Полный текст (347 стр.). Показаны 316–347 · переход к 321.
стр. 316
الثاني: أن يفارق الثياب المخيطة، ويلبس ثوبي الإحرام، فيرتدي ويتزر بثوبين أبيضين، فالأبيض هو أحب الثياب إلى الله ويتطيب في ثيابه وبدنه، ولا بأس بطيب يبقى أثره بعد الإحرام، فقد رؤي بعض المسك على مفرق رسول الله ﷺ بعد الإحرام مما كان استعمله قبل الإحرام.
الثالث: أن يصبر بعد لبس الثياب حتى تنبعث به راحلته إن كان راكبًا، أو يبدأ بالسير إن كان راجلًا، فعند ذلك ينوي الإحرام بالحج أو بالعمرة قرانًا أو إفرادًا كما أراد.
الرابع: إذا انعقد إحرامه بالتلبية المذكورة، فيستحب أن يقول: اللهم إني أريد الحج فيسره لي، وأعني على أداء فرضه، وتقبله مني، اللهم إني نويت أداء فريضتك في الحج، فاجعلني من الذين استجابوا لك، وآمنوا بوعدك، واتبعوا أمرك، واجعلني من وفدك الذين رضيت عنهم وارتضيت وقبلت منهم، اللهم فيسر لي أداء ما نويت من الحج، اللهم قد أحرم لك لحمي وشعري ودمي وعصبي ومخي وعظامي، وحرمتُ على نفسي النساء والطيب ولبس المخيط ابتغاء وجهك والدار الآخرة، ومن وقت الإحرام حرم عليه المحذورات الستة التي ذكرناها من قبل فليتجنبها.
الخامس: يستحب تجديد التلبية في دوام الإحرام، خصوصًا عند اصطدام الرفاق، وعند اجتماع الناس، وعند كل صعود وهبوط، عند كل ركوب ونزول، رافعًا بها صوته، فإنه لا ينادي أصم ولا غائبًا كما ورد في الخبر، ولا بأس برفع الصوت بالتلبية في المساجد الثلاثة؛ فإنها مظنة المناسك، أعني: المسجد الحرام ومسجد الخِيف ومسجد الميقات، وأما سائر المساجد فلا بأس فيها بالتلبية من غير رفع صوت، وكان ﷺ إذا أعجبه شيء قال: ((لبيك إن العيش عيش الآخرة)).
стр. 317
الجملة الثالثة: في آداب دخول مكة إلى الطواف؛ وهي ستة:
الأول: أن يغتسل بذي طوى لدخول مكة، والاغتسالات المستحبة المسنونة في الحج تسعة: الأول: للإحرام من الميقات، ثم لدخول مكة، ثم لطواف القدوم، ثم للوقوف بعرفة، ثم للوقوف بمزدلفة، ثم ثلاثة أغسال: لرمي الجمار الثلاث، ولا غسل لرمي جمرة العقبة، ثم لطواف الوداع، ولم ير الشافعي ﵁ في الجديد: الغسل لطواف الزيارة ولطواف الوداع.
الثاني: أن يقول عند الدخول في أول الحرم وهو خارج مكة: اللهم هذا حرمك وأمنك، فحرِّم لحمي ودمي وشعري على النار، وآمني من عذابك يوم تبعث عبادك، واجعلني من أوليائك وأهل طاعتك.
الثالث: أن يدخل مكة من جانب الأبطح؛ تأسيًا برسول الله ﷺ ، وإذا خرج خرج من ثنية كُدَى، وهي التثنية السفلى، والأولى هي العليا.
الرابع: إذا دخل مكة وانتهى إلى رأس الردم، فعنده يقع بصره على البيت فليقل: لا إله إلا الله والله أكبر، اللهم أنت السلام ومنك السلام ودارك دار السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، اللهم إن هذا بيتك عظمته وكرمته وشرفته، اللهم فزده تعظيمًا وزده تشريفًا وتكريمًا، وزده مهابة، وزد مَن حجه بِرًّا وكرامة، اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وأدخلني جنتك، وأعذني من الشيطان الرجيم.
الخامس: إذا دخل المسجد الحرام فليدخل من باب بني شيبة، وليقل: بسم الله وبالله ومِن الله، فإذا قرب من البيت قال: الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، اللهم صلى على محمد عبدك ورسولك، وعلى إبراهيم خليلك، وعلى جميع أنبيائك ورسلك، وليرفع يديه وليقل: اللهم إني أسألك في مقامي
стр. 318
هذا في أول مناسكي، أن تتقبل توبتي وأن تتجاوز عن خطيئتي، وتضع عني وزري، الحمد لله الذي بلغني بيته الحرام، الذي جعله مثابة للناس وأمنًا، وجعله مباركًا وهدى للعالمين، اللهم إني عبدك والبلد بلدك والحرم حرمك، والبيت بيتك، جئتك أطلب رحمتك، وأسألك مسألة المضطر الخائف من عقوبتك، الراجي لرحمتك الطالب مرضاتك.
السادس: أن تقصد الحجر الأسود بعد ذلك، وتمسه بيدك اليمنى وتقبله.
الجملة الرابعة في الطواف: فإذا أراد افتتاح الطواف -إما للقدوم وإما لغيره- فينبغي أن يراعي أمورًا ستة:
الأول: أن يراعي شروط الصلاة من طهارة الحدث، والخبث في الثوب والبدن والمكان وستر العورة، فالطواف بالبيت صلاة، ولكن الله سبحانه أباح فيه الكلام.
الثاني: إذا فرغ من الاضطباع فليجعل البيت على يساره، وليقف عند الحجر الأسود، وليتنح عنه قليلًا ليكون الحجر قدامه، فيمر بجميع الحجر بجميع بدنه في ابتداء طوافه، وليجعل بينه وبين البيت قدر ثلاث خطوات؛ ليكون قريبًا من البيت فإنه أفضل.
الثالث: أن يقول قبل مجاوزة الحجر بل في ابتداء الطواف: بسم الله والله أكبر، اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد ﷺ ، ويطوف، فأول ما يجاوز الحجر ينتهي إلى باب البيت فيقول: اللهم هذا البيت بيتك، وهذا الحرم حرمك، وهذا الأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار، وعند ذكر المقام يشير بعينه إلى مقام إبراهيم ﵇: اللهم إن بيتك عظيم
стр. 319
ووجهك كريم، وأنت أرحم الراحمين، فأعذني من النار ومن الشيطان الرجيم، وحرم لحمي ودمي على النار، وآمني من أهوال يوم القيامة، واكفني مؤنة الدنيا والآخرة، ثم يسبح الله تعالى ويحمده، حتى يبلغ الركن العراقي فعنده يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشرك والشك، والكفر والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق، وسوء المنظر في الأهل والمال والولد.
فإذا بلغ الميزاب قال: اللهم أظلنا تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، اللهم اسقني بكأس محمد ﷺ شربة لا أظمأ بعدها أبدًا، فإذا بلغ الركن الشامي قال: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا وسعيًا مشكورًا وذنبًا مغفورًا، وتجارة لن تبور، يا عزيز يا غفور، رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم، فإذا بلغ الركن اليماني قال: اللهم إني أعوذ بك من الكفر، وأعوذ بك من الفقر ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من الخزي في الدنيا والآخرة.
ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا برحمتك فتنة القبر وعذاب القبر، فإذا بلغ الحجر الأسود قال: اللهم اغفر لي برحمتك، أعوذ برب هذا الحجر من الدَّين والفقر وضيق الصدر وعذاب القبر، وعند ذلك قد تم شوط واحد، فيطوف كذلك سبعة أشواط، فيدعو بهذه الأدعية في كل شوط.
الرابع: أن يرمل في ثلاثة أشواط، ويمشي في الأربعة الأخر على الهيئة المعتادة.
ومعنى الرمل: الإسراع في المشي مع تقارب الخطى، وهو دون العدْو وفوق المشي المعتاد، والمقصود منه ومن الاضطباع إظهار الشطارة والجلادة والقوة، هكذا كان القصد أولًا قطعًا لطمع الكفار، وبقيت تلك السنة، والأفضل الرمل مع الدنو من البيت، فإن لم يمكنه للزحمة فالرمل مع البعد أفضل، فيخرج إلى
стр. 320
حاشية المطاف وليرمل ثلاثًا، ثم ليقترب إلى البيت في المزدحم وليمش أربعًا، وإن أمكنه استلام الحجر في كل شوط فهو الأحب، وإن منعته الزحمة أشار باليد وقَبَّل يده، وكذلك استلام الركن اليماني يستحب من سائر الأركان، وروي: ((أنه ﷺ كان يستلم الركن اليماني ويقبله ويضع خده عليه)) ومن أراد تخصيص الحجر بالتقبيل، واقتصر في الركن اليماني على الاستلام أغنى عن اللمس باليد، فهو أولى.
الخامس: إذا تم الطواف سبعًا فليأت الملتزَم، وهو بين الحجر والباب، وهو موضع استجابة الدعوة، وليلتصق بالبيت وليتعلق بالأستار، وليلصق بطنه بالبيت وليضع عليه خده الأيمن، وليبسط عليه ذراعيه وكفيه، وليقل: اللهم يا رب البيت العتيق، اعتق رقبتي من النار، وأعذني من الشيطان الرجيم، وأعذني من كل سوء، وقنعني بما رزقتني، وبارك لي فيما آتيتني، اللهم إن هذا البيت بيتك، والعبد عبدك، وهذا مقام العائذ بك من النار، اللهم اجعلني من أكرم وفدك عليك، ثم ليحمد الله كثيرًا في هذا الموضع، وليصل على رسوله ﷺ وعلى جميع الرسل كثيرًا، وليدع بحوائجه الخاصة، وليستغفر من ذنوبه. كان بعض السلف في هذا الموضع يقول لمواليه: "تنحوا عني حتى أقر لربي بذنوبي".
السادس: إذا فرغ من ذلك ينبغي أن يصلي خلف المقام ركعتين، يقرأ في الأولى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثانية الإخلاص، وهما ركعتا الطواف. قال الزهري: "مضت السنة أن يصلي لكل سبع ركعتين، وليدع بعد ركعتي الطواف وليقل: اللهم يسر لي اليسرى وجنبني العسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى، واعصمني بألطافك حتى لا أعصيك، وأعني على طاعتك بتوفيقك، وجنبني معاصيك، واجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك ورسلك، ويحب عبادك
стр. 321
الصالحين، اللهم حببني إلى ملائكتك ورسلك وإلى عبادك الصالحين، اللهم فكما هديتني إلى الإسلام فثبتني عليه بألطافك وولايتك، واستعملني لطاعتك وطاعة رسولك".
المرور أمام المصلي في الحرم المكي:
يجوز أن يصلي المصلي في المسجد الحرام والناس يمرون أمامه رجالًا ونساء بدون كراهة، وهذا من خصائص المسجد الحرام، فعن كثير بن كثير بن المطلب بن وداعة، عن بعض أهله، عن جده ((أنه رأى النبي ﷺ يصلي بما يلي بني سهم، والناس يمرون بين يديه وليس بينهما سترة)). قال سفيان بن عيينة: "ليس بينه وبين الكعبة سترة" رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه.
طواف الرجال مع النساء:
روى البخاري عن ابن جريج قال: "أخبرني عطاء إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال. قال: كيف تمنعهن وقد طاف نساء النبي ﷺ مع الرجال؟ قال: قلت: أبعد الحجاب أم قبله؟ قال: أي لعمري، لقد أدركته بعد الحجاب. قلت: كيف يخالطن الرجال؟ قال: لم يكن يخالطن الرجال، كانت عائشة ﵂ تطوف حِجرة من الرجال لا تخالطهم، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين. قالت: انطلقي عنك وأبتْ، فكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال، ولكن هن كن إذا دخلن البيت قمن حتى يدخلن، وأخرج الرجال".
وللمرأة أن تستلم الحجر عند الخلوة، والبعد عن الرجال، فعن عائشة ﵂ أنها قالت لامرأة: "لا تزاحمي على الحجر، إن رأيت خلوة فاستلمي، وإن رأيت زحامًا فكبِّري وهللي إذا حاذيت به، ولا تؤذي أحدا".
стр. 322
ركوب الطائف، وسنن الوقوف بعرفة، والدفع إلى منى
أ- ركوب الطائف:
يجوز للطائف الركوب وإن كان قادرًا على المشي، إذا وجد سببًا يدعو إلى الركوب، فعن ابن عباس ﵄ ((أن النبي ﷺ طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن)). وعن جابر ﵁ قال: ((طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة؛ ليراه الناس)).
ب- كراهة طواف المجذوم مع الطائفين:
روى مالك عن ابن أبي مليكة أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى امرأة مجذومة تطوف بالبيت، فقال لها: "يا أمة الله لا تؤذي الناس، لو جلست في بيتك، ففعلت، مر بها رجل بعد ذلك فقال لها: إن الذي نهاك قد مات فاخرجي، فقالت: ما كنت لأطيعه حيًّا وأعصاه ميتًا".
جـ- استحباب الشرب من ماء زمزم:
وإذا فرغ الطائف من طوافه وصلى ركعتيه عند المقام، استحب له أن يشرب من ماء زمزم. ثبت في الصحيحين ((أن رسول الله ﷺ شرب من ماء زمزم، وأنه قال: إنها مباركة، إنها طعام طُعم وشفاء سقم، وأن جبريل غسل قلب رسول الله ﷺ بمائها ليلة الإسراء)). وروى الطبراني في (الكبير) وابن حبان عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم؛ فيه طعام الطُعم وشفاء السقم ... )) الحديث. قال المنذري: "ورواته ثقات".
стр. 323
د- آداب الشرب منه:
يسن أن ينوي الشارب عند شربه الشفاء ونحوه، مما هو خير في الدين والدنيا، فإن رسول الله ﷺ قال: ((ماء زمزم لما شرب له)). وعن سويد بن سعيد قال: "رأيت عبد الله بن المبارك بمكة أتى ماء زمزم واستسقى منه شربة، ثم استقبل الكعبة فقال: اللهم إن ابن أبي الموالي حدثنا عن محمد بن المنكر، عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: ((ماء زمزم لما شرب له)). وهذا أشربه لعطش يوم القيامة ثم شرب" رواه أحمد بسند صحيح. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ماء زمزم لما شرب له، إن شربته تستشفى شفاك الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه الله)).
ويستحب أن يكون الشرب على ثلاثة أنفاس، وأن يستقبل به القبلة ويتضلع منه، ويحمد الله تعالى ويدعو بما دعا به ابن عباس، فعن أبي مليكة قال: "جاء رجل إلى ابن عباس فقال: من أين جئت؟ قال: شربت من ماء زمزم. قال ابن عباس: أشربت منها كما ينبغي؟ قال: وكيف ذاك يا بن عباس؟ قال: إذا شربت منها فاستقبل القبلة، واذكر الله وتنفس ثلاثًا وتضلع منها، فإذا فرغت فاحمد الله؛ فإن رسول الله ﷺ قال: ((آية بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم)) رواه ابن ماجه". وكان ابن عباس ﵄ إذا شرب من ماء زمزم قال: "اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاء من كل داء".
هـ- أصل بئر زمزم:
روى البخاري عن ابن عباس ﵄: "أن هاجر لما أشرفت على المروة حين أصابها وولدها العطش، سمعت صوتًا فقالت: "صه، تريد نفسها، ثم تسمعت
стр. 324
فسمعت أيضًا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه أو قال: بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوده وتقول بيدها هكذا: تغترف من الماء في سقائها، وهو يفور بعدما تغترف". قال ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ : ((رحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم، أو قال: لو لم تغترف من الماء لكانت زمزم عينًا معينًا)) قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة؛ فإن ها هنا بيت الله، يبتني هذا الغلام وأبوه، وأن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مثل الرابية تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه وشماله".
وسنن الوقوف بعرفة وآدابه:
أحدها: أن يغتسل بنمرة للوقوف.
الثانية: ألا يدخل عرفات إلا بعد الزوال.
الثالثة: أن يخطب الإمام خطبتين ويجمع الصلاتين.
الرابعة: تعجيل الوقوف عقب الصلاتين.
الخامسة: أن يحرص على الوقوف بموقف رسول الله ﷺ عند الصخرات.
السادسة: إذا كان يشق عليه الوقوف ماشيًا، أو كان يضعف به عند الدعاء، أو كان ممن يقتدى به ويُستفتى، فالسنة أن يقف راكبًا، وهو أفضل من الماشي، فإن كان لا يضعف بالوقوف ماشيًا ولا يشق عليه، ولا هو ممن يستفتى، ففي الأفضل أقوال للشافعي -رحمه الله تعالى- أصحها راكبًا أفضل؛ اقتداء برسول الله ﷺ ، ولأنه أعون على الدعاء، وهو المهم في هذا الموضع. والثاني: ماشيًا أفضل. والثالث: هما سواء، هذا حكم الرجل، وأما المرأة فالأفضل أن تكون قاعدة لأنه أستر لها.
стр. 325
السابعة: الأفضل أن يكون مستقبلًا للقبلة، متطهرًا ساترًا عورته، فلو وقف محدثًا أو جنبًا أو حائضًا أو عليه نجاسة أو مكشوف العورة -صح وقوفه وفاتته الفضيلة.
الثامنة: أن يكون مفطرًا فلا يصوم، سواء أكان يضعف به أم لا؛ لأن الفطر أعون له على الدعاء، وقد ثبت في الصحيح ((أن رسول الله ﷺ وقف مفطرًا)) والله تعالى أعلم.
التاسعة: أن يكون حاضر القلب فارغًا من الأمور الشاغلة عن الدعاء، وينبغي أن يقدم قضاء أشغاله قبل الزوال، ويتفرغ بظاهره وباطنه عن جميع العلائق، وينبغي ألا يقف في طرق القوافل وغيرهم لئلا ينزعج بهم.
العاشرة: أن يكثر من الدعاء والتهليل وقراءة القرآن، فهذه وظيفة هذا الموضع المبارك، ولا يقصر في ذلك فهو معظم الحج ومخه ومطلوبه، وفي الحديث الصحيح: ((الحج عرفة)) فالمحروم من قصر في الاهتمام بذلك واستفراغ الوسع فيه، ويُكثر من هذا الذكر والدعاء قائمًا وقاعدًا، ويرفع يديه في الدعاء ولا يجاوز بهما رأسه، ولا يتكلف السجع في الدعاء، ولا بأس بالدعاء المسجوع إذا كان محفوظًا أو قاله بلا تكلف ولا فكر فيه، بل يجري على لسانه من غير تكلف.
وينبغي أن يكثر من التضرع فيه والخشوع، وإظهار الضعف والافتقار والذلة، ويلح في الدعاء ولا يستبطئ الإجابة، بل يكون قوي الرجاء للإجابة، ويكرر كل دعاء ثلاثًا، ويفتتح دعاءه بالتحميد والتمجيد لله تعالى والتسبيح، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، ويختمه بمثل ذلك، وليكن متطهرًا متباعدًا عن الحرام والشبهة في طعامه وشرابه ولباسه ومركوبه، وغير ذلك مما معه، فإن هذه من آداب جميع الدعوات، وليختم دعاءه بآمين.
стр. 326
وليكثر من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، وأفضل ذلك ما رواه الترمذي وغيره عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)). وفي كتاب الترمذي عن علي ﵁ قال: ((أكثر ما دعا به النبي ﷺ يوم عرفة في الموقف: اللهم لك الحمد كالذي تقول وخيرًا مما نقول، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، وإليك مآبي ولك ربي تراثي، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر وشتات الأمر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح)).
ويستحب أن يكثر من التلبية رافعًا بها صوته، ومن الصلاة على رسول الله ﷺ ، وينبغي أن يأتي بهذه الأنواع كلها، فتارة يدعو وتارة يهلل وتارة يكبر وتارة يلبي، وتارة يصلي على النبي ﷺ ، وتارة يستغفر ويدعو منفردًا ومع جماعة، وليدع لنفسه ووالديه وأقاربه وشيوخه وأصحابه وأحبابه وأصدقائه، وسائر من أحسن إليه وسائر المسلمين، وليحذر كل الحذر من التقصير في ذلك، فإن هذا اليوم لا يمكن تداركه بخلاف غيره، ويستحب الإكثار من الاستغفار والتلفظ بالتوبة من جميع المخالفات، مع الاعتقاد بالقلب، وأن يكثر من البكاء مع الذكر والدعاء، فهناك تسكب العبرات وتستقال العثرات وترتجى الطلبات، وإنه لمجمع عظيم وموقف جسيم، يجتمع فيه خيار عباد الله المخلصين وخواصه المقربين، وهو أعظم مجامع الدنيا.
وقيل: إذا وافق يوم عرفة يوم جمعة غُفر لكل أهل الموقف، وثبت في صحيح مسلم عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ قال: ((ما من يوم أكثر من أن يعتق الله تعالى فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه يباهي بهم الملائكة يقول: ما أراد هؤلاء؟)).
стр. 327
وروينا عن طلحة بن عبيد الله -أحد العشرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما رؤي الشيطان أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة)) وما ذاك إلا أن الرحمة تنزل فيه، فيتجاوز الله عن الذنوب العظام.
وعن الفضيل بن عياض ﵁ أنه نظر إلى بكاء الناس بعرفة فقال: "أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل واحد فسألوه دانقًا، أكان يردهم؟ قيل: لا. قال: والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل بدانق".
وعن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃ أنه رأى سائلًا يسأل الناس يوم عرفة فقال: "يا عاجز، أفي هذا اليوم تسأل غير الله تعالى".
فرع:
ومن الأدعية المختارة: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم. اللهم اغفر لي مغفرة من عندك تصلح بها شأني في الدارين، وارحمني رحمة منك أسعد بها في الدارين، وتب عليّ توبة نصوحًا لا أنكثها أبدًا، وألزِمني سبيل الاستقامة لا أزيغ عنها أبدًا. اللهم انقلني من ذل المعصية إلى عز الطاعة، وأغنني بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، ونوِّر قلبي وقبري وأعذني من الشر كله، واجمع لي الخير كله، وأستودعك ديني وأمانتي وقلبي وبدني وخواتيم عملي، وجميع ما أنعمت به علي، وعلى جميع أحبائي والمسلمين أجمعين.
الحادية عشرة: الأفضل للواقف ألا يستظل، بل يبرز للشمس إلا لعذر بأن يتضرر، أو أن ينقص دعاؤه واجتهاده.
стр. 328
الثانية عشرة: ينبغي أن يبقى في الموقف حتى تغرب الشمس، فيجمع في وقوفه بين الليل والنهار، فإن أفاض قبل غروب الشمس فعاد إلى عرفات قبل طلوع الفجر، فلا شيء عليه، وإن لم يعد أراق دمًا. وهل هو واجب أو مستحب؟ فيه قولان للشافعي -رحمه الله تعالى- أصحهما أنه مستحب، والثاني واجب، وهذا فيمن حضر نهارًا، أما من لم يحضر فلا شيء عليه ولكن فاتته الفضيلة.
الثالثة عشرة: ليحذر كل الحذر من المخاصمة والمشاتمة والمنافرة والكلام القبيح، بل ينبغي أن يحترز عن الكلام المباح ما أمكنه؛ فإنه تضييع للوقت المهم.
الرابعة عشرة: ليستكثر من أعمال الخير في يوم عرفة، وسائر أيام عشر ذي الحجة، فقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما العمل في أيام أفضل منه في هذه الأيام -يعني أيام العشر- قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بماله ونفسه فلم يرجع بشيء)) وأيام العشر هي الأيام المعلومات، وأيام التشريق هي الأيام المعدودات.
السنة للإمام إذا غربت الشمس وتحقق غروبها أن يفيض من عرفات، ويفيض الناس معه، ويؤخر صلاة المغرب بنية الجمع إلى العشاء، ويكثر من ذكر الله تعالى، والسنة أن يسلك في طريقه إلى المزدلفة على طريق المأزَمَين، وهو بين العَلَمين الذين هما حد الحرم من تلك الناحية، والمأزَم: هو الطريق بين الجبلين، وحد المزدلفة ما بين مأزمي عرفة المذكورين.
стр. 329
الدفع إلى منى:
السنة أن يقدم الضعفة من النساء وغيرهن قبل طلوع الفجر إلى منى؛ ليرموا جمرة العقبة قبل زحمة الناس، ويكون تقديمهم بعد نصف الليل، وأما غيرهم فيمكثون حتى يُصلوا الصبح بمزدلفة، فإذا صلوها دفعوا متوجهين إلى منى، فإذا وصلوا قزح -وهو آخر المزدلفة وهو جبل صغير وهو المشعر الحرام- صعده إن أمكنه، وإلا وقف عنده أو تحته، ويقف مستقبل الكعبة فيدعو ويحمد الله تعالى ويكبره ويهلله ويحمده، ويكثر من التلبية.
واستحبوا أن يقول: اللهم كما أوقفتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة: ١٩٨، ١٩٩) ويكثر من قوله: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ويدعو بما أحب ويختار الدعوات الجامعة، وبالأمور المهمة ويكرر دعواته.
أ- حكم رمي الجمرات:
ذهب جمهور العلماء إلى أن رمي الجمار واجب وليس بركن، وأن تركه يُجبر بدم لما رواه أحمد ومسلم والنسائي عن جابر ﵁ قال: ((رأيت النبي ﷺ يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر، ويقول: لتأخذوا عني مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)).
стр. 330
ب- استحباب التكبير والدعاء مع كل حصاة:
عن عبد الله بن مسعود وابن عمر ﵄ أنهما كانا يقولان عند رمي جمرة العقبة: "اللهم اجعله حجًّا مبرورًا وذنبًا مغفورًا". وعن إبراهيم أنه قال: "كانوا يحبون للرجل إذا رمى جمرة العقبة أن يقول: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا وذنبًا مغفورًا. فقيل له: تقول ذلك عند كل جمرة؟ قال: نعم". وعن عطاء قال: "إذا رميت فكبر وأتبع الرمي التكبيرة" روى ذلك سعيد بن منصور. وفي حديث جابر ﵁ عند مسلم ((أن رسول الله ﷺ كان يكبر مع كل حصاة)). قال في (الفتح): "وأجمعوا على أن من لم يكبر لا شيء عليه". وعن سلمان بن الأحوص عن أمه قالت: ((رأيت رسول الله ﷺ عند جمرة العقبة راكبًا، ورأيت بين أصابعه حجرًا فرمى ورمى الناس معه)).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 331
الدرس: ٢١ من أساليب الإقناع العقلي ووسائله .
стр. 332
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الحادي والعشرون
(من أساليب الإقناع العقلي ووسائله)
الجدل
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
أ- الجدل:
الجدل: نقاش بين طرفين متخاصمين، وجاء لفظ الجدل مصرحًا به في القرآن الكريم في نحو سبع وعشرين آية، وهو نوعان: جدل مذموم وجدل ممدوح، فالجدل المذموم هو الجدل في تقرير الباطل والدفاع عنه، وعلى سبيل المثال:
١ - الجدل في الله وآياته بغير علم وبهدف التشكيك.
٢ - جدال الكفار.
٣ - الجدال في الحج، ورسول الله ﷺ ينهى عن هذا النوع من الجدل فيقول: ((أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا)).
وأما الجدل المحمود فهو كل جدل أيّد الحق ودعوة الخلق إلى سبيل الله، والذب عن دين الله تعالى، وهو منهج الدعاة إلى الله تعالى من الأنبياء وغيرهم، بأن يجادلوا المعاندين وأهل الباطل بالحجة والبرهان؛ لإثبات الحق والدفاع عنه وقرع حجج المبطلين.
ب- جدل القرآن:
الجدل القرآني أسلوب من أساليب الدعوة، ويقوم بدوره على وجه كامل، وذلك على النحو التالي:
١ - الإقناع العقلي المجرد:
خاطب الجدل العقل وناقش الخصوم مناقشة تعتمد على كثير من المسلَّمات، حتى يقطعوا بصحة المدعي أمامهم، وكأن الجدل في هذا المعنى يستنتج النتائج
стр. 333
الصحيحة بعد ذكره للمقدمات الصادقة. ذكر السيوطي أن الإسلاميين من علماء الكلام استنتجوا من أول سورة الحج إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (الحج: ٧) خمس نتائج وعشر مقدمات لها.
أما النتائج فقد احتواها قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾. (الحج: ٦، ٧).
وأما المقدمات العشر فهي سهلة الإيراد وذلك أن الله أخبر عن يوم القيامة وزلزلة الساعة، وذلك حق منقول إلينا بالتواتر، ولا يخبر بالحق عما سيكون إلا الحق، فالله هو الحق، وأخبر عن أهوال الساعة، وعن قدرته الشاملة، ولابد للساعة من إحياء الموتى فالله القادر يحيي الموتى سيعاقب المعاندين وسيثيب الطائعين، وأخبر عن الساعة وخلق الإنسان من تراب، وإماتته بعد ذلك، وخلق الأرض، وصدق خبره في كل ذلك بدلالة الواقع، ومن صدق خبره في ذلك صدق في أخباره عن مجيء الساعة، فصدق أن الساعة آتية لا ريب فيها، ولا تأتي الساعة إلا ببعث مَن في القبور، فثبت أن الله يبعث من في القبور.
وهذه المقدمات العشر جاءت في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ (الأنبياء: ١ - ٥).
وهكذا نجد النتائج أمام العقل ثابتة صادقة، وهي نتائج ذا تأثير نفسي بالغ، فهي لا تقف عند شكلية القياس، بل تجعل المجادِل كلما وصل إلى نتيجة ازداد إيمانًا وتصديقًا، حيث تشمل النتائج على إبراز حقيقة الألوهية، وقدرة الله ، وتخبر
стр. 334
عن إحياء الموتى، وبعثهم في يوم الساعة الآتية بلا ريب، وتتحدث عن ضرورة الحساب على الأعمال.
ومن أجل الوصول بالعقل إلى اقتناع كامل بالشيء، الذي هو محل الجدل، رأينا الجدل يأتي بالأمر المتناقش فيه، ويحلله إلى منتهى أقسامه ويرد كل قسم على حدة، لينتهي أخيرًا إلى الرأي الحق، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: ٢٨) فترى هذه الآية تقسم الرأي في موسى عقليًّا؛ لأنه إما أن يكون كاذبًا وأما أن يكون صادقًا، فإن كان كاذبًا فكذبه عليه لا يتعداه، وإن كان صادقًا فاتباعه نفع وفوز ونجاة، والتقسيم يؤدي في النهاية إلى عدم التعرض لموسى ﵇، وعدم محاولة قتله.
ومن هذا قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنعام: ١٤٣، ١٤٤).
وقد رد الله في هذه الآيات على اليهود تحريمهم لذكور الأزواج المذكورة تارة، وتحريمهم لإناثها تارة ثانية، وتحريمهم لما في أرحام الإناث حسب ما اتفق تارة ثالثة، فجادلهم الله في رده بطريق السَّبر والتقسيم، فبيّن أنه خلق من كل زوج مما ذكر ذكرًا وأنثى، وسألهم عن سبب التحريم وعلته؛ لأن العلة إما أن تكون
стр. 335
بسبب الذكورة أو بسبب الأنوثة، أو بسبب الذكورة والأنوثة معًا، أو بسبب خارج عن حدود مصدر الشيء المحرم، كأن ينزل بها وحي من الله، وتلك هي أسباب التحريم كلها، ولا يُعقل سبب سواها.
ويترتب على هذه الأسباب أن يحرم الذكورة والأنوثة معًا، أو يحرم ما فصله الوحي إن كان هو السبب، لكن السبب المشاهد أن اليهود يحرمون على هواهم، فيحرمون هذا تارة وذاك تارة أخرى، ويحلون الشيء بعد تحريمه، وقد حصر الله علة التحريم الممكنة، وسألهم عن تحديدها إن وُجدت، وبذلك أبطل فعلهم، وأثبت أن ما قالوه ضلال وكذب، وهكذا بالسبر والتقسيم ينزاح الشك، وتستريح النفس، ويتيقن العقل المجرد والفهم السليم.
٢ - مراعاة الطبائع النفسية:
يعتز الإنسان برأيه وبفكرته وإن كانت خاطئة، والمعاندون أكثر الناس تشددًا في هذا المجال، والجدل يراعي هذه الناحية في مناقشاته، حيث نرى في في طرق الجدل ما عُرف بطريقة مجاراة الخصم، ومجمل هذه الطريقة أن يسلم المجادل ببعض مقدمات الخصم؛ للإشارة إلى أن هذه المقدمات لا تنتج ما يريد أن يستنتجه، وإنما هي بعيدة عنه.
ومن أمثلة هذه الطريقة قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (إبراهيم: ١٠، ١١) فدعوى الخصم أن الرسل بشر، والبشر لا يستطيعون أن يتلقوا وحي الله، وهم بدعوى الرسالة يريدون صد أقوامهم عن عبادة الآباء والأسلاف.
стр. 336
وبملاحظة رد الرسل عليهم نرى التسليم للخصوم بأنهم بشر، ويذكرون أن البشرية لا تتنافى أن يمن الله بالرسالة على من يشاء من البشر.
وفي هذا النوع من الجدل استدارج للخصم واستجلاب لإصغائه، وربما كان من الممكن بهذه الطريقة ثنيه عن الإنكار، بعد بيان فساد العلاقة بين القضية المسلَّمة والنتيجة التي رُتبت خطأ عليها.
يقول الشهرستاني: "واعلم أن الموافقة في العبارة على طريق الإلزام على الخصم من أبلغ الحجج، وأوضح المناهج، ومن طرق الجدل التي تساير الطبائع الإنسانية، وتُرضي الغرائز البشرية ما عرف بقياس الخَلف، وهو جدل يثبت الأمر بإبطال نقيضه. ومثاله قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (النساء: ٨٢) فقد أثبت قول الله هذا أن القرآن من عند الله تعالى، بإبطال أنه من عند الله؛ لأنه خلا من الاختلاف اللازم له لو كان من عند غير الله".
ومن الطرق التي تراعي هذه الطبائع ما نلمسه من بعض صور الجدل، التي تتجه إلى مناصحة المدعو وإرشاده، والأخذ بيده إلى الصواب، وتوجيه نظره إلى ما حوله ليأخذ منه الفائدة، وهذه السور تراعي الجدل في ثناياها، وترد عليها في إجمال وتدليل.
ومن أمثاله قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: ١ - ٩).
стр. 337
فقد لاحظت هذه الآيات أقوال الخصوم واعتراضاتهم، من غير أن توردها، وردت عليها في إيجاز ودليل ملموس، وبذلك تأخذ بيد المستمع إلى الحق عن طريق وضع الأدلة السهلة الواضحة.
ومن الطرق التي راعت طبائع الناس: مجاملة الخصوم وعدم الرد المباشر على دعاويهم، مع عدم التسليم بها، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (سبأ: ٢٤) وكقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ (الزخرف: ٨١) وذلك لأن المجاملة أدعى إلى الطاعة وأقوى في التأثير.
٣ - ملاحظة التنوع البشري:
يختلف الناس في مجادلاتهم؛ فمنهم المجادل العنيد، ومنهم المناقش السهل، ولقد راعى الجدل هذه الاختلافات، فمع العناد يلجأ إلى إفحام الخصم وإلزامه، ثم يأخذ بيده إلى الحقيقة، ويبينها له في وضوح، فلقد كان المعاندون يطلبون في إصرار أن يكون الرسول ملكًا؛ لإزالة اللبس من إرسال البشر، فرد الله إصرارهم في وضوح وإيجاز، وعرفهم لو أنه لو أرسل ملكًا على صورته الملكية لهلك الناس من رؤيته، ولو جعله على صورة البشرية -يعايشهم ويدعوهم في بشريته هذه- لبقي اللبس وطلبوا ملكًا آخر، وهكذا في تسلسل لا ينتهي، وهو محال نشأ من طلبهم المحال، وعليهم بعد ذلك أن يُسلموا بالرسول البشر.
ومن أمثلة هذه المراعاة قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ (الأنعام: ٩١) وفي هذه الآية بيان لإنكار اليهود إنزال الوحي على بشر هو محمد، بينما هم يؤمنون برسالة موسى ﵇. وقد رد الله عنادهم
стр. 338
وأفحمهم بأخصر طريق بسؤالهم عن المسلَّمات عندهم، وهي من نوع ما ينكرون، ولذلك سألهم عن الكتاب الذي جاء به موسى، عن من أنزله عليه؟
وحينما يبدأ المعاند في إنكار المسلمات، بإلقاء شبهه عليها، نجد القرآن الكريم -لأن قصده الحق- يأتي بطريقة تُعرف بالانتقال، حيث يترك ما أُلقيت عليه شبهة الخصم، وينتقل إلى ما لا شبه فيه، وذلك كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ٢٥٨).
فإن النمرود قد جادل في الأمور المسلمة، وادعى قدرته على الإحياء والإماتة، وبرغم بطلان ادعائه، فإن إبراهيم ﵇ لا يناقشه فيه، بل ينتقل إلى استدلال آخر لا يجد الملك فيه وجهًا يتخلص به منه، فقال ﷺ : ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ (البقرة: ٢٥٨) وفي هذا إفحام وإلزام للملك المعاند المكابر؛ لأنه لا يظنه أن يقول أن الآتي بالشمس من المشرق؛ لأن من أسن منه يكذبه.
ومن هذا الانتقال قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: ٨) وفي هذه الآية إفحام للمنافق، ورد لقوله الذي يزعم عزة المنافقين وذلة المؤمنين، إذ تثبت عزًا وذلًا ولا تنكرهما، لكنها تجعل العزة للمؤمنين والذلة للمنافقين.
أما إن كان الخصم سهلًا لينًا؛ فإن الجدل يلين معه في المناقشة، ويرده إلى أمور مسلمة ابتداء، وذلك كقوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ (الأنعام: ١٠١) فقد
стр. 339
استدل على بطلان أن يكون له ولد بأمر معروف مألوف، لا يماري فيه أحد، وهو أنه لو كان له ولد لكانت له صاحبة، ولم يدع أحد أن له صاحبة، فيجب ألا يكون له ولد.
وأما إن كان الخصم من المكابرين، الذين لا يستفيدون مطلقًا، فإن الجدل يضع معهم حدًا حتى لا يخرج الجدل عن الحسنى، التي أمر الله أن يتحلى بها جدل الدعوة، وذلك كقوله تعالى للكافرين: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (الكافرون: ٦) فقد وضع هذا الجدل حدًا للنقاش مع هؤلاء الكافرين المكابرين.
يقول الإمام الخازن: "والمخاطبون بهذه الصورة كفرة مخصوصون، قد سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون، ولذلك أمر الله رسوله أن يترك الجدل معهم، ويعرفهم أن له دينه ولهم دينهم، والأمر لله بعد أن أوضح الحجة وألزمهم المحجة".
٤ - الترغيب والترهيب:
يراعي الجدل القرآني هذا النوع في الخطاب؛ لأن الإنسان يحب الخير ويسعى إليه، ويكره الألم وينفر منه، ولهذا الغرض يسوق القرآن حوارًا يجري بين أهل الجنة وأهل النار، فيقول تعالى: ﴿نَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (الأعراف: ٤٤) والوعد المسئول عنه أشياء جاءت على ألسنة الرسل، تظهر في الآخرة، كالبعث والحساب ونعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار، ومجرد اعتراف الكفار بوقوع الوعود به يثير وجدان الكافرين، ويجعلهم يرهبون مصيرهم بسبب الكفر، ويحاولون النجاة.
ويقول تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (الأعراف: ٥٠) هذه الآية تبين
стр. 340
أن الجنة فوق النار، وأن ماءها العذب اللذيذ كثير، فيه فيض وسعة، إلا أنه مع كثرته محرم على الكافرين.
وهكذا يقدم الجدل القرآني صورا متعددة من مناقشة الخصوم، مما جعله أسلوبًا ناجحًا للدعوة، تملك التأثير في الناس وهدايتهم إلى الصواب، فالجدل أسلوب للدعوة، يحتاج الرسل والدعاة إلى معرفة الجدل؛ ليؤثروا في معارضيهم؛ لأن تغيير العقائد ليس أمرًا سهلًا، وقد أعطى الله رسله البيان وأرسلهم بلغة أقوامهم، ومنحهم القدرة على المخاصمة؛ لكي يردوا جدل المعارض ويقنعوا السائل، ويأخذوا بيد الجميع عن طريق المناقشة الحرة العاقلة.
والجدل بالحسنى أسلوب حسن للدعوة، فهو أولًا يبين للداعية بعض ما سوف يصادفه من أعداء دعوته، ويبصره بمشاق الطريق الذي سوف يسلكه، وذلك لأن المعارضين دائمًا يقفون ضد دعوة التغيير، فإذا لاحظنا أن الدعوة الإسلامية تطالب المعاندين بتغيير جذري، يشمل الحياة كلها، لظهر سر قوة المخاصمة وشدة العناد، وإذا ما علم الداعية أنه أمام موقف صلب من الناس، لزمه أن يستعد له بقوة عقلية ونفسية، ويخوض طريقه الصعب صابرًا محتملًَا.
والنبي ﷺ هو القدوة في هذا المجال، فلقد كان القوم يحاولون هدم رأيه، ويصفونه بمختلف الأكاذيب، ومع ذلك يذكر الجدل أنه كان يقف يرد رأيهم ويثبت ضلالهم. يقول تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (سبأ: ٤٣). فهؤلاء الكفار حينما سمعوا رسول الله ﷺ يتلو عليهم الآيات البينات، ويذكرهم بالأدلة الواضحة قالوا: إن محمدًا رجل كاذب وساحر، يهدف إلى إبعاد الناس عن دين آبائهم، وقرآنه كلام
стр. 341
مختلق، ودينه سحر مبين، فتراهم اتهموا رسول الله ﷺ وكتابه ورسالته خصومة وجدلًا.
إن الله مع من يدعو إلى دينه يدافع عنه وينصره، ولذلك أمر رسول الله ﷺ أن يرد بالطريقة الجدلية على اتهامات معارضيه، فلئن تباهوا بما لهم من مال وولد، وظنوا أن ذلك يدفع العذاب عنهم، وقالوا: نحن أكثر أموالًا وأولادًا وما نحن بمعذبين، فإن الله تعالى يُعلم رسوله الرد ويأمره، فيقول تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ (سبأ: ٣٦، ٣٧).
وهكذا يرد الله مباهاتهم بمالهم؛ لأن هذا المال رزق أعطاه الله لهم، وهو قادر على إزالته من ملكيتهم، ولن يكون المال أيًّا كان بمقرب من الله والجنة، ومانع من العذاب والنار، ولكن الإيمان والعمل الصالح هما أساس الحساب خيرًا كان أو شرًا.
ولئن وجهوا اتهاماتهم إلى القرآن الكريم، وقالوا: أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا، فإن الله يُعلم رسوله الرد، ويأمره به في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الفرقان: ٦).
ولئن كانوا يستبعدون القيامة ويقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، فإن الله يأمر الرسول ﷺ بالرد فيقول: ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ (سبأ: ٣٠).
ومن هذه الآيات نرى أن مجادلة النبي ﷺ هادفة، فهو يأخذ مكابراتهم ويرد عليها ردًا مقنعًا قاصرًا على المعترض عليه. والداعية يأخذ من هذه المواقف صورة التأييد الإلهي لرسوله ﷺ الداعية الأول، ويسير على الدرب في الدعوة، متوقعًا
стр. 342
المعارضة البشرية، متأكدًا من التأييد الإلهي، ويجب عليه أن يصبر على كل ما يلقاه، فلقد أمر الله الرسول من قبل بقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ (المزمل: ١٠) أي: إذا دعوتهم وعارضوك وتقوّلوا عليك الأقاويل فاصبر عليهم، وتجلد لقولهم، وأعرض عنهم إعراضًا لا يشوبه أذى ولا شتم ولا مقاومة، وعليك أن تكل الأمر إلى الله تعالى في النهاية.
والجدل ثانيًا يبصر بالدعوة ويبين أساسياتها، ويعرض القرآن في هذا الموضوع جدل سيدنا إبراهيم مع النمرود إثباتًا للألوهية. يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ٢٥٨).
فهذا جدل حول إثبات الألوهية بأدلتها، تراها أدلة مفحِمة ملزمة من أقرب الطرق، وقد ترك سيدنا إبراهيم دليل الإحياء والإماتة، حينما أوجد النمرود شبهة شكلية عليه، وانتقل إلى دليل لا شبهة فيه عند النمرود، وهو مطلع الشمس ومغربها، وهنا بهت النمرود.
المحاجة، والمناظرة، والمحاضرة، والندوة، والدرس الديني
من وسائل الإقناع: المحاجة:
المحاجة تعني: قدرة الفرد على تفنيد ودحض حجج الطرف الآخر بالأدلة والبراهين، الاستدلالية والواقعية، وحثه على التخلي عنها، والدفاع في الوقت نفسه عن آرائه، وتقديم حجج لإقناع الطرف الآخر بها، وذلك حين يتحاجون حول قضية خلافية.
стр. 343
ينطوي هذا التعريف على أن المحاجة تتضمن عمليتين رئيسيتين؛ هما:
١ - التفنيد: وهي عملية يتم بموجبها إثبات أن صحة حجة الطرف الآخر، أو النتيجة المترتبة عليها، أو المستمدة منها -زائفة أو خاطئة أو ذات قيمة مشكوك فيها.
٢ - الإقناع: من خلال الاستعانة بمجموعة من الحجج التي يستدل منها الفرد على صحة دعواه.
وحري بالذكر أن هناك بعض المفاهيم المتداخلة مع مفهوم المحاجة، من قبيل الجدل، ويفضل الباحث في هذا السياق استخدام لفظ المحاجة، على الرغم من عدم شيوعه على لفظ الجدل، رغم ذيوعه؛ لأن مفهوم الجدل ارتبط تاريخيًا ولغويًا بمدلولات، تعمل على نشأة تصورات سلبية عنه في أذهان الناس.
ومثال للمحاجة: محاجة إبراهيم ﵇ مع أبيه وقومه، في قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْم إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: ٧٤ - ٨٢)
стр. 344
المناظرة:
المناظرة أسلوب علمي من أساليب الدعوة المباشرة، وصورتها أن يتخير الدعاة موضوعًا مثارًا بين الناس، اختلفت الآراء فيه وكثرت المناقشات حوله، وبعد ذلك يقوم الداعية باختيار عدد من العلماء المهتمين بالموضوع المثار، شريطة أن يمثلوا جميع الاتجاهات حول الموضوع، ويقوم كل منهم بالإعداد لتوجهه، على أن يحدَّد موعد ومكان للقاء يدعى إليه الناس، وكل من يهمه هذا الموضوع.
المحاضرة:
المحاضرة حديث طويل يلقى مباشرة على المستمعين، والمحاضر يختار موضوعه مما يعرض له من مشاكل الحياة والناس، وهذا يجعله قريبًا من قلوب الناس محبوبًا لديهم، ويجب أن يكون الموضوع المختار مدروسًا دراسة وافية مستفيضة، بعد تحضير طويل وعميق، محللًا إلى عناصر بارزة، وخطوات واضحة مرتبة ترتيبًا طبيعيًا، ينتقل بالسامع من حلقة إلى حلقة، ويفضي في النهاية إلى ختام يستحسنه المستمع.
والذي يقوم بإلقاء المحاضرة هو الشخص الذي حضر الموضوع وجهزه، وفي أحيان قليلة نادرة يقوم بإلقائها شخص آخر نيابة عن المحضِّر.
والمحاضرة عادة تكون من أهل التخصص الدقيق، ويصاحبها استعداد خاص كتجهيز مكان، والإعلان المسبق عن موضوعها.
لقد ذكر الأستاذ البهي الخولي تخطيطًا لمحاضرة في موضوع مقومات الإنسان الفاضل، نوجزها هنا استفادة بها لأهميتها.
стр. 345
يقول الأستاذ البهي: "إن من السهل عليك أن تفترض في هذا الإنسان أن له رسالة في الحياة، يعمل جاهدًا لتحقيقها، وهو عزيز برسالته؛ لأن الإنسان الذي يعيش بلا غاية معينة ولا مبدأ معروف يشبه السوائم المهملة، أما هذا فهو صاحب رسالة وهدف.
وأخيرًا لا بد لعبد العزة والرسالة من العلم؛ ليكون من أمره على بصيرة وهدى، ومن لا علم له لا بصر له".
تقوم المحاضرة إذن على بيان مقومات الشخصية الفاضلة، وهي العزة والرسالة والعلم، وتوضيح دور هذه المقومات في النشاط والحركة، فإذا وضح المحاضر ذلك اقتنع السامع بالمحاضرة.
ويمكن للمحاضر أن يقسم الدعائم الأساسية إلى عناصر فرعية، ويستحضر لكل عنصر ما يؤكده ويوضحه من كتاب الله، ومن سيرة رسوله ﷺ ومن سيرة صحابته الكرام، ومن حركات التاريخ وحوادث الزمان التي تُسمع أو تُقرأ أو تُشاهد.
وعلى هذا فعناصر المحاضرة الرئيسية هي:
أ- أهمية العلم للإنسان فردًا وجماعة.
ب- ضرورة محافظة الإنسان على إنسانيته.
جـ- دعائم الإنسانية الفاضلة: العزة والثقة.
د- لا بد للإنسان من هدف وغاية.
هـ- آثار الالتزام بدعائم العزة على صاحبها.
стр. 346
وعلى المحاضر أن ينظر في الدعائم فيحدد معناها وطرق تحقيقها، والمحافظة عليها، فمثلًا يجد أن العزة معناها أن لا يُذل المرء لمخلوق مثله، ويجد أن الإسلام يغرس العزة في نفس المسلم؛ لأنه من ناحية ابتغاء المنافع والخوف على الأرزاق قد علم أن رزقه في السماء، وما كان في السماء فهو مصون لا تتطاول إليه يد عابث في الأرض، ولا بد من الحملة على الرجل الذليل بمقارنته بالرجل العزيز، فنجد أن عناصر العزة هي تعريفها، والعوامل التي تحافظ عليها، وفوائدها، والأضرار التي يقع فيها من لا يتمسك بها.
الندوة:
والندوة وسيلة للدعوة الإسلامية، وصورتها أن يجتمع عدد من العلماء والدعاة لمناقشة موضوع ما، على أن يقوم كل منهم بتوضيح جزئية من الموضوع، أمام جمهور يسمعهم ويتابعهم، وبهذا التصور يسمع الناس عددًا من آراء العلماء في موضوع واحد، يكمل بعضهم بعضًا، ويمكن للمستمعين أن يعلقوا على المتحدثين اعتراضًا أو اتفاقًا أو استفهامًا، وحينئذ تعرف المحادثة بأنها محادثة مفتوحة.
الدرس الديني:
الدرس الديني وسيلة جيدة من وسائل الاتصال بالجماهير، وطريق عظيم من طرق الدعوة إلى الله تعالى، وله دوره في تثقيف الناس وتبصيرهم بأمور دينهم، ولن نكون مبالغين إذا قلنا: إن الدرس الديني له الدور الريادي في تثقيف العوام من الناس، وجذبهم إلى دور العبادة، وتعريفهم ما لهم وما عليهم تجاه ربهم وتجاه بعضهم البعض.
стр. 347
والدرس الديني يتميز بالهدوء والأخذ والرد، والدرس الديني كان يسمى في القديم بمجلس الوعظ والذكر، وهي تسمية تنم عن الهدف والغاية من هذه المجالس، فهي ترقق القلوب، وتفسح لها طريق القرب من الله تعالى، بالحب والرجاء تارة، وبالخوف والخشية تارة أخرى، والدرس الديني الذي يؤدى الآن في المساجد أو غيرها ليس مجرد دردشة عادية، أو تضييعًا للوقت بين الصلوات، كما يحدث في بعض الأوقات ومن بعض الناس، كلا، وإنما الدرس الديني الذي نعنيه هو ذلك الدرس الذي يقوم على خطة مدروسة وله منهجه السليم.
أسأل الله أن يوفقكم لما يحبه ويرضاه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.