← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 12152

مقدمات النكاح

محمد بن عبد العزيز السديس

Полный текст (123 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٢- ورود النصوص الصريحة الصحيحة في تحريم ذلك ومنها: قوله: ﷺ في حديث ابن عمر ﵄: "لا يبع بعضكم على بيع بعض ولا يخطب بعضكم على خطبة بعض". وفي رواية قَال ﷺ : "لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له". وفي رواية عن أبي هريرة قَال: "لا يسم المسلم على سوم أخيه ولا يخطب على خطبته" (١) . وقال ﷺ في حديث ابن عمر ﵄: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب" (٢) . قَال ابن قدامة: ولا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم. (٣) الحالة الثانية: في هذه الحالة يجوز لرجل آخر أن يتقدم لخطبة المرأة لأنه لم يثبت للرجل الأول حق، فالمرأة شاغرة في هذه الحالة، ولا ضرر في ذلك، إلا أنه ينبغي للخاطب الآخر أن يتأخر قليلاً مراعاة لشعور أخيه المسلم. الحالة الثالثة: وهي حالة المهلة اختلف الفقهاء فيها على ثلاث أقوال: القول الأول: تجوز الخطبة على الخطبة في حال المهملة، ولا تحرم إلا في

стр. 37

حالة الموافقة. واستدلوا بحديث فاطمة بنت قيس حين ذكرت للنبي ﷺ أن معاوية بن أبي سفيان وأبا الجهم بن حذيفة خطبها فقال ﷺ لها: "أنكحي أسامة" (١) . وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم ينكر على أحد من الخطاب خطبة فاطمة بنت قيس، دليل على جواز الخطبة في هذه الحالة وأنها لا تحرم إلا في حالة الموافقة فقط، وإلا لبين النبي ﷺ ذلك. قال البغوي: فيه دليل على جواز الخطبة على خطبة الغير إذا لم تكن المرأة قد أذنت للأول وركنت إليه (٢) . وقد علل النبي ﷺ لترك معاوية أنه رجل صعلوك لا مال له، وأما أبو الجهم فرجل لا يضع عصاه عن عاتقه (كناية عن السفر، أو كثرة الضرب) . القول الثاني: يحرم الخطبة في هذه الحالة، كالحالة الأولى سواء بسواء: لأن العلة لا تزال موجودة وهي العداوة والبغضاء والشحناء. والنصوص التي جاء فيها النهي عن الخطبة، تشمل كلا الحالتين ولم تفرق بينهما. القول الثالث: لا يجوز الخطبة إلا إذا كان الخاطب الثاني أفضل من الأول، واستدلوا على ذلك بقصة فاطمة بنت قيس أن النبي ﷺ أشار إليها بأسامة، فالنبي ﷺ اختار ما كان لها أجمل صحبة كما استدلوا أيضاً بحديث: "الدين النصيحة" (٣) ، فعلى الأولياء أن يختاروا من كان أحسن ديناً وخلقاً

стр. 38

لموليته. (١) * حكم العقد على مخطوبة الغير: أما العقد فهو محل خلاف على أقوال ثلاثة: الأول: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن العقد صحيح، إلا أن المرأة والخاطب الثاني وولي المرأة آثمون. ولا تعارض بين صحة العقد مع الحرج والإثم، وإن هذا الأمر مثل من غصب ثوباً وصلى به فصلاته صحيحة ولكنه آثم. الثاني: النكاح فاسد والعقد باطل، والنهي في الأحاديث يقتضي البطلان، ويجب عودة المرأة للخاطب الأول وتعزير الخاطب الثاني، درءاً للمفاسد، ولما يتسبب من العداوة والبغضاء. الثالث: إذا تم العقد والدخول معاً، فالعقد صحيح، وإذا لم يتم الدخول فالعقد فاسد درءاً للمفاسد المترتبة عليه. الراجح: قول الجمهور، لأن الخطبة لا يترتب عليها شيء، والعقد يتم بدون الخطبة. (٢) * خطبة النكاح: ما سبق بالكسر وهذه بالضم وسواء كانت هذه الخطبة من العاقد أو الخاطب أو الولي أو من أحد الشهود أو من رجل آخر فالأمر فيها واسع. وأقل ما يجزئ في هذه الخطبة هو قوله: الحمد لله والثناء عليه، والشهادتين، والصلاة على النبي ﷺ ، وأمر بالتقوى. واستحب أكثر أهل العلم خطبة ابن مسعود ﵁ قَال علمنا رسول الله ﷺ

стр. 39

التشهد في الصلاة، والتشهد في الحاجة، ثم ذكر التحيات وقال بعد ذلك والتشهد في الحاجة: إن الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي ... ثم يقرأ ثلاث آيات آية آل عمران، وآية النساء، وآية الأحزاب. رواها أصحاب السنن. (١) ثم يقول أما بعد فإن الله أمر بالنكاح ونهى عن السفاح، ثم يقرأ ما تيسر من آيات النكاح. (٢) ويرى داود أنها واجبة، واستدل على ذلك بحديث: "كل أمر لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أبتر" وفي رواية (أقطع) وفي رواية (أجذم) رواه أحمد وأصحاب السنن (٣) . وبحديث: "كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء" رواه الترمذي (٤) .

стр. 40

وتمسك الجمهور: أ- بحديث الواهبة نفسها: حينما قَال الرجل للنبي ﷺ : زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال النبي: "زوجتكها بما معك من القرآن" (١) ولم يخطب ولو خطب لنقل إلينا. ب- وبما رواه أبو داود والبيهقي: «أن رجلاً من بني سليم خطب أمامة بنت عبد المطلب، فقال أنكحني أمامة بنت عبد المطلب ولم يتشهد» (٢) . وإسناده ضعيف. (٣) ج_ وبما نقل عن ابن عمر ﵄ أنه زوّج مولاةً له فقال للرجل: ((زوجناك على أمر الله ﴿إمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ولم يزد على ذلك (٤) . قَال الترمذي: وقد قَال بعض أهل العلم أن النكاح جائز بغير خطبة وهو قول سفيان الثوري وغيره من أهل العلم (٥) .

стр. 41

* ماذا يقال للمتزوج؟ يستحب الدعاء للمتزوج، وأن يدعى له بما ورد عن النبي ﷺ ومما ورد قوله ﷺ في الحديث: "اللهم بارك لهما وبارك عليهما واجمع بينهما في الخير" (١) . وعن أنس أن النبي ﷺ رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة، قَال: "ما هذا"؟، قال: إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب، قَال ﷺ : "بارك الله لك أولم ولو بشاة" متفق عليه (٢) . وكذا حديث عقيل أنه تزوج امرأة فقيل له بالرفاء والبنين فقال: «لا تقولوا هكذا، فإن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك، قولوا كما كان النبي ﷺ يقول: "بارك الله لكم وبارك عليكم" (٣) ، ومعنى الرفاء النمو والزيادة، وكره أهل العلم الرفاء والبنين لعدة أسباب: أولاً: أن هذه الكلمات من عادات الجاهلية، وكانوا يقولون ذلك تفاؤلاً لا دعاءً، فأراد الإسلام تركه. ثانياً: ليس فيه دعاء ولا ذكر لله ولا الثناء عليه، والَّذِي ينبغي الدعاء للمتزوج.

стр. 42

ثالثاً: أنه خص البنين دون البنات، لأن الخيرة ما اختاره الله، فلا ينبغي تخصيص أحدهما دون الآخر. (١) . ما يقول المتزوج؟ إذا دخل الرجل على أهله يقول كما جاء في مسائل صالح بن أحمد عن أبيه (٢) اللهم بارك لي في أهلي، وبارك لأهلي فيّ، وارزقني منهم، وارزقهم مني، ويصلي ركعتين (٣) وفي الحديث أن يقول الرجل: "اللهم إني أسألك من خيرها ومن خير ما جُبلت عليه وأعوذ بك من شرها ومن شر ما جُبلت عليه ويصلي ركعتين" (٤) .

стр. 43

المبحث الخامس: الإذن في النكاح الإذن لغة: أذن بالشيء إذناً بمعنى علم فهو الإعلام أو الإخبار (١) ، والمراد به إجازة النكاح أو قبوله والرضا به. وينقسم الإذن في النكاح إلى قسمين: الأول: الإذن الصريح وهو بالقول أو بالنطق أو الكلام الصريح، أو ما يقوم مقامه، كالإشارة مثلاً، أو الكتابة وما أشبه ذلك. وهذا النطق هو في حق الثيب من النساء، وهو أيضاً في حق الرجال. أي لا بد من معرفة الإذن منها بصريح النطق. الثاني: الإذن غير الصريح، وهو ما يعرف بالكناية، ويكون بالصمت أو السكوت، أو ما يقوم مقام ذلك كالتبسم والبكاء وهذا في حق البكر من النساء. فالنساء في الإذن قسمان: ثيب وبكر. فمن هي الثيب ومن هي البكر؟ أ- الثيب: تنقسم إلى قسمين: ١- الثيب الحقيقية: هي المرأة الموطوءة بنكاح صحيح، وفارقها زوجها بطلاق، أو بما يقوم مقامه كالوفاة والخلع واللعان، فهي التي زالت بكارتها بوطء شرعي. ٢- الثيب الحكمية: هي المرأة الموطوءة بنكاح غير صحيح وهي راضية مطاوعة. ب- البكر: وهي على قسمين: ١- البكر الحقيقية: وهي التي لا تزال على بكارتها باقية على ما هي عليه.

стр. 44

البكارة: غشاء رقيق في قبل المرأة. ٢- البكر الحكمية: هي التي زالت بكارتها بأحد الأمور التالية: أ- ولدت خلقة من غير بكارة. ب- زالت بكارتها لعارض: مرض أو عيب. ج- سقوط المرأة من شاهق، أو في حادث. د- زوالها من ركوب الدواب. ?- ألعاب الرياضة كقفز الحواجز. و أن تزول بنكاح غير صحيح وهي كارهة. (١) إذن الثيب: إذن المرأة الثيب في النكاح هو بالنطق الصريح، وأنها لا تجبر ولا تكره على النكاح. وينقل عن الحسن أنه قَال: ((إن المرأة الثيب تجبر ولا تستأذن)) . قَال ابن عبد البر: ولا أعلم مخالفاً في أن الثيب لا يجوز لأبيها ولا لأحد من أوليائها إكراهها على النكاح إلا الحسن البصري كان يقول نكاح الأب جائز على ابنته بكراً كانت أو ثيباً أكرهت أو لم تكره، وقال إسماعيل الكافي: لا أعلم أحداً قَال في الثيب بقول الحسن. (٢) قَال البغوي: اتفق أهل العلم على أن تزويج الثيب البالغة العاقلة لا يجوز دون إذنها، فإن زوجها وليها دون إذنها فالنكاح مردود (٣) .

стр. 45

والدليل على ذلك: - ما رواه مسلم عن ابن عباس أن النبي ﷺ قَال: " الأيم أحق بنفسها من وليها". وفي رواية " لا تنكح الأيم حتى تستأمر " وفي رواية " الثيب أحق بنفسها من وليها " (١) . - وعن الخنساء بنت خذام الأنصارية: «أن أباها زوجها وهي ثيب، فكرهت ذلك وجاءت إلى النبي ﷺ تشتكي، فرد النبي ﷺ نكاحها» رواه البخاري. (٢) أما إذا زالت بكارتها بغير الوطء كالخلقة أو لعارض فهي تعامل كالأبكار أما إذا زالت بكارتها بوطء محرم فهو محل خلاف على قولين (٣) : القول الأول: أنها تعامل معاملة الثيب. واستدلوا على ذلك بما يأتي: ١- عموم الأحاديث الواردة في إذن الثيب، حيث لم تفرق بين الوطء المباح وغير المباح. ٢- أن حقيقة الوطء واحدة سواء كان مباحاً أو محرماً. فقد زالت بكارتها ولم تعد بكراً. ٣- أن العلة التي من أجلها فرق بين البكر والثيب قد زالت، وذهب حياء هذه المرأة.

стр. 46

القول الثاني: أنها تعامل معاملة البكر، وذلك لأمرين: ١- أن هذه المرأة لا تزال بكراً، فهي لم يعقد عليها بعد، ولا تزال جاهلة بأمور النكاح. ٢- أنه يجب الستر على هذه المرأة، ولا نلزمها بما نلزم الثيب حتى لا ينكشف أمرها. الراجح والله أعلم: إن كانت مطاوعة فتعامل كالثيب، وإن كانت مكرهة فتعامل معاملة الأبكار. أما إذا كانت الثيب غير عاقلة (المجنونة) فلا تخلو من أحوال ثلاثة: أ- إن كانت كبيرة ميؤساً من شفائها فإنها تزوج من غير إذن ولا قبول. ب- وإن كانت تجن في حين وتفيق في حين آخر أخذ منها الإذن حال الإفاقة. ج- إن كانت صغيرة ويمكن شفاؤها، فينتظر شفاؤها. (١) إذن المرأة البكر في النكاح يتحقق إذن البكر بأحد الأمور الثلاثة التالية: الأمر الأول: السكوت أو الصمت، وهذا ما دلت عليه النصوص والأحاديث الصحيحة الصريحة، ومنها حديث ابن عباس ﵄ السابق (٢) : «الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن وإذنها صمتها» . وحديث عائشة قالت: «قَال رسول الله ﷺ : "البكر تستأذن"، قلت: إن

стр. 47

البكر تستحي، قال: "إذنها صماتها"، وفي رواية: " رضاها صماتها "، وفي رواية: «كيف إذنها؟ قَال: "أن تسكت " (١) . فهذه النصوص صريحة بأن السكوت والصمت صنف من أصناف الإذن، وكان هذا الصمت والسكوت لما جبلت عليه البكر ألا وهو الحياء، فهي تستحي من ذكر النكاح. ١- وهذا السكوت عند أكثر أهل العلم في حق كل الأبكار من غير تفريق بين بكر وأخرى. ٢- وعند بعض أهل العلم هو في حق البكر التي يزوجها الأب أو الجد. لأنها تستحي منهما، ولهما ولاية الإجبار عليها. ٣- كما يرى البعض الآخر أن الصمت والسكوت في حق الصغيرة فقط. أما البكر الآنس أي الكبيرة فلا بد من نطقها. والصحيح والله أعلم: هو ما ذهب إليه الجمهور، لأن النصوص لم تفرق بين بكر وأخرى، والتفريق يحتاج إلى دليل. (٢) الأمر الثاني: صريح القول: وهو من أوضح الدلالات على قبول المرأة. وحكى ابن حجر عن بعض أهل الظاهر أنه إذا استنطقت البكر ونطقت فالعقد غير صحيح. لأن ما دلت عليه النصوص هو الصمت أو السكوت وقوفاً عند ظاهر قوله: «وإذنها أن تسكت» . ويمكن أن يجاب عنه: أن غاية ما دلت عليه النصوص بيان صنف من

стр. 48

أصناف الإذن من البكر (١) . الأمر الثالث: ما يقوم مقام الصمت أو السكوت، ألا وهو الضحك أو التبسم أو البكاء. أما الضحك والتبسم فهما من علامات الرضا، أما البكاء فهو محل خلاف بين أهل العلم. - فالأكثر قالوا أنه يدل على عدم الرضا. - ومنهم من قَال أنه يدل على عدم الرضا إذا نظرت أو قامت أو ظهر منها ما يدل على الكراهة. - ومنهم من قَال بالتفصيل، إذا صحبه رفع الأصوات والصياح فيدل على عدم الرضا وإذا لم يكن فيه رفع الأصوات والصياح فيدل على الرضا. - وفرق بعضهم بين الدمع فإن كان حاراً دلّ على المنع، وإن كان بارداً دلّ على الرضا. (٢) حكم استئذان البكر العاقلة البالغة الرشيدة: محل خلاف بين أهل العلم على قولين: الأول: يرى أكثر العلماء أنه يستحب إذن البكر البالغة العاقلة ولا يجب، (ومعناه أن لولي البكر إجبارها على النكاح، وأيضاً أنه لو تم العقد فالعقد صحيح، وليس لها حق الفسخ) . الثاني: يجب الاستئذان من البكر البالغة الرشيدة العاقلة، فمعناه أنه ليس للولي ولاية الإجبار، وإذا عقد فلها حق الفسخ. وهذا هو مذهب الحنفية

стр. 49

والظاهرية واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وبه قَال الأوزاعي والثوري ووافقهم أبو ثور أنه يشترط الاستئذان. (١) استدل أصحاب هذا القول بمجموعة من الأدلة ومنها: أولاً: حديث ابن عباس ﵄ السابق: «الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن» . وحديث عائشة ﵂ السابق (٢) : " لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن". فمعنى الحديث الأول أن للثيب أحقية في النكاح، وليس للبكر هذا الحق، وإنما الحق لوليها وكذلك الحديث الثاني فطلب الأمر من الثيب ولم يطلب الأمر من البكر، فالحديث فرق بين البكر والثيب، ولو كانت البكر كالثيب لما احتجنا إلى هذا التفريق. فدليل على أن الاستئذان مستحب وليس واجب. ثانياً: واستدلوا بما يروى عن ابن عمر والقاسم وسالم، أنهم كانوا يزوجون الأبكار لا يستأمرونهن. (٣) ثالثاً: قالوا إن البكر يغلب عليها الحياء ولا تعرف مصالح النكاح، ولا تفهم أثره، فيقوم الولي مقام البكر فهو أعرف بمصالح النكاح وفوائده ويعرف الرجال. واستدل أصحاب القول الثاني: ١- بحديث ابن عباس وعائشة وغيرهما، حيث جاء فيهما: " والبكر تستأذن".

стр. 50

وجه الدلالة: قالوا هنا نهي والنهي يفيد البطلان المنهي عنه، ونهى الحديث عن النكاح بدون الإذن، فهو دليل على أن الإذن واجب. ٢- وكذا: أن الإمام البخاري بوب في صحيحه في كتاب النكاح حيث جاء (باب لا ينكح الأب ولا غبره الثيب والبكر إلا برضاهما) (١) . قالوا: إن هذه الترجمة معقودة، والمقصود بها إشتراط الرضا في المرأة المزوجة سواء كانت بكراً أو ثيباً، ويلي هذا الباب (إذا زوج الأب ابنته وهي كارهة فنكاحه مردود) وهذا الإطلاق يشمل البكر والثيب. وما جاء في حديث ابن عباس في بعض الروايات: "الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها" وفي بعض الروايات: «والبكر يستأذنها أبوها في نفسها» (٢) . فهذه الروايات خبر، والخبر جاء بصيغة الأمر والأمر مؤكد، ودليل على تحقيق المخبر عنه وهو لابد من الاستئذان. ٣- حديث عن عكرمة عن ابن عباس: «أن جارية بكراً جاءت إلى النبي ﷺ وقالت: أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي ﷺ » (٣) قال في تهذيب

стр. 51

السنن هذا حديث صحيح. (١) فهذا دليل على استئذان المرأة وإن كانت بكراً. ٤- أن هذه المرأة بالغة عاقلة لها حق التصرف في أموالها من غير الإذن، لأنه إذا كان الأمر يخص نفسها فمن باب أولى أن تستأذن. إذن البكر الصغيرة: ١- ذهب أكثر العلماء على أنه لا حاجة إلى إذن البكر الصغيرة يزوجها الولي من غير إذن وذلك لأنه لا أهلية لها، ولا تعرف مصالحها، فلا معنى لاستئذان من لا تدري ما الإذن ومن يستوي سكوتها وسخطها، استدلالاً بحديث عائشة أن النبي ﷺ تزوجها وهي بنت سبع. ٢- والظاهرية قالوا لا بد من الإذن، ولا فرق بين الصغيرة والكبيرة ولا خيار لها إذا بلغت، لأن النصوص ما فرقت بينهما. (٢) ٣- وقال الحنفية أنها إذا زوجت بغير الإذن فلها حق الخيار بعد البلوغ (٣) . التعامل مع البكر المجنونة غير العاقلة: القول في البكر المجنونة هو نفس القول في الثيب المجنونة: - إن كان لا يرجى شفاؤها، وميئوس من شفاءها، فإنها تزوج بغير الإذن على ما هي عليه.

стр. 52

- وإن كان تجن في بعض الأحيان وتفيق في أحيان آخر فإنها تستأذن في الأحيان التي تفيق فيها. -وإن كانت صغيرة ويرجى شفاؤها فينتظر إفاقتها (١) .

стр. 53

المبحث السادس: أركان عقد النكاح تعريف العقد في اللغة والاصطلاح: أما لغة: هو الربط والشد والإحكام والإبرام، وهذه المعاني نقيض (الحل) . ومنه عقدة النكاح، يقال عقدت الحبل فهو معقود وكذلك العهد، وأصل العقد ربط الشيء بالشيء. (١) أما اصطلاحاً: فهو اقتران الإيجاب بالقبول على وجه مشروع (٢) ، والإيجاب والقبول عند أهل العلم ركن من أركان العقد، ولا وجود للعقد بدونهما فلو وجد القبول فقط فلا وجود لعقد النكاح ولو وجد الإيجاب فقط فلا وجود لعقد النكاح أيضاً فلا بد من وجود الإيجاب والقبول معاً. ما معنى الإيجاب والقبول في عقد النكاح أو ما في صفتهما: يرى أكثر أهل العلم أن الإيجاب في عقد النكاح هو ما يصدر عن ولي المرأة، أو وكيل المرأة، ويعبر عنه بالطرف الأول، أو المتعاقد الأول، أما القبول فهو ما يصدر من الزوج أو من وكيله بالموافقة على ذلك الإيجاب. ويرى الحنفية إن الإيجاب ما يصدر أولاً من أحد المتعاقدين أو من أحد الطرفين، والقبول هو ما يصدر ثانياً من المتعاقد أو الطرف الثاني فهما جميعا ركن واحد فلو وجد الإيجاب من أحد المتعاقدين كان له أن يرجع قبل الآخر كما في البيع. (٣)

стр. 54

ألفاظ وصيغ عقد النكاح، وهل له صيغة ولفظ معين أم لا؟ تنقسم ألفاظ عقد النكاح إلى قسمين، منها ما هو حقيقة في النكاح، ومنها ما هو كناية فيه، أو منها ما هو صريح في النكاح ومنها ما هو غير صريح. أقوال العلماء في ألفاظ النكاح: اختلف العلماء في ألفاظ النكاح على قولين: القول الأول: لا يصح عقد النكاح إلا بلفظ مشتق من لفظ النكاح أو الزواج وهو مذهب الشافعية والحنابلة ورواية عند المالكية (١) (وهذا ما عبرنا عنه حقيقة في النكاح وهو القسم الأول) ، وعللوا قولهم بما يلي: أولاً: خطورة عقد النكاح، ومكانته فإنه يقتصر على ما كان حقيقة فيه فقط. ثانياً: تمييز هذا العقد بين سائر العقود، بوجوب الإشهاد عليه، والشهود لا يشهدون إلا ما كان حقيقة وصريحاً. ثالثاً: إن الكناية أو غير الصريح يحتاج إلى النية أو القرينة. رابعاً: لا يصح العدول عن الحقيقة إلى غيرها، إلا لسبب. خامساً: لم يرد النكاح في كتاب الله إلا بلفظ الحقيقة، النكاح أو الزواج. قَال تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ﴾ (٣) . القول الثاني - توسع الحنفية والمالكية ومن سلك مسلكهم في ألفاظ النكاح، فأجازوا العقد بكل لفظ دل على الزواج سواء كان حقيقة أو كناية،

стр. 55

وسواء كان صريحاً أو غير صريح. فألفاظ الحقيقة عند الحنفية والمالكية كألفاظ الحقيقة عند غيرهم (زوجتك وأنكحتك) ، وأما الكناية فقسموها إلى أربعة أقسام: القسم الأول: ما أتفق على جواز عقد النكاح به وهو بكل لفظ دل على معناه إذا قرن بذكر الصداق أو قصد النكاح، كهذه الألفاظ الأربعة: (التمليك، والهبة، والصدقة، والجُعل) (١) لأن مثل هذه الألفاظ تفيد ملك العين، وملك العين يفيد ملك المنفعة. إضافة إلى ورود لفظ الهبة في القرآن الكريم ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ (٢) . وأجاب الجمهور بأن هذا اللفظ خاص بالنبي ﷺ بدليل قول الله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ كما ورد لفظ التمليك في السنة في حديث المرأة الواهبة نفسها، فجاء في بعض الروايات: «ملكتك بما معك من القرآن» (٣) ولعل هذا رواية بالمعنى من بعض الرواة. قَال في المغني: وأما الخبر فقد روي من طرق صحيحة والقصة واحدة والظاهر أن الراوي روى بالمعنى ظناً منه أن معناها واحد فلا تكون حجة، وأن كان النبي ﷺ جمع بين الألفاظ فلا حجة لهم فيه لأن النكاح انعقد بأحدها والباقي فضلة. (٤) القسم الثاني: ما اتفق على أنه لا يجوز عقد النكاح به، وهذا هو لفظ

стр. 56

الإباحة ولفظ الإحلال ولفظ الإعارة والرهن، لأن مثل هذا اللفظ لا يفيد ملك العين وإنما يفيد ملك المنفعة، وملك المنفعة لا يكون سبباً لملك الجماع بحال. (١) القسم الثالث: ما وقع فيه الخلاف لكن الصحيح فيه جواز عقد النكاح به، وهو لفظ البيع والشراء، لأن البيع والشراء يفيد ملك العين وملك المنفعة أيضاً ولوجود القرينة يراد به عقد النكاح. القسم الرابع: ما وقع فيه خلاف والصحيح عدم جواز العقد به، وهذا ما كان بلفظ الوصية أو الإجارة، لأن الوصية لا تكون إلا بعد الموت والإجارة تكون مؤقتة، وهذا يخالف مقتضى العقد. (٢) هل يصح عقد النكاح بصيغة المضارع أو الاستفهام أو الماضي؟ أما صيغة الماضي يجوز العقد بها ويصح، وأما غير هذه الصيغة فهي محل خلاف على قولين: الأول: من توسع في ألفاظ النكاح قَالوا: يجوز بكل صيغة. الثاني: لا يصح بهذه الصيغ لأن عقد النكاح لابد أن يكون حالاً ومنجزا ومباشرا. وهل يصح العقد بغير العربية؟ إذا كان أطراف النكاح لا يحسنون اللغة العربية، أو لا يعرفون معناها، فإنه يجوز عقد النكاح بلغتهم، أما إذا كانوا يعرفون اللغة العربية فهذا محل خلاف بين العلماء:

стр. 57

١- من أهل العلم من قَال لا يصح إلا باللغة العربية، لأن العدول عنها إلى غيرها، كالعدول عن الحقيقة إلى غيرها، ولا يصح العدول من الحقيقة إلا بسبب معقول. ٢- ومن العلماء من وسع فيه فقال: يجوز بكل لغة وبكل لفظ يدل على معنى النكاح لأنه أتى بلفظه الخاص فانعقد به كما ينعقد بلفظ العربية. (١) والصحيح القول الأول: لأن المسلم مخاطب باللغة العربية. بيان هل يصح النكاح بعاقد واحد: الأصل في عقد النكاح أن يكون من طرفين أو من متعاقدين، فهل يصح أن يكون العاقد أحد طرفي العقد فقط دون الآخر. يتصور العاقد الواحد في النكاح في صور خمسة: الأولى: إذا كان العاقد ولياً من الطرفين، وهذا مثل الجد. الثانية: إذا كان وكيلاً من الطرفين، فالنكاح يصح فيه الوكالة من الطرفين الرجل والمرأة. والدليل على ذلك ما جاء عن عقبة بن عامر: «أن النبي ﷺ قَال لرجل: "أترضى أن أزوجك فلانة"، قَال نعم، وقال للمرأة: "أترضين أن أزوجك فلاناً"، فقالت نعم، فزوج أحدهما صاحبه» (٢) .

стр. 58

الثالثة: أن يكون أصيلاً من جهة وولياً من جهة أخرى، وهذا يتصور في ابن العم إذا زوج بنت عمه من نفسه. الرابعة: أن يكون أصيلاً من جهة ووكيلاً من جهة أخرى، كما في قصة عبد الرحمن بن عوف أنه قَال لأم حكيم أتجعلين أمرك إلي، قالت نعم، فقال قد تزوجتك. (١) الخامسة: أن يكون وكيلاً من جهة، وولياً من جهة أخرى إذا وكلت امرأة رجلا ليتزوجها من نفسه. (٢) شروط صيغة عقد النكاح أي الإيجاب والقبول ١- موافقة القبول للإيجاب في كل من الزوجة والمهر، لو قال الولي: زوجتك ابنتي فاطمة، فقال الزوج: قبلت ابنتك سعاد، فما تم العقد هنا بسبب الاختلاف. ٢- اتحاد مجلس القبول والإيجاب وعدم الفصل بينهما. ٣- سماع كل من الطرفين كلام الآخر، وفهم المراد منه. ٤- عدم رجوع أحدهما عن قوله قبل إتمام الآخر كلامه، أي عدم رجوع الموجب عن إيجابه قبل قبول القابل. ٥- كون الصيغة منجزة، حالة، مباشِرة، غير مضافة إلى زمن مستقبل. ٦- كون الصيغة مؤبدة، غير مؤقتة. (٣)

стр. 59

حكم تقدم القبول على الإيجاب الأصل أن يكون الإيجاب أولاً والقبول ثانياً فإن قدم القبول وأخر الإيجاب فهل يصح العقد؟ قولين لأهل العلم في ذلك: القول الأول: يرى جواز ذلك ولا مانع من تقدم القبول قياساً على عقد البيع، فيجوز فيه تقديم القبول على الإيجاب. القول الثاني لا يجوز التقديم، لأننا إذا قدمنا القبول على الإيجاب فقدَ معناه وبه قَال الحنابلة رواية واحدة. وأجابوا عن القياس إن قياس عقد النكاح على عقد البيع غير صحيح، لأن الإيجاب والقبول في عقد النكاح ركن، وهو ليس بواجب في عقد البيع، فلا يشترط في البيع صيغة الإيجاب والقبول بل يصح بالمعاطاة، ولا يتعين فيه لفظ بل يصح بأي لفظ كان مما يؤدي المعنى. (١) حكم تراخي (تأخر) القبول عن الإيجاب إذا تراخى القبول فهو إما أن يكون في المجلس أو في غيره، فإذا كان في المجلس فلا مانع بشرط ألا ينشغلا عنه، وإذا انشغل عنه فلا بد من إعادة الإيجاب. أما إذا كان في غير المجلس وتراخى، لا مانع من تراخ يسير (وهو ما تعارف عليه الناس) . حكم عقد الأخرس: لا يخلو حال الأخرس أن تفهم إشارته أو لا؟ فإن فهمت إشارته تم عقده

стр. 60

كسائر التصرفات الأخرى، أما إذا لم تفهم الإشارة فلا يصح عقده كسائر العقود الأخرى، ولو فهم الطرف الآخر، ولم يفهم الشهود فالعقد أيضاً باطل. (١) ما حكم عقد الهازل والمازح؟ باتفاق العلماء يصح العقد من الهازل واللاعب والمازح، وذلك لما ثبت عن النبي ﷺ : "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد، النكاح والطلاق والعتاق" وفي بعض الروايات: (الرجعة) بدل (العتاق) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم. (٢) فلا خلاف بين العلماء أن من جرى لسانه بالأمور الثلاثة المذكورة في الحديث وهو بالغ عاقل، بأن تطبق عليه أحكامه، وذلك لكي لا تتعطل الأحكام. قال البغوي: اتفق أهل العلم على أن طلاق الهازل يقع، وإذا جرى صريح لفظ الطلاق على لسان العاقل البالغ لا ينفعه أن يقول كنت فيه لاعباً أو هازلاً، لأنه لو قبل ذلك منه لتعطلت الأحكام ولم يشأ مطلق أو ناكح أو معتق أن يقول: كنت في قولي هازلاً فيكون في ذلك إبطالاً لإحكام الله فمن تكلم بشيء مما جاء ذكره في الحديث لزمه حكمه، وخص هذه الثلاث بالذكر لتأكيد أمر الفرج والله أعلم. (٣)

стр. 61

المبحث السابع: الولاية في النكاح تعريف الولاية في اللغة والاصطلاح: لغة: تطلق على معان عدة، منها: النصرة، التأييد، المساندة، القدرة، المحبة وغيرها، فالوَلاية بالفتح معناها النسب والنصرة، والوِلاية بالكسر الإمارة. (١) اصطلاحاً: ١- هي قيام الولي بما يصلح أمر من تحت ولايته. ٢- تصرف الولي بشئون المولى عليه مطلقاً. وتنقسم الولاية من حيث العموم إلى أقسام أربعة: - ولاية التربية. - ولاية المال. - ولاية على النفس. (٢) - ولاية التزويج. هل الولي شرط لصحة النكاح أم لا؟ اختلف الفقهاء في ذلك على أربعة أقوال: القول الأول: قَال الجمهور: إن الولي شرط لصحة النكاح، فلا يصح عقد النكاح إلا بولي، فإن كان من غير ولي فالعقد فاسد، فليس للمرأة أن

стр. 62

تزوج نفسها بغير ولي، فإن فعلت فالعقد غير صحيح وهذا القول يروى عن عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وعائشة. (١) القول الثاني: وقال أبو حنيفة أن الولي ليس بشرط في صحة عقد النكاح، وللمرأة حق في تزويج نفسها وغيرها. (٢) القول الثالث: رواية عن مالك بالتفريق بين الشريفة والدنيئة، إن كانت صاحبة مكانة فيشترط الولي وإن كانت دنيئة فلا يشترط الولي. (٣) القول الرابع: وقالت الظاهرية: بالتفريق بين البكر والثيب، فإن كانت بكراً فيشترط الولي، وإن كانت ثيباً فلا يشترط الولي. (٤) . الأدلة: استدل الجمهور بمجموعة من الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول. أما من الكتاب: فاستدلوا بالآيات التي خاطبت الأولياء في أمور النكاح، وهي كثيرة منها: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ (٥) خطاب للأولياء في التزويج كل من لا زوج له سواء كان ذكراً أم أنثى. ﴿وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (٦) خطاب للأولياء في عدم تزويج من

стр. 63

تحت أيديهم للمشركين ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) . ومما يدل على ذلك سبب نزول هذه الآية ما جاء في البخاري وغيره عن معقل بن يسار قَال: «نزلت فيّ هذه الآية، زوجت أختاً لي من رجل فطلقها، فلما انقضت عدتها، جاء راغباً فيها، فقلت والله لن تعود إليك أبداً، فأنزل الله هذه الآية، فقال معقل بن يسار، الآن أفعل يارسول الله فزوجها إياه» (٢) . أما من السنة فهي أحاديث كثيرة منها: "لا نكاح إلا بولي"، وفي رواية: "لا نكاح إلا بولي مرشد"، وفي رواية "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"، وفي رواية: "لا نكاح إلا بولي والسلطان ولي من لا ولي له" (٣) قَال في إرواء الغليل: الحديث صحيح بلا ريب. (٤) وقوله ﷺ : "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، باطل، باطل" (٥) .

стр. 64

وأما من الإجماع: فهو قول جمع من الصحابة لا يعرف لهم مخالف. قَال المارودي: ولأنه إجماع الصحابة فهو قول من ذكرنا من الرواة الثمانية. (١) وأما من المعقول: قالوا: إن عقد النكاح ليس كغيره من العقود، فهو عقد عظيم له مكانة لما يترتب عليه من المسائل والفوائد، ولما عرف من ضعف المرأة وجهالتها وعدم ممارستها من أمور النكاح، ولسرعة تأثرها، فكان لزاماً من اشتراط الولي. واستدل الحنفية بمجموعة من الأدلة من الكتاب والسنة والمعقول. أما من الكتاب: فاستدلوا بالآيات التي أسند الله فيها النكاح إلى النساء وهي كثيرة، منها: أ- قَوْله تَعَالى ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) الشاهد أن ينكحن. هذا ووجه الاستدلال: أن الله أسند النكاح إلى النساء دليل على أن المرأة تتولى أمر النكاح بنفسها. (٣) ب- ذكر الله الطلاق وقال في الآية التي تليها: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٤) . فأسند النكاح إلى المرأة.

стр. 65

ج- ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١) أسند الأمر فيها إلى النساء. فقالوا: هذه الآيات وما شابهها دليل عدم اشتراط الولي لأن الخطاب وجه إليها وعلى هذا يجوز للمرأة أن تتولى الأمر بنفسها. وأجاب الجمهور بأن الله خاطب الأولياء في هذه الآيات وخاصة في مطلع كل آية خطاب للأولياء، ومما يؤيد ذلك ما جاء في قصة معقل ابن يسار ففي الحديث السابق (٢) قوله: (نزلت فيّ هذه الآية) الآن أفعل يارسول الله فزوجها إياه. فإذا كانت هذه الآيات كذلك فأصبحت هذه النصوص دليلاً للجمهور على الحنفية. أما من السنة: فالأحاديث السابقة كما في حديث ابن عباس (٣) وحديث عائشة (٤) قوله ﷺ : "الثيب أحق بنفسها من وليها". حديث الجارية السابق أيضاً التي قالت: «إن أبي زوجني وأنا كارهة فخيرها النبي ﷺ » (٥) . فهذه الأحاديث دليل على أن المرأة تتولى أمر النكاح، وأجاب الجمهور

стр. 66

نعم، أن الأحاديث أثبت لها أحقية، ولكن الحق في الرضى، وفي قبول النكاح من عدمه، ولكن لم تدل الأحاديث على اشتراط الولي ولا على عدمه، وقد دلت النصوص الأخرى على اشتراط الولي. واستدل الحنفية أيضا بما يروى عن عائشة ﵂ (أنها فعلت ذلك حيث زوجت المنذر بن الزبير من بنت أخيها عبد الرحمن) (١) ، وهذا دليل على أن للمرأة أن تتولى أمر النكاح لأنها زوجت غيرها فمن باب أولى أن تزوج نفسها. وأجاب الجمهور على ذلك بأنه نظراً لمكانة عائشة وأنها من أمهات المؤمنين، فكانت المرأة من أقاربها تخطب إليها، ثم تقوم عائشة بمقتضى الأمر من المشاورة ثم تقول لأقرب الرجال إليها: «قم فتول النكاح فإن النساء لا يلين النكاح» . هذا هو الثابت عن عائشة، وأنه لم يرد في حديث عائشة التصريح بأنها باشرت العقد. (٢) أما من المعقول: إن المرأة تتولى التصرف في جميع أموالها في البيع والشراء من غير استئذان، فتتصرف في نفسها من غير إذن. وأجاب الجمهور فقالوا: أن هذا القياس غير صحيح، لأن عقد البيع عقد يسير والخسارة فيه مقبولة، والغبن فيه مردود، لثبوت الخيار فيه، بخلاف عقد

стр. 67

النكاح فهو عقد ليس كسائر العقود، عقد يترتب عليه المصالح والفوائد، ولا فسخ فيه، والخسارة والغبن فيه لها آثار سلبية تتضرر بها المرأة. وما عُرف من ضعف المرأة، وسرعة انخداعها، وقلة خبرتها، كان لزاما أن يتولى العقد الرجال. قَال في المغني: ولأن المرأة إنما منعت الاستقلال بالنكاح لقصور عقلها فلا يؤمن انخداعها ووقوعه منها على وجه المفسدة. (١) أدلة القول الثالث: قَالوا: نفرق بين الشريفة والدنيئة، لأن المراد من الولي هو حفظ المرأة وصيانة المرأة بأن تتزوج من غير كفء، وبأقل من مهر المثل، وهذا ينطبق على الشريفة، فمخافة أن تتزوج الشريفة من غير كفء أو بأقل من مهر المثل ألزمنا الولي في جانبها، وأما الدنيئة فلها أن تتزوج بمن تشاء وذلك لأنها لا تُعيّر سواء تزوجت بكفء أو غير كفء. وقال الجمهور: أن هذا الكلام غير مقبول، لأن ما من امرأة دنيئة إلا ويوجد من الرجال من هو أدنى منها، وما من شريفة إلا ويوجد من الرجال من هو أشرف منها، فوجب إسقاط الفرق بينهما. (٢) ثم إن التفريق يحتاج إلى دليل، ولا دليل معكم، وجميع النصوص التي وردت في اشتراط الولي لم تفرق بين الشريفة والدنيئة، فالمرأة حينئذ على حد سواء في اشتراط الولي. قَال ابن عبد البر: ولإجماع العلماء على أن لا فرق بينهما في الدماء، وسائر الأحكام كذلك ليس في شيء منها، فرق بين الوضيع

стр. 68

والرفيع في كتاب ولا سنة. (١) أدلة القول الرابع: استدلوا بالنصوص التي سبقت في باب الإذن منها حديث ابن عباس (٢) «الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن وإذنها صمتها» و «ليس للولي مع الثيب أمر» و «لا تنكح الثيب حتى تستأمر» فهذه النصوص أثبتت أحقية للثيب، وقد فرقت بينهما. وأجاب الجمهور: أن غاية ما في هذه النصوص بيان صفة إذن المرأة في النكاح، ولم تدل على اشتراط الولي ولا على عدمه، لأن اشتراط الولي له نصوص أخرى، دلت عليه، لم تفرق بين البكر والثيب. (٣) وبهذا يتبين أن الراجح هو: ما ذهب إليه الجمهور بأن الولي شرط لصحة النكاح. ترتيب الأولياء: الكلام في ترتيب الأولياء يحتاج إلى التفصيل الآتي: أولاً: إن أقرب الناس لولاية المرأة هو: الأب أ- لكمال شفقة الأب على ابنته. لأنها بضعة منه وهي منه بمثابة نفسه. ب- وبعد نظر الأب عن غيره من الأولياء. ج- الحرص على مصلحة ابنته.

стр. 69

د- أولى الناس بمعرفة الرجال. فصار الأب بهذه المعاني أولى بالولاية في النكاح من سائر العصبة. يرى المالكية ورواية عند الحنفية أن أولى الناس هو الابن (١) : ١- لأنه أولى بميراث هذه المرأة. ٢- وهو أقوى تعصباً من غيره. والصحيح والله أعلم: أن الأب هو أولى، وذلك لعدة أسباب: أ- أن الابن هو موهوب الأب، بمعنى أن الأب هو سبب وجود هذا الابن، ولولا وجود الأب لما وجد هذا الابن، كما قَال الله على لسان إبراهيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ﴾ (٢) وفي الحديث: (أنت ومالك لأبيك) ، وفي رواية (أنت ومالك لوالدك) (٣) فلا يقدم الموهوب على الواهب. ب- أن الأب يعتبر أصل، والابن يعتبر فرع، فلا يقدم الفرع على الأصل بل يبقى الأصل هو مقدماً. ج- أن الأب تولى هذا الابن، فكان ولياً عليه في حال صغره وسفهه وجنونه، فيكون الأب مقدماً على الابن. (٤) ثانياً: إذا عدم الأب فالجد هو المقدم، لأنه يأتي بعد الأب في كمال الشفقة

стр. 70

والحرص على مصلحة من تحت يده، وهو قول الشافعية والحنابلة. (١) وفي رواية لأحمد: أن الابن لو اجتمع مع الجد فإن الابن يقدم على الجد. - لأنه أولى بالميراث. - وأقوى تعصباً. وفي رواية ثالثة: أن الأخ لو اجتمع مع الجد فإنه مقدم على الجد. - لأنه أقرب من الجد. - ولأن الجد يدلى بالأب فجهته الأبوة، والأخ درجته البنوة بالنسبة لهذا الجد، والبنوة مقدم على الأبوة. وفي رواية رابعة: أن الأخ لو اجتمع مع الجد فهما على حد سواء. لاستوائهما في الميراث واستوائهما في القرابة. (٢) والصحيح والله أعلم: هو تقديم الجد. أ- لأن الجد هو الأصل وما سواه فرع، والأصل مقدم على الفرع. ب- ثم إن من سواه يعتبر موهوباً له، فلن يقدم الموهوب على الواهب. ج- والجد يلي هؤلاء في صغرهم لو عدم الأب. ثالثاً: إذا عدم الأب والجد، فيرى أكثر أهل العلم أن الابن هو أولى الناس بولاية المرأة. لأنه يعتبر أقرب الناس إلى هذه المرأة. ولا يرى الشافعية الابن من الأولياء، فيقولون: لا ولاية للابن على أمه. (٣)

стр. 71

لأن الابن بطبعه ينفر من تزويج أمه فليس له ولاية عليها. وكيف يكون الابن ولياً على أمه وفارق السن بينهما كبير، فالأم هنا أعلى مكانة وأعرف منه، فكيف يتولى من هو أدنى مرتبة وغير عارف بالمصالح. والصحيح والله أعلم: هو مذهب الجمهور، أن الابن يكون ولياً على أمه إذا عدم الأب والجد. والدليل على ذلك ما جاء في السنة من حديث أم سلمة لما انقضت عدتها أرسل إليها النبي ﷺ من يخطبها، ولم يكن عندها من الرجال إلا ابنها (عمر) فقالت له: قم يا عمر فزّوج رسول الله ﷺ . فزوجه إياها. (١) رابعاً: الأخوة، والأخوة ثلاثة أقسام: - ما كان للأبوين. - ما كان للأب. - ما كان للأم. لا ولاية للأخ للأم، لأنه من ذوي الأرحام والولاية خاصة بالتعصيب والأخ الشقيق مقدم على الأخ للأب. قَال ابن قدامة: لا خلاف بين أهل العلم في تقديم الأخ بعد عمودي النسب لكونه أقرب العصبات بعدهم. (٢) خامساً: العمومة، ولا شك أن العم الشقيق مقدم على العم للأب، ثم سائر العصبات بعد ذلك من هذه الجهة بحسب ترتيبهم في الميراث.

стр. 72

إذا عدم هؤلاء فهل لغيرهم الحق في الولاية؟ أكثر أهل العلم يرون أنه لا ولاية لغير هؤلاء، مثل الخال والأخ وعم الأم ونحوهم وهم ما يعرفون بذوي الأرحام. ومن أهل العلم من يرى ولاية مثل هؤلاء، لأنهم يعتبرون من أقرباء المرأة. وإذا عدم الأولياء فما هو الحكم؟ يتولى ولايتها السلطان أو الحاكم أو الإمام أو نائبه أو وكيله أو من يقوم مقامه، أو من يفوضه الإمام كالقاضي مثلاً، والدليل على هذا ما جاء في الحديث السابق. (١) أ- "لا نكاح إلا بولي والسلطان ولي من لا ولي له". ب- أن السلطان له ولاية عامة، على الأموال، وعلى الضياع، وعلى الزواج، فيكون تزويجها من قبل السلطان. (٢) لو أوصى أحد الأولياء بالتزويج فما حكم هذه الوصية هل تنفذ أم لا؟ لا تقع هذه الوصية إلا بعد موت الموصي. وقد اختلف الفقهاء في ثبوت الوصية في الولاية على ثلاثة أقوال: القول الأول: قَال المالكية والحنابلة في رواية مشهورة: أنه تصح الوصية في الولاية. (٣) لأن الولاية ثبتت له شرعاً فهو أحق بها، وكل شيء ثبت شرعاً فإنه يجوز الوصية فيه، فكما أنه لو أوصى بالمال ينفذ وصيته، فكذلك لو أوصى بالزواج.

стр. 73

القول الثاني: قول الحنفية والشافعية وهو رواية عند الحنابلة: لا تصح الوصية في الولاية. (١) أ- لأن الولاية تنتقل إلى غيره شرعاً، فإذا أوصى قطع الانتقال، فلا تصح الولاية إذاً. ب- أن فيه ضرراً على بقية الأولياء، ولربما بعث ذلك العداوة والبغضاء والشحناء بينهم، والضرر لا يصح لأنه لا ضرر ولا ضرار. القول الثالث: إذا كان لها عصبة فإنه لا تصح الوصية، حتى لا يتضرر الورثة، أما إذا كان ليس لها عصبة فتجوز الوصية. لأنه لا ضرر على الأولياء بل لو لم يوص لتضررت المرأة. وحفظاً للمرأة فالوصي يقوم مقام الولي، وهذا من إحدى روايات عن الإمام أحمد رواية ابن حامد. (٢) هل تصح الوكالة في النكاح؟ يقوم وكيل كل واحد من هؤلاء مقامه، فهو يعتبر نائباً عنه، والتوكيل في النكاح صحيح وجائز وثابت، قَال ابن عبد البر وهو أمر لا أعلم فيه خلافاً. (٣) والدليل على هذا: ١- ما ثبت أن النبي ﷺ وكّل أبا رافع في تزوجيه ميمونة، فقد جاء في الحديث فيما رواه أحمد والترمذي وغيرهما، عن أبي رافع قَال: «تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو

стр. 74

حلال وكنت أنا الرسول بينهما» (١) . وفي رواية: «أن النبي ﷺ أرسل أبا رافع مولاه ورجلاً من الأنصار فزوجاه ميمونة» (٢) . قَال أبو عمر في رواية مالك لهذا الحديث دليل على جواز الوكالة في النكاح وهو أمر لا نعلم فيه خلافا، والرواية متواترة (٣) . وقال: وقد ورد أن النبي ﷺ بعث جعفر بن أبي طالب إلى ميمونة بنت الحارث فخطبها عليه فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب فزوجها الرسول ﷺ . (٤) ٢- «أن النبي ﷺ بعث عمر بن أمية الضمري إلى النجاشي فزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان وساق عنه أربعمائة دينار» رواه البيهقي. (٥) ٣- أن عقد النكاح عقد معاوضة، يصح التوكيل فيه مطلقاً، كعقد البيع سواء بسواء. (٦) شروط الولي: ذكر العلماء مجموعة من الشروط وهي بالجملة ستة شروط يجب توفرها في الولي: (الإسلام، العقل، الحرية، الذكورية، البلوغ، العدالة) .

стр. 75

الشرط الأول: الإسلام؛ لا ولاية لكافر على المسلم بأي حال من الأحوال، وهذا محل اتفاق بين العلماء، وذلك لعدة أمور: أ- الإجماع على ذلك، وقد نقله ابن المنذر حيث قَال: ((أجمعوا أن الكافر لا يكون ولياً لابنته المسلمة)) (١) . وقال ابن قدامة: أما الكافر فلا ولاية له على مسلمة بحال بإجماع أهل العلم. (٢) ب- ورود النصوص في ذلك: قول الله تعالى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ . (٤) ج- الاختلاف في الدين يمنع التوارث بينهما، فلا يرث أحدهما من الآخر، كما إن اختلاف الدين يمنع التعاقل بينهما (أي الدية) ومعنى عدم التعاقل، انقطاع الصلة والعصبة بينهما، وعدم الولاية. وكذلك المسلم لا ولاية على الكافرة غير السيد والسلطان فلهما تزويج الأمة الكافرة على الكافر لأنها لا تحل للمسلم ولأن ولاية السلطان عامة. (٥) الشرط الثاني: العقل؛ لأن العقل مناط التكليف، وزائل العقل قاصر
следующие страницы →