Полный текст (347 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
٧ - في سيرته ﷺ دروس كثيرة لجميع الناس ومواساة لهم في كافة أنواع الابتلاءات التي يتعرضون لها؛ لا سيما الدعاة.
٨ - إن سيرة الرسول ﷺ هي المثل الأعلى للإنسان الكامل في جميع الجوانب.
٩ - يحصل دارس السيرة على قدر كبير من المعارف الصحيحة في علوم الإسلام المختلفة؛ من عقيدة، وشريعة، وأخلاق، وتفسير، وحديث، وسياسة، وتربية، واجتماع.
١٠ - يقف الدارس لسيرته ﷺ على تطور الدعوة الإسلامية، وما كابده الرسول وأصحابه لإعلاء كلمة الله، وما واجهه هو وأصحابه من مشكلات، وكيفية التصرف في تذليل تلك العقبات وحل تلك المشكلات.
ولقد قيض الله تعالى للسيرة النبوية رجالًا عظامًا نقلوها إلينا مصونة من التبديل والتحريف، وصدق رسول الله ﷺ عندما قال: ((يحمل هذا العلم من كل خلَف عدولُه؛ ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)).
البيئة التي نشأت فيها الدعوة:
لقد تبوأ القرشيون مكانة كبيرة بوجود البيت العتيق الذي يحج إليه العرب من شتى المناطق، والتي كانت تحيط به أصنامهم التي زاد عددها كثيرًا، حتى وصلت إلى ثلاثمائة وستين صنمًا، وقد تولوا السقاية والرفادة والحجابة واللواء والندوة، وتمكن هاشم بن عبد مناف بن قصي من عقد الإيلاف، وتوسيع نطاق التجارة المكية بنقلها من النطاق الإقليمي إلى آفاق العالم القديم الرحبة؛ لقوله : ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ (قريش: ١، ٢).
стр. 37
وقد حاز عبد المطلب بن هاشم جد النبي ﷺ مكانة متميزة في قلوب الناس لكرمه وجوده، واشتهر بحفره بئر زمزم التي وفرت المياه في مكة؛ ومع أن عبد المطلب لم يكن أغنى رجال مكة ولا هو زعيمها الوحيد غير أن صلته المباشرة بشئون البيت العتيق وقيامه بخدمة حجاج البيت جعلته من أبرز زعماء مكة؛ فكان هو الذي فاوض أبرهة حين قدم بالأحباش غازيًا لمكة بقصد هدم الكعبة.
وعلى ذلك؛ فقد كانت عشيرة النبي ﷺ تتبوأ مكانة متميزة عن غيرها قبل مبعث النبي ﷺ وعند بعثته.
أما تصوراتهم عن الله : فقد انحرفوا عن الطريق القويم واتخذوا أصنامًا لهم عبدوها في كل مكان، وكانوا يتمسحون بها عند سفرهم وعند قدومهم؛ ولذلك فقد تعجبوا أن دعاهم رسول الله ﷺ إلى التوحيد وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥).
قد روى الشيخان: أن عمرو بن عامر الخزاعي كان أول من سيب السوائب، كما أنكروا القيامة والبعث والنشور والدار الآخرة والحساب والجنة والنار؛ رغم إقرارهم بالربوبية وقسمهم بالله، كما قال سبحانه: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ (النحل: ٣٨)؛ فهم يعبدون الأصنام لتقرِّبهم إلى الله تعالى الذي يطمعون منه أن يمنحهم ما يأملون في هذه الحياة، التي تنتهي عادة بالهلاك الأبدي الدائم عندهم الذي ينسبونه إلى الدهر: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (الجاثية: ٢٤)، ويفضح القرآن إنكارهم للآخرة في مواضع كثيرة من الكتاب العزيز: قال الله : ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (هود: ٧) وقال تعالى أيضًا: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (الأنعام: ٢٩).
стр. 38
أما أخلاقهم وأعرافهم وعاداتهم؛ فكثير منها هدمه الإسلام، ومن ذلك ممارسة الكثير من الرذائل من شرب للخمور، ولعب الميسر، والزواج بغير عدد، وقتل بعضهم للأولاد بسبب الفقر، ووأد البنات خوف العار والفقر، وإثارتهم للحروب لأتفه الأسباب، وأخذ الثأر.
وقد حكى الله تعالى عنهم كل تلك الرذائل في القرآن الكريم وعابهم عليها، من ذلك: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (المائدة: ٩٠) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (التكوير: ٨، ٩) وقال سبحانه ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (النحل: ٥٨، ٥٩).
الإعداد الإلهي لرسول الله ﷺ ليقوم بأعباء الدعوة
لقد كان ميلاد النبي ﷺ تمهيدًا لإخراج البشرية من الظلمات إلى النور؛ فقد أولى الله رسوله محمدًا ﷺ بعناية خاصة منذ مولده، وذلك إعدادًا له لحمل الرسالة الخاتمة التي يبدد الله بها الظلمات التي ملأت الكون، ولا عجب في ذلك؛ فهذا خليل الرحمن إبراهيم ﵇ الذي قضى حياته في مكافحة الوثنية؛ ولكنه لم يقضِ إلا على القليل منها؛ لم يقضِ عليها قضاء مبرمًا؛ فدعا ربه تعالى أن يبعث من ذريته رسولًا يطهّر الله به الأرض من الشرك والوثنية، ويعلم الناس دينهم ويزكيهم به؛ فيعلمون أن ربهم واحد ودينهم واحد؛ قال الله تعالى على لسان إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة: ١٢٩).
стр. 39
ولقد أراد الله تعالى للخير أن يعم الدنيا وأن يندحر الشر والضلال؛ فأذِن بميلاد محمد ﷺ فلقد الله اصطفاه واختاره من أطهر الأنساب؛ قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (الأنعام: ١٢٤)، وقد روى البخاري أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)).
كما روى البخاري والبيهقي في (دلائل النبوة): أن رسول الله ﷺ قال: ((بعثتُ من خير قرون بني آدم، قرنًا فقرنًا، حتى كنت من القرن الذي كنت فيه)) وقد وُلد رسول الله ﷺ عام الفيل كما تؤكد الروايات، وقد ذكر ابن القيم أنه لا خلاف أنه ولد ﷺ بجوف مكة، وأن مولده كان عام الفيل، وكان أمر الفيل تقدمة قدمها الله لنبيه وبيته، وإلا فأصحاب الفيل كانوا نصارى أهل كتاب، وكان دينهم خيرًا من دين أهل مكة؛ إذ ذاك؛ لأنهم كانوا عُبَّاد أوثان فنصرهم الله على أهل الكتاب نصرًا لا صنع للبشر فيه، إرهاصًا وتقدمة للنبي ﷺ الذي خرج من مكة، وتعظيمًا للبيت الحرام.
يقول الدكتور أحمد غلوش: وبالنسبة لميلاد المصطفى في عام الفيل: لأنه ﷺ ولد قبل وقوع الحادثة بخمسين يومًا، فمن أجل أن يدرك الناس أن قدرة الله الغائبة عنهم تتصل بكل موجود، وكل ما في الكون قدر إلهي محض، وإذا أراد الله شيئًا قال له: "كن" فيكون؛ حتى إذا جاءهم محمد ﷺ علموا أنه المبعوث لهم من الله تعالى، ومن أين للناس أن يدركوا هذه الأسرار في يوم مولده ﷺ ؟!.
إن هذه الحكم وهذه الأسرار لم ترتبط وقتها في أذهان من رآها ببعثة محمد ﷺ ورسالته، ويكفي أنها تحرك الأذهان نحو عدم تأليه من يزول ويتغير، مثل النار المنطفئة أو البيوت المكسورة أو الأصنام المهتزة؛ وليتأكدوا من وجود قوة قاهرة
стр. 40
تحقق أعمالًا لا يقدر عليها الناس، ولا يمكنهم تفهم أسرارها، وذلك أثر ممكن الحدوث، وبخاصة أن أهل الكتاب وحكماء العرب يؤمنون بمبعث نبي بشرت به الكتب المنزلة؛ يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٤٦) ويقول سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ (الأعراف: ١٥٧).
إن العالم كله قُبَيْل بعثة النبي ﷺ وقبيل مولده كان في انتظار رسول جديد يجمع العالم على الحق، وعلى هذا؛ فإن حدوث الميلاد محاطًا بهذه الحكم يمثل عوامل تصديق رسالة الرسول بعد مبعثه، وتعد دوافع إيمانية للعقلاء الذين يعرفون أن النبوة صناعة ربانية ولا مانع من جريان الأحداث معها على نحو خارق لعادة الناس.
ما يستفاد من حادثة الفيل:
أولًا: منزلة البيت عند العرب عظيمة:
وتعود هذه المنزلة إلى بقايا ديانة إبراهيم وإسماعيل ﵉ ولكن هذه المنزلة شُوهت بالأصنام؛ إنه بيت الله؛ بل هو أول بيت وضع للناس لعبادة الله سبحانه؛ فلا يتقدم عليه بيت أيًّا كان هذا البيت.
ثانيًا: أن حسد النصارى وحقدهم على البيت يتمثل في موقف أبرهة: أنه يريد أن يصرف الناس عن تعظيم البيت ببناء كنيسة القليس؛ وعلى الرغم من الترهيب والترغيب فإن العرب رفضت ذلك ووصل الأمر إلى غايته بأن أحدث فيها أحد الأعراب.
стр. 41
ثالثًا: القداسة ليست في الحقيقة في تشييد البنيان وزخرفته وكثرة الإنفاق عليه -كما يظن الجهلاء-: إن القداسة مهابة وتعظيم للبيت يلقيها الله ﵎ في قلوب الناس على ما شاء من الأزمنة والأمكنة والأشخاص، ولقد كانت كنيسة القُليس التي بناها أبرهة الحبشي في بنيانها وزخرفتها وحداثتها وجمالها لا تُضاهَى؛ ومع هذا لم يضع الله لها أي هيبة أو قداسة في نفوس الناس، وظلت الهيبة والقداسة لبنيان الكعبة.
رابعًا: الناس لا يكرهون على الأمور القلبية: لقد أراد أبرهة أن ينفر الناس من الكعبة وتعظيمها ويصرف قلوبهم إلى كنيسة القليس، وهذا أمر قلبي، والله مقلب القلوب ومثبتها على الحق والصدق.
خامسًا: التضحية بالأنفس من أجل المقدسات: لقد هب الناس في وجه أبرهة وجيش أبرهة يريدون منعه من ارتكاب جريمته الحمقاء: وهي تدميره بيت الله الحرام، لقد بذل هؤلاء دماءهم دفاعًا عن مقدساتهم.
سادسًا: خونة الأمة وخاذلوها يخذلهم الله، وخونة الحق وخاذلو أهله يخذلهم: وهؤلاء العملاء الخونة الذين تعاونوا مع أبرهة وأصبحوا عيونًا له وجواسيس وأدلاء يدلون على طريق المسجد الحرام ليهدمه لعنوا في الدنيا والآخرة؛ لعنهم الناس، ولعنهم الله.
سابعًا: طبيعة المعركة حرب بين الله وبين الكفار: لقد صور حقيقة المعركة عبد المطلب زعيم مكة أدق تصوير حين أعلن الكعبة بيت الله وأبرهة يريد هدم بيت الله، والله سيحمي بيته، إن للبيت ربًّا يحميه.
ثامنًا: المشركون قبل الإسلام وفي الجاهلية كانوا يؤمنون بالله، وبقدرته؛ ولكنهم كانوا يشركون معه غيره؛ فكانوا كفارًا بذلك: لقد تعلق عبد المطلب بأستار الكعبة
стр. 42
وبابها يدعو الله أن يحمي بيته ويهلك الجيش الغازي، وهذا النوع من إيمان المشركين قال الله فيه: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف: ١٠٦).
تاسعًا: قوة الكافر وحشده مهما عظمت وكثرت لا تقف لحظة واحدة أمام قدرة الله وبطشه ونقمته: فهو سبحانه واهب الحياة وسالبها في أي وقت شاء، والمؤمن يؤمن بهذه الحقيقة ويعتمد عليها بعد الأخذ بالأسباب؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ (الطلاق: ٣) وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (آل عمران: ١٢٢).
ومن قدرته سبحانه أن يضع القوة العظيمة في الطير الصغير ويسلب القوة العظيمة من الفيل الكبير.
عاشرًا: في هذه الحادثة توجيه أنظار الناس في الجزيرة العربية وخارجها إلى بيت الله الحرام بمكة، باعتباره المكان المقدس الذي تكفل الله بحفظه وحمايته من عبث العابثين وكيد الكائدين، وطريق حفظه كانت بمعجزة خارقة للعادة لا يملك البشر مثلها، وإيماء إلى مستقبل هذا البيت وميلاد هذا النبي الذي ارتبط بهذه المعجزة؛ إذ ولد في عامها وأنه سيحررها الله على يديه من الأصنام البشرية والحجرية.
حادي عشر: وفي حادثة الفيل دلالة: وهي أن الله لم يقدر لأهل الكتاب أبرهة وجنوده أن يدمروا البيت الحرام وأن يسيطروا على الأرض المقدسة، حتى والشرك يدنسه والمشركون هم سدنته ليبقى هذا البيت عتيقًا من سلطان المتسلطين مصونًا من كيد الكائدين، وليحفظ لهذه الأرض حريتها حتى تنبت فيها العقيدة حرة طليقة لا يهيمن عليها سلطان ولا يطغى فيها طاغية، ولا يهيمن على هذا الدين الذي جاء ليهيمن على الأديان وعلى العباد، ويقود البشرية ولا يقاد، وكان هذا من تدبير الله لبيته ولدينه قبل أن يعلم أحد أن نبي هذا الدين قد ولد في هذا العام.
стр. 43
ونحن نستبشر بإيحاء هذه الدلالة اليوم ونطمئن إزاء ما نعلمه من أطماع فاجرة ماكرة تلف حول الأماكن المقدسة من الصليبية العالمية والصهيونية العالمية، ولا تني أو تهدأ في التمهيد الخفي اللئيم لهذه الأطماع الفاجرة الماكرة؛ فالله الذي حمى بيته من أهل الكتاب وسدنته من المشركين سيحفظه إن شاء الله ويحفظ مدينة رسول الله من كيد الكائدين ومكر الماكرين.
دلائل النبوة في مولد النبي ﷺ -
مولد النبي ﷺ وما فيه من دلائل النبوة:
قال محمد بن إسحاق: فكانت آمنة بنت وهب أم رسول الله ﷺ تحدث أنها أُتيت حين حملت برسول الله ﷺ فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة. وعن عثمان بن أبي العاص قال: حدثتني أمي أنها شهدت ولادة آمنة بنت وهب رسول الله ﷺ ليلة ولدته، قالت: فما شيء أنظر في البيت إلا نور، وإني أنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول: ليقعن عليَّ.
وذكر القاضي عياض عن الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف: أنها كانت قابِلته، وأنها أخبرت به حين سقط على يديها واستهل سمعت قائلًا يقول: يرحمك الله، وإنه سطع منه نور رؤيت منه قصور الروم.
وقد حكى السهيلي: أن إبليس رن أربع رنات: حين لعن، وحين أهبط، وحين ولد رسول الله ﷺ ، وحين أنزلت الفاتحة، قال محمد بن إسحاق: وكان هشام بن عروة يحدث عن أبيه عن عائشة قالت: كان يهودي قد سكن مكة ينحر بها؛ فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ قال في مجلس من قريش: يا معشر قريش، هل وُلِد فيكم الليلة مولود؟ فقال القوم: والله ما نعلمه، فقال: الله أكبر؛ أما إذا أخطأتم فلا بأس، انظروا واحفظوا ما أقول لكم: ولد هذه الليلة
стр. 44
نبي هذه الأمة الأخيرة، بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات، كأنهن عرف فرس، لا يرضع ليلتين، وذلك أن عفريتًا من الجن أدخل أصبعه في فمه؛ فمنعه الرضاعة؛ فتصدع القوم من مجلسهم وهم يتعجبون من قوله وحديثه؛ فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كل إنسان منهم أهله؛ فقال: قد وُلِد وَلَد لعبد الله بن عبد المطلب غلام سموه محمدًا؛ فالتقى القوم، فقالوا: هل سمعتم حديث اليهودي؟ وهل بلغكم مولد هذا الغلام؟ فانطلقوا حتى جاءوا اليهودي؛ فأخبروه الخبر، قال: فاذهبوا معي حتى أنظر إليه؛ فخرجوا به حتى أدخلوه على آمنة؛ فقالوا: أخرجي إلينا ابنك؛ فأخرجته وكشفوا له عن ظهره؛ فرأى تلك الشامة؛ فوقع اليهودي مغشيًّا عليه؛ فلما أفاق قالوا له: ما لك؟ ويلك، قال: قد ذهبت والله النبوة من بني إسرائيل، فرحتم بها يا معشر قريش، والله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق والمغرب.
سقوط الشُرفات من إيوان كسرى، وخمود النيران، وغاصت بحيرة ساوة:
ومنذ أن ولد ﷺ بدأت تتقوض وتتهدم معالم الشرك والضلال؛ ذكر ابن كثير أنه لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ ارتجس إيوان كسرى، وسقط منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة، وانهدمت الكنائس حولها بعد أن غاضت.
رضاعة النبي ﷺ وما فيها من دلائل النبوة:
كانت العادة عند الحاضرين من العرب أن يلتمسوا المراضع لأولادهم ابتعادًا لهم عن أمراض الحواضر؛ ولتقوى أجسادهم وتشتد أعصابهم ويتقنوا اللسان العربي في مهدهم؛ فالتمس عبد المطلب لرسول الله ﷺ المراضع واسترضع له
стр. 45
امرأة من بني سعد بن بكر، وهي حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث، ورأت حليمة من بركته ﷺ كل العجب:
قال ابن إسحاق: كانت حليمة تحدِّث أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر تلتمس الرضعاء؛ قالت: وذلك في سنة شهباء، لم تُبقِ لنا شيئًا، قالت: فخرجت على أتان لي قمراء، ومعنا شارف لنا، والله ما تبض بقطرة وما ننام ليلنا أجمع من صبيِّنا الذي معنا من بكائه من الجوع، ما في ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذيه؛ ولكن كنا نرجو الغيث والفرج؛ فخرجت على أتاني تلك حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه إذا قيل لها: إنه يتيم؛ وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أبي الصبي؛ فكنا نقول: يتيم! وما عسى أن تصنع أمه وجده؛ فكنا نكرهه لذلك؛ فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعًا غيري؛ فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعًا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه؛ قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة.
قالت: فذهبت إليه وأخذته؛ وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره. قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلي؛ فلما وضعته في حجري أقبل على ثدياي بما شاء من لبن؛ فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما -وما كنا ننام معه قبل ذلك- وقام زوجي إلى شارفنا تلك؛ فإذا هي ممتلئة لبنًا، فحلب منها ما شرب وشربت معه؛ حتى انتهينا ريًّا وشبعًا؛ فبتنا بخير ليلة، قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي -والله، يا حليمة- لقد أخذت نسمة مباركة، قالت: فقلت: والله إني لأرجو ذلك.
стр. 46
قالت: ثم خرجنا، وركبت أنا أتاني وحملته عليها معي؛ فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عليه شيء من حُمُرهم؛ حتى إن صواحبي ليقلن لي: يابنة أبي ذؤيب، ويحك! أربعي علينا، أليست هذه هي أتانك التي كنت خرجت عليها؟! فأقول لهم: بلى، والله؛ إنها لهي هي، فيقلن: والله إن لها شأنًا! قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد -وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها- فكانت غنمي تروح عليَّ حين قدمنا به معنا شباعًا لبنًا -أي ممتلئة الضرع- فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع؛ حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم! اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب؛ فتروح أغنامهم جياعًا ما تبض قطرة لبن وتروح غنمي شباعًا لبنًا؛ فلم نزل نتعرف الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشب شبابًا لا يشبه الغلمان؛ فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلامًا جفرًا -أي قويًّا.
قالت: فقدمنا به على أمه ونحن أحرص على مكثه فينا؛ لما كنا نرى من بركته؛ فكلمنا أمه، وقلت لها: لو تركت ابني عندي حتى يغلظ؛ فإني أخشى عليه وباء مكة، قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا.
ما يستفاد من الرضاعة:
أولًا: بركة هذا الرضيع على مرضعته: لقد ظهرت هذه البركة على حليمة السعدية في كل شيء:
- ظهرت في إدرار ثديها وغزارة حليبها، وقد كان قليلًا لا يكفي ولدها؛ فإذا هو يكفي ولدها ويكفي الرضيع محمدًا وزيادة.
- وظهرت بركته أيضًا في سكون الطفل ولدها -وقد كان كثير البكاء مزعجًا لأمه يؤرقها ويمنعها من النوم، وإذا هو شبعان ساكن جعل أمه تنام وتستريح.
стр. 47
- وظهرت بركته في شياههم العجفاوات التي لا تدر شيئًا، وإذا بها تفيض من اللبن الكثير الذي لم يعهد.
ثانيًا: إن هذه البركات من الله ﵎ على حليمة وأهلها؛ لحكمة هي أن يحب أهل هذا البيت هذا الطفل، ويحنوا عليه ويحسنوا معاملته ورعايته وحضانته: وهكذا كان؛ فقد كانوا أحدب عليه وأرحم به من أبنائهم.
ثالثًا: الخيرة فيما اختاره الله: لقد كانت حليمة السعدية ترغب عن حضانة أي طفل يتيم، وترغب في رضاعة غيره فمن له أب يكافئها مكافأة جزلة ويعطيها أجرًا يغنيها، هذا هو ظنها، ولكن لم تجد بغيتها، واختار الله لها هذا الطفل محمدًا الذي أخذته على مضض؛ لأنها لم تجد غيره وصواحبها قد أخذن ما يرضعن؛ فكان الخير كل الخير فيما اختار الله وظهرت نتائج هذا الاختيار.
وهذا درس للدعاة يستفيدون منه: إذ عليهم بعد الأخذ بالأسباب أن تطمئن نفوسهم إلى قدر الله واختياره، والرضا به والقناعة بجدواه والتوفيق منه، ولا تذهب أنفسهم حسرات على ما فاتهم.
رابعًا: لقد كان لفترة الرضاعة في بني سعد أكثر من فائدة على النبي ﷺ : فالبادية في ظروفها، والحياة التي يحياها أهلها حياة شظف في العيش ليس فيها ترف ولا سرف، والرسول ﷺ تربى على هذا الشظف في العيش وكان بعيدًا عن الترف والسرف والمخيلة، بحكم هذه البيئة القاسية في عمومها، وهذه البيئة النقية في جوِّها تكسب الجسم قوة، وكذلك السمع والبصر، والأفق رحب فسيح والجو خال من الضجيج، وهذه البيئة يعيش أهلها يتكلمون بلغتهم التي لا تشوبها شائبة ولا يختلط بها غيرها من اللهجات بخلاف المدينة؛ فتعلّم فصاحة بني سعد في اللغة؛ فهو كما قال: ((أنا أعربكم)) وهذه البيئة تعلمه التعاون والتعاطف والحب لمن أحسن إليه ورباه.
стр. 48
وهذه البيئة تكسب الطفل الجرأة والشجاعة؛ فهو يعيش في بادية تكثر فيها الوحوش المفترسة وهوام الأرض الكثيرة، ويرى منذ صغره كيف يتصدى لها الرجال ويقضون عليها؛ فيتجرأ على مقاومتها والتصدي لها وعدم الخوف منها، وقد تكون حديث المجالس للرجال والصبيان؛ فيبعث كل ذلك في قلبه الجرأة والشجاعة.
وهذه البيئة القاسية تؤدي إلى تعاون الناس؛ لأن كل واحد منهم يحتاج إلى الآخر؛ فتصبح الحاجة ملحة للتعاون والتكافل والتضامن للتغلب على أعباء الحياة وقساوتها، والحياة في البادية ينشأ فيها الطفل الرضيع مستقلًّا في حياته عن أبيه وأمه وعن أقربائه وعشيرته؛ فتنسّم جو الحرية؛ فيصفو ذهنه وينشأ مستقلًّا في التفكير.
شق صدره ﷺ :
إن إرهاصات النبوة التيء تواكبت مع مولد النبي ﷺ كثيرة، والتي منها شق صدره وهو عند أمه من الرضاعة حليمة بعد أن عاد معها مرة ثانية؛ فقد روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁: "أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان؛ فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب واستخرج منه علقة سوداء، فقال: هذا حظ الشيطان. ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه فقالوا: إن محمدًا قد قتل؛ فاستقبلوه وهو ممتقع اللون، قال أنس: وقد كنت أرى ذلك المخيط في صدره ﷺ ".
وروى ابن إسحاق عن نفر من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا له: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك قال: ((نعم: أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام،
стр. 49
واستُرْضِعت في بني سعد بن بكر؛ فبينما أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بُهمًا لنا إذ أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوء ثلجًا، ثم أخذاني فشقا بطني واستخرجا قلبي، فشقاه، فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمته. فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بمائة من أمته. فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته. فوزنني بهم فوزنتهم. فقال: دعه عنك؛ فوالله لو وزنته بأمته لوزنها)).
وروى ابن أبي الدنيا بغيره بإسناد يرفعه إلى أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، كيف علمت أنك نبي؟ وبما علمت حتى استيقنت؟ قال: ((يأبا ذر، أتاني ملكان وأنا ببطحاء مكة فوقع أحدهما بالأرض وكان الآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: هو هو، قال: فزنه برجل. فوزنني برجل فرجحته، ثم قال: زنه بعشرة. فوزنني فرجحتهم، ثم قال: زنه بمائة. فوزنني فرجحتهم، ثم قال: زنه بألف. فوزنني فرجحتهم؛ حتى جعلوا يتثاقلون عليَّ من كفة الميزان، فقال أحدهما لصاحبه: شق بطنه. فشق بطني؛ فأخرج قلبي فأخرج منه مغمز الشيطان وعلق الدم، فطرحهما؛ فقال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاء، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه؛ فخاط بطني وجعل الخاتم بين كتفي كما هو الآن، ووليا عني؛ فكأني أعاين الأمر معاينة)).
ولقد تكررت حادثة شق صدر النبي ﷺ عدة مرات:
منها: ما رواه الإمام أحمد وابن حبان عن أبي بن كعب: أن أبا هريرة ﵁ سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ما أول ما رأيت في أمر النبوة؟ فقال النبي ﷺ :
стр. 50
((إني لفي صحراء ابن عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسي، وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو؟ فاستقبلاني بوجوه لما أرها لخلق قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرَها من على أحد قط، فأقبلا إليَّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لأحدهما هامسًا، فقال أحدهما للآخر: اضجعه فأضجعاني، بلا قسر ولا هصر، وقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره. فهوى أحدهما على صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع؛ فقال له: ادخل الرأفة والرحمة؛ فإذا مثل الذي أدخل يشبه الفضة، ثم هز إبهام رجلي اليمنى فقال: اغدُ وأسلم؛ فرجعت بها أغدو رقة على الصغير ورحمة للكبير)).
ثم تكررت حادثة شق صدر النبي ﷺ قبيل البعثة عند الكعبة؛ فقد روى أنس بن مالك أنه: "لما حان أن يتنبأ رسول الله ﷺ كان ينام حول الكعبة وكانت قريش تنام حولها، فأتاه جبريل وميكائيل، فقالَا: بأيهما أمرنا؟ فقال: أمرنا بسيدهم، ثم ذهبا وجاءا من القابلة وهم ثلاثة، فألقوه وهو نائم، قلبوه لظهره وشقوا بطنه، ثم جاءوا بماء زمزم فغسلوا ما كان في بطنه، ثم جاءوا بطست من ذهب قد ملئت إيمانًا وحكمة؛ فمُلئ بطنه وجوفه إيمانًا وحكمة".
وقصة شق الصدر هذه تشير إلى تعهد الله نبيه ﷺ منذ صغره، وعلى امتداد عمره ﷺ وإبعاده عن مزالق الطمع ووساوس الشيطان، وتلك حصانة حسية للرسول ﷺ أضفاها الله عليه ليعيش طاهر الظاهر والباطن بتوفيق الله تعالى.
إن الله قد شاءت إرادته منذ الأزل أن يكون محمد خاتم المرسلين، أراد سبحانه أن يجعل منه المثل الأعلى للإنسان السوي الذي يسير نحو الكمال بطهارة القلب وتصفية النفس، وأحاديث شق الصدر صحيحة بالسند أجمعت عليها سائر مؤلفات السيرة فلا مجال للشك في سندها، ولا يصح لمسلم أن يشكك في هذه
стр. 51
الروايات الصحيحة ويدعي أن محمدًا ﷺ قال بها وهو طفل صغير لا يتحمل الرواية.
إن شق صدر النبي ﷺ كان لإخراج حظ النفس والشيطان من قلبه، لقد كان بوسع القدر الإلهي أن يضع في محمد ﷺ ما يشاء الله له من فضل وخير بصورة معنوية غير مدركة بالحواس؛ ولكن الله أراد له هذه الصورة الحسية ليشهد الناس على هذه العجيبة الخالدة التي جعلت من محمد إنسانًا قويًّا شجاعًا طاهرًا نظيف الظاهر والباطن.
ولا نستطيع القول بأن حظ الشيطان مرتبط في النفس بجزء مادي أو غدة معينة؛ لأن هذا مما يستحيل تحديده، وكل ما يمكن الإشارة إليه أن شق صدر محمد ﷺ من عناية الله به؛ ليترقى في الطهر ويسمو في السلوك ويعلو في روحانيته وشفافيته، ويقترب في نورانيته من الروح والملأ الأعلى.
وليست الحكمة من هذه الحادثة -والله أعلم- استئصال غدة الشر في جسم رسول الله ﷺ إذ لو كان الشر منبعه غدة في الجسم أو علقة في بعض أنحائه لأمكن أن يصبح الشرير خَيِّرًا بعملية جراحية؛ ولكن يبدو أن الحكمة هي إعلاء أمر رسول الله ﷺ وتهيئته للعصمة والوحي منذ صغره بوسائل مادية ليكون ذلك أقرب إلى إيمان الناس به وتصديقهم برسالته.
إنها إذن عملية تطهير معنوي؛ ولكنها اتخذت هذا الشكل المادي الحسي ليكون ذلك الإعلان الإلهي ظاهرًا بين أسماع الناس وأبصارهم وعلى مستوى تصوراتهم، وأيًّا كانت الحكمة فلا ينبغي -وقد ثبت الخبر ثبوتًا صحيحًا- محاولة البحث عن مخارج لصرف الحديث عن ظاهره وحقيقته والذهاب إلى التأويلات الممجوجة البعيدة المتكلفة.
وبالله التوفيق.
стр. 52
الدرس: ٤ الأساليب والوسائل الدعوية من خلال السيرة النبوية (٢) .
стр. 53
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الرابع
(الأساليب والوسائل الدعوية من خلال السيرة النبوية (٢))
عصمة الله رسولَه ﷺ من دنس الجاهلية
الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه، ونصلي ونسلم على خير خلقه محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه، ومن استن بسنته، وسار على نهجه إلى يوم الدين، وبعد:
عصمة الله رسولَه من دنس الجاهلية:
لقد مَنَّ الله على رسوله محمد ﷺ منذ نشأته بأن حفظه من دنس الجاهلية، وأبعده عن الهزل وأهله، وعاش محمد ﷺ حياته كلها في أعمال فاضلة وسلوك سليم، ولم يؤثَر عنه ريبة قط، بل كان في كل حالاته وأحواله رجلًا فاضلًا ممتازًا، حتى عُرف في مكة بحسن العمل وسمو السلوك.
ومع خروج النبي ﷺ إلى مجتمع مكة، واختلاطه بشبابها، وتعامله مع رجالها- كانت عناية الله معه، فصار رجلًا أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقًا، وأكرمهم حسبًا، وأحبهم جوارًا، وأعظمهم حلمًا، وأصدقهم حديثًا، وأكثرهم أمانة، وأبعدهم عن الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال.
ما رُؤي ﷺ مُلاحِيًا ولا مماريًا أحدًا، حتى عرفه قومه بالأمين الصادق، صرف الله عنه كل ما يسيء ويشين، فعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما هممتُ بشيء مما كان أهل الجاهلية يهيمون به من الغناء إلا ليلتين، كلتاهما عصمني الله منهما. قلت ليلة لبعض فتيان مكة ونحن في رعاية غنم أهلنا: هيا بنا نسمر كما يسمر الشباب، وقلت لصاحبي: أبصر غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الفتيان، فقال: بلى، فدخلتُ حتى إذا جئت أول دار من دور مكة سمعت عزفًا وغرابيل ومزامير. قلت: ما هذا؟ قيل: تزوج فلان فلانة، فجلست أنظر وضرب الله على أذني، فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟ قلت: ما فعلت شيئًا، ثم أخبرته بالذي رأيت. ثم قلت له ليلة أخرى: أبصر لي غنمي حتى أسمر بمكة ففعل، فدخلت فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة، فجلست
стр. 54
أنظر، وضرب الله على أذني، فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟ فقلت له: لا شيء، ثم أخبرته بالذي رأيت، فوالله ما هممت ولا عدت بعدها لشيء من ذلك حتى أكرمني الله بنبوته)).
ولما شب رسول الله ﷺ كانت مكة تعجّ بمختلف أنواع اللهو والفساد والملاذ الشهوانية الدنسة، كانت حانات الخمر منتشرة وبيوت الريبة، وعليها علامات تعرف بها، ووجود المغنيات والماجنات والراقصات من الأمور العادية الموجودة في ذلك المجتمع، تتوجها عبادة الأصنام والأوثان.
وكان المجتمع المكي يوم ذاك يقر ذلك ويعتبره جزءًا من حياة الناس، والله برأ رسوله واختاره من أكرم معادن الإنسانية، ثم اختاره لحمل أكمل رسالات السماء إلى أمم الأرض، ولذلك أحاطه بكل أنواع الرعاية والحفظ.
وقد روى ابن سعد في (الطبقات) أن أم أيمن قالت: ((كانت بوانة صنمًا تحضره قريش تعظمه، وتنسك له النسائك ويحلقون رؤوسهم عنده، ويعكفون عنده يومًا إلى الليل، وذلك يومًا في السنة، وكان أبو طالب يحضره مع قومه، وكان يكلم رسول الله ﷺ أن يحضر ذلك العيد مع قومه، فيأبى رسول الله ﷺ أن يحضر ذلك العيد مع قومه، حتى رأيت أبا طالب غضب عليه، ورأيت عماته غضبن عليه يومئذ أشد الغضب، وجعلن يقلن: إنا لنخاف عليك يا محمد مما تصنع من اجتناب آلهتنا، وجعلن يقلن: ما تريد يا محمد أن تحضر لقومك عيدًا ولا تكثر لهم جمعًا؟! قالت: فلم يزالوا به حتى ذهب، فغاب عنهم ما شاء الله، ثم رجع إلينا مرعوبًا فزعًا فقالت عماته: ما دهاك؟ قال: إني أخشى أن يكون بي لمم فقلن له: ما كان الله ليبتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك، قال: إني كلما دنوت إلى صنم منها تمثّل لي رجل أبيض طويل يصيح بي: وراءك يا محمد لا تمسه. قالت: فما عاد لعيد لهم حتى تنبأ)).
стр. 55
حياة الكفاح وما فيها من دلائل النبوة:
قال ابن إسحاق: ((ثم إن أبا طالب خرج في ركب تاجرًا إلى الشام، فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير صب به رسول الله ﷺ فيما يزعمون، فرَّق له أبو طالب وقال: والله لأخرجن به معي ولا أفارقه ولا يفارقني أبدًا، فلما نزل الركب بِصرى من أرض الشام، وبها راهب يقال له: بحيرا، في صومعة له، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا، وكانوا كثيرًا ما يمرون به فلا يكلمهم ولا يعرض لهم، حتى كان ذلك العام، فلما نزلوا قريبًا من صومعته صنع لهم طعامًا كثيرًا، وذلك فيما يزعمون عن شيء رآه وهو في صومعته، يزعمون أنه رأى رسول الله ﷺ في الركب حين أقبل وغمامة تظلله من بين القوم.
ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبًا منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة، وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله ﷺ حتى استظل تحتها، فلما رأى ذلك بحيرا نزل من صومعته وقد أمر بطعام فصنع، ثم أرسل إليهم فقال: إني صنعت لكم طعامًا يا معشر قريش، فأنا أحب أن تحضروا كلكم كبيركم وصغيركم وعبدكم وحركم، فقال له رجل منهم: والله يا بحيرا إن لك لشأنًا اليوم، أما كنت تصنع هذا بنا وقد كنا نمر بك كثيرًا، فما شأنك اليوم؟ قال له بحيرا: صدقت، قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف، وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعامًا فتأكلون منه كلكم، فاجتمعوا عليه، وتخلف رسول الله ﷺ من بين القوم لحداثة سنه في رجال القوم تحت الشجرة.
فلما رآهم بحيرا لم ير الصفة التي يعرف ويجد عندهم فقال: يا معشر قريش لا يتخلفن أحدٌ منكم عن طعامي. قالوا: يا بحيرا ما تخلف أحد ينبغي لك أن يأتيك إلا غلام، وهو أحدثنا سنًّا، فتخلف في رحالنا. قال: لا تفعلوا، ادعوه فليحضر
стр. 56
هذا الطعام معكم. فقال رجل من قريش مع القوم: واللات والعزى، إن كان للؤم بنا أن يتخلف محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا، ثم قام إليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم، فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظًا شديدًا، وينظر إلى أشياء من جسده قد كان عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيرا وقال له: يا غلام، أسألك بحق اللات والعزى، إلا أخبرتني عما أسألك عنه، وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال له: لا تسألني باللات والعزى شيئًا؛ فوالله ما أبغض شيئًا قط بغضهما.
فقال له بحيرا: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال له: سلني عما بدا لك، فجعل يسأله عن أشياء من حاله في نومه وهيئته وأموره، وجعل رسول الله ﷺ يخبره، فوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه، موضعه من صفته التي عنده، فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب فقال: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. قال بحيرا: ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيًّا. قال: فإنه ابن أخي. قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به قال: صدقت، ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبْغُنَّه شرًّا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فخرج به فأسرِع به إلى بلاده، فخرج به عمه أبو طالب سريعًا حتى أقدمه سكنه حين فرغ من تجارته بالشام)).
رعي الغنم ودلالته على إعداد النبي ﷺ لتحمل الرسالة:
لقد عمد محمد ﷺ منذ أن أضحى يعيش في كنف عمه أبي طالب إلى مساعدته، ولا سيما أن أبا طالب كان في أشد الحاجة للمساعدة لفقره وكثرة عياله، فاشتغل
стр. 57
رسول الله ﷺ برعي الأغنام في شعاب مكة وفجاجها، وقد ثبت في الحديث الصحيح قيامه بهذا العمل، حيث روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟ قال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)).
وفي رعي الغنم ما فيه من تهيئة الله لنبيه، لتلقي الرسالة والقيام بأمر الدعوة، ويورد الحافظ ابن حجر في شرحه للحديث خلاصة أقوال العلماء في ذلك فيقول: "الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة: أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكفلونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة؛ لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها، واحتياجها إلى المعاهدة -ألفوا من ذلك الصبر على الأمة، وعرفوا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها، فجبروا كسرها ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل، مما لو كلفوا القيام بذلك من أول وهلة؛ لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم.
وخصت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها، ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر؛ لإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها في العادة المألوفة، ومع أكثرية تفرقها فهي أكثر انقيادًا من غيرها".
ويقول الدكتور أحمد غلوش في ذلك: "وللمرء أن يتساءل: وما الحكمة في رعي الغنم حتى يقدرها الله لأنبيائه جميعًا؟ ويجيب بقوله: أرى -والله أعلم- أن الحكمة في رعي الغنم هي تربية الأنبياء على ما سيكونون عليه، حين تكليفهم بالنبوة، وليتعلموا حسن التعامل مع الناس، وأهم هذه الفوائد ما يلي:
стр. 58
١ - التعود على المسئولية:
إن ثقل التكليف يحتاج إلى طاقات بشرية تتحمله، والنبوة تكليف شاق؛ لأنها تعني إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وإنقاذ البشر من ضلالات الهوى ليسعدوا بنور الإيمان وبَرد اليقين، إن النبوة قمة الأمانة والمسئولية، وحاجتها إلى رسول يتحمل مشاقها ومصاعبها ضرورة لابد منها، ورعي الغنم عمل شاق يكفي في تصور مشقته أن الراعي يعيش واقفًا ومتحركًا طوال الوقت، حيث تسرح الغنم وتمرح، وهذه أعمال في حد ذاتها تحتاج إلى قوة وطاقة، ولذلك كان رعي الغنم مقدمة للنبوة لما فيهما معًا من مشقة وتعب.
٢ - تعليم الصبر والتحمل:
تحتاج النبوة إلى التخلق بالخلق الكريم والاتصاف بالحلم والصبر، وذلك أمر يحققه رعي الغنم؛ لأن القطيع يرعى وهو مطلق السراح فيتوزع هنا وهنا، وكل ما يجمعه الراعي يعود من حيث أتى، وذلك أمر يحتاج إلى الصبر والتحمل، وبدون ذلك لا يمكن للراعي رعي الغنم.
ومِن رعي الغنم -إذن- تعلم الأنبياء الصبر والتحمل في دعوة الناس؛ لأن المدعوّين ليسوا على اتجاه واحد وإنما لكل اتجاهه.
٣ - شمول الرعاية:
راعي الغنم يحتاج إلى سعة الأفق وهو يدير أمر غنمه؛ لتعدد جوانب الرعاية التي تحتاج إليها، ففيها الصغير المحتاج للرعاية وفيها الذكر وفيها الأنثى، كما أنها تحتاج دائمًا إلى البحث عن مصادر أكلها وغذائها، ولابد لها من حراسة تحميها
стр. 59
من الذئاب واللصوص، ومن الضروري المحافظة عليها من شدة الحر وقسوة البرد، وكثيرًا ما تنتابها الآلام والأوجاع، وعلى الراعي متابعة ذلك.
ومن مسئوليات الراعي: تدبير أمر مبيتها في الخلاء أو في البناء، إنها مسئوليات عديدة لا يصلح لها ضيق الأفق العاجز عن حمايتها، وإعداد كافة الجوانب التي تحتاج إليها، ولذلك كان رعي الغنم تدريبًا عمليًّا على مباشرة أعمال النبوة لتعدد المسئوليات النبوية.
٤ - التسوية والعدل بين الناس:
يحتاج النبي إلى تبليغ الدعوة لسائر الناس على وجه يتناسب مع كل واحد منهم، ولا يُقدم واحدًا ويترك غيره، ولا يهتم بغني على حساب فقير، ولا يتصور أن الخير في هذا أو في ذاك فيفضله على غيره، ورعي الغنم يحقق هذا الخلق؛ لأن الراعي عليه أن يرفق بالضعيف، ويحيطه بعنايته، فلو ولدت نعجة في الطريق فعليه حمل المولود بيده، ولذلك نراه يسير خلف القطيع ليكون في عون الضعفاء ويراعي الأقوياء.
٥ - تعليم التواضع:
إن اهتمام الأنبياء برعي الغنم يعودهم التواضع، وترك الكبر؛ لأن رعي الغنم والحرص عليها يحتاج إلى العمل الدءوب بعيدًا عن الخيلاء، حيث لا فخر بعمل كله تعب ومشقة تحت حر الشمس أو في برد الشتاء، والنبوة في حاجة إلى هذا التواضع الذي يجعل الأنبياء يتعاملون بالخلق الكريم مع كافة الناس، مع الرجال والنساء، مع الأغنياء والفقراء، مع الكبير والصغير، مع العظيم والحقير، وبذلك كانوا أمثلة عليا وقدوة سامية.
стр. 60
وقد ذكر النبي ﷺ بعد أن علم كونه أكرم الخلق على الله- أنه رعى الغنم دليل على عظم تواضعه، واعترافه بفضل ما مَنَّ الله عليه به.
٦ - الشجاعة:
الراعي يعمل على حماية غنمه من الذئاب واللصوص وغيرها، وهو لذلك يحتاج إلى شجاعة تعينه على هذه الحماية ليلًا ونهارًا، والأنبياء وهم يقومون بالدعوة يتصدى لهم الأعداء من شياطين الإنس والجن، وهم محتاجون للشجاعة والجرأة حتى يمكنهم القيام بواجب الدعوة.
٧ - التأمل والتفكير:
وراعي الغنم الذكي القلب يجد في فسحة الجو الطلق أثناء النهار، وفي تلألؤ النجوم إذا جن الليل -موضعًا لتفكيره وتأمله، يسبح منه في هذه العوالم، يبتغي أن يرى ما وراءها، ويلتمس في مختلف مظاهر الطبيعة تفسيرًا لهذا الكون وخلقه، هذه الأفلاك والعوالم التي يراها في فسحة الكون أمامه متصلًا بعضها ببعض في نظام محكم ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ (يس: ٤٠) وإذا كان نظام هذا القطيع من الغنم أمام محمد ﷺ يقتضي انتباهه ويقظته حتى لا يعدو الذئب على شاة منها، وحتى لا تصل إحداها في مهامة البادية، فأي انتباه وأية يقظة تحافظ على نظام العالم كله مع إحكامه الموجود.
إن رعي الغنم مدرسة تحتاج إلى قوة البدن وقوة العزيمة والهدوء والأناة، مع الصدق والإخلاص وقصد الاستفادة والتعليم".
стр. 61
الإعداد الإلهي لرسول الله ﷺ من سن الخامسة والعشرين حتى بلوغه الأربعين
سفره ﷺ إلى الشام للتجارة في مال خديجة ﵂:
ولما بلغت سنه ﵊ خمسًا وعشرين سنة سافر إلى الشام المرة الثانية، وذلك للتجارة في مال خديجة ﵂. قال ابن إسحاق: "وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قومًا تجارًا، فلما بلغها عن رسول الله ﷺ ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه- بعثت إليه فعرضت إليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرًا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له: ميسرة، فقبله رسول الله ﷺ منها، وخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدما الشام".
وكانت هذه الرحلة موفقة حيث باعا وابتاعا وربحا ربحًا عظيمًا، وظهر للسيد الكريم في هذه السفرة من البركات ما حببه في قلب ميسرة غلام خديجة.
ومن البركات والإرهاصات التي حدثت لرسول الله ﷺ في هذه الرحلة أنه نزل في ظل شجرة، قريبًا من صومعة راهب من الرهبان، فاطلع الراهب إلى ميسرة فقال له: "من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ قال له ميسرة: هذا رجل من قريش، من أهل الحرم، فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي". ثم باع رسول الله ﷺ سلعته التي خرج بها، واشترى ما أراد أن يشتري، ثم أقبل قافلًا إلى مكة ومعه ميسرة، فكان ميسرة -فيما يزعمون- إذا كانت الهاجرة واشتد الحر يرى ملكين يظلانه من الشمس، وهو يسير على بعيره، فلما قدم مكة
стр. 62
على خديجة بمالها باعت ما جاء به بأضعف أو قريبًا، وحدثها ميسرة عن قول الراهب، وعما كان يرى من إظلال الملكين إياه.
زواج النبي ﷺ من خديجة ﵂:
ولما رجع رسول الله ﷺ من الشام إلى مكة رأت خديجة ﵂ في مالها من الأمانة والبركة، ما لم تر قبل هذا، وأخبرها غلامها ميسرة بما رأى فيه من خِلَالٍ عذبة وشمائل كريمة، وفكر راجح، ومنطق صادق ونهج أمين، وجدت ضالتها المنشودة، وكان السادات والرؤساء يحرصون على زواجها فتأبى عليهم ذلك، فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منبه، وهذه ذهبت إليه تفاتحه أن يتزوج خديجة فرضي بذلك ﷺ وكلم أعمامه، فذهبوا إلى عم خديجة وخطبوها إليه، وعلى إثر ذلك تم الزواج.
وكانت سنها إذ ذاك أربعين سنة، وكانت يومئذ أفضل نساء قومها نسبًا وثروة وعقلًا، وهي أول امرأة تزوجها رسول الله ﷺ ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت.
ما يستفاد من تجارته ﷺ في مال خديجة وزواجه منها:
أولًا: الأمانة والصدق أهم مواصفات التاجر الناجح:
إن التاجر الصادق الأمين لا يغش ولا يخدع ولا يدلس ولا يكذب؛ لأن هذه الصفات والأفعال تتناقض تمام التناقض مع الأمانة، وإذا عرف الناس عن هذا التاجر الأمانة ومحاربته للخداع والخيانة- أقبلوا عليه مطمئنين يتعاملون معه إذا كانوا أصحاب أموال، كخديجة ﵂ أعطوه أموالهم ليضارب لهم بها، أو استأجروه في تجارتهم وأمِنوه على أموالهم، وأجزلوا له في سهمه من الربح.
стр. 63
وإذا كان الناس ليسوا أصحاب أموال -وإنما هم من المستهلكين- أقبلوا عليه يشترون منه ويبيعونه بثقة لأمانته وصدقه، وصفة الأمانة والصدق في التجارة عند محمد ﷺ هي التي رغبت خديجة في أن تعطيه مالها؛ ليتاجر به ويسافر به إلى الشام، فوُفقت في ذلك توفيقًا لم توفق مثل هذا التوفيق مع غيره ﷺ .
ثانيًا: التجارة مورد من موارد الرزق، التي سخرها الله لرسوله ﷺ قبل البعثة:
وكان يدربه على فنون التجارة عمه أبو طالب، فقد سافر معه وتعرف على تجار الشام، والبضائع الرائجة عند أهل الشام، والبضائع الرائجة عند أهل مكة، والتاجر الصدوق الأمين في هذا الدِّين يُحشر مع الصديقين والشهداء والنبيين، وهي تدل على دين الرجل وأمانته، فإن التعامل بالدينار والدرهم يعرف به دِين الرجل، فإما الوفاء والصدق، وإما المماطلة والمراوغة، ومن ثم ولوغ الناس في عرضه وتشويه سمعته.
وهذه المهنة تقع ضمن المهن الحرة التي لا يقع صاحبها تحت إرادة الآخرين، واستعبادهم وقهرهم وإذلالهم.
ثالثًا: زواج النبي ﷺ من خديجة كان بتقدير الله:
ولقد اختار الله لنبيه زوجة تناسبه وتؤازره، وتخفف عنه ما يصيبه، وتعينه على حمل رسالته، بالوقوف في جانبه وتأييده، فلقد بذلت مالها كله لرسول الله ﷺ ، ولقد آمنت به وكفر الناس، وصدقته حين كذبه الناس، ولقد شهد لها رسول الله ﷺ بذلك فقال: ((لقد آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، وواستني بمالها حين حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد ولم يرزقني من غيرها)).
стр. 64
ذكر بناء الكعبة، وما فيه من الكرامة لرسول الله ﷺ :
لما بلغت سنه ﵊ خمسًا وثلاثين سنة جاء سيل جارف، وصدع بنيان الكعبة بعد توهينها من حريق كان أصابها قبل، فأرادت قريش هدمها ليرفعوها ويسقفوها، فإنها كانت رضية فوق القامة، فاجتمعت قبائلهم لذلك، ولكنهم هابوا هدمها لمكانها في قلوبهم، فقال لهم الوليد بن المغيرة: "أتريدون بهدمها الإصلاح أم الإساءة؟ قالوا: بل الإصلاح، قال: إن الله لا يهلك المصلحين" وشرع يهدم فاتبعوه، وهدموا حتى وصلوا إلى أساس إسماعيل، وجعل الأشراف من قريش يحملون الحجارة على أعناقهم، وكان العباس ورسول الله ﷺ فيمن يحمل.
وكان الذي تولى البناء نجار رومي اسمه ياقو، وقد خُصص لكل ركن جماعة من العظماء ينقلون إليه الحجارة، وقد ضاقت بهم النفقة الطيبة عن إتمامه على قواعد إسماعيل، فأخرجوا منها الحِجر، وبنوا عليه جدارًا قصيرًا علامة على أنه من الكعبة، ولما تم البناء ثمان عشرة ذراعًا، بحيث زِيد فيه عن أصله تسع أذرع، ورُفع الباب عن الأرض بحيث لا يُصعد إليه إلا بدُرج، أرادوا وضع الحجر الأسود موضعه، فاختلف أشرافهم فيمن يضعه وتنافسوا في ذلك، حتى كادت تشب بينهم نار الحرب، ودام بينهم هذا الخصام أربع ليال.
وكان أسن رجل في قريش إذ ذاك أبو أمية بن المغيرة المخزومي، عم خالد بن الوليد، فقال لهم: يا قوم لا تختلفوا وحكِّموا بينكم من ترضون بحكمه، فقالوا: نكل الأمر لأول داخل، فكان هذا الداخل هو الأمين المأمون ﵊، فاطمأن الجميع له لما يعهدونه فيه من الأمانة وصدق الحديث، وقالوا: هذا الأمين رضيناه، هذا محمد؛ لأنهم كانوا يتحاكمون إليه؛ إذ كان لا يداري ولا يماري، فلما أخبروه الخبر بسط رداءه وقال: ((لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم وضع فيه الحجر، وأمرهم برفعه حتى انتهوا إلى موضعه، فأخذه ووضعه فيه)).
стр. 65
وهكذا انتهت هذه المشكلة التي كثيرًا ما يكون أمثالها سببًا في انتشار حروب هائلة بين العرب، لولا أن يمنَّ الله عليهم بعاقل مثل أبي أمية، ويرشدهم إلى الخير، وحكيم مثل الرسول ﷺ يقضي بينهم بما يُرضي جميعهم، ولا غرابة أن يشارك النبي ﷺ قومه ذلك العمل الجليل، وأن يُعرف بينهم بالصادق الأمين، فقد نشأ والله يكلؤه ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية وأنجاسها؛ لما يريده له من كرامته ورسالته، فما إن أصبح رجلًا حتى أضحى أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقًا، وأكرمهم حسبًا، وأحسنهم جوارًا، وأعظمهم حلمًا، وأصدقهم حديثًا، وأشهرهم أمانة، وأبعدهم عن الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال تنزهًا وتكرمًا، حتى لقبه قومه بالأمين؛ لما جمع الله فيه من الخصال الصالحة.
د- ما يستفاد من قصة الحجر الأسود:
أولًا: الكعبة مكان مقدس عند العرب، وبناؤها وعمارتها شرف يُتنافس عليه في مكة.
ثانيًا: طريقة فض التنازع كانت موفقة ورضي بها الجميع، ويكفي أنها حققت كثيرًا، ويكفي أنها حقنت كثيرًا من الدماء، وأوقفت حروبًا طاحنة ستقوم في الحرم وبين أهل الحرم، ومن ثم فقدان الأمن والأمان فيه للناس أجمعين، وقد عاث أهله فسادًا فيما بينهم، فقتل بعضهم بعضًا وسفك بعضهم دماء بعض، ولو حدث هذا لنفرت الناس من الحرم ومن أهله، ولكن قضت حكمة الله أن يكون هذا الحرم آمنًا، هو ومن يقيم فيه وحوله، ومن يقصده؛ حتى يستمر الناس في تعظيمه، بل إن حرمة سفك دم بريء فيه أشد من حرمته.
стр. 66
ثالثًا: الأمانة صفة محمودة، وصفة عُرف بها نبينا محمد ﷺ بين المشركين، فأحبوه لذلك ووثقوا به، وفرحوا بدخوله من باب الصفا، لاتفاقهم على تحكيم أول من يدخل هذا الباب، فلما دخل قالوا: هذا الأمين رضينا به، هذا محمد ﷺ .
لقد تعارف هؤلاء على صدقه وأمانته، ولكنهم عندما بعثه الله رسولًا كذبوه واتهموه تهمًا باطلة، فقالوا عنه: كذاب ومجنون وساحر وشاعر وكاهن، وهم يعلمون حق العلم أنه العاقل الأمين الصادق، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (الأنعام: ٣٣).
رابعًا: طريقة الحل كانت عادلة، لقد ألهمه ﵎ حكمًا رضيت به جميع القبائل؛ لأنه كان حكمًا عادلًا ساوى فيه بين جميع رؤساء القبائل المتنافسة، حتى رفعوه إلى موضع البناء، لقد أسهم هؤلاء المتنافسون بهذا الشرف، ولم تنفرد به قبيلة دون الأخرى، وهذا من توفيق الله لرسوله وتسديده قبل بعثته ﷺ .
خامسًا: لقد حصل لرسول الله ﷺ في هذه الحادثة شرفان: شرف فصل الخصومة، ووقف شلال الدماء الذي يتدفق، والله أعلم بزمان توقفه إن حصل، وشرف آخر مهم أيضًا، وهذا الشرف الذي تنافسوا عليه قام به هو، إذ حمل الحجر بيديه الشريفتين، وأخذه من البساط بعد رفعه، ووضعه في مكانه من البيت، وهذا يدل على أنه أحق الناس بهذا البيت وتعظيمه، والمحافظة على أمنه. قال تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الأنفال: ٣٤).
стр. 67
حياة النبي ﷺ قبل البعثة:
بعدما تزوج محمد ﷺ من خديجة ﵂ لم يعد محتاجًا لمال يسعى لتحصيله، أو ينشغل في العمل من أجل كسبه، فلقد أغناه الله بمال خديجة ﵂ وأغناه كذلك برضا النفس، وهدوء البال، وأغناه بالميل نحو التأمل والتفكير، لذلك نراه ﷺ يبدأ حياة التأمل، ويتفرغ للتحنث، بعيدًا عن صخب الحياة وضجيج العمل.
وفي فترة ما قبل البعثة عاش محمد ﷺ وعاش العالم كله مقدمات البعثة، والتي منها كثرة المبشرات.
تمتلئ كتب السيرة والتاريخ بالمبشرات الكونية والإنسانية، التي أشارت إلى قرب ظهور نبي في بلاد العرب، يُبعث للعالم كله لنشر العدل وتحقيق الأمن والسلام، وقد أتت أغلب هذه المبشرات من أحبار اليهود ورهبان النصارى، وكهان العرب.
إن مبشرات أهل الكتاب -من اليهود والنصارى- هي مبشرات صحيحة؛ لشهادة القرآن الكريم، حيث بيَّن الله تعالى بصورة قاطعة معرفة الأحبار والرهبان برسالة محمد ﷺ وتحديد مواصفاته، ومكان ظهوره، وطبيعة رسالته العالمية. يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٤٦).
ودلالة الآية صريحة في أن أهل الكتاب -وهم اليهود والنصارى- يعرفون محمدًا ورسالته معرفة تفصيلية، ومع ذلك فقد جحد فريق منهم نبوة محمد ﷺ وكتم ما يعرفه.
وإنما شبه معرفتهم له ﷺ بمعرفتهم بأبنائهم، ولم يشبهه بمعرفتهم بأنفسهم؛ لأن الوالد يعرف ابنه في كل وقت وفي كل حال، وقد يغفل عن نفسه أحيانًا.
стр. 68
قيل لعبد الله بن سلام: "أتعرف محمدًا كما تعرف ابنك؟ قال: نعم وأكثر، بعث الله أمينه في سمائه إلى أمينه في أرضه بنعته، فعرفته، وابني لا أدري ما كان من أمه".
لقد كان اليهود في المدينة المنورة يخوِّفون الأوس والخزرج قبل الهجرة، بقرب ظهور نبي، يتبعونه ويتقوون به؛ حتى يتمكنوا من قتل العرب قتل عاد وإرم، الأمر الذي دعا أهل المدينة إلى الإسراع في الدخول في الإسلام، واتباع محمد ﷺ حتى لا يسبقهم اليهود إلى الإيمان به.
يروي ابن إسحاق أن عاصم بن عمرو بن قتادة عن رجال من قومه أنهم قالوا: "إن مما دعانا إلى الإسلام -مع رحمة الله تعالى وهداه لنا- ما كنا نسمع من رجال يهود، وكنا أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبي يُبعث الآن، نقتلكم معه قتل عاد وإرم".
ومما قاله الأحبار ما رواه ابن سعد بسنده عن أبي بن كعب قال: "لما نزل تُبَّع المدينة ونزل بقناة بعث إلى أحبار اليهود وقال لهم: إني مخرب هذا البلد حتى لا تقوم به يهودية، ويرجع الأمر إلى دين العرب، فقال له سامول اليهودي -وهو يومئذ أعلمهم-: أيها الملك، إن هذا بلد يكون إليه مهاجر نبي من بني إسرائيل، مولده مكة، اسمه: أحمد، وهذه دار هجرته".
وعن ابن عباس ﵄ قال: "كانت يهود قريظة والنضير وفدك وخيبر يجدون صفة النبي محمد ﷺ عندهم قبيل أن يُبعث، ويعلمون أن دار هجرته بالمدينة".
هذا وبالله التوفيق.
стр. 69
الدرس: ٥ الأساليب والوسائل الدعوية من خلال السيرة النبوية (٣) .
стр. 70
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الخامس
(الأساليب والوسائل الدعوية من خلال السيرة النبوية (٣))
حال النبي ﷺ قبل نزول الوحي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن استن بسنته وسار على نهجه إلى يوم الدين، وبعد:
تحبيب الخلاء إلى قلب النبي ﷺ :
وقد حَبَّب الله لمحمد ﷺ الخلاء، فكان يخرج من مكة بعيدًا عن الصخب والضجيج، ويمكث وحيدًا في غار حراء، ومعه زاده وعدته مدة تضم الليالي ذوات العدد، حيث يقضي شهر رمضان في خلوته وانقطاعه عن الناس.
يقول الخطابي: "والخلوة يكون معها فراغ القلب، وهي معينة على الفكر، وقاطعة لدعاوى الشغل الفطري، والبشر لا ينفك عن طاعة ولا يترك مألوفه من عاداته إلا بالرياضة البليغة، والمعالجة الشديدة، فلطف الله تعالى بنبيه محمد ﷺ في بداية أمره، فحبب إليه الخلوة وقطعه عن مخالطة البشر؛ ليتناسى المألوف من عاداتهم، ويستمر على هجران ما لا يحمد من أخلاقهم، وألزمه شعار التقوى، وأقامه في مقام التعبد بين يديه؛ ليخشع قلبه وتلين عريكته، فيجد الوحي منه حين وروده مرادًا سهلًا".
فجُعلت هذه الأسباب مقدمات لما أُرصد له من هذا الشأن؛ ليرتاض بها ويستعد لما نُدب إليه، ثم جاءه التوفيق والبِشر وأخذته القوة الإلهية، فجبرت منه النقائص البشرية، وجمعت له الفضائل النبوية.
ووجد محمد ﷺ في هذا المسلك طريقًا يعيشه في خلوته، يلتمس أثناءها إشباع ما يتمنى الوصول إليه، ووجد في جبل حراء شمال مكة غارًا يأتيه المكيون فأحبه، وأخذ ينقطع فيه وحيدًا يتعبد فيه الليالي ذوات العدد، فكان إذا جاء رمضان يحمل طعامه وشرابه، ويمكث فيه بعيدًا عن الصخب والضوضاء يلتمس الحق،
стр. 71
وكان ﷺ يطوف بالبيت قبل أن يذهب إلى الخلاء، وكان أول ما يبدأ به إذا انصرف من خلوته أن يطوف بالبيت قبل أن يدخل بيته.
إن تحبيب النبي ﷺ في الخلاء تدريب على تخليه عن الناس، واتصاله بالملأ الأعلى، وهو يتلقى وحي الله تعالى، والذي سوف يتكرر كثيرًا ويدوم طويلًا، والخلاء يُعَلِّم الإنسان التجرد عن الماديات والشهوات المتصلة بها، ويشعره بقيمة المعنويات والروحانيات الغائبة عن الحواس.
تقول أم المؤمنين عائشة ﵂: ((ثم حُبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك)) وجاء تعبير الحديث بلفظ: ((حبب)) المبني للمجهول؛ إشارة إلى أن حب محمد ﷺ للخلاء لم يكن من بواعثه البشرية، وإنما كان من الوحي والإلهام.
وكان ﷺ يطيل النظر في الكون المحيط به في السماء، ونجومها وقمرها وشمسها وأفلاكها ومجراتها، وصورتها في الليل وفي النهار، ويتأمل الصحراء ساعات لهيبها المحرق، تحت ضوء الشمس الباهرة اللألاء، وساعات صفوها البديع إذ تكسوها أشعة القمر، أو أضواء النجوم، وينظر في أهل مكة والحياة تشغلهم، ويتأمل في الآتين لمكة وهم يطوفون بالبيت والأصنام أمامهم.
كان ﷺ يتأمل في كل ذلك وفي غيره، يلتمس معرفة هذا الوجود وما وراءه من سبب وغاية.
النسك الذي كان يتعبد به رسول الله ﷺ أثناء تحنثه:
روى ابن كثير اختلاف العلماء في الشرع الذي كان يتعبد به رسول الله ﷺ فقيل: كان ﷺ يتعبد بشرع نوح ﵇، وقيل: كان يتعبد بشرع إبراهيم ﵇، وقيل: كان يتعبد بشرع موسى ﵇، وقيل: كان يتعبد بشرع عيسى ﵇، وقيل: كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه وعمل به.
стр. 72
ولعل هذا القول الأخير أقوم من غيره، فهو الذي يتفق وما شغف محمد ﷺ به من التأمل، ومن التفكير، وما عرف من غياب الشرائع يوم ذاك، حتى إن كثيرًا من الحنفاء لم يصلوا إلى شيء، رغم ما بذلوا من جهد للوصول إلى دين حقيقي.
واستمر محمد ﷺ على عادته تلك في حب الخلاء والانقطاع له، ومداومة البحث عن الحقيقة حتى هداه الله إليه، بنزول الوحي وبدء الرسالة، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ (الضحى: ٧).
يذهب المفسرون في بيان المعنى المراد من الضلال إلى معان كثيرة، فهو بمعنى الغفلة عما يراد بك من أمر النبوة، وبمعنى عدم معرفة دين وشرع ما، فهداك الله للإسلام وشريعته، وبمعنى في وسط ضلال قومك وكفرهم فهداهم الله بك، وبمعنى الحيرة فيما ترى فعرَّفك بالصواب والحق.
حال النبي عند نزول الوحي عليه، وصور ذلك الوحي
بلوغ محمد ﷺ سن الأربعين:
وبلغ محمد ﷺ سن الأربعين، وكمل في ذاته وأصبح مستعدًا لتكميل الآخرين، وهنا جاء وحي الله، كما هو الشأن مع جميع الأنبياء والمرسلين.
يروي البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ((أُنزل الوحي على رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين سنة)).
لقد حاول محمد ﷺ الوصول إلى الحقيقة المتصلة بالوجود والحياة، وطال تفكيره وتدبره، ولم يصل إلى ما يتمنى ويريد، إنه يسمع عن دين الله وأنبياء الله، لكنه
стр. 73
لا يعرف حقيقة الألوهية وحقوقها، ويجهل كل ما يتصل بالنبوة والرسالة، وإدراكه للملأ الأعلى بسيط، والأسرار من حوله تتكاثر وتتعدد، وكلما طال تأمله تشعبت مناحي النظر، وبعدت عن الأسرار والغايات.
والعقل مهما سما إدراكه، ومهما دق فكره، ومهما تعمقت تأملاته ونظراته، لا يمكنه أن يصل إلى شيء من حقائق هذا الوجود، ولابد له من وحي الله؛ يكشف له الأسرار التي يحتاج إليها، ومحمد ﷺ مع صفاء نفسه وكمال عقله وسمو روحه- يحتاج إلى فيوضات الله تهديه للحق، وتنقذه من الحيرة، وتعرفه بالحقائق الدينية التي لا يمكن للعقل أن يصل إليها.
كما يحتاج لرحمة الله مراعاةً لجانب البشرية فيه، حتى لا تفاجئه روحانية الوحي، وغرائب الملأ الأعلى، ويحتاج كذلك إلى تعلم كيفية الاتصال بخالقه والتعامل مع الملائكة، واستقبال الوحي بمختلف صوره وأشكاله.
وقد تجلت فيوضات الله تعالى على محمد ﷺ بصورة رقيقة شفيقة، عمادها الرحمة والمودة، وعناصرها الترقي ببشرية محمد ﷺ ليكون نبيًّا ورسولًا.
وكانت رحمة الله مع محمد ﷺ حين جاءه وحي الله تعالى؛ إذ كلفه بالنبوة أولًا، وجاءه الوحي ينبئه، ومن المعروف أن النبوة لا تُزيل طباع البشرية كلها، فلما خبر النبي ﷺ الوحي، ورأى صوره وأنواعه، وأصبح متألقًا مع لقائه، جاءته الرسالة فصار رسولًا نبيًّا.
ولقد نُبئ محمد ﷺ وجاءه الوحي من عند الله، واستمر على ذلك مدة تُعد تمهيدًا لإرساله، أراد الله أن يهيئه خلالها للتعامل مع الملائكة والاتصال بالله، ويعرفه كذلك بكل ما تحتاجه الرسالة من أمور لابد منها للرسول المختار.
стр. 74
بشرية الرسول ﷺ :
إن الرسول بشر يتصل بالله وبالناس، ولا بد له أن يتصف بصفات ذاتية، ترتقي به إلى درجة الكمال البشري، والسمو الروحي؛ ليسهل عليه الاتصال بالملأ الأعلى بجانبه الروحي، والتعامل مع الناس بجانبه في توازن وانسجام، وقد بدأت نبوة محمد ﷺ بأوليات الوحي، كما أرادها الله تعالى، ولم يكلف بالرسالة إلا بعد أن أصبح مؤهلًا لها مستعدًا للقيام بواجبها.
وقد كان ﷺ في مرحلة النبوة يخاف من الوحي يأتيه بإحدى صوره، ولذلك كان يأتي لخديجة شاكيًا ويقول لها: ((خشيت على نفسي)). ويصف الرجل الذي يظهر أمامه ويقول: سطا عليَّ الرجل، وكان يجري منه محاولًا الهرب من أمامه.
أما في مرحلة الرسالة؛ فكان يأنس بالوحي ويتعجله، ويخاف أن يتركه ولا يأتيه، وقد ذكر ابن كثير أن بدْأ الوحي بصورة التدرج يهدئ القلب ويطمئن النفس.
ومن صور الوحي في بدايته ما يلي:
١ - الرؤيا الصادقة:
إذا نام الإنسان انقطع عن عالم الناس، وعاش مع باطنه وإدراكاته اللاشعورية، وخلال النوم تهيم نفس النائم في رؤى، تتضمن أفكارًا وأحداثًا، لا يمكن له أن يتصور حدوثها في حالة اليقظة، ولذا كانت الرؤى المنامية تدريبًا للإنسان وهو في عالم اللاشعور، على ما سوف يراه في عالم الإدراك والشعور.
إن هذه المقدمة باب لأهمية الرؤى، وإبراز لدورها في تهيئة الإنسان لأحداث عالم اليقظة، وبخاصة إذا كانت الأحداث غريبة مدهشة.
стр. 75
ولقد كان من رحمة الله برسوله محمد ﷺ أن بدأ الوحي بالرؤية الصادقة، تقول السيدة عائشة ﵂: ((أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح))، وبذلك كان الوحي يُعلِّم رسول الله ﷺ وهو نائم ما يريده الله تعالى في رؤى صادقة خالية من الضعف والوهن، وكانت رؤى الوحي في وضوحها وظهورها تشبه ضوء الصبح في بيانه وسطوعه.
جاء في (فتح الباري) أنه ثبت في مراسيل عبيد بن عمير أنه ﷺ أوحي إليه أولًا في المنام، حتى أتاه الملك بعد ذلك في اليقظة، على الصورة التي أتاه بها في المنام.
وقد تعددت الرؤى المنامية لرسول الله ﷺ وكان يندهش لذلك، ((رأى أن آتٍ أتاه ومعه صاحبان له فنظروا إليه فقالوا: هو هو، ثم ذهبوا، فهاله ذلك وتساءل عما رأى وعن حديثهم أمامه، فقال له عمه أبو طالب: يابن أخي ليس بشيء، وأتاه هذا الآتي مرة أخرى فجاء لعمه وقال له: يا عم، سطا بي الرجل الذي ذكرت لك، فأدخل يده في جوفي حتى إني أجد بردها، فخرج به عمه إلى رجل من أهل الكتاب يتطير بمكة، فحدثه حديثه وقال: عالجه، فصوب به وصعد وكشف عن قدميه، ونظر بين كتفيه وقال: يابن عبد مناف ابنك هذا طيب طيب، للخير فيه علامات، إن ظفرت به يهود قتلته)).
وأيضًا رأى في منامه أن سقف بيته نُزعت منه خشبة، وأُدخل فيه سلم من فضة، ثم نزل إليه رجلان، فأراد أن يستغيث فمُنع من الكلام، فقعد أحدهما إليه والآخر إلى جنبه، وأدخل أحدهما يده في جنبه، فنزع ضلعين منه، وأدخل يده في جوفه، ورسول الله ﷺ يجد بردهما، فأخرج قلبه ووضعه على كفه وقال لصاحبه: "نعم القلب، قلب رجل صالح، فطهّر قلبه وغسله، ثم أدخل القلب
следующие страницы →