← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 12141

الإفادة من مال اليتيم في عقود المعاوضات والتبرعات

خالد المشيقح

Полный текст (73 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فإن من محاسن هذه الشريعة الأمر بالإحسان إلى اليتامى والسعي في رعايتهم، والقيام على أموالهم، وبيان ما يترتب على ذلك من أجر عظيم، قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ ٣. وروى أنس أن النبي ﷺ الله قال: “كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة” وأشار أنس بالسبابة والوسطى ٤. ولما كان ولي اليتيم قد يطمع في ماله أو شيء منه؛ إذ هو المستولي عليه المتصرف به، ولا رقيب عليه سوى الله ، جاءت الشريعة بالتحذير من الاعتداء على أموالهم، وظلمهم فيها. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ ٥ وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: “اجتنبوا السبع الموبقات ... وذكر منها أكل مال اليتيم” ٦.

стр. 2

وقد أباحت الشريعة للولي وغيره شيئاً من مال اليتيم، فأردت أن أجلي في هذه الكتابة ما يباح من ماله. وقد اشتمل البحث على: مقدمة وتمهيد وثلاثة مباحث: المبحث الأول: الإفادة من مال اليتيم في عقود المعاوضات. وفيه مطالب: المطلب الأول: بيع الولي وشراؤه من نفسه. المطلب الثاني: أخذ جزء من الربح مقابل المضاربة به. المطلب الثالث: بيعه بأقل من ثمن المثل، والشراء بأكثر من ثمن المثل. المطلب الرابع: بيعه نسيئة. المطلب الخامس: بيعه بالعرض. المطلب السادس: رهن ماله. المبحث الثاني: الإفادة من مال اليتيم في عقود التبرعات، وفيه مطالب: المطلب الأول: إقراض ماله. المطلب الثاني: إعارة ماله. المطلب الثالث: هبته، والصدقة به، ووقفه ونحو ذلك. المطلب الرابع: أكل الولي من ماله. المطلب الخامس: خلط الولي ماله بمال اليتيم. المبحث الثالث: الإفادة بإخراج ما وجب في ماله. منهج البحث: سلكت في كتابة هذا البحث المنهج العلمي في كتابة البحوث، كما يلي: أولا: اقتصرت في بحثي هذا على المذاهب الأربعة، والمذهب الظاهري، كما أذكر رأي مشاهير فقهاء السلف أحيانا.

стр. 3

ثانيا: أقوم بعرض المسألة الخلافية بذكر القول أولاً، فالقائل به، ثم أتبعه بالاستدلال، وما ورد عليه من مناقشة، وما أجيب به عنها، وهذا في جملة البحث، وقد يختلف المنهج تبعاً لاختلاف المسألة. وحيث كانت المناقشة من عندي صدرتها بعبارة: “لعله يناقش بـ “. ثالثا: اعتمدت في نسبة كل قول لكل مذهب على أمهات كتب المذهب. رابعا: اجتهدت في التوفيق بين الأقوال، فإن تعذر ذلك رجحت ما ظهر لي رجحانه، بناء على قوة الأدلة، وبما يتمشى مع قواعد الشريعة ومقاصدها العامة. خامسا: عزوت الآيات القرآنية إلى مواضعها في كتاب الله، بذكر السورة ورقم الآية. سادسا: خرجت جميع الأحاديث الواردة في البحث، وما كان منها في صحيح البخاري، أو مسلم: اكتفيت به، وما لم يخرجه أحدهما، أو كلاهما خرجته من الصحاح، والسنن، والمسانيد المتبقية، مع بيان درجة الحديث. سابعا: خرجت الآثار الواردة في البحث من مصدرها، مع بيان درجة الأثر، بالنظر في إسناده والحكم عليه. ثامنا: وضحت معنى ما يرد في هذا البحث من كلمات وألفاظ غريبة ١. تاسعاً: عملت فهرسا لهذا البحث اشتمل على ما يلي: ١- فهرسٍ لمصادر البحث ومراجعه. ٢- فهرسٍ لموضوعات البحث.

стр. 4

التمهيد المطلب الأول: تعريف العنوان . ... التمهيد وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف العنوان الفائدة: الزيادة تحصل للإنسان، وهي اسم فاعل من قولك: فادت له فائدة فيدا، وأفدته مالاً أعطيته، وأفدت منه مالاً: أخذت ... ١. وأما اليتيم: فاليتم: الإنفراد، واليتم في الناس: فقدان الأب، وفي البهائم من قبل الأم. فاليتيم: الذي مات أبوه، فهو يتيم حتى يبلغ، والجمع أيتام، ويتامى، ويتمة ٢. وروى في حديث علي مرفوعا: “لا يتم بعد احتلام” ٣. وورد موقوفاً على ابن عباس رضي الله عنهما٤.

стр. 5

والمعاوضات: جمع معاوضة. والعوض: هو البدل، والجمع أعواض، مثل: عنب وأعناب، واعتاض وتعوض: أخذ العوض، واستعاض: سأل العوض١. والمراد بها: العقود التي يقصد بها الكسب والربح، كعقد البيع، ونحوه. والتبرعات: جمع تبرع. وبرع الرجل يَبْرَع، وبَرُعَ براعة: إذا فضل في علم، أو شجاعة، أو غير ذلك. وتبرع الأمر: فعله غير طالب عوضاً. والمراد بها: العقود التي يقصد بها الإرفاق والإحسان، كالقرض، والهبة ونحو ذلك ٢. والمراد بالبحث: ما يباح للولي وغيره استفادته من مال اليتيم، سواء من خلال عقود المعاوضات، أو عقود التبرعات.

стр. 6

المطلب الثاني: الأصل في تصرفات الولي في مال اليتيم الأصل أن من تصرف لغيره سواء كان وكيلاً، أو ولياً، أو ناظر وقف أو غير ذلك أن تصرفه تصرف نظر ومصلحة، لا تشهٍ واختيار، لا سيما فيما يتعلق بمال اليتيم ١. قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ ٥. فهذه الآيات وغيرها تدل على أن تصرفات الولي في مال اليتيم مبنية على المصلحة، وأنه لا يجوز قربانها إلا بالتي هي أحسن لهم، وأصلح لمالهم.

стр. 7

المبحث الأول: الإفادة من مال اليتيم في عقود المعاوضات . المطلب الأول: بيع الولي وشراؤه من نفسه . ... المبحث الأول: الإفادة من مال اليتيم في عقود المعاوضات وفيه مطالب: المطلب الأول: بيع الولي وشراؤه من نفسه اختلف العلماء ﵏ في بيع وشراء الولي من مال اليتيم لنفسه على قولين: القول الأول: أنه يجوز للولي أن يبيع وأن يشتري مال اليتيم لنفسه. إذا زالت التهمة، بأن يزيد على ثمن المثل في الشراء، وينقص عنه في البيع. وهو مذهب الحنفية ١، والمالكية ٢، وهو رواية عن الإمام أحمد٣، فقد ورد عن الإمام الجواز بشرطين: أ - أن يزيد على مبلغ ثمنه في النداء. ب - أن يتولى النداء غيره ٤. وبه قال ابن حزم إلا أنه لم يشترط الزيادة، بل يشترط عنده عدم المحاباة٥. لكن استثنى أبو حنيفة: القاضي ووصيه فلا يملك ذلك. وحجة هذا القول: ١- قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٦.

стр. 8

وجه الدلالة: أن الآية أفادت جواز قربان مال اليتيم بالبيع والشراء إذا كان ذلك بالتي هي أحسن، وهذا عام يشمل الولي، وغيره. ٢- ما ورد أن ابن عمر ﵄ “أنه اقترض مال اليتيم” ١. وجه الدلالة: أن في القرض نوعا من التبرع، فإذا جاز ذلك في القرض، فجوازه في عقود المعاوضات من باب أولى. ونوقش بقول الإمام أحمد: “إنما استقرض نظرا لليتيم، واحتياطا إن أصابه شيء غرمه” ٢. ٣- أن تصرف الولي بولاية مستقلة فأشبه الأب والجد ٣. ٤- أنه متى باع من نفسه بزيادة على ما يباع به علم أنه أراد نفع اليتيم، فنفذ تصرفه فيه كما لو باع من أجنبي. ٥- أنه يجوز له بيعه من الأجنبي بما لا زيادة فيه متيقنة، فبيعه منه بالزيادة المتيقنة أولى. ٦- أن الغرض من البيع حصول الثمن لا أعيان المشترين بدليل أن الوكيل إذا ابتاع لموكله ولم يسمه جاز، فإذا ثبت ذلك فمتى حصل الثمن مستوفى فيجب أن يصح الشراء كما لو حصل من أجنبي ٤. واحتج ابن حزم: أن الولي مأمور بالقيام بالقسط، والتعاون على البر، فإذا فعل ما أمر به فهو محسن، وما على المحسنين من سبيل، ولم يأت قط نص

стр. 9

قرآن ولا سنة بالمنع ١. القول الثاني: أنه ليس للولي أن يبيع أو يشتري من نفسه. وهو مذهب الشافعية٢، والحنابلة٣. لكن استثنى الشافعية الجد، فقالوا له: أن يشتري ويبيع من نفسه. وحجته: ١- ما يروى عن النبي ﷺ : “لا يشتري الوصي من مال اليتيم” ٤. ولعله يناقش: بأنه لا يثبت عن النبي ﷺ . ٢- ما ورد أن رجلا من همدان جاء إلى ابن مسعود على فرس أبلق، فقال: “إن رجلا أوصى إلي وترك يتيما فاشترى هذا الفرس، أو فرساً آخر من ماله، فقال عبد الله: لا تشتر شيئا من ماله، وفي هذا الكتاب: لا تشتر شيئاً من ماله، ولا تستقرض شيئاً من ماله” ٥. ولعله يناقش: بأنه محمول على الاحتياط لليتيم.

стр. 10

٣- أنه متهم في طلب الحفظ له في بيع ماله من نفسه فلم يجعل ذلك إليه١. ولعله يناقش: بأن الجواز مشروط بعدم التهمة. ٤- أن من لا يجوز له أن يشتري بثمن المثل لا يجوز له أن يشتري بأكثر كالوكيل٢. ولعله يناقش: بأن الأصل المقيس عليه موضع خلاف بين أهل العلم. ٥- أن إطلاق البيع ينصرف إلى العرف، والعرف أن لا يبيع ولا يشتري الإنسان من نفسه ٣. واستدل الشافعية على استثناء الجد: أن الجد لا يتهم في ذلك، لكمال شفقته ٤. الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول، إذ لا فرق بين الولي وغيره مع زوال التهمة.

стр. 11

المطلب الثاني: أخذ جزء من الربح مقابل المضاربة به . ... المطلب الثاني: أخذ جزء من ربح ماله مقابل المضاربة به وفيه مسألتان: المسألة الأولى: مشروعية المضاربة بمال اليتيم. للولي أن يبيع ويشتري في مال اليتيم، وأن يدفعه لغيره مضاربة. بل صرح جمع من أهل العلم على استحباب ذلك ١. وهذا قول جمهور أهل العلم ٢. وحجة هذا القول: ١- ما تقدم من الأدلة على قربان مال اليتيم بالتي هي أحسن، والإصلاح في ماله ٣ ومما يدخل في ذلك المضاربة به. ٢- ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: “ألا من ولي يتيما له مال، فليتجر له، ولا يتركه حتى تأكله الصَّدَقة”٤. لكنه ضعيف لا يحتج به. وورد أن عثمان بن أبي العاص “قدم على عمر، فقال له عمر: كيف متجر

стр. 12

أرضك فإن عندي مال يتيم قد كادت الزكاة أن تفنيه؟ قال: فدفعه إليه”١. ٣- ما ورد عن عمر ﵁ أنه قال: “ابتغوا في أموال اليتامى لا تستغرقها الصدقة” ٢. ٤- ما رواه القاسم بن محمد٣. قال: “كنا يتامى في حجر عائشة، فكانت تزكي أموالنا، ثم تدفعه مقارضة فبورك لنا فيه” ٤. ٥- ولأن ذلك أحظ للمولى عليه؛ لتكون نفقته من فاضله وربحه كما يفعله البالغون في أموالهم ٥. القول الثاني: أنه يكره أن يدفع ماله مضاربة. وبه قال الحسن البصري٦، وعن الإمام أحمد عدم الجواز ٧. وحجته: اجتناب المخاطرة به، وأن خزنه أحفظ له٨.

стр. 13

ونوقش هذا الاستدلال: بأن المضاربة بمال اليتيم مشروطة بانتفاء الخطر، ولا يسلم بأن خزنه أحفظ له، بل المضاربة به أحفظ له لماله لينفق من فاضل ربحه، وخزنه سبب لاستهلاك الصدقة له. الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول، إذ هو الوارد عن الصحابة ﵃. فرع: ولا يتجر به إلا في المواضع الآمنة، ولا يدفعه إلا إلى الأمناء ١. المسألة الثانية: أخذ جزء من ربح ماله. اختلف العلماء ﵏ في استحقاق الولي، أو غيره ممن عمل في مال اليتيم جزءاً من ربحه على قولين: القول الأول: أنه يجوز للولي أن يأخذ لنفسه، وأن يعطي غيره وهو مذهب الحنفية ٢، وتخريج للحنابلة ٣. وحجة هذا القول: ١- الأدلة الدالة على جواز أكل الولي الفقير من مال اليتيم ٤. فإذا جاز له الأكل مع عدم العمل، فجوازه مع العمل فيه وتنميته من باب أولى. ٢- ما تقدم من الآثار الواردة عن الصحابة في أمر الولي بالمضاربة في مال اليتيم٥، والمضاربة دفع مال لمن يعمل فيه مقابل جزء مشاع من ربحه.

стр. 14

٣- أنه إذا جاز للولي أن يدفع جزءاً من ربح مال اليتيم إلى غيره، فكذا يجوز له أخذ ذلك ١. ٤- ما تقدم من الأدلة على أن لولي اليتيم أن يشتري ويبيع من نفسه إذا زالت التهمة٢. القول الثاني: أن الولي ليس له أن يأخذ شيئا من الربح، وله أن يعطي غيره ممن دفع له المال مضاربة. وبه قال جمهور أهل العلم ٣. وحجة هذا القول: أن الربح نماء مال اليتيم، فلا يستحقه غيره إلا بعقد، ولا يجوز أن يعقد الولي المضاربة لنفسه ٤. ولعله يناقش: بأن محصله أنه استدل بمحل النزاع، فلا يسلم. الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول، إذ لا فرق بين الولي وغيره مع زوال التهمة. ولأن الولي نائب عن اليتيم فيما فيه مصلحته، وهذا فيه مصلحته، فأشبه تصرف المالك في ماله.

стр. 15

المطلب الثالث: بيعه بأقل من ثمن المثل، والشراء بأكثر من ثمن المثل . ... المطلب الثالث: تضمين الولي إذا باع أو اشترى بأنقص أو أكثر من القيمة وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أن يكون ذلك بغبن فاحش. إذا باع الولي مال اليتيم بدون قيمته، أو اشترى بأكثر من قيمته، وكان ذلك بغبن فاحش. فيضمن باتفاتق الأمة ١. قال شيخ الإسلام: “وإن اشترى بزيادة لا يتغابن الناس لمثلها كان عليه ضمان ما أداه من الزيادة الفاحشة” ٢. وحجته: ما تقدم من الأدلة على حرمة مال اليتيم، ووجوب النظر بالأصلح لماله. والبيع بغبن فاحش ليس من الأصلح له. ولأن الظاهر أنه مفرط. مع إمكانه الفسخ بخيار الغبن. المسألة الثانية: أن لا يكون بغبن فاحش. كأن يبيع بأقل من ثمن المثل، أو يشتري بأكثر من ثمن المثل يسيرا. فاختلف العلماء في تضمين الولي على قولين: القول الأول: أنه إذا اجتهد وتحرى فلا ضمان عليه، وإن فرط ضمن.

стр. 16

وبه قال شيخ الإسلام١، وهو ظاهر اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي٢ رحمه الله تعالى. وحجته في ذلك: ١- ما رواه أسامة بن زيد ﵁ قال: “بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلا، فقال: لا إله إلا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : أقال لا إله إلا الله وقتلته؟ “ ٣. وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يضمن أسامة بن زيد ﵁ بدية ولا كفارة؛ لأنه مجتهد غير مفرط٤. ٢- قال شيخ الإسلام: “وهو شبيه بما إذا قتل في دار الحرب من يظنه حربيا، فبان مسلماً، فإن جماع هذا: أنه مجتهد مأمور بعمل اجتهد فيه وكيف يجتمع عليه الأمر والضمان؟ هذا الضرب هو خطأ في الاعتقاد والقصد لا في العمل ... ” ٥. ٣- أنه مأذون له في البيع والشراء، وما ترتب على المأذون غير مضمون ٦.

стр. 17

القول الثاني: أنه إذا باع بأقل من ثمن المثل، فإن كان مما يتغابن به الناس عرفاً فلا يضمن، وإن كان مما لا يتغابن به عرفا ضمن. وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة١. وحجته: أن إطلاق البيع ينصرف إلى ثمن المثل، فيضمن إذا نقص أو زاد على ثمن المثل. ولأن تصرفه مقيد بالنظر في حق الصغير، ولا نظر فيما لا يتغابن به الناس٢. وما يتغابن فيه الناس جرى العرف بالتسامح فيه. ولأن اليسير لا يمكن التحرر عنه، ويكثر وقوعه، ففي اعتباره تعطيل لمصالحه٣. القول الثالث: أنه لا يجوز البيع إلا بأزيد من الثمن، إلا إذا كان هناك حاجة فيجوز بالثمن. وهو مذهب المالكية ٤. ولعل مأخذه الاحتياط لليتيم. الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ القول الأول، وأن الولي مع الاجتهاد وعدم التفريط لا يضمن لقوة دليله؛ لأنه مأذون له في البيع والشراء، وما ترتب على المأذون غير مضمون، ولأنه أمين والأمين لا ضمان عليه مع عدم التعدي والتفريط٥.

стр. 18

المطلب الرابع: بيعه نسيئة ١ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ملك الولي لذلك. اختلف العلماء ﵏ في الولي هل له بيع مال اليتيم نسيئة؟ على قولين: القول الأول: أنه يجوز للولي بيعه نساء إذا كان هناك مصلحة، بأن يكون أكثر ثمناً وأنفع، أو الخوف عليه من نحو نهب، ونحو ذلك. وهذا ظاهر مذهب المالكية: حيث أناطوا تصرفات الولي بالمصلحة وهو مذهب الشافعية، والحنابلة٢. وحجته: قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ ٣. وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٤. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ ٥ وإذا كان في بيع مال اليتيم نسيئة مصلحة، فهو من الإصلاح لماله، وقربانه بالتي هي أحسن، ومن القيام له بالقسط. ٢- أن الولي يملك الاتجار بمال اليتيم، والبيع نسيئة لمصلحته من عادة

стр. 19

التجار وعملهم ١. القول الثاني: يجوز بيع مال اليتيم نسيئة إذا لم يكن الأجل فاحشاً لا يباع هذا المال به. وهذا قول الحنفية ٢. وظاهره: أن الأجل إذا كان يسيرا يعفى عنه، وإذا كان بعيداً اشترط زيادة الثمن لزيادة الأجل، وهذا يقول به جمهور أهل العلم. ولعل حجته: أن الأجل اليسير مما جرى التسامح فيه بين الناس، كالغبن اليسير٣. وأما الأجل البعيد مع زيادة الثمن، فدليله ما تقدم من دليل جمهور أهل العلم٤. القول الثالث: أن الولي لا يملك البيع نسيئة مطلقاً. وهو رواية عن الإمام أحمد٥. ولم أقف له على دليل، ولعل حجته الاحتياط لمال اليتيم، وأن بيعه نسيئة لا يساوي بيعه حاضراً. ويمكن أن يناقش: بأنه يسلم مع عدم المصلحة في بيعه نسيئة، لكن مع المصلحة، فبيعه نسيئة كبيعه حاضرا، أو أنفع. الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول وأن للولي بيع مال اليتيم بثمن

стр. 20

مؤجلاً إذا كان أصلح، لقوة ما استدلوا به، ولأن المصلحة تقتضي ذلك فالمصلحة لا تنحصر في زيادة الثمن فحسب، بل من المصلحة ألا تنفق السلعة إلا ببيعها نسيئة، وإلا فسدت على اليتيم، ولا شك أن البيع هنا أصلح ولو نسيئة، ومن المصلحة أيضا، تكثير المشترين ونحو ذلك. المسألة الثانية: شرط ذلك عند من أجازه. تقدم أن جمهور أهل العلم يرون جواز بيع مال اليتيم نسيئة، وقد ذكر بعض العلماء شروطاً مأخذها: حرمة مال اليتيم، والاحتياط له. الشرط الأول: أن يأخذ على الثمن المؤجل رهناً وفياً به، ولا يجزئ الكفيل عن الرهن. وهذا الشرط ذهب إليه الشافعية ١، واستثنوا الجد، فلا يشترط الرهن في حقه؛ لأنه أمين في حقه. والقول الثاني: أنه يحتاط على الثمن برهن، أو كفيل موثوق به. وبه قال جمع من الحنابلة٢. الشرط الثاني: أن يشهد على البيع وجوباً. الشرط الثالث: أن يكون المشتري موسراً ثقة. الشرط الرابع: أن يكون الأجل قصيراً عرفاً. وهذه الشروط اشترطها الشافعية٣. واشترط الحنفية: أن يأمن الجحود، وهلاك الثمن، وهو مقتضى كلام

стр. 21

غيرهم ١. ومأخذ هذه الشروط ـ كما تقدم ـ الاحتياط لليتيم. ولعله يقال: بأن اشتراط مثل هذه الشروط كلها أو بعضها يختلف باختلاف الحال، فقد تدعو الحاجة إلى اشتراط هذه الشروط، أو بعضها، وقد تدعو الحاجة إلى عدم اشتراط البعض منها، ما دام أن البيع نسيئة مقيد بالمصلحة، فعلى الولي أن يجتهد بالنظر إلى ما يحفظ مال اليتيم، ويحقق مصلحته، والله أعلم.

стр. 22

المطلب الخامس: بيعه بالعرض كأن يبيع سيارة لليتيم بسيارة أخرى، أو بأقمشة، أو كتب ونحو ذلك. فاختلف أهل العلم في جواز ذلك للولي على قولين: القول الأول: أنه يجوز ذلك عند المصلحة. كزيادة في الثمن، ونحو ذلك. وهو الظاهر من مذهب المالكية حيث أناطوا تصرفات الولي بالمصلحة١، وهو قول الشافعية ٢، وبه قال بعض الحنابلة ٣. وحجة هذا القول: ما تقدم من الدليل على جواز بيع مال اليتيم نسيئة للمصلحة ٤. القول الثاني: الجواز بشرط عدم ضرر اليتيم. وهو ظاهر قول الحنفية ٥. القول الثالث: عدم جواز بيعه بالعرض. وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة ٦. وحجته: أن البيع عند الإطلاق يتقيد بالعرف، والعرف هو البيع بالنقد لا بالعَرَضِ٧. وأيضا: فإن البيع بالعرض لا يساوي البيع نقداً.

стр. 23

وأيضا: فإنه مخالف للاحتياط لمال اليتيم. ولعله يناقش هذا الاستدلال: بأنه مسلم بما إذا لم تكن هناك مصلحة ترجح بيعه بالعرض، أما إذا وجدت مصلحة ترجح بيعه بالعرض على بيعه بالنقد كان الأحوط والأصلح لليتيم بيعه بالعرض، والله أعلم. الترجيح: يترجح ـ والله أعلم ـ جواز بيع مال اليتيم بالعرض عند المصلحة، إذ هو ظاهر القرآن.

стр. 24

المطلب السادس: رهن ماله وفيه مسألتان: المسالة الأولى: أن يرهنه لأمر لا يتعلق باليتيم. إذا ارتهن الولي مال اليتيم بدين لغير اليتيم، سواء كان للولي أو غيره، فللعلماء في ذلك قولان: القول الأول: عدم الجواز. وهو قول جمهور أهل العلم ١. وحجته: ما تقدم من الدليل على عدم جواز قربان مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، وفي رهن مال اليتيم لأمر لا يتعلق به قربان له لا بالتي هي أحسن؛ لما يترتب على ذلك من حبس ماله بغير مصلحة تعود إليه. القول الثاني: أن الولي إذا رهن مال اليتيم بدين لنفسه جاز استحسانا. وبه قال الحنفية ٢. وحجته: قياس رهن مال اليتيم على إيداعه ٣. ولعله يناقش من وجهين: الوجه الأول: أن إيداع مال اليتيم إنما هو لمصلحته وحظه كخوفٍ على مال من ضياع أو سرقة ونحو ذلك، بخلاف رهنه لأمر لا يتعلق باليتيم، فلمصلحة غيره.

стр. 25

الوجه الثاني: أن هناك فرقاً بين الوديعة والرهن، فالوديعة عقد جائز يمكن فسخه في أي وقت، أما الراهن فلازم من قبل المرتهن لا يمكن فسخه إلا برضاه. الراجح: يترجح ـ والله أعلم ـ قول جمهور أهل العلم، وأنه ليس للولي ولا غيره رهن مال اليتيم بأمر لا يتعلق به، إذ هو من قربانه لا بالتي هي أحسن، والقاعدة: أن من تصرف لغيره فتصرفه تصرف مصلحة لا اختيار وسفه. المسألة الثانية: أن يرهنه لأمر يتعلق باليتيم. يجوز رهن مال اليتيم لأمر يتعلق بحاجته، أو مصلحته. فمثال الحاجة: أن يقترض له لحاجته إلى النفقة، أو الكسوة، أو لتوفية ما لزمه، أو لإصلاح ضياعه ونحو ذلك. ومثال المصلحة: أن يشتري له ما فيه غبطة ظاهرة نسيئة. كان يشتري ما يساوي مائتين بمائة نسيئة، ويرهن به ما يساوي مائة من ماله. وإلى هذا ذهب الشافعية ١. وعند الحنفية، والمالكية، والحنابلة ٢: أن رهن مال اليتيم متعلق بحاجته. ولم يتعرضوا للمصلحة، ولعل ما ذهب إليه الشافعية هو مقتضى قول جمهور أهل العلم، إذ إنهم يتفقون على أن تصرفات الولي منوطة بالمصلحة. والدليل على هذا:

стр. 26

١- ما تقدم من الأدلة على عدم قربان مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن١. ٢- أن الرهن من توابع التجارة، لأن التاجر يحتاج إليه، والوصي يملك الاتجار بماله، فملك توابعها٢. وفي وجه للشافعية: لا يجوز رهن مال اليتيم بحال. لكن حكم عليه النووي بالشذوذ ٣.

стр. 27

المبحث الثاني: الإفادة من مال اليتيم في عقود التبرعات . المطلب الأول: إقراض ماله . ... المبحث الثاني: الإفادة من ماله في عقود التبرعات وفيه مطالب: المطلب الأول: قرض ماله وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ملك ذلك. اختلف العلماء ﵏ في ملك الولي لقرض مال اليتيم على قولين: القول الأول: أنه يجوز قرضه للمصلحة مطلقاً. مثل: أن يخاف عليه الهلاك من نهب، أو غرق، أو غيرهما، أو يكون مما يتلف بتطاول مدته، أو حديثه خير من قديمه كالحنطة ونحوها، فيقرضه خوفاً من السوس، أو نقص قيمته، وأشباه هذا. وهو قول جمهور أهل العلم١. واستثنى الحنفية، وبعض الشافعية القاضي: فله قرضه مطلقا. وحجة هذا القول: ١- ما تقدم من الأدلة على عدم قربان مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن٢، وإقراضه عند المصلحة قربان له بالتي هي أحسن. ٢- ما ورد أن ابن عمر ﵄ “كان يستقرض مال اليتيم” ٣.

стр. 28

قال الإمام أحمد: “إنما استقرض نظراً لليتيم، واحتياطا له إن أصابه شيء غرمه”. ١ ٣- أن لليتيم في إقراض ماله للمصلحة حظاً، فجاز كالتجارة به. ٤- أنه إذا لم يكن في إقراض ماله حظ لم يجز؛ لأنه تبرع بمال اليتيم فلم يجز كهبته٢. واحتج من استثنى القاضي فله قرض ماله مطلقا: ١- أن إقراض القاضي من باب حفظ الدين، إذ الظاهر أن القاضي يختار أملى النّاس وأوثقهم، وله ولاية التّفحّص عن أحوالهم؛ فيختار مَن لا يتحقّق إفلاسه ظاهراً وغالباً٣. ٢- أن القاضي ينشغل عن مال اليتيم؛ لكثرة أشغاله، فيملك إقراضه ٤. القول الثاني: عدم جواز قرض مال اليتيم مطلقاً. وهو وجه عند الشافعية ٥، ورواية عن الإمام أحمد ٦. وحجة هذا القول: ١- ما ورد عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: “لا تشتر شيئاً من ماله ـ أي اليتيم ـ ولا تستقرض شيئاً من ماله ٧. ونوقش هذا الاستدلال: بأنه محمول على عدم المصلحة، كما أنه مخالف

стр. 29

لما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما١. ٢- أن القرض إزالة الملك من غير عوض للحال، وهو معنى قولهم: القرض تبرع، وهو لا يملك سائر التبرعات ٢. ولعله يناقش: بعدم التسليم، فالقرض ليس تبرعاً من كل وجهٍ، بل يثبت بدله، وما فيه من شائبة التبرع مقرون بالمصلحة. الترجيح: يترجح ـ والله أعلم ـ جواز قرض مال اليتيم للمصلحة، لقوة دليله، والإجابة عن دليل المخالف. المسألة الثانية: شرط القرض عند من أجازه. الأول: شرط الرهن. اختلف الفقهاء ﵏ في اشتراط الرهن لإقراض مال اليتيم على قولين: القول الأول: أنه إن رأى الولي المصلحة في أخذ الرهن أخذه، وإن رأى المصلحة في تركه تركه. وهذا مذهب الشافعية٣، وعند الحنابلة٤، عدم اشتراط الرهن، ولعل هذا فيما إذا كانت المصلحة في تركه، فإن كانت المصلحة في أخذه اشترط، إذ تصرفات الولي عند الحنابلة منوطة بالمصلحة. وحجته: ١- ما تقدم من الأدلة على عدم قربان مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن٥.

стр. 30

وجه الدلالة: أن إقراض ماله للمصلحة قربان له بالتي هي أحسن وإن لم يكن رهن، إذ قد يمتنع أخذ الرهن. ٢- أن الظاهر أن من يستقرض مال اليتيم لمصلحة اليتيم لا يبذل رهناً، فاشتراط الرهن يفوت هذا الحظ ١. القول الثاني: اشتراط الرهن لإقراض مال اليتيم. وهو وجه في مذهب الحنابلة ٢. وحجته: الاحتياط لماله. ونوقش: بأن الأحوط لماله إقراضه إذا كان فيه حظ له. الترجيح: يترجح ـ والله أعلم ـ القول الأول. فرع: فإن أمكن أخذ الرهن، فهل يجب على الولي أخذه؟ لا شك أن الأولى أخذه احتياطاً؛ لكن إن ترك الولي أخذه ففي ضمانه عند الحنابلة احتمالان. الاحتمال الأول: أنه لا يجب على الولي أخذ الرهن، فلا يضمن؛ لأن الظاهر السلامة. الاحتمال الثاني: أنه يجب على الولي أخذ الرهن، فإن لم يفعل ضمن لتفريطه ٣. الشرط الثاني: أن يكون المقترض مليئا ثقة.

стр. 31

وهو قول جمهور أهل العلم ١. وحجته: ١- أن غير الملئ لا يمكن أخذ البدل منه، فيؤدي ذلك إلى تأخر استرداد مال اليتيم ٢. ٢- أن غير الثقة قد يجحد مال اليتيم، أو يماطل في إيفائه ٣. الشرط الثالث: أن يشهد على ذلك. وهو مذهب الشافعية ٤. ولعل مأخذه الاحتياط لمال اليتيم. الشرط الرابع: أن لا يقرض ماله بقصد مصلحة الغير كنفعه، أو مكافأته ونحو ذلك، نص عليه الإمام أحمد ٥. لأنه لاحظ لليتيم في ذلك ٦. الشرط الخامس: أن لا يكون المقترض الولي، أو الحاكم. وبه قال بعض الحنابلة ٧. ولعل الأقرب: عدم الاشتراط، إذ القرض منوط بالمصلحة، وحينئذٍ لا تهمة للولي أو الحاكم.

стр. 32

المطلب الثاني: إعارة ماله اختلف أهل العلم ﵏ في حكم إعارة الولي لمال اليتيم، على قولين: القول الأول: أن الولي لا يملك ذلك. وهو قول جمهور أهل العلم ١. وقيده ابن عبد البر: بما إذا لم يكن مصلحة، وإلا جاز. وحجة هذا القول: ١- ما تقدم من الأدلة على عدم قربان مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن٢. وجه الدلالة: أن الله أمر بالإصلاح في أموال اليتامى، وعدم قربانها إلا بالتي هي أحسن، وليس إعارة أموالهم من ذلك، لأن العارية تبرع بلا مقابل. ٢- أن الإعارة تمليك المنفعة بغير عوض، فكان ضرراً ٣. القول الثاني: أن الولي يملك إعارة مال اليتيم. وبه قال الحنفية استحساناً ٤. وهذا القول هو مقتضى قول من أوجب العارية على المستغني عنها وهو رواية عن الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام ٥. ووجه الاستحسان عند الحنفية: أن هذا من توابع التجارة فملكها الولي

стр. 33

بملك التجارة، ولذا ملكها المأذون له ـ أي بالتجارة١. ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم أن الإعارة من توابع التجارة إذ التجارة ما يغلب فيها العوض والربح، والعارية يغلب فيها التبرع. ووجه من قال بوجوب العارية في مال اليتيم إذا كان مستغنيا عنها: عمومات الأدلة الدالة على وجوب العارية، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ ٢، ولما روى جابر عن النبي ﷺ قال: “ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أقعد لها يوم القيامة بقاع قرر ٣ تطؤه ذات الظلف بظلفها، وتنطحه ذات القرن ليس فيها يومئذ جماء٤ ولا مكسورة القرن" قلنا: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: "إطراق فحلها وإعارة دلوها، ومنحتها، وحلبها على الماء، وحمل عليها في سبيل الله” ٥. وغير ذلك من أدلة وجوب العارية. والحقوق المالية يستوي فيها الصغير والكبير، واليتيم وغيره. الراجح: يترجح ـ والله أعلم ـ عدم جواز إعارة مال اليتيم، إذ العارية تبرع، والولي لا يملكه، لكن يستثنى من ذلك: ما إذا كان مستغنيا عنها اليتيم؛ لقوة دليل القول الثاني. وكذا إذا ترتب على الإعارة مصلحة أنفع من عدم الإعارة.

стр. 34

المطلب الثالث: هبته، والصدقة به، ووقفه ونحو ذلك . ... المطلب الثالث: هبته ووقفه، والصدقة به، ونحو ذلك وفيه مسائل: المسألة الأولى: هبة ماله بلا عوض. لا يجوز التبرع بمال اليتيم مجانا باتفاق الأئمة ١. ويدخل في ذلك: هبته بلا عوض، ووقفه والصدقة به، والمحاباة به في البيع والشراء، والإجارة ونحو ذلك. والحجة في هذا: ١- ما تقدم من الأدلة على عدم قربان مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن٢. ٢- أن هبة مال اليتيم والصدقة به ونحو ذلك إزالة لملكه من غير عوض، فكان ضرراً محضاً ٣. لكن إذا تضمن العفو عن شيء من ماله إدراك بقيمة ماله، فللولي ذلك٤ وجوبا٥. لقوله تعالى: ﴿وأما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها

стр. 35

وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا﴾ ١. فالخضر ﵀ فوت جزءاً من السفينة بالعيب إدراكاً لجميعها ٢. وما لا يدرك كله لا يترك كله. ولأن تصرفات الولي منوطة بالمصلحة، والمصلحة هنا بالعفو٣. المسألة الثانية: أن يكون بعوض. مثل أن يهب كتاب اليتيم مقابل دراهم. فاختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: الجواز. وهو مذهب الحنابلة، بشرط كون العوض مثل قيمة الموهوب فأكثر ٤. وحجته: ١- ما تقدم من الأدلة على جواز التجارة بمال اليتيم بالبيع والشراء، والهبة بعوض في معنى البيع ٥. ٢- أن الهبة بعوض معاوضة المال بالمال فملكها كما يملك البيع ٦. ٣- أن العوض إذا كان أقل من قيمة الموهوب، فهو نوع من المحاباة والولي لا يملك ذلك ٧.

стр. 36

القول الثاني: أن هبة الثواب لا تجوز إلا بغبطة ظاهرة. وهو مذهب الشافعية ١. ولم أقف له على دليل، ولعل دليلهم أن تصرفات الولي منوطة بالمصلحة ولا مصلحة إلا إذا كانت الهبة بعوض أكثر من القيمة، والله أعلم. القول الثالث: عدم الجواز مطلقاً وهو مذهب الحنفية ٢، والمالكية ٣. وحجة هذا القول: أما الحنفية فعللوا: أن الهبة بعوض هبة ابتداء، بدليل أن الملك فيها يتوقف على القبض، وذلك من أحكام الهبة، فلم تنعقد هبته، فلا يتصور أن تصير معاوضة٤. ولعله يناقش: بعدم التسليم، بل الهبة بعوض مبادلة مال اليتيم، وهذا هو البيع. وأما المالكية: فعللوا: أن الهبة إذا فاتت بيد الموهوب لا يلزمه إلا القيمة، والوصي لا يبيع بالقيمة ٥. وتقدم أن المالكية: لا يرون بيع مال اليتيم بالقيمة إلا إذا كان البيع لحاجة ٦. ولعله يناقش: بأن البيع بالقيمة جمهور أهل العلم على جوازه ٧.

стр. 37

الترجيح: يترجح ـ والله أعلم ـ جواز هبة الثواب بمثل القيمة، أو أكثر، إذ هذا هو البيع، والولي يملكه. المسألة الثالثة: التضحية عند ماله. اختلف أهل العلم ﵏ في شراء الأضحية لليتيم من ماله على قولين: القول الأول: أن الولي ونحوه يملك شراء الأضحية لليتيم من ماله إذا كان موسراً. وهو قول جمهور أهل العلم ١. وحجته: ١- قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ ٣. وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٤. وجه الدلالة: أن شراء الأضحية لليتيم من ماله من الإصلاح في ماله، والقيام له بالقسط وقربانه بالتي هي أحسن لما فيه من جبر قلبه، وإلحاقه بمن له أب، وإدخال السرور عليه ٥. ٢- حديث نبيشة الهذلي أن النبي ﷺ قال: “أيام التشريق أيام

стр. 38

أكل وشرب، وذكر الله ” ١. وهذا يشمل بيت اليتيم وغيره، فتشرع التضحية له من ماله. ٣- أن شراء الأضحية بمنزلة الثياب الحسنة، وشراء اللحم ٢. القول الثاني: أنه لا يجوز أن يضحى عنه. وهو مذهب الشافعي ٣، ورواية عن أحمد ٤. وحجته: ١- أنه إخراج شيء من ماله بغير عوض، فلم يجز كالهدية ٥. ولعله يناقش: بالفرق فالهدية إخراج من ماله بلا مصلحة لليتيم، بخلاف الأضحية فيترتب عليه مصلحة جبر قلبه، وإدخال السرور عليه. قال ابن قدامة: “ويحتمل أن يحمل الكلام أحمد في الروايتين على حالين، فالموضع الذي منع التضحية إذا كان الطفل لا يعقل التضحية، ولا يفرح بها، ولا ينكسر قلبه بتركها، لعدم الفائدة فيها، والموضع الذي أجازها إذا كان اليتيم يعقلها ... ” ٦. ٢- أنه مأمور بالاحتياط لماله، ممنوع من التبرع، والأضحية تبرع ٧.

стр. 39

الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ مشروعية التضحية عن اليتيم من ماله، لما يترتب عليها من مصالح. المسألة الرابعة: إعتاق رقيق اليتيم وفيها أمور: الأمر الأول: إعتاقه على غير مال. لا يملك الولي إعتاق رقيق اليتيم على غير مال. وهذا مذهب الأئمة الأربعة ١. وحجته: ما تقدم من الأدلة على عدم جواز التبرع بماله بلا عوض ٢. وأجاز الإمام أحمد ﵀ عتق عبد اليتيم مجانا إذا كان هناك مصلحة، مثل أن تكون له أمة لها ولد يساويان مجتمعين مائة، ولو أفردت ساوت مائتين، ولا يمكن إفرادها بالبيع، فيعتق الولد، لتكثر قيمة الأمة ٣. وفي الإنصاف: (ولعل هذا كالمتفق عليه) ٤. وذهب بعض المالكية: إلى جواز إعتاقه بغير مال إذا كان الولي موسراً٥. بناء على أنه ينفذ عتقه على الولي. الأمر الثاني: إعتاقه على مال.

стр. 40

اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أنه يجوز إعتاقه على مال وكذا مكاتبته إذا كان له فيه حظ، مثل: أن تكون قيمته ألفاً، فيكاتبه بألفين، أو يعتقه بهما. وهو مذهب المالكية ١، ومذهب الحنابلة ٢. وحجته: ١- ما تقدم من الأدلة على عدم قربان مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ٣. وإذا كان إعتاقه على مال له فيه حظ فمن قربانه بالتي هي أحسن. ٢- أنها معاوضة لليتيم فيها حظ فملكها وليه كبيعه ٤. القول الثاني: أنها تجوز كتابته إذا كان له فيها حظ، ولا يجوز إعتاقه على مال. وهو مذهب أبي حنيفة ٥. وحجته: ١- أن الإعتاق على مال تعليق له على شرط، فلم يملكه الولي قياساً على التعليق على دخول الدار ٦. ٢- أن المقصود من العتق على مال العتق دون المعاوضة، فلم يملكه الولي، قياساً على الإعتاق بغير عوض ٧
следующие страницы →