ال مقدمة
الحمد لله حث على العلم وشرف حملته، ورفع درجة أهله ومنْزلته وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن التفقه في الدين من أفضل القربات التي تستحق بها نفائس الأوقات لأنه السبيل الذي تعرف به العباد الأحكام التي تعبد الله بها على بصيرة، وتميز بين الحلال والحرام، وكما يلزم المسلم معرفة عبادته لربه كذلك يلزمه أن يعرف حكم تعامله مع غيره، وما يترتب على هذا التعامل من الأحكام الفقهية.
وبما أن الإقالة من المسائل التي ناقشها الفقهاء، واختلفت فيها وجهات النظر وتباينت في تنظيرها رأيت أنه من المناسب الكتابة في هذا الموضوع المهم وقد جعلت البحث في (حقيقة الإقالة دراسة نظرية وتطبيقية) وقد دفعني إلى اختيار هذا الموضوع عدة أسباب من أهمها ما يلي:
١ أن موضوع حقيقة الإقالة لم يفرده أحد بالبحث حسب علمي وإن كان هناك بحوث يدخل في ضمنها، فيكون واحدا من مسائل كثيرة تبحث في تلك البحوث، ومن أبرز من تناول هذا الموضوع:
أد. عبد اللطيف عامر في بحثه الموسوم ب: الإقالة في العقود في الفقه والقانون (مطبوع بدار مرجان للطباعة بالقاهرة) وهو بحث يغلب عليه الإيجاز والعناية بالمذهب الحنفي إضافة إلى مقارنته بالقانون.
ب د. إبراهيم بن عبد الرحمن العروان في أطروحته للدكتوراه» الإقالة والفسخ في عقود المعاوضات المالية في الفقه الإسلامي «وهي رسالة جيدة في
стр. 2
موضوعها، وقد اعتنى الباحث بأحكام الإقالة والفسخ في العقود، ولكنه لم يعن بحقيقتها ومن ذلك انعقادها بلفظها وبغير لفظها ولا بالمسائل التطبيقية على الخلاف فيها.
والبحث الذي أقدمه خاص بحقيقة الإقالة، ولن أتعرض فيه لأحكامها.
٢ أن الإقالة من المسائل الفقهية التي اختلف الفقهاء في التكييف الفقهي لها مما يؤدي إلى الاختلاف في تطبيقها.
٣ أن بعض الفقهاء ذكر بعض المسائل التطبيقية في الإقالة لكن دراسته لها كانت دراسة مذهبية موجزة وقاصرة على بعض عناصرها كما فعل السيوطي في الأشباه والنظائر ١ لذا كان لابد من تجلية هذا الجانب والعناية به وأرجو أن أوفق في عرض هذا البحث بأسلوب فقهي يسهل على القارئ فهمه وإدراك المراد فيه.
وقد قسمت البحث إلى قسمين:
القسم الأول: الدراسة النظرية وتشمل ستة مباحث:
المبحث الأول: تحديد المراد بالإقالة وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الإقالة.
المطلب الثاني: الألفاظ ذات الصلة بها.
المبحث الثاني: حكم الإقالة وتحته ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الحكم التكليفي للإقالة.
المطلب الثاني: الأدلة على مشروعيتها.
المطلب الثالث: الحكمة من مشروعيتها.
стр. 3
المبحث الثالث: صيغة الإقالة وتحته مطلبان:
المطلب الأول: الإقالة بلفظها.
المطلب الثاني: الإقالة بغير لفظها وفيه ست مسائل:
المسألة الأولى: الإقالة بلفظ الفسخ أو الترك أو التراد.
المسألة الثانية: الإقالة بلفظ البيع.
المسألة الثالثة: الإقالة بلفظ الصلح.
المسألة الرابعة: الإقالة بلفظ المعاطاة.
المسألة الخامسة: الإقالة بالكتابة.
المسألة السادسة: الإقالة بالإشارة.
المبحث الرابع: التكييف الفقهي للإقالة.
المبحث الخامس: أركان وشروط صحة الإقالة وتحته مطلبان:
المطلب الأول: في أركان الإقالة.
المطلب الثاني: في شروط صحة الإقالة.
المبحث السادس: محل الإقالة.
القسم الثاني: الدراسة التطبيقية وقمت فيه بدراسة ثلاثين مسألة، والمسائل المذكورة يقصد من ذكرها التمثيل لا الحصر، لأنها أكثر من أن تحصر، وقد توخيت الاختصار في دراسة المسائل، وحاولت عدم التعمق في الخلاف وذكر المخالفين لأن ذلك سيطيل البحث، وقد جمعت أقوال العلماء في موضوع البحث من مصادرها الأصلية، فإن لم يكن فإلى أقرب مصدر يمكن أن يؤخذ منه القول، وحققت في نسبة الأقوال إلى أصحابها، وقمت أحياناً بالتوثيق بالنص من كتب الفقهاء إذا رأيت أن الحاجة داعية إلى ذلك واضعا ذلك بين قوسين،
стр. 4
وأوردت الأدلة لكل قول، وما يرد عليها من مناقشات إن وجدت، وعزوت الآيات بذكر اسم السورة ورقم الآية، وخرجت الأحاديث من مصادرها، وأما الأعلام الوارد ذكرهم في البحث فقد ترجمت لمن رأيت الحاجة داعية للتعريف به، لأن الترجمة للأعلام المشهورين في نظري من قبيل توضيح الواضحات، لذا رأيت أن لا أثقل البحث بما لا فائدة فيه للقارئ، وقد وضعت بعد الخاتمة بياناً بالمراجع.
وبعد:
فإن رجائي أن ينظر القارئ في هذا البحث بعين الإنصاف، فما وجد فيه من صواب فهو بتوفيق الله، وما وجد فيه من خطأ فهو من ضعف البشر، وأسأل الله أن ينفع به كاتبه وقارئه إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 5
القسم الأول: الدراسة النظرية
المبحث الأول: تحديد المراد بالإقالة
المطلب الأول: تعريف الإقالة
الفرع الأول: معنى الإقالة في اللغة:
الإقالة في اللغة العربية مصدر أقال يقيل إقالة بمعنى الفسخ جاء في الصحاح "أقلته البيع إقالة وهو فسخه، وربما قالوا قلته البيع وهي لغة قليلة، واستقلته البيع فأقالني إياه" ١
وقيل إن الإقالة مشتقة من القول، والهمزة للسلب أي إزالة القول السابق، وهو ما جرى بينهما من البيع كأشكى إذا أزال شكواه، وهذا غير صحيح لأمور:
١ أنهم قالوا قِلْتُ البيع بالكسر وأقلته فدل على أن العين ياء.
٢ ذكرت الإقالة في المعاجم العربية في القاف مع الياء لا في القاف مع الواو ٢.
٣ أنهم قالوا أقاله البيع قيلا لا قولا ٣.
فظهر أن الإقالة مشتقة من القيل لا من القول، ومعناه الفسخ والإزالة والإسقاط والرفع يقال تقايلا البيع تفاسخا صفقتهما، وتركتهما يتقايلان البيع أي يستقيل كل واحد منهما صاحبه، وقد تقايلا بعد ما تبايعا أي تتاركا، وتقايلا
стр. 6
إذا فسخا البيع وعاد المبيع إلى مالكه، والثمن إلى المشتري، إذا كان قد ندم أحدهما أو كلاهما.
والاستقالة: طلب الإقالة يقال استقاله البيع فأقاله ١.
الفرع الثاني: الإقالة في الاصطلاح:
عرفت الإقالة بتعريفات كثيرة، ولكن مؤداها واحد، وإن كان فيها بعض الاختلاف، وسوف أذكر بعضها على النحو الآتي:
التعريف الأول:
عرفت الإقالة بأنها: ترك المبيع لبائعه بثمنه ٢.
ويلاحظ على هذا التعريف أنه خص الإقالة في البيع مع دخولها في غيره كالإجارة والسلم وغيرها من عقود المبادلة المالية ٣.
وقوله "ترك المبيع" يفهم منه أن الإقالة لا تصح إلا في جميع المبيع ولا تصح في بعضه، وهذا خلاف ما ذهب إليه عامة أهل العلم ٤.
ويدخل في التعريف: ترك المبيع بحكم القضاء، وترك المبيع من دون رضا الطرفين، والإقالة لا تتم بذلك.
стр. 7
التعريف الثاني:
الإقالة: رفع البيع ١.
ويلاحظ على هذا التعريف حصره الإقالة في البيع مع أنها تدخل في غيره من عقود المبادلات المالية كما سبق في التعريف الأول، ولذا ذكر ابن عابدين ٢ أن تخصيصها بالبيع لكون الكلام فيه، وإلا فهذا تعريف للإقالة مطلقاً، لأن حقيقتها في الإجارة لا تخالف حقيقتها في البيع، ولهذا لم يُذكر لها باب في غير هذا الموضع ونظيره النية مثلاً تذكر في باب الصلاة ونحوها وتعرف بالقصد الشامل للصلاة وغيرها ٣.
التعريف الثالث:
الإقالة: رجوع كل من العوضين لصاحبه ٤.
ويلاحظ على هذا التعريف أنه غير جامع، لأنه يدخل فيه رجوع كل من العوضين بحكم القضاء، وهو غير داخل في الإقالة، كما أن التعبير بالرجوع غير سليم، لأنه ربما يرجع البيع بسبب آخر غير الإقالة مثل العيب، أو ثبوت الغبن أو استحقاق المبيع لغير البائع وغير ذلك، وهذا التعريف في نظري منصب
стр. 8
على أثر الإقالة، وليس تعريفاً لذاتها، والشيء لا يعرف بأثره، وإنما بما يظهر حقيقته وماهيته.
التعريف الرابع:
ذكره زكريا الأنصاري ١ فقال: هي ما يقتضي رفع العقد المالي بوجه مخصوص ٢.
ويلاحظ على هذا التعريف أنه لم يبين نوع العقد الذي ترد عليه الإقالة هل ترد على كل العقود؟ أو ترد على العقد اللازم فقط؟ كما أنه لم يبين الوجه المخصوص الذي أشار إليه.
التعريف الخامس:
الإقالة: رفع العقد السابق بلفظ ٣.
ويلاحظ على هذا التعريف أنه غير مانع، لأنه لا يمنع أن تدخل فيه عقود جائزة مع أن الإقالة لا تدخل في العقود الجائزة، لأن رفع هذه العقود لا يتوقف على الرضا من الجانبين، بل يجوز لكل واحد منهما أن يفسخ متى شاء بخلاف الإقالة، ولا يمنع أن يدخل فيه رفع الإقالة بحكم القضاء، وهي كما
стр. 9
ذكرت لا تدخل فيه ١.
التعريف المختار:
يظهر لي أن الإقالة يراد بها عند الفقهاء: رفع عقد المعاوضة المالي اللازم للمستقيل باتفاق العاقدين.
فقولنا: المعاوضة: يخرج النكاح فرفعه يكون بالطلاق.
وتقييده باللزوم يخرج غير اللازم فإن فسخه لا يسمى إقالة لأنه لا يشترط فيه رضا المتعاقدين.
وقولنا: للمستقيل لأن العقد قد يكون لازماً من جهته غير لازم للمقيل.
وقولنا باتفاق العاقدين: يخرج ما لو أُكرها على رفع العقد.
стр. 10
المطلب الثاني: الألفاظ ذات الصلة بها
...
المطلب الثاني: الألفاظ ذات الصلة بالإقالة
هناك ألفاظ لها صلة بالإقالة أذكرها على النحو الآتي:
١ الفسخ: وهو في اللغة الرفع والنقض والإزالة، يقال فسخت العود فسخاً من باب نفع أزلته عن موضعه بيدك، وفسخت الثوب ألقيته وفسخت العقد رفعته، وتفاسخ القوم توافقوا على فسخه، قال السرقسطي ٢ فسخت البيع والأمر نقضتهما ٣.
وبما أن الإقالة بمعنى الفسخ فإنها أخص من الفسخ لأنها تتوقف على اتفاق
стр. 11
العاقدين بخلاف الفسخ فإنه قد يكون متوقفاً على اتفاقهما، وقد يكون غير متوقف عليه كفسخ العقد الجائز، والإقالة لا ترد إلا على العقد المالي الصحيح اللازم الذي تقصد منه معاوضة محضة، أما الفسخ فإنه يرد على العقد سواء أكان فيه مبادلة مالية كالبيع أو لم يكن فيه ذلك كالوكالة، وسواءً كان لازماً كالبيع الخالي من الخيار أم جائزاً كالإيداع، وسواء أكان العقد يقصد منه معاوضة محضة كالبيع أم غير مقصود منه ذلك كالنكاح.
فظهر مما سبق أن الإقالة نوع من أنواع الفسخ.
٢ الإسقاط: في اللغة يأتي بمعنى الإلقاء والإزالة يقال أسقطت الحامل الجنين ألقته، وأسقط الشيء أوقعه وأنزله، وتساقط على الشيء أي ألقى نفسه عليه وأسقطه هو، وتساقط الشيء تتابع سقوطه ١.
ومع أن الإقالة فيها إسقاط للحق وإزالة له إلا أنها أخص من الإسقاط لأن الإسقاط يشمل جميع الحقوق سواءاً كانت عقودا أو ديوناً أو غيرها بخلاف الإقالة.
٣ الإبراء: في اللغة يأتي بمعنى الإسقاط والسلامة والتخلص، يقال برئ من دينه يبرأ براءة سقط عنه طلبه فهو بريْ وبارئ وبراء، وأبرأته منه وبرّأته من العيب بالتشديد جعلته بريئاً منه، وبرئ منه مثل سلم وزنا ومعنى ٢.
وبرئ إذا تخلص وبرئ إذا تنَزه وتباعد ٣.
وإذا كان الإبراء بمعنى الإسقاط، فإنه يعتبر نوعاً من أنواع الإسقاط، لأن
стр. 12
الإبراء بغير عوض بخلاف الإسقاط فإنه يكون بعوض وبغير عوض ١.
والإبراء وإن كان أخص من الإسقاط فإنه يكون في العقود سواء كانت لازمة أو غير لازمة، فهو أعم من الإقالة من هذا الوجه لأنها لا تكون إلا في العقود اللازمة، كما أن الإبراء قد يكون في غير العقود كالقصاص والتعزير وحد القذف وغير ذلك.
стр. 13
المبحث الثاني: حكم الإقالة
المطلب الأول: الحكم التكليفي للإقالة
الإقالة في الأصل مباحة وجائزة في الجملة بعد انعقاد العقد ولزومه١ وإذا ندم أحدهما على الصفقة وطلب الإقالة استحب للآخر أن يقيله ٢ لما رواه أبو هريرة أن النبي ﷺ قال "من أقال نادما بيعه أقال الله عثرته" ٣، وقد ذكر بعض علماء الحنفية أن الإقالة قد تكون واجبة ومثلوا لذلك بكون العقد مكروهاً أو فاسداً٤ وحينئذ يجب على كل من المتعاقدين الرجوع إلى ما كان له
стр. 14
من رأس المال صونا لهما عن المحظور، ولا يكون ذلك إلا بالإقالة، ولأن رفع المعصية واجب بقدر الإمكان ١.
وقد اعترض على ذلك بأن الفاسد يجب فسخه على كل منهما بدون رضا الآخر، وكذا للقاضي فسخه بلا رضاهما والإقالة يشترط لها الرضا ٢.
وقد صحح بعض علماء الحنفية ما ورد من وجوب الإقالة بأن المراد بالإقالة فيه مطلق الفسخ والرفع ٣.
وبهذا يتضح أن ما ذكر من وجوب الإقالة يراد به المعنى اللغوي لا الإقالة بمعناها الخاص المعروف عند الفقهاء.
стр. 15
المطلب الثاني: الأدلة على مشروعيتها
...
المطلب الثاني: الأدلة على مشروعية الإقالة
ثبتت مشروعية الإقالة بالكتاب والسنة والإجماع، والمعقول، أما الدليل من الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ ٤، فالآية المذكورة تدل بعمومها على مشروعية الإقالة لأن الأمر فيها ورد بفعل الخير، ولاشك أن إقالة النادم من فعل الخير.
стр. 16
الأدلة من السنة:
الدليل الأول: ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من أقال نادما بيعه أقال الله عثرته" ١.
الدليل الثاني: ما رواه أبو هريرة أيضاً أن رسول الله ﷺ قال: "من أقال مسلماً أقال الله عثرته" ٢.
الدليل الثالث: عن أبي شريح ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أقال أخاه بيعاً أقال الله عثرته يوم القيامة" ٣.
والدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة لأن فيها حثاً من الرسول ﷺ على قبول الإقالة من طالبها، وأن فاعل ذلك يلقى الثواب والأجر العظيم، وذلك بأن يقيل الله عثرته يوم القيامة.
الدليل الرابع: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ :
стр. 17
"أقيلوا ذوي الهيئات ١ عثراتهم إلا في الحدود" ٢.
وجه الدلالة من الحديث:
ويمكن توجيه الاستدلال بهذا الحديث بأن يقال: إن الحديث ورد بلفظ "أقيلوا" والإقالة في المبايعة هي فسخ البيع فالحديث بعمومه يشملها، والمراد موافقة ذي الهيئة على ترك المؤاخذة له أو تخفيفها.
الدليل الخامس:
أخرجه مالك عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن ٣ عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن ٤ أنه سمعها تقول: ابتاع رجل ثمر حائط في زمان رسول الله ﷺ
стр. 18
فعالجه وقام فيه حتى تبين له النقصان فسأل رب الحائط أن يضع له أو أن يقيله، فحلف أن لا يفعل، فذهبت أم المشتري إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال رسول الله ﷺ تألّى١ أن لا يفعل خيراً، فسمع بذلك رب الحائط فأتى رسول الله ﷺ فقال يارسول الله هو له ٢.
وجه الدلالة:
يمكن توجيه الدلالة بأن يقال إن النبي ﷺ وصف الإقالة بأنها من أفعال الخير، وفعل الخير يستحب للإنسان أن يبادر إليه وذلك دليل على مشروعية الإقالة.
وأما الإجماع:
فقد أجمع العلماء على مشروعية الإقالة ٣.
стр. 19
وأما المعقول:
١ فإن الناس يحتاجون للإقالة كحاجتهم إلى البيع فتشرع، وذلك أن العاقد قد يندم على ما أقدم عليه، ولا يجد أمامه طريقاً للتخلص من العقد إلا بالإقالة.
٢ أنها ترفع العقد فصارت كالطلاق مع النكاح ١.
стр. 20
المطلب الثالث: الحكمة من مشروعيتها
...
المطلب الثالث: حكمة تشريع الإقالة
التعاون من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام الاجتماعي في الشريعة الإسلامية، فالأفراد يجب عليهم أن يتعاونوا في جلب المصالح، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ٢.
وقد حث الرسول ﷺ على السماحة في التعامل؛ فقد ثبت من حديث جابرأنه قال: "رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى وإذا اقتضى" ٣، ومن مقتضيات السماحة أن يتوافر عنصر الرضا عند انعقاد العقد، وإذا ثبت العقد ثم ندم المتعاقدان أو أحدهما إما لظهور غبن أو لانعدام الثمن أو زوال الرجاحة أو غير ذلك، فإن ذلك الندم وعدم الرضا لا يبيحان فسخ العقد لأنه وقع صحيحاً لازماً، ولا سبيل لإزالة ذلك الندم وعدم الرضا إلا بالإقالة فشرعت تنفيساَ لمن وقع في أمر لا يستطيع الخلاص منه، ألا وهو العقد الصحيح اللازم.
стр. 21
ولا ريب أن من السماحة التي حثت عليها الشريعة الإسلامية إقالة النادم، لما فيها من الثواب العظيم، ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "من أقال نادماً أقال الله عثرته" ١وَرَوى أيضا أن النبي ﷺ قال: "من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر في الدنيا يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" ٢.
ويقضي مبدأ التعاون والتواد ّ بين أفراد المجتمع أن يحس المسلم بأخيه المسلم ويتألم لألمه، لما رواه النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ٣.
ومن قبيل ذلك الإحساس أن يقيل المسلم أخاه إذا ندم على العقد وطلب أن يفسخه، ليحصل على الثواب العظيم والأجر منه .
стр. 22
المبحث الثالث: صيغة الإقالة
المطلب الأول: الإقالة بلفظها
إذا قال البائع: أقلتك، أو أنت مُقَالٌ، أو لك القيلة، أو قايلتك، أو أقالك الله ١، ونحو ذلك من الألفاظ، فإن عامة العلماء يرون صحتها٢ وإن اختلفوا في تكييفها لصراحة لفظ الإقالة في التحلل من العقد وتركه.
وذكر ابن رجب٣ أن القاضي٤ في خلافه ذكر أنها لا تنعقد بلفظ الإقالة إن قلنا هي بيع لأن ما يصلح للحل لا يصلح للعقد٥.
стр. 23
وما ذكره القاضي مبني على الخلاف في تكييف الإقالة (هل هي فسخ أو بيع) وهو ما سوف نتكلم عليه في المبحث الرابع من هذا البحث.
стр. 24
المطلب الثاني: الإقالة بغير لفظها
المسألة الأولي: الإقالة بلفظ الفسخ أو الترك أو للتراد
...
المطلب الثاني: الإقالة بغير لفظها
المسألة الأولى: الإقالة بلفظ الفسخ أو الترك أو التراد:
إذا كانت الإقالة بلفظ: فاسختك وتاركت، أو رددت عليك ونحو ذلك من الألفاظ الصريحة المفيدة للفسخ فإنه لا خلاف بين الفقهاء في صحتها١، وقد ألحق الفقهاء بذلك كل ما يدل على هذا المعنى وذلك كما لو طلب البائع الإقالة وقال المشتري قبلت أو هات الثمن، لأن ذلك يدل على الرضا والقبول فتصح به ٢.
والقائلون بأن الإقالة بيع وإن وافقوا على صحتها إلا أنهم لا يعتبرونها بيعاً إذا جاءت بلفظ الفسخ أو الترك أو التراد، لعدم دلالته على البيع، قال ابن عابدين "لو كانت بلفظ مفاسخة أو متاركة أو تراد لم يجعل بيعاً اتفاقاً"٣.
стр. 25
المسألة الثانية: الإقالة بلفظ البيع:
ذهب بعض علماء الحنابلة إلى القول بأن الإقالة تصح بلفظ البيع ٤، وذهب
стр. 26
الحنفية وبعض الحنابلة إلى أنها إذا جاءت بلفظ البيع تكون بيعاً لا فسخاً١.
حجة من قال إنها تصح بلفظ البيع: أن المقصود هو المعنى فكل ما يتوصل به إليه أجزأ٢.
وحجة من قال إنها تكون بيعاً: أن ما يصلح للعقد لا يصلح للحل٣.
والذي يظهر لي أن ما ذهب إليه بعض علماء الحنابلة من صحتها بلفظ البيع محل نظر إلا عند من يرى أنها بيع والصحيح والمشهور عندهم أنها فسخ٤ ولفظ البيع لا يدل على الفسخ بل هو مغاير له ذلك أن البيع يدل على الربط والعقد بخلاف الفسخ فإنه يدل على الحل، وما يصلح للعقد لا يصلح للحل، ولذا فإني أرى أن قول من يرى عدم صحتها بلفظ البيع أولى لعدم دلالة لفظ البيع على الحل، وقولهم إن المقصود هو المعنى مسلّم ولكن معنى البيع لا يفيد الفسخ والحل، بل هو عقد مستقل بذاته كما لا يخفى.
стр. 27
المسألة الثالثة: الإقالة بلفظ الصلح:
الصلح عقد رضائي بمعنى أنه يتكون بمجرد أن يتبادل طرفاه التعبير عن إرادتين متقابلتين.
ولفظ الصلح في اللغة يراد به إنهاء الخصومة وإزالتها يقال أصلح الشيء
стр. 28
أزال فساده، وبينهما أو ذات بينهما أزال ما بينهما من عداوة وشقاق، وصلح المريض إذا زال عنه المرض، وصلح فلان في سيرته إذا أقلع عن الفساد ١.
وإذا حصلت المبايعة بين شخصين ثم قال المشتري مثلاً صالحتك على أن تعيد لي الثمن وأعيد لك العين فهل تحصل الإقالة بلفظ الصلح؟ على القول بأن الإقالة بيع فإن الإقالة لا تصح بلفظ الصلح ولا تنعقد به، وهذا ما صرح به القاضي من الحنابلة، وقال إن ما يصلح للحل لا يصلح للعقد، وما يصلح للعقد لا يصلح للحل ٢، والصلح من الألفاظ التي تفيد معنى الحل والإزالة، ولذلك لا ينعقد به البيع.
وإذا قلنا بأن الإقالة فسخ، فإن لفظ الصلح تصح به الإقالة، وهذا ما ذهب إليه بعض الحنابلة ٣، وذلك لأن المقصود هو المعنى فكل ما يتوصل به إليه أجزأ ٤.
وهذه المسألة مبنية على أن الإقالة فسخ أو بيع، وثمرة من ثمرات الاختلاف فيها.
стр. 29
المسألة الرابعة: الإقالة بلفظ المعطاة
...
المسألة الرابعة: الإقالة عن طريق المعاطاة:
المعاطاة: هي المبادلة الفعلية الدالة على التراضي دون التلفظ بإيجاب أو
стр. 30
قبول ١، وإذا حصلت المبايعة بين شخصين ولزم العقد ثم قام المشتري مثلاً بإرجاع العين إلى البائع وأعطاه البائع الثمن فهل تحصل الإقالة بذلك؟
إن قلنا بأن الإقالة فسخ فالذي يظهر هو صحتها بالمعاطاة وذلك لأن المقصود المعنى فكل ما يتوصل به إليه أجزأ ٢.
وإن قلنا بأن الإقالة بيع فالكلام فيها مبني على حكم انعقاد العقد بالمعاطاة، والعلماء متفقون على أن الزواج لا ينعقد بها ٣، وأُلحق بالزواج الطلاق والخلع والرجعة فلا تجوز إلا بالقول، وكذا الوصية ٤، وأما بقية العقود فقد اختلف الفقهاء فيها إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن التعاقد والتقايل بالمعاطاة جائز فيما تعارف الناس التعاقد بها عليه، سواء كان المعقود عليه، أو المقال فيه نفيسا، أو خسيسا وهو قول الحنفية ٥، والمالكية ٦، والصحيح من مذهب الحنابلة ٧.
стр. 31
القول الثاني: أن التعاقد والتقايل بالمعاطاة صحيح إذا كان المعقود عليه أو المقال فيه من الأشياء اليسيرة وهو قول الكرخي ١ من الحنفية ٢ وابن سريج ٣ من الشافعية ٤، وحكي عن القاضي من الحنابلة ٥.
القول الثالث:
أن التعاقد بالمعاطاة غير صحيح، وكذا الإقالة، وممن ذهب إلى ذلك الشافعية في القول المشهور عندهم ٦، وابن حزم ٧ من الظاهرية ٨.
الأدلة:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ٩.
стр. 32
ويمكن توجيه الدلالة بأن يقال إن الله أحل البيع، والمعاطاة بيع لتحقق معنى البيع فيها وهو مبادلة المال بالتراضي، وإذا جازت المعاطاة في البيع جازت في الإقالة لأن الإقالة بيع.
المناقشة:
يمكن أن يناقش ذلك بأن يقال لا نسلم بأن الإقالة بيع، وإنما هي حل للبيع فافترقا.
الدليل الثاني: من المعقول وهو أن الإيجاب والقبول إنما يرادان للدلالة على التراضي فإذا وجد ما يدل عليه أجزأ عنهما، والمعاطاة كذلك إذا دلت على الإقالة حصل بها المقصود ١.
دليل القول الثاني:
استدل القائلون بجواز التعاقد والتقايل بالأشياء اليسيرة دون غيرها بأن الأشياء اليسيرة يتسامح فيها عادة وعرفا فاغتفر فيها ذلك بخلاف الأشياء النفيسة ٢.
ويمكن أن يناقش ذلك بأن يقال إن التعاقد والتقايل بالأشياء اليسيرة لا يخرجه عن كونه بيعاً فيجرى فيه ما يجرى في البيع.
دليل القول الثالث:
استدل القائلون بعدم جواز التعاقد والتقايل بالمعاطاة بالمعقول، فقالوا: ان العقد منوط بالرضا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا
стр. 33
أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ الآية١.
وبما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إنما البيع عن تراض" ٢، والرضا أمر خفي لا يطلع عليه، فأنيط الحكم بسبب ظاهر وهو الصيغة ٣.
مناقشة هذا الدليل:
ويمكن أن يناقش هذا الدليل بأن يقال نسلم أن العقد منوط بالرضا والرضا كما يحصل بالقول يحصل بغيره مما يشعر به، ومن ذلك المعاطاة، فقد تعارف الناس التعاقدوالتقايل بها في بعض من المعاملات، قال ابن قدامة ٤ "لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه مع كثرة وقوع البيع بينهم استعمال الإيجاب والقبول، ولو استعملوا ذلك في بياعاتهم لنقل إلينا نقلاً شائعاً، ولو كان ذلك شرطاً لوجب نقله، ولم يتصور منهم إهماله والغفلة عن نقله" ٥.
الترجيح:
والذي يظهر لي أن القول بجواز الإقالة بالمعاطاة فيما تعارف الناس التعاقد
стр. 34
بها عليه هو الأولى، لأن المقصود هو حصول التراضي من الجانبين، وهو يحصل بالمعاطاة، كما أن القصد المعنى فيكتفي بما أداه كالبيع.
стр. 35
المسألة الخامسة: الإقالة بالكتابة.
إذا كتب أحد المتبايعين للآخر بعد لزوم البيع يطلب منه أن يقيله فكتب إليه الآخر بالموافقة، فهل تحصل الإقالة بالكتابة؟
تحرير محل النزاع:
اتفق الفقهاء على صحة الإقالة بالكتابة إذا كانت من غير قادر على النطق١، كما اتفق الفقهاء على أن الكتابة لكي تكون معتبرة يشترط لها أن تكون مستبينة بأن تبقى صورتها بعد الانتهاء منها، وذلك بأن تكون على ما تثبت عليه، مثل: القرطاس واللوح ونحوهما، وأن يقرأ كل من المتقايلين ما كتبه الآخر ويفهمه ويرضاه ٢.
وأما إذا كانت الكتابة بالإقالة من القادر على النطق، ففي صحة الإقالة بها خلاف بين الفقهاء كاختلافهم في صحة البيع بالكتابة من القادر على النطق.
أقوال العلماء في المسألة:
القول الأول: أن التعاقد والتقايل بالكتابة من القادر على النطق جائز
стр. 36
وهو قول جمهور العلماء من الحنفية ١ والمالكية ٢ والحنابلة ٣ وبه قال بعض الشافعية إلا أنهم اشترطوا وجود النية لأن الكتابة كناية ٤.
القول الثاني: أن التعاقد والتقايل بالكتابة غير جائز وبه قال بعض الشافعية ٥ قال الشيرازي ٦ وهو الصحيح ٧.
الأدلة:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أن التعاقد والتقايل ينعقد بكل ما يدل على الرضا والكتابة تدل على الرضا من الجانبين فيصح بها ٨.
الدليل الثاني: ان الضرورة تقتضي جواز التعاقد والتقايل بالكتابة، لأن أحد المتبايعين قد يكون غائباً ٩.
стр. 37
المناقشة:
ونوقش بأن القول بأنه موضع ضرورة لا يصح، لأن القادر على النطق يمكنه أن يوكل من يبيعه بالقول ١.
ويمكن أن يجاب عن ذلك فيقال إن الإنسان قد لا يجد من يوكله، وربما يجده ولكنه غير أهل للوكالة، وذهابه بنفسه أو تكليفه بالبحث عمن يوكله فيه مشقة وحرج.
دليل القول الثاني:
استدل القائلون بعدم صحة التعاقد والتقايل بالكتابة بالمعقول، فقالوا: إنه قادر على النطق فلا ينعقد بغيره ٢.
ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: إن المناط في التعاقد والتقايل هو حصول الرضا من الجانبين، وهو كما يحصل بالقول يحصل بالكتابة.
الترجيح:
والذي يظهر والله أعلم رجحانه هو القول الأول؛ لقوة أدلته، ولأن الكتابة وسيلة من الوسائل المعتادة التي يفصح الناس بها عن إرادتهم ورغبتهم في التقايل، أو التعاقد، حتى أصبحت الكتابة لها أثر كبير بين الناس القادرين على النطق في كثير من المعاملات. والله أعلم.
стр. 38
المسألة السادسة: الإقالة بالإشارة .
المراد بالاشارة في هذه المسألة هي الإشارة المفهومة لكلا الطرفين، فأما الإشارة غير المفهومة لكلا الطرفين أو أحدهما فإنها لا تعتبر.
стр. 39
تحرير محل النزاع:
اتفق الفقهاء على صحة الإقالة بالإشارة المفهومة إذا كانت صادرة ممن لا يستطيع الكلام ولا يحسن الكتابة ١؛ لأنها وسيلة إلى الإفهام والإفصاح عما في نفسه.
وأما إذا كانت الإشارة المفهومة صادرة من القادر على الكلام، أو القادر على الكتابة، فقد اختلف الفقهاء في اعتبارها على قولين:
القول الأول:
أنه لا يحصل التعاقد والتقايل بالإشارة، وهو قول الحنفية٢ والشافعية٣ والمتقدمين من الحنابلة ٤.
القول الثاني: أن التعاقد والتقايل يحصل بالإشارة، وهو قول المالكية ٥ والمتأخرين من الحنابلة ٦.
الأدلة:
استدل القائلون بأنه لا يحصل التعاقد والتقايل بالإشارة بأن الذي يستطيع
стр. 40
الكلام والكتابة يستطيع التعبير عن إرادته بأحدهما، والإشارة لا تساويهما في الإبانة، ولذا لا تعتبر مع وجود ما هو أقوى منها.
واستدل القائلون باعتبار الإشارة في الإقالة لمن يستطيع الكلام أو الكتابة بما يلي:
١ أن الإشارة تسمى كلاما في اللغة كما جاء في القرآن الكريم بقوله : ﴿آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاّ رَمْزاً﴾ ١ والرمز هنا الإشارة٢.
٢ أن المناط هو الإفهام، والإشارة يتحقق بها ذلك فتعتبر صيغة لسائر العقود ٣.
الرأي المختار:
والذي يظهر لي بعد عرض الأدلة أن أدلة القول الثاني قوية، وما عللوا به له اعتباره، ولكنني أميل إلى القول الأول، وهو أن الإشارة لا تعتبر صيغة للإقالة إذا استطاع المتعاقد النطق أو الكتابة، لأن الكلام والكتابة أدل وأبعد عن الاحتمال، فلا يعدل عنهما إلى إشارة لا يفهمها كثير من الناس، ولا تخلو من احتمال، ولأن الإشارة مهما كانت معتادة ففيها احتمال بأن ما يريده صاحبها قد يكون غير ما يفهمه من يراها، ولأنه لا ضرورة للإشارة لأنه يستطيع التعبير بما هو أولى منها. والله أعلم.