← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 12144

تحقيق المقام فيما يتعلق بأوقات النهي عن الصلاة من أحكام

عيد بن سفر الحجيلي

Полный текст (90 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الفصل الأول: قضاء الفوائت قضاء الفرائض ... الفصل الأول قضاء الفوائت المبحث الأول قضاء الفرائض اختلف العلماء في قضاء الفرائض في أوقات النهي على قولين: الأول: جواز ذلك وبه قال جمهور العلماء، روى ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس والزبير بن العوام والنعمان وتميم الداري وعائشة وبه قال أبو العالية والنخعي والشعبي والحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر١. وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد٢. الثاني: جواز قضاء الفرائض بعد الصبح وبعد العصر وعدم جوازه في الأوقات الثلاثة التي ورد ذكرها في حديث عقبة بن عامر وهي عند طلوع الشمس وعند زوالها وحين تتضيف للغروب إلا عصر اليوم فيصلي عند الغروب. وبه قال الحنفية٣.

стр. 37

الأدلة: استدل الجمهور بما يأتي: ١- عن أنس عن النبي ﷺ قال: "من نسى صلاة فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك "١. وفي لفظ لمسلم: "من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" ٢. وفي لفظ آخر له: "إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها" ٣. ٢- عن أبي قتادة أن النبي ﷺ قال: "أما إنه ليس في النوم تفريط٤ إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجىء وقت الصلاة الأخرى فمن فعل ذلك فليصلها حين يتنبه لها" ٥. وجه الدلالة من هذه الأحاديث: أنها نصت على قضاء الفوائت عند ذكرها ولم تفرق بين وقت وآخر، فدل ذلك على جواز القضاء في كل وقت ومنه أوقات النهي، وتكون هذه الأحاديث مخصصة لعموم الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في بعض الأوقات ويبقى النهي عن الصلاة في تلك الأوقات عن مطلق النفل أما الفرائض فتصلى لدلالة هذه الأحاديث على جواز ذلك. ٣- عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها" ٦.

стр. 38

وجه الدلالة من هذا الحديث: " أنه يفهم منه أن قضاء الفرائض لا يشملها النهي، لأن النهي فيه عن الصلاة في هذين الوقتين إنما هو عن قصد التطوع، لأن من نسي الفرض فلم يذكره إلا وقت طلوع الشمس أو وقت غروبها لم يتحر الصلاة في ذلك الوقت وإنما أدركه فرضها فيه "١. واستدل الحنفية لعدم جواز القضاء في الأوقات الثلاثة بما يأتي: ١- عموم الأحاديث الدالة على منع الصلاة في تلك الأوقات حيث لم تفرق بين الفرائض وغيرها٢. ٢- " أن النبي ﷺ لما نام هو وأصحابه عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس أمر بالارتحال فسار بالناس حتى ارتفعت الشمسي فأمر فنودي بالصلاة فصلى بهم ﷺ " ٣. قالوا فلو جاز أن تصلى الفجر عند طلوع الشمس لما أخرها النبي ﷺ إلى ارتفاع الشمس وهو قد استيقظ قبل ذلك٤. واستدلوا لاستثناء صلاة عصر اليوم: بأن هذا الوقت سبب لوجوبها، لأنه لو أسلم الكافر أو بلغ الصبي في هذا الوقت لزمه أداؤها فيستحيل أن يجب عليه الأداء في هذا الوقت ويكون ممنوعا من الأداء فيه. ولا يجوز قضاء غيرها من الصلوات لأنها وجبت كاملة فلا تتأدى بالناقص- وهو ما بقى من الوقت أما هذه فجازت لبقاء شيء من وقتها٥. واستدلوا لجواز القضاء بعد الصبح وبعد العصر: بأن النهي في هذين الوقتين لم يكن لمعنى في الوقت وإنما كان لحق الفرض ليصير

стр. 39

الوقت كالمشغول به فلا يظهر في حق فرض آخر مثله١. وبأنه يؤدى فرض الوقت فيهما فكذلك سائر الفرائض٢ الترجيح: بالنظر إلى أدلة الفريقين يتبين والله أعلم أن الراجح قول الجمهور وهو أن الفرائض تقضى في كل وقت، لظهور أدلته، ولأن القول به فيه جمع بين الأدلة، فتحمل أحاديث النهي على مطلق النفل وأحاديث الأمر بالصلاة على الفرائض. وأما أدلة الحنفية فقد أجيب عنها بما يأتي: ١- عموم الأحاديث الدالة على المنع مخصص بالأحاديث الدالة على وجوب قضاء الفوائت عند ذكرها٣. ٢- حديث تأخير النبي ﷺ لصلاة الفجر حين نام عنها أجيب عنه بما يأتي: أ- أنه لم يستيقظ ﷺ هو وأصحابه إلا حين أصابهم حر الشمس- كما ورد ذلك عند أبي داود٤ "فما أيقظهم إلا حر الشمس " وفي لفظ آخر٥: "فلم توقظنا إلا الشمس طالعة" - ولا يوقظهم حر الشمس إلا وقد ارتفعت وزال وقت الكراهة فلا يكون التأخير إذآ لأجل وقت الكراهة٦. ب- لو سلم أنهم استيقظوا قبل خروج وقت النهي فإن التأخير إنما كان لأجل المكان، لأن النبي عبيد قال: "هذا واد حضرنا فيه الشيطان " ٧. ج- أن التأخير دليل على الجواز لا على الوجوب٨.

стр. 40

٣- عدم جواز القضاء في الأوقات الثلاثة منقوض بجوازه في الوقتين الآخرين وبعصر اليوم١.

стр. 41

المبحث الثاني قضاء ركعتي الفجر بعد الصلاة اختلف العلماء في حكم قضاء سنة الفجر بعد الفرض على قولين: الأول: جواز ذلك وبه قال الشافعي٢ وعطاء وطاوس وعمرو بن دينار وابن جريج، وروى عن ابن عمر أنه كان يصليهما بعد الصبح٣، وروى عن الإمام أحمد أنه اختار أن يقضيهما من الضحى وقال إن صلاهما بعد الفجر أجزأ٤. وجزم ابن قدامة بجواز القضاء حيث قال: "فأما سنة الفجر بعدها فجائز"٥ وبه قال قوم من أهل مكة٦. الثاني: عدم الجواز وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف٧، ومالك٨ وحكاه الزرقاني عن أكثر العلماء٩ ورواه عن الإمام أحمد ابنه عبد الله١٠، والمذهب وما عليه أكثر الأصحاب أن السنن الراتبة لا تقضى في أوقات النهي١١ ومعلوم أن ركعتي الفجر

стр. 42

منها١- وفي مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح٢ "وقال من فاتته ركعتا الفجر فإنه يقضيهما إذا أضحى بعد طلوع الشمس وهو مذهبه " وروى الإمام مالك٣ أنه بلغه أن عبد الله بن عمر فاتته ركعتا الفجر فقضاهما بعد أن طلعت الشمس، وروى عن القاسم بن محمد أنه صنع مثل الذي صنع ابن عمر. وإليه ذهب سفيان الثوري وابن المبارك والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور٤. الأدلة: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١- ما روى عن قيس بن عمرو أنه قال: رأى النبي ﷺ رجلا يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين فقال رسول الله ﷺ : "أصلاة الصبح مرتين؟ " فقال الرجل: أني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلها فصليتهما الآن قال: فسكت رسول الله ﷺ ٥، قالوا: وسكوت النبي ﷺ يدل على الجواز٦. ٢- أنها صلاة ذات سبب فأشبهت ركعتي الطواف٧. واستدل أصحاب القول الثاني بما يأتي:

стр. 43

١- عموم الأحاديث الدالة على النهي عن الصلاة بعد الفجر١. ٢- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يصل ركعتي الفجرفليصلهما بعد ما تطلع الشمس " ٢. والذي أراه في المسألة هو جواز قضاء ركعتي الفجر بعد الصلاة، لأنه لو لم يجز ذلك لما سكت النبي ﷺ عمن رآه يفعلهما، وحديث أبي هريرة يحمل على أن الأفضل صلاتهما بعد طلوع الشمس، وقد قال ابن قدامة٣ بعد ذكر القولين وأدلتهما: "وإذا كان الأمر هكذا كان تأخيرهما إلى وقت الضحى أحسن لنخرج من الخلاف " اهـ. لكن إن لم يخش الرجل نسيانهما فالأولى له تأخيرهما إلى طلوع الشمس. وقد روى عن الإمام أحمد أنه يجوز قضاء الوتر والسنن الراتبة في وقت النهي لمن خاف إهمالها٤.

стр. 44

المبحث الثالث قضاء الوتر قبل الكلام عن حكم قضاء الوتر في أوقات النهي أحب أن أشير إلى أن العلماء قد اختلفوا أصلا في حكم قضاء الوتر٥. فذهب الحنفية إلى وجوب قضائه وذهب الشافعية والحنابلة إلى استحباب القضاء وعدم وجوبه، وذهب المالكية والشافعي في قول وأحمد في رواية اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن الوتر لا يقضى٦.

стр. 45

أما حكم قضائه في أوقات النهي: فإن مقتضى مذهب الحنفية أنه لا يجوز قضاؤه في الأوقات الثلاثة التي ورد ذكرها في حديث عقبة بن عامر ويجوز في الوقتين الآخرين وهما بعد الفجر وبعد العصر لأن الوتر عندهم واجب فحكمه في القضاء كحكم قضاء الفرائض، وقد سبق١ أنه لا تقضى عندهم في الأوقات الثلاثة التي في حديث عقبة وتقضى في الوقتين الآخرين. وروى عن كثير من الصحابة جواز فعل الوتر بعد طلوع الفجر وبه قال بعض الفقهاء: قال ابن قدامة: "المنصوص عن أحمد ﵀ في الوتر أنه يجوز فعله قبل صلاة الفجر" إلى أن قال: "وروى ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وحذيفة وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وفضالة بن عبيد وعائشة وعبد الله بن عامر بن ربيعة وعمرو بن شرحبيل، وقال أيوب السختياني وحميد الطويل إن أكثر وترنا لبعد طلوع الفجر وبه قال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي "٢ ٠ اهـ. أما بعد هذا الوقت فمقتضى مذهب مالك أنه لا يفعل لأن الوتر عنده لا يقضى٣، إنما جاز في هذا الوقت لأن وقته الضروري يمتد إلى صلاة الصبح٤، ونص الزرقاني٥ على عدم جواز قضائه بعد صلاة الصبح عند الإمام مالك حيث قال: "وقال الأكثرون ومنهم مالك لا يقضى بعد صلاة الصبح ". اهـ. ومقتضى مذهب الإمام أحمد أنه لا يقضى في بقية أوقات النهي، لأنه روى عنه جواز قضائه قبل صلاة الفجر٦ فدل ذلك على عدم جوازه بعدها ويقاس بقية أوقات النهي على ما بعد صلاة الفجر، كما أن المذهب وما عليه أكثر الأصحاب أنه لا يجوز قضاء السنن الرواتب في أوقات النهي٧ والوتر لا يخرج عن كونه من السنن.

стр. 46

أما مقتضى مذهب الشافعية فهو جواز قضاء الوتر في أوقات النهي، لأن المذهب عندهم جواز فعل جميع الصلوات التي لها سبب في أوقات النهي، والوتر داخل في الصلوات المذكورة. والذي اختاره في المسألة هو جواز قضاء الوتر بعد طلوع الفجر وقبل الصلاة وعدم قضائه في بقية أوقات النهي لما يأتي: ١- أن جواز فعله قبل صلاة الصبح روى عن كثير من الصحابة ﵃ أجمعين واتفقت عليه مذاهب الأئمة الأربعة كما يظهر ذلك من تحرير المسألة. ٢- أن النهي عن الصلاة بعد الفجر أخف من النهي عنها في بقية الأوقات فإن من العلماء من يرى أن النهي إنما يكون بعد صلاة الفجر١، ولأن من العلماء من يرى أن وقت الوتر يمتد إلى قبل صلاة الصبح٢. ٣- لا يجوز فعله في بقية أوقات النهي لعموم الأحاديث الدالة على منع الصلاة فيها حيث إن النهي فيها للتحريم على الصحيح من أقوال العلماء٣ والوتر غير واجب على الصحيح أيضا٤ فلا يقضى في أوقات النهي لأن ترك المحرم أولى من فعل المندوب. وإن قيل ينبغي أن يقضى الوتر في كل وقت لأن أبا سعيد الخدري ﵁ روى عن النبي ﷺ أنه قال: "من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره " ٥.

стр. 47

ولأن الوتر صلاة فيدخل في عموم قوله ﷺ : "من نسى صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها". وفي لفظ: "إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها" ١. فالجواب أن القضاء فرع عن الأداء وأداء الوتر غير واجب على الصحيح من أقوال العلماء٢ فلا يقضى في الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها، لأن النهي للتحريم وترك المحرم أولى من فعل المندوب والله أعلم بالصواب.

стр. 48

المبحث الرابع قضاء السنن الراتبة اختلفت عبارات الفقهاء في قضاء السنن الراتبة في أوقات النهي، حيث ذهب إلى جواز قضائها الشافعي٣ وأحمد في رواية اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية٤، لأن الأصل عندهم جواز صلاة ذوات الأسباب في أوقات النهي، والسنن الراتبة منها. واختار ابن قدامة في المغنى جواز قضائها بعد العصر، واختار في العمدة جواز القضاء بعد الفجر وبعد العصر٥. واحتج لجواز القضاء بعد العصر بما ثبت أن النبي ﷺ قضى الركعتين اللتين بعد الظهر بعد العصر٦ وقضى الركعتين اللتين قبل العصر بعدها٧.

стр. 49

ولعل حجته لجواز القضاء بعد الفجر ما سبق من الأدلة على جواز قضاء ركعتي الفجر بعد الصلاة وقياس بقية السنن الرواتب عليهما. والمشهور من مذهب الإمام أحمد وما عليه أكثر الأصحاب أنها لا تقضى في أوقات الهي. قال المرداوى: "قال في الواضح أنه اختيار عامة المشايخ١. اهـ. قلت: وبالمنع قال المالكية أيضا٢، وهو الظاهر من مذهب الحنفية، لأن الفرائض عندهم لا تقضى في أوقات النهي الثلاثة الواردة في حديث عقبة وتقضى بعد الفجر وبعد العصر، لكنهم أجازوا ذلك لأنهم رأوا أن النهي فيهما لمعنى في غير الوقت فلا يظهر تأثيره في الفرض٣ أما في النفل فإنه ظاهر، كما أن الأصل عندهم في السنن أنها لا تقضى٤. والذي أراه في المسألة عدم جواز قضاء السنن في أوقات النهي٥ لعموم الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في تلك الأوقات، ولأن قضاء السنن مندوب وترك المحرم أولى من فعل المندوب٦، وما جاء من فعل النبي ﷺ من الصلاة بعد العصر قيل إنه من خصائصه صلى الله عليه وسلم٧. وإن لم يثبت ذلك فهو خاص فيما بعد العصر من الأوقات ولا يشمل بقية أوقات النهي والله أعلم بالصواب.

стр. 50

الفصل الثاني الصلاة على الجنازة اتفق العلماء على جواز الصلاة على الجنازة بعد الصبح وبعد العصر١، واختلفوا في حكم الصلاة عليها في الأوقات الثلاثة التي في حديث عقبة بن عامر ﵁ وهي: عند طلوع الشمس وعند زوالها وحين تتضيف للغروب على قولين: الأول: عدم الجواز وبه قال أكثر أهل العلم روى ذلك عن جابر وابن عمر وبه قال الثوري والأوزاعي وإسحاق٢ وأبو حنيفة٣ وأحمد في المشهور٤ ومالك٥ فيما عدا الزوال٦. الثاني: أنها تجوز وبه قال الشافعي٧ وأحمد في رواية اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية٨. الأدلة: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١- عن عقبة بن عامر الجهني قال: " ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين

стр. 51

يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب" ١. ووجه الدلالة من الحديث أن ذكر النبي ﷺ للصلاة مقرونا بالدفن دليل على إرادة صلاة الجنازة٢. ٢- أنها صلاة من غير الصلوات الخمس فلم يجز فعلها في هذه الأوقات كالنوافل المطلقة٣. وأما أصحاب القول الثاني: فإنني لم أقف على دليل من كتب الشافعية التي أطلعت عليها يخص صلاة الجنازة بالجواز في الأوقات المذكورة وإنما يذكرونها ضمن ذوات الأسباب التي يجوز فعلها في جميع الأوقات كقضاء الفوائت وسجود التلاوة وصلاة الكسوف ونحوها ويجملون الأدلة وليس فيها ما يخص صلاة الجنازة٤. ولكن ابن قدامة عند ذكره للرواية الثانية عن الإمام أحمد التي تجيز صلاة الجنازة في هذه الأوقات قال: "وهذا مذهب الشافعي لأنها صلاة تباح بعد الصبح والعصر فأبيحت في سائر الأوقات كالفرائض "٥. وأجيب عن ذلك بأنه لا يصح قياس الأوقات الثلاثة على الوقتين الآخرين وهما ما بعد الفجر وما بعد العصر، لأن الأوقات الثلاثة زمنها أقصر فلا يخاف على الميت فيها من التغير أما الوقتين الآخرين فإن مدتهما تطول وتأخير الصلاة على الميت إلى انتهائها يخاف منه على الجنازة من التغير فأبيحت الصلاة عليها فيهما، وكذا لا يصح قياس صلاة الجنازة على الفرائض التي تصح في جميع الأوقات، لأن الفرائض آكد٦.

стр. 52

فمن ذلك يترجح والله أعلم: عدم جواز الصلاة على الجنازة في الأوقات الثلاثة، وهو ما قال به أكثر أهل العلم، لقوة الدليل على ذلك، ولأنه لا ضرر في تأخيرها، أما إن تحقق الضرر فيصلى عليها. قال المرداوى: "محل الخلاف في الصلاة على الجنازة إذا لم يخف عليها أما إذا خيف عليها فإنه يصلى عليها في هذه الأوقات قولا واحدا"١. فرع: في الصلاة على القبر والغائب في أوقات النهي: الصحيح من مذهب الإمام أحمد وما عليه أكثر الأصحاب تحريم الصلاة على القبر والغائب في جميع أوقات النهي. وصحح ابن الجوزي جواز الصلاة على القبر في الوقتين الطويلين وهما بعد العصر وبعد الفجر٢. ولم أقف على نص في المسألة لبقية المذاهب لكن الظاهر عدم الجواز عند الإمامين أبي حنيفة ومالك لأنه سبق قريبا عدم جواز الصلاة على الجنازة في الأوقات الثلاثة عند أبي حنيفة وعدم جوازها أيضا عند مالك عند طلوع الشمس وعند غروبها، فعدم جواز الصلاة على القبر والغائب عندهما في هذه الأوقات من باب أولى. كما أنه لا تجوز عندهما الصلاة على الغائب، ولا الصلاة على القبر إلا أن يكون دفن الميت قبل أن يصلى عليه٣. أما الشافعية فيحتمل عندهم صحة الصلاة على القبر والغائب في أوقات النهي قياسا على الجنازة التي تصح الصلاة عليها عندهم في كل وقت، ويحتمل عدم الجواز قياسا على الصلاة المتأخر سببها التي لا تصلى في أوقات النهي على الأصح عندهم٤. وعلى تحية المسجد التي تكره إن كان دخوله للمسجد لقصد فعلها فقط٥.

стр. 53

والذي أراه في المسألة والعلم عند الله هو عدم جواز الصلاة على القبر والغائب في جميع أوقات النهي، لأنه لا حاجة لاختيار هذه الأوقات للصلاة على القبر أو الغائب بل يسهل على الإنسان اختيار غيرها من الأوقات، بخلاف الجنازة إذا حضرت فإنه قد يضطر إلى الصلاة عليها خشية تغيرها.

стр. 54

الفصل الثالث تحية المسجد اختلف العلماء في حكم تحية المسجد لمن دخله في أوقات النهي على قولين: الأول: جوازها وبه قال الشافعية١ وأحمد في رواية اختارها أبو الخطاب في الهداية وشيخ الإسلام ابن تيمية وحكى المرداوي اختيارها عن ابن عقيل وابن الجوزي والسامرى وصاحب الفائق ومجمع البحرين٢. الثاني: أنها لا تصلى في أوقات النهي وبه قال الحنفية٣ والمالكية٤، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد وما عليه أكثر الأصحاب فيما عدا حال خطبة الجمعة٥. الأدلة: استدل أصحاب القول الأولى بما يأتي: ١- عن أبي قتادة السلمي أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس " ٦. وفي لفظ لمسلم٧: "فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين".

стр. 55

وجه الدلالة من الحديث: أن فيه الأمر بركعتين قبل أن يجلس الداخل للمسجد، والنهي عن أن يجلس حتى يركعهما، وهو عام في كل وقت عموما محفوظا لم يخص منه صورة بنص ولا إجماع١. ٢- عن جابر بن عبد الله ﵄ قال بينا النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ جاء رجل فقال له النبيصلى الله عليه وسلم: "أصليت يا فلان ". قال: لا. قال: "قم فاركع ". وفي لفظ: "ثم قال إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما" ٢. وجه الدلالة من الحديث: أنه فيه الأمر بصلاة تحية المسجد أثناء الخطبة وهو وقت نهي، بل إن هذا الوقت أشد نهيا من غيره لأنه منهي فيه عن كل ما يشغل عن الاستماع إلى الخطبة حيث ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا قلت لصاحبك انصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت " ٣، فإذا كان قد أمر بتحية المسجد في هذا الوقت فهو في سائر الأوقات أولى٤. واستدل أصحاب القول الثاني: بعموم النهي عن الصلاة في تلك الأوقات ومن ذلك: أ- حديث أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس" ٥. ب- حديث عقبة بن عامر الجهني ﵁ الذي فيه: "ثلاث ساعات كان رسول الله جميع ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا ... " الحديث٦.

стр. 56

وجه الدلالة من هذه الأحاديث: أن النهي فيها عن الصلاة في تلك الأوقات للتحريم والأمر بتحية المسجد للندب وترك المحرم أولى من فعل المندوب١. قلت: وأحاديث النهي عن الصلاة في بعض الأوقات وأحاديث الأمر بالصلاة عند دخول المسجد كلها صحيحة وبينها عموم وخصوص حيث أن أحاديث النهي عامة في الصلوات خاصة في بعض الأوقات وأحاديث الأمر بالصلاة عند دخول المسجد عامة في الأوقات خاصة في بعض الصلوات مما جعل بعض العلماء يتوقف في الترجيح في المسألة كالشوكاني الذي قال: "وما كان بينه وبين أحاديث الباب- أي باب الأوقات المنهي عن الصلاة فيها- عموم وخصوص من وجه كأحاديث تحية المسجد وأحاديث قضاء الفوائت ... فلاشك أنه أعم من أحاديث الباب من وجه وأخص منها من وجه وليس أحد العمومين أولى من الآخر يجعله خاصا لما في ذلك من التحكم والوقف هو المتعين حتى يقع الترجيح بأمر خارج " ٢ اهـ. ورجح النووي الجواز حيث قال: "فإن قيل حديث النهي عام في الصلوات خاص في بعض الأوقات وحديث التحية عام في الأوقات خاص في بعض الصلوات فلم رجحتم تخصيص حديث النهي دون تخصيص التحية؟ قلنا حديث النهي دخله التخصيص بالأحاديث التي ذكرناها في صلاة العصر وصلاة الصبح وبالإجماع الذي نقلناه في صلاة الجنازة وأما حديث تحية المسجد فهو على عمومه لم يأت له مخصص، ولهذا أمر النبي ﷺ الداخل يوم الجمعة في حال الخطبة بالتحية" (٣) اهـ. ووافقه شيخ الإسلام ابن تيمية حيث ذكر عدة مرجحات للجواز منها: ١- أن حديث تحية المسجد عام محفوظ لا خصوص فيه وأحاديث النهي ليس فيها حديث واحد عام بل كلها مخصوصة فوجب تقديم العام الذي لا خصوص فيه.

стр. 57

٢- "أنه قد ثبت أن النبي ﷺ أمر بصلاة تحية المسجد للداخل عند الخطبة والنهي عن الصلاة في هذا الوقت أشد بلا ريب، لأنه منهي عن كل ما يشغل عن الاستماع وفى الحديث: "إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت " فإذا كان قد أمر بتحية المسجد في وقت الخطبة فهي في سائر الأوقات أولى "١. فمن ذلك يظهر والله أعلم بالصواب أن القول بجواز تحية المسجد في كل وقت هو الأولى.

стр. 58

الفصل الرابع: ركعتا الإحرام وركعتا الطواف وركعتا الوضوء ركعتا الإحرام ... الفصل الرابع ركعتا الإحرام وركعتا الطواف وركعتا الوضوء المبحث الأول ركعتا الإحرام أكثر أهل العلم على أنه يستحب أن يكون الإحرام عقيب صلاة، فإن حضرت صلاة مكتوبة أحرم عقيبها وإلا صلى ركعتين وأحرم عقيبهما"١. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية يستحب أن يحرم عقيب فرض إن كان وقته وإلا فليس للإحرام صلاة تخصه٢. وقال سماحة الشيخ بن باز: وركعتا الإحرام سنة عند الجمهور، وبعض أهل العلم لا يستحبها لأنه لم يرد فيهما شيء منصوص٣. أما حكم فعلها في وقت النهي فالظاهر أنه مكروه على المذاهب الأربعة، حيث نص على ذلك الشافعية والحنابلة فقال النووي: "ويكره ركعتا الإحرام على الأصح "٤ أي في أوقات النهي، وقال المرداوي: "لا يصلي الركعتين في وقت نهي على الصحيح من المذهب "٥. وأما الحنفية والمالكية فإنهم لا يجيزون في وقت النهي ركعتي الطواف وركعتي الفجر وتحية المسجد ٦مع تأكد ذلك، فعدم جواز ركعتي الإحرام عندهم من باب أولى.

стр. 59

المبحث الثاني ركعتا الطواف اختلف العلماء في حكم ركعتي الطواف في أوقات النهي على قولين: الأول: جواز فعلهما وبه قال الشافعي١، وأحمد قال أبو الخطاب رواية واحدة، ولم يذكرفي المغنى وكشاف القناع غير الجواز، وقال المرداوي عن ذلك أنه الصحيح من المذهب٢، وقال الزرقاني٣: "قال ابن المنذر رخص بالصلاة بعد الطواف في كل وقت جمهور الصحابة ومن بعدهم ". اهـ. وممن روى عنه أنه طاف بعد الصبح والعصر وركع ركعتي الطواف ابن عمر وابن عباس وابن الزبير والحسن والحسين وعطاء وطاوس ومجاهد والقاسم بن محمد، وروى عن عروة بن الزبير بعد الصبح٤، وحكاه ابن عبدا لبرعن الإمام أبي ثور بعد الفجر وبعد العصر٥ الثاني: عدم جواز ركعتي الطواف في أوقات النهي وبه قال أبو حنيفة٦ ومالك٧وأحمد في رواية٨.

стр. 60

الأدلة: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: ١- عن جبيربن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عيه وسلم: "يا بنى عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار" ١. ٢- أن الطواف جائز في كل وقت مع كونه صلاة٢، فكذلك ركعتاه تبعا له، لأنه إذا أبيح المتبوع ينبغي أن يباح التبع٣. واستدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: ١- عموم أحاديث النهي عن الصلاة في تلك الأوقات. ٢- ما روى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه طاف بعد صلاة الصبح فلم يصل وخرج من مكة حتى نزل بذي طوى٤ فصلى بعدما طلعت الشمس٥.

стр. 61

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الحجة مع المجوزين من وجوه منها: أ- أن قوله "لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار" عموم مقصود في الوقت فكيف يجوز أن يقال إنه لم يدخل لا ذلك المواقيت الخمسة. ب- أن هذا العموم لم يخص منه صورة لا بنص ولا إجماع وحديث النهي مخصوص بالنص والإجماع، والعموم المحفوظ راجح على العموم المخصوص. ج- أن النبي نسميه وأصحابه ﵃ كانوا يطوفون بالبيت ويصلون عنده ولو أن ركعتي الطواف منهي عنهما في بعض الأوقات لبين النبي كبيه ذلك ولنقل إلينا١. والذي أراه في المسألة جواز ركعتي الطواف في كل وقت لما يأتي: ١- صحة الحديث الدالة على ذلك كما هو واضح في تخريجه. ٢- أن أحاديث النهي عامة وقد خصصت بالأحاديث الدالة على جواز قضاء الفرائض٢ فكذلك يمكن تخصيصها بهذا الحديث. ٣- أن فعل عمر ﵁ ليس فيه ما يدلي صراحة على عدم جواز الركعتين في ذلك الوقت بل يحتمل أنه فعل ذلك احتياطا. ٤- أن الأولى في الطواف أن يؤتى بركعتيه بعده، وفي منع فعلهما في بعض الأوقات بدون دليل صريح تأخير لهما، وإذا كان بعد الطواف سعى فالأمر أشد.

стр. 62

المبحث الثالث ركعتا الوضوء صلاة الركعتين بعد الوضوء سنة وقد جاء في فضل الصلاة بعد الوضوء حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: "يا بلال حدثني بأرجى

стр. 63

عمل عملته فإني سمعت دف١ نعليك بين يدي الجنة" قال: ما عملت عملا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورا في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي " ٢. وقد اختلف العلماء فيمن توضأ في وقت النهي هل يصلى بعده أو لا؟ فذهب الشافعية إلى أنه يصلى٣، وروى ذلك عن الإمام أحمد٤، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية٥. ولعل حجتهم: أنها من ذوات الأسباب فلا يشملها النهي عن الصلاة في بعض الأوقات كما هو الحال عندهم في بقية ذوات الأسباب. والصحيح من مذهب الإمام أحمد أنه لا يصلى بعد الوضوء في أوقات النهى٦، والظاهر أنه هو المذهب عند الحنفية والمالكية، لأنهم منعوا في أوقات النهي صلاة ما هو آكد من ذلك كركعتي الطواف وركعتي الفجر وتحية المسجد٧. والحجة للجميع في منع ركعتي الوضوء في أوقات النهي عموم أحاديث النهي عن الصلاة في تلك الأوقات. والذي أراه في المسألة عدم الصلاة المذكورة في أوقات النهي وهو ما ذهب إليه الجمهور، لأن الصلاة بعد الوضوء لم يرد الأمر بفعلها كما ورد بتحية المسجد وإنما ورد الترغيب فيها وبيان ما فيها من الفضل والنهي عن الصلاة للتحريم وترك المحرم أولى في فعل المندوب.

стр. 64

الفصل الخامس: صلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء صلاة الكسوف ... الفصل الخامس صلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء المبحث الأول صلاة الكسوف اختلف العلماء في حكم صلاة الكسوف في أوقات النهي: فذهب إلى جواز فعلها الشافعية١ وأحمد في رواية اختارها من الحنابلة أبو الخطاب وابن عقيل وابن الجوزي وشيخ الإسلام ابن تيمية٢. وذهب إلى عدم جواز فعلها أبو حنيفة٣، وأحمد في المشهور وهو المذهب وما عليه أكثر الأصحاب٤. ولم أقف على نص عن الإمام مالك في حكمها في وقت النهي، إلا أنه روى عنه في وقتها ثلاث روايات إحداهن أنه قبل الزوال كصلاة العيدين وصلاة الاستسقاء، والثانية أنه من طلوع الشمس إلى غروبها، والثالثة أنه من طلوع الشمس إلى صلاة العصر، وذكر ابن عبد البر أن الأولى هي تحصيل مذهب الإمام مالك٥. قلت: ويفهم من الأولى والثالثة أنها لا تفعل في أوقات النهي، أما الثانية فيفهم منها جواز فعلها، وهذا يوافق ما حكاه ابن هبيرة٦ عن الإمام مالك في إحدى الروايات في حكم فعلها إذا كان الكسوف صادف وقت نهى.

стр. 65

الأدلة: استدل المجيزون لصلاة الكسوف في أوقات النهي: بما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الشمس والقمر من آيات الله، وإنهما لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فكبروا وادعوا الله وصلوا وتصدقوا" وفي لفظ: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموها فافزعوا للصلاة" ١. وجه الدلالة من الحديث: أن الرسول ﷺ أمر بصلاة الكسوف ولا وقت تحرم فيه صلاة أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم٢، كما أن هذا الحديث خاص في هذه الصلاة فيقدم على النهي العام عن الصلاة في بعض الأوقات٣. واستدل المانعون: بعموم أحاديث النهي عن الصلاة في بعض الأوقات، والنهي فيها للتحريم والأمر بصلاة الكسوف للندب وترك المحرم أولى من فعل المندوب٤. والذي أراه في المسألة جواز صلاة الكسوف في أوقات النهي وهو ما ذهب إليه الشافعية واختاره بعض الحنابلة وهو إحدى الروايات عن الإمام مالك٥ لصراحة الأمر من رسول الله ﷺ بفعلها فيخص به عموم النهي عن الصلاة في بعض الأوقات، لأن هذا الأمر لم يدخله التخصيص أما النهي عن الصلاة في بعض الأوقات فقد خص منه بعض الصلوات٦.

стр. 66

المبحث الثاني صلاة الاستسقاء الذي يظهر لي والله أعلم بالصواب أن كراهة صلاة الاستسقاء في وقت النهي آكد، لأن الشافعية الذين قالوا بجواز صلاة ذوات الأسباب في أوقات النهي لم يذكروا صلاة الاستسقاء ضمنها، وإنما جعلوا جوازها أصح الوجهين والوجه الثاني الكراهة١. وقال ابن قدامة٢: "لا تفعل- أي صلاة الاستسقاء- في وقت النهي بغيرخلاف، لأن وقتها متسع، فلا حاجة إلى فعلها في وقت النهي " وقال ابن مفلح في الفروع٣: "ولا تجوز صلاة الاستسقاء وقت النهي، قال صاحب المغني والمحرر وغيرهما بلا خلاف، وأطلق جماعة الروايتين "اهـ قلت: وصحح فعلها في وقت النهي أبو الخطاب الكلوذاني في الهداية٤ ولم أقف للحنفية والمالكية على نص في حكم فعلها في وقت النهي لكن الظاهر أنها لا تجوز عندهم فيه كقولهم في بقية ذوات الأسباب والتي منها ما هوآكد من صلاة الاستسقاء. وقد ذكر ابن جزي٥ أن وقتها بعد طلوع الشمس إلى الزوال. والذي يفهم من ذلك أنها لا تفعل في وقت النهي. والذي يترجح لدى- والله أعلم بالصواب- أن صلاة الاستسقاء لا تفعل في وقت النهي، لأنه لا حاجة إلى فعلها فيه كما قال ابن قدامة رحمه الله تعالى، كما أن ذلك هو قول أكثر أهل العلم.

стр. 67

الفصل السادس: سجود التلاوة وسجود الشكر سجود التلاوة ... الفصل السادس سجود التلاوة وسجود الشكر المبحث الأول سجود التلاوة اختلف الفقهاء في حكم سجود التلاوة في وقت النهي فذهب إلى جواز ذلك الشافعي١، وأحمد في رواية اختارها أبو الخطاب وشيخ الإسلام ابن تيمية٢. واستدلوا بأنها صلاة لها سبب فجازت لا أوقات النهي كبقية ذوات الأسباب٣ وقال أبو حنيفة تجوز في الوقتين بعد الفجر وبعد العصر، ولا تجوز في الأوقات الثلاثة الباقية وهي عند طلوع الشمس وزوالها وغروبها. واستدل بما سبق أن استدل به في قضاء الفرائض: وهو أن النهي في الوقتين لم يكن لمعنى في الوقت وإنما لحق الفرض ليصير الوقت كالمشغول به فلا يظهر النهي فيهما في حق فرض آخر ولا فيما وجب بعينه كسجود التلاوة، أما الأوقات الثلاثة فإن النهي فيها لحق الوقت فلا تجوز فيها سجدة التلاوة ولا غيرها من الصلوات٤. وأما الإمام مالك فنقل عنه في المدونة٥ أنه قال: "لا بأس أن يقرأ الرجل السجدة بعد الصبح مالم يسفر وبعد العصر مالم تتغير الشمس ويسجدها، فإذا أسفر أو تغيرت الشمس فأكره له أن يقرأها، فإن قرأها إذا أسفر وإذا اصفرت الشمس لم يسجدها".

стр. 68

وقال ابن عبد البر١: "وكل وقت يكره فيه التطوع فلا يركع عند مالك فيه ركعتا الطواف ولا يسجد فيه سجدة التلاوة". والمشهور من مذهب الإمام أحمد وما عليه أكثر الأصحاب أنه لا يسجد للتلاوة في أوقات النهي٢. واحتجوا بما يأتي: ١- عموم الأحاديث الدالة على النهي عن الصلاة في تلك الأوقات٣. ٢- عن أبي تميمة الهجيمي قال: كنت أقص بعد صلاة الصبح فأسجد فنهاني ابن عمر فلم أنته ثلاث مرار ثم عاد فقال إني صليت خلف رسول الله ﷺ ومع أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ فلم يسجدوا حتى تطلع الشمس ٤. ٣- عن عبيد الله بن مقسم أن قاصا كان يقرأ السجدة بعد الفجر فيسجد فنهاه ابن عمر فأبى أن ينتهي فحصبه وقال إنهم لا يعقلون " (٥) . والذي أراه في المسألة هو عدم السجود للتلاوة في أوقات النهي وهو ما حكاه ابن عبد البر عن الإمام مالك والصحيح من مذهب الإمام أحمد وقول الإمام أبي حنيفة في الأوقات الثلاثة الواردة في حديث عقبة بن عامر ﵁. وذلك خوفا من الوقوع في المحرم بفعل المندوب ولأن ما استدل به المجيزون هو أن سجدة التلاوة من ذوات الأسباب، وغير مسلم لهم أن كل ذات سبب تفعل في أوقات النهي.

стр. 69

المبحث الثاني سجود الشكر ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر إلى أنه يستحب سجود الشكر عند تجدد النعم واندفاع النقم١ لما روى أبو بكرة ﵁ عن النبي ﷺ : "أنه كان إذا جاءه أمر سرور أو بشر به خر ساجدا شاكرا لله" ٢ فإن حصل سببه في وقت نهي جاز السجود عند الشافعي٣، وأحمد في رواية اختارها أبو الخطاب٤. والحجة لهم في ذلك: أن سجود الشكر صلاة ذات سبب فلا يشمله النهي كسائر ذوات الأسباب. والصحيح من مذهب الإمام أحمد وما عليه أكثر الأصحاب أنه لا يجوز في أوقات النهي فعل كثير من ذوات الأسباب كتحية المسجد وصلاة الكسوف وسجود التلاوة وقضاء السنن الرواتب٥ وسجود الشكر ليس آكد منها فيشمله الحكم. وأما الإمامان أبو حنيفة ومالك فإنهما لا يريان استحباب سجود الشكر أصلا٦. كما أنهما لا يريان جواز فعل كثير من ذوات الأسباب في أوقات النهي. والذي أراه في المسألة هو عدم جواز سجود الشكر في أوقات النهي، لعموم النهي عن الصلاة في تلك الأوقات، ولأنه لم يرد الأمر بفعله كما ورد في تحية المسجد فيخصص به عموم النهي، وما جاء عن النبي ﷺ أنه كان إذا جاءه أمر سرور أو بشر به خر ساجدا شاكرا لله يحتمل أنه كان في غير أوقات النهي والله أعلم بالصواب.

стр. 70

الفصل السابع إعادة الصلاة مع الجماعة اختلف العلماء في حكم إعادة الصلاة مع الجماعة في أوقات النهي كأن يصلى الرجل صلاة الفجر أو العصر ثم يدرك جماعة هل له أن يصلى معهم أولا؟ فذهب الجمهور- المالكية والشافعية والحنابلة- إلى أن له ذلك- بل قال الشافعية والحنابلة يستحب له إعادة صلاته مع الجماعة التي أدركها- لكن اختلفوا فيمن له الإعادة: فرأى المالكية أنه من صلى وحده فقط أما من صلى في جماعة فلا يعيد، وهو قول للشافعية. والأصح عند الشافعية والمذهب عند الحنابلة أنه يعيد وإن صلى في جماعة وشرط الحنابلة للإعادة أن تقام وهو في المسجد أو يدخل المسجد وهم يصلون، ومنهم من شرط أن تكون مع إمام الحي، والمذهب أنه يعيد سواء كان مع إمام الحي أم مع غيره١. وذهب الحنفية إلى أنه ليس له الإعادة، لأن الصلاة المعادة نافلة لصاحبها، والنفل بعد الفجر والعصر مكروه مطلقا٢. واستدل الجمهور بما يأتي: ١- عن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه قال: "شهدت مع النبي ﷺ حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف فلما قضى صلاته وانحرف إذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه، فقال عليّ بهما، فجيء بهما ترعد فرائصهما٣، فقال: "ما منعكما أن تصليا معنا؟ " فقالا: يا رسول الله إنا كنا

стр. 71

قد صلينا في رحالنا، قال: "فلا إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة" ١. ٢- عن بسر بن محجن عن أبيه محجن أنه كان في مجلس مع رسول الله ﷺ فأذن بالصلاة فقام رسول الله ﷺ فصلى ثم رجع ومحجن في مجلسه لم يصل معه، فقال له رسول الله ﷺ : "ما منعك أن تصلي مع الناس؟ " ألست برجل مسلم؟ " فقال: بلى يا رسول الله ولكن قد صليت في أهلي فقال له رسول الله ﷺ : "إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت " ٢. ٣- عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ " قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: "صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة". وفي لفظ: "كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ " قال: قال ما تأمر؟ قال: "صل الصلاة لوقتها ثم اذهب لحاجتك فإذا أقيمت الصلاة وأنت في المسجد فصل ". وفي لفظ آخر: "صل الصلاة لوقتها فإن أدركتك الصلاة معهم فصل ولا تقل إني قد صليت فلا أصلي "٣. وجه الدلالة من هذه الأحاديث هو: أن حديث يزيد بن الأسود صريح في الموضوع لأن فيه مشروعية الإعادة بعد صلاة الفجر وهو وقت نهي.

стр. 72

أما حديثا محجن وأبي ذر فدلا بعمومهما على مشروعية الإعادة ولم يفرقا بين وقت وآخر ولا بين صلاة وأخرى فيشمل ذلك الإعادة في أوقات النهي. قال ابن قدامة بعد ذكره للأحاديث المذكورة: "وهذه الأحاديث بعمومها تدل على محل النزاع، وحديث يزيد بن الأسود صريح في إعادة الفجر، والعصر مثلها"١. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن حديث أبي ذر بعد ذكره بكل ألفاظه ما نصه: "وهذه النصوص تتناول صلاة الفجر والعصر قطعا فإنهما هما اللتان كان الأمراء يؤخرونهما بخلاف الفجر فإنهم لم يكونوا يصلونها بعد طلوع الشمس وكذلك المغرب لم يكونوا يؤخرونها، ولكن كانوا يؤخرون العصر أحيانا إلى شروع الغروب، وحينئذ فقد أمره أن يصلي الصلاة لوقتها ثم يصليها معهم بعد أن صلاها ويجعلها نافلة وهو في وقت نهي، لأنه قد صلى العصر، ولأنهم قد يؤخرون العصر إلى الاصفرار فهذا صريح بالإعادة في وقت النهي "٢ اهـ. ومن رأى أن الإعادة تكون لمن صلى وحده فقط نظر إلى ما جاء في حديث جابر بن يزيد بن الأسود "صلينا في رحالنا"٣، وإلى أن المصلى في جماعة حصل فضيلة الجماعة فلا معنى للإعادة٤. ومن شرط أن تكون مع إمام الحي نظر إلى أن قضية النص في حديثي جابر وبسر بن محجن وردت في ذلك٥. والذي أراه في المسألة هو جواز الإعادة مطلقا سواء كان المدرك للجماعة سبق أن صلى وحده أو في جماعة وسواء كانت الإعادة مع إمام الحي أم مع غيره، لأن الأحاديث السابقة تدل بإطلاقها على ذلك، وقوله ﷺ : "إذا صليتما في رحالكما" عام يشمل الصلاة فرادى وجماعة وكذلك ما جاء في حديث بسر بن محجن "إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت ". وأما دليل الحنفية فيمكن الجواب عنه بأنه قياس في مقابلة النص والله أعلم بالصواب.

стр. 73

الفصل الثامن: الصلاة المنذورة وصلاة الاستخارة الصلاة المنذورة ... الفصل الثامن الصلاة المنذورة وصلاة الاستخارة المبحث الأول الصلاة المنذورة الصلاة المنذورة قد يكون النذر بها مطلقا أي غير محدد بوقت وقد يكون محددا بأحد أوقات النهي كأن يقول لله علىّ أن أصلى بعد العصر أو بعد الصبح كذا. وقد تكلم بعض العلماء عن حكم فعل هذه الصلاة في أوقات النهي، فأجمل النووي من الشافعية في المجموع جواز الفعل حيث قال: "وله فعل المنذورة"١ وفصل في الروضة حيث قال: "ولو نذر أن يصلى في هذه الأوقات فإن قلنا تنعقد الصلاة صح نذره وإلا فلا، وإذا صح نذره فالأولى أن يصلي في وقت آخر، كمن نذر أن يضحي بشاة يذبحها- بسكين مغصوب يصح نذره ويذبحها بغير مغصوب، ولو نذر صلاة مطلقة فله فعلها في هذه الأوقات قطعا فإن لها سببا)) (٢. وذكر علماء الحنابلة جواز فعلها مطلقا أي سواء كان النذر بها مطلقا أو محددا بوقت نهي حيث قال ابن قدامة: "ويجوز فعل الصلاة المنذورة في وقت النهي سواء كان النذر مطلقا أو مؤقتا٣ " وذكر أن الدليل على ذلك أنها صلاة واجبة فأشبهت الفوائت من الفرائض وصلاة الجنازة"٤. وقال المرداوي: "يجوز صلاة النذر في هذه الأوقات- أي أوقات النهي- على الصحيح من المذهب ... إلى أن قال: لو نذر صلاة في أوقات النهي فالصحيح من

стр. 74

المذهب أن حكمها حكم صلاة النذر المطلق في وقت النهي "١. وأما الحنفية فعندهم لا يجوز فعلها في أوقات النهي٢. وأما المالكية فلم أقف لهم على نص في المسألة ولكن الظاهر أنهم كالحنفية لا يجيزون فعلها في وقت النهي، لأن عدم الجواز هو قولهم في جميع ذوات الأسباب ماعدا الفرائض وصلاة الجنازة بعد الفجر والعصر المجمع على فعلهما. والذي أراه في المسألة: أنها لا تفعل في وقت النهي إلا إذا خشي الإنسان أن لا يتمكن من فعلها لو أخرها فله فعلها لتبرأ ذمته مما وجب عليه والله أعلم بالصواب.

стр. 75

المبحث الثاني صلاة الاستخارة الأصل في مشروعية صلاة الاستخارة حديث جابر ﵁ الذي قال فيه: "كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن يقول إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير فريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك ... " الحديث٣. وأما فعلها في أوقات النهي فمكروه عند أكثر العلماء لأن الشافعية الذين قالوا بجواز ذوات الأسباب في أوقات النهي قالوا بكراهة صلاة الاستخارة فيها٤. وأجاز شيخ الإسلام ابن تيمية صلاة الاستخارة في وقت النهي فيما يفوت٥.
следующие страницы →