Полный текст (347 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: ((يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة، لا يوجد مسلم يسأل الله شيئًا إلا آتاه الله، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر)) أخرجه أبو داود والنسائي. وقال ابن عبد البر: "إنه أثبت شيء في هذا الباب، وأكثر الأحاديث على هذا، وبه قال أكثر أهل العلم".
وقيل: إن ساعة الإجابة من وقت جلوس الخطيب على المنبر، إلى أن يفرغ من الصلاة. قال أبو بردة بن أبي موسى الأشعري: "قال لي عبد الله بن عمر: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله ﷺ في شأن ساعة الجمعة؟ قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((هي ما بين أن يجلس الإمام -يعني على المنبر- إلى أن تقضى الصلاة)). واختار ابن القيم أن ساعة الإجابة منحصرة في أحد الوقتين المذكورين، وأن أحدهما لا يعارض الآخر؛ لاحتمال أن يكون ﷺ دل على أحدهما في وقت، وعلى الآخر في وقت آخر، وهذا كقول ابن عبد البر: الذي ينبغي الاجتهاد في الدعاء في الوقتين المذكورين".
ب- من تجب عليهم الجمعة:
والجمعة تجب على المسلم الذكر الحر المكلف المقيم الصحيح، الخالي من الأعذار. عن طارق بن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: ((الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة: مملوك وامرأة وصبي ومريض)) رواه أبو داود وقال: لم يسمع طارق من النبي ﷺ إلا أنه في سنن أبي داود بلفظ: ((عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض)) بلفظ: أو. وفي الباب عن تميم الداري وابن عمر: ((ليس على مسافر جمعة)) وفيه أيضًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((خمسة لا جمعة عليهم: المرأة، والمسافر، والعبد، والصبي، وأهل البادية)).
стр. 282
وإذا عرفت هذا فقد اجتمع من الأحاديث أنها لا تجب الجمعة على ستة أنفس: الصبي، وهو متفق على أنه لا جمعة عليه، والمملوك، وهو متفق عليه إلا عند داود، فقال بوجوبها عليه لدخوله تحت عموم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ (الجمعة: ٩) فإنه تقرر في الأصول دخول العبيد في الخطاب. وأجيب عنه بأنه خصصته الأحاديث وإن كان فيها مقال، فإنه يقوي بعضها بعضًا.
والمرأة، وهو مجمع على عدم وجوبها عليها، وقال الشافعي: "يستحب للعجائز حضورها بإذن الزوج" ورواية البحر عنه أنه يقول بالوجوب عليهن، خلاف ما هو مصرح به في كتب الشافعية. والمريض، فإنه لا يجب عليه حضورها إذا كان يتضرر به، والمسافر لا يجب عليه حضورها، وهو يُحتمل أن يراد به مباشرة السفر.
جـ- وقت الجمعة:
الوقت وإن كان شرطًا لكل صلاة، لكن الجمعة تختص بأنها لا تصح إلا فيها، بخلاف غيرها من الصلوات، فإنها تقضى بعده، ووقتها عند الحنفيين ومالك والشافعي والجمهور وقت الظهر. قال أنس بن مالك: ((كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة إذا مالت الشمس)) أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود والبيهقي والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، وهو الذي أجمع عليه أكثر أهل العلم أن وقت الجمعة إذا زالت الشمس لوقت الظهر.
وقال سلمة بن الأكوع: ((كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء)) أخرجه أحمد ومسلم والبيهقي.
ويمتد وقتها إلى آخر وقت الظهر إلحاقًا لها بها لوقوعها موضعها، وتلزم الجمعة بالزوال لأن ما قبله وقت جواز، وفعلها بعده أفضل، خروجًا من الخلاف،
стр. 283
ولأنه الوقت الذي كان ﷺ يصليها فيه في أكثر أوقاته، والأَولى فعلها عقب الزوال صيفًا وشتاء، وصحح بعض الحنابلة أنه لا يدخل وقتها إلا في الساعة السادسة من النهار، وقال: ولنا على جوازها في الساعة السادسة السنة والإجماع؛ أما السنة فما روى جابر بن عبد الله قال: ((كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة، ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس)) أخرجه مسلم. وعن سهل بن سعد قال: ((ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة في عهد رسول الله ﷺ ) متفق عليه.
قال ابن قتيبة: "لا يسمى غداء ولا قائلة بعد الزوال". وقال سلمة: ((كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان فيء)) أي: ليس لها ظل ممتد يستظل به، رواه أبو داود.
وخطبة الجمعة لها شروط، وشروط صحة الجمعة عند الأئمة الأربعة والجمهور لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الجمعة: ٩) والذكر هو الخطبة لاشتمالها عليه أمر بالسعي إليه، فيكون واجبًا؛ لأنه لا يجب السعي لغير الواجب، ولمواظبته ﷺ على الخطبة. قال ابن عمر: ((كان النبي ﷺ يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب ثم يجلس فلا يتكلم ثم يقوم فيخطب)) أخرجه السبعة إلا ابن ماجه، وهذا لفظ أبي داود.
ولم يرد أنه ﵊ أو أحد من الخلفاء الراشدين فمن بعدهم، صلى الجمعة بدون خطبة، فهي من جملة الخصوصيات التي لم يرد إسقاط الركعتين إلا مع مراعتها، فكانت شرطًا.
ويشترط عند المالكية والشافعية خطبتان، وهو مشهور مذهب الحنبلية، ومنه قوله ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) ولم يثبت أنه ﷺ صلى الجمعة بدون
стр. 284
خطبتين. وقال الحنفيون والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وابن المنذر: "الشرط خطبة واحدة، والثانية سنة، وهو رواية عن أحمد" وقال الحسن البصري والظاهرية وابن الماجشون المالكي: "الخطبة مستحبة". قال الشوكاني: "وهذا هو الظاهر" وأجاب عن أدلة الجمهور بما ملخصه:
أ- أن استمراره ﷺ على الخطبة في كل جمعة، فهو مجرد فعل لا يفيد الوجوب، فضلًا عن الشرطية.
وقوله ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) لا يدل على وجوب الخطبة؛ لأنها ليست صلاة، بل ولا يدل على وجوب الصلاة على الصفة التي كان يصليها؛ لأنه كان يواظب على أشياء ليست واجبة، كما يدل عليه حديث المسيء صلاته، فإنه لم يعلمه التشهد وكان يواظب عليه.
واستدلالهم بقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الجمعة: ٩) يفيد وجوب الخطبة؛ لأن الذكر ليس نصًّا في الخطبة، بل محتمل لها وللصلاة، وحمله على الصلاة أولى للاتفاق على وجوبها، بخلاف الخطبة ففي وجوبها خلاف، ورُد بأن وجوب الخطبتيْن ظاهر من المواظبة عليهما، وهو بيان لصفة صلاة الجمعة الواجبة، وهذا ظاهر مطابق لقواعد الأصول ودقائق الشريعة المطهرة. وأيضًا فإن صلاة الجمعة وجبت بهذه الصفة التي واظب عليها رسول الله ﷺ ، فمن قصر فيها عما كان عليه العمل، فإنه لم يؤد ما وجب عليه، وهو واضح في الشرطية.
ب- بأن تواتر العمل بهذه الصفة من عهد النبي ﷺ إلى الآن، والأحاديث الصحيحة بينت هذه الصفة تفصيلًا، فلم يصلها رسول الله ﷺ مرة بدون خطبتين، وهذه المواظبة المستمرة لا يصح حملها إلا على أنها بيان لهذا الواجب يلحق به في الوجوب.
стр. 285
جـ- بأن تأدية الخطبة داخل تحت كيفية الصلاة المأمور بها في حديث: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) لقيام الخطبتين مقام ركعتين. قال الشيخ منصور بن إدريس: "عن ابن عمر وعائشة: قصرت الصلاة من أجل الخطبتين، فهما بدل ركعتين، فالإخلال بأحدهما إخلال بإحدى الركعتين".
آداب الجمعة
بيان آداب الجمعة على ترتيب العادة، وهي عشر جمل:
الأول: أن يستعد لها يوم الخميس عزمًا عليها واستقبالًا لفضلها، فيشتغل بالدعاء والاستغفار والتسبيح بعد العصر يوم الخميس؛ لأنها ساعة قوبلت بالساعة المبهمة في يوم الجمعة.
قال بعض السلف: "إن لله فضلًا سوى أرزاق العباد، لا يعطي من ذلك الفضل إلا من سأله عشية الخميس ويوم الجمعة".
ويغسل في هذا اليوم ثيابه ويبيضها، ويعد الطيب إن لم يكن عنده، ويفرغ قلبه من الأشغال التي تمنعه من البكور إلى الجمعة، وينوي في هذه الليلة صوم يوم الجمعة؛ فإن له فضلًا، وليكن مضمومًا إلى يوم الخميس أو السبت لا مفردًا فإنه مكروه، ويشتغل بإحياء هذه الليلة بالصلاة وختم القرآن، فلها فضل كثير، وينسحب عليها فضل يوم الجمعة.
الثاني: إذا أصبح ابتدأ بالغسل بعد طلوع الفجر، وإن كان لا يبكر فأقربه إلى الرواح أحب؛ ليكون أقرب عهدًا بالنظافة، فالغسل مستحب استحبابًا مؤكدًا، وذهب بعض العلماء إلى وجوبه. قال ﷺ : ((غسل الجمعة واجب على كل محتلم))
стр. 286
والمشهور من حديث نافع عن ابن عمر ﵄: ((من أتى الجمعة فليغتسل)) وقال ﷺ : ((من شهد الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل)).
وكان أهل المدينة إذا تساب المتسابان يقول أحدهما للآخر: لأنت أشر ممن لا يغتسل يوم الجمعة. وقال عمر لعثمان ﵄ لما دخل وهو يخطب: "أهذه الساعة؟! منكرًا عليه ترك البكور، فقال: ما زدت بعد أن سمعت الأذان على أن توضأت وخرجت، فقال: والوضوء أيضًا، وقد علمتَ أن رسول الله ﷺ كان يأمرنا بالغسل".
وقد عُرف جواز ترك الغسل بوضوء عثمان -رضي الله تعالى عنه- وبما روي أنه ﷺ قال: ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمة، ومن اغتسل فالغسل أفضل)).
من اغتسل للجنابة فليفِض الماء على بدنه مرة أخرى، على نية غسل الجمعة، فإن اكتفى بغسل واحد أجزأه وحصل له الفضل، إذا نوى كليهما، ودخل غسل الجمعة في غسل الجنابة، ومن اغتسل ثم أحدث توضأ ولم يبطل غسله والأحب أن يحترز عن ذلك.
الثالثة: الزينة، وهي مستحبة في هذا اليوم، وهي ثلاثة: الكسوة والنظافة وتطييب الرائحة، أما النظافة فبالسواك وحلق الشعر وقلم الأظافر وقص الشارب، وسائر ما سبق في كتاب الطهارة. قال ابن مسعود: "من قلم أظافره يوم الجمعة أخرج الله منه داء، وأدخل فيه شفاء".
وأحب طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه، وروي ذلك في الأثر. قال الشافعي ﵁: "من نظف ثوبه قَلَّ همه، ومن طاب ريحه زاد عقله".
стр. 287
وأما الكسوة فأحبها البياض من الثياب؛ إذ أحب الثياب إلى الله تعالى البيض، ولا يلبس ما فيه شهره، ولبس السواد ليس من السنة ولا فيه فضل، بل كره جماعة النظر إليه؛ لأنها بدعة محدثة بعد رسول الله ﷺ ، والعمامة مستحبة في هذا اليوم.
الرابع: البكور إلى الجامع، ويستحب أن يقصد الجامع من فرسخين وثلاث وليبكر، ويدخل وقت البكور بطلوع الفجر، وفضل البكور عظيم، وينبغي أن يكون في سعيه إلى الجمعة خاشعًا متواضعًا، ناويًا للاعتكاف في المسجد إلى وقت الصلاة، قاصدًا للمبادرة إلى جواب نداء الله إلى الجمعة إياه، والمسارعة إلى مغفرته ورضوانه، وقد قال ﷺ : ((من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما أهدى دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما أهدى بيضة، فإذا خرج الإمام طويت الصحف ورفعت الأقلام، واجتمعت الملائكة عند المنبر يستمعون الذكر، فمن جاء بعد ذلك فإنما جاء لحق الصلاة، ليس له من الفضل شيء)).
والساعة الأولى إلى طلوع الشمس، والثانية إلى ارتفاعها، والثالثة إلى انبساطها حين ترمد الأقدام، والرابعة والخامسة بعد الضحى الأعلى إلى الزوال، وفضلها قليل، ووقت الزوال حق الصلاة ولا فضل فيه، وقال ﷺ : ((ثلاث لو يعلم الناس ما فيهن لركضوا ركض الإبل في طلبهن: الأذان والصف الأول والغدو إلى الجمعة)). وقال أحمد بن حنبل ﵁: "أفضلهن الغدو إلى الجمعة". وفي الخبر: إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المساجد، بأيديهم صحف من فضة وأقلام من ذهب، يكتبون الأول فالأول على مراتبهم، وجاء في الخبر: إن الملائكة يتفقدون الرجل إذا تأخر عن وقته يوم الجمعة، فيسأل بعضهم بعضًا
стр. 288
عنه ما فعل فلان؟ وما الذي أخره عن وقته؟ فيقولون: اللهم إن كان أخره فقر فأغنه، وإن كان أخره مرض فاشفه، وإن كان أخره شغل ففرغه لعبادتك، وإن كان أخره لهْو فأقبل بقلبه إلى طاعتك.
وكان يُرى في القرن الأول سحرًا وبعد الفجر الطرقات مملوءة من الناس، يمشون في السرج ويزدحمون بها إلى الجامع كأيام العيد، حتى اندرس ذلك فقيل: أول بدعة حدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجامع، وكيف لا يستحي المسلمون من اليهود والنصارى، وهم يبكرون إلى البِيع والكنائس يوم السبت والأحد، وطلاب الدنيا كيف يبكرون إلى رحاب الأسواق للبيع والشراء والربح، فلم لا يسابقهم طلاب الآخرة. ويقال: إن الناس يكونون في قربهم عند النظر إلى وجه الله على قدر بكورهم إلى الجمعة، ودخل ابن مسعود ﵁ بكرة الجامع فرأى ثلاثة نفر قد سبقوه بالبكور، فاغتم لذلك وجعل يقول في نفسه معاتبًا لها: رابع أربعة وأنا رابع أربعة من البكور ببعيد.
الخامس: في هيئة الدخول، ينبغي ألا يتخطى رقاب الناس، ولا يمر بين أيديهم، والبكور يسهل ذلك عليه، فقد ورد وعيد شديد في تخطي الرقاب، وهو أنه يُجعل جسرًا يوم القيامة يتخطاه الناس. وروى ابن جريج مرسلًا أن رسول الله ﷺ بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ رأى رجلًا يتخطى رقاب الناس، حتى تقدم فجلس، فلما قضى النبي ﷺ صلاته عارض الرجل حتى لقيه فقال: "يا فلان، ما منعك أن تجمع اليوم معنا؟ قال: يا نبي الله، قد جمعت معكم، فقال النبي ﷺ : ألم نرك تتخطى رقاب الناس؟! أشار به إلى أنه أحبط عمله.
وفي حديث مسند أنه قال: ما منعك أن تصلي معنا؟ قال: أولم ترني يا رسول الله؟ فقال ﷺ : رأيتك تأنيت وآذيت، أي تأخرت عن البكور وآذيت الحضور".
стр. 289
ومهما كان الصف الأول متروكًا خاليًا فله أن يتخطى رقاب الناس، لأنهم ضيعوا حقهم وتركوا موضع الفضيلة. قال الحسن: "تخطوا رقاب الناس الذين يقعدون على أبواب الجوامع يوم الجمعة، فإنه لا حرمة لهم".
السادس: ألا يمر بين يدي الناس، ويجلس حيث هو إلى قرب أسطوانة أو حائط؛ حتى لا يمرون بين يديه -أعني بين يدي المصلي- فإن ذلك لا يقطع الصلاة ولكنه منهي عنه، قال ﷺ : ((لأن يقف أربعين عامًا خير له من أن يمر بين يدي المصلي)) وقال ﷺ : ((لأن يكون الرجل رمادًا أو رميمًا تذروه الرياح خير من أن يمر بين يدي المصلي)).
وقد روى في حديث آخر في المار والمصلي، حيث صلى على الطريق أو قصر في الدفع، فقال: ((لو يعلم المار بين يدي المصلي والمصلَّى ما عليهما في ذلك، لكان أن يقف أربعين سنة خيرًا له من أن يمر بين يديه)). والأسطوانة: الحائط، والمصلى: المفروش حد للمصلي، فمن اجتاز به فينبغي أن يدفعه. قال ﷺ : ((ليدفعه، فإن أبى فليدفعه، فإن أبى فليقاتله فإنه شيطان)). وكان أبو سعيد الخدري ﵁ يدفع أن يمر بين يديه حتى يصرعه، فربما تعلق به الرجل فاستعدى عليه عند مروان، فيخبره أن النبي ﷺ أمره بذلك، فإن لم يجد أسطوانة فلينصب بين يديه شيئًا طوله قدر ذراع، وليكون ذلك علامة لحده.
السابع: أن يطلب الصف الأول فإن فضله كثير، كما رويناه، وفي الحديث: ((من غسل واغتسل وبكر وابتكر، ودنا من الإمام واستمع، كان ذلك له كفارة لما بين الجمعتين وزيادة ثلاثة أيام)) وفي لفظ آخر: ((غفر الله له إلى الجمعة الأخرى)).
стр. 290
الثامن: أن يقطع الصلاة عند خروج الإمام ويقطع الكلام أيضًا، بل يشتغل بجواب المؤذن ثم باستماع الخطبة، وقد جرت عادة بعض العوام بالسجود عند قيام المؤذنين، ولم يثبت له أصل في أثر ولا خبر، ولكنه إن وافق سجود تلاوة فلا بأس بها للدعاء لأنه وقت فاضل، ولا يُحكم بتحريم هذا السجود فإنه لا سبب لتحريمه، وقد روي عن علي وعثمان ﵄ أنهما قالا: "من استمع وأنصت فله أجران، ومن لم يستمع وأنصت فله أجر، ومن سمع ولغا فعليه وزران، ومن لم يستمع ولغا فعليه وزر واحد". وقال ﷺ : ((من قال لصاحبه والإمام يخطب: أنصت أو مه؛ فقد لغا، ومن لغا والإمام يخطب فلا جمعة له)).
وهذا يدل على أن الإسكات ينبغي أن يكون بإشارة أو رمي حصاة، لا بالنطق، وفي حديث أبي ذر: ((أنه لما سأل أبيّ النبي ﷺ فقال: متى أنزلت هذه السورة؟ فأومأ إليه أن اسكت، فلما نزل رسول الله ﷺ قال له أبيّ: اذهب فلا جمعة لك، فشكاه أبو ذر إلى النبي ﷺ فقال: صدق أبيّ)).
وإن كان بعيدًا من الإمام فلا ينبغي أن يتكلم في العلم ونحوه، بل يسكت ولا يجلس في حلقة من يتكلم، فمن عجز عن الاستماع بالبعد فلينصت فهو المستحب، وإذا كانت تكره الصلاة في وقت خطبة الإمام فالكلام أولى بالكراهة. وقال علي ﵁: "تكره الصلاة في أربع ساعات: بعد الفجر وبعد العصر ونصف النهار والصلاة والإمام يخطب".
التاسع: أن يراعي في قدوة الجمعة ما ذكرناه في غيرها، فإذا سمع قراءة الإمام لم يقرأ سوى الفاتحة، فإذا فرغ من الجمعة قرأ الحمد لله سبع مرات قبل أن يتكلم، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين سبعًا سبعًا، وروى بعض السلف أن من فعله عصم من الجمعة إلى الجمعة، وكان حرزًا له من الشيطان. ويستحب أن
стр. 291
يقول بعد الجمعة: اللهم يا غني يا حميد يا مبدئ يا معيد، يا رحيم يا ودود، أغنني بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك. يقال: من داوم على هذا الدعاء أغناه الله عن خلقه ورزَقه من حيث لا يحتسب، ثم يصلي بعد الجمعة ست ركعات، فقد روى ابن عمر ﵄ ((أنه ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين)) وروى أبو هريرة أربعًا، وروى علي وعبد الله بن عباس ﵃ ستًّا، والكل صحيح في أحوال مختلفة، والأكمل أفضل.
العاشر: أن يلازم المسجد حتى يصلي العصر، فإن أقام إلى المغرب فهو الأفضل، يقال: من صلى العصر في الجامع كان له ثواب الحج، ومن صلى المغرب فله ثواب حجة وعمرة، ولا ينبغي أن يتكلم في الجامع وغيره من المساجد بحديث الدنيا. قال ﷺ : ((يأتي على الناس زمان يكون حديثهم في مساجدهم أمر دنياهم، ليس لله تعالى فيهم حاجة، فلا تجالسوهم)).
كذلك يستحب الإكثار في يومها وليلتها من قراءة القرآن والذكر والدعاء؛ لحديث أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: "من قرأ حم، الدخان في ليلة الجمعة أو يوم الجمعة بنى الله له بيتًا في الجنة" أخرجه الطبراني في (الكبير). وحديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "من قرأ السورة التي يُذكر فيها آل عمران يوم الجمعة صلى الله عليه وملائكته حتى تغيب الشمس". وحديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: ((من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين)) أخرجه النسائي وكذا البيهقي والحاكم مرفوعًا وموقوفًا وقال: "هذا صحيح الإسناد".
فيسن قراءة ما ذُكر كله أو بعضه ليلة الجمعة ويومها، لا على وجه يشوش على مصل أو نائم، أما رفع الصوت بالقراءة في المسجد فمكروه أو حرام، وقال
стр. 292
العلامة الشيخ عبد العزيز المليباري الشافعي: "وسن قراءة سورة الكهف يوم الجمعة وليلتها لأحاديث فيها، وقراءتهما نهارًا آكد، وأولاه بعد الصبح مسارعة للخير، وأن يكثر منها ومن سائر القرآن فيهما، ويكره الجهر بقراءة الكهف وغيرها إن حصل به تأذٍّ لمصل أو نائم، كما صرح به النووي. وقال شيخنا في (شرح العباب): ينبغي حرمة الجهر بالقراءة في المسجد، وحمل قول النووي بالكراهة على ما إذا خيف التأذي، وعلى كون القراءة في غير المسجد".
فهو هو ذا العلامة ابن حجر شارح (العباب) يقول بحرمة رفع الصوت بقراءة سورة الكهف في المسجد، وبيَّن أن قول النووي بالكراهة محمول على ما إذا كانت القراءة خارج المسجد وكان التأذي خفيفًا.
ويسن قراءة سورة: ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ (السجدة: ١، ٢) بعد الفاتحة في الركعة الأولى في صلاة الصبح، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (الإنسان: ١) في الركعة الثانية؛ لحديث ابن عباس ((أن النبي ﷺ كان يقرأ يوم الجمعة في صلاة الصبح: ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ (السجدة: ١، ٢) و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (الإنسان: ١) وفي صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقون)) أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
وظاهره أن النبي ﷺ كان يواظب على قراءة هاتين السورتين في صبح الجمعة، كما يُشعر به لفظ: كان، ويؤيده حديث ابن مسعود: ((أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ (السجدة: ١، ٢) و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (الإنسان: ١) يديم ذلك)) أخرجه الطبراني في (الصغير) بسند رجاله ثقات، وهو عند ابن ماجه غير قوله: يديم ذلك.
وكان ﷺ يقرأ السورتين بتمامهما، خلافًا لما يفعله بعض الناس من الاقتصار على بعضهما، فهو خلاف السنة، وهذا مذهب الشافعي وبه قال الحنفيون وأحمد، إلا أنه تكره المداومة عليهما عندهم. قال في (المحيط): "يستحب قراءة
стр. 293
هاتين السورتين في صبح يوم الجمعة بشرط أن يقرأ غير ذلك أحيانًا؛ لئلا يظن الجاهل أنه لا مجزئ غيره، أو يرى القراءة بغيره مكروهة. وقالت المالكية: يكره تعمد قراءة سورة فيها سجدة في الفريضة، وهو رواية ابن القاسم عن مالك، وروى أشهب عنه جواز قراءة السورة التي فيها السجدة، إذا كان وراء الإمام عدد قليل لا يخاف أن يختلط عليهم".
وقال ابن حبيب: "يجوز قراءة سورة فيها سجدة في الصلاة الجهرية دون السرية؛ لأمن التخليط في الجهرية، ومنهم من علل الكراهة بخشية اعتقاد العوام أنها فرض". قال ابن دقيق العيد: "أما القول بالكراهة مطلقًا فيأباه الحديث، لكن إذا انتهى الحال إلى وقوع هذه المفسدة فينبغي أن تترك أحيانًا لتندفع، فإن المستحب قد يترك لدفع المفسدة المتوقعة، وهو يحصل بالترك في بعض الأوقات".
ولا وجه للقول بالكراهة مطلقًا أو في الصلاة السرية، بل يرده حديث ابن عمر ﵄ ((أن النبي ﷺ سجد في صلاة الظهر ثم قام فركع، فرأينا أنه قرأ تنزيل السجدة)) أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرطهما، فهو يدل على عدم التفرقة بين السرية والجهرية.
فالراجح أن قراءة هاتين السورتين في صبح يوم الجمعة سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ ، ولا وجه للقول بتركها في بعض الأحيان، لخوف اعتقاد العوام الوجوب أو نحوه؛ إذ لا عبرة بتوهم خلاف الوارد، وإلا لتُرك غالب أحكام الشريعة خوف اعتقاد العوام خلاف الوارد، وهو غير معقول.
والحكمة في قراءة النبي ﷺ هاتين السورتين في صبح الجمعة، أنهما تضمنتا ما كان وما يكون في يومها، فإنهما اشتملتا على خلق آدم وعلى ذكر المعاد وحشر العباد، وذلك يكون يوم الجمعة، فكان في قراءتها في هذا اليوم تذكير للأمة بما كان فيه وما يكون، فتكون السجدة جاءت تبعًا وليست مقصودة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 294
الدرس: ١٩ خطبتا العيدين، والخطب الدينية في موسم الحج .
стр. 295
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس التاسع عشر
(خطبتا العيدين، والخطب الدينية في موسم الحج)
صفة صلاة العيد وكيفيتها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
قال الشوكاني في (نيل الأوطار) بعنوان: باب صلاة العيد قبل الجمعة بغير أذان ولا إقامة: "عن ابن عمر ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر يصلون العيد قبل الخطبة)) رواه الجماعة إلا أبا داود.
وفي الباب عن جابر عند البخاري ومسلم وأبي داود قال: ((خرج النبي ﷺ يوم الفطر فصلى قبل الخطبة)). وعن ابن عباس عند الجماعة إلا الترمذي قال: ((شهدت العيد مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة، وفي لفظ: أشهد على رسول الله ﷺ أنه صلى قبل الخطبة)). وعن أنس عند البخاري ومسلم ((أن رسول الله ﷺ صلى يوم النحر ثم خطب)). وعن البراء عند البخاري ومسلم وأبي داود قال: ((خطبنا النبي ﷺ يوم الأضحى بعد الصلاة)) وعن جندب عند البخاري ومسلم قال: ((صلى النبي ﷺ يوم النحر ثم خطب ثم ذبح)) ".
كيفية صلاة العيد:
صلاة العيد ركعتان قبل الخطبة بلا نداء اتفاقًا؛ لقول ابن عمر: ((كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة)) أخرجه الشافعي. ولقول ابن عباس: ((صلى نبي الله ﷺ بالناس يوم الفطر ركعتين، بغير أذان ولا إقامة، ثم خطب بعد الصلاة ... )) الحديث أخرجه أحمد. قال أبو محمد بن عبد الله بن قدامة: "خطبنا خطبة العيدين بعد الصلاة لا نعلم فيه خلافًا بين المسلمين، إلا عن بني أمية، ولا يعتد بخلافهم لأنه مسبوق بالإجماع قبلهم، ومخالف لسنة رسول الله ﷺ الصحيحة، وقد أُنكر عليهم فعلهم وعُد بدعة.
стр. 296
وما روي عن عمر وعثمان أنهما خطبا قبل الصلاة لم يصح، وعلى تقدير صحته فلا يعارض ما ثبت عنه ﷺ وعن خلفائه من طرق صحيحة، أنهم كانوا يصلون قبل الخطبة، وانعقد عليه الإجماع، وتقدم أن ابن الزبير رجع عما كان يراه من تقديم خطبة العيد".
هذا؛ وكيفية صلاة العيد أنه متى دخل وقتها يصلي الإمام ركعتين، فيكبر تكبيرة الإحرام ناويًا بقلبه صلاة عيد الفطر أو الأضحى، ثم يضع يديه على سرته قابضًا اليسرى باليمنى، ويأتي بدعاء الاستفتاح، ثم يكبر سبع تكبيرات أو ستًا رافعًا يديه مع كل تكبيرة، ويفصل بين كل تكبيرتين بسكتة مقدار ثلاث تسبيحات، ثم يتعوذ ثم يبسمل ثم يقرأ الفاتحة وسورة، ثم يركع ويطمئن راكعًا ويرفع مطمئنًا، ويسجد ويطمئن ساجدًا، ويجلس ويطمئن جالسًا، ويسجد ويطمئن ساجدًا، ثم يبتدئ الركعة الثانية بخمس تكبيرات غير تكبيرة القيام، إن كان كبر في الأولى سبعًا أو ستًا، ويبتدئ بالقراءة ثم يركع ويتم الركعة كسائر الصلوات.
وإذا فرغ الإمام من صلاة العيد قام مستقبلًا الناس، وشرع في أداء الخطبة اقتداء برسول الله ﷺ ، ويسن افتتاح الخطبة بحمد الله والثناء عليه، ثم الوعظ والأمر بالطاعة اقتداء بالنبي ﷺ .
قال جابر بن عبد الله: ((شهدت الصلاة مع النبي ﷺ في يوم عيد، فبدأ بالصلاة ثم الخطبة بغير أذان ولا إقامة، فلما قضى الصلاة قام متوكئًا على بلال، فحمد الله وأثنى عليه ووسط الناس، وذكرهم وحثهم على طاعته، ثم مضى إلى النساء ومعه بلال، فأمرهن بتقوى الله ووعظهن، وحمد الله وأثنى عليه، وحثهن على طاعته ثم قال: تصدقن؛ فإن أكثركن حطب جهنم، فقالت امرأة من سفلة النساء سفعاء الخدين: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن
стр. 297
العشير، فجعلن ينزعن حليهن وقلائدهن وقرطهن وخواتمهن، يقذفن به في ثوب بلال يتصدقن به)) أخرجه أحمد ومسلم والنسائي والبيهقي.
وقال ابن عباس: ((شهدت الصلاة يوم الفطر مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم كان يصليها قبل الخطبة ثم يخطب بعد، فنزل النبي ﷺ كأني أنظر إليه يجلس الرجال بيده، ثم أقبل يشقهم حتى جاء النساء ومعه بلال فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ (الممتحنة: ١٢) فتلا هذه الآية حتى فرغ منها، ثم قال: أنتن على ذلك، فقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها منهن: نعم يا نبي الله. قال: فتصدقن، فبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين الفَتَح والخواتم في ثوب بلال)) أخرجه أحمد والشيخان. الفتح أي: الخواتيم العظام، والخواتم أي: الخواتم الصغيرة.
ويسن الإكثار من التكبير أثناء الخطبة؛ لقول سعد المؤذن: ((كان النبي ﷺ يكبر بين أضعاف الخطبة، يكثر التكبير في خطبة العيدين)) أخرجه ابن ماجه.
وقد ذكر الفقهاء أنه يطلب افتتاح الخطبة الأولى بتسع تكبيرات، والثانية بسبع تكبيرات؛ لقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: "السنة أن تفتتح الخطبة الأولى بتسع تكبيرات تترا، والثانية بسبع تكبيرات تترا". أخرجه البيهقي وابن أبي شيبة، لكن عبيد الله المذكور تابعي، وقول التابعي: السنة كذا، ليس ظاهرًا في سنة النبي ﷺ فلا يحتج به، أما إذا قاله الصحابي فيحتج به على الراجح.
قال ابن القيم: "وكان ﷺ يفتتح خطبه كلها بالحمد لله، ولم يحفظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيد بالتكبير، وقد اختلف الناس في افتتاح خطبة العيدين والاستسقاء، فقيل: يفتتحان بالتكبير، وقيل: تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وقيل: يفتتحان بالحمد".
стр. 298
قال شيخ الإسلام تقي الدين: "هو الصواب؛ لأن النبي ﷺ قال: ((كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم)). وكان ﷺ يفتتح خطبه كلها بالحمد لله".
ويسن وقوف الخطيب في العيد على الأرض متكئًا على قوس أو عصا؛ لما روى البراء بن عازب ((أن النبي ﷺ نُووِل يوم العيد قوس فخطب عليه)) أخرجه أبو داود. عند أحمد: ((وأُعطي قوسًا أو عصا فاتكأ عليه)).
وله أن يخطب على راحلة؛ لحديث أبي سعيد الخدري: ((أن النبي ﷺ خطب يوم العيد على راحلته)) أخرجه أبو يعلى بسند رجاله الصحيح.
هذا؛ وإن خطب قاعدًا فلا بأس؛ لأن الخطبة غير واجِهة فأشبهت صلاة النافلة، أما خطبة العيد على منبر فخلاف السنة؛ لقول أبي سعيد الخدري: "أخرج مروان المنبر في يوم عيد فبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام رجل فقال: يا مروان خالفت السنة؛ أخرجت المنبر في يوم عيد ولم يكن يخرج فيه، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة، ولم يكن يُبدأ بها، فقال أبو سعيد الخدري: من هذا؟ قالوا: فلان بن فلان، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من رأى منكم منكرًا؛ فإن استطاع أن يغيره بيده فليغيره بيديه، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي.
كان النبي ﷺ يخرج يوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به صلاة العيد، ثم يقوم فيتوجه إلى الناس والناس جلوس على صفوفهم، فيخطبهم ويعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يخرج طائفة من الجيش إلى جهة من الجهات أخرج، أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف، واستمر العمل على هذه السنة في عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.
стр. 299
فلما كان معاوية وكان مروان أمير المدينة من جهته، وبدأ بالخطبة قبل صلاة العيد، ورأى الغيورون على الإسلام أن عليهم واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن فعل النبي ﷺ واجب الاتباع، وأن عليهم أن ينبهوا الأمير ليعود إلى السنة، من هؤلاء الغيورين أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري، قام إلى مروان وهو يتهيأ للصعود على المنبر، فقال له: "عليك بالصلاة قبل الخطبة؛ سنة رسول الله ﷺ فلم يعبأ به مروان، وقال له: قد تُرك هذا الوضع، فجذب أبو سعيد الخدري مروان من ثوبه ليمنعه من ارتقاء المنبر، فجذبه مروان فارتقى، فقال أبو سعيد: غيرتم والله سنة رسول الله ﷺ ، فقال له مروان: قد ذهب ما تعلم.
قال أبو سعيد: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، وخطب مروان ثم صلى ثم قال لأبي سعيد: إن الناس لم يعودوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلت الخطبة قبل الصلاة للمحافظة على سماعها. قال أبو سعيد: أما أبو مسعود فقد أدى ما عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد أديت ما عليّ، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من رأى أو علم منكم منكرًا فليغيره وليزله بيده، فإن لم يستطع الإزالة باليد فليطلب إزالته وليهاجمه بلسانه، فإن لم يستطع استخدام لسانه فلينكره بقلبه، ومن لم يَكره المنكر ويغضب له في نفسه ويمنعه في دخيلته، ويغار على أمور إيمانه، من لم يفعل ذلك فليس بمؤمن؛ لأن ذلك أضعف الإيمان)) ".
مذهب العلماء كافة: أن خطبة العيد بعد الصلاة. قال القاضي عياض: "هذا هو المتفق عليه من مذاهب علماء الأمصار وأئمة الفتوى، ولا خلاف بين أئمتهم فيه، وهو فعل النبي ﷺ والخلفاء الراشدين بعده، والجمهور على أن مروان أول من قدم الخطبة على صلاة العيد، والحديث الذي معنا نص في هذا، وقيل: إن
стр. 300
عثمان في شطر خلافته الأخير قدم الخطبة؛ لأنه رأى من الناس من تفوته الصلاة، فحرصًا منه ﵁ على إدراك الناس الصلاة قدم الخطبة. وقيل: إن عمر ﵁ قدم الخطبة".
قال النووي بعد أن ساق القولين المذكورين: "وليس ما روي عنهما بصحيح، فالمعتمد في أول من قدم الخطبة هو قول الجمهور، وأنه مروان حين كان أمير المدينة، والسر في عمله هذا أن الناس كانوا ينصرفون عن سماع خطبته، ولم يكن يجلس لها بعد الصلاة إلا عدد قليل، وكان الكثير منهم يتعمدون ترك سماع خطبته لما فيها مِن سب من لا يستحق السب، والإفراط في مدح من لا يستحق، فقصَد إسماع الناس خطبته بهذا الأسلوب، وهل كان دافعه إحراج الناس وإلزامهم سماعه فحسب، أو كان يهدف إلى تحصيل ثواب أكثر لهم بسماعهم خطبة العيد، فسماع الخطبة سنة يثاب عليها، نميل إلى الثاني، والله أعلم بالسرائر".
هذا؛ وبعد أن اشترط العلماء تقديم صلاة العيد على خطبته، اختلفوا فيمن خالف ذلك وقدم الخطبة على الصلاة، فذهب الحنفية إلى أنه يسن تأخير الخطبة على الصلاة، لكن يعتد بها إن قدمت وإن كانت على خلاف السنة، ولا يعيدها بعد الصلاة، وجمهور الفقهاء على أنه لا يعتد بالخطبة إذا قُدمت، ويندب إعادتها بعد الصلاة. وقيد المالكية ندب إعادتها بقرب الزمن عرفًا، فإن طال الزمن بعد الصلاة؛ فلا تعادان.
ومن هذا العرض يتضح أن موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -في هذا الحديث- هو مخالفة سنة، ومنه ندرك مدى غيرة الصحابة على الدين، ومدى قيامهم واهتمامهم بهذا الواجب حتى مع حكامهم، نعم أنكر الرجل بلسانه واكتفى منه أبو سعيد بهذا الإنكار.
стр. 301
فقد أثار الإمام النووي هنا إشكالًا وجوابه، فقال: "قد يقال: كيف تأخر أبو سعيد ﵁ عن إنكار هذا المنكر حتى سبقه إليه هذا الرجل؟ وجوابه أنه يُحتمل أن أبا سعيد لم يكن حاضرًا أول ما شرع مروان في أسباب تقديم الخطبة، فأنكر عليه الرجل، ثم دخل أبو سعيد وهِما في الكلام. ويحتمل أن أبا سعيد كان حاضرًا من الأول، ولكنه خاف على نفسه أو غيره حصول فتنة بسبب إنكاره، فسقط عنه الإنكار، ولم يَخف ذلك الرجل شيئًا لاعتضاده بظهور عشيرته أو غير ذلك، أو أنه خاف وخاطر بنفسه، وذلك جائز في مثل هذا، بل مستحب، ويحتمل أن أبا سعيد هَم بالإنكار فبدره الرجل فعضده أبو سعيد. والله أعلم".
وهذه الاحتمالات التي ساقها النووي جوابًا عن الإشكال، لا تتفق وما رواه مسلم في باب العيدين، فقد روى عن أبي سعيد ((أن رسول الله ﷺ كان يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر، فيبدأ بالصلاة، فإذا صلى صلاته وسلم قام فأقبل على الناس، وهم جلوس في مصلاهم، فإن كانت له حاجة ببعثٍ ذكره للناس، أو كانت له حاجة بغير ذلك أمرهم بها، وكان يقول: تصدقوا تصدقوا تصدقوا، وكان أكثر مَن يتصدق مِن النساء ثم ينصرف)). فلم يزل كذلك حتى كان مروان بن الحكم، فخرجتُ مخاصرًا مروان، أي: يده في يده، حتى أتينا المصلى.
فإذا كثير بن الصلت قد بنى منبرًا من طين ولبن، فإذا مروان ينازعني يده كأنه يجرني نحوه نحو المنبر، وأنا أجره نحو الصلاة، فلما رأيت ذلك منه قلت: أين الابتداء بالصلاة؟ فقال: لا يا أبا سعيد، قد ترك ما تعلم قلت: كلا -والذي نفسي بيده- لا تأتونا بخير مما أعلم، ثلاث مرار، ثم انصرف.
فهذا الحديث يُبْعد تأخر أبي سعيد في الإنكار عن الرجل، ويبعد أن يكون قد سكت خوفًا على نفسه في الوقت الذي لم يخف فيه الرجل، أو خاف وخاطر،
стр. 302
بل هذا الحديث يثبت أن أبا سعيد أنكر المنكر بيده ثم بلسانه، بصورة أشد من صورة إنكار الرجل، والجمع بين الحديثين سهل دون حاجة إلى هذه الاحتمالات، فأبو سعيد حاول منع مروان بيده كما أنكر بلسانه، فلما صعد مروان المنبر أنكر الرجل فأيده أبو سعيد.
ولا إشكال ولا حاجة إلى القول بأنهما قضيتان، هذا وإنما أُخرت الخطبة عن الصلاة لأنها لما كانت غير واجبة جعلت في وقت يتمكن مَن أراد تركها مِن تركها، بخلاف خطبة الجمعة والاستماع لها أفضل، وقد روى عن الحسن وابن سيرين أنهما كرها الكلام يوم العيد والإمام يخطب. وقال إبراهيم النخعي: "يخطب الإمام يوم العيد قدر ما يرجع النساء إلى بيوتهن".
وهذا يدل على أنه لا يستحب لهن الجلوس والاستماع إلى الخطبة؛ لئلا يختلطن بالرجال، وحديث النبي ﷺ في موعظته النساء بعد فراغه من خطبته دليل على أنهن لم ينصرفن قبل فراغه، وسنة النبي ﷺ أحق بالاتباع. قاله أبو محمد بن قدامة.
الجماعة في صلاة العيد:
الجماعة شر ط في صحة صلاة العيد كالجمعة عند الحنفيين وهو رواية عن أحمد، فمن لم يدركها مع الإمام لا يصليها وحده ولو في الوقت عند الحنفيين؛ لأنها لن تعرف قربة إلا بالجماعة، فلا تتم بالمنفرد ويأثم إن فاتته بلا عذر. عن أبي حنيفة: أن من حضر المصلى ولم يدرك صلاة العيد مع الإمام فله أن يصلي ركعتين أو أربعًا.
وقالت الحنبلية: لا يجب قضاؤها بل يستحب؛ لما روي عن أنس أنه كان إذا لم يشهد العيد مع الإمام بالبصرة جمع أهله ومواليه، ثم قام عبد الله بن أبي عتبة مولاه فيصلي بهم ركعتين يكبر فيهما، ولأنها قضاء صلاة فكانت على صفتها كسائر الصلوات. وهو مخير إن شاء صلاها في جماعة كما ذكرنا عن أنس، وإن شاء صلاها
стр. 303
وحده. وعن أحمد أنه يقضيها أربعًا إما بسلام واحد أو بسلامين، وهو قول الثوري لما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "من فاته العيد فليصل أربعًا".
وروي عن علي ﵁ أنه قال: "إن أمرت رجلًا أن يصلي بضعَفة الناس أمرته أن يصلي أربعًا" رواه سعد بن منصور. وقالت المالكية: الجماعة في العيد سنة مؤكدة لمن تلزمه الجمعة، وأمكنه تأديتها مع الإمام، ومن فاتته مع الإمام يندب له صلاتها منفردًا في وقتها، ولا تقضى بعد الزوال. وقال الحسن البصري والشافعية: "الجماعة مندوبة في العيد، فتصح من المنفرد والمسافر والعبد والنساء، وتقضى لو فاتت وهو رواية عن أحمد".
ومن أدرك إمام العيد في التشهد فقد أدرك العيد، فإذا سلم الإمام قام المسبوق فصلى ركعتين، يأتي فيهما بتكبير العيد اتفاقًا؛ لعموم ما تقدم عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)) وهو بعمومه يتناول العيد، ولأنه أدرك بعض الصلاة -التي ليست بدلًا من أربع- فقضاؤها على صفتها كسائر الصلوات.
الخطب الدينية في موسم الحج
يقول الله : ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: ٩٦، ٩٧).
يخبر تعالى أن أول بيت وضع للناس، أي: لعموم الناس، لعبادتهم ونسكهم، يطوفون به ويصلون به ويعتكفون عنده - ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ يعني الكعبة التي بناها
стр. 304
إبراهيم الخليل، ﵇ الذي يزعم كل من طائفتي النصارى واليهود أنهم على دينه ومنهجه، ولا يحجون إلى البيت الذي بناه عن أمر الله له في ذلك، ونادى الناس إلى حجه، ولهذا قال تعالى: ﴿مُبَارَكًا﴾ أي وضع مباركًا وهدى للعالمين.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه، عن أبي ذر ﵁ قال: ((قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام. قال: قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة. قلت: ثم أي؟ قال: ثم حيث أدركتك الصلاة فصلِّ، فكلها مسجد)).
وعن علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: ٩٦) قال: "كانت البيوت قبلة، ولكنه أول بيت وضع لعبادة الله". عن خالد بن عرعرة قال: "قام رجل إلى علي ﵁ فقال: ألا تحدثني عن البيت، أهو أول بيت وضع في الأرض؟ قال: لا، ولكنه أول بيت وضع فيه البركة".
وزعم السدي أنه أول بيت وضع على وجه الأرض مطلقًا، والصحيح قول علي ﵁. وقوله تعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ (آل عمران: ٩٦) بكة: مِن أسماء مكة على المشهور. قيل: سميت بذلك لأنها تَبُك أعناق الظلمة والجبابرة، بمعنى أنهم يُذَلون بها ويخضعون عندها. وقيل: لأن الناس يتباكون فيها، أي: يزدحمون. قال قتادة: "إن الله بكَّ به الناس جميعًا، فيصلي النساء أمام الرجال، ولا يُفعل ذلك ببلد غيرها".
وعن مجاهد: "وقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة؛ منها: مكة وبكة والبيت العتيق والبيت الحرام والبلد الأمين، والمأمون وأم رحم وأم القرى، وصلاح والعرش على وزن بدر، والقادس لأنها تطهر من الذنوب، والمقدسة والناسة -بالنون وبالباء أيضًا- والحاطمة والرأس وكوثاء والبلدة والبُنْية والكعبة.
стр. 305
وقوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ (آل عمران: ٩٧) أي دلالات ظاهرة أنه من بناء إبراهيم، وإن الله عظمه وشرفه. ثم قال تعالى: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ (آل عمران: ٩٧) يعني الذي لما ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث كان يقف عليه ويناوله ولده إسماعيل.
وقد كان ملتصقًا بجدار البيت حتى أخره عمر بن الخطاب ﵁ في إمارته إلى ناحية الشرق، بحيث يتمكن الطُواف منه ولا يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف؛ لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (البقرة: ١٢٥) وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ (آل عمران: ٩٧) أي: فمنهن مقام إبراهيم والمشاعر.
وقال مجاهد: "أثر قدميه في المقام آية بينة". وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ (آل عمران: ٩٧) قال: "الحرم كله مقام إبراهيم". ولفظ عمرو: "الحجر كله مقام إبراهيم". وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: "الحج مقام إبراهيم" وقد صرح بذلك مجاهد.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ يعني حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء، وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية، كما قال الحسن البصري وغيره: "كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة ويدخل الحرم، فيلقاه ابن المقتول فلا يهيجه حتى يخرج". وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (آل عمران: ٩٧) قال: "من عاذ بالبيت أعاذه البيت، ولكن لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى، فإذا خرج أُخِذَ بذنبه". وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ (العنكبوت: ٦٧) وقال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (قريش: ٣، ٤).
стр. 306
وحتى إنه من جملة تحريمها حرمة اصطياد صيدها، وتنفيره عن أوكاره، وحرمة قطع شجرها وقلع حشيشها، كما ثبتت الأحاديث والآثار في ذلك عن جماعة من الصحابة مرفوعًا وموقوفًا، ففي الصحيحين واللفظ لمسلم عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: ((لا هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا)) وقال يوم فتح مكة: ((إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا تلتقط لقطته إلا مَن عرفها، ولا يختلى خلاها. فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقيطهم ولبيوتهم، فقال: إلا الإذخر)).
ولهما عن أبي هريرة مثله أو نحوه، ولهما واللفظ لمسلم أيضًا عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد من يبعث البعوث إلى مكة: "إئذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولًا، قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به: ((أنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا له: إن الله أذن لنبيه ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب)).
فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًّا بدم ولا فارًّا بجزية".
وعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يحل لأحد أن يحمل السلاح بمكة)) رواه مسلم. وعن عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري أنه سمع
стр. 307
رسول الله ﷺ واقفًا بالحرورة بسوق مكة يقول: ((والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت)) رواه الإمام أحمد وهذا لفظه. وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (آل عمران: ٩٧) قال: آمنًا من النار.
عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((من دخل البيت دخل في حسنة وخرج من سيئة وخرج مغفورًا له)).
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (آل عمران: ٩٧) هذه آية وجوب الحج عند الجمهور. وقيل: بل هي قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (البقرة: ١٩٦) والأول أظهر، وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعًا ضروريًا.
وإنما يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنص والإجماع. قال الإمام أحمد ﵀: عن أبي هريرة قال: ((خطبنا رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس، قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ : لو قلت "نعم"؛ لوجبت ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه)).
وعن ابن عباس ﵄ قال: ((خطبنا رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج، فقام الأقرع بن حابس فقال: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فقال: لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها. الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع)) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
стр. 308
وعن علي ﵁ قال: لما نزلت ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (آل عمران: ٩٧) قالوا: يا رسول الله، في كل عام؟ فسكت. قالوا: يا رسول الله، في كل عام؟ قال: ((لا، ولو قلت "نعم" لوجبت)) فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (المائدة: ١٠١).
شروط وجوب الحج، وصحة أركانه، وواجباته ومحظوراته
أما الشرائط فشرط صحة الحج اثنان: الوقت، والإسلام، فيصح حج الصبي ويُحرِم بنفسه إن كان مميزًا، ويحرم عنه وليه إن كان صغيرًا، ويفعل به ما يفعل في الحج من الطواف والسعي وغيره. وأما الوقت فهو شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم النحر، فمن أحرم بالحج في غير هذه المدة فهي عمرة، وجميع السنة وقت العمرة، ولكن من كان معكوفًا على النسك أيام منى فلا ينبغي أن يحرم بالعمرة؛ لأنه لا يتمكن من الاشتغال عقيبه؛ لاشتغاله بأعمال منى.
وأما شروط وقوعه عن حجة الإسلام فخمسة: الإسلام والحرية والبلوغ والعقل والوقت، فإن أحرم الصبي أو العبد ولكن عُتق العبد وبلغ الصبي بعرفة أو بمزدلفة، وعاد إلى عرفة قبل طلوع الفجر أجزأهما عن حجة الإسلام؛ لأن الحج عرفة وليس عليهما دم إلا شاة، وتشترط هذه الشرائط في وقوع العمرة عن فرض الإسلام إلا الوقت. وأما شروط وقوع الحج نفلًا عن الحر البالغ فهو بعد براءة ذمته عن حجة الإسلام، فحج الإسلام متقدم ثم القضاء لمن أفسده في حالة الوقوف، ثم النذر ثم النيابة ثم النفل، وهذا الترتيب مستحق، وكذلك يقع وإن نوى خلافه.
стр. 309
أما شروط لزوم الحج:
فخمسة: البلوغ، والإسلام، والعقل، والحرية، والاستطاعة، ومن لزمه فرض الحج لزمه فرض العمرة، ومن استطاع لزمه الحج وله التأخير، ولكن فيه على خطر، فإن تيسر له ولو في آخر عمره سقط عنه، وإن مات قبل الحج لقي الله عاصيًا بترك الحج، وكان الحج في تركِته يحج عنه، وإن لم يوصي كسائر ديونه، وإن استطاع في سنة فلم يخرج مع الناس وهلك ماله في تلك السنة قبل حج الناس، ثم مات لقي الله ولا حج عليه، ومن مات ولم يحج مع اليسار فأمره شديد عند الله تعالى. قال عمر ﵁: "لقد هممت أن أكتب في الأمصار بضرب الجزية على من لم يحج ممن يستطيع إليه سبيلًا".
وعن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ومجاهد وطاوس: "لو علمت رجلًا غنيًا وجب عليه الحج، ثم مات قبل أن يحج ما صليت عليه". وبعضهم كان له جار موسر فمات ولم يحج فلم يصل عليه. وكان ابن عباس يقول: "من مات ولم يُزك ولم يحج سأل الرجعة إلى الدنيا". وقرأ قوله : ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ (المؤمنون: ٩٩، ١٠٠).
وأما الأركان التي لا يصح الحج بدونها فخمسة:
الإحرام، والطواف، والسعي بعده، والوقوف بعرفة، والحلق بعده على قول. وأركان الحج كذلك إلا الوقوف. والواجبات المجبورة بالدم ست: الإحرام من الميقات، فمن تركه وجاوز الميقات مَحلًا فعليه شاة. والرمي فيه الدم قولًا واحدًا. وأما الصبر بعرفة إلى غروب الشمس والمبيت بمزدلفة والمبيت بمنى وطواف الوداع فهذه الأربعة يجبر تركها بالدم على أحد القولين، وفي القول الثاني فيها دم على وجه الاستحباب.
стр. 310
وأما وجوه أداء الحج والعمرة فثلاثة:
الأول: الإفراد، وهو الأفضل وذلك أن يقدم الحج وحده، فإذا فرغ خرج إلى الحل فأحرم واعتمر، وأفضل الحِل لإحرام العمرة الجعرانة ثم التنعيم ثم الحديبية، وليس على المفرد دم إلا أن يتطوع.
الثاني: القران، وهو أن يجمع فيقول: لبيك بحج وعمرة معًا، فيصير محرمًا بهما، ويكفيه أعمال الحج وتندرج العمرة تحت الحج كما يندرج الوضوء تحت الغسل، إلا أنه إذا طاف وسعى قبل الوقوف بعرفة فسعيه محسوب من النسكين، وأما طوافه فغير محسوب لأن شرط الطواف الفرد في الحج أن يقع بعد الوقوف، وعلى القارن دم شاة، إلا أن يكون مكيًا فلا شيء عليه؛ لأنه لم يترك ميقاته، إذ ميقاته مكة.
الثالث: التمتع، وهو أن يجاوز الميقات محرمًا بعمرة ويتحلل بمكة، ويتمتع بالمحذورات إلى وقت الحج، ثم يحرم بالحج، ولا يكون متمتعًا إلا بخمس شرائط:
أحدها: ألا يكون من حاضري المسجد الحرام، وحاضره من كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة.
الثاني: أن يقدم العمرة على الحج.
الثالث: أن تكون عمرته في أشهر الحج.
الرابع: ألا يرجع إلى ميقات الحج ولا إلى مثل مسافته لإحرام الحج.
الخامس: أن يكون حجه وعمرته عن شخص واحد؛ فإذا وجدت هذه الأوصاف كان متمتعًا ولزمه دم شاة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج قبل
стр. 311
يوم النحر متفرقة أو متتابعة، وسبعة إذا رجع إلى الوطن، وإن لم يصم الثلاثة حتى رجع إلى الوطن صام العشرة تتابعًا أو متفرقًا.
وأما محظورات الحج والعمرة:
فستة:
الأول: اللبس للقميص والسراويل والخف والعمامة، بل ينبغي أن يلبس إزارًا ورداء ونعلين، فإن لم يجد نعلين فمكعبين، فإن لم يجد إزارًا فسراويل.
الثاني: الطِّيب.
الثالث: الحلق.
الرابع: الجماع، وهو مفسد للصيام.
الخامس: مقدمات الجماع كالقبلة والملامسة التي تنقض الطهر.
السادس: قتل صيد البر، أعني ما يؤكل أو هو متولد من الحلال والحرام، فإن قتل صيدًا فعليه مثله من النعم، يراعى فيه التقارب في الخلقة، وصيد البحر حلال ولا جزاء عليه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 312
الدرس: ٢٠ تابع الخطب الدينية في موسم الحج .
стр. 313
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس العشرون
(تابع الخطب الدينية في موسم الحج)
بيان بعض أحكام الحج
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن سلك طريقه وسار على نهجه واتبع هداه وبعد:
ترتيب الأعمال الظاهرة من أول السفر إلى الرجوع:
وهي عشر جمل:
الجملة الأولى: في السير من أول الخروج إلى الإحرام؛ وهي ثمانية:
الأول: في المال:
فينبغي أن يبدأ بالتوبة ورد المظالم، وقضاء الديون، وإعداد النفقة لكل من تلزمه نفقته إلى وقت الرجوع، ويرد ما عنده من الودائع، ويستصحب من المال الحلال الطيب ما يكفيه لذهابه وإيابه، من غير تقتير، بل على وجه يمكنه معه التوسع في الزاد، والرفق بالضعفاء والفقراء، ويتصدق بشيء قبل خروجه.
الثانية: في الرفيق:
ينبغي أن يلتمس رفيقًا صالحًا محبًّا للخير معينًا عليه، إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه، وإن جبن شجعه وإن عجز قواه، وإن ضاق صدره صبّره، ويودع رفقاءه المقيمين وإخوانه وجيرانه، فيودعهم ويلتمس أدعيتهم، فإن الله تعالى جاعل في أدعيتهم خيرًا، والسنة في الوداع أن يقول: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، وكان ﷺ يقول لمن أراد السفر: ((في حفظ الله وكنفه، زودك الله التقوى، وغفر ذنبك، ووجَّهك للخير أينما كنت)).
الثالثة: في الخروج من الدار:
ينبغي إذا هم بالخروج أن يصلي ركعتين أولًا، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (الكافرون: ١) وفي الثانية الإخلاص، فإذا فرغ رفع يديه
стр. 314
ودعا الله سبحانه عن إخلاص صافٍ، ونية صادقة، وقال: اللهم أنت الصاحب في السفر، وأنت الخليفة في الأهل والمال والولد والأصحاب، احفظنا وإياهم من كل آفة وعاهة، اللهم إنا نسألك في مسيرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم إنا نسألك أن تطوي لنا الأرض، وتهون علينا السفر، وأن ترزقنا في سفرنا سلامة البدن والدين والمال، وتبلغنا حج بيتك، وزيارة قبر نبيك محمد ﷺ ، اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال والولد والأصحاب، اللهم اجعلنا وإياهم في جوارك، ولا تسلبنا وإياهم نعمتك، ولا تغيّر ما بنا وبهم من عافيتك.
الرابعة: إذا حصل على باب الدار قال: بسم الله توكلت على الله، لا قوة إلا بالله ٤:١١ لا حول ولا قوة إلا بالله، ربي أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي، اللهم إني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا رياء ولا سمعة، بل خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، وقضاء فرضك، واتباع سنة نبيك، وشوقًا إلى لقائك، فإذا مشى قال: اللهم بك انتشرت، وعليك توكلت، وبك اعتصمت، وإليك توجهت، اللهم أنت ثقتي، وأنت رجائي، فاكفني ما أهمني وما لا أهتم به وما أنت أعلم به مني، عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك، اللهم زودني التقوى واغفر ذنبي، ووجهني للخير أينما توجهت، ويدعو بهذا الدعاء في كل منزل يدخل عليه.
الخامسة: في الركوب:
فإذا ركب الراحلة يقول: بسم الله وبالله، والله أكبر توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إني وجهت
стр. 315
وجهي إليك، وفوضت أمري كله إليك، وتوكلت في جميع أموري عليك، أنت حسبي ونعم الوكيل.
فإذا استوى على الراحلة واستوت تحته قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، سبع مرات، وقال: الحمد لله الذي هداني لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، اللهم أنت الحامل على الظهر، وأنت المستعان على الأمور.
السادسة: في النزول:
والسنة ألا ينزل حتى يحمي النهار، ويكون أكثر سيره بالليل. قال ﷺ : ((عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل، ما لا تطوى بالنهار)) وليقلل نومه بالليل حتى يكون عونًا على السير، ومهما أشرف على المنزل فليقل: اللهم رب السموات السبع وما أظلت، ورب الأراضين السبع وما أقلت، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، ورب البحار وما جرين، وأسألك خير هذا المنزل وخير أهله، وأعوذ بك من شره وشر ما فيه، اصرف عني شر شرارهم، فإذا نزل المنزل صلى ركعتين فيه ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات، التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق، فإذا جن عليه الليل يقول: يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما دب عليك، أعوذ بالله من شر كل أسد وأُسود، وحية وعقرب، ومن شر ساكن البلد، ووالد وما ولد، وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم.
الجملة الثانية في آداب الإحرام: من الميقات إلى دخول مكة؛ وهي خمسة:
الأول: أن يغتسل وينوي به غسل الإحرام، أعني: إذا انتهى إلى الميقات المشهور الذي يحرم الناس منه، ويتمم غسله بالتنظيف ويسرح لحيته ورأسه، أظفاره ويقص شاربه.
стр. 316
الثاني: أن يفارق الثياب المخيطة، ويلبس ثوبي الإحرام، فيرتدي ويتزر بثوبين أبيضين، فالأبيض هو أحب الثياب إلى الله ويتطيب في ثيابه وبدنه، ولا بأس بطيب يبقى أثره بعد الإحرام، فقد رؤي بعض المسك على مفرق رسول الله ﷺ بعد الإحرام مما كان استعمله قبل الإحرام.
الثالث: أن يصبر بعد لبس الثياب حتى تنبعث به راحلته إن كان راكبًا، أو يبدأ بالسير إن كان راجلًا، فعند ذلك ينوي الإحرام بالحج أو بالعمرة قرانًا أو إفرادًا كما أراد.
الرابع: إذا انعقد إحرامه بالتلبية المذكورة، فيستحب أن يقول: اللهم إني أريد الحج فيسره لي، وأعني على أداء فرضه، وتقبله مني، اللهم إني نويت أداء فريضتك في الحج، فاجعلني من الذين استجابوا لك، وآمنوا بوعدك، واتبعوا أمرك، واجعلني من وفدك الذين رضيت عنهم وارتضيت وقبلت منهم، اللهم فيسر لي أداء ما نويت من الحج، اللهم قد أحرم لك لحمي وشعري ودمي وعصبي ومخي وعظامي، وحرمتُ على نفسي النساء والطيب ولبس المخيط ابتغاء وجهك والدار الآخرة، ومن وقت الإحرام حرم عليه المحذورات الستة التي ذكرناها من قبل فليتجنبها.
الخامس: يستحب تجديد التلبية في دوام الإحرام، خصوصًا عند اصطدام الرفاق، وعند اجتماع الناس، وعند كل صعود وهبوط، عند كل ركوب ونزول، رافعًا بها صوته، فإنه لا ينادي أصم ولا غائبًا كما ورد في الخبر، ولا بأس برفع الصوت بالتلبية في المساجد الثلاثة؛ فإنها مظنة المناسك، أعني: المسجد الحرام ومسجد الخِيف ومسجد الميقات، وأما سائر المساجد فلا بأس فيها بالتلبية من غير رفع صوت، وكان ﷺ إذا أعجبه شيء قال: ((لبيك إن العيش عيش الآخرة)).
стр. 317
الجملة الثالثة: في آداب دخول مكة إلى الطواف؛ وهي ستة:
الأول: أن يغتسل بذي طوى لدخول مكة، والاغتسالات المستحبة المسنونة في الحج تسعة: الأول: للإحرام من الميقات، ثم لدخول مكة، ثم لطواف القدوم، ثم للوقوف بعرفة، ثم للوقوف بمزدلفة، ثم ثلاثة أغسال: لرمي الجمار الثلاث، ولا غسل لرمي جمرة العقبة، ثم لطواف الوداع، ولم ير الشافعي ﵁ في الجديد: الغسل لطواف الزيارة ولطواف الوداع.
الثاني: أن يقول عند الدخول في أول الحرم وهو خارج مكة: اللهم هذا حرمك وأمنك، فحرِّم لحمي ودمي وشعري على النار، وآمني من عذابك يوم تبعث عبادك، واجعلني من أوليائك وأهل طاعتك.
الثالث: أن يدخل مكة من جانب الأبطح؛ تأسيًا برسول الله ﷺ ، وإذا خرج خرج من ثنية كُدَى، وهي التثنية السفلى، والأولى هي العليا.
الرابع: إذا دخل مكة وانتهى إلى رأس الردم، فعنده يقع بصره على البيت فليقل: لا إله إلا الله والله أكبر، اللهم أنت السلام ومنك السلام ودارك دار السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، اللهم إن هذا بيتك عظمته وكرمته وشرفته، اللهم فزده تعظيمًا وزده تشريفًا وتكريمًا، وزده مهابة، وزد مَن حجه بِرًّا وكرامة، اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وأدخلني جنتك، وأعذني من الشيطان الرجيم.
الخامس: إذا دخل المسجد الحرام فليدخل من باب بني شيبة، وليقل: بسم الله وبالله ومِن الله، فإذا قرب من البيت قال: الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، اللهم صلى على محمد عبدك ورسولك، وعلى إبراهيم خليلك، وعلى جميع أنبيائك ورسلك، وليرفع يديه وليقل: اللهم إني أسألك في مقامي
стр. 318
هذا في أول مناسكي، أن تتقبل توبتي وأن تتجاوز عن خطيئتي، وتضع عني وزري، الحمد لله الذي بلغني بيته الحرام، الذي جعله مثابة للناس وأمنًا، وجعله مباركًا وهدى للعالمين، اللهم إني عبدك والبلد بلدك والحرم حرمك، والبيت بيتك، جئتك أطلب رحمتك، وأسألك مسألة المضطر الخائف من عقوبتك، الراجي لرحمتك الطالب مرضاتك.
السادس: أن تقصد الحجر الأسود بعد ذلك، وتمسه بيدك اليمنى وتقبله.
الجملة الرابعة في الطواف: فإذا أراد افتتاح الطواف -إما للقدوم وإما لغيره- فينبغي أن يراعي أمورًا ستة:
الأول: أن يراعي شروط الصلاة من طهارة الحدث، والخبث في الثوب والبدن والمكان وستر العورة، فالطواف بالبيت صلاة، ولكن الله سبحانه أباح فيه الكلام.
الثاني: إذا فرغ من الاضطباع فليجعل البيت على يساره، وليقف عند الحجر الأسود، وليتنح عنه قليلًا ليكون الحجر قدامه، فيمر بجميع الحجر بجميع بدنه في ابتداء طوافه، وليجعل بينه وبين البيت قدر ثلاث خطوات؛ ليكون قريبًا من البيت فإنه أفضل.
الثالث: أن يقول قبل مجاوزة الحجر بل في ابتداء الطواف: بسم الله والله أكبر، اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد ﷺ ، ويطوف، فأول ما يجاوز الحجر ينتهي إلى باب البيت فيقول: اللهم هذا البيت بيتك، وهذا الحرم حرمك، وهذا الأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار، وعند ذكر المقام يشير بعينه إلى مقام إبراهيم ﵇: اللهم إن بيتك عظيم
стр. 319
ووجهك كريم، وأنت أرحم الراحمين، فأعذني من النار ومن الشيطان الرجيم، وحرم لحمي ودمي على النار، وآمني من أهوال يوم القيامة، واكفني مؤنة الدنيا والآخرة، ثم يسبح الله تعالى ويحمده، حتى يبلغ الركن العراقي فعنده يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشرك والشك، والكفر والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق، وسوء المنظر في الأهل والمال والولد.
فإذا بلغ الميزاب قال: اللهم أظلنا تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، اللهم اسقني بكأس محمد ﷺ شربة لا أظمأ بعدها أبدًا، فإذا بلغ الركن الشامي قال: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا وسعيًا مشكورًا وذنبًا مغفورًا، وتجارة لن تبور، يا عزيز يا غفور، رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم، فإذا بلغ الركن اليماني قال: اللهم إني أعوذ بك من الكفر، وأعوذ بك من الفقر ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من الخزي في الدنيا والآخرة.
ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا برحمتك فتنة القبر وعذاب القبر، فإذا بلغ الحجر الأسود قال: اللهم اغفر لي برحمتك، أعوذ برب هذا الحجر من الدَّين والفقر وضيق الصدر وعذاب القبر، وعند ذلك قد تم شوط واحد، فيطوف كذلك سبعة أشواط، فيدعو بهذه الأدعية في كل شوط.
الرابع: أن يرمل في ثلاثة أشواط، ويمشي في الأربعة الأخر على الهيئة المعتادة.
ومعنى الرمل: الإسراع في المشي مع تقارب الخطى، وهو دون العدْو وفوق المشي المعتاد، والمقصود منه ومن الاضطباع إظهار الشطارة والجلادة والقوة، هكذا كان القصد أولًا قطعًا لطمع الكفار، وبقيت تلك السنة، والأفضل الرمل مع الدنو من البيت، فإن لم يمكنه للزحمة فالرمل مع البعد أفضل، فيخرج إلى
стр. 320
حاشية المطاف وليرمل ثلاثًا، ثم ليقترب إلى البيت في المزدحم وليمش أربعًا، وإن أمكنه استلام الحجر في كل شوط فهو الأحب، وإن منعته الزحمة أشار باليد وقَبَّل يده، وكذلك استلام الركن اليماني يستحب من سائر الأركان، وروي: ((أنه ﷺ كان يستلم الركن اليماني ويقبله ويضع خده عليه)) ومن أراد تخصيص الحجر بالتقبيل، واقتصر في الركن اليماني على الاستلام أغنى عن اللمس باليد، فهو أولى.
الخامس: إذا تم الطواف سبعًا فليأت الملتزَم، وهو بين الحجر والباب، وهو موضع استجابة الدعوة، وليلتصق بالبيت وليتعلق بالأستار، وليلصق بطنه بالبيت وليضع عليه خده الأيمن، وليبسط عليه ذراعيه وكفيه، وليقل: اللهم يا رب البيت العتيق، اعتق رقبتي من النار، وأعذني من الشيطان الرجيم، وأعذني من كل سوء، وقنعني بما رزقتني، وبارك لي فيما آتيتني، اللهم إن هذا البيت بيتك، والعبد عبدك، وهذا مقام العائذ بك من النار، اللهم اجعلني من أكرم وفدك عليك، ثم ليحمد الله كثيرًا في هذا الموضع، وليصل على رسوله ﷺ وعلى جميع الرسل كثيرًا، وليدع بحوائجه الخاصة، وليستغفر من ذنوبه. كان بعض السلف في هذا الموضع يقول لمواليه: "تنحوا عني حتى أقر لربي بذنوبي".
السادس: إذا فرغ من ذلك ينبغي أن يصلي خلف المقام ركعتين، يقرأ في الأولى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثانية الإخلاص، وهما ركعتا الطواف. قال الزهري: "مضت السنة أن يصلي لكل سبع ركعتين، وليدع بعد ركعتي الطواف وليقل: اللهم يسر لي اليسرى وجنبني العسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى، واعصمني بألطافك حتى لا أعصيك، وأعني على طاعتك بتوفيقك، وجنبني معاصيك، واجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك ورسلك، ويحب عبادك
следующие страницы →