رسولِ اللهِ ﷺ ، فَعَرَفَ استِئْذانَ خديجةَ (١٧)، فارتاعَ لذلكَ، فقالَ: "اللهُم! هالةَ". قالت: فغِرْتُ، فقلتُ: ما تذكُرُ مِن عجوزٍ من عجائِزِ قريش حمراءِ الشِّدقَيْنِ، هَلَكَتْ في الدهرِ، قد أبدَلَكَ الله خيراً منها!
٢١ - بابُ ذِكْرِ جريرِ بنِ عبدِ اللهِ البَجَلِيِّ ﵁
(قلت: أسند في حديث جرير الآتي "ج ٣/ ٦٤ - المغازي/ ٦٤ - باب").
٢٢ - بابُ ذكْرِ حذيفةَ بنِ اليمانِ العَبْسِيِّ ﵁
(قلتُ: أسندَ في حديث عائشة الآتي "ج ٣/ ٦٤ - المغازي/ ١٩ - باب").
٢٣ - بابُ ذِكْرِ هِنْدِ بنتِ عتبةَ بنِ ربيعةَ ﵂
١٦٢٣ - عن عائشة ﵂ قالت: جاءَت هندُ بنتُ عتبةَ [بنِ ربيعة ٨/ ١٠٩]؛ قالت: يا رسولَ اللهِ! ما كانَ على ظهرِ الأرضِ مِن أهلِ خِباءٍ أحَبَّ إلي أنْ يَذِلُّوا مِن أهلِ خِبائِكَ، ثم ما أصبحَ اليومَ على ظهرِ الأرضِ أهلُ خِباءٍ أحبُّ إلي أن يَعِزوا مِن أهلِ خِبائِكَ. قالَ:
стр. 1122
"وأيضاً والذي نفسي بيدِهِ".
٢٤ - بابُ حديثِ زيدِ بنِ عمرِو بنِ نُفَيْلٍ
١٦٢٤ - عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ لَقِيَ زيدَ بنَ عمرِو بنِ نفيلٍ بأسفلِ بَلْدَحٍ (١٨)؛ قبلَ أنْ يَنْزلَ على النبيَّ ﷺ الوحيُ، فقُدِّمَتْ إلى النبيِّ ﷺ سُفْرةٌ، فأبى أن يأكلَ منها، ثم قالَ زيدٌ (وفي روايةٍ: فقدَّم إليه رسولُ الله ﷺ سُفْرَةً فيها لحم، فأبى أن يأكلَ منها، ثم قالَ ٦/ ٢٢٥) (١٩): إني لستُ آكُلُ مما تَذْبَحُونَ على أنصابِكُم (٥)، ولا آكُلُ إلا ما ذُكِرَ اسمُ اللهِ عليهِ، وأنَّ زيدَ بنَ عمرٍو كانَ يَعِيبُ على قريش ذبائِحَهُم، ويقولُ: الشاةُ خَلَقَها اللهُ، وأنزَلَ لها من السماءِ إلماءَ، وأنبَتَ لها مِن الأرضِ، ثم تَذْبَحُونَها على غيرِ اسمِ اللهِ! إنكاراً لذلك، وإعظاماً لهُ.
١٦٢٥ - عن ابنِ عمر أنَّ زيدَ بنَ عمرِو بنِ نُفَيل خَرَجَ إلى الشامِ يسألُ عن
стр. 1123
الدينِ، ويَتَّبِعُهُ (٢٠)، فلقِيَ عالماً من اليهودِ فسألَهُ عن دينِهم؟ فقالَ: (إني لَعَلَّي أنْ أدِينَ دينَكُم، فأخبِرْني. فقالَ: لا تكونُ على دينِنا حتى تأخُذَ بنصيبكُ مِن غَضَب اللهِ. قالَ زيدٌ: ما أَفِر إلا مِن غضبِ اللهِ، ولا أحْمِلُ من غضبِ اللهِ شَيئاً أبداً؛ وأنَا أستطيعُهُ، فهل تدُلُّني على غيرِهِ؟ قالَ: ما أعلَمُهُ إلا أنْ يكونَ حَنِيفاً. قالَ زيدٌ: وما الحَنِيفُ؟ قالَ: دينُ إبراهيمَ؛ لم يكن يهودياً ولا نصرانياً، ولا يعبدُ إلا اللهَ.
فخرَجَ زيدٌ، فلقيَ عالِماً من النصارى، فذكَرَ مِثْلَهُ، فقالَ: لنْ تكونَ على دينِنا حتى تأخُذَ بِنَصِيبكُ مِن لعنةِ اللهِ. قالَ: ما أفِرُّ إلا مِن لعنةِ اللهِ، ولا أحمِلُ من لعنةِ اللهِ ولا من غَضَبِهِ شيئاً أبداً؛ وأنا أستطيعُ، فهل تَدُلُّني على غيرِهِ؟ قالَ: ما أعلَمُهُ إلا أن يكونَ حَنِيفاً. قالَ: وما الحَنِيفُ؟ قالَ: دينُ إبراهيمَ؛ لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ولا يعبدُ إلا اللهَ.
فلما رأى زيدٌ قولَهُم في إبراهيمَ ﵇؛ خَرَجَ، فلمَّا بَرَزَ (٢١) رفعَ يَدَيْهِ، فقالَ: اللهُم! إني أُشْهِدُكَ أنَّي على دينِ إبراهيمَ.
٥٦٢ - عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ ﵂ قالتْ: رأيتُ زيدَ بنَ عمرِو بنِ نُفَيْل قائماً، مُسْنِدًا ظهرَه إلى الكعبةِ؛ يقولُ: يا معاشِرَ قريشٍ! واللهِ ما منكم على دينِ إبراهيمَ غيري. وكان
стр. 1124
يُحيِيِ المَوْؤُدَةَ؛ يقول للرجل -إذا أراد أن يقتُلَ ابنتهُ-: لا تقْتُلْها، أنا أكْفيكَها مَؤُنَتَها، ليأخُذُها، فإذا تَرَعرَعتْ قالَ لأبيها: إنْ شئتَ دفعتُها إليك، وإنْ شئتَ كفيْتُك مؤُنتَها.
٢٥ - بابُ بنيانِ الكعبةِ
١٦٢٦ - عن عمرِو بنِ دينارٍ وعُبيدِ اللهِ بنِ أبي يزيدَ؛ قالا: لم يكنْ على عهدِ النبيِّ ﷺ حولَ البيتِ حائطٌ، كانوا يُصَلُّونَ حولَ البيتِ حتى كانَ عمرُ، فبنى حولَهُ حائِطاً. قالَ عبيدُ اللهِ: جَدْرُهُ قصير؛ فبناهُ ابنُ الزبيرِ (٢٢).
٢٦ - بابُ أيامِ الجاهليةِ
١٦٢٧ - عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ عن أبيهِ عن جدِّهِ قالَ: جاءَ سيلٌ في الجاهليةِ، فكسا ما بينَ الجَبَلَيْنِ. قالَ سفيانُ: ويقولُ: إنَّ هذا الحديثَ لهُ شأنَّ (٢٣).
١٦٢٨ - عن قيسِ بن أبي حازِمٍ قالَ: دخَلَ أبو بكرٍ على امرأةٍ مِن أحْمَسَ يُقالُ لها: زينبُ، فرآها لا تَكَلَمُ، فقالَ: ما لها لا تَكَلَّمُ؟ قالوا: حَجَّتْ مُصْمِتَةً (٢٤). قالَ لها: تكَلَّمي؛ فإنَّ هذا لا يَحِلُّ، هذا مِن عملِ الجاهليةِ. فتكَلَّمَتْ، فقالَتْ: مَن أنتَ؟ قالَ: امْرُؤٌ مِن المهاجرينَ. قالت: أيُّ المهاجرينَ؟ قال: من قريشٍ. قالت: من أيِّ قريشٍ أنتَ؟ قالَ: إنَّكِ لَسَؤُلٌ، أنا أبو بكرٍ. قالت: ما بقاؤُنا على
стр. 1125
هذا الأمرِ الصالحِ الذي جاءَ اللهُ بهِ بَعْدَ الجاهليةِ؟ قالَ: بقاؤُكُمْ عليه ما اسْتَقامَتْ بكُم أئِمَّتُكُم. قالت: وما الأئمَّةُ؟ قالَ: أمَا كانَ لقومِكِ رُؤوسُ وأشرافُ يأمُرُونَهُم فيُطِيعُونَهُم؟ قالت: بلى. قالَ: فهم أولئكَ على الناسِ.
١٦٢٩ - عن ابنِ عمر ﵄ عن النبيِّ ﷺ قالَ:
"ألا مَن كانَ حالِفاً فلا يَحْلِفْ إلا باللهِ"، فكانت قريش تحلِفُ بآبائِها، فقالَ:
"لا تَحْلِفوا بآبائِكُم".
١٦٣٠ - عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسم؛ أنَّ القاسمَ كان يمشي بين يَدَيِ الجَنازَةِ، ولا يقومُ لها، ويخبرُ عن عائشة قالت: كانَ أهلُ الجاهليةِ يَقُومُونَ لها، يقولونَ إذا رَأَوْها: كُنتِ في أهلِكِ ما أنتِ. (مرتينِ).
١٦٣١ - عن عِكْرَمَةَ: (وكأساً دِهاقاً)؛ قالَ: مَلْأى مُتَتابِعةً. قالَ: وقال ابنُ عباسٍ: سمعتُ أبي يقولُ في الجاهليةِ: اسقِنا كأساً دِهاقاً (٢٥).
١٦٣٢ - عن أبي هريرة ﵁ قالَ: قالَ النبيَّ ﷺ :
"أصْدَقُ كَلِمةٍ (وفي روايةٍ: بَيْتٍ ٧/ ١٨٧) قالها الشاعرُ كلِمةُ لَبِيْدٍ:
ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللهَ باطِلُ (*)
стр. 1126
وكادَ أُميةُ بنُ أبي الصَّلْتِ أنْ يُسْلِمَ".
١٦٣٣ - عن عائشةَ ﵂ قالت: كان لأبي بكرٍ غلامُ يُخْرِجُ له الخَرَاجَ (٢٦)، وكانَ أبو بكرٍ يأكلُ مِن خَراجِهِ، فجاءَ يوماً بشيءٍ، فأكل منه أبو بكرٍ، فقال له الغلامُ: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكرٍ: وما هو؟ قالَ: كنتُ تكَهَّنْتُ لإنسانٍ في الجاهليةِ، وما أحْسِنُ الكِهانَةَ؛ إلا أني خَدَعْتُه، فلَقِيَني، فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلتَ منه. فأدخَلَ أبو بكرٍ يدَهُ، فقاءَ كُلَّ شيءٍ في بطنِهِ.
٢٧ - [بابٌ] القَسَامَةُ في الجَاهِلِيَّةِ
١٦٣٤ - عنِ ابنِ عباس ﵄ قالَ: إنَّ أوَّلَ قَسامَةٍ كانَتْ في الجاهليةِ لَفِينا بني هاشمٍ؛ كانَ رجل مِن بني هاشمٍ استَأْجَرَهُ رجلٌ من قريشٍ من فخِذٍ أُخرى، فانْطَلَقَ معهُ في إبلهِ، فمرَّ رجلٌ بهِ مِن بني هاشمٍ قدِ انقطَعَتْ عُرْوةُ جُوَالِقِهِ، فقالَ: أَغِثْني بعِقالٍ أشُدُّ بهِ عُرْوةَ جُوَالِقي؛ لا تَنْفِرُ الإبلُ. فأعطاهُ عِقالًا، فشدَّ بهِ عُرْوةَ جُوالِقِهِ، فلمَّا نَزَلُوا؛ عُقِلَتِ الإبلُ إلَاّ بَعيراً واحداً، فقالَ الذي استأْجرَهُ: ما شأْنُ هذا البعيرِ لمْ يُعْقَلْ مِن بين الإبلِ؟ قالَ: ليسَ لهُ عِقالٌ، قالَ: فأينَ عِقالُهُ؟ قالَ (٢٧): فحَذَفَهُ بعصاً كانَ فيها أَجَلُهُ، فمر بهِ رجلٌ مِن أهلِ اليمنِ،
стр. 1127
فقالَ: أتَشْهَدُ المَوْسِمَ؟ قالَ: ما أشْهَدُ، وربَّما شَهِدْتُه. قالَ: هلْ أنتَ مُبْلغٌ عنِّي رسالةً مرَّةً من الدَّهْرِ؟ قالَ: نعم. قالَ: فكُنْتُ إذا أنتَ شهِدْتَ الموسمَ فنادِ: يا آلَ قريشٍ! فإذا أَجابُوكَ فنادِ: يا آلَ بني هاشم! فإنْ أجابوكَ فاسألْ عن أبي طالبٍ، فأخْبِرْهُ أنَّ فلاناً قتَلَني في عِقالٍ، وماتَ المُسْتَأجَرُ.
فلما قَدِمَ الذي استأجَرَهُ؛ أتاهُ أبو طالبٍ، فقالَ: ما فعَلَ صاحِبُنا؟ قالَ: مَرِضَ، فأحْسَنْتُ القيامَ عليهِ، فَوَليتُ دَفْنَهُ. قالَ: قدْ كانَ أهلَ ذاكَ منكَ. فمَكَثَ حِيْناً، ثَمَّ إنَّ الرجلَ الذي أَوْصَى إليهِ أنْ يُبْلغَ عنهُ وافَى المَوْسِمَ، فقالَ: يا آلَ قريشٍ! قالوا: هذه قريشٌ. قالَ: يا آلَ بني هاشِم! قالو!: هذهِ بنو هاشمٍ. قالَ: أينَ أبو طالبٍ؟ قالوا: هذا أبو طالبٍ. قالَ: أمَرني فلانٌ أنْ أبْلِغَكَ رسالةً؛ أنَّ فلاناً قَتَلَهُ في عِقالٍ. فأَتاهُ أبو طالبٍ، فقالَ لهُ: اخْتَرْ منَّا إِحدى ثلاثٍ: إنْ شِئْتَ أَنْ تُؤدِّيَ مائةً مِن الِإبلِ؛ فإنَّكَ قَتَلْتَ صاحِبَنا، وِإِنْ شِئْتَ حَلَفَ خمسونَ مِن قومِكَ إِنَّك لم تَقْتُلْهُ، فإِنْ أَبَيْتَ قَتَلْناكَ بهِ، فأتى قومَهُ، فقالوا: نَحْلِفُ، فأَتَتْهُ امرأةٌ مِن بني هاشمٍ، كانَتْ تحتَ رجُلٍ منهُم قدْ وَلَدَت لهُ، فقالتْ: يا أَبا طالب! أُحِبُّ أن تُجِيزَ ابني (٢٨) هذا برجلٍ مِن الخمسينَ، ولا تَصْبُرْ يَمينَهُ حيثُ تُصْبَرُ الأيمانُ، ففَعَلَ، فأَتاهُ رجلٌ منهُم فقالَ: يا أبا طالبٍ! أَرَدتَ خمسينَ رجلاً أنْ يَحْلِفوا مكانَ مائةٍ من الابلِ،
стр. 1128
يُصِيبُ كل رجلٍ بَعِيرانِ، هذانِ بعيرانِ فاقْبَلْهُما عنِّي، ولا تَصْبُرْ يَميني حيثُ تُصْبَرُ الأيمانُ. فقَبِلَهُما، وجاءَ ثمانيةٌ وأرْبَعونَ فحَلَفُوا، قالَ ابنُ عباسٍ: فوالّذي نَفْسي بيدِهِ؛ ما حالَ الحَوْلُ ومِن الثمانيةِ وأربعينَ عينٌ تَطْرِفُ.
٥٦٣ - عنِ ابنِ عباس قالَ: ليسَ السَّعْىُ (٢٩) ببَطنِ الوادي بينَ له الصَّفا والمروةِ سُنَّةً؛ إنما كانَ أهلُ الجاهليَّةِ يَسْعَوْنَها، ويقولونَ: لا نُجِيْرُ البطحاءَ إلا شَدًّا.
١٦٣٥ - عن ابنِ عباس ﵄ يقولُ: يا أيها الناسُ! اسْمَعُوا مني ما أقولُ لكُم، وأَسْمِعُوني ما تَقولُونَ، ولا تَذْهَبُوا فتقولُوا: قالَ ابنُ عباسٍ، قالَ ابنُ عباسٍ؛ مَن طافَ بالبيْتِ؛ فلْيَطُفْ مِن وَراءِ الحِجْرِ، ولا تَقولُوا: الحَطيمَ؛ فإنَّ الرجلَ في الجاهليةِ كانَ يحْلِفُ فيُلْقِي (٣٠) سَوْطَهُ أو نعْلَهُ أو قوسَهُ.
١٦٣٦ - عن عمرِو بنِ ميمونٍ قالَ: رأيتُ في الجاهليَّةِ قِرْدَةً اجْتَمَعَ عليها قِرَدَةٌ، قدْ زَنَتْ، فرَجَمُوها، فرَجَمْتُها معَهُم (٣١).
стр. 1129
١٦٣٧ - عن ابن عباسٍ ﵄ قالَ: خِلالٌ مِن خِلالِ الجاهلِيَّةِ: الطَّعْنُ في الأنْسابِ، والنِّياحَةُ، ونَسِيَ الثالثةَ.
قالَ سفيانُ: ويقولونَ: إنَّها الِاسْتِسْقاءُ بالأنْواءِ (٣٢).
٢٨ - بابُ مَبْعَثِ النبيِّ ﷺ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المطلبِ بنِ هاشمِ بنِ عبدِ منافِ بنِ قُصَىِّ بنِ كِلابِ بنِ مُرَّةَ بنِ كعبِ بنِ لُؤَيِّ بنِ غالبِ بنِ فِهْرِ ابن مالكِ بنِ النَّضْرِ بنِ كِنانةَ بنِ خُزَيْمَةَ بنِ مُدْرِكَةَ بنِ إلياسِ بنِ مضرَ بنِ نِزارِ بنِ مَعَدِّ ابن عَدْنانَ
١٦٣٨ - عن ابنِ عباسٍ ﵄ قالَ: أُنْزِلَ على (وفي روايةٍ: بُعِثَ ٤/ ٢٥٣) رسولُ اللهِ ﷺ وهو ابنُ أربعينَ [سنةً]، فمكَثَ [بمكةَ] ثلاثَ عَشْرةَ سنة [يُوْحَى إليهِ]، ثمَّ أُمِرَ بالهجرَةِ، فهاجَرَ إلى المدينَةِ، فمكَثَ بها عَشْرَ سنينَ، ثم تُوفِّيَ ﷺ [وهو ابنُ ثلاثٍ وستينَ].
٢٩ - بابُ ما لَقِيَ النبيُّ ﷺ وأصحابُهُ مِن المشركينَ بمكَّةَ
١٦٣٩ - عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ قال: أمَرَني عبدُ الرحمنِ بنُ أبْزَى قالَ: سَلِ
стр. 1130
ابنَ عباسٍ عن هاتينِ الآيتينِ ما أَمْرُهُما: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [٣٣]، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدُا﴾؟ [النساء: ٩٣] فسألتُ ابنَ عباسٍ؟ فقالَ:
لمَّا أُنْزِلَتِ التي في ﴿الْفُرْقَانَ﴾؛ قالَ مُشْرِكُو أهلِ مكةَ: فقدْ قَتَلْنا النَّفْسَ التي حرَّمَ اللهُ، ودَعَوْنا معَ اللهِ إلهاً آخَرَ، وقدْ أتَيْنا الفواحِشَ، فأنْزَلَ اللهُ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ الآيةَ، فهذه لأولئك، وأمَّا التي في ﴿النساءِ﴾؛ الرجلُ إذا عَرَفَ الإسلامَ وشرائِعَهُ، ثم قَتَلَ؛ فجزاؤُهُ جَهَنمُ خالداً فيها.
فذكرتُهُ لمجاهِدٍ، فقالَ: إلَاّ مَن نَدِمَ.
(وفي روايةٍ: آيةٌ اخْتَلَفَ فيها أهلُ الكوفةِ، فرحَلْتُ فيها إلى ابنِ عباسٍ، فسألتُهُ عنها؟ فقالَ: نَزَلَتْ هذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدُا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ هي آخرُ ما نزَلَ، وما نَسَخَها شيءٌ ٥/ ١٨٢. وفي أخرى: عنه عن قولهِ تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾؛ قال: لا تَوْبَةَ لهُ. وعن قولهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهُا آخَرَ﴾ قالَ: كانتْ هذه في الجاهليةِ. وفي أخرى: نزلتْ في أهلِ الشركِ. وفي أخرى: هذه مكيةٌ نسَخَتْها آيةٌ مدنيَّةٌ التي في ﴿سُورةِ النساءِ﴾ ٦/ ١٥) (٣٤).
стр. 1131
١٦٤٠ - عن عروةَ بنِ الزُبيرِ قالَ: سألتُ ابنَ عمرو بنِ العاصِ؛ قلتُ: أَخْبِرْني بأشَدِّ شيءٍ صنَعَهُ المُشْرِكونَ بالنبي ﷺ ؟ قالَ: بَيْنا النبيُّ ﷺ يُصَلِّي في حِجْرِ (وفي روايةٍ: فِناءِ ٦/ ٣٤) الكعبةِ؛ إذْ أقبلَ عُقبةُ بنُ أبي مُعَيْطٍ، ف [أَخذَ بمَنْكِبِ رسولِ اللهِ ﷺ و] وَضَعَ (وفي روايةٍ: وَلَوَى) ثوبَه في عُنُقِهِ، فخَنَقَهُ [بهِ ٤/ ١٩٧]، خَنْقاً شديداً، فأقبَلَ أبو بكرٍ حتى أَخذَ بمَنْكِبِهِ، ودَفَعَهُ عنِ النَبيِّ ﷺ ، [وَ] قالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ [وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ]﴾ الآيةَ؟
٣٠ - بابُ إسلامِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁
١٦٤١ - عن عمارِ بنِ ياسرٍ قالَ: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ وما معَهُ إلا خَمْسَةُ أعْبُدٍ، وامْرَأَتانِ، وأبو بكرٍ.
٣١ - بابُ إسلامِ سعدٍ ﵁
(قلتُ: أسند في حديث سعد المتقدم "ج ٢/ ٦٢ - الفضائل/ ١٦ - باب").
٣٢ - بابُ ذِكْرِ الجِنِّ، وقولِ اللهِ تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾
стр. 1132
١٦٤٢ - عن عبدِ الرحمنِ (ابنِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ) قالَ: سألتُ مَسْروقاً: مَن آذنَ النبيَّ ﷺ بالجِنِّ ليلَةَ اسْتَمَعُوا القُرآن؟ فقَالَ: حدَّثَني أبوكَ -يعني: عبدَ الله- أنَّه آذنَتْ بهِم شَجَرَةٌ.
١٦٤٣ - عن أبي هريرةَ ﵁ أنهُ كانَ يحْمِلُ معَ النبيِّ إداوَةً لوُضُوئِهِ وحاجَتِهِ، فبَيْنما هُو يَتْبَعُهُ بها، [فكانَ لا يَلْتَفِتُ، فدَنوْتُ منهُ ١/ ٤٧]؛ فقالَ: "مَن هذا؟ ". فقالَ: أنا أبو هريرةَ. فقالَ:
"ابْغِني أحْجاراً أسْتَنْفِضْ بها (٣٥)، ولا تَأتِني بعَظْمٍ ولا برَّوْثَةٍ"، فأتيتُهُ بأحجارٍ أحْمِلُها في طرفِ ثوبي، حتى وضعتُها إلى جَنْبِهِ، ثم انصَرَفْتُ، [فلما قضى (٣٦) أتْبَعَهُ بهِنَّ]، حتى إذا فرغَ؛ مَشَيْتُ معهُ، فقلتُ: ما بالُ العَظْمِ والرَّوْثَةِ؟ قالَ:
"هُما من طعامِ الجِنِّ، وإنَّهُ أَتاني وفْدُ جِنِّ نَصيبينَ -ونِعْمَ الجِنُّ- فسألوني الزَّادَ، فدَعَوْتُ اللهَ لهُم أنْ لا يَمُرُّوا بعَظْم ولا رَوْثَةٍ إلا. وَجَدوا عليها طَعاماً".
٣٣ - بابُ إسلام أبى ذُرِّ الغِفارى ﵁ -
(قلت: أسند في حديث ابن عباس المتقدم "ج٢/ ٦١ - المناقب/ ٩ - باب/ الحديث رقم ١٤٩٥").
٣٤ - بابُ إسلامِ سعيدِ بنِ زيدٍ ﵁
١٦٤٤ - عن سعيدِ بنِ زيدِ بنِ عمرِو بنِ نفيل قالَ في مسجدِ الكوفة: واللهِ
стр. 1133
لقدْ رأَيْتُني وإنَّ عُمرَ لمُوِثقي (٣٧) على الِإسلامِ [أنا وأُخْتَهُ ٤/ ٢٤٣]، قبلَ أنْ يُسْلِمَ عُمرُ، ولو أنَّ أُحُداً ارْفَضَّ (٣٨) (وفيِ روايةٍ: انقَضَّ) للذي صَنَعْتُم بعُثمانَ لكانَ مَحْقُوقاً أنْ يَرْفَضَّ (وفي روايةٍ: يَنْفَضَّ ٨/ ٥٦).
٣٥ - بابُ إسلامِ عُمرَ بنِ الخطَابِ ﵁
١٦٤٥ - عن عبدِ اللهِ بنِ مسعود ﵁ قال: ما زِلْنا أعزَّة منذُ أسْلَمَ عُمرُ.
١٦٤٦ - عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ قالَ: بينَما هو في الدَّارِ خائفاً (وفي طريقٍ أخرى عنه: لمَّا أسْلَمَ عُمرُ؛ اجتَمَعَ الناسُ عندَ دارهِ، وقالوا: صَبَأَ عُمرُ! وأنا غُلامٌ فوقَ ظهرِ بيتي)؛ إذ جاءَهُ العاصِ بنُ وائلٍ السهميُّ أبو عمرٍو، عليهِ حُلَّةُ حِبَرةٍ، وقصيصٌ مكفوفٌ (*) بحريرٍ -وهو من بني سَهْمٍ، وهُم حُلفاؤُنا في الجاهليةِ- فقالَ له: ما بالُك؟ قالَ: زعَمَ قومُك أنَّهُم سَيَقْتُلونَني أنْ أسْلَمْتُ. قالَ: لا سبيلَ إليكَ. بعدَ أنْ قالَها (٣٩) أَمِنْتُ، فخَرَجَ العاصِ، فلقِيَ الناسَ قدْ سالَ بهِمُ الوادي، فقالَ: أينَ تُريدونَ؟ فقالوا: نُريدُ هذا ابنَ الخطَّابِ الذي صبأَ، [فقالَ: قدْ صبأَ عُمَرُ، فما
стр. 1134
ذاكَ؟ فأَنا لهُ- جارٌ]، قال: لا سبيلَ إليهِ. فكَرَّ النَّاسُ، [فقلتُ: مَن هذا الرجلُ؟ قالَ: العاصِ بنُ وائلٍ].
١٦٤٧ - عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ قال: ما سمعتُ عُمرَ لشيءٍ قطُّ يقول: إنِّي لأظُنُّهُ كَذا؛ إلا كانَ كما يَظُنُّ، بَيْنَما عمرُ جالسٌ؛ إذ مر بهِ رجلٌ جميلٌ، فقالَ عمرُ: لقدْ أخطأَ ظنِّي، أوْ إنَّ هذا على دينهِ في الجاهليةِ، أوْ لقدْ كانَ كاهِنَهُم، علىَّ الرَّجُلَ (٤٠)، فدُعِيَ له، فقالَ لهُ ذلك، فقالَ: ما رأيتُ كاليومِ اسْتُقْبِلَ بهِ رجلٌ مسلمٌ! قالَ: فإني أعْزمُ عليكَ إلا ما أخْبَرْتَني. قالَ: كنتُ كاهِنَهُم. قالَ: فما أعْجَبُ ما جاءَتْكَ بهِ جَنِّيَّتُكَ؛ قالَ: بَيْنَما أنا يوماً في السُّوقِ؛ جاءَتْني أعْرِفُ فيها الفزَعَ، فقالتْ: ألمْ تَرَ الجِنَّ وإبْلاسَها (٤١)، ويأسَها من بعدِ إنْكاسِها، ولُحوقَها بالقِلاصِ وأحْلاسِها؟ قالَ عُمر: صدَقَ، بينَما أنا عندَ آلهَتِهِم؛ إذْ جاءَ رجلٌ بعِجْلٍ فذَبَحَهُ، فصرخَ بهِ صارخٌ، لمْ أسمَعْ صارخاً قطُّ أسند صوتاً منه، يقولُ: يا جَلِيحْ! أمر نَجِيحْ، رجلٌ فَصِيحْ! يقولُ: لا إلهَ إلا أنتَ. فوثَبَ القومُ، قلتُ: لا أبْرَحُ حتى أعْلَمَ ما وراءَ هذا؟ ثم نادى: يا جَلِيحْ! أمرٌ نَجيحْ , رجلٌ فَصِيحْ، يقولُ: لا إلهَ إلا
стр. 1135
اللهُ. فقمْتُ، فما نَشِبْنا أنْ قيلَ: هذا نبىُّ.
٣٦ - بابُ انشقاقِ القَمَرِ
٣٧ - بابُ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ
٥٦٤ - وقالتْ عائشة: قالَ النبيُّ ﷺ :
"أُرِيتُ دار هجرَتِكم ذاتَ نخل بينَ لابَتَيْنِ (٤٢)، فهاجَرَ من هاجَرَ قِبَلَ المدينةِ، ورجَعَ عامةُ مَن كانَ هاجَرَ بأرضِ الحبشةِ إلى المدينَةِ.
٥٦٥ و ٥٦٦ - فيه عن أبي موسى وأسماءَ عن النبيّ ﷺ .
١٦٤٨ - عن عبيدِ اللهِ بنِ عديِّ بنِ الخِيَارِ أنَّ المِسْوَرَ بنَ مخرَمَةَ وعبدَ الرحمنِ بنَ الأسوَدِ بنِ عبدِ يَغُوثَ قالا لهُ: ما يَمْنَعُكَ أنْ تُكَلِّمَ خالَكَ عُثمانَ في أخيهِ الوليدِ بنِ عُقبَةَ (٤٣)، وكانَ أكثَرَ الناسُ فيما فَعَلَ بهِ.
قال عُبيدُ اللهِ: فانتَصَبْتُ لعُثمانَ حينَ خرجَ إلى الصلاةِ، فقلْتُ لهُ: إن لي إليكَ حاجةً، وهيَ نَصِيحة. فقالَ: أيها المرءُ! أعوذُ باللهِ منكَ. فانصرفتُ، فلما
стр. 1136
قَضَيْتُ الصلاةَ؛ جلستُ إلى المِسْوَرِ وإلى ابنِ عبدِ يَغوثَ، فحدَّثْتُهما بالذي قلتُ لعُثمانَ وقالَ لي، فقالا: قدْ قَضَيْتَ الذي كانَ عليكَ.
فبينَما أنا جالسُ معهما؛ إذْ جاءَني رسولُ عثمانَ، فقالا لي: قدِ ابْتَلاكَ اللهُ. فانطلَقْتُ، حتى دخلتُ عليهِ، فقالَ: ما نَصِيحَتُكَ التي ذكرتَ آنفاً؟ قالَ: فتشهَّدْتُ، ثم قلتُ: إنَّ اللهَ بعثَ محمداً ﷺ ، وأنزَلَ عليهِ الكتابَ، وكنتَ ممَّنِ استجابَ للهِ ورسولهِ ﷺ ، وآمَنْتَ بهِ، وهاجَرْتَ الهِجْرَتينِ الأوليَيْنِ، وصَحِبْتَ رسولَ اللهِ ﷺ ، ورأَيتَ هَدْيَهُ، وقد أكثَرَ الناسُ في شأْنِ الوليدِ بنِ عُقبةَ، فحَقٌ عليكَ أنْ تُقِيمَ عليهِ الحَدَّ. فقال لي: يا ابنَ أخي! أدرَكْتَ رسولَ اللهِ ﷺ ؛ قالَ: قلتُ: لا؛ ولكنْ قدْ خَلَصَ إليَّ مِن علمهِ ما خَلَصَ إلى العذراءِ في سِتْرِها. قالَ: فتشهَّدَ عثمانُ، فقالَ: إنَّ اللهَ قدْ بعَثَ محمداً ﷺ بالحقَّ، وأنْزَلَ عليهِ الكتابَ، وكنتُ ممَّن استجابَ للهِ ورسولهِ- ﷺ ، وآمَنْتُ بما بُعِثَ بهِ محمدٌ، وهاجرتُ الهِجْرَتينِ الأوليَيْنِ كما قلتَ، وصحِبْتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، وبايَعْتُهُ، [ونِلْتُ صِهْرَ رسولِ اللهِ ﷺ ٤/ ٢٦٥]، [ف ٤/ ٢٠٣]، واللهِ ما عصَيْتُه ولا غَشَشْتُه حتى توفَّاه اللهُ، ثَمَّ اسْتَخْلَفَ اللهُ أبا بكرٍ، فواللهِ ما عَصَيْته ولا غَشَشْتُهُ، ثمَّ اسْتُخْلِفَ عمرُ، فواللهِ ما عصيْتُه ولا غَشَشْتُهُ، ثم اسْتُخْلِفْتُ؛ أفلَيْسَ لي عليكُم [مِن الحقَّ ٤/ ٢٠٣]، مِثْلُ الذي كانَ لهُم عليَّ؟! قالَ (وفي روايةٍ: قلتُ): بلى. قالَ: فما هذه الأحاديثُ التي تبْلُغُني عنكُم؟! فأمَّا ما ذكرْتَ من شأنِ الوليدِ بنِ عُقبةَ؛ فسنأْخُذُ فيهِ إنْ شاءَ اللهُ بالحَقِّ. قالَ: فجَلَدَ الوليدَ أرْبعينَ جَلْدَةً، وأمَرَ عليَاً أنْ يَجْلِدَهُ [فجَلَدَهُ ثمانينَ]، وكانَ هو يَجْلِدُهُ.
стр. 1137
قال أبو عبدِ اللهِ: ﴿بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: ما ابْتُليتُم بهِ من شدَّةٍ، وفي موضعٍ: (البلاءُ): الِابْتِلاءُ والتَّمْحِيصُ، مِن بَلَوْتُهُ ومَحَّصْتُه؛ أي: استَخْرَجْتُ ما عندَهُ. (يبْلُو): يخْتَبِرُ. ﴿مُبْتَليكُم﴾: مُخْتبِرُكُم. وأمَّا قولُهُ: (بلاءٌ عظيمُ): النِّعَمُ، وهي من (أبْليْتُهُ)، وتلكَ مِنَ (ابْتَلَيْتُهُ) (٤٤).
٣٨ - باب مَوْتُ النَّجَاشِىِّ
٣٩ - بابُ تَقاسُمِ المُشْركينَ (٤٥) على النبيِّ ﷺ
٤٠ - بابُ قصَّةِ أبي طالبٍ
١٦٤٩ - عنِ العباسِ بنِ عبدِ المطَّلبِ ﵁ قال للنبىِّ ﷺ : ما أغْنَيْت عن عمِّك (وفي روايةٍ: هل نفَعْتَ أبا طالبٍ بشيءٍ ٧/ ١٢١)؟ فواللهِ [إنَّه] كانَ يحُوطُك، ويَغْضَبُ لك! قالَ:
"هُو في ضَحْضاحٍ (*) من نارٍ، ولولا أنا لكانَ في الدَّرْكِ الأسفَلِ مِن النَّارِ).
١٦٥٠ - عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ أنه سمعَ النبيَّ ﷺ وذُكِرَ عِنْدَهُ عمُّهُ، فقالَ:
"لعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شفاعَتي يومَ القِيامَةِ، فيُجْعَلُ في ضَحْضاحٍ مِن النَّارِ يَبْلُغُ كعبيهِ، يغْلِي منهُ [أُمُّ]، دِماغِهِ".
стр. 1138
٤١ - بابُ حديثِ الإسراء، وقولِ اللهِ تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾
١٦٥١ - عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ أنَّه سمعَ رسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ:
"لمَّا كَذَّبَني قريشٌ [٥٦٧ - حينَ أُسْرِيَ بي إلى بيتِ المَقْدِسِ ٥/ ٢٢٤]؛ قمتُ في الحِجْرِ، فجَلا اللهُ لي بيتَ المَقْدِسِ، فطَفِقْتُ أُخْبِرُهُم عن آياتِهِ وأنا أَنْظُرُ إليهِ".
٤٢ - بابُ المِعْراجِ
١٦٥٢ - عن أنسِ بن مالكٍ عن مالكِ بنِ صَعْصَعَةَ ﵄ أنَّ نبى اللهِ ﷺ حدَّثَهُم عن ليلةَ أُسرِيَ بهِ؛ قالَ:
"بَينما أنا في الحَطيمِ -وربَّما قالَ (٤٦): في الحِجْرِ- مُضْطَجِعاً [بينَ النائمِ واليَقْظانِ ٤/ ٧٧] (٤٧)؛ إذ أتاني آتٍ" (وفي روايةٍ: وذكر -يعني:- رجلًا بين الرجلين) (٤٨)، فقدَّ -قالَ: وسمعْتُهُ يقولُ: "فشَقَّ (٤٩) - ما بينِ هذه إلى هذهِ"، فقلتُ
стр. 1139
للجارودِ (٥٠) -وهو إلى جَنْي-: ما يَعْنِي بهِ؟ قالَ: مِن ثُغْرةٍ نحرِهِ إلى شِعْرِته، وسمعتُهُ يقولُ: "مِن قَصِّهِ (٥١) إلى شِعْرَته (وفي روايةٍ: من النَّحْرِ إلى مَرَاقِّ البطنِ)، فاستَخْرَجَ قلبي، ثمَّ أتِيْتُ بطَسْتٍ من ذهَبٍ مملوءَةٍ [حكمةً و] إيماناً، فغُسِلَ [بماءِ زمزَمَ]، قلبي، ثم حُشِيَ (وفي روايةٍ: ثم مُلِئَ حكمةً وإيمانًا)، ثمَّ أُعِيْدَ، ثمَّ أُتِيتُ بدابَّةٍ دونَ البغلِ، وفوقَ الحِمارِ، أبيضَ" -فقالَ له الجارودُ: هو البُراقُ يا أبا حمزَةَ؟ قالَ أنسٌ: نعم؛ يضعُ خَطْوَهُ عندَ أقْصى طَرْفِهِ- "فَحُمِلْتُ عليهِ، فانطلقَ بي جبريلُ حتَّى أتى السماءَ الدُّنيا، فاسْتَفتَحَ، فقيلَ: مَن هذا؟ قالَ: جبريلُ. قيلَ: ومَن معكَ؟ قال: محمدٌ قيلَ: وقدْ أُرْسِلَ إليه؟ قالَ: نعم. قيلَ: مرحباً بهِ، فنِعمَ المجيءُ جاء. ففَتَحَ، فلما خلَصْتُ فإذا فيها آدَمُ، فقالَ: هذا أبوكَ آدمُ فسلِّم عليهِ، فسلَّمتُ عليهِ فردَّ السلامَ، ثم قالَ: مرحباً بالِابْنِ الصالحِ والنبىِّ الصالحِ.
ثمَّ صَعِدَ (*) حتى أتى السماءَ الثانيةَ، فاستَفْتَحَ، قيلَ: من هذا؟ قالَ: جبريلُ. قيلَ: ومَن معكَ؟ قالَ: محمدٌ. قيلَ: وقدْ أُرسلَ إليه؟ قالَ: نعم. قيلَ: مرحباً بهِ، فنعمَ المجيءُ جاءَ. ففَتَحَ، فلمَّا خَلَصْتُ إذا يحيى وعيسى، وهما ابنا الخالةِ، قال: هذا يحيى وعيسى فسلِّم عليهما، فسلَّمْتُ فردَّا، ثمَّ قالا: مرحباً بالأخِ الصالحِ والنبىِّ الصالحِ.
стр. 1140
ثمَّ صعِدَ بي إلى السماءِ الثالثةِ، فاسْتَفْتَحَ، قيلَ: مَن هذا؟ قالَ: جبريلُ. قيلَ: ومَن معكَ؟ قالَ: محمدٌ قيلَ: وقدْ أُرسلَ إليه؟ قالَ: نعم. قيلَ: مرحباً بهِ، فنعمَ المجيءُ جاءَ. فَفُتحَ، فلما خَلَصْتُ إذا يوسُفُ، قالَ: هذا يوسفُ فسلِّم عليهِ، فسلَّمتُ عليه فردَّ، ثم قالَ: مرحباً بالأخِ الصالحِ والنبىِّ الصالحِ.
ثمَّ صعِدَ بي حتى أتى السماءَ الرابعَةَ، فاسْتَفتَحَ، قيلَ: من هذا؟ قالَ: جبريلُ. قيلَ: ومَن معكَ قالَ: محمد. قيلَ: وقدْ أُرسلَ اليهِ؟ قالَ: نعم. قيلَ: مرحباً بهِ، فنعمَ المجيءُ جاءَ. فَفُتحَ، فلمَّا خَلَصْتُ إلى إدريسَ؛ قالَ: هذا إدريسُ فسلِّمْ عليهِ، فسلَّمْتُ عليهِ فردَّ، ثمَّ قالَ: مرحباً بالأخِ الصالحِ والنبىِّ الصالحِ.
ثم صَعِدَ بي حتَّى أتى السماءَ الخامسةَ، فاسْتَفْتَحَ، قيلَ: مَن هذا؟ قالَ: جبريلُ. قيلَ: ومن معكَ؟ قالَ: محمدٌ ﷺ . قيلَ: وقدْ أُرْسلَ إليه؟ قالَ: نعم. قيلَ: مرحباً بهِ، فنعمَ المجيءُ جاءَ. فلمَّا خَلَصْتُ فإذا هارونُ، قالَ: هذا هارونُ فسلِّمْ عليهِ فسلَّمتُ عليهِ فردَّ. ثمَّ قال: مرحباً بالأخِ الصالحِ والنبىِّ الصالحِ.
ثمَّ صعِدَ بي حتى أتى السماءَ السادسةَ، فاسْتَفْتَحَ، قيلَ: مَن هذا؟ قالَ: جبريلُ. قيلَ: مَن معكَ؟ قالَ: محمدٌ قيلَ: وقدْ أُرسِلَ اليهِ؟ قالَ: نعم. قالَ: مرحباً بهِ، فنعمَ المجيءُ جاءَ. فلما خلصتُ فإذا موسى، قالَ: هذا موسى فسلِّم عليهِ، فسلَّمتُ عليه فردَّ، ثم قالَ: مرحباً بالأخِ الصالحِ والنبىِّ الصالحِ، فلمَّا تجاوَزْتُ بكى، قيلَ له: ما يُبْكِيكَ؟ قالَ: أَبْكي لأنَّ غُلاماً بُعِثَ بعدي يدْخُلُ الجنَّةَ مِن أُمَّتِهِ أكثرُ ممن يدخُلُها مِن أُمَّتي.
ثمَّ صعِدَ بي إلى السماءِ السابعَةِ، فاسْتَفْتَحَ جبريلُ، قيلَ: من هذا؟ قالَ:
стр. 1141
جبريلُ. قيلَ: ومَن معكَ؟ قالَ: محمدٌ. قيلَ: وقدْ بُعِثَ إليهِ؟ قالَ: نعم. قالَ. مرحباً بهِ، فنعمَ المجيءُ جاءَ. فلمَّا خلَصْتُ فإذا إبراهيمُ، قالَ: هذا أبوكَ فسلَّمْ عليهِ، قالَ: فسلَّمْتُ عليهِ فردَّ السلامَ، قالَ: مرحباً بالابنِ الصالحِ والنبيِّ الصالحَ.
ثم رُفِعَت لي سِدرَةُ المُنْتَهى، فإذا نبِقُها مِثْلُ قِلالِ هَجَرَ، وإذا ورقُها مثلُ آذانِ الفِيَلَةِ، قالَ: هذه سِدْرَةُ المُنْتَهى، وإذا أربعةُ أنهارٍ؛ نهرانِ باطِنانِ، ونهرانِ ظاهِرانِ، فقلتُ: ما هذانِ يا جبريلُ؟ قالَ: أمّا الباطِنانِ؛ فنهرانِ في الجنَّةِ، وأما الظَّاهِرانِ؛ فالنيلُ والفراتُ، ثمَّ رُفِعَ لي البيتُ المعمورُ، [فسأَلْتُ جبريل؟ فقالَ: هذا البيتُ المعمورُ، يصلي فيهِ كلَّ يومٍ سبعونَ ألفَ مَلَكٍ، إذا خَرَجوا لم يعودُوا إليهِ، آخِرَ ما عليْهِم] (٥٢).
ثم أُتيتُ بإناءٍ من خمرٍ، وإناءٍ من لَبَنٍ، وإناءٍ من عَسَل، فأخَذْت اللبنَ، فقالَ: هي الفطرَةُ، أنتَ عليها وأمَّتُك.
ثم فُرِضَتْ علىَّ الصلواتُ؛ خمسينَ صلاةً كلَّ يومٍ، فرجَعْتُ، فمَرَرْتُ على موسى، فقالَ: بما أُمِرْتَ؟ قالَ: أُمِرْتُ بخمسينَ صلاةً كلَّ يومٍ. قالَ: إنَّ أُمَّتَكَ لا تستطيعُ خمسينَ صلاةً كلَّ يومٍ، وإنِّي واللهِ قدْ جَرَّبْتُ الناسَ قبلَكَ، وعالجْتُ بني إسرائيلَ أشدَّ المعالَجِةِ، فارْجِعْ إلى ربِّكَ، فاسْأَلْهُ التخفيفَ لأمَّتِكَ. فرجعْتُ،
стр. 1142
فوضَعَ عنِّي عشْراً، فرجعتُ إلى موسى، فقالَ مِثْلَهُ، فرجَعْتُ، فوضْعَ عنِّي عشْراً، فرجَعْتُ إلى موسى، فقالَ مِثْلَهُ، فرجَعْتُ، فوضعَ عنِّي عشْراً، فرجَعْتُ إلى موسى، فقالَ مِثْلَهُ، فرجَعْتُ، فأْمِرْتُ بعشْرِ صلواتٍ كلَّ يومٍ، فرجَعْتُ، فقالَ مِثْلَهُ، فرجَعْتُ، فأُمِرْتُ بخمسِ صلواتٍ كلَّ يوَّمٍ، فرجَعْتُ إلى موسى، فقالَ: بما أُمِرْتَ؟ قلتُ: أُمِرْتُ بخمْسِ صلواتٍ كلَّ يوم، قالَ: إنَّ أُمَّتَكَ لا تستطيعُ خمسَ صلوات كلَّ يومٍ، وإنِّي قد جَرَّبْتُ الناسَ قبلَكَ، وعالَجْتُ بَني إسرائيلَ أشدَّ المعالَجَةِ، فارْجِعْ إلى ربِّكَ، فاسألْهُ التخفيفَ لأمِّتِكَ. قالَ: سألْتُ ربِّى حتَّى اسْتَحْيَيْتُ، ولكنْ أرْضَى وأُسَلِّمُ. قالَ: فلمَّا جاوَزْتُ ناداني منادٍ: أمْضَيْتُ فَرِيضَتي، وخَفَفْتُ عن عبادي، و [أَجْزِي الحَسَنَةَ عَشْراً].
١٦٥٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾؛ قَالَ: هِىَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِهِ إلى بيت المقدس.
قال ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾؛ قالَ هى شجرة الزّقُّوم.
٤٣ - بابُ وُفودِ الأنصارِ إلى النبيِّ ﷺ بمكَّةَ، وبيعَةِ العَقَبَةِ
١٦٥٤ - عن جابر بنِ عبدِ اللهِ ﵄ قالَ: شَهِدَ بي خالايَ العَقَبَةَ.
(ومن طريقٍ أُخرى عنه: أنا وأبي وخالي مِن أصحابِ العقَبَةِ).
٥٦٨ - قالَ أبو عبدِ اللهِ: قالَ ابنُ عُيينَة: أحَدُهُما البراءُ بنُ مَعْرور.
стр. 1143
٤٤ - بابُ تزويجِ النبيِّ ﷺ عائشةَ، وقُدُومِها المدينةَ، وبنائهِ بها
١٦٥٥ - عن عائشةَ رضىِ اللهُ عنها قالت: تزَوَّجَني النبيُّ ﷺ وأنا بنتُ ستِّ سنينَ، فقَدِمْنا المدينَةَ، فنَزَلْنا في بني الحارِثِ بنِ خَزْرجٍ , فوُعِكْتُ، فتمَرَّق (٥٣) شَعَري، فوَفَى جُمَيْمَة، فأتَتْني أمِّي أمِّ رُومانَ، وإنِّي لَفِي أُرْجُوحَةٍ، ومعي صواحِبُ لي، فصرَخَتْ بي، فأتَيْتُها لا أدْري ما تُريدُ بِي، فأخَذتْ بيدِي حتَّى أوْقَفَتْني على بابِ الدَّارِ، وإنِّي لأنْهَجُ، حتى سَكَنَ بعضُ نَفَسي، ثم أخَذَتْ شيئاً من ماءٍ فمَسَحَتْ بهِ وجْهي ورأْسي، ثم أدخَلَتني الدَّارَ، فإذا نسوة من الأنصارِ في البيتِ، فقلْنَ: على الخيرِ والبركَةِ، وعلى خيرِ طائرٍ، فأسْلَمَتْني إليهِنَّ، فأصْلَحْنَ مِن شَأْني، فلمْ يَرُعْني إلَّا رسولُ اللهِ ﷺ ضُحىً، فأسْلَمْنَني إليهِ، وأنا يومئذٍ بنتُ تسعَ سنينَ.
١٦٥٦ - عن هشامٍ عن أبيهِ (عُروةَ) (٥٤) قالَ: تُوُفَّيتْ خديجَةُ قبلَ مَخْرَجِ النبيِّ ﷺ إلى المدينةِ بثلاثِ سنينَ، فلَبِثَ سنتينِ أوْ قريباً مِن ذلك، ونَكَحَ عائشةَ وهي بنتُ ستِّ سنينَ، ثمَّ بَنى بها وهيَ بنتُ تسعِ سنينَ.
[قال هشامٌ: وأْنبِئت أنها كانت عندَه تسعَ سنينَ ٦/ ١٣٤]
стр. 1144
٤٥ - بابُ هِجْرةِ النبيِّ ﷺ وأصحابِهِ إلى المدينةِ
٥٦٩ و ٥٧٠ - وقال عبدُ اللهِ بن زيدٍ وأبو هريرةَ ﵄ عنِ النبىِّ ﷺ :
"لولا الهِجْرَة لكنتُ امْرَأ مِن الأنصارِ".
٥٧١ - وقالَ أبو موسى عن النبيِّ ﷺ :
"رأيتُ في المنامِ أنِّي أهاجِرُ مِن مكةَ إلى أرضٍ بها نَخلٌ، فذَهَبَ وَهَلِي (*) إلى أنها اليمامةُ أو هَجَرُ، فإذا هِي المدينةُ: يَثْرِبُ".
١٦٥٧ - عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ قالَ: زُرْتُ عائشةَ معَ عُبيدِ بنِ عُميرٍ الليثيِّ، [وهي مُجاوِرَةٌ بثَبِيْرٍ ٤/ ٣٨]، فسأَلْناها عنِ الهجرَةِ؟ فقالتْ: لا هجرةَ اليومَ (وفي روايةٍ: انقطعَتِ الهِجْرَةُ منذُ فَتَحَ اللهُ على نبيهِ ﷺ مكةَ)، كانَ المؤمِنونَ يفِرُّ أحدُهُم بدينِهِ إلى اللهِ تعالى، وإلى رسولهِ ﷺ ؛ مخافَةَ أنْ يُفْتَنَ عليهِ، فأمَّا اليومَ؛ فقدْ أظْهَرَ اللهُ الإسلامَ، واليومَ يعْبُدُ ربَّهُ حيثُ شاءَ، ولكِنْ جهادٌ ونيَّةٌ.
١٦٥٨ - عن عائشةَ ﵂ زوجِ النبيِّ ﷺ قالتْ: لم أعْقِلْ أبَوَىَّ قَطُّ إلَاّ وهُما يَدِينانِ الدِّينَ، ولم يَمُرَّ علينا يومٌ إلا يأتِينا فيهِ رسولُ اللهِ ﷺ طرفَيِ النَهارِ؛ بُكْرَةً وعَشِيَّةً، فلما ابْتُلِيَ المسلمونَ؛ [هاجرَ إلى الحبشةِ رجالٌ مِن المسلمينَ، و ٧/ ٣٩]، خَرَجَ أبو بكرٍ مهاجراً نحوَ أرضِ الحبشةِ، حتَّى بلَغَ (بَرْكَ
стр. 1145
الغِمادِ) (٥٥) لَقِيَهُ ابنُ الدَّغِنَةِ -وهو سيدُ (القارَةِ) - فقالَ: أينَ تريدُ يا أبا بكرٍ؟ فقالَ أبو بكرٍ: أخْرَجَني قومي، فأُرِيدُ أنْ أسِيْحَ في الأرضِ، وأعبدَ ربِّي، فقالَ ابنُ الدَّغِنةِ: فإنَّ مِثْلَكَ يا أبا بكرٍ! لا يَخْرُجُ ولا يُخْرَجُ، إنَّك تَكْسِبُ المَعْدُومَ (٥٦)، وتَصِلُ الرَّحِمَ، وتحْمِلُ الكَلِّ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ على نوائِبِ الحقِّ، فأنا لكَ جارٌ ارْجِعْ واعْبُدْ ربَّكَ ببلدِكَ. فرجَعَ، وارْتَحَلَ معهُ ابنُ الدَّغِنةِ.
فطافَ ابنُ الدَّغِنةِ عَشِيَّة في أشرافِ [كُفَّارِ ٣/ ٥٨]، قريشٍ، فقالَ لهُم: إنَّ أبا بكرٍ لا يَخْرُجُ مِثْلُهُ، ولا يُخْرَجُ، أتُخْرِجونَ رجلًا يَكْسِبُ المَعْدُومَ، ويصِلُ الرحمَ، ويحْمِلُ الكَلَّ، ويَقْرِي الضَّيْفَ، ويُعِيْنُ على نوائِبِ الحقِّ؟!
فلمْ تُكذِّبْ قريشٌ بجِوارِ ابنِ الدَّغِنةِ، [وآمَنُوا أبا بكرٍ]، وقالوا لابن الدَّغِنةِ: مُرْ أبا بكرٍ فلْيَعْبُدْ ربّهُ في دارهِ، فليُصَلِّ فيها، ولْيقرأْ مَا شاءَ، ولا يُؤذِينا بذَلكَ، ولا يَسْتَعْلِنُ بهِ؛ فإنا نخْشى أنْ يَفْتِنَ نساءَنا وأبناءَنا. فقالَ ذلك ابنُ الدَّغِنةِ لأبي بكرٍ، فلَبِثَ أبو بكرٍ بذلك يعبُدُ ربَّه في داره، ولا يَسْتَعْلِنُ بصلاتِه، ولا يقرأُ في غيرِ دارِهِ.
ثمَّ بدا لأبي بكرٍ فابْتَنى مسجداً بفِناءِ دارِهِ، [وبَرَزَ]، وكانَ يُصَلِّي فيهِ، ويقرأُ القرآنَ، فيَنْقَذِفُ (وفي روايةٍ: فيَتَقَصَّفُ. وفي أخرى: فيَقِفُ ١/ ١٢٢) عليهِ نساءُ المشركينَ وأبناؤُهُم، وهُم يَعْجَبُونَ منهُ، وينظُرونَ إليهِ، وكانَ أبو بكر رجلًا بكَّاءً، لا يملِكُ عينَيْهِ إذا قرأَ القرآنَ، فأفْزعَ ذلكَ أشرافَ قريش مِن المشركينَ، فأَرْسَلوا إلى
стр. 1146
ابنِ الدَّغِنَةِ، فقَدِمَ عليهِم، فقالوا [لهُ]: إنَّا كُنا أجَرْنا أبا بكرٍ بجِوارِكَ، على أنْ يَعْبُدَ ربَّهُ في دارِهِ، فقدْ جاوَزَ ذلكَ، فابْتَنَى مسجداً بفِناءِ دارِهِ، فأعلنَ بالصلاةِ والقراءَةِ فيهِ، وإنَّا قدْ خَشِينا أنْ يَفْتِنَ نساءَنا وأبناءَنا، فانْهَهُ، فإنْ أحَبَّ أنْ يقتَصِرَ على أنْ يعْبُدَ ربَّهُ في دارِهِ؛ فعَلَ، وإنْ أبى إلَاّ أن يُعْلِنَ بذلكَ؛ فَسَلْهُ أنْ يَرُدَّ إليكَ ذمَّتَكَ، فإنَا قدْ كَرِهْنا أنْ نُخْفِرَكَ (٥٧)، ولسنا مُقِرِّينَ لأبي بكرٍ الاِسْتِعْلانَ.
قالتْ عائشةُ: فأتى ابنُ الدَّغِنَةِ إلى أبي بكرٍ، فقالَ: قدْ عَلِمْتَ الذي عاقَدْتُ لك عليهِ، فإمَّا أنْ تَقْتَصِرَ على ذلك؛ وإمَّا أنْ تَرْجِعَ إليَّ ذِمَّتى، فإنِّي لا أُحِبُّ أنْ تسْمَعَ العربُ أَنِّي أُخْفِرتُ في رجلٍ عقَدْتُ له. فقالَ أبو بكرٍ: فإنِّي أرُدُّ إليكَ جِوارَكَ، وأرْضى بجِوارِ اللهِ .
والنبي ﷺ يومئذٍ بمكَّةَ، فقالَ النبيُّ ﷺ للمسلمينَ:
"إنَّي أُرِيتُ دارَ هجرَتكُم ذاتَ نخلٍ بينَ لابتَيْنِ". وهما الحَرَّتانِ (٥٨).
فهاجَرَ مَن هاجَرَ قِبَلَ المدينةِ [حينَ ذكَرَ ذلكَ رسولُ اللهِ ﷺ ، ورجَعَ عامَّةُ مَن كانَ هاجَرَ بأرضِ الحَبَشَةِ إلى المدينَةِ، وتجَهَّزَ أبو بكرٍ [مهاجراً]، قِبَلَ المدينةِ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ :
"على رِسْلِكَ؛ فإنِّي أرْجُو أنْ يُؤْذَنَ لي". فقالَ أبو بكرٍ: وهلْ تَرْجو ذلك بأبي أنتَ؟ (وفي روايةٍ: قالتْ: اسْتأْذَنَ النبيَّ ﷺ أبو بكرٍ في الخروجِ حينَ اشْتَدَّ عليهِ
стр. 1147
الأذَى، فقالَ لهُ: "أقِمْ". فقالَ: يا رسولَ اللهِ! أتَطْمَعُ أنْ يُؤذَنَ لكَ؛ ٥/ ٤٣) قالَ:
"نعم". فحَبَسَ أبو بكرٍ نفسَهُ على رسولِ اللهِ- ﷺ لِيَصْحَبَهُ، وعَلَفَ راحِلَتَيْنِ كانَتا
عندَهُ ورَقَ السَّمُرِ- وهو الخَبَطُ- أربعَةَ أشْهُرٍ.
قالتْ عائشةُ: فبَيْنَما نحنُ يوماً جلوسٌ في بيتِ أبي بكرٍ في نَحْرِ الظَّهيرةِ (وفي روايةٍ: لَقَلَّ يومٌ كانَ يأتي على النبيِّ ﷺ إلَاّ يأْتي فيهِ بيتَ أبي بكرٍ أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهارِ، فلما أُذِنَ له بالخروجِ إلى المدينةِ؛ لمْ يَرُعْنا إلا وقدْ أُتانا ظُهراً، فَ ٢/ ٢٣ - ٢٤) قالَ قائلٌ لأبي بكرٍ: هذا رسولُ اللهِ ﷺ [مُقبلاً]، مُتَقَنِّعاً في ساعةٍ لمْ يَكُنْ يأْتينا فيها، فقالَ أبو بكرٍ: فداءٌ له أبي وأُمي، واللهِ ما جاءَ بهِ في هذهِ الساعةِ إلَاّ أمرٌ [حَدَثَ]. قالتْ: فجاءَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فاسْتَأذَنَ، فأذِنَ لهُ، فدَخَلَ، فقالَ النبيُّ ﷺ [حينَ دَخَلَ] لأبي بكرٍ: "أخْرِجْ مَن عندَكَ". فقالَ أبو بكرٍ: [يا رسولَ اللهِ!، إنَّما هُم أهلُكَ (وفي روايةٍ: إنَّما هُما ابْنَتَايَ. يعني: عائشةَ وأسماءَ) بأبي أنتَ يا رسولَ اللهِ! قالَ: "فإنِّي (وفي روايةٍ: أَشعَرْتَ أَنَّهُ) قدْ أُذِنَ لي في الخُروجِ؟ ". فقالَ أبو بكرٍ: الصَّحابَةَ (وفي روايةٍ: الصُّحْبَةَ) بأبي أنتَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "نعمْ". قالَ أبو بكرٍ: فخُذْ بأبي أنتَ يا رسولَ اللهِ! إحدى راحِلَتَىَّ هاتينِ، [قدْ كُنْتُ أعْدَدْتُهما للخُروجِ]. قالَ رسولُ الله ﷺ :
" [قدْ أخَذْتُها] بالثَّمَنِ"، [فأعْطَى النبيَّ ﷺ إحداهما، وهي الجَدْعاءُ] (٥٩).
قالتْ عائشةُ: فجَهَّزْناهُما أَحَثَّ الجِهازِ (٦٠)، وصَنَعْنا لهُما سُفرةً في جِرابٍ،
стр. 1148
فقَطَعتْ أسماءُ بنتُ أبى بكرٍ قِطْعَةً مِن نِطاقِها، فرَبَطَت (وفي روايةٍ: فأَوْكَتْ) بهِ على فَمِ الجِرابِ؛ فبذلك سُمِّيتْ ذاتَ النِّطاقِ (٦١).
قالتْ: [فرَكبا، فانْطَلَقا]، ثم لحِقَ رسولُ اللهِ ﷺ وأبو بكرٍ بغارٍ في جبلٍ [يقالُ لهُ:] ثَوْرٌ، فكَمَنَا فيهِ ثلاثَ ليالٍ، يَبِيْتُ عندَهُما عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ، وهو غُلامٌ شابٌ ثَقِفٌ لَقِنٌ، فيُدْلِجُ (٦٢) مِن عندِهِما بسَحَرٍ، فيُصْبِحُ معَ قريشٍ بمكةَ كبائِتٍ، فلا يسمعُ أمْراً يُكْتادانِ (وفي روايةٍ: يُكادانِ) بهِ إلا وَعَاهُ، حتى يأتيَهُما بخَبَرِ ذلك حينَ يخْتَلِطُ الظَّلامُ، ويَرْعى عليهما عامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ مولى أبي بكرٍ (وفي روايةٍ: كانَ غُلاماً لعبدِ اللهِ بنِ الطُّفَيْلِ بنِ سَخْبَرَةَ، أخو عائشةَ لأمَها، وكانتْ لأبي بكرٍ) مِنْحَةٌ مِن غَنَم، ف [كانَ]، يُرِيحُها عليهِما حينَ تذهَبُ ساعةٌ مِن العِشاءِ، فيَبِيْتانِ في رِسْلٍ، وهو لَبَنُ مِنْحَتِهما، ورَضِيفُهما، حتى يَنعِقَ بها عامرُبنُ فُهَيْرَةَ بغَلَسٍ، يفْعَلُ ذلكَ في كُلِّ ليلةٍ مِن تلكَ الليالي الثلاثِ.
واستأْجَرَ رسولُ اللهِ ﷺ وأبو بكرٍ رجُلاً مِن بني الدِّيلِ، وهو من بني عبدِ بنِ عَدِىِّ؛ هادياً خِرّيتاً -والخِرِّيتُ: الماهرُ بالهِدايةِ- قذ غَمَسَ حِلْفاً (٦٣) في آلِ
﴿هادُوا﴾: صارُوا يَهودَ، وأما قولُهُ: ﴿هُدْنا﴾: تُبْنا، (هائِدٌ): تائبٌ.
١٦٧٢ - عن أبي هُريرةَ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ:
"لو آمَنَ بي عَشَرَةٌ مِن اليهودِ؛ لآمَنَ بي اليهودُ".
٥٣ - بابُ إسلامِ سلمانَ الفارسىِّ ﵁
١٦٧٣ - عن سلمانَ الفارسيِّ أَنَّه تداوَلَهُ بِضْعَةَ عَشَرَ مِن ربٍّ إلى ربٍّ (٨٨).
١٦٧٤ - عن سلمانَ ﵁ يقولُ: أنا مِنْ (رامَ هُرْمُزَ) (٨٩).
١٦٧٥ - عن سلمانَ قالَ: فَتْرَةٌ بَيْنَ عيسى ومحمدٍ صلى اللهُ عليهما وَسلَّمَ ستُّمِائةِ سنةٍ.
انتهى المجلد الثاني بفضل الله تعالى وحسن توفيقه من "مختصر صحيح البخاري".
ويليه إن شاء الله تعالى المجلد الثالث، وأوله: "٦٤ - كتاب المغازي".