← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 12158

إبراهيم بن محمد بن سفيان رواياته وزياداته وتعليقاته على صحيح مسلم

عبد الله دمفو

Полный текст (84 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

إبراهيم بن محمد بن سفيان روايته، وزياداته، وتعليقاته على صحيح مسلم تأليف: د/ عبد الله بن محمد حسن دمفو قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية كلية التربية بالمدينة المنورة - جامعة الملك عبد العزيز بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً، وبعد: فإنَّ أصحَّ الكتب بعد كتاب الله ، صحيحا الإمامين البخاري ومسلم، فهما أول من ألَّف في الصحيح المجرَّد، وشرطهما في إخراج الحديث أشدُّ من شرط غيرهما، ولذلك تلقتهما الأمة بالقبول ابتداءً من علماء عصرهما وحتى يرث الله الأرض ومَن عليها، فكثر الآخذون عنهما، والرواة لكتابيهما، لكن لم تصلنا من روايات الكتابين إلاَّ أشهرها كرواية الفربري عن الإمام البخاري، ورواية ابن سفيان عن الإمام مسلم. وإن كانت رواية الفربري قد وَجدت اهتماماً من العلماء الذين كتبوا حول سند الجامع الصحيح للبخاري، كابن رُشيد السبتي في كتابه ((إفادة النَّصيح)) ، إلاَّ أنَّني لم أجد من كَتب حول ابن سفيان وروايته لصحيح مسلم استقلالاً، مع أنَّ روايته هي الرواية المعتمدة والكاملة للصحيح، ولذلك استقرَّ في نفسي سدُّ هذه الثغرة في المكتبة الإسلامية والكتابة حول هذا الموضوع، فوجدتُ أنَّ جهود ابن سفيان في خدمة هذا الكتاب لم تقتصر على الرواية فقط، بل وُجدت له زيادات وتعليقات عليه، ولذلك جاء البحث في مقدِّمة، وأربعة مباحث، وخاتمة. أمَّا المقدِّمة فبيَّنتُ فيها سبب اختياري هذا الموضوع ومنهجي فيه. وأمَّا المبحث الأول: فكان حول ترجمة ابن سفيان، جمعتُ فيه ما تفرَّق من

стр. 2

مادة علمية في بطون المراجع، إضافة إلى استنطاق بعض النصوص لاستنباط معلومات جديدة تُفيد في الكشف عن جوانب من شخصيته. وأما المبحث الثاني: فكان حول روايته لصحيح مسلم، وأهميَّتها، والردِّ على ما وُجِّه إليها من نقد من جهة الفوائت التي فاته سماعها من شيخه مسلم. وأمَّا المبحث الثالث: فكان حول زياداته على صحيح مسلم، وقدَّمتُ له بتعريف الزيادات، والفرق بينها وبين الزوائد، ثم ذكرتُ ما وقفتُ عليه من الزيادات على كتب السنة، وبيَّنتُ بعد ذلك أهميَّة الزيادات وفوائدها من خلال زيادات ابن سفيان، ثم أوردتُ نصوصها التي بلغت ثلاثة عشرة زيادة مع تخريجها ودراستها. وأما المبحث الرابع: فكان حول تعليقاته على الصحيح، وعدد نصوصها ستُّ تعليقات، صدَّرتُها بالفوائد التي أفادتها، مع تخريجها ودراستها أيضاً. وأما الخاتمة، فضمَّنتها أهمَّ نتائج البحث. وقد اتَّبعتُ في البحث المنهجَ الآتي: ١ - لم أدرس من رجال الإسناد إلاَّ ما ورد في زيادات ابن سفيان، وتركتُ ما جاء في إسناد مسلم؛ لشهرتهم إلاَّ إذا دعت الضرورة لذلك. ٢ - اعتمدتُ على كتابي الكاشف للذهبي والتقريب لابن حجر في بيان أحوال الرواة، خاصة عند اتفاقهما في الحكم؛ لأنَّهما ذكرا خلاصة من سبقهما من علماء الجرح والتعديل، وقد اعتمدتُ مراجع أخرى غيرهما عند الحاجة. ٣ - لم أحكم على أحاديث الزيادات؛ وذلك لأنَّ أصلَها في صحيح مسلم، وقد التقى ابن سفيان معه في شيخه أو شيخ أعلى. ٤ - استوعبتُ الزيادات التي أوردها ابن سفيان على أحاديث الصحيح المسندة المرفوعة، ولم أتعرَّض لزيادة ابن سفيان على مقدِّمة الصحيح (١/٢٢) ،

стр. 3

وهي في موضع واحد فقط؛ لأنَّها أثرٌ عن يونس بن عبيد، ولم يُخرِّج مسلم أصل هذا الأثر. ٥ - التزمتُ الرجوع إلى المصادر الأصيلة قدر الامكان، ولم ألجأ إلى المراجع البديلة إلاَّ إذا لم أقف على المرجع الأصيل. هذا، وأسأل الله العفو عن الخطأ والزلل، وحسبي أنِّي اجتهدتُ، فإن أصبتُ فمن الله، وإن كانت الأخرى فمن نفسي، وأستغفر الله من ذلك، وصلَّى الله على سيِّدنا ونبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.

стр. 4

المبحث الأول: ترجمة ابن سفيان نسبه وولادته: هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوري١، ولم تذكر المصادر سنةَ ولادته، ويظهر أنَّها كانت في النصف الأول من القرن الثالث؛ لأنَّ الإمام مسلماً ﵀ فرغ من كتابة الصحيح سنة خمسين ومائتين، كما ذكر العراقي٢، ثم أخذ يمليه على الناس حتى فرغ من ذلك لعشر خلون من رمضان سنة سبع وخمسين ومائتين، كما نصَّ على ذلك ابن سفيان٣، وعاش ابن سفيان بعد ذلك حتى أول القرن الرابع كما سيأتي. صفاته: وصفه النووي بالسيد الجليل، وبأنَّه أحد الفقهاء في عصره٤، لكن غلب

стр. 5

عليه الوصف بالصلاح والزهد وكثرة العبادة، فقال الحاكم النيسابوري١: سمعتُ أبا عمرو إسماعيل بن نجيد بن أحمد بن يوسف السلمي٢ يقول: "كان إبراهيم بن محمد بن سفيان من الصالحين"٣، وقال فيه محمد بن أحمد بن شعيب٤: "ما كان في مشايخنا أزهد ولا أكثر عبادة من إبراهيم بن محمد بن سفيان"٥، ويظهر أنَّ صحبته لأيوب بن الحسن الزاهد٦ أثَّرت فيه، وأثْرَت هذا الجانب في شخصيته.

стр. 6

كما وصفه محمد بن يزيد العدل١ بأنَّه مُجاب الدعوة٢. يعني: لكثرة عبادته. ولم تقتصر معارفه على الزهد والفقه فقط، فهو معدود في محدِّثي نيسابور، وكان من أعلم أهل بلده بهذا العلم، كيف لا وهو أكثر تلامذة الإمام مسلم ملازمة له، وأخصَّهم به، وراوية صحيحه، بل إنَّ روايته أشهر الروايات وأكملها كما سيأتي. طلبه للعلم ورحلاته: يظهر أنَّ الإمام ابن سفيان بدأ في طلب العلم على مشايخ بلده نيسابور، فمُعظم شيوخه الذين وقفتُ عليهم نيسابوريون، ثم ارتحل بعد ذلك إلى بعض المراكز العلمية في وقته لتلقي العلم والسماع من مشايخها، فذكر الذهبي أنَّه رحل وسمع ببغداد، والكوفة، والحجاز٣، وذكر ابن نقطة أنَّه ارتحل كذلك إلى الري٤، وربَّما كان ذلك في طريقه إلى مكة لأداء فريضة الحج، أو عند رجوعه منها، ولم أقف له على رحلة إلى الشام ومصر وغيرهما، ولعله اكتفى بلقاء مَن حضر من علماء هذه الأمصار إلى الديار الحجازية بهدف الحج. شيوخه: لم تذكر المصادر التي ترجمت له سوى تسعةً من شيوخه، وقد وقفتُ على

стр. 7

سبعة عشر شيخاً غيرهم روى عنهم ابن سفيان، من بينهم شيوخه الثمانية الذين روى عنهم زياداته على صحيح مسلم، ومن هؤلاء الثمانية ستة شيوخ لم أقف على رواية ابن سفيان عنهم إلاَّ من خلال هذه الزيادات، ممَّا يدلُّ على أهميَّتها وفائدتها: أولاً: شيوخه الذين ورد ذكرهم في مصادر ترجمته: ١ ـ سفيان بن وكيع١. ٢ ـ عبد الله بن سعيد الكندي، أبو سعيد الأشج٢. ٣ ـ عمرو بن عبد الله الأودي٣. ٤ ـ محمد بن أسلم الطوسي٤. ٥ ـ محمد بن رافع القشيري٥.

стр. 8

-٦ ـ محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ١. ٧ ـ محمد بن مقاتل الرازي٢. ٨ ـ مسلم بن الحجاج، وهو من أجلِّ شيوخه، وأشهر من أن يُعرَّف به. ٩ ـ موسى بن نصر الرازي٣. ثانيا: شيوخه الذين روى عنهم ابن سفيان في الزيادات على صحيح مسلم، وقد عرَّفتُ بمن وقفتُ عليه منهم في أول موضع ذُكروا فيه: ١٠ ـ إبراهيم بن بنت حفص: روى عنه النص (١٣) . ١١ ـ الحسن بن بشر بن القاسم: روى عنه النصوص (١) ، (٣) ، (٧) ، (٨) ، (١٠) ، (١٢) . ١٢ ـ الحسين بن بشر بن القاسم ـ أخو الحسن ـ: روى عنه النص (١٠) . ١٣ ـ الحسين بن عيسى البسطامي: روى عنه النص (١٣) . ١٤ ـ سهل بن عمَّار: روى عنه النص (١٣) . ١٥ ـ عبد الرحمن بن بشر: روى عنه النصين (٢) ، (٦) . ١٦ ـ محمد بن عبد الوهاب الفراء: روى عنه النص (٤) . ١٧ ـ محمد بن يحيى الذهلي: روى عنه النصوص (٥) ، (٩) ، (١٠) ، (١١) .

стр. 9

ثالثاً: شيوخ آخرين غير الذين تقدَّموا: ١٨ ـ أحمد بن أيوب، أبو ذر العطار النيسابوري١. ١٩ ـ أحمد بن حرب بن فيروز الزاهد النيسابوري٢. ٢٠ ـ أحمد بن محمد بن نصر اللَّبَّاد النيسابوري٣. ٢١ ـ أيوب بن الحسن النيسابوري٤. ٢٢ ـ رجاء بن عبد الرحيم الهروي٥. ٢٣ ـ العباس بن حمزة بن عبد الله بن أشرس النيسابوري٦. ٢٤ ـ علي بن الحسن الذهلي الأفطس النيسابوري٧.

стр. 10

٢٥ ـ محمد بن أيوب بن الحسن النيسابوري١. ٢٦ ـ مهرجان النيسابوري الزاهد٢. تلاميذه: أما عن تلاميذه فالظاهر أنَّ كثيرين قد أخذوا العلم عن ابن سفيان، على اعتبار أنَّه أشهر راوية للصحيح، لكن المصادر لم تذكر لنا منهم سوى القليل، فذكر الذهبي في ترجمته في كتابه تاريخ الإسلام أربعة منهم، ثم قال: وآخرون، وهم: ١ ـ أحمد بن هارون البرديجي٣. ٢ ـ عبد الحميد بن عبد العزيز القاضي، أبو حازم السكوني٤. ٣ ـ أبو الفضل محمد بن إبراهيم بن الفضل الهاشمي٥.

стр. 11

٤ ـ محمد بن عيسى بن عمرويه الجُلودي١. وقد وقفتُ على خمسة آخرين أخذوا عنه، وهم: ١ ـ إسماعيل بن نجيد السلمي٢. ٢ ـ أبو سعيد أحمد بن محمد بن إبراهيم الفقيه٣.

стр. 12

٣، ٤ ـ أبو بكر محمد بن إبراهيم بن يحيى الكسائي وأبوه١. ٥ ـ محمد بن أحمد بن شعيب٢. أما فيما يتعلَّق بعلومه ومعارفه، فسيأتي الكلام عليها في مبحثي: زياداته وتعليقاته على صحيح مسلم. وفاته: عاش الإمام ابن سفيان بعد شيخه مسلم أكثر من نصف قرن، حتى وافته المنيَّةُ ببلدته نيسابور في شهر رجب سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة كما حكاه الحاكم، وعنه نقل كلُّ مَن ترجم له، ودُفن بها كما تقدَّم، ﵀ رحمة واسعة.

стр. 13

المبحث الثاني: روايته لصحيح مسلم تبوَّأ الإمام مسلم مكانة علمية مرموقةً في علم الحديث، وترسَّخت هذه المكانة بعد تأليفه كتابه الصحيح، فحرص أهلُ العلم على التتلمذ عليه والسماع منه، ولذلك كثر الآخذون عنه، وقد ذكر المزي١، والذهبي٢، في ترجمته خمساً وثلاثين من تلاميذه، وزاد عليهما الباحث مشهور حسن سلمان خمسة عشر آخرين٣، وهو أوفى مَن ذكر تلاميذه - فيما رأيتُ -، وإن كان هذا العدد لا يُمثِّل حقيقة مَن سمع من الإمام مسلم، فهم أكثر من هذا بكثير. أمَّا فيما يتعلَّق برواة صحيحه الذين سمعوه منه، ونقلوه للناس، فهم أقلُّ من ذلك، بدليل أنَّ الضياء المقدسي المتوفى سنة (٦٤٣هـ) حينما ألَّف جزءاً في الرواة عن مسلم٤ الذي وقعوا له، لم يزد على عشرة، وربَّما لأنَّه التزم أن يورد في ترجمة كلِّ راوٍ حديثاً بالإسناد المتصل منه إلى هذا الراوي عن مسلم، وهؤلاء هم على ترتيبهم في كتابه: ١ ـ أحمد بن محمد بن الحسن النيسابوري المعروف بابن الشرقي (ت٣٢٥هـ) . ٢ ـ أحمد بن علي بن الحسن النيسابوري، ابن حسنويه المقرئ المعمِّر (ت٣٥٠هـ) .

стр. 14

٣ ـ أحمد بن حمدون الأعمشي النيسابوري (ت٣٢١هـ) . ٤ ـ إبراهيم بن محمد بن سفيان - موضوع البحث -. ٥ ـ عبد الله بن محمد بن ياسين الدوري (ت٣٠٢هـ) . ٦ ـ محمد بن عبد الرحمن السرخسي الدغولي (ت٣٢٥هـ) ، وهو شيخ ابن حبان، وقد روى في صحيحه حديثاً واحداً لمسلم من طريقه١. ٧ ـ محمد بن عيسى الترمذي، صاحب الجامع (ت٢٧٩هـ) . ٨ ـ محمد بن مخلد بن حفص الدوري (ت٣٣١هـ) . ٩ ـ مكي بن عبدان بن محمد النيسابوري (ت٣٢٥هـ) . ١٠ ـ يعقوب بن أبي إسحاق، أبو عوانة الاسفراييني (ت٣١٦هـ) . يُضاف إليهم القلانسي راوي رواية المغاربة عن مسلم، وسيأتي الكلام عليها قريباً. لكن هذا الكتاب مع شهرته التامة صارت روايته بالإسناد المتصل بمسلم مقصورة على أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان، غير أنَّه يروى في بلاد المغرب مع ذلك عن أبي محمد أحمد بن علي القلانسي عن مسلم، كما قال ابن الصلاح٢. وفي هذا يقول النووي: "صحيح مسلم ﵀ في نهاية من الشهرة، وهو متواتر عنه من حيث الجملة، فالعلم القطعي حاصلٌ بأنَّه من تصنيف أبي الحسين مسلم بن الحجَّاج، وأما من حيث الروايةُ المتصلةُ بالإسناد المتصل بمسلم؛ فقد انحصرت طريقه عنه في هذه البلدان والأزمان في رواية أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم، ويروى في بلاد المغرب مع ذلك عن أبي

стр. 15

محمد أحمد بن علي القلانسي، عن مسلم"١. ويُفهم من كلامهما انحصار رواية الصحيح بالإسناد المتصل منذ القرن السابع الهجري في روايتين: الأولى: رواية المشارقة: وهي رواية ابن سفيان، سُميت بذلك؛ لأنَّ رواتَها مشرقيُّون، وهذه شجرة إسنادها كما جاءت عند النووي الذي ترجم لكلِّ رواتها٢: مسلم بن الحجاج النيسابوري إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوري محمد بن عيسى الجُلودي النيسابوري عبد الغافر الفارسي النيسابوري محمد بن الفضل الفراوي النيسابوري منصور بن عبد المنعم الفراوي النيسابوري إبراهيم بن أبي حفص الواسطي (سكن نيسابور مدة طويلة الإمام النووي

стр. 16

الثانية: رواية المغاربة: وهي رواية القلانسي، سُميت بذلك؛ لأنَّها وقعت لأهل المغرب، ولا رواية له عند غيرهم، دخلت روايته إليه من جهة أبي عبد الله محمد بن يحيى بن الحذَّاء القرطبي، وغيره، سمعوها بمصر من أبي العلاء بن ماهان، عن أبي بكر أحمد بن يحيى الأشقر، عن القلانسي١، وهذه شجرة إسناد إحدى طرقها التي رواها القاضي عياض شارح صحيح مسلم٢: مسلم بن الحجاج النيسابوري أحمد بن علي القلانسي أحمد بن محمد الأشقر عبد الوهاب بن عيسى بن ماهان محمد بن يحيى بن الحذَّاء القرطبي ابنه: أحمد بن محمد القرطبي الحسين بن محمد الجيَّاني (صاحب تقييد المهمل وتمييز المشكل القاضي عياض بن موسى اليحصبي (صاحب إكمال المعلم)

стр. 17

وقد بخلت كتبُ التراجم بترجمة وافية للقلانسي، فلم أقف على مَن ترجم له سوى ابن الصلاح في كتابه صيانة صحيح مسلم، الذي بيَّن نسبَه وأنَّه: أبو محمد أحمد بن علي بن الحسن بن المغيرة بن عبد الرحمن القلانسي، وأشار إلى روايته للصحيح كما تقدّم في كلام النووي الذي اعتمد كلامه١. وهناك أمرٌ آخر يُفهم من كلامي ابن الصلاح والنووي المتقدِّمين، وهو أنَّ الرواية المعتمدة لصحيح مسلم هي رواية المشارقة؛ ولذلك شاعت وانتشرت بين أهل العلم، وغالب من يروي حديثاً لمسلم في صحيحه، إنَّما يدخل من طريق الجُلودي، عن ابن سفيان راوي هذه الرواية٢، حتى علماء المغرب أنفسهم، كالقاضي عياض٣، وابن بشكوال٤، وابنُ رُشيد٥، وغيرهم. وإنَّما كان الاعتماد على هذه الرواية؛ لأنَّها أكمل الروايتين، فرواية

стр. 18

القلانسي "المغاربة ناقصة من آخر الكتاب، وقدَّر العلماء هذا النقص بثلاثة أجزاء"١، تبدأ من حديث الإفك الطويل، ورقمه: (٢٧٧٠) الذي أخرجه مسلم في كتاب التوبة، باب في حديث الإفك، وقبول توبة القاذف، أي بمقدار ثلاثة وستين ومائتي حديث على اعتبار عدد أحاديث صحيح مسلم بدون المتابعات (٣٠٣٣) حديث حسب ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، فإنَّ أبا العلاء ابن ماهان - أحد رواة رواية المغاربة - يروي هذه الأحاديث عن أبي أحمد الجُلودي، عن ابن سفيان، عن مسلم٢، أي أنَّه يعود إلى رواية المشارقة. لكن لا يعني هذا طرح هذه الرواية وعدم الاعتداد بها؛ إذ لا تخلو من فائدة، وسنحتاج إليها في الدفاع عن صحيح مسلم، والردِّ على ما انتُقدت به رواية ابن سفيان (المشارقة، وربَّما كان الإمام الدارقطني يحثُّ أهل العلم على تحمُّل وسماع هذه الرواية لهذا السبب، فقد قال محمد بن يحيى بن الحذاء - أحد رواتها -: أخبرني ثقات أهل مصر أنَّ أبا الحسن علي بن عمر الدراقطني كتب إلى أهل مصر من بغداد: أن اكتبوا عن أبي العلاء ابن ماهان كتاب مسلم بن الحجاج الصحيح، ووصف أبا العلاء بالثقة والتميُّز) ٣. النَّقد الذي وُجِّه إلى رواية المشارقة والردِّ عليه: مع أنَّ رواية ابن سفيان هي الرواية المعتمدة كما تقدم إلاّ أنّها لم تسلَم كذلك من النّقد، من جهة وجود أحاديث لم يسمعها ابن سفيان من مسلم مما قد يعكِّر على اتّصال إسنادها، وأوّل من تنبّه إلى ذلك - فيما يبدو - الإمام ابن الصلاح حيث قال: اعلم أنّ لإبراهيم بن سفيان في الكتاب فائتاً لم يسمعه من مسلم، يُقال فيه: أخبرنا إبراهيم، عن مسلم، ولا يُقال فيه: قال أخبرنا أو حدَّثنا

стр. 19

مسلم، وروايته لذلك عن مسلم إما بطريق الإجازة وإما بطريق الوجادة١، وقد غفل أكثر الرواة عن تبيين ذلك، وتحقيقه في فهارسهم، وبرنامجاتهم وفي تسميعاتهم وإجازاتهم، وغيرها، بل يقولون في جميع الكتاب: أخبرنا إبراهيم، قال: أخبرنا مسلم٢. ثمَّ بيَّن أنَّ هذا الفوت في ثلاثة مواضع محقَّقة في أصول معتمدة، وهي: الفائت الأول: في كتاب الحج، ويبدأ من باب الحلق والتقصير، حديث ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "رحم الله المحلِّقين"، وينتهي عند أول باب: ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج، حديث ابن عمر ﵄: "أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر"٣. الفائت الثاني: ويبدأ من أول كتاب الوصايا، حديث ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ما حق امرئ مسلم ... "، وينتهي في كتاب القسامة، باب: القسامة، قبل آخر رواية أوردها مسلم في حديث سهل بن أبي حثمة في قصة

стр. 20

حُوَيِّصة ومُحَيِّصة١. الفائت الثالث: ويبدأ من كتاب الإمارة، أول باب: الإمام جنة، حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إنَّما الإمام جنة ... "، وينتهي في كتاب الصيد والذبائح، قبل باب: إذا غاب عنه الصيد ثم وجده٢. ولم أقف على من تعرَّض لهذه الفوائت بالدراسة، وبيان أنَّها لا تؤثِّر في صحة واتِّصال هذه الأحاديث سوى ما ذكره الدكتور الحسين شواط حيث قال: "يبعد أن يكون هذا الفائت قد بقي على ابن سفيان إلى حين وفاة مسلم، وذلك لأمور، منها: أ - توفر دواعي تلافي ذلك الفوت وسماعه من مسلم، وذلك لأنَّ الفراغ من سماع الكتاب قد تمَّ سنة (٢٥٧هـ) أي قبل وفاة مسلم (ت٢٦١هـ) بحوالي خمس سنوات، فكيف يغفل عن ذلك كلَّ هذه المدَّة مع وجودهما في بلد واحد. ب - ما نصَّت عليه المصادر ونوَّهت به من كثرة ملازمة ابن سفيان لشيخه مسلم، ممَّا يجعل الفرصة سانحة بصفة أكيدة لسماع ما يفوته منه. جـ - النص في بعض النسخ على عدم حضور ابن سفيان مجلس السماع لا يمنع سماعه في مجلس آخر بعده. وعلى فرض تسليم بقاء هذا الفوت فعلاً؛ فإنَّ احتمال روايته بطريق

стр. 21

الوجادة ضعيف جدًّا؛ لأنَّ بعض النسخ قد نصَّت على أنَّه كان إجازة كما ذكر ابن الصلاح"١. وما ذكره - حفظه الله - فيه وجاهة، لكن لا تعدو كونها أموراً نظريةً قائمة على الاجتهاد الذي قد يصيب وقد يخطئ، ولا يمكن أن تتأكّد إلاَّ من خلال الجانب التطبيقي العملي، وهذا ما توصلتُ إليه حيث تتبَّعتُ روايات العلماء المغاربة لصحيح مسلم للوقوف على مَن روى أحاديث مسلم من طريق القلانسي لمعرفة كيفية روايته لأحاديث الفوائت حتى طُبع مؤخّراً كتاب حجَّة الوداع للإمام ابن حزم الأندلسي، فوجدته روى جميع أحاديث مسلم التي ضمَّنها فيه من طريق القلانسي عن مسلم. وعددُها سبعون ومائة حديث، قال فيها القلانسي: "حدَّثنا مسلم، وكان من بينها ثلاثة عشر حديثاً من أحاديث الفوائت في رواية ابن سفيان، وهذه قائمة بها: الرقم المتسلسل-رقم الحديث في كتاب حجَّة الوداع-رقم الحديث في صحيح مسلم بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي ١ ... ١٣١ ... ١٣٣٥ ٢ ... ١٣٤ ... ١٣٣٤ ٣ ... ١٥٩ ... ١٣٠٥ ٤ ... ١٧٤ ... ١٣٠٨ ٥ ... ١٧٦ ... ١٣١٦ ٦ ... ١٨٥ ... ١٣٠٦ ٧ ... ١٨٦ ... ١٣٠٧ ٨ ... ١٩٥ ... ١٣١٥ ٩ ... ١٩٩ ... ١٣٠٩ ١٠ ... ٢٠١ ... ١٣١٣ ١١ ... ٢٠٣ ... ١٣١٤ ١٢ ... ٣٢٤ ... ١٣١٩ ١٣ ... ٣٣٥ ... ١٢١١

стр. 22

فثبت من هذا أنَّ أحاديث الفوائت في رواية ابن سفيان ـ لو سُلِّم بقاؤها ـ قد اتَّصلت في رواية القلانسي، فاندفع بذلك النقد الذي يمكن أن يُوجَّه إليها، والله أعلم.

стр. 23

المبحث الثالث: زياداته على صحيح مسلم تعريف الزيادات والفرق بينها وبين الزوائد: قبل أن أذكرَ تعريف الزيادات والمراد بها، يُستحسن أن أعرض لمصطلح آخر اشتهر عند أهل العلم، وكثر التصنيف فيه، ويَشتبه كثيراً بمصطلح الزيادات، ذلكم هو مصطلح الزوائد. وقد عرَّف الكتاني كتب الزوائد بأنَّها: "الأحاديث التي يزيد بها بعض كتب الحديث على بعض آخر معيَّن"١. كما عرَّف الدكتور خلدون الأحدب علم الزوائد بأنَّه: "علمٌ يتناول إفراد الأحاديث الزائدة في مصنَّف رويت فيه الأحاديث بأسانيد مؤلفه، على أحاديث كتب الأصول الستة أو بعضها من حديث بتمامه لا يوجد في الكتب المزيد عليها، أو هو فيها عن صحابي آخر، أو من حديث شارك فيه أصحاب الكتب المزيد عليها أو بعضهم، وفيه زيادة مؤثرة عنده"٢. ويستخلص من التعريفين السابقين عدّة نقاط: أولاً: أنَّ المراد بالزوائد أحاديث زائدة في كتاب على كتاب آخر، وهذه الزيادة مطلقة، وقد تكون الزيادة في سند أو متن حديث اشتركا في إخراجه وهذه الزيادة نسبية. ثانياً: أنَّ مؤلف الكتاب الذي احتوى على الزوائد لا علاقة له بمؤلف

стр. 24

الكتاب المزيد عليه، فتأليف كل واحد منهما لكتابه استقلالاً. ثالثاً: أنَّ إبراز زوائد الكتاب المزيد عليه جاء في فترة متأخِّرة ومن إمام متأخر عنهما. وتتجلَّى هذه النقاط واضحة في استعراض المؤلفات في الزوائد، وهي كثيرة١ أقتصر على ذكر بعضها، وهي: ١ - مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (ت٢٧٣?) : يعني على الكتب الخمسة المشهورة (صحيحي البخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي) . ومؤلفه هو الحافظ شهاب الدِّين أحمد بن أبي بكر البوصيري (ت٨٤٠?) ٢. ٢ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: وهو زوائد مسندي الإمام أحمد (ت٢٤١?) ، وأبي يعلى الموصلي (ت٣٠٧?) ، ومعاجم الطبراني الثلاثة، الكبير والأوسط والصغير (ت٣٦٠?) ، على الكتب الخمسة السابقة إضافة إلى سنن ابن ماجه وهي ما تُعرف بالكتب الستة. ومؤلفه هو الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي (ت٨٠٧?) ٣. ٣ - المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: وهو زوائد مسند الطيالسي (ت٢٠٤?) ، والحميدي (ت٢١٩?) ،

стр. 25

ومسدد (ت٢٢٨?) ، وابن أبي عمر (ت٢٤٣?) ، وأحمد بن منيع (ت٢٤٤?) ، وابن أبي شيبة (ت٢٣٥?) ، والحارث بن أبي أسامة (ت٢٨٢?) ، وعبد بن حميد (ت٢٤٩?) ١ على الكتب الستة. ومؤلِّفه الحافظ شهاب الدِّين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت٨٥٢?) ٢. هذا فيما يتعلَّق بالزوائد. أما الزيادات، فلم أقف على مَّن تعرَّض لها بتعريف يُحدِّدها، لكن من خلال النظر في عمل أصحاب الزيادات يُمكن أن أقول إنَّها: "الأحاديث التي يرويها راوية كتاب ما على مؤلف ذلك الكتاب، إمَّا استخراجاً عليه، فيلتقي معه في شيخه أو شيخ أعلى، أو استقلالاً بإيراده حديثاً مختلفاً في سنده ومتنه". والفرق بينها وبين المستخرجات أنَّ شرط الزيادات أن تكون من راوية ذلك الكتاب عن مصنِّفه، في حين أنَّ مؤلفي المستخرجات ليسوا من رواة الكتاب المستخرج عليه. ثم إنَّه لا يُشترط في ذلك الراوية أن يكون تلميذ المؤلف بل قد تكون الزيادات من تلميذ أنزل منه. وحتى يتَّضح التعريف السابق أوردُ ما وقفتُ عليه من كتب السنة والزيادات عليها:

стр. 26

أولاً: مسند الإمام أحمد بن حنبل (ت٢٤١?) : وعليه زيادتان: أ - زيادات عبد الله بن أحمد بن حنبل (ت٢٩٠?) راوية الكتاب عن أبيه، على مسند أبيه١. ب - زيادات أبي بكر أحمد بن جعفر القطيعي (٣٦٨?) راوية الكتاب عن عبد الله ابن أحمد، عليه٢. ثانياً: فضائل الصحابة للإمام أحمد بن حنبل: وعليه زيادتان: أ - زيادات عبد الله بن أحمد، راوية الكتاب على أبيه. ب - زيادات أبي بكر القطيعي، راوية الكتاب عن عبد الله، عليه٣. ثالثاً: كتاب الزهد للإمام أحمد بن حنبل: وعليه زيادات ابنه عبد الله بن أحمد - راوية الكتاب - على أبيه٤.

стр. 27

رابعاً: كتاب الزهد للإمام عبد الله بن المبارك (ت١٨١?) : وعليه ثلاث زيادات: أ - زيادات الحسين بن الحسن المروزي (ت٢٤٦?) - راوية الكتاب برواية المشارقة على ابن المبارك١. ب - زيادات يحيى بن محمد بن صاعد (ت٣١٨?) - راوية الكتاب عن الحسين المروزي - عليه٢. ج - زيادات نعيم بن حمَّاد (ت٢٢٨?) - راوية الكتاب برواية المغاربة - على ابن المبارك٣. خامساً: كتاب البر والصلة للإمام عبد الله بن المبارك: وعليه زيادات الحسين بن الحسن المروزي - راوية الكتاب - على ابن المبارك٤. سادساً: صحيح الإمام البخاري (ت٢٥٦?) : وعليه زيادات محمد بن يوسف الفربري (ت٣٢٠?) راوية الكتاب عن

стр. 28

البخاري، عليه١. سابعاً: صحيح الإمام مسلم (ت٢٦١?) . وعليه زيادتان: أ - زيادات أبي إسحاق إبراهيم بن سفيان - راوية الكتاب عن مسلم - عليه، وهو موضوع البحث. ب - زيادات أبي أحمد محمد بن عيسى الجُلودي (ت٣٦٨?) - راوية الكتاب عن ابن سفيان - عليه٢. ثامناً: سنن أبي داود سليمان بن الأشعث (ت٢٧٥?) . وعليه زيادات أبي سعيد أحمد بن محمد ابن الأعرابي (ت٣٤١?) - أحد رواة الكتاب عن أبي داود - عليه٣. تاسعاً: سنن محمد بن يزيد بن ماجه (ت٢٧٥?) : وعليه زيادات أبي الحسن علي بن إبراهيم ابن القطان (ت٣٤٥?) - راوية الكتاب عن ابن ماجه - عليه٤.

стр. 29

عاشراً: القدر لعبد الله بن وهب (ت١٩٧?) : وعليه زيادات أبي بكر محمد بن إسماعيل الورَّاق (ت٣٧٨) - راوية الكتاب عن أبي بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني، عن أبي جعفر أحمد بن سعيد المصري، عن ابن وهب١. الحادي عشر: كتاب الطهور للإمام أبي عُبيد القاسم بن سلام (ت٢٢٤?) . وعليه زيادات أبي بكر محمد بن يحيى المروزي (ت٢٩٨?) - راوية الكتاب عن أبي عبيد - عليه٢. الثاني عشر: كتاب عوالي مالك لأبي أحمد محمد بن أحمد الحاكم الكبير (ت٣٧٨?) : وعليه زيادات زاهر بن طاهر الشحامي (ت٥٢٢?) - راوية الكتاب عن أبي سعد محمد بن عبد الرحمن الكنجروذي، عن الحسن بن أحمد السمرقندي، عن الحاكم - على كتاب الحاكم٣.

стр. 30

الثالث عشر: كتاب نزهة الحفاظ للإمام أبي موسى محمد بن عمر المديني (ت٥٨١?) : وعليه زيادات أبي عبد الله محمد بن مكي الأصبهاني (٦١٦?) - راوية الكتاب عن أبي موسى المديني - عليه١. وبعد: فهذا ما وقفتُ عليه من الزيادات على كتب السنة، وربَّما وُجدت غيرها لم أتمكَّن من الوقوف عليها، وعلى أيِّ حال فإن فيما ذكرتُ كفاية لإثبات ما تقدّم ذكره من التفرقة بين الزوائد والزيادات، وأنَّ شرط الزيادات أن تكون من راوية الكتاب عن مؤلفه أو من راوية أنزل، وعليه فإنَّ التعبير عنها بمصطلح (الزوائد) غير صحيح. أهميَّة معرفة الزيادات: تكمن أهميَّة معرفة الزيادات وتمييزها عن أحاديث الكتاب المزيد عليه في كونها ليست على شرط صاحب الكتاب الأصلي من حيث صحةُ الأحاديث أو ثقةُ الرواة، أو يُظنُّ أنَّ أحد رواة الزيادات من رجال الكتاب المزيد عليه وليس كذلك، فيقع الوهم واللبس، وقد وقع في ذلك الإمام أبو مسعود الدِّمشقي حيث ذكر الحافظ ابن حجر في التهذيب (٢/٢٢٤) في ترجمة الحسن بن بشر السلمي أنَّ أبا مسعود قال في الأطراف في حديث عائشة مرفوعاً: "كان رسول الله ﷺ يُعجبه الحلواء والعسل": "إنَّ مسلماً رواه عن أبي كريب وهارون بن عبد الله والحسن بن بشر، ثلاثتهم عن أبي أسامة". ثم تعقَّبه الحافظ بقوله: "والذي في الأصول من الصحيح: حدَّثنا أبو كريب وهارون بن عبد الله قالا: ثنا أبو أسامة، ليس فيه الحسن بن بشر، لكن

стр. 31

قال فيه إبراهيم بن سفيان - الراوي عن مسلم - عقب هذا الحديث: حدَّثنا الحسن بن بشر، ثنا أبو أسامة مثله، فهذا من زيادات إبراهيم وهي قليلة جدًّا". ولذلك قال في التقريب أيضاً (ص:١٥٩) : "صدوق، لم يصح أنَّ مسلماً روى عنه، وإنَّما روى عنه أبو إسحاق بن سفيان الراوي عن مسلم مواضع علا فيها إسناده". فالحسن إذاً ليس من رجال مسلم، وليس على شرطه. ومن الوهم الذي يقع للباحثين نتيجة عدم تميُّز هذه الزيادات، جعلُ الشيخ تلميذاً والتلميذَ شيخاً، وهو ما وقع فيه جامعو كتاب (المسند الجامع) في (٣/٢٣٣) عند تخريجهم حديث بريدة بن الحصيب مرفوعاً: "كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية ... "، الحديث فقالوا: "وأخرجه مسلم قال: حدَّثنا إبراهيم، قال: حدَّثنا محمد بن عبد الوهاب الفرَّاء ... ". فإبراهيم هذا هو ابن سفيان الراوي عن مسلم، وإسناده هذا من زياداته على صحيح مسلم. وقد تنبَّه إلى مثل ما تقدّم شيخنا الأستاذ الدكتور / مسفر الدميني حيث قال في مقدّمة بحثه زيادات أبي الحسن القطان (ص:٦، ٧) : "والناظر في صنيع الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي والدكتور محمد مصطفى الأعظمي عند طبع كلٍّ منهما للكتاب (يعني سنن ابن ماجه) يجد لبساً في إخراج الكتاب حيث لم تُميَّز الزيادات عن الأصل ... ثم قال: وعملهما هذا - غفر الله لهما - يوهم بعض طلاَّب العلم أنَّ الجميع من سنن ابن ماجه، وأنَّ تلك الزيادات من معلقات ابن ماجه عن أبي الحسن، بينما الأمر خلاف ذلك، فأبو الحسن القطان تلميذ ابن ماجه وراوية سننه وليس شيخه، وتلك الأحاديث الواردة في صورة التعليق من زيادات أبي الحسن القطان على كتاب شيخه ابن ماجه، ثم إنَّها ليست معلَّقة، بل مسندة له، فربَّما التقى مع شيخه أثناء الإسناد، وربَّما استقلَّ بحديث تام بإسناده ومتنه".ا?.

стр. 32

فوائد الزيادات: بعد تأمل نصوص زيادات ابن سفيان على صحيح مسلم يمكن تلخيص ما استنبطته من فوائد فيما يلي: ١ - علو الإسناد: وقد كان العلو بدرجة في جميع نصوص الزيادات الثلاثة عشر، غير أنَّ النصَّ رقم (٥) تميَّز بموافقة١ ابن سفيان لشيخه مسلم، حيث روى مسلم الحديث عن عبد الرحمن بن بشر العبدي، عن سفيان بن عيينة، ورواه ابن سفيان تلميذ مسلم كذلك عن عبد الرحمن، عن سفيان. وهذه الفائدة هي الدافع الأكبر لتأليف الزيادات؛ فإنَّ طلبَ العلوِّ من الحديث من علوِّ همَّة المحدِّث ونبل قدره وجزالة رأيه، كما قال محمد بن طاهر المقدسي٢. ٢ - وصل الرواية التي جاءت عن رجل مبهم في الكتاب المزيد عليه: وذلك كما في النص (١١) حيث رواه مسلم في الطريق الثاني عن مبهم، فقال: حدَّثنا عدَّةٌ من أصحابنا، عن سعيد بن أبي مريم. ورواه ابن سفيان موصولاً وموضحاً تلميذ سعيد، فقال: حدَّثنا محمد بن يحيى، حدَّثنا ابن أبي مريم. ومحمد بن يحيى هو الذهلي. ٣ - بيان متابعة الراوي الصدوق الذي جاء في الكتاب المزيد عليه براوٍ ثقة: وذلك كما في النص (٤) الذي رواه مسلم عن حجَّاج بن الشاعر، عن

стр. 33

عبد الصمد ابن عبد الوارث، عن شعبة. وعبد الصمد: صدوق، كما قال ابن حجر١. ورواه ابن سفيان، عن محمد بن عبد الوهاب الفراء، عن الحسين بن الوليد، عن شعبة. والحسين بن الوليد هو القرشي: ثقة٢. ٤ - تكثير طرق الحديث، ومن فوائده دفع الغرابة: وذلك في النص (١٠) الذي رواه مسلم، عن أبي بكر بن إسحاق، عن أبي مسهر. ورواه ابن سفيان، عن الحسن والحسين ابني بشر ومحمد بن يحيى، ثلاثتهم عن أبي مسهر. وكما في النص (١٣) الذي رواه مسلم، عن سريج بن يونس وهارون بن عبد الله، كلاهما عن حجاج بن محمد. ورواه ابن سفيان، عن الحسين بن عيسى البسطامي وسهل بن عمار وإبراهيم بن بنت حفص وغيرهم، عن حجاج. ٥ - دفع احتمال اختصار متن الحديث من أحد الرواة في إسناد الكتاب المزيد عليه، وتحميله على راوٍ آخر: وذلك كما في النص (١٠) الذي رواه مسلم من طريقي مروان الدمشقي وأبي مسهر، كلاهما عن سعيد بن عبد العزيز، ثم قال: "غير أنَّ مروان أتمَّهما حديثاً"، فأوهم أنَّ أبا مسهر اختصره. ورواه ابن سفيان عن ثلاثة من شيوخه، عن أبي مسهر وقال: "فذكروا الحديث بطوله"، فتبيَّن من كلامه أنَّ الذي اختصر المتن في رواية مسلم ليس أبا مسهر، وإنَّما الراوي عنه أبو بكر بن إسحاق.

стр. 34

نصوص الزيادات ١ - حدَّثنا أبو كريب محمد بن العلاء وهارون بن عبد الله، قالا: حدَّثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يحبُّ الحلواءَ والعسلَ، فكان إذا صلَّى العصرَ دار على نسائه، فيدنو منهنَّ، فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر ممَّا كان يحتبس، فسألتُ عن ذلك، فقيل لي: أهدتْ لها امرأةٌ من قومها عُكَّة من عسل، فسقت رسول الله ﷺ منه شربة، فقلتُ: أمَا والله لنحتالنَّ له، فذكرتُ ذلك لسودة، وقلتُ: إذا دخل عليكِ فإنَّه سيدنو منكِ، فقولي له: يا رسول الله ﷺ ، أكلتَ مغافير؟ فإنَّه سيقول لكِ: لا، فقولي له: ما هذه الرِّيح؟ - وكان رسول الله ﷺ يشتدُّ عليه أن يوجد منه الرِّيح - فإنَّه سيقول لكِ: سقتْني حفصةُ شربةَ عسل، فقولي له: جَرَستْ نحلُه العرفُط، وسأقول ذلك له، وقوليه أنتِ يا صفيَّةُ، فلمَّا دخل على سودة، قالت: تقول سودةُ: والذي لا إله إلاَّ هو، لقد كدتُ أنْ أُبادئه بالَّذي قلتِ لي، وإنَّه لعلى الباب فرَقاً منكِ، فلمَّا دنا رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله، أكلتَ مغافير؟ قال: "لا". قالت: فما هذه الرِّيح؟ قال: "سقتني حفصةُ شربة عسل". قالت: جرستْ نحلُه العُرفُطَ، فلمَّا دخل عليَّ قلتُ له مثلَ ذلك، ثم دخل على صفيَّةَ فقالت بمثل ذلك، فلمَّا دخل على حفصة قالت: يا رسول الله، ألاَ أسقيكَ منه؟ قال: "لا حاجةَ لي به". قالت: تقول سودة: سبحان الله، والله لقد حرَمناه. قالت: قلتُ لها: اسكُتي.

стр. 35

قال أبو إسحاق إبراهيم: حدَّثنا الحسن بن بشر١، حدَّثنا أبو أسامة٢، بهذا سواء٣. [صحيح مسلم (٢/١١٠٠) كتاب الطلاق، باب: وجوب الكفَّارة على من حرَّم

стр. 36

امرأته ولم ينو الطلاق (١٤٧٤) ] . ٢ - حدَّثنا بشر بن الحكم وإبراهيم بن دينار وعبد الجبَّار بن العلاء - واللَّفظ لبشر - قالوا: حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن حُميد الأعرج، عن سليمان ابن عتيق، عن جابر: "أنَّ النبيَّ ﷺ أمر بوضع الجوائح". قال أبو إسحاق - وهو صاحب مسلم -: حدَّثنا عبد الرحمن بن بشر١، ١ هو عبد الرحمن بن بشر بن الحكم النيسابوري، وثَّقه الذهبي وابن حجر، وزاد الذهبي: "صاحب حديث"، مات سنة (٢٦٠?) ، روى له البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه. الكاشف (١/٦٢٢) ، والتقريب (ص:٣٣٧) .

стр. 37

عن سفيان١، بهذا٢. [ (٣/١١٩١) كتاب المساقاة، باب: وضع الجوائح (١٥٥٤) ] .

стр. 38

٣ - حدَّثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة وعمرو النَّاقد - واللفظ لسعيد - قالوا: حدَّثنا سفيان، عن سليمان الأحول، عن سعيد بن جُبير، قال: قال ابن عباس: يوم الخميس! وما يوم الخميس! ثم بكى حتى بلَّ دمعُه الحصى. فقلت: يا ابن عبَّاس! وما يوم الخميس؟ قال: اشتدَّ برسول الله ﷺ وجعُه، فقال: "ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلُّوا بعدي"، فتنازعوا، وما ينبغي عند نبيٍّ تنازعٌ، وقالوا: ما شأنه؟ أهجرَ؟ استفهموه. قال: "دعوني، فالذي أنا فيه خيرٌ، أوصيكم بثلاث: أخرِجوا المشركين من جزيرة العرب، وأَجيزوا الوفد بنحو ما كنتُ أُجيزهم" قال: وسكت عن الثالثة، أو قالها فأُنسيتُها. قال أبو إسحاق إبراهيم: حدَّثنا الحسن بن بشر، قال: حدَّثنا سفيان، بهذا الحديث١. [ (٣/١٢٥٧) كتاب الوصية، باب: ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه (١٦٣٧) ] . ٤ - وحدَّثني حجَّاج بن الشاعر، حدَّثني عبد الصمد بن عبد الوارث،

стр. 39

_________ حدَّثنا شُعبة، حدَّثني علقمة بن مرثد، أنَّ سليمان بن بريدة حدَّثه عن أبيه، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميراً أو سريَّة دعاه فأوصاه ... "، وساق الحديث بمعنى حديث سفيان. حدَّثنا إبراهيم١، حدَّثنا محمد بن عبد الوهاب الفرَّاء٢، عن الحسين بن الوليد٣، عن شعبة٤، بهذا٥. [ (٣/١٣٥٨) كتاب الجهاد، باب: تأمير الإمام الأمراء على البعوث (١٧٣١) ] .

стр. 40

٥ - حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا هاشم بن القاسم، ح وحدَّثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا أبو عامر العقدي، كلاهما عن عكرمة بن عمَّار، ح وحدَّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وهذا حديثه: أخبرنا أبو علي الحنفي عبيد الله بن عبد المجيد، حدَّثنا عكرمة - وهو ابن عمَّار - حدَّثني إياس بن سلمة، حدَّثني أبي قال: "قدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا ترويها، قال: فقعد رسول الله ﷺ على جبا الرَّكيَّة، فإمَّا دعا وإمَّا بسق فيها، قال: فجاشت، فسَقينا واستَقينا، قال: ثم إنَّ رسول الله ﷺ دعانا للبيعة في أصل الشجرة ... "، وذكر حديثاً طويلاً في قصة الحديبية.
следующие страницы →