← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 12139

إدراك الركعة والجماعة والجمعة

محمد بن إبراهيم الغامدي

Полный текст (131 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ال مقدمة الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونصلي ونسلم على عبده ورسوله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستنّ بسنته إلى يوم الدين، أمَّا بعد: فإن الصلاة ركن من أركان الدين وهي أعظم أركانه بعد الشهادتين وهي عمود الدين، ولا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وهي أساس صلاح الأعمال وقبولها، وهي أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن رُدّت رُدَّ سائر عمله، وفعلها في الجماعة من سنن الهدى، وما زال النبي ﷺ يصليها في الجماعة حتى توفاه الله، وما زال أصحابه من بعده والتابعون لهم بإحسان يحافظون على فعلها في الجماعة حتى كان يؤتى بالرجل يهادى بين الرجلين من شدة المرض حتى يوقف في الصف كما صح بذلك الأثر عن ابن مسعود ﵁ (١) -، إنّ أمراً كهذا جدير بالعناية والاهتمام، وإنفاق الأوقات في تعلم أحكامه وتعليمها. إن تعلم أحكام الصلاة فرض عين على كل مسلم ذكر أو أنثى، ولا يسع أحد من المسلمين الجهل بأحكام هذا الركن، كما أنّ الجماعة تتعلق بها أحكام، ولها فضل عظيم، وقد وقع الخلاف بين الفقهاء ﵏ فيما تدرك به صلاة الجماعة هل تدرك بركعة أو بما دونها؟ وإذا كانت لا تدرك إلاَّ بركعة فبم تدرك الركعة؟ كما وقع الخلاف بينهم فيما تدرك به الجمعة. هذا كله هو ما دعاني إلى البحث في هذا الموضوع، فقد رأيت أن هذا مِمَّا لا يستغني عنه مسلم، فعقدت العزم على الكتابة في موضوع (إدراك

стр. 2

الركعة والجماعة والجمعة) لما رأيت من تهاون كثير من الناس في حضور الجمع والجماعات، وتأخر الكثيرين عن المبادرة إلى حضور المساجد عند سماع النداء أو قبل أن تقام الصلاة حتى أن الصلاة لتقام وما في المسجد إلاَّ بضعة نفر، ورُبَّما أقيمت وما في المسجد إلاَّ المؤذن والإمام وعدد يسير من كبار السن، فإذا ما قضيت الصلاة وسلم الإمام رأيت أكثر من المسجد يقومون لإتمام صلاتهم، ورُبَّما أقيمت في المسجد الواحد جماعات متعددة، وقد جمعتُ فيه أقوال الفقهاء ﵏ من كتبهم المعتمدة، وأوردت أدلتهم وناقشتها مناقشة علمية من أجل الوصول إلى الرأي الذي تطمئن إليه النفس. وكان منهجي في البحث يتلخص في الآتي: أولاً: الاقتصار في البحث على المذاهب الأربعة، مع ذكر أقوال الصحابة والتابعين وفقهاء السلف. ثانياً: ترتيب الأقوال ترتيباً زمنياً مبتدئاً برأي الحنفية ومن وافقهم، ثم المالكية ومن وافقهم وهكذا، ولم أترك هذا الترتيب إلاَّ فيما ندر لسبب، كأن أجد المسألة منصوصاً عليها عند بعض الفقهاء ولم ينص عليها غيرهم، فأبدأ بالمذهب الذي نصّ على حكم المسألة، ثم أخرج من أقوال الفقهاء الآخرين ما يناسب حكم المسألة. ثالثاً: أذكر عقب كل قول أدلته من الكتاب والسنة والإجماع والقياس إلى آخره ثم أذكر عقب كل دليل ما ورد عليه من المناقشات والجواب عنها حتى أصل إلى الرأي الراجح في المسألة. رابعاً: أعزو الآيات إلى سورها. خامساً: أخرج الأحاديث من مصادرها، فإن كان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما اقتصرت عليه إلاَّ أن يكون اللفظ المستدل بها لغيرهما؛ إذ الغرض معرفة صحة الحديث، وإن لم يكن فيهما فإني أذكر من أخرجه، وأورد ما ذكره

стр. 3

أهل العلم في الحكم عليه. سادساً: أورد ترجمة موجزة للأعلام غير المشهورين الوارد ذكرهم في صلب البحث، أمَّا المشهورين من الصحابة والتابعين فلم أترجم لهم؛ استغناءً بشهرتهم؛ وحتى لا أثقل هوامش البحث بالتراجم مع كثرة الأعلام الوارد ذكرهم في البحث. سابعاً: اعتمدت على المراجع الأصيلة لكل مذهب فلا أنقل قولاً لمذهب إلاَّ من كتب فقهاء المذهب. ثامناً: أذكر ما أفتى به أهل الفتوى المعتبرين في عصرنا ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. تاسعاً: ذيلت البحث بفهارس للمراجع وآخر للموضوعات حتى يستطيع القارئ أن يجد بغيته في أقصر وقت ممكن. وقد اقتضت طبيعة البحث أن يكون في مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة: أولاً: المقدمة: تحدثتُ عن أهمية الموضوع، والأسباب الداعية إلى البحث فيه، ومنهج البحث وخطته. ثانياً: التمهيد: تحدثتُ فيه عن حكم صلاة الجماعة. ثالثاً: فصول البحث: الفصل الأول: إدراك الركعة، وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: ما تدرك به الركعة. المبحث الثاني: مقدار الركوع الذي يدرك به المأموم الركعة مع الإمام. المبحث الثالث: شروط إدراك الركعة بإدراك الركوع. المبحث الرابع: الركوع دون الصف. الفصل الثاني: إدراك الجماعة، وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:

стр. 4

التمهيد: حكم صلاة الجماعة اختلف أهل العلم في حكم صلاة الجماعة للصلوات الخمس على أربعة أقوال: القول الأول: أن الجماعة واجبة وليست شرطاً لصحة الصلاة، وهو قول الحنفية وجزم به صاحب التحفة (١) وغيره. وهو وجه عند الشافعية، وقيل: إنه قول للشافعي (٢) . واختاره ابن خزيمة (٣) وابن المنذر (٤) من الشافعية (٥) . وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو المذهب (٦) ، وبه قال عطاء (٧) (١) تحفة الفقهاء ١/٢٢٧، وبدائع الصنائع ١/١٥٥، والبحر الرائق ١/٣٦٥، وحاشية الشلبي مع تبيين الحقائق ١/١٣٢. (٢) روضة الطالبين ١/٣٣٩. (٣) هو: محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر، الحافظ الحجة، الفقيه، شيخ الإسلام، أبو بكر، النيسابوري الشافعي، حدث عنه البخاري ومسلم في غير الصحيحين، ولد سنة ٢٢٣ ? ومات سنة ٣١١ ?. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٤/٣٦٥ - ٣٨٢. (٤) هو: الإمام الحافظ العلامة، شيخ الإٍسلام، أبو بكر، محمد بن المنذر النيسابوري الفقيه، معدود في فقهاء الشافعية، له تصانيف منها: الإشراف في اختلاف الفقهاء، وكتاب الإجماع، والأوسط، وله اختيار لا يتقيد فيه بمذهب بل يدور مع الدليل، توفي سنة ٣٠٩ أو ٣١٠ ?. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٤/٤٩٠، ووفيات الأعيان ٤/٢٠٧. (٥) روضة الطالبين ١/٣٣٩. (٦) المغني ٣/٥، والإنصاف ٢/٢١٠ ?. (٧) عطاء: أبو محمد عطاء بن أبي رباح، أسلم - وقيل: سالم - بن صفوان، مولى بني فهر أو جُمَحْ المكي، وقيل: إنه مولى أبي ميسرة الفهري، من مولدي الجند، وكان من أجلاء الفقهاء، وتابعي مكة، توفي سنة ١١٥?، وقيل: ١١٤?. انظر: وفيات الأعيان ٣/٢٦١، وتهذيب التهذيب ٧/١٩٩.

стр. 5

الفصل الأول: إدراك الركعة المبحث الأول: ماتدرك به الركعة ... الفصل الأول: إدراك الركعة وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: ما تدرك به الركعة اختلف أهل العلم فيما يدرك به المسبوق الركعة مع الإمام على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الركعة تدرك بإدراك الركوع مع الإمام، وهذا قول جمهور أهل العلم وممن قال به: علي وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عمر ﵃. وبه قال أيضاً عطاء وإبراهيم النخعي وميمون بن مهران (١) وعروة بن الزبير (٢) ، وبه قال الثوري والأوزاعي وأبو ثور وإسحاق (٣) ، وقال به الحنفية (٤) والمالكية (٥)

стр. 6

والشافعية (١) والحنابلة (٢) . واستدلوا بما يأتي: الدليل الأول: حديث أبي بكرة ﵁ أنه دخل المسجد، والنبي ﷺ راكع فركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف، فلما قضى النبي ﷺ صلاته قال: " أيكم الذي ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف؟ فقال أبو بكرة: أنا يا رسول الله، فقال النبي ﷺ : زادك الله حرصاً ولا تعد" (٣) . ووجه الاستدلال: أن الصحابة ﵃ كان مستقراً عندهم أن الركوع تدرك به الركعة، وأيضاً: فالنبي ﷺ لم يأمر أبا بكرة بإعادة الصلاة فيدل على أنه أدرك الركعة، وإنَّما نهاه أن يعود إلى السعي الشديد والركوع دون الصف، كما ورد مصرحاً بذلك في بعض طرق الحديث (٤) . ونوقش: بأنه ليس في الحديث ما يدل على أنه لم يقضها فسقط الاستدلال بالحديث (٥) . ويُمكن الجواب عنه: بأنه ليس فيه ما يدل على أنه قضاها بل فيه ما يدل على أنه لم يقضها، فإن النبي ﷺ قال: لما قضى صلاته أيكم الذي ركع دون الصف فأجابه أبو بكرة، وهذا يدل على أنه سلم معه، والله أعلم.

стр. 7

ونوقش حديث أبي بكرة أيضاً: بأن النبي ﷺ قد نهاه عن العود إلى مثل ذلك والاحتجاج بشيء قد نهي عن لا يصح (١) . وأُجيب: بأن معنى قوله: " لا تعد " يعني لا تركع دون الصف، وقيل: لا تعد أن تسعى إلى الصلاة سعياً يحفزك في النفس، وقيل: لاتعد إلاَّ الإبطاء. ثم قد روي «لا تُعِد» بضم التاء وكسر العين، قال العيني: فإن صحت هذه الرواية فمعناه: ولا تعد صلاتك (٢) . ولو كان النهي للتحريم لأمره النبي ﷺ بالإعادة (٣) . ونوقش أيضاً: بأنه واقعة عين فلا عموم لها (٤) . أقول: ويُمكن أن يُجاب عن هذا بأن الأصل العموم، ويتأيد هذا بفعل الصحابة - رِضْوَانُ الله عَلَيْهِمْ - فقد صح عن عدد منهم أنهم أدركوا الإمام في الركوع وركعوا دون الصف ودخلوا إلى الصف واعتدوا بتلك الركعة كما سيأتي في الدليل الرابع. الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إذا جئتم ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئاً، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة " (٥) .

стр. 8

ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمر من جاء إلى الصلاة والإمام ساجدٌ أن يسجد معه لكنه لا يحتسب تلك الركعة، وإن أدركه في الركوع دخل معه واحتسب تلك الركعة فلفظ الركعة يراد به الركوع (١) . ونوقش: بأن فيه حمل الركعة الواردة في الحديث على الركوع، وهذا لايصح لأن مسمى الركعة جميع أركانها وأذكارها حقيقة شرعية وعرفية، وهما مقدمتان على اللغوية، فإطلاق الركعة على الركوع وما بعده مجاز لايصار إليه إلاَّ لقرينة كما وقع عند مسلم من حديث البراء: «فوجدت قيامه فركعته فاعتداله فسجدته» (٢) . فإن وقوع الركعة في مقابل القيام والاعتدال والسجود قرينة تدل على أن المراد بها الركوع. وما نحن فيه ليس فيه قرينة تصرفه إلى الركوع (٣) .

стр. 9

ويُمكن الجواب عنه: بأن في الحديث ما يدل على أن المراد الركوع وهو قوله قبل أن يقيم الإمام صلبه، وقد وقعت أيضاً في مقابلة السجود كما في رواية ابن خزيمة والحاكم، وهو موضح في تخريج الحديث بالهامش. الدليل الثالث: ما روى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "من أدرك الركوع من الركعة يوم الجمعة فليضف إليها أخرى ومن لم يدرك الركوع فليتم الظهر أربعاً " (١) . ووجه الاستدلال: أن الحديث نص في أن الركعة تدرك بإدراك الركوع، ولذلك فإن من أدرك الإمام يوم الجمعة وهو في الركعة الثانية فأدرك معه الركوع فيكون مدركاً للجمعة؛ لأنه أدرك ركعة كاملة مع الإمام فتنعقد صلاته جمعة، ومن لم يدرك معه الركوع فليصل الظهر أربعاً لفوات الجمعة. ويُمكن مناقشته: بأنه حديث ضعيف كما هو مبين في تخريجه. الدليل الرابع: الآثار عن الصحابة - رِضْوَانُ الله عَلَيْهِمْ - منها: ما روي أن ابن مسعود ﵁ قال: من لم يدرك الإمام راكعاً لم يدرك تلك الركعة (٢) .

стр. 10

وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن عمر ﵄ قال: «إذا جئت والإمام راكع فوضعت يديك على ركبتيك قبل أن يرفع رأسه فقد أدركت» (١) . وروى عبد الرزاق في المصنف: عن ابن عمر ﵄ قال: «إذا أدركت الإمام راكعاً فركعت قبل أن يرفع رأسه فقد أدركت، وإن رفع قبل أن تركع فقد فاتتك» (٢) . وروى معمر عن الزهري عن سالم: أن زيد بن ثابت وابن عمر قالا: في الذي يدرك القوم ركوعاً مثل ذلك أيضاً، قالا: وإن وجدهم سجوداً سجد معهم ولم يعتد بذلك (٣) .

стр. 11

وذكر مالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: إذا فاتتك الركعة فقد فاتتك السجدة. قال: وبلغني أن أبا هريرة كان يقول: «من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة ومن فاته قراءة أم القرآن فقد فاته خير كثير» (١) . وروي عن علي ﵁ أنه قال: «لايعتد بالسجود إذا لم يدرك الركوع» (٢) . الدليل الخامس: أن من أدرك الإمام في الركوع لم يفته من الأركان إلاَّ القيام وهو يأتي به مع تكبيرة الإحرام (٣) . الدليل السادس: أن الشرط هو المشاركة للإمام في أفعال الصلاة ومن فاته الركوع لم يوجد منه المشاركة لا في القيام ولا في الركوع (٤) . القول الثاني: أن من أدرك إمامه راكعاً فكبر ووقف حتى رفع الإمام رأسه

стр. 12

من الركوع فقد أدرك الركعة وعليه أن يركع بعد ذلك، وهذا قول محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (١) وزفر ابن الهذيل (٢) ، والليث بن سعد (٣) . واستدلوا: بأنه أدرك الإمام فيما له حكم القيام بدليل جواز تكبيرات العيدين فيه فصار كما لو كبر الإمام قائماً فركع ولم يركع المؤتم معه حتى رفع رأسه (٤) . ونوقش: بأن الشرط هو مشاركة الإمام في أفعال الصلاة ولم توجد لا في القيام ولا في الركوع بخلاف ما استشهد به فإنه شاركه في القيام (٥) . وأيضاً: لا نسلم صحة مثل هذا إلاَّ من عذر. وقد ذكر فقهاء الحنفية أن ثمرة الخلاف بينهم وبين زفر تظهر في أن من أدرك الإمام راكعاً وكبر ولم يركع حتى رفع الإمام فهو عند زفر لاحق فيأتي بهذه

стр. 13

الركعة قبل فراغ الإمام وعندهم هو مسبوق يأتي بها بعد فراغ الإمام. لكن فقهاء الحنفية متفقون على أنه لو انتهى إلى الإمام وهو قائم فكبر ولم يركع مع الإمام حتى رفع الإمام ثم ركع أنه يصير مدركاً لهذه الركعة، واتفقوا على أنه لو اقتدى به في قومة الركوع لم يصر مدركاً لتلك الركعة (١) . القول الثالث: أن من أدرك القوم ركوعاً لم يعتد بتلك الركعة، روي ذلك عن أبي هريرة (٢) ﵁.

стр. 14

وهو ظاهر كلام الإمام البخاري، وحكاه عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام (١) . ونقل صاحب المجموع عن صاحب التتمة (٢) نسبة هذا القول إلى الإمام محمد بن إسحاق ابن خزيمة وحكاه الرافعي عنه وعن أبي بكر الصبغي (٣) ، وغيرهما من محدثي الشافعية وقواه تقي الدين السبكي (٤) من المتأخرين (٥) والعراقي (٦) وابن

стр. 15

حزم (١) . وأفتى به الشيخ عبد الرزاق عفيفي (٢) ﵀. واستدلوا بما يلي: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣) . وجه الاستدلال: أن القيام ركن من أركان الصلاة ومن أدرك الإمام في الركوع فقد فاته القيام (٤) . ونوقش: بأنه يأتي بتكبيرة الإحرام وهو قائم ثم يركع فيكون قد أتى بركن القيام (٥) . وأُجيب: بأن الله ورسوله ﷺ لم يأمرا الداخل في الصلاة أن يدخل في غير الحال التي يجد الإمام عليها، وأيضاً لا يجزئ قضاء شيء سبق به من الصلاة إلاَّ بعد سلام الإمام، لا قبل ذلك (٦) . ورُدَّ: بأن الآية عامة مخصوصة بحديث أبي بكرة ﵁ فإنه أدرك النبي ﷺ في الركوع ولم يأمره بالإعادة ولو كانت ركعته لا تصح لأمره

стр. 16

أن يعيد؛ لأنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (١) . الدليل الثاني: روى أبو هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: "من أدرك الإمام في الركوع فليركع معه، وليعد الركعة" (٢) . ونُوقش: بأن الصحيح أنه من قول أبي هريرة ﵁، وقد روى عن غيره من الصحابة خلافه. الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ائتوا الصلاة وعليكم السكينة فصلوا ما أدركتم، واقضوا ما سبقكم " (٣) . ووجه الاستدلال: أن من أدرك الإمام في أول الركعة الثانية فقد فاتته الأولى كلها، وإن من أدرك سجدة من الأولى فقد فاتته وقفة وركوع ورفع وسجدة وجلوس، وأنّ من أدرك الجلسة بين السجدتين فقد فاته الوقفة والركوع والرفع وسجدة، وأن من أدرك الرفع فقد فاتته الوقفة والركوع، وأن من أدرك السجدتين فقد فاتته الوقفة والركوع وأن من أدرك الركوع فقد فاتته الوقفة وقراءة أم القرآن، وكلاهما فرض لا تتم الصلاة إلاَّ به (٤) .

стр. 17

ونوقش: بأنه لا يخلو من أن تكون (ما) في الحديث عامة على أصل وضعها، شاملة لجميع ما في الصلاة، أو مخصوصة، والأول باطل إذ يلزم منه قضاء فائت الثناء والتوجه ونحو ذلك من الأدعية الواردة، وفائت السورة وإن أدرك الفاتحة وغيرها من الأركان، والثاني مضرٌّ له، فإنه كما خصص اللفظ العام بالأركان والشرائط بدلائل أخر، فليخصص بما سوى الفاتحة بدلائل أُخَر، وهي النصوص التي تدل على إدراك الركعة بالركوع وسقوط الفاتحة عنه (١) . الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتِمُّوا " (٢) . وجه الاستدلال: أن المأموم المسبوق إذا وجد الإمام في الركوع فقد فاته القيام والقراءة فيجب إتمامها وإنَّما يكون ذلك بعد سلام الإمام فيقضي ركعة (٣) . ونوقش: بما نوقش به الدليل السابق. الدليل الخامس: عن عمران بن حصين ﵁ قال: كانت بي بواسير فسألتُ النبي ﷺ فقال: "صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب" (٤) .

стр. 18

ووجه الاستدلال: أن الحديث دلّ على ركنية القيام ومن أدرك الإمام في الركوع قد فاته القيام فلابد من قضائه (١) . ونوقش: بأنه عام مخصوص بحديث أبي بكرة ﵁ (٢) . الدليل السادس: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " (٣) . وما في معنى الحديث من الأحاديث الدالة على وجوب قراءة الفاتحة في حق المأموم (٤) . وجه الاستدلال: دلّ الحديث على وجوب قراءة المأموم للفاتحة ومن أدرك الإمام في الركوع لم يقرأ الفاتحة فلابد من قضائها (٥) . ونوقش: بأنه عام مخصوص بحديث أبي بكرة ﵁ فقد ركع ولم يقرأ الفاتحة ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة (٦) . ذلك أن الأحاديث المصرّحة بأنه لا صلاة إلاَّ بفاتحة الكتاب قد دلت على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة دلالة ظاهرة بينة، وقد ثبت أن من أدرك الإمام على حالة فليصنع كما يصنع الإمام (٧) ، فمن وصل والإمام في آخر القيام

стр. 19

فليدخل معه فإذا ركع بعد تكبير المؤتم فقد ورد الأمر بمتابعته له بقوله: وإذا ركع فاركعوا، كما في حديث " إنَّما جعل الإمام ليؤتم به " (١) وهو حديث صحيح فلو توقف المؤتم عن الركوع بعد ركوع الإمام وأخذ يقرأ فاتحة الكتاب لكان مخالفاً لهذا الأمر، فقد تقرر أنه يدخل مع الإمام، وتقرر أنه يتابعه ويركع بركوعه، ثم ثبت بحديث: "من أدرك مع الإمام ركعة قبل أن يقيم صلبه فقد أدركها" أن هذا الداخل مع الإمام الذي لم يتمكن من قراءة الفاتحة قد أدرك الركعة بمجرد إدراكه له راكعاً، فيكون هذا مخصصاً لعموم إيجاب قراءة الفاتحة في كل ركعة، ولا وجه لما قيل أنه يقرأ بفاتحة الكتاب ويلحق الإمام راكعاً، وأن المراد الإدراك الكامل وهو لا يكون إلاَّ مع إدراك الفاتحة، فإن هذا يؤدي إلى إهمال حديث إدراك الإمام قبل أن يقيم صلبه، فإن ظاهره بل صريحه أن المؤتم إذا صل والإمام راكع وكبر وركع قبل أن يقيم الإمام صلبه فقد صار مدركاً لتلك الركعة وإن لم يقرأ حرفاً من حروف الفاتحة، فهذا الأمر الأول مِمَّا يقع فيه من عرضت له الشكوك؛ لأنه إذا وصل والإمام راكع أو في آخر القيام ثم أخذ يقرأ ويريد أن يلحق الإمام الذي قد صار راكعاً فقد حاول ما لا يُمكن الوفاء به في غالب الحالات ومن هنا يكون مهملاً لحديث إدراك الإمام قبل أن يقيم صلبه. والأمر الثاني: أنه صار مخالفاً لأحاديث الإقتداء بالإمام وإيجاب الركوع بركوعه والاعتدال باعتداله وبيان ذلك أنه وصل حال ركوع الإمام أو بعد ركوعه ثم أخذ يقرأ الفاتحة من أولها إلى آخرها ومن كان هكذا فهو مخالف لإمامه لم يركع بركوعه وقد يفوته أن يعتدل باعتداله، وامتثال الأمر بمتابعة

стр. 20

الإمام واجب ومخالفته حرام. الأمر الثالث: أن قوله ﵊: "من أدرك الإمام على حالة فليصنع كما يصنع الإمام " يدل على لزوم الكون مع الإمام على الحالة التي أدركه عليها، وأنه يصنع مثل صنعه ومعلوم أنه لا يحصل الوفاء بذلك إلاَّ إذا ركع بركوعه واعتدل باعتداله فإذا أخذ يقرأ الفاتحة فقد أدرك الإمام على حالة ولم يصنع كما صنع الإمام فخالف الأمر الذي يجب امتثاله وتحرم مخالفته فتبين بذلك ما في إيجاب قراءة الفاتحة على المؤتم المدرك لإمامه حال الركوع أو بعده من المفاسد التي حدثت بسبب وقوعه في مخالفة ثلاث سنن صحاح (١) . والراجح في نظري - والله أعلم - هو القول الأول: أنّ الركعة تدرك بإدراك الركوع وذلك لأن أدلة هذا القول وإن كان بعضها لم يسلم من المناقشة إلاَّ أن عمل الصحابة عليه وحديث أبي بكرة ﵁ يؤيده، وهو حديث صحيح، وفيه دليل على أنه كان مستقراً عند الصحابة أن الركعة تدرك بإدراك الركوع بدليل سعيه لإدراك الركوع؛ ولذلك لم ينقل عن أحد منهم خلاف ذلك إلاَّ عن أبي هريرة ﵁ من طريق قال ابن عبد البر فيه نظر (٢) ، وقد روى عنه ما يفيد الإدراك (٣) فقد أخرج مالك في الموطأ بلاغاً أن أبا هريرة ﵁ كان يقول: «من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة ومن فاته قراءة أم القرآن فقد فاته خير كثير» (٤) .

стр. 21

وما في صحيح ابن خزيمة ﵀ خلاف ما نقلوه عنه (١) ، فقد أخرج عن أبي هريرة: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يقيم الإمام صلبه» (٢) ، وترجم له ذكر الوقت الذي يكون فيه المأموم مدركاً للركعة إذا ركع إمامه قبل، وترجم بعد ذلك باب إدراك الإمام ساجداً والأمر بالإقتداء به في السجود وأن لا يعتد به إذ المدرك للسجدة إنَّما يكون بإدراك الركوع قبلها (٣) . ووصف النووي هذا القول - أعني القول الثالث - أنها لا تدرك بإدراك الركوع بأنه وجه ضعيف مزيف، ونقل عن صاحب التتمة أن هذا ليس بصحيح؛ لأنّ أهل الأعصار قد اتفقوا على الإدراك به فخلاف من بعدهم لا يعتد به (٤) . وإن كان دعوى الإجماع لا تصح لكن فيما ذكرته من أدلة من يرى الإدراك ما يكفي، والله أعلم.

стр. 22

المبحث الثاني: مقدار الركوع الذي يدرك به المأموم الركعة مع الإمام اختلف الفقهاء القائلون بأن الركعة تدرك بإدراك الركوع في الحد المجزيء منه الذي تدرك به الركعة على أربعة أقوال: القول الأول: أن القدر المفروض من الركوع هو الانحناء والميل، أمَّا وضع اليدين على الركبتين فسنة، وهذا قول الحنفية، وعليه فمن أدرك الإمام في الركوع فكبر قائماً ثم شرع في الانحطاط وشرع الإمام في الرفع فيعتد بها إذا وجدت المشاركة قبل أن يستقيم قائماً وإن قلّ وهو الأصح عندهم (١) . ووجهه: أن المعنى اللغوي للركوع هو الانحناء يقال: ركعت النخلة إذا مالت فتتعلق الركنية بالأدنى منه (٢) . ويُمكن مناقشته: بأن النبي ﷺ بين الركوع الذي يعتبر ركناً في الصلاة بقوله في حديث المسيء صلاته وقول النبي ﷺ له: " ثم اركع حتى تطمئن راكعاً" (٣) ، وهذا الحديث لبيان أقل الواجبات (٤) ، ولهذا قال النبي ﷺ : " ارجع فصلّ فإنك لم تصلّ ". القول الثاني: أن حد إدراك الركعة أن يُمكن يديه من ركبتيه قبل رفع

стр. 23

الإمام، وهو ظاهر قول مالك في المدونة، وبه أخذ بعض المالكية (١) . ووجهه: أن هذا المقدار هو الفرض فمن أدركه مع الإمام فقد ائتم به في الركوع فكان مدركاً له معه (٢) . ويُمكن أن يناقش: بعدم التسليم أن وضع اليدين فرض بدليل أن النبي ﷺ لم يذكره للمسيء في صلاته كما في رواية الصحيحين. القول الثالث: أنه يدرك الركعة إذا انتهى إلى قدر الإجزاء من الركوع قبل أن يزول الإمام عن قدر الإجزاء، فهذا يعتد له بالركعة ويكون مدركاً لها فأمَّا إن كان المأموم يركع والإمام يرفع لم يجزئه، وقدر الإجزاء هو أن ينحني بحيث يُمكنه مس ركبتيه بيديه، وهذا قول أكثر المالكية (٣) وقول الشافعية (٤) ومذهب الحنابلة (٥) . ووجهه: أنه لا يخرج عن حد القيام إلى الركوع إلاَّ بذلك، ولا يلزمه وضعهما وإنَّما ذلك مستحب (٦) . القول الرابع: أن من انتهى إلى الصف المؤخر ولم يرفعوا رؤوسهم وقد رفع الإمام رأسه فركع فقد أدرك الركعة؛ لأن بعضهم أئمة بعض، وهذا مروي عن الشعبي (٧) .

стр. 24

المبحث الثالث: شروط إدراك الركعة بإدراك الركوع اشترط الفقهاء القائلون بأن الركعة تدرك بإدراك الركوع عدة شروط في الركوع المعتد به لإدراك الركعة، وفيما يلي بيان هذه الشروط: الشرط الأول: أن يطمئن المسبوق في ركوعه قبل أن يرفع الإمام: صرح بهذا الشرط المالكية (١) ، والشافعية (٢) ، والحنابلة (٣) . ولعل مستندهم في ذلك أن الطمأنينة ركن من أركان الصلاة، فمن لم يدرك الإمام في الركوع ويطمئن معه لم يدرك معه الركن وبالتالي فلا يكون مدركاً للركعة. أمَّا الحنفية فلا يشترطون الطمأنينة، ولذلك فإن من أدرك الإمام في الركوع فكبر قائماً ثم شرع في الانحطاط وشرع الإمام في الرفع فيعتد بتلك الركعة في الأصح إذا وجدت المشاركة قبل أن يستقيم قائماً وإن قل (٤) - يعني زمن المشاركة. ولعل مستند الحنفية أن الطمأنينة في الركوع والسجود ليست بركن عند أبي حنيفة ومحمد (٥) .

стр. 25

واستدلا على عدم ركنية الطمأنينة بقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (١) . ووجه الاستدلال من الآية: أن الركوع هو الانحناء يقال: ركعت النخلة إذا مالت وذلك يحصل بدون الطمأنينة فتعلق الركن بالأدنى فيهما (٢) . ويُمكن مناقشته: بأن السنة دلت على أن الطمأنينة ركن كما في حديث المسيء صلاته وقول النبي ﷺ له: "ثم اركع حتى تطمئن راكعاً" (٣) . وقوله: "أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته" قيل: وكيف يسرق من صلاته قال: "لا يتم ركوعها ولا سجودها" (٤) . وقال: "لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل صلبه فيها في الركوع والسجود" (٥) . وأجيب: بأن الصحة يجب أن لا تتوقف على الطمأنينة لأنها ثابتة بخبر الواحد وإلاَّ كان نسخاً ولا ينسخ القرآن بخبر الواحد (٦) . وأيضاً قالوا: الخبر يفيد عدم توقف الصحة على الطمأنينة إذ قد جاء في

стр. 26

بعض ألفاظه قوله: "وما انتقصت من هذا شيئاً فقد انتقصت من صلاتك " (١) ، فقد سماها صلاة والباطل لا يسمى صلاة، أو وصفها بالنقص والباطلة إنَّما توصف بالانعدام (٢) . أقول: ليس هذا نسخاً للقرآن وإنَّما هو بيان له فالنبي ﷺ بين المجمل في الآية بقوله وفعله. والراجح في نظري - والله أعلم - أنه لابد من الطمأنينة؛ لأنه إذا لم يطمئن مع الإمام فهو شاك وحينئذ لابد أن يأتي بركعة ليبني على اليقين. ولأن الطمأنينة في جميع الأركان ركن من أركان الصلاة. ثم هل يشترط أن يدرك مع الإمام الطمأنينة أو يكفي أن يطمئن هو قبل ارتفاع الإمام عن الحد المجزيء في الركوع؟ . صرح بحكم هذه المسألة فقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة، وقد اختلفوا فيها على قولين: أحدهما: أنه لا يشترط، وهو الأصح عند الحنفية (٣) وقول المالكية (٤) وأحد الوجهين عند الحنابلة قال في الإنصاف: ((هذا المذهب مطلقاً، وعليه جماهير

стр. 27

الأصحاب وجزم به في الوجيز وقدمه في الفروع والفائق)) (١) ، لكن لابد أن يدرك الإمام قبل أن يزول عن حد الإجزاء من الركوع. والثاني: أنه يدركها إن أدرك معه الطمأنينة، وهو الوجه الثاني عند الحنابلة (٢) . الشرط الثاني: أن يكون ذلك الركوع محسوباً للإمام: صرح بهذا الشرط فقهاء الشافعية فقالوا: بأن ما ذكروه من إدراك الركعة بإدراك الركوع مع الإمام هو فيما إذا كان الركوع محسوباً للإمام فإن لم يكن محسوباً له بأن كان محدثاً أو قد سها وقام إلى الخامسة فأدركه المسبوق في ركوعها، أو نسي تسبيح الركوع واعتدل قائماً ثم عاد إليه ظاناً جوازه فأدركه فيه لم يكن مدركاً للركعة على المذهب الصحيح الذي قطع به الجمهور من الشافعية (٣) . واشتراط هذا الشرط هو المفهوم من كلام الحنفية والمالكية والحنابلة: فعند الحنفية جاء في البحر الرائق قوله: وفي حيرة الفقهاء إمام افتتح الصلاة فلما ركع ورفع رأسه من الركوع ظن أنه لم يقرأ السورة فرجع وقرأ ثم علم أنه كان قرأ السورة فجاء رجل ودخل معه في الصلاة ثم ركع ثانياً فإن هذا المسبوق يصير داخلاً في الصلاة لكن عليه أن يقضي ركعة لأن الركوع الأول كان فرضاً تاماً والآخر نفلاً فصار كأن المسبوق لم يدرك الركوع من هذه الركعة (٤) . وعند المالكية: لا تجزي الركعة الزائدة التي قام إليها الإمام المسبوق العالم

стр. 28

بكونها خامسة وإن لم يعلم بكونها خامسة لم تجزه تلك الركعة عما سبق به سواء أجمع المأمومون على نفي الموجب أم لا، وقيل: إنها تجزيه إلاَّ أن يجمع المأمومون على نفي الموجب، وأمَّا إذا أجمعوا على نفي الموجب فلا تجزيه اتفاقاً، ومحل الخلاف إن قال الإمام قمت لموجب، أمَّا إذا لم يقل قمتُ لموجب فلا تجزيه تلك الركعة اتفاقاً (١) . فالمالكية إذاً لا يجيزون للمسبوق الاعتداد بالركعة الزائدة إذا كانت زائدة في حقيقة الأمر. ومثل الركعة الزائدة الركوع الزائد (٢) . وعند الحنابلة: جاء في الفروع قوله: ((وكذا تسبيح ركوع وسجود وكل واجب، فيرجع إلى تسبيح ركوع قبل اعتداله وفيه بعده ولم يقرأ وجهان وقيل: لا يرجع وتبطل بعمده، وإن جاز أدرك مسبوق الركعة به وقيل: لا؛ لأنه نفل وكرجوعه إلى ركوع سهو)) (٣) . فقوله: وكرجوعه إلى ركوع سهو - أي أن المسبوق لايعتد بالركوع غير المعتد به لكونه سهواً. وذكر في الإنصاف: أنه على القول بجواز الرجوع إلى تسبيح الركوع لو رجع فأدركه مسبوق، وهو راكع فقد أدرك الركعة بذلك على الصحيح من المذهب جزم به المجد في شرحه والحاوي الكبير وقدمه في الفروع، وقيل لا يدركها بذلك؛ لأنه نفل كرجوعه إلى الركوع سهواً (٤) .

стр. 29

فاعتداده بالركوع على القول بأنه محسوب للإمام؛ إذ هو مفرع على القول بجواز الرجوع ويفهم منه أنه إذا لم يجز له الرجوع فرجع لم يعتد به المسبوق لكونه غير محسوب للإمام، ويؤيد هذا قياسهم على ما لو رجع إلى ركوع سهواً فإن المسبوق لا يعتد به لكونه غير محسوب للإمام. ومِمَّا يؤيد هذا أيضاً: إذا قام إلى ركعة زائدة سهواً فأدركه المسبوق فيها انعقدت صلاته معه على الصحيح من المذهب إن كان المسبوق يظنها رابعة. وعلى هذا فلا يعتد بهذه الركعة على الصحيح من المذهب نص عليه الإمام أحمد ﵀ وقال القاضي وابن قدامة يعتد بها، وتوقف الإمام أحمد في رواية أبي الحارث (١) عنه، ونقل في الإنصاف عن الحاوي الكبير وغيره: أنه يحتمل أن يعتد بها المسبوق إن صح إقتداء المفترض بالمتنفل واختاره القاضي (٢) أيضاً، وقدمه ابن تميم (٣) ، فالقول المعتمد في المذهب هو عدم الاعتداد بهذه الركعة. وعند الحنابلة قول آخر: أن صلاة المسبوق لا تنعقد إذا دخل في ركعة زائدة قام إليها المسبوق سهواً (٤) . وفي الفروع قال: ((وإن قلنا يرجع - يعني من قام إلى زائدة سهواً ونبه - فأبى بطلت صلاته وصلاة من تبعه عالماً، لا جاهلاً وساهياً على الأصح في

стр. 30

الكل ولا يعتد بها مسبوق نص عليه خلافاً للقاضي والشيخ)) (١) . وفي كشاف القناع قوله: ((فيرجع إلى تسبيح ركوع قبل الاعتدال لا بعده ذكره القاضي ... وحيث جاز رجوعه فعاد إلى الركوع أدرك المسبوق الركعة به)) (٢) . وفي موضع آخر قال: ((وإن زاد ركعة أي قام إلى ركعة زائدة كثالثة في صبح أو رابعة في مغرب أو خامسة في ظهر أو عصر أو عشاء قطع تلك الركعة بأن يجلس في الحال متى ذكر ... إلى أن قال: ولا يعتد أي لايحتسب بها أي بالركعة الزائدة من صلاته مسبوق دخل مع الإمام فيها أو قبلها؟ لأنها زيادة لايعتد بها الإمام ... وإنَّما تنعقد صلاة من دخل فيها إذا كان يجهل كونها زائدة على الصحيح من المذهب)) (٣) . ثم متى علم في أثناء الصلاة أنها زائدة لم يعتد بها لما تقدم، وإن علم أنها زائدة بعد السلام وكان الفصل قريباً ولم يأت بمناف تمم صلاته وسجد للسهو وإلاَّ استأنف الصلاة من أولها، وإن علم بعد السلام فكترك ركعة (٤) . وفي شرح المنتهى قوله: ((ومتى رجع إلى الركوع حيث جاز وهو إمام فأدركه فيه مسبوق أدرك الركعة بخلاف ما لو ركع ثانياً ناسياً (٥)) ) ، فهذا كله يدل على أنه يشترط لاعتتاد المسبوق بالركوع أن يكون محسوباً للإمام، وذلك

стр. 31

بأن لا يكون ركوعاً زائداً. الشرط الثالث: أن يكون الإمام أهلاً للتحمل فلو كان صبياً لم يكن المسبوق مدركاً للركعة؛ لأن الصبي ليس أهلاً للتحمل؛ لأن التحمل لا يصح إلاَّ ممن هو من أهل الكمال (١) . وهذا الشرط اشترطه فقهاء الشافعية وهو مبني على مذهبهم القاضي بصحة إمامة الصبي (٢) . واستدلوا على صحة إمامة الصبي بما يلي: الدليل الأول: عن عمرو بن سلمة قال: كنا بما مَمَرِّ الناس وكان يَمُرُّ بنا الركبان فنسألهم ما للناس ما للناس ما هذا الرجل فيقولون يزعم أن الله أرسله أوحى إليه أو أوحى الله بكذا فكنت أحفظ ذلك الكلام وكأنما يُغرى في صدري وكانت العرب تلوَّم بإسلامهم الفتح فيقولون: اتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حقاً فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا وصلوا كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآناً فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآناً مني لما كنت أتلقى من الركبان فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين وكانت عليّ بردة كنت إذا سجدت تقلصت عني فقالت امرأة من الحي ألا تُغطوا عنّا است قارئكم فاشتروا فقطعوا لي قميصاً فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص " (٣) .

стр. 32

ووجه الاستدلال: أن هؤلاء الصحابة قدموا عمرو بن سلمة وكان عمره ست سنين أو سبع سنين، فدل على جواز إمامة الصبي المميز إذ لو كان غير جائز لنَزل الوحي بإنكار ذلك (١) . ونوقش: بأن أحمد ﵀ كان يضعف أمر عمرو بن سلمة وقال مرة: دعه ليس بشيء بين (٢) . وقال أبو داود: قيل لأحمد: حديث عمرو بن سلمة، قال: لا أدري أي شيء هذا (٣) . قال في المغني: ((ولعله إنَّما توقف عنه؛ لأنه لم يتحقق بلوغ الأمر إلى النبي ﷺ فإنه كان بالبادية في حي من العرب بعيد من المدينة، وقوى هذا الاحتمال قوله في الحديث: وكنت إذا سجدت خرجت استي، وهذا غير سائغ)) (٤) . الدليل الثاني: عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سلماً، ولا يَؤُمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلاَّ بإذنه " (٥) .

стр. 33

ووجه الاستدلال منه: أن الصبي داخل في عموم الحديث (١) . وقد خالف في صحة إمامة الصبي الحنفية (٢) ، والمالكية (٣) ، والحنابلة (٤) ، فلم يجيزوا إمامة الصبي أصلاً في القول المعتمد؛ ولهذا لا ترد هذه المسألة على قولهم. واستدلوا على عدم صحة إمامته بما يلي: الدليل الأول: قول النبي ﷺ : " رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستقيظ وعن المجنون حتى يفيق " (٥) . ووجه الاستدلال من الحديث: أن الصبي مرفوع عنه القلم فهو كالمجنون

стр. 34

لا تصح الصلاة خلفه (١) . ونوقش: بأن المراد رفع التكليف والإيجاب لا نفي الصحة (٢) بدليل حديث ابن عباس- ﵄ أنه صلى مع النبي ﷺ (٣) ، وحديث أنس أنه صلى هو واليتيم خلف النبي ﷺ (٤) . الدليل الثاني: روى عن ابن عباس وابن مسعود ﵄ من قولهما أنه لا تصح إمامة الصبي حتى يحتلم (٥) . ونوقش: بأنه معارض بقول عائشة ﵂ أن إمامة الصبي صحيحة (٦) . الدليل الثالث: أن الإمامة حالة كمال، والصبي ليس من أهل الكمال فلا يؤم الرجال كالمرأة (٧) .

стр. 35

ونوقش: بأن الصبي المميز أمّ في زمن النبي ﷺ كما في حديث عمرو ابن سلمة بخلاف المرأة فقد دلت السنة على منعها من إمامة الرجال (١) . الدليل الرابع: أنه لا يؤمن من الإخلال بشرط من شرائط الصلاة أو القراءة حال الإسرار (٢) . ويُمكن أن يناقش: بأنه إنَّما يؤم إذا كان أقرؤهم، وإخلاله بشرط من شروط الصلاة لا يعلمون به لا يمنع من صحة صلاتهم، كما هو الحال بالنسبة للبالغ. والراجح في نظري - والله أعلم - أن إمامة الصبي صحيحة لحديث عمرو بن سلمة، وهو وإن كان في النفل لكن ما صح في النفل صح في الفرض، وهو حديث صحيح خرجه البخاري وهو نص في الموضوع وعموم حديث "يؤمكم أقرؤكم لكتاب الله"، ولعدم سلامة ما احتج به أصحاب القول الآخر من المناقشة، وبناءً على هذا فالراجح في نظري أن من أدركه في الركوع يكون مدركاً للركعة، والله أعلم. الشرط الرابع: أن يتيقن إدراك الإمام في الركوع. لا يخلوا من أدرك الإمام في الركوع من إحدى ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يجزم بإدراكه في الركوع، فهذا يكون مدركاً للركعة عند جمهور الفقهاء وقد مرّ الاستدلال لذلك وبيان الخلاف في مدرك الركوع هل يكون مدركاً للركعة أو لا (٣) ؟

стр. 36

الحالة الثانية: أن يجزم بعدم الإدراك، فهذا لايكون مدركاً للركعة بغير خلاف (١) . الحالة الثالثة: أن يشك (٢) في إدراك الإمام في الركوع، فهذا اختلف

стр. 37

الفقهاء ﵏ في إدراكه للركعة على قولين: القول الأول: أن من أدرك الإمام راكعاً وركع ثم شك هل أدركه راكعاً أو لا؟ فلا يعتد بتلك الركعة وهذا قول المالكية (١) والأظهر عند الشافعية (٢) والحنابلة (٣) . وحجتهم ما يأتي: أولاً: القياس على من شك في عدد الركعات فإنه يبني على اليقين وهو الأقل. ثانياً: احتمال أن يكون الإمام رفع من الركوع قبل إدراكه فيه (٤) . ثالثاً: ولأن الأصل عدم الإدراك. رابعاً: ولأن الحكم بالاعتداد بالركعة بإدراك الركوع رخصة فلا يصار

стр. 38

إليه إلاَّ بيقين (١) . القول الثاني: أن من شك في إدراك الركوع مع الإمام يعتد بتلك الركعة، وهو وجه عند الشافعية (٢) وقول عند الحنابلة ومنهم من يذكره وجهاً (٣) . ووجهه: أن الأصل عدم ارتفاع الإمام (٤) . ويُمكن مناقشته: بأن الأصل هو شغل الذمة بالواجب ولا يزول ذلك إلاَّ بيقين، ومن شكّ هل أدرك الإمام في الركوع أو لا لم يؤدي الواجب بيقين. والراجح في نظري هو القول الأول وذلك لما يأتي: ١ - أن في الأخذ به احتياطاً للعبادة واستبراء للدين؛ لأنه إذا ألغاها وصلى مكانها ركعة فصلاته صحيحة جزماً بخلاف ما لو اعتد بها. ٢ - أن هذه الزيادة لا تؤثر على صلاته بدليل أنّ من دخل مع الإمام في السجود أو في التشهد قد زاد ركناً عمداً ومع ذلك تصح صلاته لكونه ركناً غير محسوب له، والله أعلم.

стр. 39

المبحث الرابع: الركوع دون الصف لإدراك الركعة المسألة الأولى: إذا زالت فذوذيته بعد السجود ... المبحث الرابع: الركوع دون الصف لإدراك الركعة كثيراً ما نسمع ونشاهد المسبوقين يَجْرُونَ في المسجد إذا دخلوا والإمام راكع من أجل أن يدركوا معه الركوع ليكونوا بذلك مدركين للركعة، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا جئتم إلى الصلاة فأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا "، وفي رواية: " فاقضوا " (١) . وقال لأبي بكرة لما جاء يسعى وركع دون الصف: «زادك الله حرصاً ولا تعد» (٢) . فعلى هذا ينبغي لمن جاء والإمام راكع أن يمشي وعليه السكينة حتى يقوم في الصف فإن أدرك الركوع معه في الصف ركع، وكان مدركاً للركعة بشروطها السابقة، وإن لم يدرك معه الركوع دخل معه وقضى ما فاته بعد سلام الإمام. وإن أحرم دون الصف ثم دخل في الصف قبل الركوع أو أتى آخر فصافه فصلاته صحيحة بلا نزاع، وذلك لأنه لم ينفرد في شيء من صلاته (٣) . أمَّا إن ركع دون الصف، ودخل إلى الصف وهو راكع، أو بعد الرفع من الركوع أو بعد السجود، وكان ركوعه دون الصف خشية فوات الركعة، أو

стр. 40

كان ركوعه دون الصف من غير خشية الفوات (١) فهل يكون بذلك مدركاً للركعة أو لا؟ . فهذه أربع صور وسوف يكون الكلام على كل واحدة من هذه الصور الأربع في مسألة مستقلة. * المسألة الأولى: إذا زالت فذوذيته في الركوع: وصورة ذلك: أن يركع دون الصف ويدرك الصف والإمام راكع ويكون ركوعه دون الصف خشية فوات الركعة. فهذه الصورة اختلف الفقهاء ﵏ في حكم صلاته على أربعة أقوال: القول الأول: يكره له ذلك، إلاَّ أن لا يجد فرجة في الصف، وهو قول أكثر مشايخ الحنفية (٢) . واستدلوا بما يلي: ١) - ما روي عن أبي بكرة ﵁ أنه دخل المسجد فوجد النبي ﷺ في الركوع فكبر لما دخل المسجد ودبّ راكعاً حتى التحق بالصفوف، فلما فرغ النبي ﷺ قال له: " زادك الله حرصاً ولا تعد " (٣) . ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لم يأمره بالإعادة، فدل على أنه أدرك الركعة، ونهاه أن يعود، فدل على كراهة ذلك العمل. ويُمكن أن يناقش: بأن النبي ﷺ نهاه عن العود إلى ذلك الفعل فيدل على
следующие страницы →