← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 12152

مقدمات النكاح

محمد بن عبد العزيز السديس

Полный текст (123 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

لأن الابن بطبعه ينفر من تزويج أمه فليس له ولاية عليها. وكيف يكون الابن ولياً على أمه وفارق السن بينهما كبير، فالأم هنا أعلى مكانة وأعرف منه، فكيف يتولى من هو أدنى مرتبة وغير عارف بالمصالح. والصحيح والله أعلم: هو مذهب الجمهور، أن الابن يكون ولياً على أمه إذا عدم الأب والجد. والدليل على ذلك ما جاء في السنة من حديث أم سلمة لما انقضت عدتها أرسل إليها النبي ﷺ من يخطبها، ولم يكن عندها من الرجال إلا ابنها (عمر) فقالت له: قم يا عمر فزّوج رسول الله ﷺ . فزوجه إياها. (١) رابعاً: الأخوة، والأخوة ثلاثة أقسام: - ما كان للأبوين. - ما كان للأب. - ما كان للأم. لا ولاية للأخ للأم، لأنه من ذوي الأرحام والولاية خاصة بالتعصيب والأخ الشقيق مقدم على الأخ للأب. قَال ابن قدامة: لا خلاف بين أهل العلم في تقديم الأخ بعد عمودي النسب لكونه أقرب العصبات بعدهم. (٢) خامساً: العمومة، ولا شك أن العم الشقيق مقدم على العم للأب، ثم سائر العصبات بعد ذلك من هذه الجهة بحسب ترتيبهم في الميراث.

стр. 72

إذا عدم هؤلاء فهل لغيرهم الحق في الولاية؟ أكثر أهل العلم يرون أنه لا ولاية لغير هؤلاء، مثل الخال والأخ وعم الأم ونحوهم وهم ما يعرفون بذوي الأرحام. ومن أهل العلم من يرى ولاية مثل هؤلاء، لأنهم يعتبرون من أقرباء المرأة. وإذا عدم الأولياء فما هو الحكم؟ يتولى ولايتها السلطان أو الحاكم أو الإمام أو نائبه أو وكيله أو من يقوم مقامه، أو من يفوضه الإمام كالقاضي مثلاً، والدليل على هذا ما جاء في الحديث السابق. (١) أ- "لا نكاح إلا بولي والسلطان ولي من لا ولي له". ب- أن السلطان له ولاية عامة، على الأموال، وعلى الضياع، وعلى الزواج، فيكون تزويجها من قبل السلطان. (٢) لو أوصى أحد الأولياء بالتزويج فما حكم هذه الوصية هل تنفذ أم لا؟ لا تقع هذه الوصية إلا بعد موت الموصي. وقد اختلف الفقهاء في ثبوت الوصية في الولاية على ثلاثة أقوال: القول الأول: قَال المالكية والحنابلة في رواية مشهورة: أنه تصح الوصية في الولاية. (٣) لأن الولاية ثبتت له شرعاً فهو أحق بها، وكل شيء ثبت شرعاً فإنه يجوز الوصية فيه، فكما أنه لو أوصى بالمال ينفذ وصيته، فكذلك لو أوصى بالزواج.

стр. 73

القول الثاني: قول الحنفية والشافعية وهو رواية عند الحنابلة: لا تصح الوصية في الولاية. (١) أ- لأن الولاية تنتقل إلى غيره شرعاً، فإذا أوصى قطع الانتقال، فلا تصح الولاية إذاً. ب- أن فيه ضرراً على بقية الأولياء، ولربما بعث ذلك العداوة والبغضاء والشحناء بينهم، والضرر لا يصح لأنه لا ضرر ولا ضرار. القول الثالث: إذا كان لها عصبة فإنه لا تصح الوصية، حتى لا يتضرر الورثة، أما إذا كان ليس لها عصبة فتجوز الوصية. لأنه لا ضرر على الأولياء بل لو لم يوص لتضررت المرأة. وحفظاً للمرأة فالوصي يقوم مقام الولي، وهذا من إحدى روايات عن الإمام أحمد رواية ابن حامد. (٢) هل تصح الوكالة في النكاح؟ يقوم وكيل كل واحد من هؤلاء مقامه، فهو يعتبر نائباً عنه، والتوكيل في النكاح صحيح وجائز وثابت، قَال ابن عبد البر وهو أمر لا أعلم فيه خلافاً. (٣) والدليل على هذا: ١- ما ثبت أن النبي ﷺ وكّل أبا رافع في تزوجيه ميمونة، فقد جاء في الحديث فيما رواه أحمد والترمذي وغيرهما، عن أبي رافع قَال: «تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو

стр. 74

حلال وكنت أنا الرسول بينهما» (١) . وفي رواية: «أن النبي ﷺ أرسل أبا رافع مولاه ورجلاً من الأنصار فزوجاه ميمونة» (٢) . قَال أبو عمر في رواية مالك لهذا الحديث دليل على جواز الوكالة في النكاح وهو أمر لا نعلم فيه خلافا، والرواية متواترة (٣) . وقال: وقد ورد أن النبي ﷺ بعث جعفر بن أبي طالب إلى ميمونة بنت الحارث فخطبها عليه فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب فزوجها الرسول ﷺ . (٤) ٢- «أن النبي ﷺ بعث عمر بن أمية الضمري إلى النجاشي فزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان وساق عنه أربعمائة دينار» رواه البيهقي. (٥) ٣- أن عقد النكاح عقد معاوضة، يصح التوكيل فيه مطلقاً، كعقد البيع سواء بسواء. (٦) شروط الولي: ذكر العلماء مجموعة من الشروط وهي بالجملة ستة شروط يجب توفرها في الولي: (الإسلام، العقل، الحرية، الذكورية، البلوغ، العدالة) .

стр. 75

الشرط الأول: الإسلام؛ لا ولاية لكافر على المسلم بأي حال من الأحوال، وهذا محل اتفاق بين العلماء، وذلك لعدة أمور: أ- الإجماع على ذلك، وقد نقله ابن المنذر حيث قَال: ((أجمعوا أن الكافر لا يكون ولياً لابنته المسلمة)) (١) . وقال ابن قدامة: أما الكافر فلا ولاية له على مسلمة بحال بإجماع أهل العلم. (٢) ب- ورود النصوص في ذلك: قول الله تعالى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ . (٤) ج- الاختلاف في الدين يمنع التوارث بينهما، فلا يرث أحدهما من الآخر، كما إن اختلاف الدين يمنع التعاقل بينهما (أي الدية) ومعنى عدم التعاقل، انقطاع الصلة والعصبة بينهما، وعدم الولاية. وكذلك المسلم لا ولاية على الكافرة غير السيد والسلطان فلهما تزويج الأمة الكافرة على الكافر لأنها لا تحل للمسلم ولأن ولاية السلطان عامة. (٥) الشرط الثاني: العقل؛ لأن العقل مناط التكليف، وزائل العقل قاصر

стр. 76

وناقص وعديم النظر وعاجز، فهو يحتاج إلى من يتولى أمره، فكونه لا يتولى على غيره من باب أولى، وسواء كان زوال العقل لصغر أو لكبر أو لمرض أو لجنون أو ما أشبه ذلك. (١) الشرط الثالث: الحرية؛ الرقيق أو المملوك لا يملك نفسه ولا يستطيع أن يتصرف بنفسه إلا بإذن سيده، فمن باب أولى ألا يتصرف في غيره، فهو مملوك وعليه ولاية. قَال الزركشي: بلا خلاف. (٢) الشرط الرابع: الذكورية؛ القول باشتراط الذكورية في ولي النكاح هو قول جمهور أهل العلم أن الولي شرط لصحة النكاح كما سبق بيانه. (٣) لأن الولاية تحتاج إلى كمال وبعد نظر، والمرأة قاصرة وناقصة وقليلة الخبرة وسريعة التأثر. الشرط الخامس: البلوغ؛ ولا شك أن الصبي قاصر، عديم الإدراك، يحتاج إلى ولاية، وقد روي عن الإمام أحمد أنه قَال: إذا بلغ الصبي عشراً زوج وتزوج، ولكن الصحيح والله أعلم اعتبار ذلك بالبلوغ، لأن البلوغ هو مناط التكليف فلا تكليف إلا بعد البلوغ. (٤) الشرط السادس: العدالة؛ وهي محل خلاف بين الفقهاء، هل هي شرط في الولاية أم لا؟ على قولين: أ- ذهب الشافعية والرواية المشهورة عند الحنابلة: أن العدالة شرط، ولا

стр. 77

تصح ولاية الفاسق. (١) واستدلوا بالحديث السابق أن النبي ﷺ قَال: «لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل» وفي رواية: «أيما امرأة نكحها أو أنكحها ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل» (٢) . وكذلك ما ورد عن الإمام أحمد أصح ما في الباب حديث ابن عباس: «لا نكاح إلا بولي مرشد» (٣) . ب- وقال أكثر أهل العلم من المالكية والحنفية، ورواية عن الحنابلة، وقول للشافعية، أن العدالة ليست شرطاً فتصح ولاية الفاسق. (٤) واستدلوا على ذلك أولاً: بالنصوص العامة التي اشترطت الولي من غير تقييد: كقول الله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ . (٥) وقوله ﷺ كما في الحديث السابق (٦) "لا نكاح إلا بولي" فإن مثل هذه النصوص جاءت مطلقة من غير تقييد، دلت على أنه تصح ولاية غير العدل. ثانياً: أن غير العدل له حق عقد النكاح، فهو أحد طرفي العقد كالزوج مثلاً، فهو أحد المتعاقدين، فلا يشترط فيه العدل، فإذا كان الزوج الفاسق له

стр. 78

حق الزواج فكذلك الولي الفاسق له أن يلي عقد النكاح. ثالثاً: إن الولاية سببها القرابة، وشرطها بعد النظر، واختيار المصلحة، وهذا يتوفر في الفاسق. (١) هل يشترط في الولي أن يكون بصيراً؟ وما حكم ولاية الأعمى؟ لا يشترط أن يكون الولي بصيرا، لأن البصر ليس بشرط في ولاية التزويج فلا يشترط في الولاية البصر. فقد ثبت أن شعيب ﵇ زوج ابنتيه لموسى ﵇ وهو ضرير. ولأن أمور النكاح ومصالحه تعرف بالسماع والاستفاضة فلا يحتاج إلى نظر. ولربما كان الضرير أعرف من كثير من المبصرين في مثل هذه الأمور. فيعطى من الحواس ما يعرف به الكثير من الأشياء، ولأن الأعمى من أهل الرواية والشهادة فكان من أهل الولاية كالبصير. (٢) هل يشترط في الولي أن يكون متكلماً؟ وهل ولاية الأخرس صحيحة؟ إذا كانت إشارته مفهومة ويعرفها الطرف الآخر فتصح ولايته كسائر تصرفاته الأخرى. (٣)

стр. 79

عضل الأولياء، أو العضل في النكاح: معنى العضل: لغة: هو المنع والحبس، وأصله مأخوذ من قولهم عضلت الدابة: بمعنى احتبس الولد في بطنها. والعرب تقول للشدائد معضلات، وتقول أيضاً: داء عضال. وهو الأمر الشديد قَال أبو عبيد: عضل الرجل أخته وابنته يعضلها عضلاً إذا منعها من التزويج وكذلك عضل الرجل امرأته. (١) اصطلاحاً: منع الولي المرأة من أن تتزوج برجل كفء إذا طلبت ذلك ورغب كل واحد منهما في صاحبه. (٢) حكم العضل: هو نوع من الظلم وقد نهى الله عنه الأولياء، وذلك في قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣) فلا تعضلوهن خطاب للأولياء، ومعناه: لا تحبسوهن عن الزوج كما قاله ابن عباس وغيره (٤) ، ومما يؤكد هذا ما رواه البخاري عن معقل بن يسار قَال: «نزلت فيّ هذه الآية. زوجت أختاً لي من رجل فطلقها، فلما انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت: والله لن تعود إليك أبداً فأنزل الله هذه الآية فقال معقل: الآن أفعل يارسول الله، فزوجها إياه» (٥) .

стр. 80

فهذه الآية المذكورة من أقوى الأدلة على اشتراط الولي. يقول الإمام الشافعي: ((هذه أبين آية في كتاب الله دلالة على أن ليس للمرأة أن تتزوج بغير ولي. وإلا لما كان للنهي عن العضل معنى)) (١) . لو تزوجت المرأة بأقل من مهر المثل فهل للولي منعها؟ أو فهل لها ذلك؟ الصحيح والله أعلم: أن ليس للولي المنع في هذه الحالة، باعتبار أن الصداق من حق المرأة، وما كان حقاً لها فلها أن تتصرف فيه كيف تشاء، والإسلام دعى إلى تخفيف المهور وعدم المغالات فيها بدليل: ما جاء في حديث الواهبة نفسها السابق (٢) ، قوله ﷺ : "التمس ولو خاتما من حديد". فربما كان مهر المثل من العوائق، وهذا هو مذهب أكثر أهل العلم. (٣) لو عينت المرأة كفأً، وعين الولي كفأً، فهل المختار والمقدم هو اختيار المرأة أو الولي؟ إذا كان المعين كفأً فنقدم ما اختارته المرأة، لأنها صاحبة شأن، وأما إذا كان غير كفء فإنه حينئذ للولي حق المنع ولا يعتبر هذا عضلاً. (٤) لو عضلها الولي القريب من أن تتزوج برجل كفء: خلاف بين الفقهاء على قولين: القول الأول: أن الولاية تنتقل إلى من بعده من الأولياء، لأن الولاية

стр. 81

مرتبة شرعاً وهذا قول عند الشافعية ورواية عند الحنابلة. (١) القول الثاني الجمهور: لا تنتقل الولاية، وإنما يزوجها الحاكم أو السلطان، أو من يقوم مقامه (٢) ، لأنه جاء في بعض روايات الحديث: «فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» (٣) . والصحيح: والله أعلم هو الأول. وأجابوا عن الحديث: بأنه محمول على ما لو عضلها جميع الأولياء، فإنها حينئذ تنتقل إلى السلطان، وإلا فالولاية ثابت انتقالها شرعا، كما لو مات القريب، أو جن أو غاب، تنتقل إلى من بعده فهذا العضل مثل ما لو غاب القريب أو جن أو مات، وإلا فلا معنى لترتيب الأولياء. (٤) لو زوج المرأة الولي الأبعد مع وجود وليها الأقرب وهو غير راض فما هو الحكم؟ كالأخ مع وجود الأب، أو العم مع وجود الأخ ولا عضل من الأب ولا من الأخ، هذه المسألة مبنية على اختلاف الفقهاء في ترتيب الأولياء، وقد اختلف فيها على ثلاثة أقوال: الأول الشافعية والحنابلة: لا يصح هذا العقد والعقد باطل أو فاسد. لأن الولاية مرتبة شرعاً، فلا يصح تزويج الأبعد وتقديمه مع وجود الأقرب، لأن

стр. 82

الأقرب يعتبر أقرب الناس إليها شرعاً، فلو قدم الأبعد على الأقرب فلا معنى للترتيب فالأقرب يحجب الأبعد كما في الميراث. (١) الثاني المالكية يصح مثل هذا النكاح لأنه لم يرد دليل على الترتيب، ولأن الولي البعيد يعتبر من الأولياء. والولي البعيد والقريب على حد سواء. قَال مالك: ليس للأب ههنا قول إذا زوجها الأخ برضاها. (٢) الثالث الحنفية ورواية عند الحنابلة: يصح هذا النكاح ولكنه موقوف على إجازة الولي القريب. (٣) واستأنسوا بحديث عائشة: «بأن جارية أتت النبي ﷺ ، فقالت: أجزت ما صنع أبي ليعلم النساء أن ليس للآباء في الأمر شيء» (٤) . وبحديث ابن عباس ﵄ السابق (٥) أن جارية بكرا أتت النبي ﷺ فقالت: إن أبي زوجني وأنا كارهة فخيرها النبي ﷺ . فمن يرى صحة التعدي في الولاية يقول بالقول الثاني والثالث، ومن يرى عدم صحة التعدي في الولاية يقول بالقول الأول وهو الراجح إن شاء الله تعالى لأن القول بجواز نكاح الأبعد يفضي إلى الفوضى بين الأولياء مما يترتب عليه

стр. 83

المفاسد بينهم والله أعلم. لو غاب الولي غيبة منقطعة فما الحكم؟ هل يزوجها السلطان أم تنتقل الولاية؟ محل خلاف بين الفقهاء على قولين: الأول قَال أكثر أهل العلم: تنتقل الولاية إلى من بعده، لأن الولاية مرتبة شرعا، كما لو جُن أو مات فتنتقل الولاية إلى من بعده. (١) الثاني وقال الشافعية: يزوجها الحاكم أو السلطان، لأن الولي الغائب تعذر لنا الوصول إليه فيقوم الحاكم مقامه، وما جعل السلطان إلا لهذا. وإنما ما قالوا بالانتقال، لأن هذا الولي الأصل بقاؤه. وإنما قلنا: الأصل بقاؤه، لأنه لو زوج وهو غائب فزواجه صحيح، ولو وكل وهو غائب فتوكيله صحيح، وإنما تعذر لغيبته فناب الحاكم عنه. (٢) والصحيح: والله أعلم هو القول الأول، والسلطان لا ولاية له على هذه المرأة لأنه ولي على من لا ولي له، ولكن هذه المرأة لها ولي، ولكن لم نستطع الوصول إليه فتنتقل إلى من بعده كما لو جُن أو مات. تحديد الغيبة المنقطعة: محل خلاف بين الفقهاء يمكن حصرها في أربعة أقوال: ١- إن هذه الغيبة تحدد بعدم وصول الكتاب (الرسالة) إليه، أو وصل إليه الكتاب ولكن لم يرد منه إلينا الجواب وهي رواية عند الحنابلة، واختارها

стр. 84

الخرقي. (١) ٢- هي التي لا ترد إليها القوافل إلا في السنة مرة واحدة وهي رواية عند الحنفية. (٢) ٣- هي مسافة القصر، كل مسافة تقصر فيها الصلاة فهو يعتبر غيبة منقطعة، وهو قول الشافعية. (٣) ٤- إن الغيبة المنقطعة غير محددة، وإنما تعود إلى وجود الكلفة والمشقة في الوصول إليه، فإذا شق الوصول إليه فهو يعتبر غيبة منقطعة، لأن التحديد توقيفي يحتاج إلى دليل، ولا دليل عندنا فالاعتبار فيها بالكلفة والمشقة. قَال ابن قدامة: وهذا القول إن شاء الله أقربها إلى الصواب (٤) .

стр. 85

المبحث الثامن: الكفاءة في النكاح الكفاءة لغة: هي المماثلة والمساواة، يقال فلان كفء فلان أي مساوٍ له ومماثل له والكفاءة المصدر (١) ، ومن ذلك الحديث:"المسلمون تتكافأ دماؤهم" (٢) أي تتساوى، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٣) أي لا مثيل ولا مساوي له ولا ند له. اصطلاحاً: تساوي الرجل والمرأة في عقد النكاح في أمور مخصوصة. وقيل: كون الزوج نظيرا للزوجة. (٤) هل الكفاءة شرط في النكاح؟ محل خلاف بين الفقهاء على أقوال ثلاثة: القول الأول: إن الكفاءة ليست بشرط على الإطلاق، لا شرط صحة ولا شرط لزوم. وهو إحدى الروايتين عند الإمام أحمد، وقال به بعض التابعين كالثوري والحسن البصري والكرخي من الحنفية. (٥)

стр. 86

واستدلوا بثلاثة أنواع من الأدلة: ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ من النصوص التي تدعو إلى المساواة بين الناس وعدم التفريق بينهم ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١) . وجه الدلالة: أن الميزان هو التقوى عند الله ، وفي الحديث آنفا "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم" بمعنى تتساوى لا فرق بين الشريف وغيره، ولا العالم والجاهل والكبير والصغير (٢) . - فعل النبي ﷺ : فقد أمر النبي ﷺ فاطمة بنت قيس أن تتزوج من أسامة بن زيد، وهو مولى من الموالي وفاطمة قرشية (٣) ، وكذلك زوج النبي ﷺ زيد بن حارثة من زينب بنت جحش الأسدية (٤) . وقوله ﷺ : "يابني بياضة أنكحوا أبا هند وأنكحوا له" (٥) ، وأبا هند هو

стр. 87

حجّام النبي ﷺ ، والوقائع في هذا كثيرة. ج- أن الإسلام دعا إلى المساواة بين الناس وعدم التفريق بينهم وهذا مما تميز به الإسلام عن غيره، وكان سبباً لدخول كثير من الناس في الدين الإسلامي، وهذه المساواة في عدم التفريق بين الكبير والصغير، والشريف وغير الشريف، والعالم والجاهل، وهو نوع من التكافل الاجتماعي الَّذِي دعا إليه الإسلام. القول الثاني: قَال الجمهور: إن الكفاءة شرط في النكاح وهي شرط لزوم لا شرط صحة (١) ، واستدلوا بمجموعة من النصوص منها: أولاً: ما جاء في صحيح البخاري من حديث بريرة لما عُتقت خيرها ﷺ بين فسخ النكاح والبقاء مع الزوج فاختارت الفسخ (٢) . وحديث بريرة أصل في اعتبار الكفاءة في النكاح، فلو كان زوج بريرة كُفأً لها، لما خيرها النبي ﷺ ولكن تخيير النبي ﷺ بين الفسخ والبقاء دليل على عدم التكافؤ. ثانياً: قوله ﷺ : "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" وفي رواية: "إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه" وفي رواية: "إذا خطب المسلم ممن ترضون دينه وخلقه فزوجوه" رواه الترمذي. (٣)

стр. 88

دليل على اشتراط الكفاءة، وأن الناس ليسوا سواء، ويجب على الولي أن يختار لها رجلاً كفأً. ثالثاً: ما جاء في الصحيحين: "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" (١) دليل على أن الناس ليسوا سواء. رابعاً: حديث ابن عمر: «العرب بعضهم لبعض أكفاء، والموالي بعضهم لبعض أكفاء» ، وفي رواية «العرب أكفاء بعضهم لبعض، والموالي أكفاء بعضهم لبعض» (٢) . قيل للإمام أحمد: تأخذ بالحديث وأنت تضعفه؟! قَال: العمل عليه. (٣) وقال الألباني: وأما ضعفه فهو في حكم المتفق عليه والقلب إلى وضعه أميل. (٤) القول الثالث: أن الكفاءة شرط لصحة النكاح لا شرط لزوم، وهو رواية عن الإمام أحمد. (٥) واستدلوا على ذلك: أولاً: أثر عن عمر: ((لأمنعن تزويج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء)) (٦) .

стр. 89

ثانياً: عن عائشة قالت قَال رسول الله ﷺ : "تخيروا لنطفكم الأكفاء وأنكحوا إليهم" (١) . ويروى عن أحمد أنه قَال: إذا تزوج المولى العربية فرق بينهما. وقال أيضاً: في الرجل يشرب الشراب ما هو بكفء لها يفرق بينهما. وقال: لو كان المتزوج حائكاً فرقت بينهما. (٢) والراجح والله اعلم هو قول جمهور أهل العلم ومما يؤكد ذلك أن المرأة هي صاحبة الحق في الكفاءة. فالكفاءة تكون في جانب المرأة وبجانب الأولياء، لأن المرأة والأولياء هم الَّذِين يلحقهم العار بتزويج غير كفء، وأما الرجل أو الزوج فلا يلحقه العار، فليس الكفاءة بجانبه لأنه لا يعير بذلك، ولأن الولد ينسب إليه ولا ينسب إلى المرأة ولا إلى الأولياء. (٣) والدليل على أن المرأة هي التي تعير من تزويج غير كفء ما جاء في حديث الجارية التي قالت: إن أبي زوجني وأنا كارهة فجعل لها الخيار ﷺ . (٤) وكذلك حديث الجارية التي قالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، فخيرها النبي ﷺ ، فقالت: أجزت ما صنع أبي، ليعلم النساء أن ليس للآباء في الأمر شيء. (٥)

стр. 90

لو وقع العقد وتزوجت بغير كفء فما الحكم؟ لا يخلو هذا من ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: إذا رضيت المرأة وكره الأولياء، فالنكاح غير صحيح، لأن الولي شرط في النكاح، وحتى الحنفية الَّذِين يرون أن الولي ليس بشرط قَالوا لابد من رضا وإذن الأولياء إذا تزوجت المرأة من غير كفء. الحالة الثانية: لو رضي الأولياء وكرهت المرأة، فالنكاح غير صحيح، لأنه لا بد من رضا المرأة، والمرأة لا تجبر على النكاح. الحالة الثالثة: رضيت المرأة ورضي الأولياء، فالعقد صحيح، لأن الكفاءة شرط لزوم واعتبار وثبوت، وليست شرط صحة. (١) شروط الكفاءة أو أوصاف الكفاءة: للكفاءة مجموعة من الشروط أو مجموعة من الأوصاف هي كما يلي: الأول - الدين: والمراد به الصلاح والتقوى والاستقامة على أمور الدين، كالصلاة والصيام والزكاة والحج، والبر والصلة وما أشبه ذلك وهذا محل اتفاق. (٢) فالرجل الفاجر أو الفاسق لا يكون كفأً للمرأة الصالحة أو العفيفة، وذلك لعموم النصوص الواردة في ذلك:

стр. 91

قَال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ (١) ، وقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وقوله ﷺ في الحديث السابق (٣) : "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه". وفي رواية: "إذا خطب إليكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه" الثاني - النسب: والمراد به معرفة الأصول والآباء والأجداد، حتى لا يكون أحد الطرفين مولى من الموالي أو رقيق مملوك، ولا يكون أيضاً لقيط غير معروف، أو ولد زنا. والعرب يعدون الكفاءة في النسب ويأنفون من نكاح الموالي ويرون ذلك نقصاً وعاراً فالعجمي ليس بكفء للعربية. _ وقد اعتبر الجمهور النسب شرط من شروط الكفاءة. (٤) - واستدلوا بالحديث السابق (٥) «العرب أكفاء بعضهم لبعض قبيلة بقبيلة، ورجل برجل، والموالي أكفاء بعضهم لبعض قبيلة بقبيلة ورجل برجل إلا حائكاً أو حجاماً» . - وبقول عمر ﵁ السابق ((لأمنعن تزويج ذوات الأحساب إلا من

стр. 92

الأكفاء)) (١) . - ولأن العرب كانوا يأنفون من تزويج الموالي، ويعتدون بالنسب لأنهم يرون أن الموالي ناقص ويلحقهم العار بتزويجه. وأعلى الأنساب وأشرف الأنساب هم قريش ثم غير قريش بقية العرب، وقريش يتفاضلون فبنو هاشم ليسوا كبني عبد مناف وهكذا. القول الثاني: أن النسب ليس بشرط، بناءاً على أن الكفاءة مطلقاً ليست بشرط كما مر علينا (٢) ، واستدلوا بعموم الأدلة التي تدل على عدم الكفاءة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ (٣) الآية، وفعل النبي ﷺ تزويج زيد من زينب، وأسامة من فاطمة. ورجحنا سابقاً: أن الكفاءة شرط لزوم وهو مذهب جمهور أهل العلم. (٤) ثالثاً - الحرية: إن المملوك والرقيق ليس كفأً للحرة، والدليل على ذلك حديث بريرة السابق (٥) حيث خيرها النبي ﷺ بين الفسخ والبقاء، فاختارت الفسخ، ولأن نقص الرق كبير وضرره بين فإنه مشغول عن امرأته بحقوق سيده. (٦)

стр. 93

ومن أهل العلم من يرى أن المملوك مكافىء للحرة، واستدلوا بعموم الأدلة التي تدعوا إلى المساواة وعدم التفريق بين الناس بناء على اعتبار الكفاءة ليس شرطاً. رابعاً - المال: وهو ما يعرف عند بعض العلماء باليسار، والمراد به القدرة على الإنفاق ودفع الصداق. فهل المال من شروط الكفاءة؟ محل خلاف بين الفقهاء على قولين: القول الأول: بأن المال شرط من شروط الكفاءة ووصف من أوصافها وهو قول أكثر جمهور أهل العلم. (١) واستدلوا بمجموعة من الأدلة منها: أ- أن الناس يتفاضلون في هذا المال كما يتفاضلون في النسب أو أشد منه وأبلغ. ب- قصة فاطمة بنت قيس ﵂ السابقة (٢) حينما خطبها معاوية، قَال لها النبي ﷺ : "أما معاوية فصعلوك لا مال له" بمعنى رجل فقير. ج- واستدلوا بقوله ﷺ : "الحسب المال والكرم التقوى" (٣) ومعنى

стр. 94

الحسب: أي الشرف والمكانة والمنْزلة العالية، ومعنى الحسب المال: أي أن المنزلة والمكانة في عيون الناس هو المال، فالرجل الَّذِي لا مال له ولو كان ذا حسب ونسب فهو ليس صاحب المكانة في عيون الناس، والرجل الغني ولو لم يكن ذا حسب ونسب فهو ذو مكانة عند الناس. د - والحديث المتفق عليه السابق (١) قوله ﷺ : "تنكح المرأة، لمالها ... " فإنه أول ما ذكره، وهذا دليل على اعتبار المال. ? - قوله ﷺ في الحديث: "إن أحساب أهل الدنيا الَّذِين يذهبون إليه هذا المال" (٢) . القول الثاني: أن المال ليس من شرط الكفاءة وهو قول المالكية ورواية عند الحنفية. (٣) أ- لأن المال متاع زائل، فهو غاد ورائح، لا يفتخر به ذوو المروءات. ب- ثم أن الفقر شرف في الدين لقوله ﷺ : "اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين" رواه الترمذي. (٤) ج- ولقول الله : ﴿وَأَنكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ

стр. 95

وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) الآية. الراجح: هو القول الأول لقوة ما استدلوا به. خامساً - العمل أو الحرفة أو المهنة: تنقسم المهن والحرف والأعمال إلى قسمين: أ- حرف عالية لها مكانة وهي ثلاثة: التجارة، الزراعة، الصناعة. ب- حرف دنيئة وهي كثيرة، كالحائك والحجام والزبال. والعمل يختلف باختلاف المكان والزمان، فما عده أهل المكان أو الزمان من الحرف العالية قد يعدها غيرهم من الحرف الدنيئة، فالحكم في هذه المهن هو العرف والعادة. فهل الحرفة أو المهنة من شروط الكفاءة هذا محل خلاف بين الفقهاء على قولين. (٢) القول الأول: إلى أن صاحب العمل الدنيء ليس كصاحب العمل الشريف، فهو غير مكافىء له، فجعلوا العمل أو المهنة من شروط الكفاءة: واستدلوا بالحديث السابق (٣) : "العرب بعضهم لبعض أكفاء إلا حائكاً أو حجاماً" قيل لأحمد كيف تأخذ بهذا الحديث وأنت تضعفه؟! قَال: العمل عليه. القول الثاني: إنه لا تفاضل بين أصحاب المهن، وذلك استدلالاً بعموم

стр. 96

الأدلة التي سبقت ذكرها في أول الكفاءة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ (١) الآية. وكذلك الحديث السابق (٢) "يا بني بياضة أنكحوا أبا هند وأنكحوا له" وكان حجاماً. سادسا- السلامة من العيوب: والعيوب تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أ- عيوب مشتركة بين الرجال والنساء، وهي ثلاثة: الجنون والجذام (٣) والبرص. ب- عيوب خاصة بالرجال: العنّين (٤) ، المجبوب (٥) ، الخصي. ج - عيوب خاصة بالنساء: العتق، الرّتق، القرن، البخر، العفل. (٦)

стр. 97

انقسم الفقهاء في هذه العيوب إلى قسمين: الأول: إن هذه العيوب من خصال الكفاءة، وقالوا: إن السليم من العيوب ليس مكافئاً لصاحب العيوب. الثاني: أن مثل هذه العيوب ليست من أوصاف الكفاءة، وللمرأة وللأولياء الخيار (١) .

стр. 98

المبحث التاسع: الشهادة في النكاح تعريف الشهادة: هي الإخبار بما شاهده وشهده، والشاهد هو الحاضر، والمشاهدة هي المعاينة بمعنى الخبر القاطع، والشهادة لا تخلو بأن تكون بمعنى التحمل أو الأداء. (١) هل الشهادة شرط في عقد النكاح؟ خلاف بين أهل العلم على قولين: القول الأول: يرى الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة، أن الشهادة شرط، ومن غير الشهود النكاح باطل غير صحيح. (٢) واستدلوا على ذلك بمجموعة من الأدلة: أ- نظراً لمكانة عقد النكاح، وعظم هذا العقد وما يترتب عليه من المصالح والفوائد كان لزاما من اشتراط الشهادة في عقد النكاح، ومن مصالح النكاح كما هو معروف: الإرث، والنسب، والمصاهرة، والمحرمية وما أشبه ذلك. ب- في الإشهاد على عقد النكاح منعاً للتجاحد بين المتعاقدين، وبعداً لسوء الظن بينهما، وحفاظاً على حق الولد بينهما. ج- في الشهادة على النكاح تفريق بين الحلال والحرام، فالحلال يبين

стр. 99

بالإخبار، والإعلام والظهور، والحرام شأنه الخفاء والتستر وعدم الظهور. د- قوله تعالى في آية المداينة: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (١) . دلت الآية على الإشهاد على عقد البيع، والإشهاد على عقد النكاح من باب أولى، لأن عقد النكاح أعظم من عقد البيع. ?- قوله ﷺ في الحديث السابق (٢) : "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل". القول الثاني: الشهادة ليست بشرط بل يكفي الإعلان به، وهي رواية عن الأمام أحمد، وقول للمالكية، وقال به ابن المنذر، وهو مذهب الظاهرية. (٣) واستدلوا بمجموعة من الأدلة: أ- عموم النصوص التي دلت على مشروعية النكاح، ولم يذكر فيها الإشهاد كقول الله: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٤) وقوله تعالى ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٥) وغيرها. ب- وبالنصوص من السنة التي دلت على إعلان النكاح، كقوله ﷺ : " أعلنوا النكاح " من حديث عائشة والزبير وجابر والربيع بن معوذ ومحمد بن حاطب.

стр. 100

وفي رواية: "أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف" وفي رواية: "أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدفوف" وفي رواية: "أعلنوا النكاح واضربوا عليه في الغربال" وفي رواية: "أعلنوا النكاح في المساجد" وفي رواية: "فرق ما بين الحلال والحرام في النكاح رفع الصوت وضرب الدف" وفي رواية: "أظهروا النكاح" وغيرها. (١) ج - واستدلوا بحديث الواهبة نفسها السابق (٢) : "أن النبي ﷺ قَال للرجل الَّذِي قَال زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، قَال "زوجتكها بما معك من القرآن" ولم يشهد على ذلك. الراجح: هو القول الأول، لما استدلوا به، ثم إن أدلتهم خاصة ومقيدة، وأدلة أصحاب القول الثاني عامة ومطلقة، والمقيد يقدم على المطلق. ما هو وقت الشهادة؟ الأمر في ذلك واسع. فأكثر أهل العلم يرون أن وقت الشهادة عند العقد فحضور الشهود هو وقت وجود ركن العقد وهو الإيجاب والقبول من أجل أن يسمع الشهود ذلك. (٣)

стр. 101

منعاً للتجاحد، ودفعاً لسوء الظن بينهما، وسداً للذريعة، ودفعاً لتهاون الناس وعدم المبالاة بالإشهاد. وإن النكاح الخالي من الشهود والبينة والإعلان هو نكاح السر، وهذا النكاح لا يصح، لكن لو أوصى الزوج أو الولي الشهود بكتمان العقد، فالعقد صحيح، ولا يسمى ذلك بنكاح السر، لأنه تم بشروطه. شروط الشهادة: قسم الفقهاء شروط الشهادة إلى قسمين: القسم الأول: شروط محل اتفاق وهي خمسة: العقل والبلوغ وسماع كلام المتعاقدين والعدد والإسلام. القسم الثاني: شروط محل خلاف وهي ثلاثة: العدالة والذكورية والحرية. القسم الأول: الشروط التي محل اتفاق (١) أ- ب- أما العقل والبلوغ فهما مناط التكليف، فالمجنون والصبي ليسا مكلفين لحديث عائشة وعلي وهو قوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث، عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يبلغ ... " الحديث (٢) ، فلا تكليف على الصغير والمجنون، لأن كلاً منهما قاصر وعاجز، فهما ليسا من أهل الشهادة لا تحملاً ولا أداءً.

стр. 102

ج - سماع كلام المتعاقدين من أجل فهم المراد من الولي والزوج، فالأصم والأخرس ليسا من أهل الشهادة، لا تحملاً ولا أداءً، لأنهما لا يفهمان المراد. د- العدد: ومعناه: أن يكون الشهود اثنين فصاعداً، وهذا مأخوذ من قوله ﷺ في الحديث السابق (١) : " لا نكاح إلا بشهود " وفي رواية: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ". ? - الإسلام لأن الشهادة من باب الولاية ولا ولاية للكافر على المسلم بحال فعقد النكاح ينزه من حضور الكفار لمكانة هذا العقد وعظمه وما يترتب عليه. القسم الثاني: شروط مختلف فيها: ١- العدالة: ذهب الجمهور إلى اشتراط العدالة في الشهود، وأنه لا تصح شهادة الفاسق والفاجر على عقد النكاح لقوله ﷺ في الحديث السابق (٢) : "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل". ولأن الفاسق مردود غير مقبول الخبر والشهادة من باب الخبر قَال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٣) . وذهب الحنفية إلى عدم اشتراط العدالة في الشهادة، لأن الفاسق ينشىء عقد النكاح ويتولى أمر العقد، ويكون أحد المتعاقدين في عقد النكاح، ولأن الشهادة تحمل فهي كسائر التحملات. (٤)

стр. 103

والصحيح والله أعلم: مذهب الجمهور لمكانة هذا العقد، وخطورته، فهو ينزه من الفساق والفجار. ٢- الذكورية: قَال الجمهور لا مدخل للنساء في الشهادة على عقد النكاح ولا بالاشتراك مع الرجل. (١) أ- واستدلالهم على ذلك بما جاء عن الزهري قوله: «مضت السنة عن رسول الله ﷺ أنه لا تجوز شهادة النساء في الحدود ولا في النكاح ولا في الطلاق» (٢) . ب- ولأن عقد النكاح ليس من العقود المالية، فهو ليس بمال ولا يقصد منه مال، فلا دخل للنساء فيه كعقود البيوع وغيرها. ج- ولما عرف من مكانة عقد النكاح وعظمه، وما يترتب على ذلك من المصالح والفوائد، ولما عرف من المرأة من الضعف والغفلة والنسيان، فلا حاجة لها في عقد النكاح كشاهد. د- ولأن عقد النكاح ليس عقد ضرورة فيتوقف على النساء ففي الرجال كفاية. وقال الحنفية: أن الذكورية ليست بشرط فيجوز اشتراك المرأة في النكاح، لأن عقد

стр. 104

النكاح عقد معاوضة كالبيوع يجوز الاشتراك لها فيها، فيجوز لها الإشهاد في عقد النكاح. (١) ٣- الحرية: ذهب الجمهور إلى أن الحرية شرط، فلا تصح شهادة الرقيق والمملوك، لأن الشهادة من باب الولاية، والرقيق لا ولاية له على نفسه، فلا يتولى على غيره من باب أولى. (٢) وقال الحنابلة: إن الحرية ليست بشرط، فتجوز شهادة الرقيق على عقد النكاح كغيره سواء بسواء. (٣) وعللوا لهذا الأمر بمجموعة من التعليلات: أ- لم يرد دليل لا من الكتاب ولا من السنة على اشتراط الحرية وهذا دليل على أنه يجوز شهادة الرقيق. ب- ثبوت قبول روايات الأحاديث عن النبي ﷺ وهي أخبار عن النبي ﷺ ، فقبول غيرها من باب أولى. ج- إن الأساس في قبول الأخبار أن يكون الشاهد أميناً صادقاً ثقة عدلاً، وهذه الأمور لا تتصادم مع الحرية. د- أن جلّ علماء الإسلام والكثير منهم ممن نقلوا إلينا علوم التفسير والحديث والفقه من المماليك كعطاء وعكرمة والليث وغيرهم كثير. الراجح: القول الثاني لما عللوا به. والله أعلم.

стр. 105

المبحث العاشر: الوليمة (وليمة العرس) الوليمة عند الإطلاق يراد بها وليمة العرس، وإذا أريد غيرها فلا بد من ذكر ذلك حيث يقال: وليمة كذا وكذا بالقرينة. والوليمة في الأصل مشتقة ومأخوذة من الولم، ولهذا سمي القيد وَلَم لاجتماع اليدين أو الرجلين، أو لاجتماعهما معاً، وسميت وليمة العرس بهذا الاسم لاجتماع الزوجين. وجمع وليمة ولائم. (١) وقد ذكر العلماء مجموعة من الولائم المباحة منها: ١- وليمة العرس: وهي الطعام المصنوع للعرس ودعوة الناس إليه. ٢- العذيرة (الإعذار) : وهي الطعام المصنوع للختان. ٣- العقيقة: وهي الطعام المصنوع في اليوم السابع للمولود. ٤- وليمة الخرس: وهو الطعام المصنوع لسلامة المرأة عند الولادة. ٥- الوكيرة: وهي الطعام المصنوع للسكن الجديد، وتسمى دعوة البناء. ٦- النقيعة: وهي الطعام المصنوع للمسافر عند حضوره. ٧- الوظيمة: وهي الطعام المصنوع للسلامة من المصيبة. ٨- المأدبة: وهي الطعام المصنوع للضيافة مطلقاً لسبب أو بدون سبب. ٩- الحذاق: وهو الطعام عند حذق الصبي. ١٠- التحفة وهي طعام القادم. (٢)

стр. 106

إذا كانت الدعوة لهذه الولائم عامة لجميع الناس تسمى (دعوة الجفلاء) . وإذا كانت لمعينين تسمى (دعوة النقري) . وهذه الولائم ليست واجبة، إلا وليمة العرس فقد وقع الخلاف فيها بين الفقهاء على قولين: القول الأول: قَال أكثر أهل العلم: بأن وليمة العرس سنة مؤكدة، فهي مستحبة كغيرها من الولائم. القول الثاني: إنها واجبة وهو مذهب الظاهرية والمالكية في رواية، وقول عند الشافعية. (١) الأدلة: استدل أصحاب القول الثاني بما جاء في الأحاديث ومنها: ١- في الصحيحين عن عبد الرحمن بن عوف: «أن النبي رأى عليه صفرة، فقال:"ما هذا يا عبد الرحمن"؟ قَال: تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب، فقال النبي ﷺ : "بارك الله لك أولم ولو بشاة" (٢) . وهذا أمر يدل على الوجوب. ٢- روى الإمام أحمد لما خطب علي فاطمة قَال النبي ﷺ : " لا بد للعرس

стр. 107

من وليمة " (١) وهذا في معنى الوجوب. ٣- ما جاء عن رجل من ثقيف أن النبي ﷺ قَال: " الوليمة حق " (٢) وظاهره يدل على لزوم الوليمة. وهذا إسناد ضعيف (٣) ٤- أن النبي ﷺ أمر بإعلان النكاح، وأمره يدل على الوجوب، والوليمة من إعلان النكاح، فتأخذ حكمه. ٥- أن النبي ﷺ كان لا يخلي النكاح من الوليمة في كل وقت سعة أو وقت ضيق. ٦- أن إجابة دعوة الوليمة واجبة فتأخذ الوليمة نفس الحكم. (٤) واستدل الجمهور: بفعل النبي ﷺ وأمره، أما الأمر فهو حديث عبد الرحمن بن عوف، وحملوا الأمر على عدم الوجوب، وكذلك فعله ﷺ كما في حديث أنس: " ما أولم على شيء من نسائه كما أولم على زينب أولم بشاة" (٥) . وهذا يدل على الاستحباب، لأنه لم يأمر بها أمره المعهود، جاء أمره من غير تأكيد ومن غير إلزام، ولو كانت واجبة لنقل إلينا ولعرف ذلك الصحابة، لأنها مما تعم بها البلوى فلو كانت

стр. 108

واجبة لبينها النبي ﷺ كالواجبات الأخرى. وقت الوليمة: الأمر في وقت الوليمة واسع وقد اختلف السلف في وقتها على أقوال قيل: ١- أنها قبل العقد. ٢- وقيل بعد العقد. ٣- وقيل بعد الدخول. ٤- وقيل قبل الدخول. ٥- وقيل عند العقد. والراجح والله أعلم: أنها بعد العقد وقبيل الدخول، والأمر في هذا واسع والله أعلم. (١) أما حكم إجابة دعوة الوليمة فقد اختلف الفقهاء على أقوال كثيرة: ١- الجمهور على وجوب إجابة الدعوة. ٢- ومن أهل العلم من يرى أن إجابة الدعوة فرض عين. ٣- ومنهم من يرى أن إجابة الدعوة فرض كفاية. ٤- ومنهم من يرى أن إجابة الدعوة في الوليمة وغيرها واجبة. ٥- ومنهم من يرى أن إجابة الدعوة في الوليمة وغيرها غير واجبة. (٢) الراجح والله أعلم: قول الجمهور وهو القول الأول. واستدلوا بمجموعة من الأدلة:

стр. 109

منها قوله ﷺ : "إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها" متفق عليه (١) ، والمراد بالوليمة: وليمة العرس. وفي رواية لمسلم: "إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرساً كان أو غيره" (٢) وقوله ﷺ : "شر الطعام طعام الوليمة، يدعى إليها من يأباها، ويمنعها من يأتيها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله". وفي رواية: "بئس الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله" (٣) . لو كان المدعو إلى الوليمة صائماً هل يلزم الحضور؟ الصيام لا يمنع من الحضور إلى الوليمة، لأن المقصود ليس الأكل وإنما المقصود التواصل والتآلف والتراحم، فحضور الصائم لا يتنافى مع الصوم، فإن كان الصيام واجباً يدعو لأهل الوليمة كما جاء في الحديث: "إذا دعا أحدكم أخاه فليجب فإن كان صائماً فليصل وإن كان مفطراً فليطعم". وفي بعض الروايات: "إن شاء طعم وإن شاء ترك" (٤) .

стр. 110

من الَّذِي يلزمه الحضور؟ إذا كانت الدعوة خاصة فيلزمه الحضور، أما إذا كانت الدعوة عامة (الجفلاء) فلا يلزم الحضور. كأن يقول: أيها الناس أجيبوا الوليمة، فحينئذ الدعوة عامة فلا يلزم الحضور. شروط الداعي: ١- البلوغ: فإن كان الداعي صغيراً لا يلزم الحضور، لأن الصغير لا يصح منه التصرف. ٢- العقل: فلا يلزم إجابة دعوة المجنون. ٣- أن يكون رشيداً جائز التصرف، فلو كان محجوراً عليه فلا يلزم إجابته. ٤- أن يكون حراً فإذا كان رقيقاً أو مملوكاً لا يلزم إجابته لأنه ليس له حق التصرف. ٥- أن يكون مسلماً، فإن كان الداعي ذمياً: فمن أهل العلم من يرى عدم الجواز لعدة أمور: أ- لا يؤمن على المسلم عند الذمي. ب- ولأنه لا ولاء للذمي. ج- ولأنه لا كرامة له. (١) شروط المدعو: ١- التكليف: وهو البلوغ والعقل، فالصبي والمجنون لا يتوجه إليهما
следующие страницы →