← Общие книги

Общие книги · id 12164

أصول الدعوة وطرقها 3 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (347 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

-[أصول الدعوة وطرقها ٣]- كود المادة: IDWH٣٠٣٣ المرحلة: بكالوريوس المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية الناشر: جامعة المدينة العالمية عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

الدرس: ١ الإيمان بالقضاء والقدر . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الأول (الإيمان بالقضاء والقدر) حقيقة مذهب السلف في الإيمان بالقدر، والنصوص الدالة عليه الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونصلي ونسلم على خير خلقه محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته وسار على نهجه إلى يوم الدين، وبعد: فالإيمان بالقدر من أصول الإيمان التي لا يتم إيمان العبد إلا بها؛ ففي (صحيح مسلم) من حديث عمر بن الخطاب في سؤال جبريل ﵇ الرسول ﷺ عن الإيمان قال: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: -أي جبريل، ﵇ صدقت)). والنصوص المخبرة عن قدرة الله أو الآمرة بالإيمان بالقدر كثيرة: فمن ذلك: قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: ٤٩)، وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (الأحزاب: ٣٨) وقوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ (الأنفال: ٤٢) وقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (الفرقان: ٢) وقال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ (الأعلى: ١ - ٣). وروى مسلم في صحيحه عن طاوس قال: أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كل شيء بقدر حتى العجز والكيس، أو الكيس والعجز. وروى مسلم أيضًا عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر؛ فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: ٤٨، ٤٩). والنصوص في ذلك كثيرة جدًّا؛ فإن النصوص الدالة على علم الله وقدرته ومشيئته وخلقه تدل على قدره ﵎ فالقدر يتضمن الإيمان بعلم الله ومشيئته

стр. 3

وخلقه، والقدر يدل بوضعه -كما يقول الراغب الأصفهاني فيما نقله عنه ابن حجر العسقلاني- على القدرة وعلى المقدور الكائن بالعلم؛ فلله تعالى القدرة المطلقة، وقدرته لا يعجزها شيء، ومن أسمائه ﵎ القادر والقدير والمقتدر، والقدرة صفة من صفاته؛ فالقادر: اسم فاعل من قدر يقدر، والقدير: فعيل منه، وهو للمبالغة، ومعنى "القدير": الفاعل لما يشاء على قدر ما تقتضيه الحكمة، لا زائدًا عليه ولا ناقصًا عنه؛ ولذلك لا يصح أن يوصف به إلا الله ، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فصلت: ٣٩)، والمقتدر: مفتعل من اقتدر، وهو أبلغ من قدير، ومنه قوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (القمر: ٥٥). وقد سئل الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- عن القدر؟ فقال: القدر قدرة الله، قال ابن القيم: وقال الإمام أحمد: القدر قدرة الله، واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدًّا، وقال: هذا يدل على دقة أحمد وتبحره في معرفة أصول الدين. وهو كما قال أبو الوفا؛ فإن إنكاره إنكار لقدرة الرب على خلق أفعال العباد وكتابتها وتقديرها، وقد صاغ ابن القيم هذا المعنى شعرًا فقال: فحقيقة القدر الذي حار الورى ... في شأنه هو قدرة الرحمن واستحسن ابن عقيل ذا من أحمد ... لما حكاه عن الرضا الرباني والحق أن تعريف أحمد -رحمه الله تعالى- قد كفى وشفى؛ فالقدر يعني ما قرره الله سبحانه في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ (آل عمران: ١٥٤) وفي قوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ (هود: ١٢٣) وغير ذلك من الآيات التي تدل على أنه لا يحدث شيء في الكون إلا بإرادة الله ومشيئته. قال الطحاوي: وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئتُه تنفذ؛ لا مشيئة للعباد إلا ما شاء الله؛ فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن، لا راد لقضائه؛ ولذا فإن الذين يكذبون بالقدر لا يُثبتون قدرة الله تعالى.

стр. 4

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: من لم يقل بقول السلف فإنه لا يثبت لله قدرة، ولا يثبته قادرًا، كالجهمية ومن اتبعهم والمعتزلة المجبرة النافية، حقيقة قولهم: أنه ليس قادرًا وليس له الملك؛ فإن الملك إما أن يكون هو القدرة، أو المقدور، أو كلاهما، وعلى كل تقدير فلابد من القدرة؛ فمن لم يثبت له قدرة حقيقة لم يثبت له ملكًا، والذين كذبوا بالقدر لم يوحدوا الله فإن نفاة القدر يقولون: خالق الخير غير خالق الشر. ويقول من كان منهم في ملتنا: إن الذنوب الواقعة ليست واقعة بمشيئة الله تعالى، وربما قالوا: ولا يعلمها أيضًا، ويقولون: إن جميع أفعال الحيوان واقعة بغير قدرته ولا صنعه؛ فيجحدون مشيئته النافذة وقدرته الشاملة؛ ولهذا قال ابن عباس: القدر نظام التوحيد؛ فمن وحَّد الله وآمن بالقدر تم توحيده، ومن وحد الله وكذَّب بالقدر نقض تكذيبه توحيده. وقد تقاطر أهل العلم على تقرير القدر والنص على وجوب الإيمان به، وما من عالم من علماء أهل السنة الذين هم أعلام الهدى وأنوار الدجى إلا وقد نص على وجوب الإيمان به، وبدّع وسفّه من أنكره وردَّه. يقول النووي -رحمه الله تعالى- في شرحه لأحاديث القدر من (صحيح مسلم): وفي هذه الأحاديث كلها دلالات ظاهرة لمذهب أهل السنة في إثبات القدر، وأن جميع الواقعات بقضاء الله وقدره خيرها وشرها نفعها وضرها. قال في موضع آخر: تظاهرت الأدلة القطعيات من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل الحل والعقد من السلف والخلف على إثبات قدر الله . ويقول ابن حجر -رحمه الله تعالى-: مذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (الحجر: ٢١).

стр. 5

تعريفات القضاء والقدر، والفرق بينهما التعريف بالقضاء والقدر: التعريف بالقدر: القدر مصدر، تقول: قدَرت الشيء -بتخفيف الدال وفتحها-: أقدره -بالكسر والفتح- قدْرًا وقدَرا إذا أحطت بمقداره، والقدر في اللغة: القضاء والحكم، ومبلغ الشيء، والتقدير: التروية والتفكر في تسوية الأمر. والقدر -في الاصطلاح-: ما سبق به العلم وجرى به القلم مما هو كائن إلى الأبد، وأنه قدّر مقادير الخلائق وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده تعالى وعلى صفات مخصوصة؛ فهي تقع على حسب ما قدرها. وقال ابن حجر في تعريفه: المراد أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد؛ فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته. ونقل السفاريني عن الأشعرية: أن القدر إيجاد الله تعالى الأشياء على قدر مخصوص وتقدير معين في ذواتها وأحوالها طبق ما سبق به العلم وجرى به القلم. وهذه التعريفات متقاربة فيما بينها، وهي تفيد أن القدر يشمل أمرين: الأول: علم الله الأزلي الذي حكم فيه بوجود ما شاء أن يوجده، وحدد صفات المخلوقات التي يريد إيجادها، وقد كتب كل ذلك في اللوح المحفوظ بكلماته؛ فالأرض والسماء أحجامهما وأبعادهما وطريقة تكوينهما وما بينهما وما فيهما؛ كل ذلك مدوّن علمه في اللوح المحفوظ تدوينًا دقيقًا وافيًا.

стр. 6

والثاني: إيجاد ما قدّر الله إيجاده على النحو الذي سبق علمه وجرى به قلمه؛ فيأتي الواقع المشهود مطابقًا للعلم السابق المكتوب، والقدر يطلق ويراد به التقدير السابق لما في علم الله، ويطلق ويراد ما خلقه وأوجده على النحو الذي علمه. وسئل الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- عن القدر؟ فأجاب شعرًا قائلًا: فما شئتَ كان وإن لم أشأْ ... وما شئتُ إن لم تشأْ لم يكن خلقتَ العباد على ما علمت ... ففي العلم يجري الفتى والمسن على ذا مننت وهذا خذلت ... وهذا أعنت وهذا لم تُعِن فمنهم شقي ومنهم سعيد ... ومنهم قبيح ومنهم حسن التعريف بالقضاء: القضاء: الفصل والحكم، وقد تقرر في أحاديث الرسول ﷺ ذكر القضاء، وأصله القطع والفصل؛ يقال: قضى يقضي قضاء فهو قاضٍ إذا حكم وفصل، وقضاء الشيء: إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه؛ فيكون بمعنى الخلق، وقال الزهري: القضاء في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقضاء الشيء وتمامه، وكل ما أُحكم عمله أو أُتم أو أُدي أو أُوجب أو عُلم أو نُفّذ أو أُمضي فقد قضي، وقد جاءت هذه الوجوه كلها في الأحاديث. وللعلماء في التفرقة بين القضاء والقدر قولان: الأول: القضاء هو العلم السابق الذي حكم الله به في الأزل، والقدر: وقوع الخلق على وزن الأمر المقضى السابق.

стр. 7

يقول ابن حجر العسقلاني -رحمه الله تعالى-: قال العلماء: القضاء هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله. وقال في موضع آخر: القضاء: الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل، والقدر: الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل. الثاني: عكس القول السابق؛ فالقدر: هو الحكم السابق، والقضاء: هو الخلق؛ قال ابن بطال: القضاء هو المقضي، ومراده بالمقضي: المخلوق، وهذا هو قول الخطابي؛ فقد قال في (معالم السنن): القدر اسم لما صار مقدرًا عن فعل القادر؛ كالهدم والنشر والقبض، أسماء لما صدر من فعل الهادم والناشر والقابض، والقضاء -في هذا-: معناه الخلق؛ كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (فصلت: ١٢) أي خلقهن. وبناء على هذا القول يكون القضاء من الله تعالى أخص من القدر؛ لأنه الفصل بين التقديرين؛ فالقدر هو التقدير، والقضاء هو الفصل والقطع. ويدل لصحة هذا القول نصوص كثيرة من كتاب الله، قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ (مريم: ٢١) وقال: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (مريم: ٧١)، وقال: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (البقرة: ١١٧) فالقضاء والقدر -بناء على هذا القول- أمران متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس -وهو القدر-، والآخر بمنزلة البناء -وهو القضاء- فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء. معنى الإيمان بالقدر: ويجب على كل مسلم أن يؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره، ويقصد بالإيمان بالقدر: الإيمان بعلم الله القديم، والإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وفي

стр. 8

بيان ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: الإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين: فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون، بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلًا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق؛ فـ ((أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة))؛ فما أصاب الإنسان لم يكن يخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام وطويت الصحف؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (الحج: ٧٠) وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (الحد: ٢٢). وأما الدرجة الثانية: فهي الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة: وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، لا يكون في ملكه ما لا يريد، وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات، فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه -سبحانه لا خالق غيره ولا رب سواه-، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله ونهاهم عن معصيته. وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد.

стр. 9

والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن، والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم. هذا؛ وإن تقسيم القدر الذي يجب الإيمان به إلى خير وشر إنما هو بإضافته إلى الناس والمخلوقات؛ أما بالنسبة لله فالقدر خير كله والشر لا ينسب إلى الله؛ فعلم الله ومشيئته وكتابته وخلقه للأشياء والحوادث، هذا كله حكمة وعدل ورحمة وخير؛ فإن الشر لا يدخل في شيء من صفات الله تعالى ولا أفعاله، ولا يلحق ذاتَه ﵎ نقصٌ ولا شرٌّ؛ فله الكمال المطلق والجلال التام؛ ولذلك لا يجوز إضافة الشر إلى الله مفردًا؛ وإنما يجوز أن يدخل الشر في العموم كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الرعد: ١٦) ويجوز أن يضاف إلى السبب كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ (الفلق: ١، ٢) ويجوز أن يذكر بحذف فاعله، كقوله تعالى -فيما حكاه عن الجن-: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ (الجن: ١٠). والحق أن الله تعالى لم يخلق شرًّا محضًا من جميع الوجوه؛ فإن حكمته سبحانه تأبى ذلك؛ فلا يمكن في جانبه تعالى أن يريد شيئًا يكون فسادًا من كل وجه ولا مصلحة في خلقه بوجه ما؛ فإنه تعالى بيده الخير كله والشر ليس إليه، بل كل ما إليه فخير، والشر إنما حصل لعدم النسبة إليه؛ فلو نسب إليه لم يكن شرًّا، وهو من حيث نسبته إلى الله تعالى خلقًا ومشيئة، وليس بشر. المرض مثلًا شر ومصيبة بالنسبة للإنسان عاجلًا؛ ولكنه خير في الآجل، وخير بالنسبة لله لما يعلم ما يعقبه من مغفرة الذنوب وتطهير النفوس، وكذلك سجن أعداء الله للمؤمنين شرٌّ في ظاهره لما فيه من الآلام والمحن؛ ولكنه تمحيص

стр. 10

للنفوس وتطهير للصفوف وتربية للأرواح فضلًا عن الثواب الجزيل والخير العميم، وخلق إبليس فيه حكم كثيرة ظاهرة؛ كتوبة البشر بعد الزلل، واستخراج عبودية المؤمنين لله تعالى بجهاد إبليس وحزبه والصبر على إغرائه وإغوائه، والالتجاء إلى حمى الله واللياذ بركنه الركين. أدلة وجوب الإيمان بالقضاء والقدر الأدلة على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر: قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: ٤٩) قال الشوكاني: إن كل شيء من الأشياء خلقه الله سبحانه متلبسًا بقدر قدره، وقضاء قضاه سبق في علمه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه، وقال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (الأحزاب: ٣٨) قال الحافظ ابن كثير: أي وكان أمره الذي يقدره كائنًا لا محالة، وواقعًا لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وقال صديق حسن خان: أي قضاء مقضيًّا وحكمًا مبتوتًا، وهو كظل ظليل وليل أليل وروض أريض في قصد التأكيد، ومن السنة حديث جبريل المشهور، وفيه أنه سأل النبي ﷺ عن الإيمان فقال: ((أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره))، وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه)). قال الحافظ ابن حجر: الإيمان بالقدر من أركان الإيمان، ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (الحجر: ٢١).

стр. 11

النصوص الدالة على تقدير الله أفعال العباد: ١ - أعمال العباد جفت بها الأقلام وجرت بها المقادير: عن سراقة بن مالك ﵁ قال: ((يا رسول الله، بيِّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن؛ فيم العمل اليوم؟ أفيم جفت به الأقلام وجرت به المقادير؛ أم فيم يستقبل؟ قال: لا؛ بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، قال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر)) وفي رواية: ((فكل ميسر لما خُلق له)). ٢ - علم الله بأهل الجنة وأهل النار: عن علي ﵁ قال: ((كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي ﷺ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس؛ فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا كتب شقية أو سعيدة، فقال رجل: يا رسول؛ أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؛ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة؛ وأما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة؟! قال: أما أهل السعادة فييسرون لعمل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة. ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ... ﴾ (الليل: ٥، ٦))). ٣ - استخراج ذرية آدم من ظهره بعد خلقه وقسمهم إلى فريقين: أهل الجنة، وأهل النار: عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((أخذ الله الميثاق من ظهر آدم ﵇ فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلًا، قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٢، ١٧٣))).

стр. 12

وعن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: ((خلق الله آدم حين خلقه؛ فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذريته بيضاء كأنهم الذر، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي، وقال للذي في كتفه اليسرى: إلى النار ولا أبالي)). ٤ - كتابة أجل الإنسان وعمله ورزقه، وشقي أو سعيد، وهو جنين في رحم أمه: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: ((إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح؛ فإن الرجل منكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب؛ فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب؛ فيعمل عمل أهل النار فيدخل النار)). وجوب الإيمان بالقضاء والقدر: يجب على كل مسلم أن يؤمن بعقيدة القضاء والقدر إيمانًا راسخًا لا يقبل الشك؛ بل إنه لا يصح إسلام امرئ ولا يقبل إيمانه إلا بيقينه الجازم بالقضاء والقدر؛ لأن عقيدة القضاء والقدر ركيزة من ركائز الإيمان الست؛ وذلك لأن عقيدة القضاء والقدر قد دل عليها القرآن الكريم -كما ذكرنا-. وفي السنة يقول ﷺ : ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك

стр. 13

شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا؛ ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن "لو" تفتح عمل الشيطان)). - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك)). - وقال ﷺ : ((إن أول ما خلق الله تعالى القلم، ثم قال: اكتب. فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة)). - وقال ﷺ : ((لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صفحتها ولتنكح؛ فإن لها ما قدر لها)). - وقال ﷺ : ((الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره)). فالإيمان بالقدر جزء من عقيدة المؤمن وركن من أركان الإيمان، وإنكاره أو التشكيك فيه كفر بالله ورسوله -عياذًا بك اللهم. وقال صاحب "العقيدة الطحاوية": خلق الخلق بعلمه، وقدر لهم أقدارًا وضرب لهم آجالًا، ولم يخفَ عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته، وكل شيء يجري بتقديره ومشيئتِه، ومشيئتُه تنفذ؛ لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم؛ فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا، وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله، وهو متعالٍ عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره؛ آمنا بذلك كله وأيقنَّا أن كلًّا من عنده، وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من

стр. 14

يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جملة واحدة؛ فلا يزداد في ذلك العدد ولا يُنقص منه. وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه، وكل ميسر لما خلق له والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله والشقي من شقي بقضاء الله، وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه ولم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان وسُلَّم الحرمان ودرجة الطغيان؛ فالحذر كل الحذر من ذلك نظرًا وفكرًا ووسوسة؛ فإن الله تعالى طوى علم القدر عن آنامه، ونهاهم عن مرامه؛ كما قال تعالى في كتابه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الأنبياء: ٢٣) فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب؛ فمن رد حكم الكتاب كان من الكافرين؛ فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله تعالى، وهي درجة الراسخين في العلم؛ لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود؛ فإنكار العلم الموجود كفر، وإنكار العلم المفقود كفر، ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود وترك طلب العلم المفقود. وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديرًا محكمًا مبرمًا ليس فيه ناقض ولا معقب، ولا مزيل ولا مغير، ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه، وذلك من عقد الإيمان وأصول المعرفة والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته، كما قال تعالى في كتابه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (الفرقان: ٢) وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (الأحزاب: ٣٨) فويلٌ لمن صار لله تعالى في القدر خصيمًا وأحضر للنظر فيه قلبًا سقيمًا، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرًّا كتيمًا، وعاد بما قال فيه أفَّاكًا أثيمًا.

стр. 15

وأن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق وخلق لهما أهلًا؛ فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلًا منه، وكل يعمل لما قد فرغ له وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدران على العباد والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصفَ المخلوق به؛ فهي مع الفعل؛ وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكين وسلامة الآلات فهي قبل الفعل إليها يتعلق الخطاب، وهو كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: ٢٨٦). وأفعال العباد خلق الله وكسب العباد، ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم، وهو تفسير: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، نقول: لا حيلة لأحد ولا حركة ولا تحوّل لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله، وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدًا، تقدس عن كل سوء وحَيْن، وتنزه عن كل عيب وشيْن، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون. غضب النبي ﷺ من الذين يجادلون في كتاب الله ويتنازعون في القدر: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ((خرج رسول الله ﷺ على أصحابه وهم يختصمون في القدر؛ فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب؛ فقال: بهذا أمرتم؟! أو: لهذا خلقتم؟! تضربون القرآن بعضه ببعض؟! بهذا هلكت الأمم قبلكم، قال: فقال عبد الله بن عمرو: ما غبطت نفسي بمجلس تخلفت فيه عن رسول الله ﷺ ما غبطت نفسي بذلك المسجد وتخلفي عنه)).

стр. 16

وفي رواية للإمام أحمد ﵀ بالإسناد السابق نفسه: ((أن نفرًا كانوا جلوسًا بباب النبي ﷺ فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟! وقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟! فسمع ذلك رسول الله ﷺ فخرج كأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: بهذا أمرتم؟! أو بهذا بعثتم؟! أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟! إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا إنكم لستم ممن هاهنا في شيء؛ انظروا الذي أمرتم به فاعملوا به، والذي نهيتم عنه فانتهوا)). وأخرجه الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: ((خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتنازع في القدر؛ فغضب حتى احمر وجهه؛ حتى كأنما فقئ في وجنتيه الرمان؛ فقال: أبهذا أمرتم؟! أم بهذا أرسلت إليكم؟! إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه)). قال المباركفوري -رحمه الله تعالى-: في (التحفة) في شرحه للحديث السابق: ((فغضب حتى احمر وجهه)) أي: نهاية الاحمرار؛ حتى صار من شدة حمرته، ((كأنما فُقِئ)) بصيغة المجهول أي: شق أو عصر ((في وجنتيه)) أي: خديه ((الرمان)) أي حبه، فهو كناية عن مزيد حمرة وجهه المنبئة عن مزيد غضبه؛ وإنما غضب لأن القدر سر من أسرار الله تعالى، وطلب سره منهي، ولأن من يبحث فيه لا يأمن من أن يصير قدريًّا أو جبريًّا، والعباد مأمورون بقبول ما أمرهم الشرع من غير أن يطلبوا سر ما لا يجوز طلب سره. هذا؛ وبالله التوفيق.

стр. 17

الدرس: ٢ تابع الإيمان بالقضاء والقدر .

стр. 18

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني (تابع الإيمان بالقضاء والقدر) أقسام القدر، وحكم التكذيب به الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن استن بسنته وصار على نهجه إلى يوم الدين وبعد: حكم من أنكر القدر: من أنكر القدر فقد جحد أصلًا من أصول الشريعة وقد كفر بذلك؛ قال بعض السلف ﵀: انظروا إلى القدرية بالعلم؛ فإن جحدوه كفروا؛ وإن أقروا به خصموا، فإنكار القدر كفر بالله -جل وعلا- ينافي أصل التوحيد، كما قال ابن عباس ﵄: القدر نظام التوحيد؛ فمن كذّب بالقدر نقض تكذيبه توحيده، يعني الإيمان بالقدر هو النظام، يعني: السلك الذي تجتمع فيه مسائل التوحيد حتى يقوم عقدها في القلب؛ فإذا كذّب بالقدر، معنى ذلك: انقطع السلك؛ فنقض ذلك التكذيب أمور التوحيد. وهذا ظاهر؛ فإن أصل الإيمان أن يؤمن بالأركان الستة التي منها الإيمان بالقدر، قال ابن عمر: "والذي نفس ابن عمر بيده لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبًا ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر". لأن الله -جل وعلا- لا يقبل إلا من مسلم. الإسلام شرط في صحة قبول الأعمال، ومن أنكر القدر ولم يؤمن بالقدر فإنه لا يقبل منه، ولو أنفق مثل أحد ذهبًا. ثم استدل بقول النبي ﷺ : ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره))، هنا في قوله: ((تؤمن بالقدر خيره وشره)) القدر منه ما هو خير ومنه ما هو شر: خير بالنسبة لابن آدم وشر بالنسبة لابن آدم؛ فالمكلف قد يكون عليه قدر هو بالإضافة إليه خير، وقد يكون عليه القدر

стр. 19

بالإضافة إليه شر، وأما بالنسبة لفعل الله -جل وعلا- فالله أفعاله كلها خير؛ لأنها موافقة لحكمته العظيمة؛ ولهذا جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال في ثنائه على ربه: ((والشر ليس إليك)). فالله -جل وعلا- ليس في فعله شر؛ فالشر بما يضاف للعبد أصيب العبد بمصيبة فهو شر بالنسبة إليه؛ أما بالنسبة لفعل الله فهو خير؛ لأنها موافقة لحكمة الله -جل وعلا- البالغة، والله له الأمر كله. وعن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: "يا بني، إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك". وهذا لأن القضاء والقدر قد فرغ منه، يعني: تقدير الأمور قد فرغ منه، والله -جل وعلا- قد قدر الأشياء وقدر أسبابها؛ فالسبب الذي سيفعله المختار من عباد الله مقدر؛ كما أن نتيجته مقدرة. ومن الإيمان بالقدر الإيمان بأن الله -جل وعلا- جعلك مختارًا، وأنك لست مجبورًا؛ فالقول بالجبر منافٍ للقول بالقدر، يعني القول بالجبر لا يستقيم مع الإيمان بالقدر؛ لأن الإيمان بالقدر إيمان معه الإيمان؛ لأن العبد مختار وليس بمجبر؛ لأن التكليف وقع بذلك. والجبرية طائفتان: طائفة غلاة وهم: الجهمية وغلاة الصوفية الذين يقولون: إن العبد كالريشة في مهب الريح وحركاته حركات اضطرارية، ومنهم طائفة ليست بالغلاة وهم الأشاعرة ونحوهم الذين يقولون بالجبر في الباطن وبالاختيار في الظاهر، ويقولون: إن العبد له كسب: وهذا الكسب هو أن يكون العبد في الفعل الذي فعله محلًّا لفعل الله؛ فيفعل به فيكون هو محلًّا للفعل، ويضاف الفعل إليه على وجه الكسب -على ما هو معروف في موضعه من التفاصيل في كتب العقيدة المطولة.

стр. 20

ذكر مرتبة الكتابة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: رب، وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة))، هذا فيه دليل على مرتبة الكتابة، وقوله: ((إن أول ما خلق الله القلم)) معناه -على الصحيح عند المحققين-: أنه حين خلق الله القلم؛ فأول هنا ظرف بمعنى: حين، وإن اسمها ضمير الشأن محذوف، إنه أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، يعني: حين خلق الله القلم قال له: اكتب، فيكون قول: ((اكتب)) هذا من جهة الظرفية. وأما أول المخلوقات؛ فالعرش سابق في الخلق على القلم؛ كما قال ﵊ في الحديث الذي في الصحيح: ((قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)) فقوله: ((إن أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب))، أنه حين خلق قال له: اكتب، والعرش كان قبل ذلك؛ فإذن الكتابة كانت بعد الخلق مباشرة، بعد خلق القلم؛ وأما العرش فكان سابقًا، والماء كان سابقًا أيضًا؛ ولهذا نقول: الصحيح أن العرش مخلوق قبل القلم، كما قال ابن القيم ﵀ في النونية: والناس مختلفون في القلم الذي ... كُتِب القضاء به من الديان هل كان قبل العرش أم هو بعده ... قولان عند أبي العلا الهمذاني والحق أن العرش قبل لأنه ... عند الكتابة كان ذا أركان كيفية الإيمان بالقدر: أقسام التقدير: أ- التقدير العام لجميع الكائنات: وهو الذي كتب في اللوح المحفوظ قبل خلق السَّمَوَات والأرض بخمسين ألف سنة.

стр. 21

ب- التقدير العمري: وهو تقدير كل ما يجري على العبد من نفخ الروح فيه إلى نهاية أجله. جـ- التقدير السنوي: وهو تقدير ما يجري كل سنة، وذلك ليلة القدر من كل سنة قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِين * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (الدخان: ٣، ٤). د- التقدير اليومي: وهو تقدير ما يجري كل يوم من عِزٍّ وذُلٍّ، وعطاء ومنع، وإحياء وإماتة، وغير ذلك؛ قال تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (الرحمن: ٢٩). هل الإيمان بالقدر ينافي مشيئة الإنسان في أفعاله الاختيارية؟ والإيمان بالقدر على ما وصفنا لا ينافي أن يكون للعبد مشيئة في أفعاله الاختيارية وقدرة عليها؛ لأن الشرع والواقع دالان على إثبات ذلك له، أما الشرع؛ فقد قال الله تعالى في المشيئة: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ (النبأ: ٣٩) وقال: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (البقرة: ٢٢٣) وقال في القدرة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ (التغابن: ١٦) وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (البقرة: ٢٨٦). وأما الواقع فإن كل إنسان يعلم أن له مشيئة وقدرة بهما يفعل وبهما يترك، ويفرق بين ما يقع بإرادته كالمشي وما يقع بغير إرادته كالارتعاش؛ لكن مشيئة العبد وقدرته واقعتان بمشيئة الله تعالى وقدرته؛ لقول الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير: ٢٨، ٢٩) ولأن الكون كله ملك لله تعالى، فلا يكون في ملكه شيء بدون علمه ومشيئته.

стр. 22

الاحتجاجُ بالقدر لترك الواجبات وفعل المعاصي احتجاجٌ باطلٌ والإيمان بالقدر -على ما وصفنا- لا يمنح العبد حجة على ما ترك من الواجبات أو فعل من المعاصي؛ وعلى هذا فاحتجاجه به باطل من وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام: ١٤٨) ولو كان لهم حجة بالقدر ما أذاقهم الله بأسه. الثاني: قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء: ١٦٥) ولو كان القدر حجة للمخالفين لم ينتفِ بإرسال الرسل؛ لأن المخالفة بعد إرسالهم واقعة بقدر الله تعالى. الثالث: ما رواه البخاري ومسلم -واللفظ للبخاري-: عن علي بن أبي طالب ﵁: أن النبي ﷺ قال: «ما منكم من أحد إلا قد كُتب مقعده من النار أو من الجنة. فقال رجل من القوم: ألا نتكل يا رسول الله؟ قال: لا؛ اعملوا فكلٌّ ميسر. ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ (الليل: ٥، ٦)» وفي لفظ لمسلم: «فكل ميسر لما خلق له»، فأمر النبي ﷺ بالعمل ونهى عن الاتكال على القدر. الرابع: أن الله تعالى أمر العبد ونهاه، ولم يكلفه إلا ما يستطيع؛ قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: ١٦) ولو كان العبد مجبرًا على الفعل لكان مكلفًا بما لا يستطيع الخلاص منه، وهذا باطل؛ ولذلك إذا وقعت منه المعصية بجهل أو نسيان أو إكراه؛ فلا إثم عليه؛ لأنه معذور.

стр. 23

الخامس: أن قدر الله تعالى سرّ مكتوم لا يعلم به إلا بعد وقوع المقدور، وإرادة العبد لما يفعله سابقة على فعله فتكون إرادته الفعل غير مبنية على علم منه بقدر الله، وحينئذ تُنفى حجته بالقدر؛ إذ لا حجة للمرء فيما لا يعلمه. السادس: أننا نرى الإنسان يحرص على ما يلائمه من أمور دنياه حتى يدركه، ولا يعدل عنه إلى ما لا يلائمه ثم يحتج على عدوله بالقدر، فلماذا يعدل عما ينفعه في أمور دينه إلى ما يضره ثم يحتج بالقدر، أفليس شأن الأمرين واحد؟! وإليك مثالًا يوضح ذلك: لو كان بين يدي الإنسان طريقان: أحدهما: ينتهي به إلى بلد كلها فوضى وقتل ونهب وانتهاك للأعراض وخوف وجوع، والثاني: ينتهي به إلى بلد كلها نظام وأمن مستتب وعيش رغيد واحترام للنفوس والأعراض والأموال؛ فأي الطريقين يسلك؟ إنه سيسلك الطريق الثاني الذي ينتهي به إلى بلد النظام والأمن، ولا يمكن لأي عاقل أبدًا أن يسلك طريق بلد الفوضى والخوف ويحتج بالقدر؛ فلماذا يسلك في أمر الآخرة طريق النار دون الجنة ويحتج بالقدر؟! السابع: أن المحتج بالقدر على ما تركه من الواجبات أو فعله من المعاصي لو اعتدى عليه شخص فأخذ ماله أو انتهك حرمته، ثم احتج بالقدر وقال: لا تلمني؛ فإن اعتدائي كان بقدر الله؛ لم يقبل حجته؛ فكيف لا يقبل الاحتجاج بالقدر في اعتداء غيره عليه، ويحتج به لنفسه في اعتدائه على حق الله؟! ويذكر أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ رفع إليه سارق استحق القطع، فأمر بقطع يده؛ فقال: مهلًا يا أمير المؤمنين، فإنما سرقت بقدر الله، فقال: ونحن إنما نقطع بقدر الله.

стр. 24

أثر الإيمان بالقدر على المسلم لقد بني هذا الدين على التسليم لحكمة الله وإرادته، وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة الربانية في الأوامر والنواهي، وكذلك كان أصحاب الأنبياء؛ فإن قدم الإسلام لا تثبت إلا على درجة التسليم، فأول مراتب تعظيم الأمر التصديق به، ثم العزم الجازم على امتثاله، ثم المسارعة إليه والمبادرة به، وهكذا كان الصحب الكرام فقد كانوا شديدي الأدب مع ربهم ومع رسول الله ﷺ ، فقد قال فيهم ابن عباس ﵄: "ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض"، وفي مسألة القدر أجمع الصحابة والتابعون وجميع أهل السنة والحديث أن كل كائن إلى يوم القيامة فهو مكتوب في أم الكتاب. عن ابن الديلمي قال: أتيت أبي بن كعب، فقلت له: قد وقع في نفسي شيء في القدر؛ فحدثني لعل الله يذهب من قلبي؛ فقال: "لو أن الله تعالى عذب أهل سماواته وأهل أرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أُحُد ذهبًا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار، قال: ثم أتيت ابن مسعود فقال مثل ذلك، ثم أتيت حذيفة فقال مثل ذلك، ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي ﷺ مثل ذلك". وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال لابنه عند الموت: "يا بني؛ إنك لن تجد حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، فقال: يا رب، وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة)). يا بني، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من مات على غير هذا فليس مني)).

стр. 25

هذا؛ وقد كان لهذه العقيدة في نفوس أصحاب الرسول ﷺ أجل الأمل؛ فقد انطلقوا في الأرض وهم يحملون عقيدة القدر كما علّمهم إياها رسول الله ﷺ فقد قال لابن عباس ﵄: ((يا غلام، احفظ الله يحفظك؛ احفظ الله تجده تجاهك؛ إذا سألت فاسأل الله؛ وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك؛ وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)). هذه العقيدة سكبت في قلوبهم السكينة، وأفاضت على نفوسهم الطمأنينة، وربَّتهم على العزة؛ فارتاحت أعصابهم وهم منطلقون لتبليغ هذا الدين إلى البشرية، وقد استصغروا قوى الأرض جميعًا أمام إيمانهم بقدر الله. سئل سلمان الفارسي: ما قول الناس حتى تؤمن بالقدر خيره وشره؟ فقال: حتى تؤمن بالقدر: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك، ولم يكن هذا قول سلمان فحسب؛ وإنما كان قول أصحاب رسول الله ﷺ جميعًا؛ فأية سعادة تضفيها على النفس هذه العقيدة! وأية شجاعة انطوت عليها قلوب آمنت أن الأمر بيد الله وأن البشر لا أمر لهم. إن قوى الأرض جميعًا لا تقف أمام إنسان يحمل هذا المبدأ، ويكن بين جنباته هذا الإيمان، ومن هنا نجد التفسير الصحيح للأعمال التي حققها هذا الإيمان على يد العصبة المؤمنة التي انطلقت بهذا الدين، إنها الأعمال تشبه الخوارق ولكنها حقائق، إن تلك الإنجازات العظيمة التي حققها رسول الله ﷺ وصحبه الكرام، إن هي إلا ثمرة إيمانهم بالله واليوم الآخر، وقدر الله . إن الإنسان الذي ينعم بعقيدة القدر ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن الأمة لو اجتمعت لم تضره إلا بشيء قد كتبه الله عليه، وأنه لم تمت نفسٌ حتى

стр. 26

تستكمل رزقها وأجلها، إنه هذا الإنسان هو وحده الذي يتحرر من العبودية للعباد بدخوله في العبودية لرب العباد؛ إذ كيف تنحني جبهته لأية قوة على ظهر الأرض وهو يعلم أن الأمر بيد خالق السموات والأرض ومن فيهن؟! وكيف تذل نفسه لعبد من تراب؟! يقول ابن رجب -رحمه الله تعالى-: فمن تحقق أن كل مخلوق فوق التراب فهو تراب، فكيف يقدم طاعة من هو تراب على طاعة رب الأرباب؟! أم كيف يرضي التراب بسخط المالك الوهاب؟! إن هذا لشيء عجاب!. إن هذه العقيدة لتنتزع كل مظهر للجبن من القلب الذي تعمره، فتدفع صاحبها إلى جهاد الكفار والطغاة دون أن يحسب لوسائلهم وأساليبهم أي حساب، ولماذا ينشغل بالحساب لهم وقد ضمن له خالقه وخالقهم أن يستوفي رزقه وأجله، ولماذا يجبن وهو يعلم أن المقدور نازل به لا محالة، وغير المقدور لن يحيق به أبدًا؛ فما أحسن قول من قال: أي يومي من الموت أفر ... يوم لا قدر أو يوم قدِر يوم لا قدر لا أرهبه ... ومن المقدور لا ينجو الحذِر إن النفس المؤمنة بقدر الله لتنعم بنعمة أخرى لا تعدلها نعم الدنيا كلها؛ إنها نعمة الرضا في كل حال؛ ذلك أن هذه النفس ترى أن المقادير تجري بأمر الله ومشيئته وتدبيره وأن الأحداث تنبثق بحكمة الله وإرادته، وهو يعلم والناس لا يعلمون كما قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢١٦)؛ فتعلم هذه النفس المؤمنة أن الله الذي قدر لها الخير أو الشر حكيم رحيم؛ فلا تبطر نعمة ولا تجزع من مصيبة؛ فهي شاكرة في السراء صابرة في الضراء، أمرها كله خير كما، قال

стр. 27

المصطفى ﷺ : ((عجبًا للمؤمن؛ إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له؛ وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له)). فالمؤمن من ينظر إلى المصيبة فيعلم أنها قدر الله فيطمئن ويرضى؛ فيكون أكثر أدبًا من أن يعترض على مولاه وخالقه، وينظر إلى عاقبة المصيبة ومآلها من الثواب فيرضى ويصبر، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: ((أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل؛ يبتلى الرجل على حسب دينه؛ فإن كان في دينه صلابة ابتلي على قدر ذلك؛ وإن كان فيه رقة هوِّن عليه؛ فما يزال البلاء بالرجل حتى يدعه يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة)). وهذا علقمة ﵀ يفسر قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ فيقول: هو الرجل تصيبه المصيبة؛ فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلِّم، وقال ابن عباس ﵄: يهدي قلبه اليقين؛ فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه. ولقد ارتفعت نفوس الصحابة -رضوان الله عليهم- في ظلال هذا التصور الإيماني وسمت أرواحهم وأرهفت ضمائرهم حتى استوت في نظرهم السراء والضراء، وتماثل لديهم الشكر والصبر كما يقول عمر ﵁: "لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما أركب". ويقول أبو محمد الحريري: الصبر: ألا يفرق بين النعمة والمحنة مع سكون الخاطر فيهما؛ فقد سئل الإمام أحمد عن الرجل يكون معه مائة ألف دينار؛ هل يكون زاهدًا؟ قال: نعم، بشرط ألا يفرح إذا زادت، ولا يحزن إذا نقصت، وقال بعض السلف: الزاهد: من لا يغلب الحلال شكره ولا الحرامَ صبره.

стр. 28

وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري ﵄: "أما بعد؛ فإن الخير كله في الرضا؛ فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر"، وقال ابن عطاء: الرضا سكون القلب إلى قديم اختار الله للعبد أنه اختار له الأفضل. هذا؛ والصبر واجب باتفاق العلماء، وأعلى من ذلك الرضا بحكم الله، وقيل عن الرضا: أنه واجب، وقيل: هو مستحب، وقد أجمع العلماء على أن حكمه لا يقل عن الاستحباب. وأساس الرضا: الإيمان بقدر الله كما تقدم، واستشعار للطف الله بعباده؛ قال عبد الواحد بن زيد: الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العابدين، وأهل الرضا يلاحظون ثواب المبتلى وخيريته لعبده في البلاء، وأنه غير متهم في قضائه، وتارة يلاحظون ثواب الرضا بالقضاء فينسيهم ألم المقضي به، وتارة يلاحظون عظمة المبتلي وجلاله وكماله فيستغرقون في مشاهدة ذلك، حتى إنهم لا يشعرون بالألم؛ بل ربما يتلذذون بما أصابهم لملاحظة صدوره من حبيبهم. والرضا والصبر اللذين يثمرهما الإيمان بالقدر إنما هما الرضا بالمقدور من المصائب والنوائب، والصبر على طاعة الله، والصبر عن معصيته، وعلى أنواع المكاره، وليس المقصود الرضا بالكفر والعصيان والفسوق عن أمر الله، ولا الصبر على الذل والضيم؛ فإن الله لا يرضى لعباده الكفر والمعصية والهوان؛ فليكن رضاك تبعًا لرضا ربك وصبرك في طاعة الله وفي سبيله. إن الرضا بالقدر والصبر على البلاء: الطمأنينة إلى حكم الله ، فهو أهم القواعد التي يقام عليها السكن النفسي، وهي من أبرز الدوافع لانطلاق جميع الطاقة البشرية للعمل في هذه الأرض ضمن منهج الله ، فلا التفات للوراء ولا محطات للتحسر والندم، ولا "لو كان كذا وكذا لكان كذا وكذا"؛ ولكن قدر الله وما شاء فعل.

стр. 29

ففي هذه العقيدة هدوء القلب وراحة البدن والنفس والأعصاب ومفارقة الهم والحزن؛ فلا تمزق نفسي ولا توتر عصبي ولا شذوذ ولا انفصام؛ وإنما رضا وسكينة وسعادة وراحة وطمأنينة وبرد اليقين وقرة العين وهناءة الضمير وانشراح الصدر والاطمئنان إلى رحمة الله وعدله وعلمه وحكمته؛ فهو الملاذ والمعاذ من الوسواس والهواجس. إن الاعتقاد بعقيدة القدر يحدث في واقع الناس وفوق هذه الأرض نتائج إيجابية هائلة؛ وأما المجتمعات التي تركت هذه العقيدة وفرغت من الإيمان بالله وتدبيره لشئون الحياة والأحياء؛ فيصيبها في الآخرة خلود في العذاب المهين، وفي هذه الدنيا ضياع السعادة وتمزق الأعصاب وضنك العيش وتوتر الحياة مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا * وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه: ١٢٣، ١٢٥). الإيمان بالقدر لا ينافي الأخذ بالأسباب: ويجب ألا يغيب عن بالنا أننا مأمورون بالأخذ بالأسباب مع التوكل على الله والإيمان أن بيده ملكوت كل شيء، والإيمان أن الأسباب لا تعطي النتائج إلا بإذن الله فالذي خلق الأسباب هو الذي خلق النتائج والثمار؛ فمن أراد النسل الصالح فلا بد أن يتخذ لذلك سببًا وهو الزواج الشرعي، ولكن هذا الزواج قد يعطي الثمار وهي النسل وقد لا يعطي؛ حسب إرادة العزيز الحكيم ومشيئة اللطيف الخبير: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (الشورى: ٤٩، ٥٠).

стр. 30

ولذا يحرم على المسلم ترك الأخذ بالأسباب؛ فلو ترك إنسان السعي في طلب الرزق لكان آثمًا مع أن الرزق بيد الله تعالى، وقد بيَّن رسول الله ﷺ أن الأسباب المشروعة هي من القدر؛ فقيل له: أرأيت رقًى نسترقي بها وتقًى نتقي بها وأدوية نتداوى بها؛ هي ترد من قدر الله شيئًا؟ فقال: ((هي من قدر الله)). فالالتفات إلى الأسباب واعتبارها مؤثرة في المسببات شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب المأمور بها قدح في الشرع؛ لذا فقد أمر النبي ﷺ بالتداوي؛ فقد روى أصحاب السنن عن أسامة بن شريك قال: أتيت النبي ﷺ وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير؛ فسلمت ثم قعدت؛ فجاء الأعراب من هاهنا وهاهنا، فقالوا: يا رسول الله، التداوي؟ فقال: ((تداووا؛ فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد: الهرم)). وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء)) وبناء على هذا الأمر بالتداوي قال الفقهاء باستحبابه وبعضهم قال بوجوبه: قال شارح "العقيدة الطحاوية": لقد ظن بعض الناس أن التوكل ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب، وأن الأمور إذا كانت مقدرة فلا حاجة إلى الأسباب؛ وهذا فاسد فإن الاكتساب منه فرض، ومنه مستحب، ومنه مباح، ومنه مكروه، ومنه حرام، وقد كان النبي ﷺ أفضل المتوكلين، يلبس لَأمة الحرب ويمشي في الأسواق للاكتساب. وهكذا كان فهم الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم- للعلاقة بين الإيمان بالقدر وتعاطي الأسباب، وأن هذا التأني داخل في معنى الإيمان بالقدر ولا ينافيه، وإنما هو مقتضى من مقتضياته؛ روى الإمام البخاري أن عمر ﵁ لما خرج إلى الشام لقيه

стр. 31

أمراء الأمصار، وأخبروه بانتشار الوباء فيها؛ فاستشاروا المهاجرين والأنصار ثم مهاجرة الفتح من مشايخ قريش، فاجتمع المهاجرة على الرجوع بعدًا عن الوباء وأمر بذلك عمر، فقال له أبو عبيدة: أفرارًا من قدر الله؟! أفرأيت لو كان لك إبل هبطت واديًا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة؛ أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيتها الجدبة رعيتها بقدر الله؟!. ولذا بكَّت عمر بن الخطاب جماعة من أهل اليمن كانوا يحجون بلا زاد؛ فذمهم؛ قال معاوية بن قرة: لقي عمر بن الخطاب ناسًا من أهل اليمن فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: بل أنتم المتآكلون؛ إنما المتوكل الذي يُلقِي حبة في الأرض ثم يتوكل على الله. يقول ابن قيم الجوزية: لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى. مشيئة الرب ومشيئة العبد: وقد يقال: إذا كان الله منح العبد الحرية والاختيار؛ فما معنى قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير: ٢٨، ٢٩)؟ فنقول: معناها: أن الإنسان لا يشاء شيئًا إلا إذا كان في حدود مشيئة الله وإرادته؛ فمشيئة البشر ليست مشيئة مستقلة عن مشيئة الله، والله قد شاء للإنسان أن يختار أحد الطريقين: طريق الهداية وطريق الضلالة، فإذا اختار الطريق الأول ففي نطاق المشيئة الإلهية، وإذا اختار الطريق الثاني ففي نطاقها أيضًا، وكل الآيات التي جاءت على هذا النحو فمعناها لا يتعدى ما ذكرناه.

стр. 32

الهداية والإضلال: وقد يقال أيضًا: لقد جاء في القرآن الكريم: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (النحل: ٩٣) أي أن الله يضل من يشاء إضلاله ويهدي من يشاء هدايته، وإذا كان الله يضل ويهدي فليس للعبد حرية الاختيار!. والواقع أن الهداية والإضلال نتائج لمقدمات ومسببات لأسباب؛ فكما أن الطعام يغذي والماء يروي والسكين تقطع والنار تحرق؛ فكذلك هناك أسباب توصل إلى الهداية وأسباب توصل إلى الضلال، فالهداية إنما هي ثمار عمل صالح؛ والضلال إنما هو نتائج عمل قبيح. فإسناد الهداية والإضلال إلى الله من حيث إنه وضع نظام الأسباب والمسببات لا أنه أجبر الإنسان على الضلال أو الهداية. وحينما نرجع إلى الآيات القرآنية نجد هذا المعنى بينًا وواضحًا لا لبس فيه ولا غموض؛ فالله يقول: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَاب﴾ (الرعد: ٢٧)، ويقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: ٦٩) ويقول: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (محمد: ١٧) فهداية الله للناس بمعنى: لطفه بهم، وتوفيقهم للعمل الصالح إنما هي ثمرة جهاد للنفس وإنابة إلى الله واستمساك بإرشاده ووحيه. ويقول القرآن الكريم في الإضلال: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (البقرة: ٢٦، ٢٧)، وقال : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (إبراهيم: ٢٧) كما قال :

стр. 33

﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (غافر: ٣٥) وقال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (الصف: ٥) وقال: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (المطففين: ١٤) وقال سبحانه: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء: ١٥٥). فنرى من هذه الآيات أن سبب الإضلال: هو الزيغ والخروج عن تعاليم الله، والكبر والجبروت والتعالي على الناس بغير حق، ونقض عهد الله وقطع ما أمر الله به أن يوصل، ووصل ما أمر الله به أن يُقطع، والفساد في الأرض، والكفر، واقتراف الآثام. فهذه هي الأسباب التي أضلت الناس وأخرجتهم عن منهج الحق؛ لأنهم آثروا العمى على الهدى واستحبوا الضلال، واستحبوا الظلام على النور؛ فكان أن كافأهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم، بمقتضى نظامه في ارتباط الأسباب بمسبباتها، وهذا ونحوه كثير في كتاب الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 34

الدرس: ٣ الأساليب والوسائل الدعوية من خلال السيرة النبوية (١) .

стр. 35

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث (الأساليب والوسائل الدعوية من خلال السيرة النبوية (١)) أهداف دراسة السيرة النبوية، والبيئة التي نشأت فيها الدعوة الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونصلي ونسلم على خير خلقه محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه، ومن استن بسنته وسار على نهجه إلى يوم الدين وبعد: أولًا تمهيدًا عن أهداف دراسة السيرة النبوية: إن لدراسة السيرة العطرة أهدافًا عديدة من أهمها: ١ - يجد المرء في سيرته ﷺ ما يعينه على فهم كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ . ٢ - إن الدارس لسيرة الرسول ﷺ يقف على التطبيق العملي لأحكام الإسلام التي تضمنتها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة في مجالات الحياة المختلفة. ٣ - إن الاقتداء برسول الله ﷺ يقتضي معرفة شمائله وأحواله ﷺ في المجالات المختلفة. ٤ - إن الاقتداء برسول الله ﷺ دليل على محبة العبد ربه، وسينال العبد محبة الله له، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (آل عمران: ٣١). ٥ - يقف الدارس لسيرته ﷺ على حقائق معجزاته، وهي دلائل نبوته ﷺ مما يقوي ويزيد الإيمان من ناحية، والفهم الجيد لهذه المعجزات في ضوء معرفة هذه الوقائع من ناحية أخرى. ٦ - إن معرفة ما حفلت به السيرة من مواقف إيمانية عقدية وقفها الرسول ﷺ وأصحابه لإعلاء كلمة الله- تقوي من مزاعم المؤمنين السائرين على درب الرسول ﷺ وتثبتهم للدفاع عن الدين والحق، وتبعث في قلوبهم الطمأنينة.

стр. 36

٧ - في سيرته ﷺ دروس كثيرة لجميع الناس ومواساة لهم في كافة أنواع الابتلاءات التي يتعرضون لها؛ لا سيما الدعاة. ٨ - إن سيرة الرسول ﷺ هي المثل الأعلى للإنسان الكامل في جميع الجوانب. ٩ - يحصل دارس السيرة على قدر كبير من المعارف الصحيحة في علوم الإسلام المختلفة؛ من عقيدة، وشريعة، وأخلاق، وتفسير، وحديث، وسياسة، وتربية، واجتماع. ١٠ - يقف الدارس لسيرته ﷺ على تطور الدعوة الإسلامية، وما كابده الرسول وأصحابه لإعلاء كلمة الله، وما واجهه هو وأصحابه من مشكلات، وكيفية التصرف في تذليل تلك العقبات وحل تلك المشكلات. ولقد قيض الله تعالى للسيرة النبوية رجالًا عظامًا نقلوها إلينا مصونة من التبديل والتحريف، وصدق رسول الله ﷺ عندما قال: ((يحمل هذا العلم من كل خلَف عدولُه؛ ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)). البيئة التي نشأت فيها الدعوة: لقد تبوأ القرشيون مكانة كبيرة بوجود البيت العتيق الذي يحج إليه العرب من شتى المناطق، والتي كانت تحيط به أصنامهم التي زاد عددها كثيرًا، حتى وصلت إلى ثلاثمائة وستين صنمًا، وقد تولوا السقاية والرفادة والحجابة واللواء والندوة، وتمكن هاشم بن عبد مناف بن قصي من عقد الإيلاف، وتوسيع نطاق التجارة المكية بنقلها من النطاق الإقليمي إلى آفاق العالم القديم الرحبة؛ لقوله : ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ (قريش: ١، ٢).

стр. 37

وقد حاز عبد المطلب بن هاشم جد النبي ﷺ مكانة متميزة في قلوب الناس لكرمه وجوده، واشتهر بحفره بئر زمزم التي وفرت المياه في مكة؛ ومع أن عبد المطلب لم يكن أغنى رجال مكة ولا هو زعيمها الوحيد غير أن صلته المباشرة بشئون البيت العتيق وقيامه بخدمة حجاج البيت جعلته من أبرز زعماء مكة؛ فكان هو الذي فاوض أبرهة حين قدم بالأحباش غازيًا لمكة بقصد هدم الكعبة. وعلى ذلك؛ فقد كانت عشيرة النبي ﷺ تتبوأ مكانة متميزة عن غيرها قبل مبعث النبي ﷺ وعند بعثته. أما تصوراتهم عن الله : فقد انحرفوا عن الطريق القويم واتخذوا أصنامًا لهم عبدوها في كل مكان، وكانوا يتمسحون بها عند سفرهم وعند قدومهم؛ ولذلك فقد تعجبوا أن دعاهم رسول الله ﷺ إلى التوحيد وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥). قد روى الشيخان: أن عمرو بن عامر الخزاعي كان أول من سيب السوائب، كما أنكروا القيامة والبعث والنشور والدار الآخرة والحساب والجنة والنار؛ رغم إقرارهم بالربوبية وقسمهم بالله، كما قال سبحانه: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ (النحل: ٣٨)؛ فهم يعبدون الأصنام لتقرِّبهم إلى الله تعالى الذي يطمعون منه أن يمنحهم ما يأملون في هذه الحياة، التي تنتهي عادة بالهلاك الأبدي الدائم عندهم الذي ينسبونه إلى الدهر: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (الجاثية: ٢٤)، ويفضح القرآن إنكارهم للآخرة في مواضع كثيرة من الكتاب العزيز: قال الله : ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (هود: ٧) وقال تعالى أيضًا: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (الأنعام: ٢٩).

стр. 38

أما أخلاقهم وأعرافهم وعاداتهم؛ فكثير منها هدمه الإسلام، ومن ذلك ممارسة الكثير من الرذائل من شرب للخمور، ولعب الميسر، والزواج بغير عدد، وقتل بعضهم للأولاد بسبب الفقر، ووأد البنات خوف العار والفقر، وإثارتهم للحروب لأتفه الأسباب، وأخذ الثأر. وقد حكى الله تعالى عنهم كل تلك الرذائل في القرآن الكريم وعابهم عليها، من ذلك: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (المائدة: ٩٠) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (التكوير: ٨، ٩) وقال سبحانه ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (النحل: ٥٨، ٥٩). الإعداد الإلهي لرسول الله ﷺ ليقوم بأعباء الدعوة لقد كان ميلاد النبي ﷺ تمهيدًا لإخراج البشرية من الظلمات إلى النور؛ فقد أولى الله رسوله محمدًا ﷺ بعناية خاصة منذ مولده، وذلك إعدادًا له لحمل الرسالة الخاتمة التي يبدد الله بها الظلمات التي ملأت الكون، ولا عجب في ذلك؛ فهذا خليل الرحمن إبراهيم ﵇ الذي قضى حياته في مكافحة الوثنية؛ ولكنه لم يقضِ إلا على القليل منها؛ لم يقضِ عليها قضاء مبرمًا؛ فدعا ربه تعالى أن يبعث من ذريته رسولًا يطهّر الله به الأرض من الشرك والوثنية، ويعلم الناس دينهم ويزكيهم به؛ فيعلمون أن ربهم واحد ودينهم واحد؛ قال الله تعالى على لسان إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة: ١٢٩).

стр. 39

ولقد أراد الله تعالى للخير أن يعم الدنيا وأن يندحر الشر والضلال؛ فأذِن بميلاد محمد ﷺ فلقد الله اصطفاه واختاره من أطهر الأنساب؛ قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (الأنعام: ١٢٤)، وقد روى البخاري أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)). كما روى البخاري والبيهقي في (دلائل النبوة): أن رسول الله ﷺ قال: ((بعثتُ من خير قرون بني آدم، قرنًا فقرنًا، حتى كنت من القرن الذي كنت فيه)) وقد وُلد رسول الله ﷺ عام الفيل كما تؤكد الروايات، وقد ذكر ابن القيم أنه لا خلاف أنه ولد ﷺ بجوف مكة، وأن مولده كان عام الفيل، وكان أمر الفيل تقدمة قدمها الله لنبيه وبيته، وإلا فأصحاب الفيل كانوا نصارى أهل كتاب، وكان دينهم خيرًا من دين أهل مكة؛ إذ ذاك؛ لأنهم كانوا عُبَّاد أوثان فنصرهم الله على أهل الكتاب نصرًا لا صنع للبشر فيه، إرهاصًا وتقدمة للنبي ﷺ الذي خرج من مكة، وتعظيمًا للبيت الحرام. يقول الدكتور أحمد غلوش: وبالنسبة لميلاد المصطفى في عام الفيل: لأنه ﷺ ولد قبل وقوع الحادثة بخمسين يومًا، فمن أجل أن يدرك الناس أن قدرة الله الغائبة عنهم تتصل بكل موجود، وكل ما في الكون قدر إلهي محض، وإذا أراد الله شيئًا قال له: "كن" فيكون؛ حتى إذا جاءهم محمد ﷺ علموا أنه المبعوث لهم من الله تعالى، ومن أين للناس أن يدركوا هذه الأسرار في يوم مولده ﷺ ؟!. إن هذه الحكم وهذه الأسرار لم ترتبط وقتها في أذهان من رآها ببعثة محمد ﷺ ورسالته، ويكفي أنها تحرك الأذهان نحو عدم تأليه من يزول ويتغير، مثل النار المنطفئة أو البيوت المكسورة أو الأصنام المهتزة؛ وليتأكدوا من وجود قوة قاهرة

стр. 40

تحقق أعمالًا لا يقدر عليها الناس، ولا يمكنهم تفهم أسرارها، وذلك أثر ممكن الحدوث، وبخاصة أن أهل الكتاب وحكماء العرب يؤمنون بمبعث نبي بشرت به الكتب المنزلة؛ يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٤٦) ويقول سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ (الأعراف: ١٥٧). إن العالم كله قُبَيْل بعثة النبي ﷺ وقبيل مولده كان في انتظار رسول جديد يجمع العالم على الحق، وعلى هذا؛ فإن حدوث الميلاد محاطًا بهذه الحكم يمثل عوامل تصديق رسالة الرسول بعد مبعثه، وتعد دوافع إيمانية للعقلاء الذين يعرفون أن النبوة صناعة ربانية ولا مانع من جريان الأحداث معها على نحو خارق لعادة الناس. ما يستفاد من حادثة الفيل: أولًا: منزلة البيت عند العرب عظيمة: وتعود هذه المنزلة إلى بقايا ديانة إبراهيم وإسماعيل ﵉ ولكن هذه المنزلة شُوهت بالأصنام؛ إنه بيت الله؛ بل هو أول بيت وضع للناس لعبادة الله سبحانه؛ فلا يتقدم عليه بيت أيًّا كان هذا البيت. ثانيًا: أن حسد النصارى وحقدهم على البيت يتمثل في موقف أبرهة: أنه يريد أن يصرف الناس عن تعظيم البيت ببناء كنيسة القليس؛ وعلى الرغم من الترهيب والترغيب فإن العرب رفضت ذلك ووصل الأمر إلى غايته بأن أحدث فيها أحد الأعراب.
следующие страницы →