا له، وإلاَّ فهو زيادة في عقله الأول.
стр. 93
ومنها: أنَّ العاقل اللبيب إذا تفكر فيها، ورأى تقلب الدنيا بأهلها، وتَتَابُعَ نكباتها إلى أعيان قاطنيها، وأنها سلبت نفوسهم وذخائرهم، وأعدمت أصاغرهم وأكابرهم، فلم تُبقِ على جليل ولا حقير، ولم يسلم من نكدها غني ولا فقير، زهد فيها وأعرض عنها، وأقبل على التزود للآخرة منها، ورغب في دار تنزهت عن هذه الخصائص، وسلم أهلُها من هذه النقائص.
ومنها: التخلّق بالصبر والتأسّي، وهما من محاسن الأخلاق، فإنَّ العاقل إذا رأى أن مصاب الدنيا لم يسلم منه نبي مكرَّم، ولا ملك معظم، بل ولا واحدٌ من البشر، علم أنه يصيبه ما أصابهم، وينوبه ما نابهم.
وهل أنا إلا من غَزِية إن غوت ... غويتُ وإن تَرشُد غزيةُ أرشدِ
ولهذه الحكمة وردت القصص في القرآن المجيد ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق: ٣٧] فإن ظن هذا القائل أن الله سبحانه أراد بذكرها الحكايات والأسمار، فقد تمسك من أقوال الزيغ بمحكم سببها، حيث قالوا: "هذه أساطير الأولين اكتتبها" اهـ (١).
قلت: وَوَراء هذهِ الوسائل من تصحيح الأخلاق: وسائل أخرى ولكن فيما تقدم ما يكفي ويهدي، والله الهادي للصواب.
...
стр. 94
كيف نتخلص من الأخلاق السيئة ؟
* تمهيد:
الناس تكتسب كثيرًا من الأخلاق السيئة ووسائل اكتسابها كثيرة، فمنذ الصغر ونحن نتعلم من أقراننا في المدرسة، أو من الطريق، أو من السوق، وذلك من خلال الاحتكاك بالناس، وقد يكون الآباء والأمهات عندهم بعض الأخلاق السيئة، فيكتسبها الأبناء أحيانا من الآباء الذين لا يحسنون التربية، فمنهم من يربى أولاده على العنف، أو الميوعة، أو البذاءة، فيكذب أو يلعن، أو يشرب الخمر والدخان، فنحن نعيش في مجتمع تنتشر فيه الأخلاق حَسَنُها وردِيئُها، والإنسان يكتسب ذلك من البيئة التي يعيش فيها؛ ولذلك يقول النبي ﷺ : "الرجُلُ عَلَى دين خَليلِهِ، فَليَنْظُر أَحَدُكُم مَن يُخَالِلُ" (١).
فالمرء يتشرب من صديقه أخلاقه؛ لأنه يعيش معه، وكذلك من أبيه ومن أمه؛ قال رسول الله ﷺ : "كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفِطرَةِ؛ حتى يُعْرِبَ عنه لسانُهُ، فأبواِه يهوِّدانه، أو يُنَصِّرانِه، أو يمَجِّسَانه" (٢).
وتأملوا هذا الحدث: فتاة برفقة أمها وطئت على قدم امرأة وأكملت
стр. 95
سيرها، عندما سألتها أن تعتذر، غضبت أمّها وقالت: لا أريدك أن تعطي ابنتي درسًا في الأخلاق، فأنا أعرفها جيدًا، وأعرف كيف ربيتها!!
أرأيتم هذه الأم المغرورة الجاهلة كيف تغرس في ابنتها سوء الخلق والكبر.
أحسن الناظم عندما قال:
مشى الطاووسُ يوماً باعوجاجِ ... فقلدَ شكل مشيته بنوهُ
فقالَ علامَ تختالونَ؟ قالوا: ... بدأت به ونحن مقلدوهُ
فخالف سيركَ المعوجَّ واعدل ... فإنا إن عدلت معدلوه
أما تدري أبانا كلُّ فرعٍ ... يجاري بالخطئ من أدبوه
وينشأ ناشئ الفتيان منا ... على ما كان عوَّده أبوه
وهناك قصة -كما في حديث رواه مسلم- عن الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم عرضت له التوبة، فسأل عن أعلم أهل الأرض (١) .. يُتخذ شاهد لهذا الفصل.
والشاهد أننا نعيش في بيئة تؤثر فينا، وتحوطنا العادات فنتشرب منها، ونحن عندما يدركنا الله ﵎ برحمته، ونفهم الإسلام الفهم الصحيح، ونبدأ بعملية التزكية والتطهير، فالطريق الأول للتخلص من الأخلاق السيئة التي ورثناها، يكون باتباع الخطوات التالية:
أولًا: الأقلاع عن الأخلاق السيئة .
أحد شروط التوبة، ويحتاج إلى ما يسمى في الأخلاق بالإرادة، والإرادة
стр. 96
هي القوة الخفية لدى الإنسان، وتعني اشتياق النفس وميلها الشديد إلى فعل شيء ما، أو تركه، وتجد أنها راغبة فيه ومدفوعة إليه، والإرادة قوة مركبة من رغبة بالإضافة إلى حاجة إلى أمل، فلا بد لكل إنسان يريد أن يتطهر من أخلاقه السيئة أن يمتلك الإرادة، وهي تبدأ كرغبة، ثم تتحول إلى عزم في القلب.
والعزم لغةً: الجد كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١]، وعزم عليه: صمم على فعله، وقطع عليه.
أما في الاصطلاح: هو استجماع قِوَى الإرادة على الفِعل (١).
فإذا عزم التحلي بلباس التقوى ينبغي أن ينفذ الإقلاع عن الخلق السيئ، فالإنسان الذي تعلم الكذب من أمه وأبيه -كان أبوه يكذب عليه وأمه تكذب عليه- تشرب بالكذب، وأصبحت خصلة ذميمة لديه ورثها وأمست عادة؛ لأنه تَعَلم الخلق بالاستمرار، فالصدق لا يكون عند الإنسان خلقًا إلا إذا استمر عليه، وأصبح سجية وعادة له يقول الصدق دائمًا، ويمارس ذلك باستمرار، ولا يسمى من يكذب مرة أو مرتين بحياته أنه تخلق بالكذب، ويقال عنه الكذاب، وإنَّما الكذاب هو الذي يُمَارس الكذب، ويصبح الكذب عنده صفة لازمة، فهذا مثال لخلق من الأخلاق، فأولُ شيءٍ أن يملك المرء الإرادة التي تجعله يتحول عن الخلق السيئ، وهذه المرحلة يمكن أن نسميها أيضاً مرحلة (التخلي)، وهي ترك وخلع الأخلاق السيئة، كالغرور، والتعالي، والحسد، والكذب، والغيبة، والسرقة، والتطلع إلي
стр. 97
عورات الناس، وغير ذلك.
ثانيًا: لا بد من البديل الحسن .
إذا تعود الإنسان مثلًا أن يسمع المعازف والأغاني، ويتلذَّذ بها، أصبحت جزأً من كيانه، فإذا أراد أن يترك هذه الأخلاق السيئة، ويخلع هذه العادات القبيحة، فلا بد أن يسد الفراغ الناتج عن تركه هذا السماع، فسماع القرآن الكريم هو البديل الحسن، فإذا تلذذ الإنسان بسماع كتاب الله تعالى وبقراءته والتغني به، وتدرج في شرب الدواء، فقد أوجد البديل للمعازف، والشاهد أنه لا بد من البديل الحسن ليحل مكان البديل السيئ فيسد الفراغ كي لا يعود إلى ما كان عليه.
قال ابن قيم الجوزية: "دواء صاحب مثل هذا الحال: أن ينقل بالتدريج إلى سماع القرآن بالأصوات الطيبة مع الإمعان في تفهم معانيه، وتدبر خطابه قليلًا قليلًا إلى أن ينخلع من قلبه سماع الأبيات، ويلبس محبة سماع الآيات، ويصير ذوقه وشربه وحاله ووجده فيه، فحينئذ يعلم هو من نفسه أنه لم يكن على شيء، ويتمثل حينئذ بقول القائل:
وكنت أرى أن قد تناهى بى الهوى ... إلى غاية ما فوقها لى مَطلبُ
فلما تلاقينا وعاينتُ حُسنها ... تيقنت أني إنما كنتُ أَلعبُ" (١)
ومن كان مشغولًا بأصدقاء الباطل، وأراد التخلص من هذه الصحبة السيئة التي تعوَّد عليها وتشرب منها أشياء كثيرة، فلا بد من صحبة أرباب الأخلاق العالية، فإذا لم يجد صُحبَةً حسنة لا يمكن أن يقعد في البيت
стр. 98
ويعتزل، فلا بد من قرين طيب يملأ الفراغ الذي أحدثه هجر قُرَنَاء السوء، فالبديل ضروري، وهكذا نجد عندنا بدائل حسنة لكل خلق سيئ.
ولكن قد يقول قائل: بأن هذا يمكن أن يصدق في العادات والممارسات، ولكن ما بدائل الغضب، والكذب، والغش وغيرها؟، نقول: بدائلها الحلم والصدق والتحلي بالأخلاق الحسنة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "النفوس لا تترك شيئًا إلا بشيء، ولا ينبغي لأحد أن يترك خيرًا إلا إلى مثله، أو إلى خير منه" (١).
وأذكر يوما اتصلت بي إحدى الأمهات تشكو من كثرة مطالعة ابنها التلفاز ليل نهار، وأنه يصعب التخلص منه، ويومها قلت لها: لا بد من بديل، فقالت: كيف؟ قلت: أن تشغليه بشيءِ نافع زراعة أو طلاء غرفة أو حرفة، أو تعليمه الحاسب الآلي، أو قراءة كتاب نافع، وبعدها لا أدري ماذا صنعت، وبعد ستة شهور تقريبًا اتصلت بي ثانية تشكر نصيحتي، فقد ابتعد الولد تماماً عن التلفاز بسبب اشتغاله بالزراعة المنزلية وترتيب الورود وري الزروع، فقلت: الحمد لله.
قال الماوردي في بيان الأحوال التي تقهر الشهوة: "ترغيبها في الحلال عوضًا، وإقناعُها بالمباح بدلًا، فإن الله تعالى ما حرم شيئًا إلا وأغنى عنه بمباح من جنسه؛ لما علمه من نوازع الشهوة، وتركيب الفطرة؛ ليكون ذلك عونًا على طاعته، وحاجزًا عن مخالفته" (٢).
стр. 99
وهكذا نجد عندنا بدائل حسنة لكل خلق سيئ وبهذا نكون قد سرنا خطوتين:
الأولى: العزم على ترك العادة السيئة وتنفيذ ذلك، الثانية: إيجاد البديل الحسن.
ويمكن أن نُسَمِّي هذه المرحلة أيضاً بمرحلة (التحلي)، وهي التحلي بالأخلاق الكريمة بالبديل المشروع؛ لأن البديل غير المشروع مضر بصاحبه، وإليك قصة من استبدل البديل غير المشروع بالمشروع، ولد طائش عنيف في وعظ إخوانه، فكر أحدهم بفكرة تغير أخلاقه بالإغراء المحرم، فانحرف، ثم عادت عليهم الجريمة.
وفي أمثالهم يقول الشاعر:
نحن الذين غرسنا في أظالعنا ... سيوفنا وعبثنا فى روابينا
رماحُنَا لم تنل إلا أحبتنا ... ونارنا لم تنل إلا أهالينا
ثالثًا: لوم النَّفس ومحاسبتها على الدوام .
قال ابن قيم الجوزية:
"المراد بالمحاسبة الاستمرار على حفظ التوبة، حتى لا يخرج عنها، وكأنه وفاء بعقد التوبة" (١).
فالخطوة الثالثة: الاستمرار بالمحاسبة والمتابعة ولوم النفس بالتقصير، حتى لا تشمخ وتأمن.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ
стр. 100
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحشر: ١٨].
قال ابن قيم الجوزية: "أمر الله سبحانه العبد أن ينظر ما قدم لغدٍ، وذلك يتضمن محاسبة نفسه على ذلك، والنظر: هل يصلح ما قدمه أن يلقى الله به أو لا يصلح؟
والمقصود من هذا النظر: ما يوجبه ويقتضيه من كمال الاستعداد ليوم المعاد، وتقديم ما ينجيه من عذاب الله، ويبيض وجهه عند الله" (١).
وقال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ [القيامة ١ - ٢].
النفس اللوامة: هي التي تلوم صاحبها على الخير والشر وتندم على ما فات (٢).
* من آثار السلف في لوم النفس:
وعن ابن مسعود ﵁ أنه ارتقى الصفا، فأخذ بلسانه فقال: يا لسان قل خيرًا تغنم، واسكت عن شرِ تسلم، من قبل أن تندم. ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أكَثَرُ خَطَايَا ابنِ آدمَ فِي لِسَانِهِ" (٣).
وقال مالك بن دينار ﵀: "رحم الله عبدًا قال لنفسه النفيسة: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله،
стр. 101
فكان لها قائدًا" (١).
وقال الحسن البصري ﵀: "لا تلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه: ماذا أردت بكلمتي؟ ماذا أردت بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ والعاجز يمضي قدمًا لا يعاتب نفسه" (٢).
فلوم النفس وتأنيبها هذه هي حكمة القلب، وما يسمى بتأنيب الضمير، وهذا ينبغي إحياؤه، فعلى الإنسان إذا وقع بعمل سوء أن يشعر بإحساس داخلي أنه قد أساء، وأنه قد أخطأ ويلوم نفسه هذا اللوم القلبي يدفعه إلى كراهيه هذا الخلق السيء، فهو دائم المحاسبة قبل العمل وبعده فهو بين محاسبتين.
قال عمر بن الخطاب ﵁: "حَاسِبُوا أَنفُسَكُم قَبلَ أَن تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنفُسَكُم قَبلَ أَن تُوزَنُوا" (٣).
وقال ابن أبي مُلَيكَةَ: "أدركتُ ثَلاثِينَ مِن أصحابِ النبي ﷺ كلُّهم يخافُ النِّفاقَ على نَفسِهِ" (٤).
فمحاسبة النفس أمر ضروري، وهذا اللوم والندم جزء من التوبة، بل
стр. 102
توبة كما جاء في الحديث: "النَّدمُ تَوبةٌ" (١).
وهذا اللوم هو الندم، وهو أحد شرائط التوبة، ومحركات القلوب، فهو من الإيمان.
وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا سَرَّتَكَ حَسَنَتُكَ وَساءَتكَ سَيئَتُكَ، فَأنتَ مُؤمِن" (٢).
قال الناظم:
عجبت لمن يبكي على موت غيره ... دموعًا ولا يبكي على موته دما
وأعجبُ من ذا أن يرى عيب غيره ... عظيمًا وفي عينيه عن عيبه عمى
رابعًا: الطمع في الثواب والخوف من العقاب .
كل الناس يحرص على المنفعة، وجلب المنافع ودفع المضار من جهة مختلفة عن الأخرى، أما المؤمن فهمته متعلقة بالله تعالى، والمرء يقوم بكل عمل يرجو من الله إذا قام بالعمل، ويخاف منه إذا لم يقم به، فهو دائر بين الخوف والرجاء.
فالشاهد أن هذين الأمرين -الثواب والعقاب- يقوم عليهما إصلاح الفرد، ولا يمكن الإصلاح إلا بهما، فلا يمكن أن يصلح بشر على الأرض إلا بالثواب والعقاب، فمثلًا إذا لم تعامل الزوجة والأبناء على أساس الثواب والعقاب فما فائدة الزوجة المخلصة المحسنة المتفانية في خدمة زوجها، إذا
стр. 103
لم تجد الكلمة الطيبة، وكذلك الزوجة السيئة التي لا تقيم أمر الله ﵎، ولا تُرضي زوجها إذا لم تجد عقوبة لا يمكن أن ترتدع، هذه طبيعة النفوس، فلا بد من ثواب وعقاب، والرسل الذين جاءوا بإصلاح النفوس ما جاءوا إلا بالثواب والعقاب، وهما البشارة والإنذار.
خامساً: تذكر الموت وأهوال القيامة .
يعد تذكر الموت وأهوال القيامة من أفضل الأسباب لترك العادات السيئة والأخلاق الرذيلة، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥].
وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أتاني جبريلُ فقال: يا محمدُ عش ما شئتَ فإِنَّكَ ميتْ، وأحبب من شئت فإِنَّك مُفارِقُهُ، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌّ به، واعلم أنَّ شرفَ المؤمنِ قيامُهُ بالليلِ، وعِزَّهُ استغناؤُهُ عن الناسِ" (١).
قال الناظم:
جزى الله عنا الموت خيراً فإنه ... أبرُّ بنا من كل بَرٍّ وألطفُ
يعجل تخليص النفوس من الأذى ... وُيدني إلى الدار التي هى أشرفُ
فتذكر الموت باعث من البواعث الرئيسة للعمل الصالح والخلق الحسن، بل تذكر الموت، وأهوال القيامة، والبعث والحساب آثار حسنة في تغيير الأخلاق.
стр. 104
* آثار تذكر الموت وأهوال القيامة:
١ - التحرر من أسر الدنيا والشغف بها.
٢ - التحرر من مخاوف الدنيا؛ قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨].
٣ - التزام التقوى والمسارعة إلى العمل الصالح.
٤ - أخذ الدروس والعبر، والموعظة:
جاء في "تهذيب الكمال" للإمام المزي عن سُفيان بن عُيينة: كان يُقال: إن العاقل إذا لم ينتفع بقليل المَوعظة، لم يَزدَد على الكثير منها إلا شراً.
***
стр. 105
من الأساليب العملية لتزكية النفس
أولاً: العلمُ النافع:
العلم النافع الذي يحقق التزكية: هو كل علم يقرِّب من الله سبحانه، ويزيد الخشية منه، ويدفع إلى العمل الصالح.
ويدخل في هذا العلم الشرعي أولاً: وهو علم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، ثم تأتي بعض العلوم الأخرى كالطب والفلك وغيرها مما يدفع العاقل إلى القول بضرورتها ونفعها، والعلم عبادة عظيمة، وهو مقدمة للعمل.
قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩].
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩].
وقال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].
وقال رسول الله ﷺ : "مَن يُرِدِ الله به خَيراً يُفَقههُ في الدِّين" (١).
وحتى يؤدي العلم مهمته في تزكية النفس لا بد من أن يتحقق فيه شرطان:
الأول: العمل الصالح مع الإخلاص لله تعالى .
فالعلم النافع هو العلم الذي يتبعه العمل الصالح، ويحمل صاحبه على الأدب.
عن زيد بن أرقم ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: "اللهم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ
стр. 106
عِلمٍ لَا يَنفَعُ، وَمِن قَلبٍ لَا يَخشَعُ، وَمِن نَفسٍ لَا تَشبَعُ، وَمِن دَعوَةٍ لَا يُستَجَابُ لَهَا" (١).
الثاني: أن يتجنب المسلم المراء والخصام في مسائل العلم .
وهذا الشرط يجنب العاقل قسوة القلب، ويجعله يسير على نور من أمره، فالجدل والمراء مذمة؛ ولهذا حذر السلف منه.
قال ابن حزم:
"منفعةُ العلم في استعمال الفضائل عظيمة، وهو أنه يُعَلِّمُ حُسنَ الفضائل، فيأتيها -ولو في النُّدرة، ويُعَلمُ قُبحَ الرذائل، فيجتنبها- ولو في الندرة-، وَيسمعُ الثَّنَاءَ الحسنَ فيرغب في مِثله، والثناءَ الرَّديِّ، فينفر منه، فعلى هذه المقدمات يجبُ أن يكون للعلم حِصَّة في كل فضيلةِ، وللجهل حِصة من كل رذيلةِ، ولا يأتي الفضائلَ مَن لم يتعلَّم العلمَ؛ إلا صافي الطبع جداً، فاضل التَّركيب، وهذه منزلة خُصَّ بها النبِيون ﵈؛ لأن الله تعالى علَّمهم الخير كلَّه دون أن يتعلمُوهُ من الناسِ" (٢).
قال الشاعر:
العلم زينٌ فكن للعلمِ مكتسبا ... وكن له طالبًا ما عشت مقتبسا
اركن إليه وثق بالله واغن به ... وكن حليمًا رزينَ العقلِ محترسا
وكن فتًى سالكًا محضَ التقى ورعًا ... للدينِ مُغتنمًا في العلم منغمسا
فمن تخلقَ بالاَداب ظلَّ بها ... رئيس قومٍ إذا ما فارق الرؤسا
стр. 107
ثانيًا: العَمل الصالح:
العمل لغة: المهنة والفعل.
أما في الاصطلاح: هو العمل المراعى من الخلل (١).
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦].
دائرة العمل الصالح واسعة جداً، وجولة فقط في بعض أركان الإسلام تُرِي العاقل الآثار العظيمة في تزكية النفس، فبقدر عقل الإنسان تكون عبادته، وتأمل قول الفجار كما في القرآن الكريم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك: ١٠].
فالصلاة مثلًا تحمل العاقل على البعد عن الفحشاء والمنكر، وتزيد المرء خشوعًا، وتربطه بالخالق، وتحمله على أداء حقوق الغير.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ : يا رسول الله، إن فلانة تقوم الليل وتصوم النهار، وتفعل وتصدق، وتؤذي جيرانها بلسانها؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا خير فيها هي من أهل النار".
قالوا: وفلانة تصلي المكتوبة وتصدق بأثوار (قطع من الأقط، وهو لبن جامد) ولا تؤذي أحدًا. فقال رسول الله ﷺ : "هِيَ مِن أَهلِ الجَنَّة" (٢).
стр. 108
وليس هذا فحسب، حتى القادم لها أن يتخلق بالسكينة وهي التأني في الحركة وعدم العجلة، والوقار في الهيئة بخفض الصوت وغض البصر ونحوهما.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول ﷺ : "إذا أُقِيَمتِ الصلاة، فلا تَأتوهَا تَسعَونَ، وأتُوها وأنتم تمشُونَ، وعليكُمُ السَّكينةُ، فما أدركتُم فصلُّوا، وما فاتَكُم فَأتِموا" (١).
والزكاة أُخِذَ اسمها من الزكاء، وهو النماء والطهارة والبركة، والقيام بها تحمل صاحبها على تطهير النفس من الشح والبخل، وتدفع به إلى أبواب الرحمة ومعونة المحتاجين، وتزرع في القلب الصفاء، وترفع منه التعالي على الناس.
قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٦٤].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
والصيام هو أحد أركان الإسلام، والحكمة من مشروعيته الوصول إلى
стр. 109
حقيقة التقوى ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].
والصوم الحقيقي يمنع صاحبه من الوقوع في المعاصي، ويحجز العاقل عن تسلط الهوى.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعملَ بهِ، فليسَ للهِ حاجة في أن يَدَع طعامَهُ وشَرابه" (١).
وعنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : "الصِّيامُ جُنَّة، فلا يَرفُث ولا يَجهَل. وإِنِ امرُؤ قاتَلَهُ أو شاتَمَهُ، فليَقُل: إِني صائم -مرَّتين- والذي نفسي بيدِهِ، لَخُلُوفُ فمِ الصائمِ أطيبُ عندَ اللهِ مِن رِيحِ المسك، يَترُكُ طَعامَهُ وشَرابَهُ وشَهوتَهُ مِن أجلي، الصِّيامُ لي وأنا أجزي به، والحسَنةُ بعَشْرِ أمثالِها" (٢).
وقال رسول الله ﷺ : "من استطاعَ الباءةَ فليتزوَّج، فإنَّهُ أغضٌّ للبصر، وأحصنُ للفرج، ومن لم يستطع فعليهِ بالصَّوم؛ فإنهُ لهُ وجاء" (٣).
والصوم يحمل صاحبه على الكرم؛ عن ابن عباس ﵁ قال: "كان النبيُّ ﷺ أجودَ الناسِ بالخير، وكان أجوَدَ ما يكون في رمضانَ حِينَ يلقاهُ جبريلُ" (٤).
والحج شُرع لمنافع كثيرة، وتحقيق مصالح الدين والدنيا، وبه يزكي
стр. 110
العاقل نفسه من الرياء، والسمعة ويجتنب الرفث والفسوق والجدال، وهو تدريب عملي على الصبر وكظم الغيظ والتعاون والإيثار والحب والتواضع.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام١٦٢: ١٦٣].
وقال سبحانه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلًا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حجَّ هذا البيتَ، فلم يَرفُث ولم يَفسُق، رجَعَ كما ولَدَتهُ أمُّه" (١).
وقال ﷺ موجهًا الناس عند الإفاضة من عرفاتِ إلى مزدلفة: "السَّكينةُ عبادَ اللهِ السَّكينةُ" (٢).
وفي العشرة الزوجية:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [النساء: ١٩].
وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ