Полный текст (2 006 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
وأعْلَمُنا وابنُ أعْلَمِنا، [وأخْيَرُنا وابنُ أخْيَرِنا، وأفضَلُنا وابنُ أفْضَلِنا]. قالَ: "أَفرَأَيْتُم إنْ أسْلَمَ؟ ". قالوا: حاشى للهِ؛ ما كانَ لِيُسْلِمَ. قالَ: "أفَرَأَيْتُم إنْ أسْلَم؟ ". قالوا: حاشى للهِ؛ ما كانَ لِيُسْلِمَ. قالَ: "أفَرَأَيْتُم إنْ أسْلَمَ؟ ". قالوا: حاشى للهِ؛ ما كانَ لِيُسْلِمَ (وفي روايةٍ: أعاذهُ اللهُ مِن ذلك. في الموضعينِ). قالَ:
"يا ابنَ سَلَامٍ! اخْرُجْ عليهِم"، فخَرَجَ [عبدُ اللهِ إليهِم، فقالَ: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهَدُ أنَّ محمداً رسولُ اللهِ. فقالوا: شَرُّنا وابنُ شرِّنا، ووَقَعُوا فيهِ!]، فقالَ: يا معشرَ اليهودِ! اتَقُوا اللهَ، فواللهِ الذي لا إلهَ إلا هو؛ إنَّكُم لَتَعْلَمونَ أنَّهُ رسولُ اللهِ، وأنَّه جاءَ بحَقٍّ. فقالوا لهُ: كَذَبْتَ (وفي الروايةِ الأُخرى: قالوا: شَرُّنا وابنُ شرِّنا، وانْتَقَصُوهُ. قالَ: فهذا الذي كنتُ أخافُ يا رسولَ اللهِ!)، فأخْرَجَهُم رسولُ اللهِ ﷺ .
١٦٦٣ - عنِ ابنِ عُمرَ عن عمرَ بنِ الخطَابِ ﵁ قالَ:
كَانَ فَرَضَ لِلْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ فِى أَرْبَعَةٍ، وَفَرَضَ لاِبْنِ عُمَرَ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَخَمْسَمِائَةٍ فَقِيلَ لَهُ: هُوَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَلِمَ نَقَصْتَهُ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ؟ قَالَ: إِنَّمَا هَاجَرَ بِهِ أَبَوَاهُ. يَقُولُ لَيْسَ هُوَ كَمَنْ هَاجَرَ بِنَفْسِهِ.
١٦٦٤ و ١٦٦٥ - عن أبي بُردةَ بنِ أبي موسى الأشعريِّ قال: قالَ لي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: هَلْ تَدْرِى مَا قَالَ أَبِى لأَبِيكَ؟ قَالَ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَإِنَّ أَبِى قَالَ لأَبِيكَ: يَا أَبَا مُوسَى، هَلْ يَسُرُّكَ إِسْلَامُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهِجْرَتُنَا مَعَهُ، وَجِهَادُنَا مَعَهُ، وَعَمَلُنَا كُلُّهُ مَعَهُ، بَرَدَ لَنَا (٨١) ، وَأَنَّ كُلَّ عَمَلٍ عَمِلْنَاهُ بَعْدَهُ نَجَوْنَا مِنْهُ كَفَافًا؛ رَأْسًا الحواشي
(٨١) أي: ثبت لنا سالمًا.стр. 1157
بِرَأْسٍ؟ فَقَالَ أَبِي: لَا وَاللَّهِ؛ قَدْ جَاهَدْنَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَصَلَّيْنَا، وَصُمْنَا، وَعَمِلْنَا خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَسْلَمَ عَلَى أَيْدِينَا بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَإِنَّا لَنَرْجُو ذَلِكَ. فَقَالَ أَبِي: لَكِنِّى أَنَا -وَالَّذِى نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ- لَوَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ بَرَدَ لَنَا، وَأَنَّ كُلَّ شَىْءٍ عَمِلْنَاهُ بَعْدُ نَجَوْنَا مِنْهُ كَفَافًا؛ رَأْسًا بِرَأْسٍ.
فَقُلْتُ: إِنَّ أَبَاكَ -وَاللَّهِ- خَيْرٌ مِنْ أَبِي.
١٦٦٦ - عن أبي عثمانَ النَّهْدْىِّ قالَ: سمِعْتُ ابنَ عمرَ ﵄ إِذَا قِيلَ لَهُ: هَاجَرَ قَبْلَ أَبِيهِ؛ يَغْضَبُ (٨٢) .
قَالَ: وَقَدِمْتُ أَنَا وَعُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَوَجَدْنَاهُ قَائِلاً، فَرَجَعْنَا إِلَى الْمَنْزِلِ، فَأَرْسَلَنِى عُمَرُ، وَقَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ هَلِ اسْتَيْقَظَ؟ فَأَتَيْتُهُ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَبَايَعْتُهُ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى عُمَرَ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّهُ قَدِ اسْتَيْقَظَ، فَانْطَلَقْنَا إِلَيْهِ نُهَرْوِلُ هَرْوَلَةً، حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ فَبَايَعَهُ ثُمَّ بَايَعْتُهُ.
١٦٦٧ - عَنْ أَنَسٍ خَادِمِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَيْسَ فِى أَصْحَابِهِ أَشْمَطُ (٨٣) غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ (٥٧٢ - وفى روايةٍ معلقةٍ: فكان أسنَّ أصحابة أبو بكرٍ)، فَغَلَّفَهَا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ. [حتى قَنَأ لَوْنُها].
١٦٦٨ - عن عائشةَ أنَّ أبا بكرٍ رضىِ اللهُ عنه تزوَّجَ امرأةً مِن كَلْبٍ يُقالُ لها: الحواشي
(٨٢) يعني؛ أنه لم يهاجر إلا صحبة أبيه كما تقدم.(٨٣) هو من خالط شعره الأسود بياض. وقوله: "فغلفها" بتشديد اللام وتخفيفها، والمعنى: فلطخ لحيته وسترها بالحناء والكتم؛ كما في (الشارح). وقوله: "قنأ":أي: اشتدت حمرتها.
٥٧٢ - هذه الرواية وصلها الإسماعيلي.
قلت: وإسناده صحيح، وقد ساقه في "التغليق" (٤/ ٩٧).стр. 1158
أُمُّ بَكْرٍ، فَلَمَّا هَاجَرَ أَبُو بَكْرٍ طَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا ابْنُ عَمِّهَا هَذَا الشَّاعِرُ الَّذِى قَالَ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ، رَثَى كُفَّارَ قُرَيْشٍ:
وماذا بالقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ ... مِنَ الشِّيْزَى (٨٤) تُزَيَّنُ بالسَّنامِ
وماذا بالقَليبِ قَليبِ بَدْرٍ ... مِن القَيْناتِ (٨٥) والشَّرْبِ الكِرامِ
تُحيِّى بالسَّلامَةِ أُمُّ بَكْرٍ ... وهَلْ لي بَعْدَ قَوْمي مِن سَلامِ
يُحَدِّثُنا الرسَّولُ بأنْ سَنَحْيا ... وكَيْفَ حياةُ أصْداءٍ وهَامِ
٤٦ - بابُ مَقْدَمِ النبيِّ ﷺ وأصْحابِهِ المدينةَ
١٦٦٩ - عن البراءِ بنِ عازبٍ ﵁ قالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ (٨٦) عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وكانا يُقْرِئانِ الناسَ، فقَدِمَ بلالٌ، وسعدٌ، وعمِّارُ ابنُ ياسر، ثُمَّ قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِى عِشْرِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ قَدِمَ النَّبِىُّ ﷺ ، فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَىْءٍ فَرَحَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى جَعَلَ الإِمَاءُ يَقُلْنَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَمَا قَدِمَ حَتَّى قَرَأْتُ (وفى روايةٍ: تعلَّمْتُ ٦/ ١٠١) ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ فِى سُوَرٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ.
٤٧ - بابُ إقَامَةِ المهاجِرِ بمكَّةَ بعدَ قضاءِ نُسُكِهِ الحواشي
(٨٤) أي: من أصحاب الجفان والقصاع للطعام المعمولة من شجر يسمى شيزى، (المزينة) -تلك الجفان-: بلحوم السنام. و (القليب): البئر التي لم تطو.(٨٥) وقوله: "من القينات"؛ أي: من أصحاب المغنيات. و"الشرب الكرام"؛ أي: الندامى الذين يجتمعون للشرب. و"الصدى": الذي هو واحد الأصداء، طير تنقب إليه روح الِإنسان عند موته على زعمهم في الجاهلية، وكذا الهامة.(٨٦) زاد الحاكم (٢/ ٦٢٦): "المدينة من المهاجرين".стр. 1159
١٦٧٠ - عن الزُهْرِيِّ قالَ: سمِعْتُ عُمرَ بنَ عبدِ العزيزِ يَسْأَلُ السَّائِبَ بْنَ أُخْتِ النَّمِرِ: مَا سَمِعْتَ فِى سُكْنَى مَكَّةَ؟ قَالَ سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِىِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«ثَلَاثٌ (٨٧) لِلْمُهَاجِرِ بَعْدَ الصَّدَرِ».
٤٨ - بابٌ مِن أَيْنَ أرَّخُوا إلى التَّاريْخَ ؟
١٦٧١ - عن سهْلِ بنِ سعدٍ قالَ: ما عَدُّوا مِن مَبْعَثِ النبىِّ ﷺ ولا مِن وفاتِهِ، ما عَدُّوا إِلا مِن مَقْدَمِهِ المدينَةَ.
٤٩ - بابُ قولِ النبىِّ ﷺ : "اللهُم! أمْضِ لأصْحابي هِجْرَتَهُم"، ومَرْثيَتِهِ لمَن ماتَ بمَكَّةَ
(قلت: أسند فيه حديث سعد بن أبي وقاص المتقدم "ج ١/ ٢٣ - الجنائز/ ٣٦ - باب/ رقم الحديث ٦٢٥).
٥٠ - بابٌ كيفَ آخى النبيُّ ﷺ بينَ أصْحابِهِ ؟
٥٧٣ - وقالَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ: آخى النبيُّ ﷺ بيني وبينَ سعد بنِ الرَّبيعِ لمَّا قدِمْنا المدينَةَ.
٥٧٤ - وقالَ أبو جُحَيْفَةَ: آخى النبيُّ ﷺ بينَ سلمانَ وأَبي الدَّرداءِ.
٥٢ - بابُ لإتيانِ اليهودِ النبيَّ ﷺ حينَ قَدِمَ المدينةَ الحواشي
(٨٧) أي: ثلاث ليال بعد طواف الصدر.
٥٧٣ - هو طرف من حديث تقدم موصولاً في أوائل "البيوع"(١٢٤١) .
٥٧٤ - هو طرف من حديث تقدم أيضاً برقم(١٢٠٠) .стр. 1160
﴿هادُوا﴾: صارُوا يَهودَ، وأما قولُهُ: ﴿هُدْنا﴾: تُبْنا، (هائِدٌ): تائبٌ.
١٦٧٢ - عن أبي هُريرةَ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ:
"لو آمَنَ بي عَشَرَةٌ مِن اليهودِ؛ لآمَنَ بي اليهودُ".
٥٣ - بابُ إسلامِ سلمانَ الفارسىِّ ﵁
١٦٧٣ - عن سلمانَ الفارسيِّ أَنَّه تداوَلَهُ بِضْعَةَ عَشَرَ مِن ربٍّ إلى ربٍّ (٨٨) .
١٦٧٤ - عن سلمانَ ﵁ يقولُ: أنا مِنْ (رامَ هُرْمُزَ) (٨٩) .
١٦٧٥ - عن سلمانَ قالَ: فَتْرَةٌ بَيْنَ عيسى ومحمدٍ صلى اللهُ عليهما وَسلَّمَ ستُّمِائةِ سنةٍ.
انتهى المجلد الثاني بفضل الله تعالى وحسن توفيقه من "مختصر صحيح البخاري".
ويليه إن شاء الله تعالى المجلد الثالث، وأوله: "٦٤ - كتاب المغازي". الحواشي
(٨٨) أي: تداولته الأيدي من مالك إلى مالك، وكان حرًّا، فظلموه، وباعوه، وذلك لمَّا هرب من أبيه لطلب الحق، والقصة معروفة.(٨٩) مدينة معروفة بأرض فارس، بقرب عراق العرب.стр. 1161
مُختَصَر
صَحِيحُ الإِمَامِ البُخَارِي
حَوى جَميع أحاديثه المرفوعة، وَالآثَار الموقوفَة؛ الموصولة منها والمعلّقة، مَع حَذف الأسانيد والمكرّرات من المتون، وجَمع إليها الزوائد من الرويات المحذوفة، ووُضعت كل زيادة منها في مكانها المناسِب لها من الأحاديث، بطريقة علمية لا مثيلَ لها فيما أعلم؛ جمعت كل فوائِد "الصحيح" بإذن الله تعالي
للعلَّامَة المحَدِّث
محمَّد نَاصر الدِّين الأَلبَاني
رحمهُ اللهُ تَعَالى
الطّبعَة الشَّرعيَّة الوَحيدَة
المجَلّد الثَاني
مكتَبة المَعارف للنَّشر وَالتوزيعْ
لِصَاحبَها سَعد بن عَبْد الرحمن الراشِد
الريَاض
стр. 1162
جميع الحقوق محفوظة للناشر، فلا يجوز نشر أي جزء
من هذا الكتاب، أو تخزينه أو تجيله بأية وسيلة، أو
تصويره. أو ترجمته دون موافقة خطية مُسبقة من الناشر.
الطَّبعَة الأولى للطبعَة الشرعيَّة الجَديدَة
١٤٢٢هـ - ٢٠٠٢ م
(ح) مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، ١٤٢٢ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الألباني، محمد ناصر الدين
مختصر صحيح الإمام البخاري.- الرياض.
٧٣٩ ص، ١٧،٥ × ٢٤ سم
ردمك ٣ - ٢٤ - ٨٥٨ - ٩٩٦٠ (مجموعة)
X-٢٦ - ٨٥٨ - ٩٩٦٠ (ج٢)
١ - الحديث الصحيح
أ- العنوان
ديوي ٢٣٥.١
٢١٠٩/ ٢١
رقم الإيداع: ٢١٠٩/ ٢١
ردمك ٣ - ٢٤ - ٨٥٨ - ٩٩٦٠ (مجموعة)
X- ٢٦ - ٨٥٨ - ٩٩٦٠ (ج٢)
مَكتَبة المعَارف للنّشر وَالتوزيع
هَاتف: ٤١١٤٥٣٥ - ٤١١٣٣٥٠
فاكس: ٤١١٢٩٣٢ - ص. ب: ٣٢١٨
الريَاض الرمز البريدى ١١٤٧١
стр. 1163
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقَدمة
إن الحمد لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يضلِلْ فلا هادي له، وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾
أما بعد. فإن خير الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمد ﷺ ، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثة بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالةٌ، وكلَّ ضلالة في النار.
هذا هو المجلد الثالث من كتابي "مختصر صحيح البخاري"، يأتي اليوم لاحقاً
стр. 1164
لسابقَيْه؛ المجلد الأول والثاني، بعد مرور خمس سنوات تقريباً على صدور الثاني منهما، ولقد كنا نأمل أن يَتْبَعه سريعاً، ورغم حرصنا على ذلك، فقد حالت دون ذلك ظروفٌ وأسباب، ما نملك بعدها إلا أن نقول: ﴿لكلِّ أجلٍ كتاب﴾، ﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾، ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاءَ الله﴾.
وأودّ أن أذكرَ هنا أن هذا المجلد يقابلُه الجزءان الخامسُ والسادسُ من أصله "صحيح البخاري" -طبعة استانبول، وهو يضم أحدَ عشرَ كتاباً فقهياً من كتبه الهامة، يبدأ بـ (كتاب المغازي)، وينتهي ب (كتاب الأشربة).
ويلاحظ القارئ الكريم في هذا المجلد قلةَ عددِ الكتبِ الفقهية فيه، إذا ما قورنت بما جاء منها في المجلد الأول والمجلد الثاني، حيث كان عددُها في الأول ثلاثةً وثلاثين كتاباً، وفي الثاني ثلاثينَ كتاباً، بينما عددها في هذا المجلد كما أسلفنا أحدَ عشرَ كتاباً، وذلك بسبب اتساع مادتها، فقد استوعب كتابان منها فقط ثلثي المجلد وهما (كتاب المغازي) و (كتاب تفسير القرآن)، فشمل الأولُ ربعَ المجلد تقريباً، والثاني نصفه إلا قليلاً.
هذا، وقد يتميز هذا المجلد بكثرة الآثار المعلقة فيه، حيث بلغ عددها (٥٣٤) أثراً، مقابل (٣٣٠) في المجلد الثاني، و (٤٠٨) في المجلد الأول، وغالب تلك الآثار في (كتاب التفسير)، يسوقها لتفسير بعض الآيات أو شيء من مفرداتها، وقد يكون فيها ما هو موضع نظر من حيث إسنادها أو متنها، كأثر سعيد بن جبير (٧٥٤) ، وأثر ابن عباس (٧٩٠) على سبيل المثال.
وعددُ الأحاديث المسندة (٥٤٣) حديثاً، وقد يكون فيها بعض الموقوفات، مثل الأحاديث (١٦٩٠ و ١٦٩٩ و١٨٥٥).
стр. 1165
وعدد الأحاديث المعلقة (١٢٨) حديثاً، وقد تيسر لي وصلُ أكثرها، ويغلب عليها الصحة والحمد لله.
وبمناسبة ذكر (كتاب التفسير)، فنلفت النظر إلى أننا رأينا أن نحصر المفردات الواردة بنص القرآن الكريم بين الهلالين المعروفين ﴿﴾، بخلاف الألفاظ الأخرى فنجعلها بين هلالين عاديين ()، ولو كان أصله في القرآن الكريم، مثل قوله الآتي في أول سورة البقرة: (صبغةٌ) هكذا جاءت في الكتاب بالضم، وهو يشير إلى قوله تعالى: ﴿صبغةَ الله ومن أحسنُ من الله صبغةً﴾ بالفتح فيها، ونحوها قوله في المكان نفسه: (الوَلاية) بفتح الواو، فإنه ذكرها تفسيراً لقوله تعالى: ﴿يسومونكم﴾، فيرجى الانتباه لهذا الاصطلاح الدقيق، ويعود الفضل فيه إلى ابنتي أم عبد الله، بارك الله فيها وفي ذريتها.
وإن مما ينبغي أن يذكر أن التعليقات، وإن كان أكثرها من "الفتح" وغيره، فبعضها هي من عندي، وفيها فوائد ينبغي اقتناصها، كالتعليق على الحديث (١٦٨٩) ، والحديث (١٧٧٧) وغيرها مما سيشار إليه في الفهرس إن شاء الله.
يحسن هنا أن أذكّر القارئ الكريم أنه لتمام الاستفادة من هذا المختصر لا بد من الرجوع إلى مقدمة المجلد الأول والثاني للاطلاع على منهجي في الاختصار والتعليق، ليكون على بينة أثناء بحثه وتقصّيه لحاجته منه؛ كيما يتيسر له الوصول إلى بغيته.
وفي الختام لا بُد لي أن أشكر كلَّ من ساعدني في تدقيق وتصحيح ومراجعة تجارب هذا المجلد، وبخاصة ابنتي أُنَيْسة (أم عبد الله) جزاهم الله خيراً.
стр. 1166
ولاحقاً لمَّا كنت ذكرته في مقدمة المجلد الثاني فقد قامت المكتبة الإسلامية في عمّان بالإشراف على صف هذا الكتاب، ومتابعة تصحيح تجاربه وإخراجه بهذه الصورة، فجزى الله صاحبها والعاملين فيها كلَّ خير.
وأخيراً ... أسأل الله العلي القدير أن يزيد المسلمين انتفاعاً بهذا الكتاب العظيم، ومختصره المفيد، وأن ييسر اكتمالَه بصدور مجلده الرابع والأخير، حتى تقرَّ العين، وتطمئن النفس؛ أنْ قد ثبّتْنا -بفضل الله ومنّه- مَعْلَماً هاماً على درب هدي الإسلام وتيسير سُبله للمسلمين، مردِفين فيه ومتممين لمَّا سلكه الإمام البخاري ﵀، وأثابه عنا وعن المسلمين أجزل الثواب، وأن يبارك لنا في أوقاتنا لإتمام ما ييسره الله لنا من مشروعنا القديم "تقريب السنة بين يدي الأمة"، إنه سميع مجيب، وعلى كلَّ شيء قدير.
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
عمان ٧ محرم ١٤١٦
محمد ناصر الدين الألباني
стр. 1167
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٦٤ - كِتابُ المَغازي
١ - بابُ غَزوةِ العُشَيْرَةِ أوِ العُسَيْرَةِ
٥٧٥ - وقال ابنُ إسحاقَ: أولُ ما غَزَى النبيُّ ﷺ (الأبواءَ)، ثُم (بُوَاطَةَ)، ثم (العُشَيْرَةَ).
١٦٧٦ - عن أبي إسحاقَ: كُنْتُ إِلَى جَنْبِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَقِيلَ لَهُ (وفي روايةٍ: سألتُ زيدَ بنَ أرقم ٥/ ١٢٦): كَمْ غَزَا النَّبِىُّ ﷺ مِنْ غَزْوَةٍ؟ قَالَ تِسْعَ عَشْرَةَ. قِيلَ: كَمْ غَزَوْتَ أَنْتَ مَعَهُ؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ. قُلْتُ: فَأَيُّهُمْ كَانَتْ أَوَّلَ؟ قَالَ: الْعُسَيْرَةُ أَوِ الْعُشَيْرُ. فَذَكَرْتُ لِقَتَادَةَ، فَقَالَ: الْعُشَيْرُ، [وأنه حَجَّ بعدما هاجرَ حَجَّةً واحدةً -لم يَحُجَّ بعدَها-: حَجَّةَ الوداعِ. قال أبو إسحاقَ: وبمكةَ أخرى] (١) .
٢ - بابُ ذِكْرِ النَّبيِّ ﷺ مَنْ يُقْتَل ببَدْرٍ
١٦٧٧ - عن عمرو بنِ ميمونٍ أنَّه سمعَ عبدَ اللهِ بنَ مسعود ﵁ حدَّث عن سعدِ بنِ معاذٍ أنه قال: كانَ صديقاً لأمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ [بنِ أبي صفوانَ]، وكانَ أُميةُ إذا [انطلقَ إلى الشامِ، ف ٤/ ١٨٤] مرَّ بالمدينةِ؛ نزلَ على سعدٍ، فكانَ الحواشي
(١) قول أبي إسحاق هذا لا مفهوم له، فقد حج قبل هجرته عدة حجج، بل قال الحافظ:
"لا أرْتاب أنه ترك الحج وهو بمكة قط".стр. 1168
سَعْدٌ إِذَا مَرَّ بِمَكَّةَ؛ نَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ؛ انْطَلَقَ سَعْدٌ مُعْتَمِرًا، فَنَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ بِمَكَّةَ، فَقَالَ لأُمَيَّةَ انْظُرْ لِي سَاعَةَ خَلْوَةٍ لَعَلِّي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ. [فقالَ أميةُ لسعدٍ: انْتَظِرْ حتَّى إذا انْتَصَفَ النهارُ , وغَفَلَ الناسُ , انطلَقْت فطفْتَ]. فخَرَجَ بِهِ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ، فَلَقِيَهُمَا أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا صَفْوَانَ! مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ فَقَالَ: هَذَا سَعْدٌ. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: أَلَا أَرَاكَ تَطُوفُ بِمَكَّةَ آمِنًا وَقَدْ آوَيْتُمُ الصُّبَاةَ (٢) ، وَزَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ تَنْصُرُونَهُمْ وَتُعِينُونَهُمْ؟! أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّكَ مَعَ أَبِى صَفْوَانَ؛ مَا رَجَعْتَ إِلَى أَهْلِكَ سَالِمًا. فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ -وَرَفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْه- (وفى روايةٍ: فتَلاحَيا بينهما ... ثم قال سعدٌ): أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِى هَذَا (وفي روايةٍ: أنْ أطوف بالبيت) لأَمْنَعَنَّكَ مَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْكَ مِنْهُ؛ طَرِيقَكَ عَلَى الْمَدِينَةِ (وفي روايةٍ: مَتْجَرَك بالشامِ). فَقَالَ لَهُ أُمَيَّةُ (وفي روايةٍ: فجَعَلَ أميةُ يقولُ لسعدٍ): لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ يَا سَعْدُ! عَلَى أَبِى الْحَكَمِ سَيِّدِ أَهْلِ الْوَادِى. [وجَعَلَ يمسكه، فغَضبَ سعدٌ]، فَقَالَ: دَعْنَا عَنْكَ يَا أُمَيَّةُ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّهُمْ قَاتِلُوكَ. [قالَ: إياىَ؟ قالَ: نعم. قالَ: واللهِ ما يكذِبُ محمدٌ إذا حدَّثَ]. قَالَ: بِمَكَّةَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِى. فَفَزِعَ لِذَلِكَ أُمَيَّةُ فَزَعًا شَدِيدًا، فَلَمَّا رَجَعَ أُمَيَّةُ إِلَى أَهْلِهِ؛ قَالَ: يَا أُمَّ صَفْوَانَ! أَلَمْ تَرَىْ مَا قَالَ لِي [أخي اليَثْرِبِىُّ] سَعْدٌ؟ قَالَتْ: وَمَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ قَاتِلِىَّ، فَقُلْتُ لَهُ: بِمَكَّةَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِى. [قالَتْ: فواللهِ ما يكذبُ محمدٌ]. فَقَالَ أُمَيَّةُ: وَاللَّهِ لَا أَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ؛ اسْتَنْفَرَ أَبُو جَهْلٍ النَّاسَ قَالَ أَدْرِكُوا عِيرَكُمْ! [قالتْ لهُ الحواشي
(٢) كأنه جمع الصابي غير مهموز، كقاض وقضاة؛ كما في "تاج العروس"، وأصله الهمز، يقال: (صبأ) كـ (منع): إذا خرج من دين إلى دين، وكانت العرب تسمي المسلمين الصباة؛ لخروجهم من دين قريش إلى الإِسلام.стр. 1169
امرأتُه: أما ذكرْتَ ما قالَهُ لك أخوكَ اليثِرِبيُّ؟] فَكَرِهَ أُمَيَّةُ أَنْ يَخْرُجَ، فَأَتَاهُ أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا صَفْوَانَ! إِنَّكَ مَتَى مَا يَرَاكَ النَّاسُ قَدْ تَخَلَّفْتَ وَأَنْتَ سَيِّدُ أَهْلِ الْوَادِى؛ تَخَلَّفُوا مَعَكَ [فَسِرْ يوماً أو يومينِ]. فَلَمْ يَزَلْ بِهِ أَبُو جَهْلٍ حَتَّى قَالَ: أَمَّا إِذْ غَلَبْتَنِي؛ فَوَاللَّهِ لأَشْتَرِيَنَّ أَجْوَدَ بَعِيرٍ بِمَكَّةَ ثُمَّ قَالَ أُمَيَّةُ يَا أُمَّ صَفْوَانَ! جَهِّزِينِي. فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا صَفْوَانَ! وَقَدْ نَسِيتَ مَا قَالَ لَكَ أَخُوكَ الْيَثْرِبِىُّ؟ قَالَ: لَا، مَا أُرِيدُ أَنْ أَجُوزَ مَعَهُمْ إِلَاّ قَرِيبًا. [فسار معهم يومين]، فَلَمَّا خَرَجَ أُمَيَّةُ؛ أَخَذَ لَا يَنْزِلُ مَنْزِلاً إِلَاّ عَقَلَ بَعِيرَهُ، فَلَمْ يَزَلْ بِذَلِكَ حَتَّى قَتَلَهُ اللَّهُ بِبَدْرٍ.
٣ - بابُ قصَّةِ غزوةِ بدرٍ، وقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾
٥٧٦ - وقالَ وحْشِيٌّ: قتلَ حمزَةُ طُعَيْمَةَ بنَ عديِّ بنِ الخِيارِ (٣) يومَ بدرٍ.
وقولهِ تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾.
(الشَّوْكَةُ): الحَدُّ.
(قلت: أسند فيه طرفاً من حديث كعب الآتي هنا "٨١ - باب"). الحواشي
(٣) كذا وقع فيه: "ابن الخيار"، وهو وهم، وصوابه: "ابن نوفل".стр. 1170
٤ - بابُ قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ (٤) النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
١٦٧٨ - عنِ ابْنَ مَسْعُودٍ قالَ: شَهِدْتُ مِنَ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ مَشْهَدًا؛ لأَنْ أَكُونَ صَاحِبَهُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ [يومَ بدرٍ ٥/ ١٨٧] وهو يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ [يا سولَ اللهِ! إنَّا] لَا نَقُولُ [لك] كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى [لموسى]: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا [إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ]﴾، وَلَكِنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ، وَبَيْنَ يَدَيْكَ، وَخَلْفَكَ. فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَشْرَقَ وَجْهُهُ وَسَرَّهُ؛ يَعْنِى قَوْلَهُ.
(وفي روايةٍ: ولكنِ امضِ ونحنُ معكَ. فكأنَهُ سُرِّيَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ ).
٥ - بابٌ
١٦٧٩ - عنِ ابنِ عباسٍ قال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عن بدْرٍ، والخارِجونَ إلى بدْرٍ. الحواشي
(٤) التلاوة: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾ بالتشديد ونصب النعاس، والضمير لله ؛ أي: يغطيكموه.стр. 1171
٦ - بابُ عِدَّةِ أصحابِ بدْرٍ
١٦٨٠ - عن البراءِ قالَ: اسْتُصْغِرْتُ أنا وابنُ عُمَرَ يومَ بدْرٍ، وكانَ المُهاجِرونَ يومَ بدْرٍ نَيِّفاً على سِتِّينَ (٥) ، والأنصارُ نَيِّفاً وأربَعينَ ومائتَيْنِ.
١٦٨١ - عنِ البَراءِ ﵁ قالَ: حدَّثَني أصحابُ محمدٍ ﷺ ممَّنْ شَهِدَ بدراً -أنَّهُم كانوا عِدَّةَ أصحابِ طالوتَ الذينَ جَازُوا معَهُ النَّهْرَ؛ بِضْعَةَ عَشَرَ وثلاثَمِائةٍ.
قالَ البراءُ: لا واللهِ ما جاوَزَ معهُ النَّهْرَ إلا مؤمِنٌ.
٧ - بابُ دعاءُ النبيِّ ﷺ على كُفَّارِ قريشٍ: شَيْبةَ، وعُتبةَ، والوليدِ، وأبي جهلِ بنِ هشامٍ، وهَلاكِهِم
٨ - بابُ قتْلِ أبي جهلٍ
١٦٨٢ - عن أنسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ:
"مَنْ يَنْظُرُ مَا فَعَلَ أَبُو جَهْلٍ؟ ". فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّى بَرَدَ، [وبهِ رَمَقٌ] , فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، فَقَالَ: آنْتَ أَبَا جَهْلٍ؟ -[قالَ سلمانُ: هكذا قالَها أنسٌ؛ قال: آنت أبا جَهْلٍ؟ ٥/ ٢٠]- قَالَ: وَهَلْ فَوْقَ (وفى طريقٍ: أَعْمْدُ مِنْ) (٦) رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ، أَوْ قَالَ: قَتَلْتُمُوهُ (وفى راويةٍ: فلو غَيْرُ أَكَّارٍ (٧) قَتَلَني ٥/ ٢٠). الحواشي
(٥) أي: زائدًا عليه.(٦) أي: أشرف، ومن معاني العمود: السيد؛ كما في "القاموس" وغيره.(٧) و (الأكَّار): الزَّرَّاع.стр. 1172
١٦٨٣ - عن قيسِ بنِ عُبَادٍ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّه قال: أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو بَيْنَ يَدَىِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ: وَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِى رَبِّهِمْ﴾؛ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: حَمْزَةُ، وَعَلِىٌّ، وعُبَيْدَةَ بْنُ الْحَارِثِ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةُ بْنُ ربيعَةَ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ.
١٦٨٤ - عن قيسٍ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يُقْسِمُ قَسَمًا: إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِى رَبِّهِمْ﴾ نَزَلَتْ فِى [هؤلاء الرَّهطِ السَّتةِ] [من قُريشٍ] الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: حَمْزَةَ، وَعَلِىٍّ، وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَعُتْبَةَ، وَشَيْبَةَ ابْنَىْ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ.
١٦٨٥ - عن أبي إسحاقَ: سألَ رجُلٌ البَراءَ -وأنا أسمَعُ- قال: أشَهِدَ عليٌّ بدراً؟ قالَ: وبارَزَ وظاهَرَ.
١٦٨٦ - عن عُروةَ قالَ: وَقَالَ لِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ حِينَ قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: يَا عُرْوَةُ! هَلْ تَعْرِفُ سَيْفَ الزُّبَيْرِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا فِيهِ؟ قُلْتُ: فَلَّةٌ فُلَّهَا يَوْمَ بَدْرٍ. قَالَ: صَدَقْتَ (بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ)، ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى عُرْوَةَ. قَالَ هِشَامٌ: فَأَقَمْنَاهُ (*) بَيْنَنَا ثَلَاثَةَ آلَافٍ، وَأَخَذَهُ بَعْضُنَا، وَلَوَدِدْتُ أَنِّى كُنْتُ أَخَذْتُهُ.
١٦٨٧ - عن هشامٍ عن أبيهِ (عُروةَ) قالَ: كانَ سيفُ الزُّبَيْرِ مُحَلَّى بفِضَّةٍ. قالَ هشامٌ: وكانَ سيفُ عُروةَ مُحَلَّى بفِضةٍ.
١٦٨٨ - عن عُروةَ أنَّ أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ قالوا للزُّبيرِ يومَ [وَقْعَةِ
الحواشي
(١) (*) أي: قَوَّمْنَاهُ.стр. 1173
٤/ ٢١١] الْيَرْمُوكِ: أَلَا تَشُدُّ فَنَشُدَّ مَعَكَ؟ فَقَالَ: إِنِّى إِنْ شَدَدْتُ كَذَبْتُمْ (٨) ! فَقَالُوا: لَا نَفْعَلُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ حَتَّى شَقَّ صُفُوفَهُمْ، فَجَاوَزَهُمْ وَمَا مَعَهُ أَحَدٌ! ثُمَّ رَجَعَ مُقْبِلاً، فَأَخَذُوا بِلِجَامِهِ، فَضَرَبُوهُ ضَرْبَتَيْنِ عَلَى عَاتِقِهِ، بَيْنَهُمَا ضَرْبَةٌ ضُرِبَهَا يَوْمَ بَدْرٍ. قَالَ عُرْوَةُ: كُنْتُ أُدْخِلُ أَصَابِعِى فِى تِلْكَ الضَّرَبَاتِ، أَلْعَبُ وَأَنَا صَغِيرٌ. قَالَ عُرْوَةُ: وَكَانَ مَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يَوْمَئِذٍ وَهْوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، فَحَمَلَهُ عَلَى فَرَسٍ وَكَّلَ بِهِ رَجُلاً.
١٦٨٩ - عن أبي طَلْحَةَ أنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلاً مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، فَقُذِفُوا فِى طَوِىٍّ (٩) مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ، خَبِيثٍ مُخْبِثٍ، وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ؛ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا، ثُمَّ مَشَى، وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَالُوا: مَا نُرَى يَنْطَلِقُ إِلَاّ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِىِّ، فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ:
«يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ، وَيَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ، أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟». قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا (١٠) ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الحواشي
(٨) أي: ألا تحمل على المشركين فنحمل معك عليهم؟ فقال: إني إن فعلتُ ذلك أخلفتُم.(٩) (بئر مطوية)؛ أي: مبنية بالحجارة. (خبيث): غير طيب. (مخبث): من أخبث، إذا اتخذ أصحاباً خبثاً، و (أطواء): جمع طويّ، وقياسه: أطوياء. و (الرَّكيّ): البئر قبل أن تُطوى. قالوا: فكأنها كانت مطوية، ثم استهدمت فصارت كالرَّكيّ.(١٠) قلتُ: زاد أحمد (٣/ ٢٨٧) من طريق أخرى عن أنس بلفظ: "فسمع عمر صوته، فقال: يا رسول الله! أتناديهم بعد ثلاث؟ وهل يسمعون؟ يقول الله : ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾! فقال: والذي نفسي بيده؛ ما أنتم بأسمع منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا". وإسناده صحيح على شرط مسلم، وقد عزاه الحافظ هنا لأحمد ومسلم معاً، ولم أره عنده بهذا التمام، وإنما أخرجه (٨/ ١٦٣ - ١٦٤) =стр. 1174
«وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ».
قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَاهُمُ اللَّهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا، وَنَقِيمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَمًا.
١٦٩٠ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾؛ قَالَ: هُمْ وَاللَّهِ كُفَّارُ قُرَيْشٍ. قَالَ عَمْرٌو: هُمْ قُرَيْشٌ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ نِعْمَةُ اللَّهِ، ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾؛ قَالَ: النَّارَ يَوْمَ بَدْرٍ.
١٦٩١ - عن عُروةَ قالَ: ذُكِرَ عندَ عائشةَ ﵂ أنَّ ابنَ عمرَ رفع إلى النبيّ ﷺ : "إنَّ الميِّتَ يُعَذَّبُ في قبرِهِ بِبُكاءِ أهلِهِ". فقالَتْ: إنَّما قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :
الحواشي
(١) =باختصار.
(فائدة): شاع عند المتأخرين استدلالهم بمناداة النبيّ ﷺ لموتى المشركين في هذه الحادثة على أن الموتى يسمعون، وبعضهم يتَّخِذ ذلك ذريعة ليتوصل إلى إباحة ما يفعله كثير من الجهال من الاستغاثة بالأولياء والصالحين عند الشدائد مِن دونِ الله تعالى، ولست أريد الآن أن أثبت أن هذه الاستغاثة إنما هي الشرك بعينه؛ فإن الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة معروفة عند من يعرف التوحيد الخالص، ولكني أردتُ إزالة شبهة الاستدلال المذكور من بعض الأذهان المؤمنة، فأقول:
من الملاحظ أن عمر نفسه ﵁ قد استدل بنفس الآية التي استدلت السيدة عائشة على أن الموتى لا يسمعون، وهي قوله تعالى: ﴿إنك لا تُسْمعُ المَوْتى﴾، والذين يذهبون إلى أن الموتى يسمعون -مع أنهم لا دليل عندهم- فإنهم يلزمهم ليس فقط تخطئة عائشة ﵂؛ بل وتخطئة عمر أيضاً، ومثل هذه التخطئة من أصعب الأمور؛ لأنها تخطئة بدون حجة أولاً؛ ولأن النبيّ ﷺ قد أقر عمر على استدلاله المذكور ثانياً، وهذا لا يجوز، لا يقال: إن النبيّ ﷺ لمَّا قال لهم: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم"؛ فقد رد عليه؛ لأننا نقول: إنه لم يرد على عمر أصل استدلاله بالآية، أو بالأحرى فهمه للآية، وإنما رد عليه تطبيق هذا الأصل على هذه الجزئية، فكأن النبيّ ﷺ يقول له: فهمك للآية صحيح، ولكن هذه الجزئية لا تشملها الآية؛ لأن الله تعالى أحياهم فأسمعهم؛ كما قال قتادة. ويراجع لهذا مقدمتي لكتاب، "الآيات البينات" للشيخ نعمان الآلوسي بتحقيقي وتخريجي.стр. 1175
"إنَّهُ لَيُعَذَّبُ بخطيئَتِهِ وذَنْبِهِ، وإنّ أهْلَهُ لَيَبْكونَ عليهِ الآنَ".
١٦٩٢ - قالَت: وذاكَ مِثلُ قولهِ (*): إن رسولَ اللهِ ﷺ قامَ على القَليبِ، وفيهِ قَتْلى بدْرٍ مِن المُشْركينَ، فقالَ لهُم:
["هلْ وَجَدْتُم ما وَعَدَ ربُكُم حقّا؟ ". [فقيلَ لهُ: أتَدعو أمواتاً؟! فقالَ: "ما أنتُم بأسْمَعَ منهُم" ٢/ ١٠١]، ثم قالَ:]
"إنّهُم [الآنَ] لَيَسْمَعونَ ما أقولُ، [ولكنْ لا يُجِيْبُونَ] "! إنما قالَ:
"إنّهُم الآن لَيَعْلَمونَ أنّ ما كُنْتُ أقولُ لهُم [هو الـ] حَقُّ"، ثمَّ قرأت: ﴿إنَّكَ لا تُسْمعُ المَوْتى﴾ [حتى قرأتِ الآيةَ:] ﴿وما أنْتَ بِمُسْمعٍ مَنْ في القَبورِ﴾، تقولُ: حينَ تَبَوُّؤا مقاعِدَهُم مِنَ النَّارِ.
٩ - بابُ فَضْلِ مَن شَهِدَ بدراً
١٦٩٣ - عنْ أبي عبدِ الرَّحمنِ السُّلَمِيِّ [-وَكَانَ عُثْمَانِيًّا- قَالَ: لـ[حِبَّانَ ٨/ ٥٤] ابن عَطِيَّةَ -وَكَانَ عَلَوِيًّا-: إِنِّى لأَعْلَمُ مَا الَّذِى جَرَّأَ صَاحِبَكَ عَلَى الدِّمَاءِ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ ٤/ ٣٨ - ٣٩] بَعَثَنِى رسولُ اللهِ ﷺ [أنا] , وأبا مَرْثَدٍ (وفى طريقٍ: والمقدادَ)، والزُّبَيْرَ، وكُلُّنا فارسُ؛ قَالَ:
«انطَلِقوا حتى تأْتوا رَوْضَةَ خاخٍ (وفى روايةٍ: حاجٍ)، فإنَّ بِهَا امْرَأَةً (وفي الطريق الأخرى: ظَعِيْنَةً) (١١) منَ المُشْرِكينَ، معها كِتابٌ من حاطِبِ بن أبي بَلْتَعَةَ إلى المشركينَ, [فخُذوهُ منها"، فانْطَلَقْنا تَعادَى بنا خَيْلُنا ٤/ ١٩]، [قالَ: الحواشي
(١١) الظعينة: المرأة في الهودج. و (تعادى)، أي: تجري، وأصله تتعادى.стр. 1176
٧/ ١١٣٤] فَأَدْرَكْنَاهَا تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا حَيْثُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، [وكانَ كَتَبَةُ إلى أهلِ مكَّةَ بمسيرِ رسولِ الله ﷺ إليهم] , فَقُلْنَا: [أخْرجي] الْكِتَابُ [الذي معكِ]. فَقَالَتْ: مَا مَعَنَا [مِن] كِتَابٍ. فَأَنَخْنَا [بها بعيرَ] ها، فَالْتَمَسْنَا [في رحَلِها]، فَلَمْ نَرَ كِتَابًا، فَقُلْنَا: مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، [والذى يُحْلَفُ بهِ]؛ لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ، أَوْ لَنُجَرِّدَنَّكِ (وفى الطريق الأُخرى: أو لَنُلْقِيَنَّ الثِّياب)، فَلَمَّا رَأَتِ الْجِدَّ؛ أَهْوَتْ إِلَى حُجْزَتِهَا (١٢) -وَهْىَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ- فَأَخْرَجَتْهُ (وفى الطريق الأُخرى: مِن عِقاصِها) (١٣) ، فَانْطَلَقْنَا بِهَا (وفى روايةٍ بهِ) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (وفى الطريقِ الأخرى: فأَتَيْنا بهِ رسول اللهِ ﷺ , فإذا فيه: مِن حاطِبِ بنِ أبي بلتَعَةَ إلى إلى أُناسٍ مِن المُشْركينَ مِن أهلِ مكَّةَ؛ يُخْبِرُهُم ببعضِ أمرِ رسولِ اللهِ ﷺ )، فقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَدَعْنِى فَلأَضْرِبْ عُنُقَهُ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ :
«مَا حَمَلَكَ [يا حاطِبٌ!] عَلَى مَا صَنَعْتَ؟».
قَالَ: حَاطِبٌ: وَاللَّهِ مَا بِي أَنْ لَا أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ ، [وما غيَّرْتُ ولا بدَّلْتُ] , أَرَدْتُ أَنْ تَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِي وَمَالِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ إِلَاّ لَهُ هُنَاكَ مِنْ عَشِيرَتِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ (وفي الطريق الأخرى: يا رسولَ اللهِ! لا تَعْجَلْ عليَّ, إنِّي كُنْتُ امْرَأُ مُلْصَقاً (١٤) في قريشٍ, ولم أكُنْ مِن أنْفُسِها, وكانَ مَن معكَ من المهاجِرينَ لهُم قَراباتٌ بمكَّةَ يَحْمونَ بها أهْلِيهِم وأموالَهُم, فأحْبَبْتُ -إذْ فاتَني ذلكَ مِن النَّسَبِ فيهِم- أنْ أتَّخِذَ الحواشي
(١٢) أي: معقد إزارها.(١٣) أي: شعرها المضفور.(١٤) (الملصق): هو الرجل المقيم في الحي، وليس منهم بنسب.стр. 1177
عندَهُم يداً يَحْمُونَ بها قَرابَتي، وما فَعَلْتُ كُفْراً ولا ارْتِداداً، ولا رِضىً بالكُفْرِ بعد
الإسلامِ)، فَقَالَ [رَسولُ اللهِ ﷺ :
«لقد] صَدَقَ [كُمْ]، وَلَا تَقُولُوا لَهُ إِلَاّ خَيْرًا». [قَالَ: فعادَ عُمَرُ] , فقال: إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَدَعْنِى فَلأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ:
«أَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟». فَقَالَ: «[وما يُدريكَ؟] لَعَلَّ اللَّهَ [أنْ يكونَ] اطَّلَعَ على أَهْلِ بَدْرٍ؛ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ؛ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الْجَنَّةُ، أَوْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» -[فهذا الذي جَرَّأه]- فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ، وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، [فأنْزَلَ اللهُ السورَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ إلى قولِهِ: ﴿فقدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ٥/ ٨٩".
[قال سفيانُ: وأيُّ إسنادٍ هذا؟] (١٥) .
[قالَ أبو عبد اللهِ: (خاخٍ) أصحُّ، و (حاجٍ) تصحيفٌ، وهو موضِعٌ].
١٠ - بابٌ
٥٧٧ - وقالَ كعبُ بنُ مالكٍ: ذَكَروا مُرَارَةَ بنَ الرَّبيعِ العَمْريَّ، وهِلالَ بنَ أميَّةَ الواقِفِيَّ؛ رجلينِ صالِحَيْنِ قد شَهِدا بدراً.
١٦٩٤ - عن نافعٍ أنَّ ابنَ عُمرَ ﵄ ذُكِرَ له أنَّ سعيدَ بنَ زيدِ الحواشي
(١٥) أي: عجباً لجلالة رجاله، وصريح اتصاله، ويعني به الطريق الأخرى، وهي عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي ﵁.
٥٧٧ - هذا طرف من حديث كعب الطويل في قصة توبته، ويأتي بتمامه "٨١ - باب".стр. 1178
ابن عمرِو بنِ نُفَيْلٍ -وكان بدريًّا- مرِضَ في يومِ جُمُعَةٍ، فرَكِبَ إليهِ بعدَ أنْ تعالى النَّهارُ، واقْتَرَبَتِ الجُمُعَةُ، وتَرَكَ الجُمُعَةَ.
٥٧٨ - عن عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ أَبَاهُ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَرْقَمِ الزُّهْرِىِّ يَأْمُرُهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الأَسْلَمِيَّةِ، فَيَسْأَلَهَا عَنْ حَدِيثِهَا وَعَنْ مَا قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ اسْتَفْتَتْهُ؟ فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَرْقَمِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ يُخْبِرُهُ أَنَّ سُبَيْعَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ ابْنِ خَوْلَةَ -وَهْوَ مِنْ بَنِى عَامِرِ بْنِ لُؤَىٍّ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا- فَتُوُفِّىَ عَنْهَا فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهْىَ حَامِلٌ، فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا؛ تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ -رَجُلٌ مِنْ بَنِى عَبْدِ الدَّارِ- فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاكِ تَجَمَّلْتِ لِلْخُطَّابِ؛ تُرَجِّينَ النِّكَاحَ؟! فَإِنَّكِ وَاللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ؛ جَمَعْتُ عَلَىَّ ثِيَابِى حِينَ أَمْسَيْتُ، وَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَفْتَانِى بِأَنِّى قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِى، وَأَمَرَنِى بِالتَّزَوُّجِ؛ إِنْ بَدَا لِي.
٥٧٩ - عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ ثَوْبانَ مَوْلى بني عامِرِ بنِ لُؤَيٍّ أنَّ محمدَ بنَ إياسِ بنِ البُكَيْرِ -وكانَ أبوُه شهِدَ بدراً- أخْبَرَهُ (١٦) .
١١ - بابُ شُهودِ الملائكَةِ بدراً الحواشي
(١٦) كذا الأصل، لم يذكر الخبر؛ لأن موضع الشاهد قد ذكره، وهو قوله: "وكان أبوه شهد بدرًا" والخبر في المطلقة البتة قبل الدخول أنها لا تحل في قول أبي هريرة وغيره من الصحابة. وقد أخرجه الحافظ في "التغليق" (٤/ ١٠٣ - ١٠٤).стр. 1179
١٦٩٥ - عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِىِّ عَنْ أَبِيهِ -وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، [وكان رافعٌ مِن أهلِ العقية, فَكان يقولُ لابنِهِ: ما يَسُرُّني أنِّي شهدْتُ بدراً بالعقبة]- قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قَالَ:
مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ" أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا. قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ.
١٦٩٦ - عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ يومَ بدرٍ (وفي روايةٍ: أحُدٍ ٥/ ٢٩) (١٧) :
"هذا جبريلُ آخِذٌ برأسِ فرسِهِ، عليهِ أدَاةُ الحَرْبِ".
١٢ - بابٌ
١٦٩٧ - عن أبي سعيدِ بنِ مالكٍ الخُدْرِيِّ ﵁ [أنه كان غائباً، ف ٦/ ٢٣٩] قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ لَحْمًا مِنْ لُحُومِ الأَضْحَى، فَقَالَ: [أخِّرُوهُ] , مَا أَنَا بِآكِلِهِ حَتَّى أَسْأَلَ، فَانْطَلَقَ إِلَى أَخِيهِ لأُمِّهِ -وَكَانَ بَدْرِيًّا- قَتَادَة (*) بْنِ النُّعْمَانِ (وفي روايةٍ: أبا قتادة) (١٨) ، فَسَأَلَهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ حَدَثَ بَعْدَكَ أَمْرٌ نَقْضٌ لِمَا كَانُوا يُنْهَوْنَ عَنْهُ مِنْ أَكْلِ لُحُومِ الأَضْحَى بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
١٦٩٨ - عن هشامِ بنِ عروةَ عن أبيه قالَ: قالَ الزُّبيرُ: لَقِيتُ يومَ بدرٍ عُبيدةَ ابنَ سعيدِ بنِ العاصِ وهو مُدَجَّجٌ (**) لا يُرى منهُ إلا عيناهُ، وهو يُكَنَّى: أبو ذاتِ الحواشي
(١٧) قلتُ: وهذه الرواية وهم على البخاري كما حققه الحافظ، والمعروف: "يوم بدر".
(*) قوله: "قَتادةَ" بالنصب لفعل محذوف؛ أي: أعني قتادةَ. ويجوز الرفع؛ خبر مبتدإ محذوف؛ أي: هو قتادةُ. والجر بدلاً من "أخيه".(١٨) كذا في هذه الرواية، وهي وهم، والصواب الأولى؛ كما بينه الحافظ، فراجعه إن شئت في الأضاحي.
(**) أي: مغطى بالسلاح.стр. 1180
الْكَرِشِ، فَقَالَ: أَنَا أَبُو ذَاتِ الْكَرِشِ. فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ بِالْعَنَزَةِ، فَطَعَنْتُهُ فِى عَيْنِهِ، فَمَاتَ.
قَالَ هِشَامٌ: فَأُخْبِرْتُ أَنَّ الزُّبَيْرَ قَالَ: لَقَدْ وَضَعْتُ رِجْلِى عَلَيْهِ، ثُمَّ تَمَطَّأْتُ، فَكَانَ الْجَهْدَ أَنْ نَزَعْتُهَا، وَقَدِ انْثَنَى طَرَفَاهَا.
قَالَ عُرْوَةُ: فَسَأَلَهُ إِيَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا، فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ أَخَذَهَا، ثُمَّ طَلَبَهَا أَبُو بَكْرٍ، فَأَعْطَاهُ، فَلَمَّا قُبِضَ أَبُو بَكْرٍ؛ سَأَلَهَا إِيَّاهُ عُمَرُ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا، فَلَمَّا قُبِضَ عُمَرُ؛ أَخَذَهَا، ثُمَّ طَلَبَهَا عُثْمَانُ مِنْهُ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ؛ وَقَعَتْ عِنْدَ آلِ عَلِىٍّ، فَطَلَبَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَكَانَتْ عِنْدَهُ حَتَّى قُتِلَ.
١٦٩٩ - عن ابنِ مَعْقِلٍ (١٩) أنَّ علياً ﵁ كبَّرَ على سهلِ بنِ حُنَيْفٍ (٢٠) ، فقال: إنَّه شهِدَ بدراً.
١٧٠٠ - عن عبدِ اللهِ بن عمر ﵄ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ حِينَ تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنْ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِىِّ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَدْ شَهِدَ بَدْرًا تُوُفِّىَ بِالْمَدِينَةِ -قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، قَالَ: سَأَنْظُرُ فِى أَمْرِى، فَلَبِثْتُ لَيَالِىَ، [ثم لَقِيني ٦/ ١٣٠]، فَقَالَ: قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ يَوْمِى هَذَا. قالَ عمرُ: فلَقِيت أبا بكرٍ [الصديق]، فقلتُ: إنْ شئتَ الحواشي
(١٩) هو عبد الله بن معقل المزني الكوفي.(٢٠) يعني ست تكبيرات صلاة الجنازة؛ كما جاء مصرحًا به في رواية جمع من الأئمة؛ منهم أحمد في "مسائل أبي داود"، والطحاوي، وله عنده طريق أخرى عن علي، فراجع كتابي "أحكام الجنائز" (ص ١١٣).стр. 1181
أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، فَصَمَتَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَىَّ شَيْئًا، فَكُنْتُ عَلَيْهِ أَوْجَدَ مِنِّى عَلَى عُثْمَان (٢١) ، فَلَبِثْتُ لَيَالِىَ، ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ، فَلَقِيَنِى أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَىَّ حِينَ عَرَضْتَ عَلَىَّ حَفْصَةَ، فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكَ [شيئاً]؟ قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِى أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ فِيمَا عَرَضْتَ؛ إِلَاّ أَنِّى قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ ذَكَرَهَا، فَلَمْ أَكُنْ لأُفْشِىَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَوْ تَرَكَهَا لَقَبِلْتُهَا.
١٧٠١ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الْبَدْرِىِّ رضى الله عنه -[ولَقِيتُةُ وهو يطوفُ بالبيتِ ٦/ ١١٣]-قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«الآيَتَانِ (٢٢) مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ؛ مَنْ قَرَأَهُمَا فِى لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ».
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَلَقِيتُ أَبَا مَسْعُودٍ وَهْوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَسَأَلْتُهُ؟ فَحَدَّثَنِيهِ.
١٧٠٢ - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ -وَكَانَ مِنْ أَكْبَرِ بَنِى عَدِىٍّ، وَكَانَ أَبُوهُ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ عُمَرَ اسْتَعْمَلَ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ عَلَى الْبَحْرَيْنِ -وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا- وَهُوَ خَالُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَحَفْصَةَ رضى الله عنهم.
١٧٠٣ - عن عبدِ اللهِ بنِ شدَّادِ بنِ الهادِ اللَّيْثِيِّ قالَ:
رأيت رِفاعَةَ بنَ رافعٍ الأنصاريَّ، وكانَ شَهِدَ بدراً.
١٧٠٤ - عنِ المِقدادِ بنِ عمرٍو الكِنْدِيِّ -وكان حليفاً لبني زُهْرَةَ، وكان ممَّن شهد بدراً مع رسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قالَ: يا رسولَ اللهِ! أرأيتَ إنْ لَقِيتُ رجلًا مِن الحواشي
(٢١) أي: فكان غضبي على أبي بكر أشد منه على عثمان.(٢٢) هما قوله تعالى: ﴿آمن الرسول ...﴾ إلى آخر السورة، آخر أولاهما: ﴿وإليكَ المصير﴾، وأول ثانيتهما: ﴿لا يكلِّف الله ...﴾.стр. 1182
الْكُفَّارِ, فَاقْتَتَلْنَا، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَىَّ بِالسَّيْفِ، فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّى بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ؛ آقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَقْتُلْهُ». فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ قَطَعَ إِحْدَى يَدَىَّ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا قَطَعَهَا! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«لَا تَقْتُلْهُ؛ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِى قَالَ».
١٧٠٥ - عن قيسٍ: كانَ عطاءُ البدريِّينَ خمسةَ آلافٍ، خمسةَ آلافٍ، وقالَ عمر: لأفضِّلَنَّهُم على مَن بعدَهم.
٥٨٠ - عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ: وقَعَتِ الفِتْنَةُ الأولى -يعني: مقتَلَ عثمانَ- فلم تُبْقِ مِن أصحابِ بدرٍ أحداً، ثمَّ وقعَتِ الفتنة الثانيةُ -يعني: الحَرَّةَ- فلم تُبْقِ مِن أصحابِ الحُدَيْبِيَةِ أحداً، ثم وقَعتِ الثالِثَةُ، فلم تَرْتَفعْ وللناسِ طَباخٌ (٢٣) .
١٧٠٦ - عنِ ابنِ شِهابٍ قالَ: هذه مغازي رسولِ اللهِ ﷺ -فذكرَ الحديثَ- فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ وهو يُلْقِيْهِم:
"هل وجَدْتُم ما وعَدَكُم ربُّكُم حقًّا؟ ".
فجميع مَن شَهِدَ بدراً من قريشِ ممَّن ضُرِبَ له بسهمِهِ أحدٌ وثمانونَ رجلاً، وكانَ عُروة بنُ الزُّبيرِ يقول: قالَ الزُّبيرُ: قَسِمَتْ سُهْمانهُم، فكانوا مائةً، واللهُ أَعْلَمُ.
١٧٠٧ - عنِ الزُّبيرِ قال: ضُرِبَتْ يومَ بدرٍ للمُهاجِرينَ بمائةِ سهمٍ. стр. 1183
١٣ - بابُ تَسْمِيَةِ مَن سُمِّيَ مِن أهلِ بدرٍ في "الجامعِ" الذي وضعَهُ أبو عبدِ اللهِ على حروفِ المُعْجَمِ:
١ - النبيُّ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الهاشميُّ ﷺ .
٢ - أبو بكر الصِّدِّيقُ.
٣ - ثم عُمَرُ.
٤ - ثم عثمانُ.
٥ - ثم عليٌّ.
٦ - ثم إياسُ بنُ البُكَيْرِ.
٧ - بِلالُ بنُ رباحٍ مولى أبي بكرٍ الصديقِ القرشيِّ.
٨ - حمزةُ بنُ عبد المطَّلب الهاشِميُّ.
٩ - حاطِبُ بنُ أبي بَلْتَعَةَ حليفٌ لقريشٍ.
١٠ - أبو حُذيفةَ بنُ عتبةَ بنِ ربيعةَ القُرشيُّ.
١١ - حارثةُ بنُ الرَّبيعِ الأنصاريُّ؛ قُتِلَ يومَ بدرٍ، وهو حارثةُ بنُ سُراقةَ، كان في النَّظَّارةِ (٢٤) .
١٢ - خُبَيبُ بنُ عديٍّ الأنصاريُّ.
١٣ - خُنَيْسُ بنُ حُذافَةَ السَّهْمِيُّ.
١٤ - رِفاعةُ بنُ رافعٍ الأنصاريُّ.
١٥ - رِفاعةُ بنُ عبدِ المنذرِ.
١٦ - أبو لُبابةَ الأنصاريُّ. الحواشي
(٢٤) (النظارة): هم الذين لم يخرجوا لقتال.стр. 1184
١٧ - الزُّبيرُ بنُ العَوَّامِ القرشيُّ.
١٨ - زيدُ بنُ سهلٍ.
١٩ - أبو طلحَةَ الأنصارىُّ.
٢٠ - أبو زيدٍ الأنصارىُّ.
٢١ - سعدُ بنُ مالكٍ الزُّهْرِىُّ.
٢٢ - سعدُ بنُ خَوْلَةَ القرشيُّ.
٢٣ - سعيدُ بنُ زَيْدِ بنِ عَمرِو بنِ نُفَيْلٍ القرشيُّ.
٢٤ - سهلُ بنُ حُنَيْفٍ الأنصارىُّ.
٢٥ - ظُهَيرُ بنُ رافعٍ الأنْصارىُّ (*).
٢٦ - وأخوهُ.
٢٧ - عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ الهُذَليُّ.
٢٨ - عُتبةُ بنُ مسعوِدٍ الهُذَليُّ.
٢٩٠ - عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ الزُّهْريُّ.
٣٠ - عُبيدةُ بنُ الحارثِ القرشيُّ.
٣١ - عُبادَةُ بنُ الصامِتِ الأنصاريُّ.
٣٢ - عَمرُو بنُ عوفٍ حليفُ بني عامرِ بنِ لُؤيٍّ.
٣٣ - عُقبةُ بنُ عمرٍو الأنصاريُّ.
٣٤ - عامرُ بنُ ربيعةَ العَنْزِيُّ.
٣٥ - عاصِمُ بنُ ثابتٍ الأنصاريُّ.
الحواشي
(١) (*) تقدم ذكره في "٤١ - المزارعة/ ١٨ - باب"، وأنه عم رافع بن خديج، وأنه شهد بدراً هو وأخوه، ولم يسمه البخاري، واسمه (مُظهر).стр. 1185
٣٦ - عُويمُ بنُ ساعِدَةَ الأنصاريُّ.
٣٧ - عِتبان بنُ مالكٍ الأنصاريُّ.
٣٨ - قُدامةُ بنُ مَظْعونٍ.
٣٩ - قتادَةُ بنُ النُّعمانِ الأنصاريُّ.
٤٠ - مُعاذُ بنُ عمرِو بنِ الجَمُوحِ.
٤١ - مُعَوِّذُ ابنُ عَفْراءَ.
٤٢ - وأخوهُ.
٤٣ - مالِكُ بنُ رَبيعَةَ أبو أُسَيْدٍ الأنصاريُّ.
٤٤ - مُرَارةُ بنُ الرَّبيعَ الأنصاريُّ.
٤٥ - مَعْنُ بنُ عَدِيِّ الأنصاريُّ.
٤٦ - مِسْطَحُ بنُ أُثَاثَةَ بنِ عَبَّادِ بنِ المطلِبِ بنِ عبدِ منافٍ.
٤٧ - مِقْدادُ بنُ عمرٍو الكِنْدِيُّ حَليفُ بني زُهْرَةَ.
٤٨ - هِلالُ بنُ أميَّةَ الأنصاريُّ.
﵃.
١٤ - بابُ حديثِ بني النَّضيرِ، ومَخْرَجِ رسولِ اللهِ ﷺ إليهم في دِيَةِ الرجُلينِ، وما أرادُوا مِنَ الغَدْرِ برسولِ اللهِ ﷺ
٥٨١ - قالَ الزهْريُّ: عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ: كانَتْ على رأْسِ ستَّةِ أشهُرٍ مِن وقعةِ بدرٍ قبلَ أُحُدٍ، وقولِ اللهِ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾
الحواشي
(١) ٥٨١ - وصله عبد الرزاق بسند صحيح عنه مرسلًا.стр. 1186
٥٨٢ - وجعلَهُ ابنُ إسحاقَ بعد بئرِ مَعُونَةَ وأحُدٍ.
١٧٠٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ: حَارَبَتِ النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ، فَأَجْلَى بَنِى النَّضِيرِ، وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ، حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ، فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ، وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ إِلَاّ بَعْضَهُمْ؛ لَحِقُوا بِالنَّبِىِّ ﷺ ، فَآمَنَهُمْ وَأَسْلَمُوا، وَأَجْلَى يَهُودَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ: بَنِى قَيْنُقَاعَ -وَهُمْ رَهْطُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ- وَيَهُودَ بَنِى حَارِثَةَ، وَكُلَّ يَهُودِ الْمَدِينَةِ.
١٧٠٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ [وقطعَ , وهى (البُوَيْرَةُ) (٢٥) فنزلَ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ [وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ٦/ ٥٨]﴾؛ قَالَ: وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِى لُؤَىٍّ ... حَرِيقٌ بِـ (الْبُوَيْرَةِ) مُسْتَطِيرُ
قَالَ: فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ (٢٦) :
أَدَامَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعٍ ... وَحَرَّقَ فِى نَوَاحِيهَا السَّعِيرُ
سَتَعْلَمُ أَيُّنَا مِنْهَا بِنُزْهٍ ... وَتَعْلَمُ أَيَّ أَرْضَيْنَا تَضِيرُ
١٧١٠ - قالَ (الزُّهْريُّ): فحدَّثْت هذا الحديثَ (٢٧) عُروةَ بنَ الزُّبيرِ، فقالَ: الحواشي
(٢٥) موضع نخل بني النضير بقرب المدينة المنورة.(٢٦) أي: داعياً على المسلمين، فإنه إذ ذاك لم يكن مسلماً. (بنزه): ببعد. وروي: "أرضينا" بالتثنية: مراده بهما مكة والمدينة المشرفتان. (تضير): تتضرر.(٢٧) يعني: الحديث المتقدم "٥٧ - الخمس/ ١ - باب/ رقم الحديث ١٣٤٦" عن ابن شهاب الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان.стр. 1187
صَدَقَ مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ؛ أَنَا سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ عُثْمَانَ إِلَى أَبِى بَكْرٍ؛ يَسْأَلْنَهُ ثُمُنَهُنَّ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ، فَكُنْتُ أَنَا أَرُدُّهُنَّ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: أَلَا تَتَّقِينَ اللَّهَ؟ أَلَمْ تَعْلَمْنَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ -يُرِيدُ بِذَلِكَ: نَفْسَهُ- إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ في هَذَا الْمَالِ» (٢٨) ؟ فَانْتَهَى أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى مَا أَخْبَرَتْهُنَّ. قَالَ: فَكَانَتْ هَذِهِ الصَّدَقَةُ بِيَدِ عَلِىٍّ، مَنَعَهَا عَلِىٌّ عَبَّاسًا، فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ كَانَ بِيَدِ حَسَنِ بْنِ عَلِىٍّ، ثُمَّ بِيَدِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِىٍّ، ثُمَّ بِيَدِ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ، وَحَسَنِ بْنِ حَسَنٍ؛ كِلَاهُمَا كَانَا يَتَدَاوَلَانِهَا، ثُمَّ بِيَدِ زَيْدِ بْنِ حَسَنٍ، وَهْىَ صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَقًّا.
١٥ - بابُ قتلِ كَعْبِ بنِ الَأشْرَفِ
١٧١١ - عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَقُولُ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ ﷺ ؟» ٣/ ١١٥] "، فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا. قَالَ: «قُلْ». فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ -[يعني: النبيَّ ﷺ ٤/ ٢٤]- قدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً، وَإِنَّهُ قَدْ عَنَّانَا (٢٩) ، وَإِنِّى قَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَسْلِفُكَ. قَالَ: وَأَيْضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ. قَالَ: إِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ، فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَىِّ شَيءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ، وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقَّا أَوْ وَسْقَيْنِ. فَقَالَ: نَعَمِ؛ ارْهَنُونِى. قَالُوا أَىَّ شَيءٍ تُرِيدُ؟ قَالَ: ارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ. قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ؟ قَالَ: فارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ. قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا فَيُسَبُّ الحواشي
(٢٨) أي: يُعْطَوْن منه ما يكفيهم في جملة من يأكل منه؛ لا على وجه الميراث لهم بخصوصهم.(٢٩) أي: أوقعنا في العناء والمشقة.стр. 1188
أَحَدُهُمْ، فَيُقَالُ: رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ! هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا، وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللأْمَة (٣٠) -قَالَ سُفْيَانُ يَعْنِي: السِّلَاحَ- فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ، فَجَاءَهُ لَيْلًا وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ، وَهْوَ أَخُو كَعْبٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْحِصْنِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَأَخِى أَبُو نَائِلَةَ. وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو (٣١) : قَالَتْ: أَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ. قَالَ: إِنَّمَا هُوَ أَخِى مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعِى أَبُو نَائِلَةَ، إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِىَ إِلَى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لأَجَابَ. قَالَ: وَيُدْخِلُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَعَهُ رَجُلَيْنِ -قِيلَ لِسُفْيَانَ: سَمَّاهُمْ عَمْرٌو؟ قَالَ: سَمَّى بَعْضَهُمْ، قَالَ عَمْرٌو: جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ، وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: أَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ -قَالَ عَمْرٌو: وَجَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ، فَقَالَ: إِذَا مَا جَاءَ؛ فَإِنِّي قَائِلٌ بِشَعَرِه (٣٢) ، فَأَشَمُّهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي اسْتَمْكَنْتُ مِنْ رَأْسِهِ؛ فَدُونَكُمْ فَاضْرِبُوهُ. وَقَالَ مَرَّةً: ثُمَّ أُشِمُّكُمْ- فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ مُتَوَشِّحًا وَهْوَ يَنْفَحُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رِيحًا! -أَىْ: أَطْيَبَ- وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: قَالَ: عِنْدِى أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ، وَأَكْمَلُ الْعَرَبِ. قَالَ عَمْرٌو: فَقَالَ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشَمَّ رَأْسَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَشَمَّهُ، ثُمَّ أَشَمَّ أَصْحَابَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَتَأْذَنُ لِي (٣٣) قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ؛ قَالَ: دُونَكُمْ. فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَتَوًا النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ. الحواشي
(٣٠) بالهمزة وإبدالها ألفاً: الدرع، وتفسيرها بالسلاح من إطلاق اسم الكل على البعض.(٣١) هو عمرو بن دينار راويه عن جابر، رواه عنه سفيان، وهو ابن عيينة، وهذا الغير الذي أبهمه سفيان في هذه القصة هو العبسي، وأنه حدثه بذلك عن عكرمة مرسلاً؛ كما في "الفتح".(٣٢) أي: آخذ به. وروي: "مائل بشعره".
قوله: "ينفح" بفتح الفاء وكسرها؛ أي: يفوح.(٣٣) أي: أن أشم رأسك، فهذا استئذان منه مرة ثانية.стр. 1189
١٦ - بابُ قتلِ أبي رافعٍ عبدِ اللهِ بنِ أبي الحُقَيْقِ، ويُقالُ: سلَامُ ابنُ أبي الحُقَيْقِ، كانَ بـ (خَيْبَرَ)، ويُقالُ: في حِصنٍ لهُ بأرضِ الحجازِ
٥٨٣ - وقالَ الزُّهْرِيُّ: هو بعدَ كعبِ بنِ الأشرفِ.
١٧١٢ - عنِ البراءِ بنِ عازبٍ قالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِى رَافِعٍ الْيَهُودِىِّ رِجَالاً مِنَ الأَنْصَارِ (وفى روايةٍ: عبدَ اللهِ بنَ عَتيكٍ وعبدَ اللهِ بنَ عُتبةَ فى ناسٍ معهُم)، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُؤْذِى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَيُعِينُ عَلَيْهِ، وَكَانَ فِى حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُ -وَقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَرَاحَ النَّاسُ بِسَرْحِهِمْ (٣٤) - فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لأَصْحَابِهِ: اجْلِسُوا مَكَانَكُمْ، فَإِنِّى مُنْطَلِقٌ، وَمُتَلَطِّفٌ لِلْبَوَّابِ، لَعَلِّي أَنْ أَدْخُلَ. فَأَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنَ الْبَابِ، ثُمَّ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ كَأَنَّهُ يَقْضِى حَاجَةً، وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ، فَهَتَفَ بِهِ الْبَوَّابُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَدْخُلَ فَادْخُلْ، فَإِنِّى أُرِيدُ أَنْ أُغْلِقَ الْبَابَ. فَدَخَلْتُ، فَكَمَنْتُ [فى مَرْبطِ حِمار عندَ بابِ الحِصينِ ٥/ ٢٨]، فَلَمَّا دَخَلَ النَّاسُ؛ أَغْلَقَ الْبَابَ، [ثمَّ إنهم فَقَدُوا حِماراَ لهُم , فخَرَجُوا [بقَبَسٍ] يَطْلُبُونَهُ, فخرجت فيمَن خرجَ؛ أُريهمْ أنّنى أطلُبُه معهم , فوجَدُوا الحمار , فدخَلُوا , ودخَلْتُ , وأغْلَقوا بابَ الحِصنِ ليلَا ٤/ ٢٣] , ثُمَّ عَلَّقَ الأَغَالِيقَ (وفى روايةٍ: المفاتيحَ) عَلَى وَتَدٍ (وفى روايةٍ: في كَوَّةٍ حيثُ أراها , فلما ناموا)؛ قَالَ: فَقُمْتُ إِلَى الأَقَالِيدِ (وفى روايةٍ المفاتيحِ)، فَأَخَذْتُهَا، فَفَتَحْتُ الْبَابَ، [قالَ: قلتُ: إنّ نَذِرَ بي القومُ؛ انطلَقْتُ على مَهَلٍ]، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُسْمَرُ عِنْدَهُ، وَكَانَ فِى عَلَالِىَّ لَه (٣٥) ، فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُ أَهْلُ سَمَرِهِ (وفي روايةٍ: فتَعَشّوْا عندَ الحواشي
(٣٤) أي: رجعوا بمواشيهم.(٣٥) جمع (علية) كذرِّيَّة: وهي الغرفة. وقوله: "نذروا بي"؛ أي: علموا بي. وقوله: "فأضربه":=стр. 1190
أَبِى رَافِعٍ، وَتَحَدَّثُوا حَتَّى ذَهَبَتْ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى بُيُوتِهِمْ، فَلَمَّا هَدَأَتِ الأَصْوَاتُ، وَلَا أَسْمَعُ حَرَكَةً)؛ صَعِدْتُ إِلَيْهِ [في سُلَّمٍ]، فَجَعَلْتُ كُلَّمَا فَتَحْتُ بَابًا أَغْلَقْتُ عَلَىَّ مِنْ دَاخِلٍ، قُلْتُ: إِنِ الْقَوْمُ نَذِرُوا بِى؛ لَمْ يَخْلُصُوا إِلَىَّ حَتَّى أَقْتُلَهُ. فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ فِى بَيْتٍ مُظْلِمٍ وَسْطَ عِيَالِهِ، لَا أَدْرِى أَيْنَ هُوَ مِنَ الْبَيْتِ؟ فَقُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ! قَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَأَهْوَيْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ، فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ وَأَنَا دَهِشٌ، فَمَا أَغْنَيْتُ شَيْئًا، وَصَاحَ، فَخَرَجْتُ مِنَ الْبَيْتِ، فَأَمْكُثُ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلْتُ إِلَيْهِ [كأنِّى مُغيثٌ]، فَقُلْتُ: مَا هَذَا الصَّوْتُ يَا أَبَا رَافِعٍ؟! -[وغَيَّرْتُ صوتى]- فَقَالَ: [ما لَك] لأُمِّكَ الْوَيْلُ! [قلتُ: ما شأنُكَ؟ قال: لا أدرى مَن دَخَلَ عليَّ؟] إنَّ رجلاً في البيتِ ضربَني قَبْلُ بالسيفِ. قالَ: فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أَثْخَنَتْهُ، وَلَمْ أَقْتُلْهُ، [فَصَاحَ، وَقَامَ أَهْلُهُ، قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ، وَغَيَّرْتُ صَوْتِى كَهَيْئَةِ الْمُغِيثِ، فَإِذَا هُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ]، ثُمَّ وَضَعْتُ ظُبَةَ السَّيْفِ فِى بَطْنِهِ، حَتَّى أَخَذَ فِى ظَهْرِهِ (وفي روايةٍ: حتى قَرَعَ (وفى أخرى: سمعتُ صوتَ) العظمَ , فَعَرَفْتُ أَنِّى قَتَلْتُهُ، [ثمَّ خرجْتُ وأنا دهِشٌ] , فَجَعَلْتُ أَفْتَحُ الأَبْوَابَ بَابًا بَابًا، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ لَهُ، فَوَضَعْتُ رِجْلِى، وَأَنَا أُرَى أَنِّى قَدِ انْتَهَيْتُ إِلَى الأَرْضِ، فَوَقَعْتُ فِى لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، فَانْكَسَرَتْ سَاقِى، فَعَصَبْتُهَا بِعِمَامَةٍ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ حَتَّى جَلَسْتُ عَلَى الْبَابِ، فَقُلْتُ: لَا أَخْرُجُ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَعْلَمَ أَقَتَلْتُهُ؟ (وفي روايةٍ: حتى أسمَعَ النَّاعِيَةَ)، فلمَّا صاحَ الدِّيكُ؛ قامَ النَّاعِى عَلَى السُّورِ، فَقَالَ: أَنْعَى أَبَا رَافِعٍ تَاجِرَ أَهْلِ الْحِجَازِ. فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِى، فَقُلْتُ: النَّجَاءَ! فَقَدْ قَتَلَ اللَّهُ أَبَا رَافِعٍ
الحواشي
(١) =مقتضى الظاهر فضربته، عدل عنه مبالغة لاستحضار صورة الحال، وكذا الكلام في قوله: "فأمكث". وقوله: "أثخنته"؛ أي: الضربة، وفي بعض النسخ: "أثخنته" بصيغة التكلم؛ أي: بالغت في جراحته. وقوله: "النجاء"؛ أي: أسرِعوا.стр. 1191
(وفي روايةٍ: ثُمَّ أَتَيْتُ أَصْحَابِى أَحْجُلُ، فَقُلْتُ: انْطَلِقُوا فَبَشِّرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنِّى لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَسْمَعَ النَّاعِيَةَ، فَلَمَّا كَانَ فِى وَجْهِ الصُّبْحِ؛ صَعِدَ النَّاعِيَةُ, فَقَالَ: أَنْعَى أَبَا رَافِعٍ. قَالَ: فَقُمْتُ أَمْشِى مَا بِى قَلَبَةٌ) (٣٦) ، فانَتَهيْتُ إلى النبيِّ ﷺ , فحدثتُه (وفي روايةٍ: فَأَدْرَكْتُ أَصْحَابِى قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا النَّبِيَّ ﷺ فَبَشَّرْتُهُ)، فقالَ لي:
"ابسُطْ رِجْلَكَ"، فبسطتُ رِجْلي، فَمَسَحَها، فكأنَّها لم أشْتَكِها قطُّ.
١٧ - بابُ غزوةِ أحدٍ وقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ , وقولِه جلَّ ذكرهُ: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ. أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ. وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ , وقولِهِ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾: تستأصِلونَهم قتلاً ﴿بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ , وقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية
١٧١٣ - عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ قال: قالَ رجلٌ للنبيِّ ﷺ يومَ أحدٍ: أرأيتَ إنْ قُتِلْتُ؛ فأينَ أنا؟ قالَ:
"في الجنَّةِ"، فَألْقَى تَمَراتٍ في يدهِ، ثم قاتَلَ حتى قُتِلَ. стр. 1192
١٨ - بابٌ ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾
١٧١٤ - عن سعدِ بنِ أبي وَقَاص ﵁ قالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَمَعَهُ رَجُلَانِ [بشمالِ النبىِّ ﷺ ويمينِهِ ٧/ ٤٣]، يُقَاتِلَانِ عَنْهُ -عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ- كَأَشَدِّ الْقِتَالِ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ.
١٧١٥ - عن عليٍّ ﵁ قالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعُ أَبَوَيْهِ لأَحَدٍ غَيْرَ لسَعْد بن مالكٍ (وفي روايةٍ: ما سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يُفَدِّي أحداً غيرَ سعدٍ ٧/ ١١٦] , فإنِّي سمعْتُهُ يقولُ يومَ أحُدٍ:
"يا سعدُ! ارمِ فِداكَ أبي وأمِّي".
١٧١٦ - عن أنسٍ ﵁ قالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ؛ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَىِ النَّبِيِّ ﷺ مُجَوِّبٌ (٣٧) عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ لَهُ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلاً رَامِيًا شَدِيدَ النَّزْعِ، كَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ بِجَعْبَةٍ مِنَ النَّبْلِ، فَيَقُولُ "انْثُرْهَا لأَبِى طَلْحَةَ". قَالَ: وَيُشْرِفُ النَّبِىُّ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ، فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى لَا تُشْرِفْ؛ يُصِيبُكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ، نَحْرِى دُونَ نَحْرِكَ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِى بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ، وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا (٣٨) ، تَنْقُزَانِ الْقِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا، [ثم ٣/ ٢٢٢] تُفْرِغَانِهِ فِى أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلآنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهِ فِى أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، الحواشي
(٣٧) أي: مترس. (عليه): يستره. (بجحفة)؛ أي: بترس من جلد. فوله: "يصيبك"؛ أي: فهو يصيبك، ورُوي: "يصبْك" بالجزم.(٣٨) أي: خلاخيل سيقانهما. (تنقزان القرب)، أي: تحملانها.стр. 1193
وَلَقَدْ وقعَ السيفُ مِن يَدَيْ (٣٩) أبي طلحةَ؛ إمَّا مرتينِ وإمَّا ثلاثاً.
١٧١٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ؛ هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ [هزيمةً تُعرَفُ فيهم ٧/ ٢٢٦]، فَصَرَخَ إِبْلِيسُ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: أَىْ عِبَادَ اللَّهِ! أُخْرَاكُمْ. فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ، فَاجْتَلَدَتْ (٤٠) هِىَ وَأُخْرَاهُمْ , فَبَصُرَ حُذَيْفَةُ [بنُ اليمانِ]، فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ الْيَمَانِ، فَقَالَ: أَىْ عِبَادَ اللَّهِ! أَبِى أَبِى. قَالَ: قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا احْتَجَزُوا (٤١) حَتَّى قَتَلُوهُ , فَقَالَ حُذَيْفَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ. قَالَ عُرْوَةُ: فَوَاللَّهِ مَا زَالَتْ فِى حُذَيْفَةَ [منه ٨/ ٤١] بَقِيَّةُ [وفى روايةٍ: منها بقيةُ ٤/ ٢٣٢] خَيْرٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ , [قَالَ: وَقَدْ كَانَ انْهَزَمَ مِنْهُمْ قَوْمٌ حَتَّى لَحِقُوا بِالطَّائِفِ ٨/ ٣٩].
(بَصُرْتُ): عَلِمْتُ مِنَ الْبَصِيرَةِ فِى الأَمْرِ، و (أَبْصَرْتُ): مِنْ بَصَرِ الْعَيْنِ، وَيُقَالُ: بَصُرْتُ وَأَبْصَرْتُ وَاحِدٌ.
١٩ - بابُ قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ الحواشي
(٣٩) كذا في بعض النسخ، وفي نسخة الحافظ: "يد" بلفظ الِإفراد، ولعله الصواب؛ لموافقته لحديث أبي طلحة الآتي بعد حديث.(٤٠) أي: اقتتلت مع أخراهم، وهم يظنون أنهم من العدو؛ كذا في "الفتح"، وهو أصح من قول بعض الشراح: "أي: تقوت أولاهم بأخراهم"؛ لأنه مؤيد بحديث ابن عباس في قصة الرماة، وتركهم لمواطنهم، وفيه: "فدخلوا في العسكر ينهبون، وقد التقت صفوف أصحاب رسول الله ﷺ ، فهو كذا -وشبك بين أصابع يديه- والتبسوا، فضرب بعضهم بعضاً، وقتل من المسلمين ناس كثير ... " الحديث. أخرجه أحمد (١/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، وصححه الحاكم (٢/ ٢٩٧)، ووافقه الذهبي، وسنده حسن، وسكت عليه الحافظ.(٤١) ما انفصلوا عنه.стр. 1194
٢٠ - بابٌ ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾
﴿تُصْعِدونَ﴾: تذهَبونَ. أصْعَدَ وصَعِدَ فوق البيتِ
٢١ - بابٌ ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
١٧١٨ - عن أبي طلحةَ ﵄ قال: [غَشِيَنَا النُّعَاسُ وَنَحْنُ فِى مَصَافِّنَا يَوْمَ أُحُدٍ؛ قَالَ: فـ ٥/ ١٧١] كُنْتُ فِيمَنْ تَغَشَّاهُ النُّعَاسُ حَتَّى سَقَطَ سَيْفِى مِنْ يَدِى مِرَارًا؛ يَسْقُطُ وَآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ فَآخُذُهُ.
٢٢ - بابٌ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾
٥٨٤ - قال حُمَيْدٌ وثابت عن أنسٍ: شُجَّ النبيُّ ﷺ يومَ أُحُدٍ فقالَ:
"كيفَ يُفْلحُ قومٌ شَجُّوا نبيَّهُم؟ "، فنزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
الحواشي
(١) ٥٨٤ - وصله أحمد (٣/ ٩٩ و ١٧٨ و ٢٠١ و ٢٠٦ و ٢٥٣ و ٢٨٨) من الوجهين عن أنس، ووصله مسلم عن ثابت.стр. 1195
١٧١٩ - عن ابن عمرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ مِنَ الرَّكْعَةِ الأخِيرَةِ مِنَ [صلاةِ ٨/ ١٥٥] الْفَجْرِ يَقُولُ:
«اللَّهُمَّ! الْعَنْ فُلَانًا، وَفُلَانًا، وَفُلَانًا».
(وفي روايةٍ عن سالمٍ قال: كان يدعو على صَفوانَ بنِ أميَّةَ، وسُهَيْلِ بنِ عمرٍو، والحارثِ بنِ هشامٍ) (٤٢) بعدما يقولُ: "سمعَ اللهُ لمَن حَمِدَهُ، ربَّنا! ولكَ الحمدُ"، فأنزلَ اللهُ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
٢٣ - بابُ ذِكْرِ أُمِّ سَلِيْطٍ
(قلت: أسند فيه حديث ثعلبة بن أبي مالك المتقدم "ج ٢/ ٥٦ - الجهاد/ ٦٦ - باب").
٢٤ - بابُ قتلِ حمزَةَ
١٧٢٠ - عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِىِّ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِىِّ بْنِ الْخِيَارِ، فَلَمَّا قَدِمْنَا حِمْصَ؛ قَالَ لِي عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ عدىٍّ: هَلْ لَكَ فِى وَحْشِىٍّ؛ نَسْأَلُهُ عَنْ قَتْلِ حَمْزَةَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ -وَكَانَ وَحْشِىٌّ يَسْكُنُ حِمْصَ- فَسَأَلْنَا عَنْهُ؟ فَقِيلَ لَنَا: هُوَ ذَاكَ فِى ظِلِّ قَصْرِهِ، كَأَنَّهُ حَمِيتٌ (٤٣) ، قَال: فَجِئْنَا حَتَّى وَقَفْنَا عَلَيْهِ بِيَسِيرٍ، فَسَلَّمْنَا فَرَدَّ السَّلَامَ -قَالَ: وَعُبَيْدُ اللَّهِ مُعْتَجِرٌ بِعِمَامَتِهِ، مَا يَرَى وَحْشِىٌّ إِلَاّ عَيْنَيْهِ وَرِجْلَيْهِ- فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: يَا وَحْشِىُّ! أَتَعْرِفُنِى؟ قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ, ثُمَّ قَالَ: الحواشي
(٤٢) قلتُ: هذه الرواية مرسلة كما هو ظاهر , والثلاثة الذين سماهم سالم؛ أسلموا يوم الفتح , ولعل هذا هو السر في نزول الآية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾؛ كما قال الحافظ.(٤٣) أي: زق كبير للسمن، يشبه به الرجل السمين. و (الاعتجار): لف العمامة على الرأس من غير تحنيك. وقوله: (استرضع له): أي: أطلب له من يرضعه.следующие страницы →