← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 12148

حقيقة الإقالة دراسة نظرية تطبيقية

عبد الله بن عبد الواحد الخميس

Полный текст (104 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وهو قول جمهور العلماء من الحنفية ١ والمالكية ٢ والحنابلة ٣ وبه قال بعض الشافعية إلا أنهم اشترطوا وجود النية لأن الكتابة كناية ٤. القول الثاني: أن التعاقد والتقايل بالكتابة غير جائز وبه قال بعض الشافعية ٥ قال الشيرازي ٦ وهو الصحيح ٧. الأدلة: أدلة القول الأول: الدليل الأول: أن التعاقد والتقايل ينعقد بكل ما يدل على الرضا والكتابة تدل على الرضا من الجانبين فيصح بها ٨. الدليل الثاني: ان الضرورة تقتضي جواز التعاقد والتقايل بالكتابة، لأن أحد المتبايعين قد يكون غائباً ٩.

стр. 37

المناقشة: ونوقش بأن القول بأنه موضع ضرورة لا يصح، لأن القادر على النطق يمكنه أن يوكل من يبيعه بالقول ١. ويمكن أن يجاب عن ذلك فيقال إن الإنسان قد لا يجد من يوكله، وربما يجده ولكنه غير أهل للوكالة، وذهابه بنفسه أو تكليفه بالبحث عمن يوكله فيه مشقة وحرج. دليل القول الثاني: استدل القائلون بعدم صحة التعاقد والتقايل بالكتابة بالمعقول، فقالوا: إنه قادر على النطق فلا ينعقد بغيره ٢. ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: إن المناط في التعاقد والتقايل هو حصول الرضا من الجانبين، وهو كما يحصل بالقول يحصل بالكتابة. الترجيح: والذي يظهر والله أعلم رجحانه هو القول الأول؛ لقوة أدلته، ولأن الكتابة وسيلة من الوسائل المعتادة التي يفصح الناس بها عن إرادتهم ورغبتهم في التقايل، أو التعاقد، حتى أصبحت الكتابة لها أثر كبير بين الناس القادرين على النطق في كثير من المعاملات. والله أعلم.

стр. 38

المسألة السادسة: الإقالة بالإشارة . المراد بالاشارة في هذه المسألة هي الإشارة المفهومة لكلا الطرفين، فأما الإشارة غير المفهومة لكلا الطرفين أو أحدهما فإنها لا تعتبر.

стр. 39

تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على صحة الإقالة بالإشارة المفهومة إذا كانت صادرة ممن لا يستطيع الكلام ولا يحسن الكتابة ١؛ لأنها وسيلة إلى الإفهام والإفصاح عما في نفسه. وأما إذا كانت الإشارة المفهومة صادرة من القادر على الكلام، أو القادر على الكتابة، فقد اختلف الفقهاء في اعتبارها على قولين: القول الأول: أنه لا يحصل التعاقد والتقايل بالإشارة، وهو قول الحنفية٢ والشافعية٣ والمتقدمين من الحنابلة ٤. القول الثاني: أن التعاقد والتقايل يحصل بالإشارة، وهو قول المالكية ٥ والمتأخرين من الحنابلة ٦. الأدلة: استدل القائلون بأنه لا يحصل التعاقد والتقايل بالإشارة بأن الذي يستطيع

стр. 40

الكلام والكتابة يستطيع التعبير عن إرادته بأحدهما، والإشارة لا تساويهما في الإبانة، ولذا لا تعتبر مع وجود ما هو أقوى منها. واستدل القائلون باعتبار الإشارة في الإقالة لمن يستطيع الكلام أو الكتابة بما يلي: ١ أن الإشارة تسمى كلاما في اللغة كما جاء في القرآن الكريم بقوله : ﴿آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاّ رَمْزاً﴾ ١ والرمز هنا الإشارة٢. ٢ أن المناط هو الإفهام، والإشارة يتحقق بها ذلك فتعتبر صيغة لسائر العقود ٣. الرأي المختار: والذي يظهر لي بعد عرض الأدلة أن أدلة القول الثاني قوية، وما عللوا به له اعتباره، ولكنني أميل إلى القول الأول، وهو أن الإشارة لا تعتبر صيغة للإقالة إذا استطاع المتعاقد النطق أو الكتابة، لأن الكلام والكتابة أدل وأبعد عن الاحتمال، فلا يعدل عنهما إلى إشارة لا يفهمها كثير من الناس، ولا تخلو من احتمال، ولأن الإشارة مهما كانت معتادة ففيها احتمال بأن ما يريده صاحبها قد يكون غير ما يفهمه من يراها، ولأنه لا ضرورة للإشارة لأنه يستطيع التعبير بما هو أولى منها. والله أعلم.

стр. 41

المبحث الرابع: التكييف الفقهي للإقالة اتفق الفقهاء على أن الإقالة إذا كانت بلفظ الفسخ أو الرد أو الترك أو الرفع أو ما يفيد هذا المعنى كأن يقول خذ حقك وأعطني حقي ويقبل الآخر أنها تكون فسخاً للعقد السابق ١. وأما إذا كانت بلفظ الإقالة أو بما اشْتُقَّ منه كأن يقول أحد العاقدين للآخر أقلتك، أو قايلتك، أو تقايلنا، أو لك القَيلَة، أو أقالك الله، ففي تكييفها خلاف بين الفقهاء يمكن أن نجمله في ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها فسخ مطلقاً. وهو المذهب عند الشافعية ٢، ورواية عند الإمام أحمد ﵀ وهي المذهب٣،

стр. 42

وهو قول زفر١ من الحنفية٢، وهو قول داود الظاهري٣٤. القول الثاني: أنها بيع (٥) مطلقا. وهو قول عند الشافعية ٦ ورواية عند الحنابلة ٧ ورواية عن

стр. 43

أبي يوسف١من الحنفية٢ وبه قال ابن حزم٣ وهو مذهب المالكية ٤ إلا أن مالكا استثنى المرابحة والطعام قبل القبض فقال هي فيهما فسخ٥ أما ما عدا ذلك فإن كانت بثمن الثمن الأول فهي إقالة، وإن كانت بغيره فبيع ٦. القول الثالث: التفصيل وقد اختلف القائلون به على ثلاثة أقوال هي: أأنها فسخ في حق المتعاقدين بيع جديد في حق الثالث، وهو مذهب أبي حنيفة ٧

стр. 44

ب أنها بيع إلا أن لا يمكن أن تجعل بيعاً فتكون فسخاً ١، فإن تعذر جعلها فسخاً بطلت، وهذا القول رواية عن أبي يوسف وأبي حنيفة ٢. ج أن الإقالة فسخ إلا إذا تعذر أن تجعل فسخاً فحينئذ تجعل بيعاً جديداً للضرورة ٣، وهذا قول محمد بن الحسن ٤من الحنفية. ٥ الأدلة: أدلة القول الأول: استدل القائلون بأن الإقالة فسخ مطلقا بما يلي: الدليل الأول: ما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من أقال نادماً بيعه أقال الله عثرته" ٦.

стр. 45

وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ سماها إقالة ولم يسمها بيعاً، والأصل في الاصطلاحات الشرعية تسمية رسول الله ﷺ . المناقشة: نوقش الاستدلال بهذا الحديث بأنه إنما ورد في الحث على الإقالة، وليس فيه ما يدل على أن الإقالة فسخ للعقد السابق، ولاأنها بيع جديد، فالاستدلال بها عليه خارج عن موضع النزاع ١. الجواب عن هذه المناقشة: يمكن أن يجاب عن هذه المناقشة بأن يقال إن النبي ﷺ لم يبين أن الإقالة فسخ، لأن ذلك معلوم من لغة العرب، لأنها بمعنى الرفع والإزالة والإسقاط وهذا المعنى يتحقق في الفسخ لا في البيع، ومما يؤيد ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن يكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله" ٢. والمعنى لا يحل له أن يفارقه بعد البيع خشية أن يختار فسخ البيع فالمراد بالاستقالة أن يفسخ النادم البيع. الدليل الثاني: أن الإجماع قد صح على جواز الإقالة في المسلم فيه مع الإجماع على أنه

стр. 46

لا يجوز بيع الطعام قبل قبضه فدل على أن الإقالة ليست بيعاً ١. المناقشة: ناقش ابن حزم المستدلين بهذا الدليل بأنه لا يسلم وجود إجماع في مسألة الإقالة في السلم بل إنه ليس هناك إجماع على جواز السلم فكيف على الإقالة فيه؟ فقال:» أما دعواهم الإجماع على جواز الإقالة في السلم قبل القبض فباطل وما وقع الإجماع قط على جواز السلم، فكيف على الإقالة فيه؟ وقد روينا عن عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، والحسن ٢، وجابر بن زيد، وشريح، والشعبي، والنخعي، وابن المسيب، وعبد الله بن معقل، وطاووس، ومحمد بن علي بن الحسن ٣، وأبي سلمة ابن عبد الرحمن ٤، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وسالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وعمرو

стр. 47

ابن الحارث١ أخي أم المؤمنين جويرية: أنهم منعوا من أخذ بعض السلم والإقالة في بعضه فأين الإجماع؟ " ٢. الرد على هذه المناقشة: ويمكن أن يرد على ابن حزم بإنكاره الإجماع فيقال إن ما ذكره عن هؤلاء على فرض صحته لا حجة لابن حزم فيه، لأنه لا يدل إلا على منع هؤلاء من أخذ بعض السلم لا على منعهم من السلم نفسه، ولذا قال ابن المنذر "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز، ولأن المثمن في البيع أحد عوضي العقد فجاز أن يثبت في الذمة كالثمن، ولأن بالناس حاجة إليه لأن أرباب الزروع والثمار والتجارات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم، وعليها لِتكْمُل، وقد تُعْوِزُهم النفقة فجوّز لهم السلم ليرتفقوا ويرتفق المسلم بالاسترخاص" ٣. الدليل الثالث: أن الإقالة في اللغة موضوعة لرفع الشيء يقال أقال الله عثرتك يعني رفعها وإذا كان كذلك وجب أن يكون رفعاً للعقد وفسخاً له ٤.

стр. 48

الدليل الرابع: أن المبيع عاد إلى البائع بلفظ لا ينعقد به البيع فكان فسخاً كالرد بالعيب ثم إن الإقالة تتقدر بالثمن الأول ولو كانت بيعاً لم تتقدر به ١. الدليل الخامس: أن البيع والإقالة اختلفا اسما فيختلفان حكماً هذا هو الأصل فإذا كانت رفعاً لا تكون بيعاً لأن البيع إثبات والرفع نفي وبينهما تناف فكانت الإقالة على هذا التقدير فسخاً محضاً، فتظهر في حق الناس كافة ٢. أدلة القول الثاني: استدل القائلون بأن الإقالة بيع بما يلي: الدليل الأول: قالوا إن المبيع قد عاد إلى البائع على الصفة التي خرج عليه منها فلما كان الأول بيعاً كان الثاني كذلك ٣. المناقشة: يمكن أن يناقش هذا الدليل بأن يقال إن هذا قياس مع الفارق لأنه في الأول وقع بلفظ يصح به البيع ابتداء أما الثاني فقد وقع بلفظ لا يصح به البيع ابتداء. الدليل الثاني: أن حقيقة البيع مبادلة المال بالمال بالتراضي وهذا موجود في الإقالة فتكون بيعاً ٤.

стр. 49

المناقشة: يمكن أن يناقش هذا الدليل بأن يقال لا نسلم أن الإقالة مبادلة مال بمال وإنما هي رجوع عن المبادلة. الدليل الثالث: أن الفسوخ في العقود ما كان عن غلبة دون ما وقع عن اختيار وتراض والإقالة لا تتم إلا بالتراضي فلا تكون فسخاً ١. المناقشة: ويمكن أن يناقش ذلك بأن يقال إن هذا استدلال في محل النزاع، ومخالفوكم لا يسلمون بأن ما وقع عن تراض واختيار لا يكون فسخاً. أدلة أصحاب القول الثالث القائلين بالتفصيل: ١ استدل أبو حنيفة لقوله بأن الإقالة فسخ بين المتعاقدين بيع جديد في حق الثالث بمثل ما استدل به القائلون بأن الإقالة فسخ أما كونها بيعاً في حق الثالث فلأن معنى البيع مبادلة المال بالمال وهو أخذ بدل وإعطاء بدل وقد وجد فكانت الإقالة بيعاً لوجود معنى البيع فيها، والعبرة للمعنى لا للصورة إلا أنه لا يمكن إظهار معنى البيع في الفسخ في حق العاقدين للتنافي فأظهرناه في حق الثالث فجعل فسخاً في حقهما بيعاً في حق الثالث وهذا ليس بممتنع إنه لا يمتنع أن يجعل الفعل الواحد من شخص واحد طاعة من وجه ومعصية من وجه فمن شخصين أولى ٢. المناقشة: ويمكن أن يناقش ما علل به أبو حنيفة من كون الإقالة بيعاً في حق الثالث

стр. 50

لأنها في الأصل بيع لكن سميت إقالة في حق المتعاقدين لعدم إمكانية إظهار معنى البيع في الفسخ في حق العاقدين للتنافي بما يلي: أأن ما كان فسخاً في حق المتعاقدين كان فسخاً في حق غيرهما كالرد بالعيب والفسخ بالخيار. ب أن حقيقة الفسخ لا تختلف بالنسبة إلى شخص دون شخص لأن الأصل اعتبار الحقائق ١. ٢ واستدل أبو يوسف لقوله بأن الإقالة بيع بما استدل به أصحاب القول الثاني وقد سبقت مناقشته. ٣ واستدل محمد لقوله بأن الإقالة فسخ بمثل ما استدل به أصحاب القول الأول القائلون بأن الإقالة فسخ، وأما قوله إذا لم يمكن أن تجعل فسخاً فتجعل بيعاً ضرورة، فيجاب عنه: بأن حكم الفسخ لا يختلف من حالة إلى أخرى، والفسخ يقع في كل حال، فلا يختلف بين ما قبل القبض وبعده، وبين المنقول وغير المنقول. الرأي المختار: بعد عرض الأدلة ومناقشة ما أمكن مناقشته يظهر لي أن القول بأن الإقالة فسخ مطلقاً هو القول الراجح لعدد من الاعتبارات وهي: ١ قوة أدلة هذا القول، وصراحتها في الدلالة على المراد. ٢ الإجابة عن الأدلة المخالفة للقول بأنها فسخ. ٣ أن الأصل في معنى التصرف شرعاً ما ينبئ عنه اللفظ لغة، والإقالة في اللغة تعني الرفع والإزالة، ولا يستفاد هذا المعنى في البيع.

стр. 51

المبحث الخامس: أركان وشروط صحة الإقالة تمهيد: قبل الكلام على أركان وشروط الإقالة أريد أن أذكر تعريف الركن والشرط لغة واصطلاحاً فأقول: أ- الركن في اللغة: هو جانب الشيء الأقوى، والجمع أركان يقال فلان ركين؛ أي: وقور ثابت، وجبل ركين؛ أي: له أركان عالية ١. ب- وفي الاصطلاح: عبارة عن جزء الماهية، والمراد بالماهية حقيقة الشيء ٢، أو بعبارة أخرى: هو ما يدخل في الشيء ولا يقوم إلا به ٣. وأما الشرط: أ- في اللغة: فهو العلامة، قال ابن فارس ٤: الشين والراء والطاء أصل يدل على علم وعلامة وما قارب ذلك من علم من ذلك الشرط (بفتحتين) :

стр. 52

العلامة، وأشرط الساعة علاماتها ١. ب والشرط في الاصطلاح: هو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته ٢. فعلم بهذا أن الشرط إذا انعدم انعدم المشروط وعند وجوده لا يلزم وجود المشروط. وقد سبق أن ذكرت أن الفقهاء اختلفوا في حقيقة الإقالة، فمنهم من ذهب إلى أنها بيع، ومنهم من ذهب إلى أنها فسخ، والذين قالوا إنها بيع اعتبروا أن أركانها هي أركان البيع ٣ واشترطوا لها شروط صحة البيع ٤، وقد سبق

стр. 53

أن رجحت أنها فسخ، ولذا فإنني لن أتكلم على أركان وشروط صحة الإقالة على القول بأنها بيع، وسيكون الكلام على أركان وشروط صحة الإقالة على القول بأنها فسخ، وذلك في مطلبين:

стр. 54

المطلب الأول: أركان الإقالة أركان الإقالة على القول بأنها فسخ فهي: الأول: المقيل وهو الذي تطلب منه الإقالة. الثاني: المستقيل وهو الذي يطلب الإقالة. الثالث: الصيغة وهي العبارة الدالة على الرضا منهما. الرابع: المقال فيه، وهذا الركن مختلف فيه، فمن العلماء يعتبره ركناً، ولذا ذهبوا إلى أن الإقالة لا تصح مع تلف المعقود عليه ١، والأكثرون لا يعتبرونه ركناً، ويعللون لذلك بأن من خواص الفسخ أنه يرد على المعدوم، كما يرد على الموجود بخلاف العقد، فإنه لا يرد إلا على موجود بالفعل أو القوة٢ ولذا ذهبوا إلى صحتها وإن كان المقال فيه تالفاً، وذكروا أن البدل يقوم مقام المبدل للضرورة، والبدل هو المثل أو القيمة تقوم مقامه في الرد ٣.

стр. 55

المطلب الثاني: شروط صحة الإقالة يشترط لصحة الإقالة على القول بأنها فسخ ما يلي: ١ أهلية المتقايلين: والمراد بالأهلية هنا أهلية الأداء، وهي صلاحية الشخص لصدور التصرفات المعتبرة منه في نظر الشارع١، فإذا كان أحد المتقايلين لا تعتبر تصرفاته لا تصح الإقالة، ومثال ذلك أن يشتري سيارة من آخر ثم يجن أحدهما، أو يصاب بالعته ثم يطلب الإقالة، فإن طلبه يعتبر لغواً، لأنه ليس بأهل للإقالة. ٢ رضا المتقايلين: وذلك لأن العقد في الأصل تم بين العاقدين بالتراضي، فكذا رفعه يكون بالتراضي، فلو أكره المتقايلان، أو أحدهما، فإنها لا تصح، جاء في البحر الرائق "وأما شرائط صحتها، فمنها رضا المتعاقدين لأن الكلام في رفع عقد لازم، وأما رفع ما ليس بلازم فلمن له الخيار رفعه ٢ بعلم صاحبه لا برضاه" ٣. ٣ اتحاد المجلس: وهذا الشرط مختلف فيه بين الفقهاء القائلين بأن الإقالة فسخ، فبعضهم يرى اشتراطه ٤، ولذا ذكروا ما يفيد أن الإقالة لا تصح مع غيبة أحد العاقدين، فحضورهما شرط ليتحقق العلم بها، جاء في تقرير القواعد لابن رجب "وفي كلام القاضي ... ما يفيد أن الإقالة لا تصح مع غيبة الآخر على الروايتين لأنها في حكم العقود" ٥. وجاء في التعليق الكبير "الإقالة لما افتقرت إلى رضا المقيل افتقرت إلى حضوره. ولو قال أحدهما أقلني ثم غاب فقال الآخر بعد غيبته أقلتك فإنه لا يجوز" ٦.

стр. 56

وقال النووي١ بعد أن ذكر أن الإقالة فسخ للعقد على القول الصحيح "قال أصحابنا ولا تصح إلا بحضور المتعاقدين، هذا هو المذهب وبه قطع الجماهير" ٢. وذكر ابن رجب أنها تصح ولو لم يحضر العاقدان في مجلس واحد، جاء في تقرير القواعد: "ولو تقايلا مع غيبة أحدهما بأن طلبت منه الإقالة فدخل الدار وقال على الفور أقلتك، فإن قلنا هي فسخ صح، وإن قلنا هي بيع لم يصح"٣. والذي يظهر لي أن القول بعدم اشتراط اتحاد مجلس الإقالة أولى للاعتبارات الآتية: أ- أن الفسخ رفع عقد كالطلاق فلا يتوقف على الحضور. ب- أن الفسوخ يغتفر فيها مالا يغتفر في غيرها، فلا يشترط اتحاد المجلس. ج- أن الشارع لم يعتبر جواز الفسخ بحضورهما في مجلس واحد، وإنما برضاهما، والرضا يتحقق ولو مع عدم اتحاد المجلس. والله أعلم. ٤- أن تكون بمثل الثمن الأول: وذلك لأن الإقالة فسخ، والفسخ لا يقتضي عوضا زائداً، ومقتضى الإقالة رد الأمر إلى ما كان العاقدان عليه قبلها ولا يتحقق ذلك إلا برجوع كل منهما إلى ما كان له قبلها٤، ولأن فيها

стр. 57

إحسانا وإرفاقا بطالب الإقالة، والزيادة عليه أو النقص من حقه تلحق ضرراً به، والضرر غير جائز، لقوله ﷺ "لا ضرر ولا ضرار" ١. وذهب بعض العلماء إلى عدم اشتراط هذا الشرط، فنقل عن الإمام أحمد جواز التقايل بزيادة على الثمن٢، وذهب محمد بن الحسن إلى جوازها مع النقص في الثمن٣، وسيأتي مزيد من الكلام على هذا الشرط في المسائل التطبيقية ٤. ٥- أن يبقى المحل قابلاً للفسخ بأحد الخيارات، كالشرط والعيب والرؤية، وذكر الكاساني أن هذا شرط على أصل أبي حنيفة وزفر ٥، وذلك "لأنها فسخ عندهما فلابد أن يكون المحل محتملاً للفسخ، فإذا خرج عن هذا الاحتمال خرج عن احتمال الإقالة ضرورة" ٦.

стр. 58

المبحث السادس: محل الإقالة ذكرت عند الكلام على تعريف الإقالة وشروط صحتها أن الإقالة في حقيقتها رفع للعقد بين المتعاقدين، ولابد فيها من رضا العاقدين، ويستفاد من ذلك أنها لا تكون إلا بعد انعقاد العقد؛ إذْ الرفع لا يكون إلا لشيء واقع، وعليه فان الإقالة لا ترد إلا على العقد الصحيح، أما العقد الفاسد فمع أن الحنفية قالوا إنه يفيد الملك بالقبض إلا أنهم قالوا بوجوب حَلّه ١، فيفهم من ذلك أن الإقالة لا ترد عليه، وقد سبقت الإشارة لذلك عند الكلام على الحكم التكليفي للإقالة. ومع أن الإقالة لا ترد إلا على العقد الصحيح إلا أن ذلك ليس على إطلاقه، فإنها لا ترد إلا عقد المعاوضة المالي اللازم فتحله وترفع أثره. والعقود الصحيحة التي ترد عليها الإقالة؛ إما أن تكون لازمة للعاقدين مثل البيع بلا خيار والإجارة، أو لازمة لأحد العاقدين دون الآخر كالبيع بشرط الخيار لأحد العاقدين، فإن الإقالة في هذه الحالة ترد في حق من يكون العقد لازماً في حقه. أما العقود غير اللازمة فإنها لا تعتبر محلاً للإقالة لأنه لا حاجة للإقالة فيها إذ يستطيع كل من العاقدين حل العقد ولو لم يرض الآخر سواء كانت غير لازمة للعاقدين مثل الوكالة أو كانت لازمة لأحدهما كالرهن فإنها لا ترد في حق من كان العقد غير لازم له ٢.

стр. 59

وقد ذكر بعض الفقهاء ١ بعض الأمور التي لا ترد عليها الإقالة ولا ترفع بها وهي: ١ النكاح لا ترد عليه الإقالة، لأن الشارع جعل له رافعاً خاصاً وهو الطلاق، لذا لا يرتفع بالإقالة. ٢ الطلاق لا ترد عليه الإقالة، لأنه لرفع عقد النكاح، والطلاق إذا وقع لا يرفع. ٣ الرجعة لا ترد عليها الإقالة، لأن المطلّق إذا رجع إلى زوجته لا يرتفع رجوعه إلا بالطلاق. ٤ الخلع لا ترد عليه الإقالة، لأنه لرفع عقد النكاح بعوض، والمفسوخ لا يفسخ. ٥ الوقف لا ترد عليه الإقالة، لأنه عقد لازم مؤبد، وإذا وقع لا يرتفع. ٦ العتق لا ترد عليه الإقالة، لأنه إذا وقع لا يجوز الرجوع عنه، فلا تدخله الإقالة. ٧ الإبراء لا ترد عليه الإقالة، لأن الدين بالإبراء سقط، والساقط لا يعود.

стр. 60

القسم الثاني: الدراسة التطبيقية تمهيد: مما سبق يتضح أن خلاف العلماء في حقيقة الإقالة لا يخرج في الجملة عن قولين؛ إما القول بأنها فسخ أو أنها بيع، وقد رجحت أنها فسخ، ولكنني في مجال الدراسة التطبيقية سأبين ما يترتب على القول بأنها فسخ أو بيع، وأغلب التطبيقات الفقهية التي ذكرها الفقهاء في كتاب البيع، وذلك لأنه الأصل بالنسبة للمعاملات المالية، وبعض العقود لها علاقة وثيقة به، فالإجارة يعرفها بعض العلماء بأنها بيع المنافع١، والسلم بيع موصوف في الذمة ٢، والرهن يحتاج إليه بعد حصول المبيع، غالباً وهكذا، وذِكْر هذه التطبيقات لا يعني حصرها، ولكنه من باب التمثيل، وهذه التطبيقات ثمرة للخلاف في حقيقة الإقالة. المسألة الأولى: التقايل بلفظ المصالحة أو الإقالة إذا تقايل المتبايعان بلفظ الإقالة، أو المصالحة؛ فعلى القول بأن الإقالة بيع لا يصح، لأن ما يصلح للحل لا يصلح للعقد. وأما على القول بأن الإقالة فسخ وهو ما رجحته فيصح لأن القصد المعنى فيكتفى بما أداه٣، وقد سبق الكلام على ذلك ٤.

стр. 61

المسألة الثانية: شروط صحة الإقالة على القول بأن الإقالة بيع يشترط لها ما يشترط للبيع ١، وأما على القول بأنها فسخ وهو ما رجحته فتصح بلا شروط البيع المختصة به ٢ من معرفة المقال فيه، ومن القدرة على تسليمه، وتمييزه عن غيره ونحو ذلك ٣، وقد سبق الكلام عن شروط صحة الإقالة على القول بأنها فسخ ٤. المسألة الثالثة: الإقالة في المسجد إذا اشترى زيد من عمرو سيارة بخمسين ألف ريال، وتقابضا، ثم لقيه في المسجد، وطلب منه الإقالة فما الحكم؟ إذا قيل بأن الإقالة بيع فإن حكم الإقالة كحكم البيع في المسجد، فلا تصح الإقالة عند القائلين بأن البيع في المسجد حرام وإن وقع لم يصح٥، وهذا

стр. 62

القول رواية في مذهب الحنابلة١، وذكر المرداوي أن في صحة البيع في المسجد وجهين، ثم قال وقاعدة المذهب تقتضي عدم الصحة ٢. وأما على القول بأن الإقالة فسخ وهو ما رجحته فإنها غير داخلة في التحريم أو الكراهة، لأنها من قبيل الإحسان وفعل المعروف، كما أنها لا تستغرق في العادة وقتاً طويلاً. والله أعلم. المسألة الرابعة: التقايل بعد النداء الثاني للجمعة إذا باع زيد على عمرو سيارة بخمسين ألف ريال، وتقابضا، ثم لقي أحدهما الآخر بعد النداء الثاني للجمعة وهما أو أحدهما ممن تلزمه الجمعة فتقايلا فعلى القول بأن الإقالة فسخ يصح ذلك لأن الفسخ جائز في كل وقت، وعلى القول بأنها بيع لا يجوز ذلك٣، وذلك عند من يرى عدم جواز البيع بعد

стр. 63

النداء الثاني للجمعة، وهم المالكية١، وبعض علماء الحنابلة ٢، وابن حزم من الظاهرية٣. وبناء على ما رجحته من أن الإقالة فسخ فإنها تعتبر صحيحة، لأن النهي عن البيع. والله أعلم. المسألة الخامسة: بيع النصاب من بهيمة الأنعام في أثناء الحول والتقايل قبل مضيه إذا باع زيد على عمرو نصاباً من الغنم في أثناء الحول، ثم تقايلا قبل مضي الحول، فهل ينقطع الحول؟ على القول بأن الإقالة بيع ينقطع الحول، ولا يبنى على ما سبق، لأنها ابتداء بيع، وذهب بعض علماء المالكية إلى أنه إذا اشترى بالثمن نصاباً من جنسه أنه يزكيه على الحول الأول ٤.

стр. 64

وعلى القول بأن الإقالة فسخ يبنى على حولها الأول، وذلك لأنها رفع للعقد وليست بيعاً ١، وذهب الشافعية إلى أن الإقالة تقطع الحول ٢. والذي تميل إليه النفس أن الإقالة لا تقطع الحول، وأن الزكاة واجبة على كلا القولين إذا تم الحول، وذلك أننا إذا قلنا بأن الإقالة فسخ وهو ما رجحته فالملك لم يخرج من يد صاحبه لرفع العقد، ولأن حق الفقراء متعلق به. وأما على القول بأن الإقالة بيع، فلأنه لو أبدل النصاب بجنسه بثمنه تتعلق به الزكاة ٣. والله اعلم. المسألة السادسة: خيار المجلس في الإقالة إذا حصلت المبايعة بين شخصين، وتقابضا، ثم لقي أحدهما الآخر في المساء، وطلب منه الإقالة، ووافق الطرف الآخر، ثم بدا له الرجوع عن الإقالة وهما في مجلس الطلب فهل يثبت له الخيار؟ على القول بأن الإقالة فسخ لا يحق له الرجوع، ولا يثبت فيها خيار المجلس، وهو الأصح عند الشافعية٤، والمذهب عند الحنابلة ٥، وذلك لأن الفسخ لا يفسخ ٦.

стр. 65

وعلى القول بأن الإقالة بيع يثبت خيار المجلس في الإقالة، ويحق له الرجوع عن الإقالة، وهو ما ذهب إليه الشافعية في أحد الوجهين ١، والحنابلة في قول عندهم٢، والظاهرية ٣، وذلك نظراً لثبوته عندهم في عقد البيع، لما رواه حكيم بن حزام أن النبي ﷺ قال ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)) متفق عليه٤، فيكون للمتقايلين حق الرجوع عنها مادام في مجلسهما، ولم يتفرقا عنه بأبدانهما٥. وبناء على ما رجحته من أن الإقالة فسخ؛ فإنه لا يحق لمن أقال أن يرجع عن الإقالة، لأن العقد إذا ارتفع لا يمكن أن يعود إلا بتراضيهما وحدوث عقد جديد، ولأن خيار المجلس لم يشرع إلا لإعطاء العاقدين مهلة للنظر والتروي قبل الإقدام على العقد والالتزام به، وهذا بخلاف الإقالة، لأن المقيل متبرع وباذل معروف، فلا يحتاج مهلة لإعادة النظر. والله أعلم.

стр. 66

المسألة السابعة: التصرف في المبيع بعد الإقالة إذا كان المبيع مما لا يجوز التصرف فيه قبل القبض كما لو باع زيد على عمرو مائة صاع من البر بألف ريال وتقابضا وفي المساء تقايلا والمبيع في يد عمرو وأراد زيد أن يتصرف فيه فما الحكم؟ إذا قلنا بأن الإقالة فسخ يصح تصرف زيد في المبيع لأن الفسخ لا يعتبر فيه القبض. وعلى القول بأن الإقالة بيع لا ينفذ تصرفه فيه قبل قبضه ١. وبناء على ما رجحته من أن الإقالة فسخ يصح التصرف في المبيع بعد الإقالة لأنه لم يخرج من ملكه. والله أعلم. المسألة الثامنة: التقايل قبل القبض هذه المسألة قريبة من المسألة السابقة، ولها ارتباط بها، وصورة هذه المسألة: أن يبيع زيد على عمرو مائة صاع من البر بألف ريال، ويسلم عمرو القيمة، ولكنه لم يقبض البر ثم يحصل التقايل. فعلى القول بأن الإقالة بيع لا يجوز ٢، لأن كل ما يحتاج إلى قبض إذا

стр. 67

اشتراه لا يجوز بيعه حتى يقبضه١. وعلى القول بأنها فسخ وهو ما رجحته يجوز التقايل، لأن الفسخ لا يعتبر فيه القبض كالرد بالعيب، والفسخ بالخيار، والتدليس٢. والله أعلم. المسألة التاسعة: التقايل بشرط الزيادة على الثمن إذا باع زيد على عمرو سيارة بخمسين ألف ريال، وسلم السيارة لعمرو وقبض زيد القيمة، وبعد يوم ندم عمرو، وطلب الإقالة من زيد، ووافق زيد ولكن بزيادة ألف ريال، فما الحكم؟ على القول بأن الإقالة بيع اختلف العلماء في حكم الزيادة على الثمن على ثلاثة أقوال: القول الأول: تصح الإقالة، وذلك لأن المتقايلين يستأنفان عقداً بينهما خلافا للعقد السابق، فلا بأس بما يحدث بينهما من شرط في ذلك، وبه قال بعض علماء الحنابلة ٣، وأبو يوسف من الحنفية ٤.

стр. 68

القول الثاني: لا تصح، وهو وجه عند الحنابلة، قال ابن رجب» وهو المذهب عند القاضي في خلافه، وصححه السامري١، لأن مقتضى الإقالة رد الأمر إلى ما كان عليه، ورجوع كل واحد إلى ماله، فلم يجز بأكثر من الثمن «٢. القول الثالث: التفصيل وإليه ذهب المالكية فقالوا: أتصح الإقالة على شرط الزيادة في بيع الطعام بعد قبضه ٣، لأن المتقايلين يستأنفان عقداً جديداً، وأما قبل استيفائه فلا تصح الإقالة عندهم على الصحيح من المذهب، لأنها فسخ، والفسخ لا يقبل الزيادة، أو النقص عما كان عليه العقد. ب إذا كانت الإقالة بعد الاستيفاء، وقبل التفرق ونقد الثمن، فتصح الإقالة على شرط الزيادة إذا كانت معجلة، سواء كانت ذهباً، أم ورقاً، أم عروضاً، وأما إذا كانت الزيادة مؤجلة، فإنها لا تصح، لأن الزيادة إن كانت ذهباً والثمن ذهباً، فإن هذا يجر إلى البيع والسلف، لأن البائع يكون قد اشترى الطعام الذي باعه بالثمن الذي وجب له أسلفه الزيادة إلى أجل فكانت بذلك بيعاً وسلفاً. وإن كانت الزيادة ورقا، فإنها تكون بيعاً للذهب بالورق مؤجلاً وطعام مؤجل.

стр. 69

وإن كانت عروضاً فإن الإقالة تكون فسخاً للدين بالدين، وذلك لا يجوز١. وعلى القول بأن الإقالة فسخ اختلف في حكم التقايل بزيادة على الثمن فذهب الشافعية ٢، وبعض علماء الحنابلة ٣ إلى القول بعدم الجواز لأن الفسخ رفع للعقد، ومقتضى الإقالة رد الأمر إلى ما كان عليه ورجوع كل واحد إلى الذي له، فإذا شرط زيادة أخرج العقد عن مقصوده، فبطلت الإقالة وبقى البيع بحاله ٤. وذهب أبو حنيفة إلى أن الإقالة على الثمن الأول ويبطل شرط الزيادة لأن الإقالة لا تبطل بالشروط الفاسدة عنده ٥. والعلة من المنع من الزيادة فيما سبق هو الخوف من الوقوع في الربا٦. وقد نقل ابن منصور ٧ عن الإمام أحمد ما يفيد ذلك إذ قال في رجل

стр. 70

اشترى سلعة فندم، فقال اقلني ولك كذا وكذا، قال أحمد أكره أن يكون ترجع إليه سلعته ومعها فضل إلا أن يكون قد تغيرت السوق، أو تتاركا البيع فباعه بيعاً مستأنفاً، فلا بأس به، ولكن إن جاء إلى نفس البائع فقال أقلني فيها ولك كذا وكذا، فهو مكروه ١. وقد نقل عن الإمام أحمد ﵀ ما يفيد جواز التقايل بزيادة على الثمن؛ فقد جاء في رواية الأثرم٢ أنه سأله عن بيع العربون ٣، فذكر له حديث عمر٤ فقيل له تذهب إليه؟ قال أي شيء أقول؟ وهذا عن عمر، ثم قال

стр. 71

أليس كان ابن سيرين لا يرى بأسا أن يرد السلعة إلى صاحبها إذا كرهها ومعها شيء؟ ثم قال هذا مثله ١ ا. هـ. فقد جعل بيع العربون من جنس الإقالة بربح، وهو يرى جواز بيع العربون ٢، فالإقالة بزيادة مثله. وبناء على ما رجحته من أن الإقالة فسخ، فإن الأولى للمقيل أن لا يأخذ زيادة على من استقاله، لأن الإقالة يقصد بها المعروف والإحسان، وأخذ الزيادة لا يلائم ذلك، لكن لو لم يوافق المقيل على الإقالة إلا بزيادة على الثمن جاز، لما يسببه إرجاع السلعة على صاحبها من الضرر؛ إذ قد يظن الناس أن بها عيبا، وما يأخذه يعتبر تعويضا لهذا الضرر، والله أعلم. المسألة العاشرة: التقايل بشرط النقص من الثمن إذا اشترى زيد من عمرو سيارة بعشرين ألف ريال وتقابضا، ثم جاء زيد إلى عمرو آخر النهار طالباً الإقالة، فقال عمرو أنا آخذها منك بتسعة عشر ألف ريال، فما الحكم؟

стр. 72

على القول بأن الإقالة بيع اختلف في ذلك، فقيل يجوز ذلك، وهو قول المالكية ١، ووجه عند الحنابلة ٢، وبه قال أبو يوسف من الحنفية٣. وذلك لأن المتقايلين يستأنفان عقداً جديداَ بينهما فلا بأس بما يحدث بينهما من شرط في ذلك، والبائع يجوز أن يبيع بمثل الثمن الذي اشترى به أو بأزيد أو بأنقص. وقيل لا تصح، وهو وجه عند الحنابلة، وصححه السامري ٤. وعلى القول بأن الإقالة فسخ لا تصح٥ عند الشافعية ٦، وهو الأصح عند الحنابلة ٧، لأن رفع العقد لابد أن يكون بمثل الثمن. وذهب أبو حنيفة إلى أن الإقالة تصح بمثل الثمن ويبطل الشرط لأن رفع ما لم يكن ثابتاً محال والنقصان لم يكن ثابتاً فرفعه يكون محالاً ٨. وتوضيح ذلك أن العقد في الصورة السابقة ثابت بعشرين ألف ريال فلا

стр. 73

يتصور رفعه بتسعة عشر ألف ريال لأن الثابت بخلافه ١. ويظهر أن المنع من ذلك هو الخوف من الوقوع في الربا ٢. وذهب محمد بن الحسن إلى صحتها مع النقصان، لأنه لو سكت عن جميع الثمن وأقال كان فسخاً ٣، ويظهر لي أن هذا القول هو اختيار ابن رجب٤ وهو في نظري أرجح وذلك لأن محذور الربا هنا كما قال ابن رجب بعيد جداً، لأنه لا يقصد أحد أن يدفع عشرة ثم يأخذ نقداً خمسة لاسيما والدافع هنا هو الطالب لذلك الراغب فيه ٥. والله أعلم. المسألة الحادية عشرة: التقايل بغير جنس الثمن إذا اشترى زيد من عمرو سيارة بخمسين ألف ريال وتقابضا ثم تلاقيا في المساء وطلب عمرو الإقالة ووافق زيد على أن يرد إليه بدلا من الريالات دراهم أو سيارة أخرى تعادلها في القيمة فعلى القول بأن الإقالة بيع يجوز كسائر البياعات. وعلى القول بأن الإقالة فسخ وهو ما رجحته لا يصح، لأن القصد بالإقالة رد الأمر إلى ما كان عليه، ورجوع كل واحد منهما إلى ما كان له، فإذا تغير الثمن أخرج العقد عن مقصوده فيبطل ٦.

стр. 74

المسألة الثانية عشرة: رجوع ما باعه المفلس بالإقالة إذا باع المفلس سلعة، ثم عادت إليه بالإقالة، ووجدها بائعها عنده، فهل له حق أن يأخذها؟ على القول بأن الإقالة بيع ليس له حق أن يأخذها لأنها خرجت من ملك المفلس ببيعه لها وعادت إليه بعقد جديد، وهذا القول هو الصحيح عند الشافعية١، وقول عند الحنابلة ٢، والقول الآخر أنه أحق بها حتى لو خرجت عن ملك المفلس ثم عادت ٣. وعلى القول بأن الإقالة فسخ يحق لمن وجدها عنده أن يأخذها٤ لأنها لم تخرج من ملكه ولازالت في حوزته وذلك على القول بجواز رجوع البائع بعين ماله إذا وجده عند المفلس وهو قول جمهور العلماء٥، وذهب الحسن والنخعي،

стр. 75

وابن شبرمة ١، ووكيع٢، والحنفية٣ إلى أنه يكون أسوة الغرماء٤ وبناء على ما رجحته من أن الإقالة فسخ، فيحق لمن وجد سلعته عند المفلس أن يأخذها. والله أعلم. المسألة الثالثة عشرة: الإقالة في المسلم فيه قبل قبضه صورة المسألة: باع زيد على عمرو مائة صاع من البر تسلم بعد سنة بمبلغ ألف ريال مقبوضة في مجلس العقد، فالبر في هذه الصورة مسلم فيه، فلو تقايلا قبل أن يقبض عمرو البر فما الحكم؟
следующие страницы →