← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 12139

إدراك الركعة والجماعة والجمعة

محمد بن إبراهيم الغامدي

Полный текст (131 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الحالة الثانية: أن يجزم بعدم الإدراك، فهذا لايكون مدركاً للركعة بغير خلاف (١) . الحالة الثالثة: أن يشك (٢) في إدراك الإمام في الركوع، فهذا اختلف

стр. 37

الفقهاء ﵏ في إدراكه للركعة على قولين: القول الأول: أن من أدرك الإمام راكعاً وركع ثم شك هل أدركه راكعاً أو لا؟ فلا يعتد بتلك الركعة وهذا قول المالكية (١) والأظهر عند الشافعية (٢) والحنابلة (٣) . وحجتهم ما يأتي: أولاً: القياس على من شك في عدد الركعات فإنه يبني على اليقين وهو الأقل. ثانياً: احتمال أن يكون الإمام رفع من الركوع قبل إدراكه فيه (٤) . ثالثاً: ولأن الأصل عدم الإدراك. رابعاً: ولأن الحكم بالاعتداد بالركعة بإدراك الركوع رخصة فلا يصار

стр. 38

إليه إلاَّ بيقين (١) . القول الثاني: أن من شك في إدراك الركوع مع الإمام يعتد بتلك الركعة، وهو وجه عند الشافعية (٢) وقول عند الحنابلة ومنهم من يذكره وجهاً (٣) . ووجهه: أن الأصل عدم ارتفاع الإمام (٤) . ويُمكن مناقشته: بأن الأصل هو شغل الذمة بالواجب ولا يزول ذلك إلاَّ بيقين، ومن شكّ هل أدرك الإمام في الركوع أو لا لم يؤدي الواجب بيقين. والراجح في نظري هو القول الأول وذلك لما يأتي: ١ - أن في الأخذ به احتياطاً للعبادة واستبراء للدين؛ لأنه إذا ألغاها وصلى مكانها ركعة فصلاته صحيحة جزماً بخلاف ما لو اعتد بها. ٢ - أن هذه الزيادة لا تؤثر على صلاته بدليل أنّ من دخل مع الإمام في السجود أو في التشهد قد زاد ركناً عمداً ومع ذلك تصح صلاته لكونه ركناً غير محسوب له، والله أعلم.

стр. 39

المبحث الرابع: الركوع دون الصف لإدراك الركعة المسألة الأولى: إذا زالت فذوذيته بعد السجود ... المبحث الرابع: الركوع دون الصف لإدراك الركعة كثيراً ما نسمع ونشاهد المسبوقين يَجْرُونَ في المسجد إذا دخلوا والإمام راكع من أجل أن يدركوا معه الركوع ليكونوا بذلك مدركين للركعة، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا جئتم إلى الصلاة فأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا "، وفي رواية: " فاقضوا " (١) . وقال لأبي بكرة لما جاء يسعى وركع دون الصف: «زادك الله حرصاً ولا تعد» (٢) . فعلى هذا ينبغي لمن جاء والإمام راكع أن يمشي وعليه السكينة حتى يقوم في الصف فإن أدرك الركوع معه في الصف ركع، وكان مدركاً للركعة بشروطها السابقة، وإن لم يدرك معه الركوع دخل معه وقضى ما فاته بعد سلام الإمام. وإن أحرم دون الصف ثم دخل في الصف قبل الركوع أو أتى آخر فصافه فصلاته صحيحة بلا نزاع، وذلك لأنه لم ينفرد في شيء من صلاته (٣) . أمَّا إن ركع دون الصف، ودخل إلى الصف وهو راكع، أو بعد الرفع من الركوع أو بعد السجود، وكان ركوعه دون الصف خشية فوات الركعة، أو

стр. 40

كان ركوعه دون الصف من غير خشية الفوات (١) فهل يكون بذلك مدركاً للركعة أو لا؟ . فهذه أربع صور وسوف يكون الكلام على كل واحدة من هذه الصور الأربع في مسألة مستقلة. * المسألة الأولى: إذا زالت فذوذيته في الركوع: وصورة ذلك: أن يركع دون الصف ويدرك الصف والإمام راكع ويكون ركوعه دون الصف خشية فوات الركعة. فهذه الصورة اختلف الفقهاء ﵏ في حكم صلاته على أربعة أقوال: القول الأول: يكره له ذلك، إلاَّ أن لا يجد فرجة في الصف، وهو قول أكثر مشايخ الحنفية (٢) . واستدلوا بما يلي: ١) - ما روي عن أبي بكرة ﵁ أنه دخل المسجد فوجد النبي ﷺ في الركوع فكبر لما دخل المسجد ودبّ راكعاً حتى التحق بالصفوف، فلما فرغ النبي ﷺ قال له: " زادك الله حرصاً ولا تعد " (٣) . ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لم يأمره بالإعادة، فدل على أنه أدرك الركعة، ونهاه أن يعود، فدل على كراهة ذلك العمل. ويُمكن أن يناقش: بأن النبي ﷺ نهاه عن العود إلى ذلك الفعل فيدل على

стр. 41

منعه، وإنَّما لم يأمره بالإعادة لكونه يجهل الحكم فبين له النبي ﷺ ذلك. ٢) - أن من ركع دون الصف لا يخلوا عن إحدى الكراهتين: الأولى: أن يتصل بالصفوف فيحتاج إلى المشي في الصلاة، وهو فعل مناف للصلاة في الأصل حتى قال بعض مشايخ الحنفية: إن مشى خطوة خطوة لا تفسد صلاته، وإن مشى خطوتين خطوتين تفسد، وعند بعضهم لا تفسد كيفما كان؛ لأن المسجد في حكم مكان واحد، لكن لا أقل من الكراهة. والأمر المكروه الثاني: أن يتم صلاته في الموضع الذي ركع فيه فيكون مصلياً خلف الصفوف وحده مع إمكان الاصطفاف وهو مكروه لقول النبي ﷺ : " لا صلاة لمنتبذ خلف الصف " (١) وهذا نفي وأقل أحوال النفي هو نفي

стр. 42

الكمال (١) . ويُمكن أن يناقش: بأن المشي إذا لم تدع إليه حاجة فهو مفسد للصلاة إذا كان كثيراً بخلاف اليسير منه فهو معنى عنه (٢) . وأمَّا بالنسبة للأمر المكروه الثاني: فلا يسلم للحنفية أنه إن أتم صلاته خلف الصف كان مكروهاً بل لا تصح الصلاة خلف الصف مع إمكان المصافة (٣) . لما روى وابصة بن معبد (٤) أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد (٥) .

стр. 43

القول الثاني: يجوز له أن يكبر ويدرك الركعة ويدب إلى الصف وصلاته حينئذ صحيحة وهو قول بعض الحنفية (١) ، ورواية عن مالك، وهي مذهبه في المدونة، وهو القول المشهور في المذهب (٢) ، وهو المنصوص عن أحمد، وهو القول المشهور المجزوم به في المذهب (٣) . وممن روي عنه ذلك زيد ثابت وابن مسعود وزيد بن وهب وأبو بكر عبد الرحمن وعروة وسعيد بن جبير، وابن جريج وغيرهم (٤) . واستدلوا بما يلي: ١ - حديث أبي بكرة المتقدم. ووجه الاستدلال منه: أنه أحرم بالصلاة منفرداً خلف الصف ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة لكونه دخل في الصف قبل رفع الإمام من الركوع فلم يصل منفرداً. ويُمكن أن يناقش: بأن النبي ﷺ نهاه عن العود وإنَّما لم يأمره بالإعادة لكونه عذره بالجهل (٥) .

стр. 44

ويُمكن أن يجاب عنه: بأنه لا يصدق عليه أنه صلى خلف الصف؛ لأنه أدرك الصف والإمام راكع، وإنَّما افتتح صلاته خلف الصف. ٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: أتيت النبي ﷺ من آخر الليل فصليت خلفه، فأخذ بيدي فجرني حتى جعلني حذاءه (١) . ووجه الاستدلال من الحديث: أن النبي ﷺ لم يأمر ابن عباس ﵄ بإعادة الصلاة لما وقف خلفه، فدل على أنه لو افتتح الصلاة منفرداً صحت صلاته. ٣ - أن عبد الله بن مسعود ﵁ كان إذا أعجل يدب إلى الصف راكعاً (٢) . وعن زيد بن ثابت ﵁ مثله (٣) . وعن ابن الزبير ﵁ (٤) - مثله.

стр. 45

٤ - أنه أدرك في الصف ما تدرك به الركعة، وحصوله فذاً في القيام لا أثر له بدليل إحرام الإمام وحده، أو المأموم الواحد خلفه، ومن عادة الجماعة التلاحق (١) . القول الثالث: لا يكبر حتى يأخذ مقامه في الصف أو يقرب منه وهو رواية عن مالك (٢) . ودليله: ما روي أن النبي ﷺ "قال إذا جاء أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه" (٣) . ويُمكن أن يناقش: بأن الحديث موافق لحديث أبي بكرة حينما نهاه النبي ﷺ عن العود لكن لم يأمره بإعادة الصلاة لكونه لم ينفرد في شيء منها. القول الرابع: إن كان حين أخذ في الركوع عالماً بالنهي لم تصح صلاته وإن لم يعلم صحت صلاته، حكي رواية عن الإمام أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقي (٤) . ودليله أيضاً: ظاهر حديث أبي بكرة فالنبي ﷺ لم يأمره بإعادة الصلاة لكونه لم يكن قد وقع لأحد مثل ذلك العمل لكن نهاه أن يعود لذلك، والله أعلم. ويُمكن أن يناقش: بأنه لو كانت صلاته غير صحيحة لأمره بالإعادة إذ

стр. 46

في عدم أمره بالإعادة تأخير للبيان عن وقت الحاجة، وذلك لايجوز. والراجح في نظري - والله أعلم - هو القول الثاني القاضي بصحة صلاته في هذه الصورة لكونه أدرك الركوع مع الإمام وهو في الصف وليس منفرداً خلف الصف، والركوع تدرك به الركعة وحديث أبي بكرة يحتمل أن يكون نهاه عن السرعة، ويحتمل أن يكون نهاه عن الركوع دون الصف أو عن التأخير، والله أعلم.

стр. 47

* المسألة الثانية: أن يكبر ويركع دون الصف لكن لايدرك الصف إلاَّ بعد قيام الإمام من الركوع: فهذا اختلف فيه أهل العلم على خمسة أقوال: القول الأول: أن هذا يكره، وهذا قول الحنفية كما في الصورة السابقة؛ إذ يفهم من كلامهم أن الكراهة تشمل الصورتين جاء في بدائع الصنائع للكاساني قوله: «ويكره لمن أتى الإمام وهو راكع أن يركع دون الصف وإن خاف الفوت» (١) . وقد تقدم ذكر أدلتهم في الصورة السابقة. القول الثاني: إن كان لايدرك الإمام راكعاً إذا ركع دون الصف ويدركه بعد قيامه فلايجوز له أن يركع دون الصف بل يتمادى إليه وإن فاتته الركعة، فإن خالف وركع دون الصف فقد أساء - أي كره له ذلك - وأجزأته صلاته، إلاَّ أن تكون الركعة الأخيرة فليركع دون الصف ويدب إليه، وإن شك في أنها الأخيرة جعلها الأخيرة احتياطاً، وهذا قول مالك واختاره ابن رشد (٢) .

стр. 48

ووجهه ما يلي: ١ - أن مراعاة الصف أولى من مراعاة الركعة (١) . ٢ - أنه لَمْ يخل بشرط من شروط صحة الصلاة وإنَّما ترك الأفضل، وذلك لا يَمْنع الإجزاء (٢) . ووجه جوازه في الركعة الأخيرة: أنه لولم يفعل لفاتته صلاة الجماعة (٣) . القول الثالث: يجوز له أن يركع دون الصف ويكون مدركاً للركعة وهذا قول ابن القاسم وصوبه أبو إسحاق التونسي (٤) ، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهي المذهب، واختاره الشيخ تقي الدين (٥) . واستدلوا بما يأتي: أولاً: حديث أبي بكرة فقد فعل ذلك. ويُمكن مناقشته: بأن النبي ﷺ نهاه عن ذلك. ويحتمل أيضاً أنه دخل في الصف قبل رفع الإمام من الركوع فلم ينفرد في شيء من صلاته. ثانياً: عن زيد بن ثابت ﵁ أنه كان يركع قبل أن يدخل في الصف ثم يمشي راكعاً، ويعتد بها وصل إلى الصف أو لم يصل (٦) .

стр. 49

ثالثاً: أنه زمن يسير فعفي عن الفذوذية فيه كما قبل الركوع (١) . رابعاً: أن المحافظة على الركعة أولى من المحافظة على الصف (٢) . القول الرابع: لا تصح صلاته مطلقاً، وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ وهي أصح الروايتين عنه (٣) . واستدلوا: بأنه لم يدرك في الصف ما يدرك به الركعة فأشبه ما لو أدركه في السجود (٤) . ويُمكن أن يناقش: بأنه قياس على مختلف فيه فلا يصح. القول الخامس: إن فعل ذلك جاهلاً بالتحريم صحت صلاته وإن علم لم تصح وهو رواية ثانية عن الإمام أحمد ﵀ نص عليها وقدمه في المغني وانتصر له وخمل كلام الخرقي عليه (٥) . واستدلوا: بحديث أبي بكرة ﵁ حيث نهاه النبي ﷺ عن العود، والنهي يقتضي الفساد، وإنَّما لم يأمره النبي ﷺ بالإعادة لكونه جاهلاً وهذا عذر في حقه (٦) .

стр. 50

ونوقش: بأن التفريق بين العالم والجاهل لا يسوغ بدليل أن من صلى منفرداً خلف الصف أمره بالإعادة مع كونه جاهلاً ولم يأمر أبا بكرة بالإعادة، فدلّ على صحة صلاته (١) . الترجيح: بالنظر في أدلة الأقوال السابقة نجد أن العمدة في المسألة هو حديث أبي بكرة يستدل به كل قول ويوجهه ليتفق مع رأيه، وقد نوقش هذا الحديث بأنه قضية عين يحتمل دخوله في الصف قبل رفع الإمام، ويحتمل أنه لم يدخل فيه حتى رفع الإمام، وحكاية الفعل لا عموم لها، فلا يُمكن أن يحتج به على الصورتين، فهي إذا مجملة متشابهة قد عارضها النص المحكم الصريح في النهي عن صلاة المنفرد خلف الصف (٢) ومن لم يدرك الصف والإمام راكع فقد صلى ركعة منفرداً مع قدرته على الاصطفاف فلا تصح ركعته. فلهذا يترجح لي - والله أعلم - عدم صحة ركعته؛ لأنه صلاها منفرداً خلف الصف مع قدرته على الاصطفاف.

стр. 51

* المسألة الثالثة: إذا زالت فذوذيته بعد السجود: وصورة ذلك: أن يدخل في الصف بعد السجود أو يأتي آخر ويصافه فهل تصح صلاته أو لا؟ لقد اختلف الفقهاء ﵏ في ذلك على قولين: القول الأول: أن ركعته تلك لا تصح، وهو قول الحنابلة، ولا نزاع عندهم في ذلك يقول الزركشي (١) : ((وإن لم يدخل مع الإمام في الصف حتى

стр. 52

سجد لم تصح تلك الركعة بلا نزاع)) (١) ويظهر لي من قوله بلا نزاع: أن المراد أن لا نزاع في المذهب في ذلك. لكن هل تبطل تلك الركعة فقط بحيث لو دخل في الصف بعد الركوع أو انظم إليه آخر صحت بقية الصلاة ويقضي تلك الركعة أو تبطل صلاته جميعها؟ لقد ذكر الزركشي فيها روايتين منصوصتين حكاهما أبو حفص (٢) واختار أنه يعيد ما صلى خلف الصف فقط؛ لأنه صلى بعض الصلاة منفرداً فلم تبطل جميعها كالتكبيرة والركوع من غير سجود (٣) . والمشهور بطلان جميع الصلاة؛ لأن القياس البطلان مطلقاً كالمتقدم في الصف، وإنَّما عفي عن التحريمة ونحوها لقصة أبي بكرة (٤) . القول الثاني: تصح صلاته مع الكراهة، وهذا قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية، فأمَّا المالكية فقد نصوا على أن من ركع دون الصف وهو يعلم أنه لا يُمكنه أن يصل إلى الصف حتى يرفع الإمام رأسه فلا يجوز له ذلك عند مالك، فإن فعل ذلك أجزأته ركعته ولا يمشي إلى الصف إلاَّ في الركعة الثانية (٥) . فأجازوا له في هذه الصورة أن يدب إلى الصف في الركعة الثانية، وركعته

стр. 53

التي صلاها خلف الصف تكون صحيحة، بالإضافة إلى ذلك فإن المالكية يصححون صلاة المنفرد خلف الصف (١) . أمَّا الحنفية والشافعية فلم أجد لهم نصاً في المسألة لكن يفهم رأيهم من مسألة صلاة المنفرد خلف الصف وقد قالوا بصحتها. والراجح في نظري - والله أعلم - هو القول ببطلان صلاته، وذلك للأحاديث الواردة في بطلان صلاة المنفرد خلف الصف لاسيما وهو قادر على الاصطفاف وإنَّما لم نقل ببطلان ركعته فقط؛ لأن تحريمته لم تنعقد لفوات شرط انعقادها، والله أعلم.

стр. 54

* المسألة الرابعة: الركوع دون الصف لمن لم يخش فوات الركعة: اختلف الفقهاء ﵏ فيمن ركع دون الصف ولم يكن ركوعه خشية الفوات أي فوات الركعة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن تحريمته لاتنعقد، وهذا أحد الوجهين عند الحنابلة واختاره أبو الخطاب (٢) والشيخان (٣) . ووجهه: أنه بمثابة من أحرم قدام الإمام ثم صافه، وإنَّما جاز له ذلك على حال الغرض - أي عند خشية فوات الركعة - للنص. القول الثاني: أن صلاته تنعقد وهو الوجه الثاني عند فقهاء الحنابلة. ووجه: أنه حصل فذاً في زمن يسير فأشبه ما لو فعله لغرض.

стр. 55

ويُمكن أن يناقش: بأنه لا حاجة تدعو أن يركع دون الصف هنا بخلاف ما لو ركع خشية فوات الركعة. القول الثالث: أن صلاته تنعقد وتصح إن زالت فذوذيته قبل الركوع وإلاَّ لم يصح. وهو قول عند الحنابلة ذكره الزركشي (١) . ودليلها: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : " إذا أتى أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصف " (٢) . ويُمكن أن يناقش: بأن أبا بكرة ركع دون الصف خشية فوات الركعة ونهاه النبي ﷺ عن العود إلى مثل ذلك، وهنا لم يكن ركوعه دون الصف خشية فوات الركعة فافترقا. ولم أجد لبقية المذاهب كلاماً في المسألة، والظاهر أن صلاته صحيحة عندهم بناءً على تجويزهم لصلاة المنفرد خلف الصف (٣) . والقول الأول هو الراجح في نظري لعموم الأحاديث الواردة في بطلان صلاة المنفرد خلف الصف، لاسيما مع قدرته على الاصطفاف، والله أعلم.

стр. 56

الفصل الثاني: إدراك الجماعة المبحث الأول: ماتدرك به الجماعه المطلب الأول: إدراك فضيلة الجماعة ... الفصل الثاني: إدراك الجماعة وفيه تمهيد وثلاثة مباحث: التمهيد * المسألة الأولى: فضل إدراك التكبيرة الأولى مع الإمام: ينبغي للمسلم أن يبادر إلى فعل الخير، وأن لايشتغل عنه بأهل ولا مال فإن الإنسان إنَّما خلق ووجد في هذه الدنيا لعبادة الله يقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) فإذا كان هذا الخير هو الصلاة فالمسارعة إليه أولى وأحرى. وقد جاء في فضل إدراك التكبيرة الأولى مع الإمام ما روى أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "من صلى أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان براءة من النَّار وبراءة من النفاق" (٢) .

стр. 57

وروى عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: " بادروا واحد الصلاة " يعني تكبيرة الإحرام إذ ليس في الصلاة منها إلاَّ واحدة، وقد جاء في فضلها آثار أخرى عن السلف غير هذا (١) . فلهذا يستحب المحافظة على إدراكها مع الإمام بأن يتقدم إلى المسجد قبل وقت الإقامة ذكره النووي ﵀ في المجموع (٢) ، واحتج له بقول النبي ﷺ : " إنَّما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا " (٣) . ووجه الاستدلال منه: أن الفاء عند أهل العربية للتعقيب فالحديث صريح في الأمر بتعقيب تكبيرته تكبيرة الإمام (٤) . ويُمكن أن يستدل لهذا أيضاً بما روي في فضل النداء والصف الأول، وغالباً لا يدركه المتأخر. ومنها: قول النبي ﷺ : " لو أن الناس يعلمون ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلاَّ أن يستهموا عليه لاستهموا عليه " (٥) .

стр. 58

*المسألة الثانية: وقت إدراك فضيلة تكبيرة الإحرام: اختلف الفقهاء ﵏ في الوقت الذي يكون الشخص فيه مدركاً لفضيلة تكبيرة الإحرام على أقوال كثيرة متباينة. فعند فقهاء الحنفية ستة أقوال وعند الشافعية خمسة أوجه ولم أجد للمالكية نصاً في المسألة أمَّا عند الحنابلة فقول موافق لأحد الأوجه الخمسة التي ذكرها الشافعية، ولما كانت هذه الأقوال متباينة فسوف أذكر أولاً ما ذكره فقهاء الحنفية ثم ما ذكره فقهاء الشافعية، وسوف أبين الوجه الذي اتفق فيه الحنابلة مع الشافعية. أولاً: آراء الحنفية: يرى الإمام أبو حنيفة ﵀ أن وقت إدراك فضيلة تكبيرة الافتتاح تحصل بمقارنة تكبيرة المأموم للإمام، وعلى هذا اتفقت الروايات عن أبي حنيفة (١) . واستدل: بأن الإقتداء مشاركة وحقيقة المشاركة المقارنة إذ بها تتحقق المشاركة في جميع أجزاء العبادة (٢) . ويُمكن مناقشته بأنه قول مردود بالسنة الصحيحة الدالة على أن تكبير المأموم يأتي بعد تكبير الإمام لا مقارناً له، وذلك في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إنَّما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا " (٣) ، والفاء في اللغة تفيد التعقيب (٤) .

стр. 59

القول الثاني: لصاحبي أبي حنفية - أبي يوسف ومحمد - تحصل عندهما الفضيلة إذا كبر المأموم في وقت استفتاح الإمام. ووجه قولهما: أن المقتدي تبع للإمام ومعنى التبعية لا تتحقق في المقارنة (١) . القول الثالث: أنها تحصل بالشروع قبل قراءة ثلاث آيات لو كان المقتدي حاضراً. القول الرابع: أنها تحصل بالشروع قبل قراءة سبع آيات لو كان غائباً. القول الخامس: تحصل بإدراك الركعة الأولى. القول السادس: أنها تحصل بإدراك قراءة الفاتحة واختاره ابن عابدين في الحاشية (٢) . ولم يذكروا لهذه الأقوال الأربعة دليلاً. ثانياً: آراء الشافعية ورأي الحنابلة: نُقل عن فقهاء الشافعية في هذه المسألة خمسة أوجه: الأول: أن من شهد تكبيرة الإمام كان مدركاً لفضل التكبيرة الأولى، وهذا هو الأظهر عند الشافعية، وهو قول الحنابلة. قال الشافعية: ولا يضره اشتغاله عقيب تكبيرة الإمام بعقد الصلاة من غير وسوسة ظاهرة. ووجه هذا القول: أن التكبير إذا أجرى في غيبته لم يسم مدركاً (٣) . الثاني: أن فضيلة التكبيرة الأولى تدرك بإدراك الركوع الأول، وهو وجه عند الشافعية وقيده الغزالي بمن لم يحضر إحرام الإمام فأمَّا من حضر فقد فاتته

стр. 60

فضيلة التكبيرة وإن أدرك الركعة. وهذا الوجه قريب من الوجه الخامس عند الحنفية. ولعل مستند هذا القول: أن الركعة تدرك بإدراك الركوع، وبالركعة يدرك فضل الجماعة فيدرك بذلك فضل التكبيرة من باب أولى. الثالث: أن إدراك الركوع لا يكفي في إدراك فضيلة التكبيرة الأولى بل يشترط إدراك شيء من القيام أيضاً وهو الوجه الثالث عند الشافعية وقيده الغزالي أيضاً بما ذكر في الوجه الذي قبله. ولم يذكروا له دليلاً. الرابع: إن شغله أمر دنيوي لم يكن بإدراك الركوع مدركاً للفضيلة وإن منعه عذر واشتغال بأسباب الصلاة كالطهارة وغيرها كفاه إدراك الركوع. وهذا هو الوجه الرابع عند الشافعية. ولعل مستنده: أن من شغله أمر دنيوي فهو مقصر في المسارعة إلى الصلاة، أمَّا من منعه عذر واشتغال بأسباب الصلاة كالطهارة ونحوها فهو معذور فصار كمن فاتته جميع الصلاة لعذر. الخامس: يدركها ما لم يشرع الإمام في الفاتحة وهو الوجه الخامس للشافعية (١) . وهذا الوجه يتفق مع قول أبي يوسف ومحمد من الحنفية كما مر. والراجح في نظري - والله أعلم - أن من شهد تكبيرة الإمام وكبر عقب تكبيرته أنه يكون مدركاً لفضيلة تكبيرة الإحرام، وكذا من كان بالمسجد عند تكبيرة الإمام لكنه اشتغل بإتمام نافلة قد شرع فيها وكان إتمامها أولى من الخروج منها، فهذا له عذر في التأخر عنه، والله أعلم.

стр. 61

المبحث الأول: ما تدرك به الجماعة وفيه مطلبان: المطلب الأول: إدراك فضيلة الجماعة اختلف الفقهاء ﵏ فيما تدرك به فضيلة الجماعة على قولين: القول الأول: أن فضيلة الجماعة تدرك بإدراك التكبيرة قبل سلام الإمام أي أن من كبر قبل أن يسلم الإمام فقد أدرك فضيلة الجماعة، وهذا قول الحنفية (١) ، وهو قول عند المالكية قال به ابن يونس (٢) وابن رشد (٣) . وبه قال جماعة من الشافعية من أهل العراق وتابعهم صاحب المهذب، والتهذيب وهو ظاهر المذهب قال النووي: هذا المذهب الصحيح، وبه قطع المصنف (٤) . وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد قال في الإنصاف: هذا المذهب نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب وهو المعمول به في المذهب.

стр. 62

وقال المجد في شرحه: هذا إجماع من أهل العلم (١) . واستدل أصحاب هذا القول بما يلي: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولاتسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا " (٢) . وجه الاستدلال: أن من أدرك الإمام ساجداً أو جالساً في التشهد الأخير يسمّى مدركاً فيتمم ما فاته وعلى هذا فيكون من كبر قبل سلام الإمام مدركاً للجماعة. الدليل الثاني: أنه أدرك جزءاً من صلاة الإمام أشبه ما لو أدرك ركعة. ويُمكن مناقشته: بأن إدراك الركعة منصوص على إدراك الجماعة به بخلاف ما دونها فليس بمنصوص عليه. الدليل الثالث: القياس على المسافر يدرك جزءاً من صلاة المقيم. ويُمكن أن يناقش: بأنه لايلزم من ذلك إدراك فضيلة الجماعة إذ النص ورد أن الفضل يدرك بركعة. الدليل الرابع: أنه يلزمه أن ينوي الصفة التي عليها وهو كونه مأموماً فينبغي أن يدرك فضل الجماعة (٣) . ويُمكن أن يناقش: بأنه ينوي كونه مأموماً لحصول حقيقة الائتمام في جزء من الصلاة لكن لا يلزم من ذلك إدراك فضل الجماعة لما قلنا في مناقشة

стр. 63

الدليلين السابقين. الدليل الخامس: أن هذا الجزء من صلاته إذا لم يكن محسوباً من صلاته، فلو لم ينل به الفضيلة لمنع من الإقتداء والحالة هذه، لكونها زيادة في الصلاة لا فائدة فيها (١) . ويناقش: بأن المأموم لم يدرك قدراً يحسب له. وأجيب: بأن هذا غلط بل تكبيرة الإحرام أدركها معه وهي محسوبة له (٢) . الدليل السادس: لم يختلف الفقهاء بأن صلاته تنعقد ولولم تحصل له الجماعة لكان ينبغي أن لا تنعقد (٣) . الدليل السابع: أن من أدرك آخر الشيء فقد أدركه ولذا لو حلف لايدرك الجماعة حنث بإدراك الإمام ولو في التشهد (٤) . وبناء على هذا القول فهو يدركها إذا كبر قبل سلام الإمام ولولم يجلس وهو المعتمد عند الشافعية (٥) ، وهو المذهب عند الحنابلة، واشترط بعض الحنابلة أن يجلس بعد تكبيره وقبل سلام إمامه (٦) . هذا إن كبر المسبوق قبل أن يشرع الإمام في السلام. أمَّا إذا كبر بعد شروع الإمام في التسليمة الأولى وقبل تمامها ففي إدراكه للجماعة عند أصحاب هذا القول خلاف على قولين:

стр. 64

أحدهما: يكون محصلاً للجماعة، وهو احتمال عند الشافعية، وجزم به الأسنوي (١) وقال إنه مصرح به. ووجهه: أنه أدرك جزءاً من صلاة الإمام فكان مدركاً لفضيلة الجماعة (٢) . والثاني: لايدركها، وهو احتمال آخر عند الشافعية، وجزم به أبو زرعة (٣) في تحريره وقال الكمال بن أبي شريف (٤) :هو الأقرب الموافق لظاهر عبارة المنهاج، ويفهمه قول ابن النقيب (٥) في التهذيب أخذاً من التنبيه: ((وتدرك بما قبل سلام الإمام)) .

стр. 65

قال في نهاية المحتاج: وهذا هو المعتمد كما أفتى به الوالد - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى (١) . وهذا هو الصحيح عند الحنابلة وهو المذهب (٢) . ووجهه: أن من كبر بعد شروع الإمام في التسليمة الأولى فإنَّما عقد النية والإمام في التحلل فلايكون مدركاً لفضل الجماعة (٣) . فإن كبر بعد سلام الإمام الأولى وقبل سلام الثانية، فالمفهوم من كلام الشافعية والحنفية وهو ظاهر كلام ابن قدامة في المقنع أنه لا يدركها قال في الإنصاف، وهو صحيح، وهو المذهب وعليه الأصحاب. وقيل: يدركها وأطلقهما في الفائق. وعنه: يدركها أيضاً إذا كبر بعد سلامه من الثانية إذا سجد للسهو بعد السلام وكان تكبيره قبل سجوده (٤) . القول الثاني: أن فضيلة الجماعة لا تحصل للمأموم إلاَّ بإدراك ركعة مع الإمام، وهذا قول عند المالكية إلاَّ أن ابن رشد الحفيد قيد إدراك الفضيلة بركعة بالمعذور بأن فاته ما قبلها اضطراراً، وذكر أن هذا هو مذهب مالك، وعليه اقتصر أبو الحسن (٥) في شرح الرسالة فقال عبد الباقي

стр. 66

الزرقاني (١) : ومقتضاه اعتماده وتبعه من تبعه حتى ذكروا أن من فرط في ركعة لم يحصل له الفضل. وقال الشيخ الدردير (٢) في النفس منه شيء فإن مقتضاه أن يعيد للفضل وذكر غير واحد أن ما قاله الحفيد مخالف لظاهر الروايات (٣) . وممن قال لا تدرك إلاَّ بركعة كاملة الغزالي (٤) من الشافعية، وقول عند الحنابلة، وهو ظاهر كلام ابن أبي موسى، واختاره الشيخ تقي الدين، وذكره رواية عن أحمد، وقال: اختاره جماعة من أصحابه، واختاره شيخ الإسلام محمد ابن عبد الوهاب والشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي وسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (٥) . واستدل أصحاب هذا القول بما يأتي: ١ - حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " من أدرك ركعة من الصلاة

стр. 67

فقد أدرك الصلاة " متفق عليه (١) . وفي لفظ لمسلم: "من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة " (٢) . وفي لفظ له: «فقد أدرك الصلاة كلها» . ووجه الاستدلال: أن الحديث نص في أن الإدراك إنَّما يكون بركعة كاملة، وهذا النص يرفع النزاع (٣) ، ومفهومه أن من لم يدرك ركعة لم يدرك الصلاة. الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " (٤) . ووجه الاستدلال من وجهين: أحدها: أن النبي ﷺ علق الأحكام بإدراك الركعة فمفهومه أنها لا تدرك بأقل من ذلك. والثاني: أن قدر التكبيرة لم يعلق به الشارع شيئاً من الأحكام، لا في

стр. 68

الوقت، ولا في الجمعة، ولا الجماعة ولا غيرها فدل على أن ذلك القدر لا تدرك به الركعة (١) . الدليل الثالث: أن الجمعة لا تدرك إلاَّ بركعة كما أفتى به أصحاب رسول الله ﷺ منهم: ابن عمر، وابن مسعود، وأنس وغيرهم، ولا يعلم لهم في الصحابة مخالف، وقد حكى غير واحد أن ذلك إجماع الصحابة (٢) . الدليل الرابع: القياس على إدراك الركعة فإن من لم يدرك مع الإمام قدراً يحتسب له به كمن أدركه في قيامه من الركوع أو في السجود أو في جلسة الفصل لا يكون بذلك مدركاً للركعة مع أنه أدرك مع الإمام جزءاً من الصلاة لكنه جزء غير محتسب له فكذلك من لم يدرك مع الإمام ركعة لا يكون مدركاً للجماعة لأنه لم يدرك من الصلاة قدراً محتسباً له به (٣) . ويُمكن مناقشة هذا الدليل: بأنه لا يسلم أن من لم يدرك الركعة كاملة لم يدرك جزءاً يحتسب له به بل قد أدرك جزءاً محسوباً له وهو تكبيرة الإحرام أتى بها قبل أن يسلم الإمام ولولم تكن محسوبة له للزمه أن يستأنف بعد سلام الإمام. الخامس: أن المسافر إذا ائتم بمقيم وأدرك معه ركعة فما فوقها فإنه يتم الصلاة، وإن أدرك معه أقل من ركعة صلاها مقصورة نص عليه الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، وهذا لأنه بإدراك الركعة قد ائتم بمقيم جزءاً من صلاته، فلزمه الاتمام، وإذا لم يدرك معه ركعة فصلاته صلاة منفرد فيصليها مقصورة (٤) .

стр. 69

ويُمكن مناقشته: بأنه استدلال بمسألة مختلف فيها (١) . الترجيح: في نظري أن القول الثاني هو الراجح - إن شاء الله -؛ وذلك لأنه قد ورد نص صريح في أن الجماعة إنَّما تدرك بركعة كاملة، ومفهومه أنها لا تدرك بأقل من ذلك، وهو حديث صحيح. لكن من كان له عذر شرعي وفاتته الجماعة فيحصل له - إن شاء الله - فضل الجماعة وإن لم يدركها. لقول النبي ﷺ : "إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمله وهو صحيح مقيم " رواه البخاري (٢) . ولقوله ﷺ في غزوة تبوك: " إن في المدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلاَّ وهم معكم، حبسهم العذر ". وفي رواية لمسلم: " إلاَّ شركوكم في الأجر " متفق عليه (٣) . ومِمَّنْ أفتى بهذا سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، مفتي عام المملكة العربية السعودية (٤) سابقاً تغمده الله بواسع رحمته.

стр. 70

المطلب الثاني: إدراك حكم الجماعة فرق الفقهاء ﵏ بين إدراك فضل الجماعة، فاختلفوا فيه على قولين كما سبق وبين إدراك حكمها، وممن فرق بين إدراك الفضل والحكم الحنفية والمالكية، وأشار إليه بعض الحنابلة. ومعنى إدراك الحكم كما فسره المالكية: أن لايقتدى به، ولا يعيد في جماعة ويترتب عليه سهو الإمام، وأن يسلم على الإمام أو على من على يساره، وأن يصح استخلافه، هذا هو من أدرك الحكم. أمَّا من لم يدرك حكمها: فيعيد في جماعة، ولا يسلم على الإمام ولا على من على يساره، ويصح الإقتداء به (١) . فالذي يفهم من هذا أن المراد بإدراك الحكم أن يكون مأموماً في جميع الصلاة يترتب عليه أحكام المأموم. وقد اختلف الفقهاء ﵏ فيما يدرك به حكم الجماعة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن حكمها كفضلها لايدرك إلاَّ بركعة كاملة يدركها مع الإمام، وهو قول فقهاء المالكية (٢) . واستدلوا: بحديث: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " (٣) .

стр. 71

ووجه الاستدلال: أن الحديث عام في إدراك فضلها وحكمها (١) . القول الثاني: إن كانت الصلاة رباعية لم يدرك حكمها بركعة، وكذا الثلاثية لا يدرك حكمها بركعة وهذا قول الحنفية. وحجتهم في ذلك: أنه لو حلف لا يصلي الظهر مع الإمام ولم يدرك الثلاث لا يحنث؛ لأن شرط حنثه أن يصلي الظهر مع الإمام وقد انفرد عنه بثلاث ركعات، وإن أدرك معه ثلاث وفاته ركعة فعلى ظاهر الجواب لا يحنث؛ لأنه لا يحنث ببعض المحلوف عليه (٢) . ومدرك الثنتين من الثلاثي حكمه حكم مدرك الثلاث من الرباعي، أمَّا مدرك ركعة من الثنائي فالظاهر أنه لا خلاف فيه كما في مدرك الثنتين من الرباعي. وقال السرخسي (٣) : ((للأكثر حكم الكل وضعفه في البحر بما اتفقوا عليه في الأيمان من أنه لو حلف لا يأكل هذا الرغيف لا يحنث إلاَّ بأكله كله فإن الأكثر لا يقام مقام الكل)) (٤) . القول الثالث: أن حكم الجماعة لا يدرك إلاَّ بإدراك جميع الصلاة، وهو المفهوم من قول الحنابلة يقول صاحب المحرر مفسراً معنى إدراك فضل الجماعة

стр. 72

بركعة يقول: ((معناه أصل فضل الجماعة، لا حصولها فيما سبق به فإنه منفرد حساً وحكماً إجماعاً)) (١) . والراجح في نظري هو ما ذهب إليه فقهاء المالكية من أن حكم الجماعة كفضلها لا يدرك إلاَّ بركعة كاملة، وذلك لصحة ما استدلوا به من قول النبي ﷺ : " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة "، وهذا عام في الفضل والحكم، والله أعلم.

стр. 73

المبحث الثاني: من فاته جزء من الصلاة هل يدخل مع الإمام أو ينتظر جماعة أخرى؟ اختلف الفقهاء ﵏ فيمن سبق ببعض الصلاة هل الأفضل أن يدخل مع الإمام أو ينتظر جماعة أخرى يصلي معهم جميع الصلاة؟ ولهم في ذلك أربعة أقوال: القول الأول: يجب الدخول مع الجماعة الأولى ومتابعة الإمام حتى ولولم يدرك ما تدرك به الجماعة بأن أدركه في السجود الأخير أو التشهد، وهذا رأي المالكية (١) ، واستثنوا من كان معيداً لفضل الجماعة فلا يؤمر بالدخول. وقال الأجهوري (٢) : «من لم يدرك ركعة خير بين أن يبني على إحرامه فذاً أو يقطع ويدرك جماعة أخرى إن رجاها فإن لم يرجها فإنه يبني على إحرامه فذاً اتفاقاً» (٣) . القول الثاني: أن من أمكنه إدراك بعض جماعة ورجا إقامة جماعة أخرى فانتظار الثانية أفضل ليحصل له كمال فضيلة الجماعة تامة، وهذا قول الشافعية.

стр. 74

قال في نهاية المحتاج: ((والأوجه أن محله عند أمن فوت فضيلة أول الوقت، أو وقت الاختيار ولو في حالة التيقن وإلاَّ فعلها معهم)) . قال الشيخ الشبراملسي (١) : ((وظاهر قوله: ولو أمكنه إدراك بعض جماعة ... إلخ. ظاهره أنه لا فرق في ذلك بين إدراك إمام الأولى بعد ركوع الركعة الثانية وبين إدراكه قبله كأن أدركه في الركعة الثانية أو الثالثة ولا فرق بين كون الجماعة الأولى أكثر أولا)) . وقال: ((وعبارة شيخنا الزيادي: ويسن لجمع حضروا والإمام قد فرغ من الركوع الأخير أن يصبروا إلى أن يسلم الإمام ثم يحرموا ما لم يضق الوقت وإن خرج بالتأخير وقت الاختيار على الأوجه. وكذا لو سبق ببعض الصلاة ورجا جماعة يدرك معهم الكل: أي إن غلب على ظنه وجودهم وكانوا مساوين لهذه الجماعة في جميع ما مر فمتى كان في هذه شيء مِمَّا يقدم به الجمع القليل كانت أولى)) (٢) . وفي مغني المحتاج: ((فرع: دخل جماعة المسجد والإمام في التشهد الأخير، فعند القاضي حسين (٣) يستحب لهم الإقتداء به، ولا يؤخرون الصلاة جماعة ثانية، وجزم المتولي بخلافه وكلام القاضي في موضع آخر يوافقه وهو المعتمد بل الأفضل للشخص إذا سبق ببعض الصلاة في الجماعة ورجا جماعة أخرى يدرك

стр. 75

معها الصلاة جميعها في الوقت التأخير ليدركها بتمامها معها، وهذا إذا اقتصر على صلاة واحدة وإلاَّ فالأفضل له أن يصليها مع هؤلاء ثم يعيدها مع الآخرين)) (١) . القول الثالث: بناء المسألة على الخلاف فيما تدرك به الجماعة فعلى القول بأنها لا تدرك إلاَّ بركعة فإن كان المدرك أقل من ركعة وكان بعدها جماعة أخرى فصلى معهم في جماعة صلاة تامة، فهذا أفضل فإن هذا يكون مصلياً في جماعة بخلاف الأول، وإن كان المدرك ركعة أو كان أقل، وقلنا إنه يكون مدركاً للجماعة، فهذا قد تعارض إدراكه لهذه الجماعة وإدراكه للثانية من أولها فإن إدراك الجماعة من أولها أفضل كما جاء في إدراكها بحدها، فإن كانت الجماعتان سواء فالثانية من أولها أفضل وإن تميزت الأولى بكمال الفضيلة، أو كثرة الجمع، أو فضل الإمام، أو كونها الراتبة فهي في هذه الجهة أفضل وتلك من جهة إدراكها بحدها أفضل، وقد يترجح هذا تارة وهذا تارة، وأمَّا إن قدر أن الثانية أكمل أفعالاً وإماماً أو جماعة فهنا قد ترجحت من وجه آخر. وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢) . ونقل عنه في الفروع: إن تساوت الجماعتان فالثانية من أولها أفضل (٣) . القول الرابع: إن أدرك جماعةٌ الإمام في التشهد الأخير فدخولهم معه أفضل وإن صلوا جماعة وحدهم فلا حرج، وبهذا أفتى سماحة الشيخ عبد العزيز ابن عبد الله بن باز مفتي عام المملكة (٤) .
следующие страницы →