ال مقدَّمة
الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وفضله على كثير من المخلوقات بالعقل والتفكير، والصلاة والسلام على الهادي البشير، وآله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد؛ فإن الله ﵎ خلق الإنسان، ونفخ فيه الروح وسجد له الملائكة، وجعله خليفته في الأرض، وفضله على كثير مما خلق تفضيلا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ ١ وتجلت في خلقه عظمته حيث قال: : ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ٢، وتولاه بحفظه فشرع احترامه وحرم قتله بغير حق، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً﴾ ، وقال رسول الله ﷺ : " أول ما يقضى بين الناس، يوم القيامة، في الدماء " ٤.
стр. 2
وقد عظمت العقوبة في الاعتداء على النفس المؤمنة في الدنيا بالقود في النفس والقصاص في الطرف، وفي الآخرة بما توعد الله به القاتل من غضبه ولعنته، وأن مصيره إلى جهنم وبئس المصير، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأَذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ٣. وفي إقامة القصاص على الجاني حياة للناس، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٤، كيف لا والقاصد للاعتداء على الإنسان إذا علم أنه مقتول أو معاقب على فعلته فكر كثيراً، ونظر في العاقبة، وثاب إلى رشده، وكف عن فعلته، فكان في ذلك حقنٌ لدمه ودم غيره وحياة له ولغيره من الناس، أجل بتطبيق القصاص في النفس وما دونها تحقن الدماء، وينتشر الأمن، ويطمئن الإنسان على نفسه وماله وعرضه. ومن أمعن النظر في بلادنا المباركة التي حرص ولاة الأمر فيها على تطبيق شرع الله يجد أنها تنعم بالأمن والطمأنينة والعدل والاستقرار بفضل التزامها بتطبيق شرع الله مما جعلها مضرب المثل.
ولما كانت مسائل القصاص في النفس والطرف كثيرة ومتشعبة أحببت أن
стр. 3
أسهم ببيان شيء من أحكامه، فنظرت في مسألة الاشتراك في الجناية بقتل النفس المحترمة أو جرحها ظلما وعدوانا، فوجدت الاختلاف في القود بها والقصاص في الأطراف فيها حاصلا فأحببت أن أجلي الحق فيها وأكشف غموضها بأسلوب علمي قريب إلى الإفهام في مؤلف سميته "الاشتراك المتعمد في الجناية على النفس بالقتل أو الجرح ".
وقسمت هذا البحث إلى مقدمة وخمسة مباحث وخاتمة.
المقدمة: وتشتمل على الافتتاحية وخطة البحث ومنهجه.
المبحث الأول:
في تعريف الجناية لغة واصطلاحا وبيان أقسامها.
المبحث الثاني:
في حكم القتل بغير حق.
المبحث الثالث:
مشروعية القصاص في النفس وما دون النفس.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في مشروعية القصاص في الجناية على النفس.
المطلب الثاني: في مشروعية القصاص في الجناية على ما دون النفس.
المبحث الرابع: وفيه ثلاثة مطالب.
المطلب الأول:
في الاشتراك في الجناية على الواحد بالقتل.
المطلب الثاني:
في اشتراك الأب والأجنبي في قتل الولد.
стр. 4
المطلب الثالث:
في اشتراك الصبي والمجنون والبالغ في القتل.
المبحث الخامس:
في الاشتراك المتعمد في الجناية على الواحد بالجرح أو القطع.
الخاتمة: ذكرت فيها أهم نتائج البحث.
وسلكت في إعداد هذا البحث المنهج الآتي:
١- جمعت المادة العلمية المتعلقة بالاشتراك المعتمد في الجناية على النفس بالقتل أو الجرح.
٢- درست المسألة الواردة في البحث دراسة موازنة وحرصت على بيان المذاهب الأربعة في المسألة، وقد أذكر أقوال بعض الصحابة والتابعين وغيرهم من الفقهاء.
٣- حرصا مني على إخراج المسألة بأسلوب مبسط، يسهل معه معرفة الحكم في المسألة صدرتها بالإجماع أو الاتفاق إن كانت من المسائل المتفق أو المجمع عليها، كما أنني إن رأيت الخلاف ليس قويا في المسألة صدرت المسألة بقول أكثر أهل العلم، وبعد ذلك أشير إلى القول المخالف ثم أذكر أدلة كل قول، وما قد يرد عليه من اعتراض إن وجد، ثم أختم المسألة بالقول الراجح، وقد أؤخر الاعتراضات مع الترجيح.
٤- حرصت على نقل أقوال الفقهاء من مصادرها الأصلية.
٥- ذكرت أرقام الآيات الواردة في البحث مع بيان أسماء سورها.
٦- خرجت الأحاديث الواردة في البحث مبينا الكتاب والباب والجزء والصفحة. فإن كان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما اكتفيت
стр. 5
بتخريجه منهما أو من أحدهما، وإن لم يكن فيهما أو في أحدهما اجتهدت في تخريجه من كتب السنة الأخرى مع ذكر درجة الحديث صحة أو ضعفا معتمدا على الكتب التي تعنى بذلك.
٧- بينت معاني الكلمات التي تحتاج إلى بيانها معتمدا على الكتب التي تعنى بذلك.
٨-لم أترجم للأعلام الواردة في البحث خشية الإطالة.
٩- بينت في نهاية البحث في الخاتمة أهم النتائج التي توصلت إليها.
١٠- وضعت فهرسا للمصادر التي اعتمدت عليها مرتبا حسب الحروف الهجائية، وآخر للموضوعات.
стр. 6
المبحث الأول: تعريف الجناية وبيان أقسامها
تعريف الجناية:
الجناية لغة: مصدر جنى جناية، وجمعه جنايات، وجمعت – وإن كانت مصدرا – لتنوعها إلى عمد وشبه عمد وخطأ. والجناية؛ الذنب والجرم وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه القصاص والعقاب في الدنيا والآخرة. يقال: جنى جناية إذا جر جريرة على نفسه أو على قومه.١
واصطلاحا: هي التعدي على البدن بما يوجب عليه قصاصا أو مالا٢.
стр. 7
أقسام الجناية: تقدم في تعريف الجناية اصطلاحا أنها التعدي على البدن.
وهذا التعدي لا يخلو الحال فيه من أمرين:
١- أن يكون بإزهاق الروح، وهو القتل.
٢- أن يكون واقعا على عضو من الأعضاء، ولا يؤدي لإزهاق الروح كقطع يد أو قلع عين أو قطع أذن أو أنف ... الخ.
وبهذا يتبين أن الجناية إما أن تكون:
١- على النفس.
٢- أو ما دون النفس.
стр. 8
وهذا التقسيم مجمع عليه بين العلماء١.
ثم اخلتف العلماء – رحمهم الله تعالى – في أنواع الجناية على النفس وعلى ما دون النفس على النحو التالي:
أولا: أنواع الجناية على النفس:
إذا نُظِرَ إلى أقوال الفقهاء – رحمهم الله تعالى - في تقسيماتهم لأنواع الجناية على النفس يتضح أن آراءهم تنحصر في تقسيمها بين ثنائي وخماسي، وبذلك انحصرت أقوالهم في أربعة:
التقسيم الخماسي:
قسم جماعة من الحنفية كالجصاص٢ والقدوري٣ والنسفي٤ الحناية على النفس إلىخمسةأقسام:
١- العمد: وهو تعمد الضرب بسلاح أو ما يجرى مجراه في تفريق الأجزاء كالمحدد من الخشب والحجر والنار٥.
٢- شبه العمد: وهو تعمد الضرب بما ليس بسلاح ولا ما يجري مجراه٦.
стр. 9
٣- الخطأ: وهو ضرب الشخص بدون تعمد. وهو على نوعين:
أ- خطأ في القصد: وهو أن يرمي شخصا يظنه صيدا، فإذا هو آدمي أو يظنه حربيا فإذا هو مسلم. ب- خطأ في الفعل: وهو أن يرمي عرضا فيصيب آدميا١.
٤- الجاري مجرى الخطأ: وهو حصول الموت بما لا يصدر عن إرادة وقصد كأن ينقلب نائم على آخر فيقتله.٢
٥- القتل بالسبب: وهو التسبب في موت آخر دون قصد ومباشرة كمن يحفر بئرا في الطريق فيقع فيها عابر السبيل فيموت٣.
التقسيم الرباعي:
قسم جماعة من الحنابلة كأبي الخطاب، وصاحب المذهب، ومسبوك الذهب، والمستوعب، والخلاصة، والرعايتين، والحاوي والرعايتين، وغيرهم٤ القتل إلى أربعة:
١- العمد.
٢- شبه العمد.
٣- الخطأ.
٤- ما جرى مجرى الخطأ.
ولم يقولوا بقتل السبب؛ لأنهم يدخلونه في ما جرى مجرى الخطأ.
стр. 10
التقسيم الثلاثي:
قسم الحنفية في ظاهر الرواية عندهم١، وهو قول لمالك حكاه العراقيون وغيرهم عنه٢، وبه قال الشافعية٣ والحنابلة في المعتمد عندهم٤ القتل إلى ثلاثة أقسام:
١- العمد: وهو أن يضربه بما يغلب على الظن موته به من سلاح أو ما جرى مجراه٥ من حديد أو خشب أو حجر أو نحوه مما يقتل غالبا٦.
٢- شبه العمد: هو أن يضربه بما لا يقتل غالبا كأن يضربه في غير مقتل بسوط أو عصىً صغيرة أو يفعل فعلا الأغلب من ذلك الفعل أنه لا يقتل مثله٧.
٣- الخطأ: وهو ضرب الشخص بدون قصد. وهو ضربان:
أ- خطأ في الفعل: بأن يرمي صيدا أو هدفا، أو شخصا فيصيب إنسانا لم يقصده، أو يكون نائما ونحوه فينقلب على إنسان فيقتله.
ب- خطأ في القصد كأن يرمي من يظنه حربيا فإذا هو مسلم٨.
стр. 11
ولم يقولوا بقتل السبب وما جرى مجرى الخطأ انفرادا؛ لأنهم أدخلوهما في قتل الخطأ.
التقسيم الثنائي:
قسم المالكية في المعتمد عندهم القتل إلى قسمين:
١- العمد.
٢- الخطأ١.
وهذا التقسيم سواء الخماسي أو الرباعي أو الثلاثي هو في الواقع من باب اختلاف تنوع صور القتل لاتفاقهم على تقسيمها باعتبار الحكم الشرعي على ثلاثة أنواع:
١- العمد.
٢- شبه العمد.
٣- الخطأ.
خلافا للمالكية في المعتمد عندهم حيث إنهم يسقطون شبه العمد. وهم محجوجون بحديث عبد الله بن عمرو – ﵄ – عن النبي ﷺ قال: " ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها " ٢.
стр. 12
ثانيا: الجناية على ما دون النفس.
يراد بالجناية على ما دون النفس: كل أذى يقع على الإنسان من الغير مما لا يوجب موته، سواء كانت الجناية عمدا أو غير عمد.
وهذه الجناية تنقسم إلى قسمين:
١- الجناية الواقعة على الوجه والرأس.
٢- الجناية الواقعة على سائر البدن١.
وأما السنة فأحاديث كثيرة، منها:
١- حديث عبد الله بن عمرو بن العاص – ﵄ – عن النبي ﷺ قال: " الكبائر١الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس٢ " ٣.
٢- حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث٤الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة " ٥.
٣- حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: "إني من النقباء٦ الذين بايعوا
стр. 15
رسول الله ﷺ بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نزني، ولا نسرق، ولا نقتل النّفس التي حرم الله "١.
٤- حديث عبد الله بن عمر – ﵄ – قال: قال رسول الله ﷺ : "لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما " ٢.
٥- حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : " أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء٣ " ٤.
وأما الإجماع:
فقد نقل ابن قدامة – رحمه الله تعالى – أنه لا خلاف بين الأئمة في تحريم القتل بغير حق٥.
стр. 16
المبحث الثالث: مشروعية القصاص في النفس ومادون النفس
المطلب الأول: في مشروعية القصاص في النفس ومادون النفس
...
المطلب الأوّل: في مشروعية القصاص في النفس
أجمع العلماء على أن القود واجب بالقتل العمد إذا اجتمعت شروطه١.
وقد دلت الآيات والأحاديث بعمومها على ذلك:
من القرآن الكريم:
١- قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ٢.
٢- وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ ٣.
стр. 17
٣- وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١.
قال ابن كثير – رحمه الله تعالى -: "يقول تعالى: وفي شرع القصاص لكم - وهو قتل القاتل - حكمة عظيمة، وهي بقاء المهج وصونها؛ لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل انكف عن صنعه، فكان في ذلك حياة للنفوس. وفي الكتب المتقدمة: القتل أنفى للقتل، فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح وأبلغ وأوجز٢". انتهى
ونحوه ذكر القرطبي والبغوي٣.
وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ٤.
فدلت الآيات بعمومها على مشروعية القصاص في الجناية على النفس.
من السنة.
١- حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يفدى وإما أن يقتل " ٥.
٢- حديث أبي شريح الكعبي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسفكن فيها دما ولا يعضدن٦
стр. 18
فيها شجرا، فإن ترخص مترخص فقال: أحلت لرسول الله ﷺ ، فإن الله أحلها لي ولم يحلها للناس، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم هي حرام إلى يوم القيامة. ثم إنكم معشر خزاعة قتلتم هذا الرجل من هذيل، وإني عاقله، فمن قتل له قتيل بعد اليوم، فأهله بين خيرتين: إما أن يقتلوا أو يأخذوا العقل١ "٢.ففي هذين الحديثين دلالة على مشروعية القصاص في الجناية على النفس٣.
٣- حديث وائل بن حجر ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ إذ جيء برجل في عنقه النسعة٤، قال: فدعا ولي المقتول فقال: " أتعفو؟ "، قال: لا، قال: "أفتأخذ الدية؟ "، قال: قال: لا، قال: " أفتقتل؟ "، قال: نعم، قال: " اذهب به! " فلما ولى قال: " أتعفو؟ "، قال: لا، قال: " أفتأخذ الدية؟ "، قال: لا، قال: " أفتقتل؟ " قال: نعم، قال: " اذهب به! "، فلما كان في الرابعة، قال: " أما إنك إن عفوت عنه يبوء بإثمه وإثم صاحبه "، قال: فعفا عنه، قال: فأنا رأيته
стр. 19
يجر النسعة١.
قال البغوي – رحمه الله تعالى -: فيه دليل على أن ولي الدم مخير بين القصاص، وبين أن يعفو عن القصاص على الدية، وبين أن يعفو مجانا٢.
٤- حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة " ٣.
ومن جهة المعنى: أنه لو لم يجب القصاص في هذه الحالة لأدى ذلك إلى سفك الدماء وهلاك الناس٤.
стр. 20
المطلب الثّاني:
مشروعية القصاص في الجناية على ما دون النّفس
أجمع العلماء على تحريم الاعتداء على ما دون النفس وأن القصاص جار فيها إذا أمكن٥.
وقد دل على ذلك:
قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ
стр. 21
وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاص﴾ ١.
وحديث أنس بن مالك ﵁: أن الربيع بنت النضر كسرت ثنية جارية فطلبوا الأرش وطلبوا العفو، فأبوا. فأتوا النبي ﷺ فأمرهم بالقصاص، فقال أنس بن النضر: أتكسر ثنية الربيع يا رسول الله؟، لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها٢. فقال: " يا أنس، كتاب الله القصاص! "، فرضي القوم وعفوا، فقال النبي ﷺ : " إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره " ٣.
стр. 22
المبحث الرابع: في الإشتراك المتعمد في الجناية على الواحد بالقتل
مدخل
...
المبحث الرّابع:
في الاشتراك المتعمّد في الجناية على الواحد بالقتل
وفيه ثلاثة مطالب
إذا اشترك جماعة أو اثنان في قتل نفس لم يخل حالهم من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون كل واحد منهم لو انفرد بقتله قتل به كأحرار قتلوا حرا، أو العببد قتلوا عبدا، أو كفار قتلوا كافرا.
والثاني: أن يكون كل واحد منهم لو انفرد بقتله لم يجب عليه القود، كأحرار قتلوا عبدا، مسلمين قتلوا كافرا.
والثالث: أن يجب القود على أحدهم لو انفرد ولا يجب على الباقين إذا انفرد، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون سقوط القود عنه لو انفرد لمعنى في نفسه، كالأب إذا شارك أجنبيا في قتل ولده وكالحر إذا شارك عبدا في قتل عبده وكالمسلم إذا شارك كافرا في قتل كافر.
والثاني: أن يكون سقوط القود عنه لو انفرد لمعنى في فعله، كالخاطئ إذا شارك عامدا في القتل أو تعمد الخطأ إذا شارك عمدا محضا.١
وسيأتي أحكام هذه الأقسام في المطالب الآتية إن شاء الله.
стр. 23
المطلب الأوّل:
اشتراك الجماعة في الجناية على الواحد بالقتل إذا كان كل واحد منهم لو انفرد بقتله قتل به
اختلف العلماء في حكم قتل الجماعة للواحد عمدا وعدوانا إذا توفرت فيهم شروط القصاص أيقتلون به أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنهم يقتلون به.
وهو مروي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب والمغيرة بن شعبة وابن عباس – ﵃.وهو قول سعيد بن المسيب والحسن البصري وأبي سلمة بن عبد الرحمن وعطاء وقتادة والأوزاعي وإسحاق١.وبه قال أبو حنيفة٢ ومالك٣ والشافعي٤ وأحمد في المذهب٥ واتفق أصحاب هذا القول على أن قتل الجماعة بالواحد بشرط أن يكون كل واحد منهم قد جنى جناية لو انفرد بها لمات المجني عليه وأضيف القتل إليه، ووجب القصاص عليه٦.
стр. 24
القول الثاني: أنهم لا يقتلون به بحال، وإنما تؤخذ منهم الدية بالسوية.
وهو قول الزهري وابن سيرين وحبيب بن أبي ثابت وعبد الملك وربيعة وابن المنذر١.وبه قال الإمام أحمد في رواية٢ والظاهرية٣.
القول الثالث: أنه يقتل واحد منهم، يرجع فيه لاختيار ولي الدم ويؤخذ من الباقين قسطهم من الدية. وهذا مروي عن معاذ بن جبل وعبد الله بن الزبير وجابر–﵃–ومروي عن ابن سيرين والزهري٤.
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
استدل أصحاب هذا القول بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول.
أما الكتاب:
فقول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ٥.
وجه الدلالة من الآية: أن سبب الحياة في ذلك يكمن في أنه متى علم القاتل أنه إذا قتل وجب القصاص عليه كف عن القتل، فحيي القاتل والمقتول فلو لم يقتص من الجماعة بالواحد لما كان في القصاص حياة، ولكان القاتل إذا
стр. 25
أراد القتل شارك غيره فيه ليسقط القصاص عنه وعن غيره، ولكان ذلك رافعاً لحكم الآية١.
اعترض على هذا الاستدلال:
أن هذا إنما يلزم فيما إذا لم يقتل أحد من الجماعة الذي قتلوا الواحد بخلاف ما إذا قتل منهم واحد، فلا يلزم إذًا أن يبطل الحد حتى يكون سببا للتسليط على إذهاب النفوس٢.
وأما السنة:
فحديث أبي شريح الكعبي ﵁ وفيه أن رسول الله ﷺ قال: " ثم إنكم معشر خزاعة قتلتم هذا الرجل من هذيل، وإني عاقله، فمن قتل له قتيل بعد اليوم فأهله بين خيرتين، إما أن يقتلوا أو يأخذوا العقل " ٣.
وجه الدلالة:
دل قوله ﷺ : " ثم إنكم معشر خزاعة قتلتم هذا الرجل من هذيل " على أن هذا الخبر ورد في قتل الجماعة لواحد، فالحكم إذا ورد على سبب، لا يجوز أن يكون ذلك السبب خارجا من ذلك الحكم٤.
والإجماع: وقد دل عليه:
ما روى سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ قتل نفرًا خمسة أو
стр. 26
سبعة برجل واحد قتلوه قتل غيلة١. وقال عمر: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا"٢.
وما رواه المغيرة بن حكيم عن أبيه أن أربعة قتلوا صبيا، فقال عمر مثله٣.
وما جاء عن سعد بن وهب قال: "خرج رجال سفر فصحبهم رجل، فقدموا وليس معهم، قال: فاتهمهم أهله، فقال شريح: "شهودكم أنهم قتلوا صاحبكم وإلاّ حلفوا ما قتلوه"، فأتوا بهم عليا ﵁ وأنا عنده، ففرق بينهم فاعترفوا، فسمعت عليًّا يقول: "أنا أبو الحسن القوم، فأمر بهم فقتلوا"٤.
وما جاء عن الشعبي في رجلين شهدا على رجل أنه سرق فقطعه علي، ثم جاءا بآخر وقالا: أخطأنا فأبطل شهادتهما وأخذ بدية الأول، وقال: "لو علمت أنكم تعمدتما لقطعتكما"٥.ومعلوم أنه لا فرق بين القصاص في الأطراف وبين القصاص في النفس٦.
стр. 27
وما جاء عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه قتل سبعة برجل١.
وعن ابن عباس–﵄– أنه قال:"لو أن مائة قتلوا واحدا
قتلوا به"٢.فهذا ما ثبت عن هؤلاء الصحابة ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان
إجماعا٣.
واعترض على هذا:
بأن حكم عمر وغيره من الصحابة – ﵃ – لا يعدو كونه فعل صحابي فلا تقوم به حجة ودعوى الإجماع غير مقبولة٤.
ولما ثبت أن معاذا قال لعمر – ﵄ –:" ليس لك أن تقتل نفسين بنفس"٥.
وما جاء عن عمرو بن دينار حيث قال: "كان عبد الملك وابن الزبير لا يقتلون منهم إلا واحدا"٦.
فيتضح مما سبق أن الصحابة لم يجمعوا على حكم المسألة. والمقرر في الأصول أن الصحابة إذا اختلفوا لم يجز العمل بقول من أقوالهم إلا بترجيح٧.
стр. 28
وأما المعقول:
١- أننا لو لم نوجب القصاص عليهم لجعل الاشتراك ذريعة لسفك الدماء ولأدى ذلك إلى إسقاط حكمة الردع والزجر١.
٢- أنها عقوبة تجب للواحد على الواحد، فوجبت للواحد على الجماعة كحد القذف٢.
٣- أن قتل النفس أغلظ من هتك العرض والقذف، فإذا حد الجماعة بقذف الواحد كان قتلهم بقتل الواحد أولى٣.
٤- أنه منطلق على كل واحد من الجماعة اسم القاتل للنفس، فوجب أن يجري عليه حكمه كالواحد٤.
٥- أن ما وجب في قتل الواحد لا يسقط في قتل الجماعة كالدية٥.
٦- أن القتل بغير حق لا يكون في العادة إلا بالتغالب والاجتماع، والقصاص شرع حكمة للزجر، فيجعل كل واحد منهم كالمنفرد بالقتل، فيجري القصاص عليهم تحقيقا لمعنى الإحياء وإلا سد باب القصاص وفتح باب التغالب٦.
أدلة أصحاب القول الثاني على عدم القتل.
استدل أصحاب هذا القول بالكتاب والمعقول.
стр. 29
أما الكتاب:
١- فقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ١.
٢- وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ ٢.
وجه الدلالة:
وظاهر الآيتين يقتضي أن لا يقتل أكثر من نفس واحدة ولا يقتل بالحر أكثر من حر٣.
واعترض عليه:
أن المراد بالنفس والحر في الآيتين الجنس، فالنفس تنطلق على النفوس كما أن الحر ينطلق على الأحرار٤.
٣- وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ ٥.
وجه الدلالة:
أن من السرف قتل الجماعة بالواحد وهو منهي عنه إذًا٦.
واعترض عليه:
أن المراد بالسرف في الآية هو أن يقتل غير قاتله، بل إن قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ ٧، يدل بالاقتضاء على أن سلطان الولي في الجماعة
стр. 30
كسلطانه في الواحد، فلم يكن فيها دليل على منع قتل الجماعة بالواحد١.
أما المعقول:
١- أن الواحد لا يكافئ الجماعة، ولا يقتل بهم إذا قتلهم، وإنما يقتل بأحدهم، ويؤخذ من ماله ديات الباقين، كذلك إذا قتله جماعة لا يقتلون به٢.
واعترض عليه:
بأن حرمة الواحد كحرمة الجماعة بدليل قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعا﴾ ٣. فعليه يجب أن يكون القصاص فيهم واحدا٤.
٢- أن زيادة الوصف تمنع من القصاص فلم يقتل حر بعبد ولا مسلم بكافر فزيادة العدد أولى أن تمنع٥.
واعترض عليه:
بوجود الفرق بين زيادة الوصف وزيادة العدد، إذ تمنع زيادة الوصف من وجود المماثلة في الواحد ولا تمنع في الجماعة، يؤكد ذلك منع زيادة الوصف في القاذف من إقامة الحد عليه في حين أن زيادة العدد لا تمنع من إقامة الحد
стр. 31
على الجماعة القاذفين١.
أن للنفس بدلين قودا ودية، فلما لم يجب على الاثنين بقتل الواحد ديتان لم يجب عليهما قودان كذلك٢.
اعترض عليه من وجهين:
أ- الفرق بين الدية والقود، وذلك أن الدية تتبعض فلم يجب أكثر منها، والقود لا يتبعض فعم حكمه قياسا على سرقة الجماعة، فإنها توجب غرما يبتعض وقطعا لا يتبعض، لذا اشتركوا في غرم واحد وقطع كل واحد منهم٣.
ب- وهو عبارة عن فرق آخر بين الدية والقصاص، وهو: أن القصاص موضوع للزجر والردع فلزم في الجماعة مثل لزومه في الواحد، والدية بدل من النفس فلم يلزم فيها إلا بدل واحد فافترقا٤.
أدلة القول الثالث على أنه يقتل واحد منهم ويؤخذ من الباقين قسطهم من الدية.
استدل أصحاب هذا القول بالكتاب والمعقول:
أما الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ٥.
٢- وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ ٦.
стр. 32
وجه الدلالة:
دلت الآيتان على أنه لا يؤخذ بالنفس أكثر من نفس واحدة١.
واعترض على هذا:
بأن المراد بالنفس في الآيتين الجنس، فالنفس تنطلق على النفوس، كما أن الحر ينطلق على الأحرار٢.
أما المعقول:
١- أن التفاوت في الأوصاف ما نع من القصاص بدليل أن الحر لا يؤخذ بالعبد فيكون التفاوت في العدد أولى أن يمنع منه٣.
اعترض عليه:
بأنهم لم يقتلوا لصفة زائدة في المقتول، بل لكون كل واحد منهم قاتلا٤.
٢- أن كل واحد منهم مكافئ له، فلا تستوفى أبدال بمبدل واحد، قياسا على عدم وجوب ديات لمقتول واحد٥.
اعترض عليه:
بالفرق بين الدية والقصاص، فالدية تتبعض، والقصاص لا يتبعض٦.
стр. 33
الراجح:
بعد عرض الأقوال في المسألة وأدلتها وما ورد عليها من اعتراضات تبين من أدلة أصحاب القول الأول أنه لا يوجد دليل صريح على قتل الجماعة بالواحد، وغاية ما في الآية التي تمسكوا بها أن مصلحة حفظ النفس تتحقق في القصاص، والقول بأن تلك المصلحة لا تتحقق إلا بقتل الجماعة بالواحد وقتل أحد الجماعة في تحقيق مصلحة حفظ النفس به، وإن كان تحقق ذلك في قتلهم به أقوى من الآخر، وهذا خارج عن المسألة.
وأما قول النبي ﷺ في حديث شريح الكعبي ﵁ المتقدم: "ومن قتل له قتيل بعد اليوم فأهله بين خيرتين: إما أن يقتلوا أو يأخذوا العقل "١ فدلالته على قتل الواحد بالواحد صريحة، بخلاف قتل الجماعة بالواحد وهو محل النزاع. فلو كانت دلالته على ذلك أمرا مسلما به كما في حالة الانفراد لما ساغ لأحد المخالفة في ذلك. وأما حكايتهم الإجماع على ذلك بناء على عدم العلم بالمخالف لمن حكم به من الصحابة كعمر وعلي وابن عباس – ﵃ – فلا ينهض بذلك حجة على المدعى؛ إذ تقرر في الأصول أن عدم العلم ليس دليلا على العدم، يؤكد ذلك ما ثبت من مخالفة كل من معاذ وجابر وابن الزبير – ﵃ – لهذا الحكم، فكيف تصح إذا دعوى الإجماع.
ثم أنه على فرض التسليم بصحة دعوى الإجماع فإنه في هذه الحالة لا يكون إلا إجماعا سكوتيا وهو ظني، فلا يقوى على معارضة الأدلة الصريحة الواضحة، مع أن الخلاف ثابت في المسألة من الصدر الأول. إذا تقرر ما سبق
стр. 34
يظهر للمتأمل مدى وجاهة قول ابن المنذر – رحمه الله تعالى – حيث قال: " لا حجة مع من أوجب قتل الجماعة بالواحد ". اهـ.
إلا أنه ينبغي تقييده بعدم وجود دليل صريح من جهة النقل؛ لأن ما ذكره أصحاب هذا القول من الأقيسة وجيهة، ومعلوم أن القياس دليل من الأدلة الشرعية عند جمهور العلماء خلافا لمن شذّ، فعليه لا يسلم القول بنفي وجود مستمسك لهم على قولهم هذا من نظر. والله أعلم.
أما أدلة كل من أصحاب القول الثاني والثالث فلا تدل دلالة صريحة على منع قتل الجماعة بالواحد، وإنما غاية ما فيها أنه لا يؤخذ بالنفس أكثر من مثلها. وهذا على التسليم بأن أل الموجودة في لفظ النفس والحر في قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ١ و ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ ٢ ليس للجنس، وهو ما يرفضه المعارض، إضافة إلى أن القول بأن المراد بالسرف في قوله تعالى: ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ ٣ هو أن لا يقتل جماعة بواحد يحتاج إلى دليل.
وإذا تقرر ما سبق فلم يبق إلا أدلتهم العقلية وهي أيضا لا تسلم من قادح يبطل بها الحجة.
وبناء على ما تقدم يترجح لي القول بأن الجماعة تقتل بالواحد لما يلي:
عموم قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاة﴾ ٤ ذلك أن ما يتحقق بقتل الجماعة بالواحد من حكمة القصاص التي منها الزجر والردع عن القتل
стр. 35
ما لا يتحقق في عدم قتلهم بحال، ولا في قتل واحد منهم فقط.
أنه يصدق على كل واحد من الجماعة المتمالئين على القتل أنه قاتل فيقتل لذلك١.
أنه إذا تقرر أن الحد يقام على الجماعة بقذف الواحد كان قتلهم بقتل الواحد أولى؛ لأن حفظ النفس أشد ضرورة من حفظ العرض، وإن اشتركا في عناية الشريعة بحفظهما.
أن قياس القصاص على القذف في هذه المسالة أولى من قياسه على الدية؛ لاشتمال قياسه على هذا الأخير على الفارق، وسلامته من ذلك في قياسه على الأول.
ومعلوم أن اشتمال القياس على الفارق قادح من القوادح المانعة من صحة الاحتجاج به. والله تعالى أعلم.
стр. 36
المطلب الثاني
في اشتراك الجماعة في قتل النفس إذا كان كل واحد منهم لو انفرد بقتله لم يقتل به
إذا اشترك جماعة أو اثنان في الجناية على واحد بالقتل ويكون كل واحد منهم أو منهما لو انفرد لم يجب عليه القود كأحرار قتلوا عبدا أو مسلمين قتلوا ذميا ففيه خلاف كالخلاف في قتل الحر بالعبد والمسلم بالذمي، وفيهما قولان:
القول الأول: أنه يقتل الحر بالعبد والمسلم بالذمي. وهو قول الحنفية٢.
стр. 37
القول الثاني: أنه لا يقتل الحر بالعبد ولا المسلم بالذمي.
وهو قول أكثر أهل العلم منهم المالكية١ والشافعية٢ والحنابلة٣.
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول بالمنقول والمعقول:
١- عموم الآيات والأخبار في القصاص.
٢- قوله ﷺ : " المؤمنون تتكافأ دماؤهم " ٤.
٣- ما روى ابن البيلماني أن النبي ﷺ أقاد مسلما بذمي، وقال: " أنا أحق من وفى بذمته " ٥
стр. 38
٤- ولأن العبد آدمي معصوم، فأشبه الحر١.
٥- ولأن الذمي معصوم عصمة مؤبدة، فيقتل به قاتله كالمسلم٢.
واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي:
١- قوله ﷺ : " المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواه، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر " ٣.
٢- عن علي ﵁ أنه قال: "من السنة أن لا يقتل مسلم بكافر"٤.
٣- عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لا يقتل حرٌّ بعبد" ٥.
٤- ولأنه لا يقطع طرف الحر بطرف العبد مع التساوي في السلامة، فلا يقتل به، كالأب مع ابنه. الراجح:
هو القول بأن الحر لا يقتل بالعبد وكذا المسلم لا يقتل بالذمي، لأن العبد منقوض بالرق، فلم يقتل به الحر، كالمكاتب إذا ملك ما يؤدي، ولأن
стр. 39
الذمي منقوض بالكفر فلا يقتل به المسلم كالمستأمن. والعمومات مخصوصات بالأحاديث. وحديث ابن البيملاني في قتل المسلم بالذمي ليس له إسناد، قاله الإمام أحمد١.
стр. 40
المطلب الثالث: اشتراك الإثنين في قتل النفس
...
المطلب الثّاني: اشتراك الاثنين في قتل النّفس إذا وجب القود على أحدهما لو انفرد دون الآخر لمعنى في نفسه لا في فعله
إذا اشترك اثنان في الجناية على الواحد في قتل النفس ويجب القصاص على أحدهما إذا انفرد بقتله، ولم يجب على الآخر إذا انفرد لمعنى في نفسه لا في فعله، كاشتراك الأب والأجنبي في قتل الولد، فهل يجب القصاص على الأجنبي؟ ففيه خلاف على قولين:
القول الأول: أنه لا قصاص عليه.
وكان عليهما ديتها على الذي لو تفرد بها منهما كان عليه القصاص في ماله وعلى الآخر على عاقلته.
وهو قول الحنفية٢ ورواية عن أحمد٣.
القول الثاني: أن عليه القصاص.
وهو قول المالكية٤، والشافعية٥، وأحمد في رواية هي