ال مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ٢.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ ٣.
أما بعد فإن المساجد لها مكانة عظيمة وأهمية بالغة عند المسلمين أمر الله برفعها وذكر اسمه فيها يقول ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ..﴾ ٤.
وقوله ﵎ ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ٥.
стр. 2
ولهذه الأهمية العظيمة أُمِرْنا بالمحافظة على المساجد من كل مالا يتناسب مع ما بُنيت له ولذلك نهى النبي ﷺ عن البيع والشراء في المسجد أو إنشاد الضالة أو أن يأكل الإنسان ثوماً أو بصلاً ويدخل المسجد أو أن يستهان بالمسجد أو يُعبث فيه ولما كان الناس قد خف عندهم شأن المحافظة على المساجد وخاصة فيما يتعلق بتعظيمها والمحافظة على حرمتها وكانت الأحكام المتعلقه بالمساجد كثيرة ومتفرقة أحببت أن أسهم في بيان بعض الأحكام المتعلقة بحرمة المسجد في بحث مستقل وضعته بأسلوب علمي واضح يسهل الاطلاع عليه والاستفادة منه وعنونت له بعنوان (القول الأحمد في أحكام في حرمة المسجد) .
خطة البحث
قسمت هذا البحث إلى مقدمة وتمهيد وأربعة مباحث وخاتمة.
المقدمة: وتشتمل على الافتتاحية وخطة البحث ومنهجه.
التمهيد: في تعريف المسجد وبيان أهميته ومكانته وفضل عمارته
المبحث الأول: في مكث المحدث والحائض ومن في حكمهما في المسجد.
وفيه ثلاثة مطالب
المطلب الأول: في مكث المحدث والحائض في المسجد.
المطلب الثاني: في عبور الجنب والحائض المسجد.
المطلب الثالث: في دخول المستحاضة ومن به سلس بول أو نجاسة دائمة أو رائحة كريهة.
المبحث الثاني: في دخول الصبيان والمجانين المسجد.
المبحث الثالث: في من يقصد المسجد للبيع والشراء وإنشاد الضالة.
المبحث الرابع: في دخول المشرك المسجد.
стр. 3
أو يقصده للصلاة فيبيع ويشتري أو ينشد ضالة.
الخاتمة في أهم نتائج البحث.
منهج البحث:
سلكت في إعداد هذا البحث المنهج الآتي:
١- جمعت المادة العلمية المتعلقة ببحث القول الأحمد في أحكام في حرمة المسجد.
٢- درست المسائل الواردة في هذا البحث دراسة موازنة، وحرصت على بيان المذاهب الأربعة في كل مسألة، وقد أذكر في المسألة أقوال بعض الصحابة والتابعين وغيرهم من الفقهاء كما أنني ذكرت قول الظاهرية في بعض المسائل مراعياً في ذلك غالباً الترتيب الزمني بين الفقهاء.
٣- حرصاً مني على إخراج المسائل بأسلوب مبسط، يسهل معه معرفة الحكم في المسألة صدّرتها بالإجماع أو الاتفاق إن كانت من المسائل المتفق أو المجمع عليها، كما أنني إن رأيت الخلاف ليس قوياً في المسألة صدّرت المسألة بقول أكثر أهل العلم وبعد ذلك أشير إلى القول المخالف ثم أذكر أدلة كل قول وما قد يرد عليه من اعتراض إن وجد، ثم أختم المسألة بالقول الراجح وقد أؤخر الاعتراضات مع الترجيح.
٤- حرصت على نقل أقوال الفقهاء من مصادرها الأصلية.
٥- ذكرت أرقام الآيات الواردة في البحث مع بيان أسماء سورها.
٦- خرجت الأحاديث الواردة في البحث مبيناً الكتاب والباب والجزء والصفحة فإن كان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما اكتفيت بتخريجه منهما أو من أحدهما، وإن لم يكن فيهما أو في أحدهما اجتهدت في
стр. 4
تخريجه من كتب السنة الأخرى مع ذكر درجة الحديث صحة أو ضعفاً معتمداً على الكتب التي تعنى بذلك.
٧- بينت معاني الكلمات التي تحتاج إلى بيان معتمداً على الكتب التي تعني بذلك.
٨- لم أترجم للأعلام الواردة في البحث خشية الإطالة.
٩- بينت في نهاية البحث في الخاتمة أهم النتائج التي توصلت إليها.
١٠- وضعت فهرساً للمصادر التي اعتمدت عليها مرتباً حسب الحروف الهجائية، وآخر للموضوعات.
стр. 5
التمهيد:
في تعريف المسجد وبيان أهميته ومكانته وفضل عمارته
تعريف المسجد:
المسجد لغة: هو مفعل بالكسر اسم لمكان السجود.
والفتح اسم للمصدر.
والمَسْجَدُ بالفتح: جبهة الرجل حيث يصيبه ندب السجود١.
والمسجد شرعاً:
هو كل موضع من الأرض لقوله ﷺ : “جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً” ٢.
وهذا من خصائص هذه الأمة قال القاضي عياض:
“لأن من كان قبلنا، كانوا لا يصلون إلا في موضع يتيقنون طهارته، ونحن خصصنا بجواز الصلاة في جميع الأرض إلا ما تيقنا نجاسته”٣.
وقال القرطبي: “هذا ما خص الله به نبيه، وكانت الأنبياء قبله إنما أبيحت لهم الصلوات في مواضع مخصوصة كالبّيع والكنائس” ٤.
قال الزركشي: ولما كان السجود أشرف أفعال الصلاة لقرب العبد من ربه اشتق اسم المكان منه فقيل مسجد، ولم يقولوا مركع.
стр. 6
ثم إن العرف خصص المسجد بالمكان المهيأ للصلوات الخمس حتى يخرج المصلى المجتمع فيه للأعياد ونحوها فلا يعطى حكمه١.
أهمية المسجد ومكانته وفضل عمارته:
المسجد بيت الله وأحب البقاع إليه ولقد وضع الله للناس أول بيت من بيوته في الأرض وأشرفها، وهو المسجد الحرام ليقام فيه دينه، كما قال تعالى ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢.
قال ابن كثير، ﵀: يخبر تعالى أن أول بيت وضع للناس، أي لعموم الناس لعبادتهم ونسكهم، يطوفون به ويصلون إليه، ويعتكفون عنده ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ يعني الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل عليه السلام٣.
ومما يدل على مكانة المسجد وعظم منزلته عند الله أنه سبحانه هو الذي فضل المساجد، ورغب في بنائها وعمارتها، حساً ومعنى، وجعل أصل وظائفها ذكره، وإقام الصلاة له، وهي أهم أركان عبادته بعد الشهادتين، اللتين هما عبادته وذكره، كما قال تعالى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ ٤.
والله ، هو مالك كل شيء نسب المساجد إليه، فليست هي لأحد سواه، كما أن العبادة التي كلف الله عباده إياها لا يجوز أن تصرف
стр. 7
لسواه، كما قال تعالى ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ١.
على القول بأن المراد بالمساجد في الآية أماكن الصلاة٢.
ويُؤخذ من كون المساجد لله، انه تعالى هو الذي يشرع فيها ما يريد، سواء كان ذلك يتعلق ببنائها وكيفيته أم يتعلق بما يجب فيها، وما يندب، وما يباح، وما يكره وما يحرم، فليس لأحد من الخلق أن يتدخل في شؤون المساجد إلا بما أذن الله، ومن تدخل فيها بما لم يأذن به الله، فقد تعدى حدوده.
ومما يدل على مكانة المسجد عند الله أن عمّاره مادياً ومعنوياً هم صفوة خلقه من الأنبياء والمرسلين، وأتباعهم من عباده المؤمنين، فقد كان باني الكعبة أبو الأنبياء إبراهيم وابنه إسماعيل. كما قال تعالى ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ٣.
وقال تعالى في عمار سائر المساجد ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ٤.
ووعد الله من بنى له بيتاً في الأرض ـ أي بنى مسجداً لله تعالى ـ أن يبني له بيتاً في الجنة، كما في حديث عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: “من بنى لله مسجداً بنى الله له كهيئته في الجنة” ٥.
стр. 8
ومما يدل على مكانتها شهود الملائكة للصلاة فيها واستماعهم للذكر، جاء في فضل الجمعة من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: “.... فإذا حضر الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر” ١.
إن مكانة المسجد في المجتمع المسلم تظهر بجلاء من كون الرسول ﷺ لم يستقر به المقام عندما وصل إلى حي بني عمرو بن عوف في قباء حتى بدأ ببناء مسجد قباء، وهو أول مسجد بني في المدينة وأول مسجد بني لعموم الناس ٢.
وكذلك عندما واصل سيره ﷺ إلى قلب المدينة كان أول ما قام به تخصيص أرض لبناء مسجده، ثم الشروع في بنائه.
وكان ﷺ إذا نزل منزلاً في سفر أو حرب، وبقى فيه مدة اتخذ فيه مسجداً يصلي فيه أصحابه، ﵃، كما فعل في خيبر وفي غزوة الخندق٣.
وكان ﷺ يصلي لذوي الأعذار في بيوتهم في مكان منها ليتخذوه مسجداً، كما في قصة عتبان بن مالك الأنصاري٤ ﵁ كل ذلك يدل على مكانة المسجد وعدم استغناء المسلم عنه في أي مكان حل، وأنه لا تخلو منه الأحياء والدور والمنازل في سفر ولا حضر.
من المسجد ينطلق صوت المؤذن في اليوم والليلة خمس مرات في كل أرجاء المعمورة، فيستجيب له ملايين الناس، تاركين كل شيء وراءهم، ليقووا
стр. 9
صلتهم بربِهم ويؤدوا له ما فرض عليهم في بيوته التي أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه.
فالمسجد هو مقر إقامة الصلاة المفروضة، والذي يتخلف عنه يسم نفسه بسمة النفاق وهذا ما فهمه أصحاب رسول الله ﷺ أنه لا يتخلف عن صلاة الجماعة بدون عذر إلا منافق معلوم النفاق.
وللمسلمين عيد أسبوعي يجتمع فيه أهل كل حي في أكبر مساجدهم في غاية النظافة، وبأجمل اللباس، وبأطيب الروائح، أفضلهم أجراً من جاء مبكراً إلى المسجد، وذلك لحضور صلاة الجمعة، والإنصات لخطبتها قبل الصلاة، وليس هناك خطبة يجب الإنصات لها دون لغو ولا عبث كخطبتي الجمعة.
وهناك صلوات النوافل التي تسن إقامتها في المسجد، منها تحية المسجد عند دخوله. وكذلك صلاة ركعتين بين الأذان والإقامة من كل صلاة ولا مانع من أداء النوافل الراتبة قبل الصلاة وبعدها في المسجد وإن كان الأفضل أداؤها في المنازل.
وكذلك صلاة العيدين، يجوز أداؤها في المسجد، وإن كان الأفضل أن تقام في الصحراء، وكذلك صلاة الاستغاثة، وفي المسجد تقام صلاة الكسوف لكسوف الشمس وصلاة الخسوف لخسوف القمر ومع كل تلك الصلوات يسن أن يخطب الإمام الناس خطبة فيها تناسب المقام وكذلك الصلاة على الجنائز التي اعتادها المسلمون لكثرة المصلين، ويرجى من الخير للميت مع وجود الكثرة ما لا يرجى مع القلة في الغالب.
ومن الأعمال الصالحة التي تؤدى في المسجد قراءة القرآن بتدبر وخشوع وحفظه والاجتماع لتدارسه، كما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ وفيه ... "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة
стр. 10
وذكرهم الله فيمن عنده" ١.
ومن ذلك ذكر الله سبحانه: ما كان مقيداً منه بعدد ووقت، كالذكر أدبار الصلوات من تسبيح وتحميد وتهليل، وما كان غير مقيد كالذكر المطلق الذي شرع الله الإكثار منه وكالصلاة على رسول الله ﷺ وغيرها.
ومنها الاعتكاف المشروع ـ وهو المكث في المسجد مدة معينة من الزمن تطول أو تقصر ليصلي ويدعو ويقرأ القرآن، ويذكر الله تعالى ويتأمل حاله وحال المسلمين ويحاسب نفسه ويخلو مع خالقه ويبكي على خطيئته ويجدد توبته ويتعرض لنفحات الله بعد أن تعلق قلبه بربه في أحب البقاع إليه يرجو أن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله جاء في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ “سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله....” وذكر منهم: “رجل معلق قلبه في المساجد، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه” ٢.
والمسجد مدرسة للعلم والتعليم، ومنبت التربية والتثقيف منه يتخرج العلماء والأبطال والقادة والمفكرون وفيه يلتقي المسلمون على مائدة القرآن والسنة.
وهو مركز دعوة ومنبر توجيه، فكم نور قلوباً وعمر أفئدة وأزال عنها أوحال الجاهلية وغبش الضلال، وجعلها مؤمنة تقية نقية، مجاهدة قانتة مطيعة عمرت الأرض بالطاعة والإصلاح ونشرت في أنحاء واسعة من المعمورة، فكانت قرآنا يمشي على الأرض ينير للناس مناهج الحق ويهديهم سبيل الرشاد.
стр. 11
ونهى النبي ﷺ عن أن يفعل في المساجد ما لم تبن له فنهى عن البيع والشراء في المسجد وعن إنشاد الضالة وعن إيذاء المصلين والملائكة برائحة كريهة كأكل ثوم أو بصل أو كراث أو نحوها١، وحث ورغب في صيانة المساجد وتنزيهها عن القذى والأذى والحدث وعن اللغو والفحش واللغط والعبث وعن كل ما فيه انتهاك لحرمتها ورتب الجزاء الأوفى على تعاهد نظافة المساجد وصيانتها.
والخلاصة: أن للمساجد مكانة عظيمة في الإسلام فهي متعددة الأغراض متشعبة المهام ينبغي على المسلمين أن يهتموا بها ويحرصوا على عمارتها حسياً ومعنوياً، ويصونوها عن كل ما يدنسها أو ينتهك حرمتها أو يلغي من وظائفها أو اعتباراتها أو يتلف شيئاً من أدواتها.
стр. 12
المبحث الأول: فيِ مكث المحدث والحائض ومن في حكمهما في المسجد .
المطلب الأول: في مكث المحدث والحائض في المسجد .
...
المبحث الأول: فيِ مكث المحدث والحائض ومن في حكمهما في المسجد
وفيه ثلاث مطالب.
المطلب الأول: في مكث المحدث والحائض في المسجد.
أجمع العلماء على أن المحدث حدثاً أصغر يجوز له الجلوس في المسجد سواء مكث بغرض شرعي، كانتظار صلاة أو اعتكاف أو سماع قرآن أو علم آخر أو غرض أم لغير غرض١.
واختلف الفقهاء في جلوس المحدث حدثاً أكبر والحائض في المسجد على قولين:
القول الأول: يحرم مكث الحائض والجنب في المسجد وبه قال الجمهور ومنهم الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة٢.
القول الثاني: يجوز مكث الحائض والجنب مطلقاً لحاجة ولغير حاجة. وهو مروي عن ابن عباس ﵄ ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وبه قال المزني وابن المنذر والظاهرية٣ وبه قال بعض الشافعية إذا دعت الضرورة
стр. 13
والحاجة لذلك بشرط التيمم إن وجد تراباً غير تراب المسجد والحنابلة في الجنب إذا توضأ١.
الأدلة:
استدل الجمهور بالكتاب والسنة والمعقول٢.
من الكتاب:
قول الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا......﴾ ٣.
وجه الدلالة من الآية:
أن الله نهى عن قربان مواضع الصلاة في حال الجنابة إلاِّ لعابر من باب إلى باب من غير جلوس٤.
وأعترض على هذا الاستدلال:
بأن المراد بالنهي في الآية: ﴿لا تَقْرَبُوا﴾ أي لاتصلوا في حالة الجنابة حتى تغتسلوا إلاِّ في حالة عبور السبيل وهو السفر فلكم أن تؤدوها بغير اغتسال بالتيمم٥.
стр. 14
وأجيب عن هذا الاعتراض:
بأن المراد بالعبور في قوله تعالى ﴿وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ عبور الجنب في المسجد وليس المسافر وذلك أن الله قد بين حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب في قوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّبا ١﴾ ، فيعلم بذلك أن قوله ﴿وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ لو كان المراد به المسافر لم يكن لإعادة ذكره في قوله تعالى ﴿مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ معنى مفهوم وقد تقدم ذكر حكمه قبل ذلك٢.
ومن السنة:
١- حديث أم عطية ﵂ قالت: أمرنا (تعني النبي ﷺ "أن نُخْرِج، في العيدين، العَوَاتق٣ وذوات الخدور ٤. وأمر الْحُيَّض أن يعتزِلْن مصلى المسلمين"٥.
والمراد بالأمر باعتزالهن المصلى منعهن من دخول المصلى.
стр. 15
وقد يعترض عليه بأن المراد منعهن من الصلاة نفسها١.
وقد يجاب عن هذا بأن الحائض غير مأمورة بالصلاة ولا تجوز منها٢.
٢- حديث أبي هريرة ﵁ قال بينما رسول الله ﷺ في المسجد فقال: "يا عائشة ناوليني الثوب" فقالت: إني حائض. فقال: "إن حيضتك ليست في يدك، فناولته" ٣.
ففي هذا الحديث دلالة على أن الحائض ممنوعة من دخول المسجد وعبوره ولهذا أمرها النبي ﷺ أن تناوله الثوب بيدها وهذا ما كان معلوماً عند عائشة حيث قالت إني حائض ولهذا قال لها النبي ﷺ إن حيضتك ليست في يدك، أي أنه أقرها أنها ليس لها دخول المسجد، وإنما تناوله بيدها وليست الحيضة في يدها فلا مانع من أن تدخل يدها في المسجد لتناوله الثوب٤.
٣- حديث عائشة ﵂ أنها كانت ترجل٥ رسول الله ﷺ وهي حائض ورسول الله ﷺ حينئذ مجاور٦ في المسجد يدني لها رأسه وهي في حجرتها فترجله وهي حائض٧.
стр. 16
ففي هذا الحديث دلالة على أن الحائض لا تدخل المسجد فمن باب أولى مكثها فيه١.
٤- حديث عائشة ﵂ وفيه أن النبي ﷺ قال ... ” فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب “ ٢.
وقد دل هذا الحديث على تحريم اللبث في المسجد وكذلك العبور فيه سواء كان لحاجة أو لغيرها٣.
واعترض على الاستدلال بهذا الحديث.
بأنه حديث ضعيف فقد ضعفه ابن المنذر والخطابي والنووي وابن حزم والألباني٤.
وأجيب عن هذا بأن الحديث قد حسنه الزيلعي وابن القطان وقال الحافظ صححه ابن خزيمة٥.
وقال أصحاب هذا القول على فرض ضعفه فإنه يتقوى بالأحاديث السابقة الدالة على المنع.
٥- حديث أم سلمه ﵂ وفيه أن النبي ﷺ “ نادى
стр. 17
بأعلى صوته أن المسجد لا يحل لحائض ولا جنب”١.
فالحديث صريح الدلالة في عدم جواز حل المسجد للحائض والجنب.
واعترض على الاستدلال به.
بأنه حديث ضعيف فقد ضعفه جمع من أهل العلم منهم ابن القيم وابن حزم والألباني٢ وغيرهم.
وقد يجاب عن هذا:
بأنه يتقوى بالأحاديث الأخرى الصحيحة الواردة في المنع.
ومن المعقول:
أن المساجد بيوت الله ـ عزوجل ـ ومحل ذكره، وعبادته، ومأوى ملائكته وإذا كان آكل البصل والأشياء المكروهه ممنوعاً من البقاء في المسجد، فالجنب الذي تحرم عليه الصلاة من باب أولى٣.
أدلة أصحاب القول الثاني:
استدل أصحاب القول الثاني على جواز مكث الحائض والجنب في المسجد لحاجة ولغير حاجة بالسنة والمعقول:
فمن السنة:
١) حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: “ ... فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري “ ٤.
стр. 18
وجه الدلالة من الحديث:
أن النبي ﷺ منعها من الطواف ولم يمنعها من دخول المسجد.
واعترض على هذا:
أن في نهيها عن الطواف بالبيت نهياً عن دخول المسجد لأن الطواف في المسجد ولذلك لم ينهها عن شعائر الحج الأخرى التي تؤدى في غير المسجد كالسعي والرمي والوقوف بعرفه وغيرها. وقد تقدم في حديث أبي هريره في أدلة أصحاب القول الأول ما يدل على علم عائشة بمنع الحائض من دخول المسجد١.
٢) حديث أبي هريرة ﵁ قال: لقيني رسول الله ﷺ في طريق من طرق المدينة وأنا جنب، فانخنست٢ منه فذهب فاغتسل، ثم جاء فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: كنت جنباً فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة. فقال: “سبحان الله، إن المسلم لا ينجس” ٣.
وجه الدلالة من الحديث:
أن المسلم ما دام لا ينجس فيجب أن لا يمنع من دخول المسجد٤.
واعترض على هذا الاستدلال:
стр. 19
أن المراد من عدم نجاسة المؤمن أن المؤمن طاهر الأعضاء لاعتياده مجانبة النجاسة١.
٣) حديث عائشة ﵂ أن وليدة٢ كانت سوداء لحي من العرب فأعتقوها فكانت معهم. قالت: فخرجت صبية لهم عليها وشاح٣ أحمر من سيور.
قالت: فوضعته ـ أو وقع منها ـ فمرت به حدياه وهو ملقي، فحسبته لحماً فخطفته.
قالت: فالتمسوه فلم يجدوه. قالت: فاتهموني به.
قالت: فطفقوا يفتشون حتى فتشوا قبلها. قالت: والله إني لقائمة معهم إذ مرت الحُدَيَّاة٤.
فألقته، قالت: فوقع بينهم، قالت فقلت: هذا الذي اتهمتموني به زعمتم، وأنا منه بريئة وهو ذا هو.
قالت: فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت.
قالت عائشة: وكانت لها خُباء٥ في المسجد، أو خفش، قالت فكانت تأتيني فتحدث عندي. قالت فلا تجلس عندي مجلساً إلاَّ قالت:
стр. 20
ويومَ الوشاح مِن تعاجيبِ ربّنا ... ألآَّ إنه مِن بلدةِ الكفرِ أنجاني
قالت عائشة: فقلت لها ما شأنك لاتقعدين معي مقعداً إلا قلت هذا؟ قالت فحدثتني بهذا الحديث١.
وجه الدلالة من الحديث:
أن هذه المرأة ساكنة في مسجد النبي ﷺ والمعهود من النساء الحيض فلم يمنعها النبي ﷺ من ذلك وما نهاها عنه٢.
واعترض على هذا من وجهين:
أـ أن ذلك لمن لاسكن له من المسلمين رجلاً كان أو امرأة عنه أمن الفتنة٣.
ب ـ أنه لم يرد في الحديث أنها وقت الحيض لا تخرج من المسجد، وربما كانت لا تأتي إلى المسجد إلاَّ وقت الطهارة. وعلى فرض صحة الدلالة فهو معارض بالأحاديث التي استدل بها أصحاب القول الأول كحديث أبي هريرة وفيه أن النبي ﷺ قال لعائشة ناوليني الثوب، فقالت إني حائض. فلو كان دخول المسجد للحائض جائزاً لدخلت ولما قالت ذلك ٤.
٤) حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ “ أعطيت خمساً لم يُعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس
стр. 21
كافة، وأعطيت الشفاعة “ ١.
قال ابن حزم: ولا خلاف في أن الحائض والجنب مباح لهما جميع الأرض وهي مسجد فلا يجوز لأن يخص بالمنع بعض المساجد دون بعض٢.
واعترض على هذا الاستدلال:
بأن معنى الحديث أن الله جوّز للنبي ﷺ الصلاة في أي مكان من الأرض بخلاف من قبله فإنما أبيحت لهم الصلاة في أماكن مخصوصة كالبيع والصوامع. وليس معنى هذا أنه يصلى في كل مكان منها، بل هناك أماكن نهي عن الصلاة فيها وهي من الأرض كالمقبره ومعاطن الإبل وأماكن النجاسات٣.
ومن المعقول:
أن المشرك يمكث في المسجد فالمسلم الجنب أولى٤.
واعترض على هذا:
بأن المشرك لا يعتقد حرمة المسجد بخلاف المسلم٥.
واستدل من استثنى جواز مكث الجنب إذا توضأ بما يأتي:
١- ما رواه عطاء بن يسار قال رأيت رجالاً من أصحاب ـ النبي ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضئوا وضوء الصلاة٦.
стр. 22
٢- ما روى زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يتحدثون في المسجد وهم على غير وضوء وكان الرجل يكون جنباً فيتوضأ ثم يدخل المسجد فيتحدث١.
واعترض على هذا الاستدلال:
بأنه لا دلالة فيه على جواز مكث الجنب في المسجد لأنه ليس فيه أن النبي ﷺ أقرهم عليه بعد علمه به منهم، ولأنه جائز أن يكون ذلك في زمان النبي ﷺ قبل أن يحظر عليهم ذلك ولو ثبت جميع ذلك عن النبي ﷺ ثم روي ما وصفنا لكان خبر الحظر أولى لأنه طارىء على الإباحة لامحالة فهو متأخر عنها٢.
٣- ولأن الوضوء يخفف الحدث فيزول بعض ما يمنعه كالمتيمم الذي فقد الماء بدليل أن الرسول ﷺ سئل عن الرجل يكون عليه الغسل أينام وهو جنب٣؟ قال: نعم، “إذا توضأ فليرقد “ ٤.
٤- ولأن الوضوء أحد الطهورين٥.
وقد يعترض على هذين الدليلين بأنهما لاتقوم بهما حجة مقابل الأدلة
стр. 23
النقلية الصحيحة التي تمنع المكث أو تحمل هذه الأدلة على الضرورة والحاجة.
القول الراجح في المسألة:
بعد عرض الأدلة ومناقشتها يتضح أن قول الجمهور وهو تحريم المكث في المسجد للحائض والجنب هو الراجح لما يلي:
١- قوة الأدلة التي استدلوا بها على المنع قمتها ما هو نص في موضع النزاع.
٢- أن أدلة المجيزين للمكث ليست نصاً في الجواز والمنصوص منها ضعيف، ولا تقوم به حجة
في مقابل الأحاديث الصحيحة الدالة على منع المكث.
٣- أما استثناء جواز لبث الجنب والحائض والنفساء في المسجد في حالة الوضوء وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية فهو محمول على الحاجة الضرورة١.
стр. 24
المطلب الثاني: في عبور الجنب والحائض المسجد .
...
المطلب الثاني: في حكم عبور الجنب والحائض المسجد
اختلف الفقهاء في عبور الحائض والجنب المسجد على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يحرم عبور الجنب والحائض المسجد وهو قول الحنفية والمالكية والحنابلة في رواية١.
القول الثاني: يجوز عبور الجنب والحائض المسجد، وبه قال الشافعية في الصحيح والحنابلة في المذهب والظاهرية٢.
القول الثالث: يجوز عبور الحائض والجنب المسجد إذا دعت لذلك الحاجة والضرورة، وبه قال الشافعية في وجه وبعض الحنابلة٣.
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول على تحريم عبور الجنب والحائض المسجد بالأدلة الآتية:
١- حديث أبي هريرة ﵁ قال بينما رسول الله ﷺ في المسجد فقال: “يا عائشة ناوليني الثوب” فقالت: إني حائض. فقال ” إن حيضتك ليست
стр. 25
في يدك” فناولته١.
ففي الحديث دلالة على أن الحائض ممنوعة من دخول المسجد وعبوره ولهذا أمرها النبي ﷺ أن تناوله الثوب بيدها٢.
٢- حديث أم عطية ﵂ قالت: "أمرنا (تعني النبي ﷺ أن نخرج، في العيدين، العواتق وذوات الخدور وأمر الحُيَّض أن يعتزلن مصلى المسلمين"٣.
فقد دل الحديث على منع ذوات الحيض من دخول مصلى العيد فمن باب أولى المساجد التي تقام فيها الصلوات الخمس فإذا منعن من الدخول منعن من العبور.
وقد يعترض على هذا بأنهن منعن من الصلاة لا من الدخول ويجاب عليه بأن ذوات الحيض لا تصح الصلاة منهن وغير مخاطبات بها في حال الحيض.
٣- حديث عائشة ﵂ أنها كانت ترجل رسول الله ﷺ وهي حائض ورسول الله ﷺ حينئذ مجاور في المسجد يدني لها رأسه وهي في حجرتها فترجله وهي حائض٤.
فقد دل الحديث على أن الحائض لا تدخل المسجد ولا تمر فيه.
٤- حديث عائشة ﵂ وفيه أن النبي ﷺ قال لها “افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت “ ٥.
стр. 26
ففي الحديث دلالة على منع الحائض من دخول المسجد الحرام فيلزم منه منعها من المرور فيه لأجل الحيض فقياس عليه كل مسجد، فالحائض ممنوعة من دخوله والمرور فيه.
٥- حديث عائشة ﵂ وفيه أن النبي ﷺ قال ... ” فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب “ ١.
قال الخطابي: في الحديث بيان أن الجنب لا يدخل المسجد وظاهر قوله ﷺ “ فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب” يأتي مقامه في المسجد ومروره فيه٢.
واعترض على الاستدلال بهذا الحديث:
بأنه حديث ضعيف فقد ضعفه ابن المنذر والخطابي والنووي وابن حزم والألباني٣.
وأجيب عن هذا بأن الحديث قد حسنه الزيلعي وابن القطان وقال الحافظ ابن حجر صححه ابن خزيمة٤.
وقال أصحاب هذا القول وعلى فرض ضعفه فإنه يتقوى بالأحاديث الدالة على المنع.
واستدل أصحاب القول الثاني على جواز عبور الجنب والحائض المسجد بالأدلة الآتية:
стр. 27
١- قول الله عزوجل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا....﴾ ١.
وجه الدلالة من الآية:
أن الآية قد دلت على جواز عبور الجنب المسجد وظاهرها العموم لحاجة ولغير حاجة٢.
واعترض على هذا الاستدلال:
بأن المراد أي لا تقربوا الصلاة جنباً حتى تغتسلوا إلاَّ حال عبور السبيل وهو السفر، فلكم أن تؤدوها بغير اغتسال بالتيمم٣.
وأجيب عن هذا الاعتراض:
بأن المراد بالعبور في قوله تعالى: ﴿وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ ، عبور الجنب في المسجد وليس المسافر وذلك أن الله عزوجل قد بين حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب في قوله تعالي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ ٤، فيعلم بذلك أن قوله: ﴿وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ لو كان المراد به المسافر لم يكن لإعادة ذكره في قوله تعالى: ﴿مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ معنى مفهوم وقد تقدم ذكر حكمه قبل ذلك٥.
٢- حديث عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ
стр. 28
“ناوليني الخمرة١ من المسجد” قالت: فقلت: إني حائض، فقال: “إن حيضتك ليست في يدك” ٢.
ففي هذا الحديث دلالة على جواز دخول الحائض للمسجد وعبوره حيث إن عائشة ﵂ أخذت الخمرة من المسجد وناولتها رسول الله ﷺ .٣
واعترض على هذا:
بأن معناه أن النبي ﷺ قال لها ذلك من المسجد أي وهو في المسجد لتناوله إياها من خارج المسجد لا أن ـ النبي ﷺ أمرها أن تخرجها له من المسجد لأنه ﷺ كان في المسجد معتكفاً وكانت عائشة في حجرتها وهي حائض لقوله ﷺ “إن حيضتك ليست في يدك” فإنما خافت من إدخال يدها المسجد ولو كان أمرها بدخول المسجد لم يكن لتخصيص اليد معنى٤.
٣- حديث أبي هريرة ﵁ قال: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قياماً، فخرج إلينا
رسول الله ﷺ ، فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب فقال لنا "مكانكم" ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه٥.
стр. 29
فقد دل هذا الحديث على دخول النبي ﷺ المسجد وخروجه منه وهو جنب ولم يبين ﷺ تحريم مرور الجنب في المسجد فدل ذلك على جوازه.
واعترض على هذا:
أن دخول النبي ﷺ المسجد وهو جنب كان ناسياً وخروجه من المسجد كان لحاجة وهي غسل الجنابة.
٤- عن عطاء بن يسار قال “ رأيت رجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضئوا وضوء الصلاة “١.
فقد دل هذا الأثر على جواز جلوس الجنب في المسجد فمن باب أولى مروره.
واعترض على هذا:
بأنه ليس فيه دلاله على ما استدلوا به عليه لأنه ليس فيه أن النبي ﷺ أقرهم عليه بعد علمه به منهم، ولأنه جائز أن يكون ذلك في زمان النبي ﷺ قبل أن يحظر عليهم ذلك٢.
أدلة أصحاب القول الثالث على جواز عبور الجنب والحائض المسجد إذا دعت الحاجة والضرورة لذلك.
استدلوا بأدلة الفريقين السابقين المانعين والمجيزين، فحملوا أدلة المانعين عند عدم الحاجة للدخول وحملوا أدلة المجيزين على الحاجة والضرورة فكأنهم جمعوا بين أدلة الفريقين وأخذوا بها جميعاً.
стр. 30
الراجح:
بعد عرض الأقوال وأدلتها ومناقشتها يتضح أن القول بجواز عبور الجنب والحائض إذا أمنت عدم تلويث المسجد هو القول الراجح وذلك لما يأتي:
١- أن الآية التي استدل بها أصحاب هذا القول قد دلت على جواز عبور الجنب وظاهرها العموم لحاجة وغيرها وكذلك الأحاديث التي استدلوا بها تدل على الجواز.
٢- أن الغالب لمن أراد أن يعبر المسجد أو يمر به وهذه حاله لا يفعل ذلك إلاَّ عند الحاجة والضرورة والله أعلم.
стр. 31
المطلب الثالث: في دخول المستحاضة ومن به سلس بول
أو نجاسة دائمة أو رائحة كريهة المسجد
المستحاضة١ ومن به سلس بول أو جرح سائل إن خافوا تلويث المسجد حرم عليهم دخوله وإن أمنوا عدم التلويث لم يحرم عليهم ذكر ذلك النووي وابن حجر وابن قدامة٢.
والدليل على ذلك ما يأتي:
١- حديث أنس بن مالك قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله ﷺ مه مه٣ قال: قال رسول الله ﷺ " لا تزرموه٤ دعوه" فتركوه حتى بال ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال له: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله ـ عزوجل ـ والصلاة وقراءة القرآن...." الحديث٥.
стр. 32
قال النووي: فيه صيانة المساجد وتنزيهها عن الأقذار والقذى والبصاق ورفع الأصوات والخصومات والبيع والشراء وسائر العقود وما في معنى ذلك١.
٢- حديث عائشة ﵂ قالت: “اعتكفتْ مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي”٢.
قال الحافظ ابن حجر: في الحديث جواز مكث المستحاضة في المسجد وصحة اعتكافها وصلاتها وجواز حدثها في المسجد عند أمن التلويث. ويلحق بها دائم الحدث ومن به جرح يسيل٣.
أما من به رائحة كريهة كمن أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً أو غيرها مما يترتب عليه صدور رائحة كريهة فيكره له دخول المسجد حتى تذهب تلك الرائحة للأحاديث الصحيحه التي نهى فيها النبي ﷺ أصحاب هذه الروائح من قربان المسجد٤ ومنها:
١) حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال النبي ﷺ “ من أكل من هذه الشجرة ـ يريد الثوم ـ فلا يغشانا في مساجدنا “ ٥.
٢) وعن جابر أيضاً قال نهى رسول الله ﷺ "عن أكل البصل والكراث فغلبتنا الحاجة فأكلنا منها فقال "من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن
стр. 33
مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الأنس" ١.
وفي رواية “ من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا وليقعدن في بيته” ٢.
٣) وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال في الثوم: "من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا ـ أو لا يصلينَّ معنا" ٣.
٤) وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من أكل من هذه البقلة فلا يقربن مساجدنا حتى يذهب ريحها يعني الثوم" ٤.
٥) وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه خطب يوم الجمعة فقال في خطبته.. ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلاَّ خبيثتين هذا البصل والثوم لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع فمن أكلهما فليمتهما٥ طبخاً٦.
стр. 34
قال النووي: قال العلماء ويلحق الثوم والبصل والكراث كل ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها ... ومن به بخر في فيه أو به جرح له رائحة.. وقاس العلماء على المسجد مجامع الصلاة غير المسجد كمصلى العيد والجنائز ونحوها من مجامع العبادات وكذا مجامع العلم والذكر والولائم ونحوها ولايلحق بها الأسواق ونحوها١.
قلت فكل صاحب رائحة كريهة ينبغي له أن يجتهد في إزالتها وذلك بأن يستعمل من الطيب ما يزيل تلك الرائحة أو يأكل البصل والثوم ونحوه مطبوخاً بحيث لاتظهر رائحته أو يستعمل من الأدوية ما يساعد على إذهاب هذه الروائح وإذا لم يفعل ذلك فالأولى أن لايدخل المسجد لئلا يؤذي الناس في صلاتهم فيفقدهم الخشوع والطمأنينة بل قال النووي قال العلماء وفي الأحاديث دليل على منع آكل الثوم ونحوه من دخول المسجد وإن كان خالياً لأنه محل الملائكة٢.
стр. 35
المبحث الثاني: في دخول الصبيان١ والمجانين المسجد
المساجد وضعت للصلاة وإقامة ذكر الله ودخول الصبيان والمجانين ينافي الحكمة التي وضعت من أجلها لأن دخولهم في الغالب يعطل المساجد عما وضعت له ومن أجل ذلك اختلفت عبارات الفقهاء في حكم دخول هؤلاء المساجد.
القول الأول:
يجوز إدخال الصغار والمجانين المسجد إذا أمن اللعب والتلويث والنجاسة وإلا فيكره وبه قال المالكية في الصحيح والشافعية والحنابلة٢.
القول الثاني:
يكره إدخالهم المسجد مطلقاً إذا غلب على الظن التلويث والتنجيس واللعب وبه قال الحنفية٣.
القول الثالث:
يحرم إدخالهم للمسجد إذا غلب على الظن التلويث والعبث والتنجيس وبه قال بعض الحنفية وجماعة من المالكية٤.
стр. 36
القول الرابع:
يباح دخولهم مطلقاً وبه قال الظاهرية١.
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول بالأدلة الآنية:
١- حديث أبي قتادة ـ رضى الله عنه ـ أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ فإذا ركع وضعها وإذا قام حملها وهو يؤم الناس في المسجد٢.
وجه الدلالة:
إن الحديث نص صريح في جواز دخول الصبيان المساجد.
٢- حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ أنه قال:
“مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع” ٣.
وجه الدلالة:
أن الحديث دل على جواز دخول الصبيان المساجد وقالوا وهذه الأحاديث الدالة على الجواز لاتنفي الكراهة لأنه ﷺ فعل
стр. 37
ذلك لبيان الجواز فيكون حينئذ أفضل في حقه فإن البيان واجب١.
٣- حديث واثلة بن الأسقع ـ رضى الله عنه ـ أن النبي ﷺ قال: “جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم “ ٢.
أن النهي في الحديث يحمل على الكراهة التنزيهية للأحاديث الدالة على الجواز.
٤- أن دخول الصبيان المساجد لا يؤمن معه تلويث المساجد وتنجيسها فيكره لهم الدخول وخاصة غير المميزين٣.
٥- ولأن الصبيان شأنهم اللعب والعبث والمسجد ليس بموضع للعبث واللعب٤.
واستدل أصحاب القول الثاني بالأدلة الآنية:
١- قول الله تعالى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ٥.
وجه الدلالة من الآية:
أن الله أمر يرفع المساجد ومن ذلك تطهيرها وتنزيهها عن الأقذار والأنجاس ودخول الصغار والمجانين ينافى ذلك٦.
стр. 38
٢- حديث واثلة بن الأسقع ـ رضى الله عنه ـ أن النبي ﷺ قال "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم " ١.
وجه الدلالة من الحديث:
أن النهى في الحديث يحمل على الكراهة٢.
واستدل أصحاب القول الثالث بالأدلة الآتية:
١- حديث واثلة بن الأسقع ـ رضى الله عنه ـ أن النبي ﷺ قال: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم" ٣.
أن النهي في الحديث يحمل على التحريم٤.
٢- ولأن الغالب في الصبيان والمجانين عدم الطهارة والنظافة والتحرز عن الأقذار والأنجاس٥.
واستدل أصحاب القول الرابع بالأدلة الآتية:
١- حديث أنس بن مالك ـ رضى الله عنه ـ عن النبي ﷺ قال “إني لأدخل في الصلاة فأريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز مما أعلم من شدة وجد٦ أمه من بكائه “ ٧.
стр. 39
٢- حديث أبي قتادة ـ رضى الله عنه ـ أن رسول الله ﷺ "كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ فإذا ركع وضعها وإذا قام حملها وهو يؤم الناس في المسجد"١.
وجه الدلالة من الحديثين:
أنهما قد دلا دلالة صريحة على جواز إدخال الصبيان المساجد.
القول الراجح في المسألة:
مما سبق بيانه من الأدلة في هذه المسألة يتضح أن الأدلة الدالة على جواز إدخال الصبيان المساجد أقوى من غيرها ولكن مع هذا أقول أنه ينبغي أن تجنب المساجد الصبيان غير المميزين وكذلك المجانين لأنه لا يؤمن منهم عدم الطهارة وتشويش المصلين وإشغالهم مما يفقد المصلين الخشوع في صلاتهم بل إنهم ربما يؤذون المصلين في صلاتهم ولكن من كان مضطرا لإدخال ولده الصغير للمسجد كأن يكون مسافراً ودخل المسجد وقت الصلاة أو أنه لا يوجد عنده من يترك ولده الصغير عنده أو يخاف عليه إذا تركه وحده فلا بأس بإدخاله المسجد مع الاهتمام بنظافته وأدبه حيث إن الضرورة تقدر بقدرها أما المجانين الذين لا يدركون فإنهم لا يمكنون من دخول المساجد لقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ٢ فقد نهى الله ﵎ عن قربان الصلاة والنهي عن قربان الصلاة نهي عن قربان مواضعها في حالة السكر فكذلك الصلاة في حالة عدم الإدراك والتمييز.
стр. 40
المبحث الثالث: في من يقصد المسجد للبيع والشراء وإنشاد الضالة
أو قصده للصلاة فيبيع أو يشتري أو ينشد ضالة
كره أهل العلم دخول المسجد لكل من أراد أمراً من أمور الدنيا كالبيع والشراء وإنشاد الضالة وغير ذلك مما ينافي ما وضعت له المساجد١.
وذهب الحنابلة في الصحيح من المذهب إلى أن الكراهة هنا تحريمية٢.
وذلك للأدلة الآتية:
١- حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال "نهي رسول الله صلة الله عليه وسلم عن البيع والابتياع وعن تناشد الأشعار في المساجد"٣.
٢- حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك وذا رأيتم من ينشد ضالة فقولوا: لا رد الله عليك" ٤.