Полный текст (347 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وكان ﷺ يطوف بالبيت قبل أن يذهب إلى الخلاء، وكان أول ما يبدأ به إذا انصرف من خلوته أن يطوف بالبيت قبل أن يدخل بيته.
إن تحبيب النبي ﷺ في الخلاء تدريب على تخليه عن الناس، واتصاله بالملأ الأعلى، وهو يتلقى وحي الله تعالى، والذي سوف يتكرر كثيرًا ويدوم طويلًا، والخلاء يُعَلِّم الإنسان التجرد عن الماديات والشهوات المتصلة بها، ويشعره بقيمة المعنويات والروحانيات الغائبة عن الحواس.
تقول أم المؤمنين عائشة ﵂: ((ثم حُبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك)) وجاء تعبير الحديث بلفظ: ((حبب)) المبني للمجهول؛ إشارة إلى أن حب محمد ﷺ للخلاء لم يكن من بواعثه البشرية، وإنما كان من الوحي والإلهام.
وكان ﷺ يطيل النظر في الكون المحيط به في السماء، ونجومها وقمرها وشمسها وأفلاكها ومجراتها، وصورتها في الليل وفي النهار، ويتأمل الصحراء ساعات لهيبها المحرق، تحت ضوء الشمس الباهرة اللألاء، وساعات صفوها البديع إذ تكسوها أشعة القمر، أو أضواء النجوم، وينظر في أهل مكة والحياة تشغلهم، ويتأمل في الآتين لمكة وهم يطوفون بالبيت والأصنام أمامهم.
كان ﷺ يتأمل في كل ذلك وفي غيره، يلتمس معرفة هذا الوجود وما وراءه من سبب وغاية.
النسك الذي كان يتعبد به رسول الله ﷺ أثناء تحنثه:
روى ابن كثير اختلاف العلماء في الشرع الذي كان يتعبد به رسول الله ﷺ فقيل: كان ﷺ يتعبد بشرع نوح ﵇، وقيل: كان يتعبد بشرع إبراهيم ﵇، وقيل: كان يتعبد بشرع موسى ﵇، وقيل: كان يتعبد بشرع عيسى ﵇، وقيل: كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه وعمل به.
стр. 72
ولعل هذا القول الأخير أقوم من غيره، فهو الذي يتفق وما شغف محمد ﷺ به من التأمل، ومن التفكير، وما عرف من غياب الشرائع يوم ذاك، حتى إن كثيرًا من الحنفاء لم يصلوا إلى شيء، رغم ما بذلوا من جهد للوصول إلى دين حقيقي.
واستمر محمد ﷺ على عادته تلك في حب الخلاء والانقطاع له، ومداومة البحث عن الحقيقة حتى هداه الله إليه، بنزول الوحي وبدء الرسالة، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ (الضحى: ٧).
يذهب المفسرون في بيان المعنى المراد من الضلال إلى معان كثيرة، فهو بمعنى الغفلة عما يراد بك من أمر النبوة، وبمعنى عدم معرفة دين وشرع ما، فهداك الله للإسلام وشريعته، وبمعنى في وسط ضلال قومك وكفرهم فهداهم الله بك، وبمعنى الحيرة فيما ترى فعرَّفك بالصواب والحق.
حال النبي عند نزول الوحي عليه، وصور ذلك الوحي
بلوغ محمد ﷺ سن الأربعين:
وبلغ محمد ﷺ سن الأربعين، وكمل في ذاته وأصبح مستعدًا لتكميل الآخرين، وهنا جاء وحي الله، كما هو الشأن مع جميع الأنبياء والمرسلين.
يروي البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ((أُنزل الوحي على رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين سنة)).
لقد حاول محمد ﷺ الوصول إلى الحقيقة المتصلة بالوجود والحياة، وطال تفكيره وتدبره، ولم يصل إلى ما يتمنى ويريد، إنه يسمع عن دين الله وأنبياء الله، لكنه
стр. 73
لا يعرف حقيقة الألوهية وحقوقها، ويجهل كل ما يتصل بالنبوة والرسالة، وإدراكه للملأ الأعلى بسيط، والأسرار من حوله تتكاثر وتتعدد، وكلما طال تأمله تشعبت مناحي النظر، وبعدت عن الأسرار والغايات.
والعقل مهما سما إدراكه، ومهما دق فكره، ومهما تعمقت تأملاته ونظراته، لا يمكنه أن يصل إلى شيء من حقائق هذا الوجود، ولابد له من وحي الله؛ يكشف له الأسرار التي يحتاج إليها، ومحمد ﷺ مع صفاء نفسه وكمال عقله وسمو روحه- يحتاج إلى فيوضات الله تهديه للحق، وتنقذه من الحيرة، وتعرفه بالحقائق الدينية التي لا يمكن للعقل أن يصل إليها.
كما يحتاج لرحمة الله مراعاةً لجانب البشرية فيه، حتى لا تفاجئه روحانية الوحي، وغرائب الملأ الأعلى، ويحتاج كذلك إلى تعلم كيفية الاتصال بخالقه والتعامل مع الملائكة، واستقبال الوحي بمختلف صوره وأشكاله.
وقد تجلت فيوضات الله تعالى على محمد ﷺ بصورة رقيقة شفيقة، عمادها الرحمة والمودة، وعناصرها الترقي ببشرية محمد ﷺ ليكون نبيًّا ورسولًا.
وكانت رحمة الله مع محمد ﷺ حين جاءه وحي الله تعالى؛ إذ كلفه بالنبوة أولًا، وجاءه الوحي ينبئه، ومن المعروف أن النبوة لا تُزيل طباع البشرية كلها، فلما خبر النبي ﷺ الوحي، ورأى صوره وأنواعه، وأصبح متألقًا مع لقائه، جاءته الرسالة فصار رسولًا نبيًّا.
ولقد نُبئ محمد ﷺ وجاءه الوحي من عند الله، واستمر على ذلك مدة تُعد تمهيدًا لإرساله، أراد الله أن يهيئه خلالها للتعامل مع الملائكة والاتصال بالله، ويعرفه كذلك بكل ما تحتاجه الرسالة من أمور لابد منها للرسول المختار.
стр. 74
بشرية الرسول ﷺ :
إن الرسول بشر يتصل بالله وبالناس، ولا بد له أن يتصف بصفات ذاتية، ترتقي به إلى درجة الكمال البشري، والسمو الروحي؛ ليسهل عليه الاتصال بالملأ الأعلى بجانبه الروحي، والتعامل مع الناس بجانبه في توازن وانسجام، وقد بدأت نبوة محمد ﷺ بأوليات الوحي، كما أرادها الله تعالى، ولم يكلف بالرسالة إلا بعد أن أصبح مؤهلًا لها مستعدًا للقيام بواجبها.
وقد كان ﷺ في مرحلة النبوة يخاف من الوحي يأتيه بإحدى صوره، ولذلك كان يأتي لخديجة شاكيًا ويقول لها: ((خشيت على نفسي)). ويصف الرجل الذي يظهر أمامه ويقول: سطا عليَّ الرجل، وكان يجري منه محاولًا الهرب من أمامه.
أما في مرحلة الرسالة؛ فكان يأنس بالوحي ويتعجله، ويخاف أن يتركه ولا يأتيه، وقد ذكر ابن كثير أن بدْأ الوحي بصورة التدرج يهدئ القلب ويطمئن النفس.
ومن صور الوحي في بدايته ما يلي:
١ - الرؤيا الصادقة:
إذا نام الإنسان انقطع عن عالم الناس، وعاش مع باطنه وإدراكاته اللاشعورية، وخلال النوم تهيم نفس النائم في رؤى، تتضمن أفكارًا وأحداثًا، لا يمكن له أن يتصور حدوثها في حالة اليقظة، ولذا كانت الرؤى المنامية تدريبًا للإنسان وهو في عالم اللاشعور، على ما سوف يراه في عالم الإدراك والشعور.
إن هذه المقدمة باب لأهمية الرؤى، وإبراز لدورها في تهيئة الإنسان لأحداث عالم اليقظة، وبخاصة إذا كانت الأحداث غريبة مدهشة.
стр. 75
ولقد كان من رحمة الله برسوله محمد ﷺ أن بدأ الوحي بالرؤية الصادقة، تقول السيدة عائشة ﵂: ((أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح))، وبذلك كان الوحي يُعلِّم رسول الله ﷺ وهو نائم ما يريده الله تعالى في رؤى صادقة خالية من الضعف والوهن، وكانت رؤى الوحي في وضوحها وظهورها تشبه ضوء الصبح في بيانه وسطوعه.
جاء في (فتح الباري) أنه ثبت في مراسيل عبيد بن عمير أنه ﷺ أوحي إليه أولًا في المنام، حتى أتاه الملك بعد ذلك في اليقظة، على الصورة التي أتاه بها في المنام.
وقد تعددت الرؤى المنامية لرسول الله ﷺ وكان يندهش لذلك، ((رأى أن آتٍ أتاه ومعه صاحبان له فنظروا إليه فقالوا: هو هو، ثم ذهبوا، فهاله ذلك وتساءل عما رأى وعن حديثهم أمامه، فقال له عمه أبو طالب: يابن أخي ليس بشيء، وأتاه هذا الآتي مرة أخرى فجاء لعمه وقال له: يا عم، سطا بي الرجل الذي ذكرت لك، فأدخل يده في جوفي حتى إني أجد بردها، فخرج به عمه إلى رجل من أهل الكتاب يتطير بمكة، فحدثه حديثه وقال: عالجه، فصوب به وصعد وكشف عن قدميه، ونظر بين كتفيه وقال: يابن عبد مناف ابنك هذا طيب طيب، للخير فيه علامات، إن ظفرت به يهود قتلته)).
وأيضًا رأى في منامه أن سقف بيته نُزعت منه خشبة، وأُدخل فيه سلم من فضة، ثم نزل إليه رجلان، فأراد أن يستغيث فمُنع من الكلام، فقعد أحدهما إليه والآخر إلى جنبه، وأدخل أحدهما يده في جنبه، فنزع ضلعين منه، وأدخل يده في جوفه، ورسول الله ﷺ يجد بردهما، فأخرج قلبه ووضعه على كفه وقال لصاحبه: "نعم القلب، قلب رجل صالح، فطهّر قلبه وغسله، ثم أدخل القلب
стр. 76
مكانه، ووضع الضلعين، ثم ارتفعا ورفعا سلمهما، فإذا السقف كما هو، فذكر ذلك لخديجة بنت خويلد، فقالت له: أبشر؛ فإن الله لا يصنع بك إلا خيرًا، هذا خير فأبشر".
وهكذا تعددت الرؤى، وركزت على قضية إعلام الرسول بنبوته وتطهيره، وإعلامه ما ينتظره من أحوال وأعمال، حتى لا يفجأه الملك في صورته الحقيقية فيصاب بالخوف والاضطراب.
٢ - نداءات الملائكة:
من صور الوحي الذي بدأ برسول الله ﷺ نداء الملائكة عليه، وإعلامهم إياه بنبوته، وهو لا يعرف المنادي ولا يمكنه تحديد مصدر النداء.
من ذلك ما رواه ابن كثير بسنده أن رسول الله ﷺ قال لخديجة: ((إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، وقد خشيت والله أن يكون لهذا أمر. قالت: معاذ الله، ما كان الله ليفعل ذلك بك، فوالله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث، فلما دخل أبو بكر قالت له خديجة: يا عتيق اذهب مع محمد إلى ورقة، فلما دخل رسول الله ﷺ أخذ أبو بكر بيده فقال: انطلق بنا إلى ورقة قال: ومن أخبرك؟ قال: خديجة، فانطلقا إليه وقال رسول الله ﷺ له: إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد يا محمد، فأنطلق هاربًا في الأرض، فقال له: لا تفعل، إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول لك، ثم ائتني فأخبرني، فلما خلا ناداه: يا محمد قل: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، حتى بلغ: ولا الضالين، قل: لا إله إلا الله، فأتى محمد ورقة فذكر له ذلك، فقال ورقة: أبشر ثم أبشر، فأنا أشهد أنك الذي بشر بك ابن مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وإنك نبي مرسل)).
стр. 77
ويقول النبي ﷺ : ((خرجت مرة حتى إذا كنت في وسط الجبل سمعت صوتًا من السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله، وأنا جبريل، فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء، فرفعت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفًا لا أتقدم أمامي وما أتأخر ورائي، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغوا مكة ورجعوا إليها، وأنا واقف في مكاني ذلك، ثم انصرفت راجعًا إلى أهلي، حتى أتيت خديجة فجلست إليها فقالت: يأبا القاسم أين كنت، فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك فبلغوا مكة ورجعوا إليّ؟ ثم حدثتُها بالذي رأيت فقالت: أبشر يابن عمي واثبت، فوالذي نفسي بيده إني أرجو أن تكون نبي هذه الأمة، ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة، فأخبرته بما أخبرتها به، فقال ورقة: قدوس قدوس، والذي نفسي بيده لئن كنت صدقتيني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وأنه لنبي هذه الأمة، فقولي له: فليثبت، فرجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بقول ورقة)).
وفي مرة تالية قضى رسول الله ﷺ جواره وانصرف، وانصرف يسمع كما كان يسمع، حيث بدأ بالكعبة فطاف، فلقيه ورقة عند الكعبة قال له: "يابن أخي أخبرني بما رأيت وسمعت، فلما أخبره قال له ورقة: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذبن، ولتقاتَلن، ولتؤذَين، ولئن أدركت ذلك لأنصرن الله نصرًا يعلمه، ثم أدنى رأسه منه فقبَّل يافوخه".
ويقول ﷺ لخديجة: ((لما قضيت جواري هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، فنظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا بين السماء والأرض فقلت: دثروني دثروني، وصبوا عليَّ ماء باردًا)).
стр. 78
إن نداءات الملائكة لرسول الله ﷺ وتعجبه مما يسمع، دفعه إلى معرفة شيء من أسرار ما يسمع، ولذلك كان يرجع لخديجة يقص عليها ما رأى، وكانت خديجة ﵂ خير معين لرسول الله ﷺ تسمع منه، وتجتهد في معرفة أسباب ذلك، وتسأل أهل الكتاب عن خبر ما يسمع، فتخبر زوجها رسول الله ﷺ بما يُسرِّي عنه ويطمئنه.
وكانت تبحث عن أسرار ما يرى لتطمئن عليه وتطمئنه ﵂، قالت له مرة: ((يا بن عمي أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟ قال: نعم. قالت: فإذا جاءك فأخبرني به، فجاءه جبريل فقال رسول الله ﷺ : يا خديجة، هذا جبريل قد جاءني، فقالت: قم يابن عمي، فاجلس على فخذي اليسرى، فقام رسول الله ﷺ فقالت: هل تراه؟ قال: نعم. قالت: فتحول فاقعد على فخذي اليمنى، فتحول رسول الله ﷺ فجلس على فخذها اليمنى، فقالت: هل تراه؟ قال: نعم، فحسرت فألقت خمارها، ورسول الله ﷺ جالس في حجرها، ثم قالت: هل تراه؟ قال: لا. قالت: يابن عمي اثبت وأبشر، فوالله إنه لملك، ما هذا شيطان)).
٣ - كلام الشجر والحجر:
يروي ابن سعد بسنده ((أن رسول الله ﷺ حين أراد الله كرامته وابتدائه بالنبوة، كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يَرى بيتًا، ويفضي إلى الشعاب وبطون الأودية، فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، وكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه، فلا يرى أحدًا)).
روى الإمام مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إني أعرف حجرًا كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن)).
стр. 79
وروى ابن سعد عن هشام بن عروة عن أبيه -رحمهما الله تعالى- أن رسول الله ﷺ قال: ((يا خديجة إني أرى ضوءًا وأسمع صوتًا لقد خشيت أن أكون كاهنًا فقالت: إن الله تعالى لا يفعل بك ذلك يابن عبد الله، إنك تصدق الحديث وتؤدي الأمانة وتصل الرحم)).
٤ - لقاء الملائكة:
من رحمة الله برسوله محمد ﷺ أن أخذ يهيئه للقاء ملك الوحي، وذلك بإرسال الملائكة إليه تعلمه كلمة أو شيئًا ما؛ ليستعد بذلك على ملاقاة جبريل ﵇.
يروي ابن سعد ((أن رسول الله ﷺ لما نزلت عليه النبوة كان يأتيه إسرافيل، واستمر معه يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل شيئًا من القرآن على لسانه)).
يقول أبو شامة: ((إن إسرافيل كان يأتي النبي وهو في غار حراء، فكان يلقي إليه الكلمة بسرعة ولا يقيم معه تدرجًا وتمرينًا، وأحيانًا كان يأتيه جبريل يصحبه ملك آخر. يقول ابن عباس ﵄: كان رسول الله ﷺ ذات يوم وجبريل على الصفا، فقال رسول الله ﷺ : يا جبريل، والذي بعثك بالحق، ما أمسى لآل محمد سَفَّة دقيق ولا كف من سويق، فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هَدَّة من السماء أفزعته، فقال رسول الله ﷺ : أأمر الله القيامة أن تقوم؟ فقال جبريل: لا، ولكن أمر الله إسرافيل فنزل إليك حتى يَسمع كلامك، فأتاه إسرافيل فقال: إن الله تعالى بعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض إليك أن أُسَيِّر معك جبال تهامة زمردًا وياقوتًا وذهبًا وفضة، فإن شئت نبيًّا ملكًا، وإن شئت نبيًّا عبدًا، فأومأ إليه جبريل: أن تواضع، فقال رسول الله ﷺ : بل نبيًّا عبدًا، ثلاثًا)).
стр. 80
ويقول البراء بن عازب ﵁ "أتاه جبريل وميكائيل فنزل جبريل وبقي ميكائيل واقفًا بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال هو هو قال: فزنه برجل فوزنه به، فرجحهم رسول الله ﷺ قال: فزنه بعشرة فوزنه فرجحهم قال: زنه بمائة فوزنه فرجحهم قال زنه بألف فوزنه فرجحهم ثم جعلوا يتساقطون عليه من كفة الميزان فقال ميكائيل: تبعته أمته تبعته أمته ورب الكعبة، ثم أجلسني على بساط كهيئة درنوك فيه الياقوت واللؤلؤ فقال أحدهما لصاحبه: شق بطنه فشقه فأخرجه منه مغمز الشيطان، وعلق الدم فطرحها فقال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاء، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه فخاطه، ثم أجلساه فبشره جبريل برسالة ربه حتى اطمأن النبي ﷺ ".
وفي (صحيح مسلم) عن ابن عباس ﵄ قال: ((بينما النبي ﷺ جالس وعنده جبريل، إذ سمع مقيضًا من السماء من فوق، فرجع جبريل، فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: يا محمد هذا ملك قد نزل، لم ينزل إلى الأرض قط، فأتى النبي ﷺ فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفًا منهما إلا أوتيته)).
حديث بدء الوحي وما فيه من الفوائد
وعن بداية نزول الوحي على رسول الله ﷺ فقد روى البخاري عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: ((أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني
стр. 81
فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ (العلق: ١ - ٣).
فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂ فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب منه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.
فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، ابن عم خديجة ﵂، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي بصره، فقالت له خديجة: يابن عمي اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزله الله على موسى، يا ليتني فيها جزعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : أو مخرجي هم؟! قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي)).
فهذه قصة بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ ، والله إذا أراد شيئًا هيئ أسبابه، حتى يظهر شيئًا فشيئًا، فأول ذلك الرؤيا الصادقة، وهي جزء من أجزاء النبوة بالنسبة للمؤمن، وحبب إليه ﷺ الخلاء، وهو الابتعاد عن الخلائق، وذلك من أجل التعبد والخلوة بالله ، وكيف لا تتعلق نفس النبي ﷺ بالعبادة، وتُحبب إليه وهو النبي الخاتم، الذي بعثه الله لإخراج البشرية من الظلمات إلى النور.
стр. 82
والوصول إلى المراتب العظيمة، والارتفاع إلى المنازل العالية لا يكون بيسر وسهولة، ولكن بمعاناة ومشقة، وهذا ما تشير إليه ضم جبريل ﵇ لرسولنا ﷺ حتى بلغ منه الجهد، وإن كانت الدعوة تحتاج إلى جهد ومشقة ومكابدة، فتلَقِّي الوحي كذلك كان غالبه بجهد ومشقة ومكابدة، كما أشار إليه قوله ﷺ ، وقد سئل: ((كيف يأتيك الوحي؟ فقال: أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قاله، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا، فيكلمني فأعي ما يقول، قالت عائشة ﵂: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا)).
وفي الحديث من الفوائد والآثار الإيمانية:
١ - فضل اعتزال أهل السوء والمعاصي، وبركة الخلوة من أجل العبادة والتقرب إلى الله ، ودل عليها كذلك قول الله حاكيًا عن إبراهيم ﵇: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ (مريم: ٤٨، ٤٩).
٢ - فضل الرؤيا الصالحة التي يراها المؤمن أو تُرَى له، فقد كانت الرؤيا الصالحة بداية إشراق شمس النبوة، فما زال النور يتسع حتى أشرقت شمس النبوة.
٣ - فضل أُمِّنا خديجة ﵂ وكيف أنها مثال للزوجة الصالحة، التي تعين زوجها على العبادة والطاعة، وكيف تستقبل الزوجة زوجها إذا عاد مهمومًا، وكيف تسعى لتفريج همه وتنفيس كربه، فخففت عنه أولًا بأن من اتصف بالصفات الفاضلة، لا يمكن أن يخزيه الله، بل لابد أن يرفعه
стр. 83
وأن يكرمه، ثم لم تقتصر ﵂ على ذلك حتى ذهبت به إلى ورقة بن نوفل فبشّره بالنبوة، وكيف لا تكون خديجة ﵂ كذلك، وقد اصطفاها الله لخاتم أنبيائه وإمام رسله في الدنيا والآخرة، وقد ورد في فضلها ﵂ أن جبريل قال للنبي ﷺ : ((هذه خديجة، أقرئها السلام من ربها، وأمره أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب)).
٤ - وفي الحديث كذلك فضل ورقة بن نوفل، وقد رآه النبي ﷺ بعد مماته في هيئة حسنة، وقال ﷺ : ((لا تسبوا ورقة، فإني رأيت له جنة أو جنتين)).
٥ - قال الحافظ: "وفي هذه القصة من الفوائد: استحباب تأنيس من نزل به أمر؛ بذكر تيسيره عليه وتهوينه لديه، وأن من نزل به أمر استحب له أن يُطْلِع عليه من يثق بنصحه وصحة رأيه".
٦ - وفي الحديث بيان سنة من سنن الأمم مع من يدعوهم إلى الله وهي التكذيب والإخراج، كما قال الله تعالى عن قوم لوط: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (النمل: ٥٦)، وكما قال قوم شعيب: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا﴾ (الأعراف: ٨٨)، وقال تعالى أيضًا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ (إبراهيم: ١٣).
٧ - عبادة الأصنام مرفوضة عند العقلاء الذين يستخدمون عقولهم.
٨ - لقد أعد الله محمد بن عبد الله قبل البعثة لتلقي الوحي والتكليف بالرسالة، فبرأه الله من كل أعمال أهل الجاهلية الشركية، وعصمه من ذلك.
стр. 84
٩ - هجر عبادة الأصنام وسيلة من وسائل الإنكار والتحصين للهاجر.
١٠ - إن التدبر والتفكر والبحث عن الحقيقة نوع من أنواع العبادة والهداية، يجدر بالمسلم أن يهتم بها.
١١ - منزلة الكعبة في قلب رسول الله ﷺ قبل الرسالة، فقد كان يقدسها ويجلها ويطوف بها معظمًا لها، وهذا من بقايا ديانة إبراهيم وإسماعيل ﵉.
١٢ - أهمية القراءة والكتابة في هذا الدين، إذ بدأ الوحي بهما، فذكرهما في أول سورة أنزلت على الرسول ﷺ .
١٣ - ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: ٤٣) ومع معرفة خديجة ﵂ بما جرى للنبي ﷺ وما استنتجته من ذلك، ولكنها ذهبت لتسأل من هو أعلم منها في هذا الشأن، إنه ورقة بن نوفل النصراني، الذي درس كتب أهل الكتاب فعضد رأيها.
١٤ - النبوات والرسالات تنطلق من مشكاة واحدة في الوحي، وجبريل ﵇ هو الذي نزل بالقرآن على محمد ﷺ كما نزل بسائر الكتب على سائر الأنبياء.
١٥ - العقبات في الطريق؛ لقد ذكر ورقة بن نوفل للرسول ﷺ ما سيلاقيه من العنت والمشقة على أيدي الكفار، وأوصاه بالثبات، كما استعد بنصره إن بقي على قيد الحياة، وهذه طبيعة الدعاة من الرسل وغيرهم، إنه طريق الابتلاء والصبر ثم النصر، وهكذا كان يحدث لجميع الرسل.
هذا وبالله التوفيق.
стр. 85
الدرس: ٦ بدء الوحي، وبداية الدعوة السرية .
стр. 86
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السادس
(بدء الوحي، وبداية الدعوة السرية)
بداية نزول الوحي على النبي ﷺ وفترته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سلك طريقه واتبع هداه، وبعد:
لقد كان بدء نزول الوحي على النبي ﷺ ونزول صدر سورة اقرأ نقطة تحول في تاريخ البشرية، نقلتها من طريق الاعوجاج والظلام إلى طريق الهدى والنور، طريق الله المستقيم المؤدي إلى النجاة في الدنيا والآخرة، ويعلق الأستاذ العقاد على ذلك بقوله: "لقد تحوّل خط التاريخ كما لم يتحول من قبل قط، وكما لم يتحول من بعد أيضًا".
وكان هذا الحدث هو مفرق الطريق، وقامت المعالم في الأرض واضحة عالية لا يطمسها الزمان، ولا تطمسها الأحداث، وقام في الضمير الإنساني تصور للوجود وللحياة وللقيم لم يسبق أن اتضح بمثل هذه السورة، ولم يجئ بعده تصور، في مثل شموله ونصاعته وطلاقته من اعتبارات الأرض جميعًا، مع واقعيته وملاءمته للحياة الإنسانية.
ولقد استقرت قواعد هذا المنهج الإلهي في الأرض، وتبينت خطوطه ومعالمه؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، لا غموض ولا إبهام، إنما هو الضلال عن علم، والانحراف عن عمد، والالتواء عن قصد.
إنه الحادث الفذ في تلك اللحظة الفريدة، الحادث الكوني الذي ابتدأ به عهد في هذه الأرض وانتهى عهد، والذي كان فرقانًا في تاريخ البشرية لا في تاريخ أمة ولا جيل، والذي سجلته جنبات الوجود كله، وهي تتجاوب به وسجّله الضمير الإنساني، وبقي أن يتلفت هذا الضمير اليوم على تلك الذكرى العظيمة ولا ينساها، وأن يذكر دائمًا أنه ميلاد جديد للإنسانية لم يشهده إلا مرة واحدة في الزمان.
стр. 87
أيقن النبي ﷺ أنه رسول الله بعد أن نُقشت تلك الآيات من سورة اقرأ في صدره، وبعد حديث ورقة بن نوفل له، وازداد يقينه بعد نزول الآيات الأولى من سورة المدثر، فقد روى جابر بن عبد الله الأنصاري وهو يحدِّث النبي ﷺ عن فترة الوحي فقال في حديثه: ((بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه فرجعت فقلت: زملوني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر*قُمْ فَأَنذِر﴾ (المدَّثر: ٢) إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُر﴾ (المدَّثر: ٥) فحمي الوحي وتتابع)).
وهذه الآيات الأولى في سورة المدثر، فيها الأمر من الله لمحمد ﷺ بإنذار البشر، ودعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فهي تمثل في حياة محمد ﷺ حدًّا فاصلًا بين عهدين، عهد ما قبل البعثة الذي يمثل أكثر عمره ﷺ والذي لم يكن فيه مكلفًا من الله تعالى بشيء، وعهد ما بين البعثة الذي يمثل أخطر وأصعب مرحلة في حياته ﷺ ؛ لأنها مرحلة تغيير طريق البشرية، وهي مرحلة خطيرة عندما نتصورها بكل أبعادها، فها هي الأوامر الربانية تأمره ﷺ أن يترك عهد النوم، وأن يشمّر عن ساعد الجد، ليس لتغيير عقيدة قومه فحسب، بل لتغيير مسار البشرية بأكمله، ونقل تلك البشرية من طريق الهلاك والردى الذي كانت تتردى فيه، إلى طريق النجاة الذي يؤدي إلى سعادة الدنيا، والنجاة العظمى في الآخرة.
وهذه المهمة وهذا التكليف الإلهي لم يكن يسيرًا، بل كانت دونه من الصعوبات والأخطار ما لا يستطيعه أحد سوى محمد ﷺ الذي اختاره الله تعالى لهذه المهمة الشاقة، ونجح فيها -كما يشهد التاريخ- أيما نجاح، ووضع البشرية على الطريق الصحيح، وأوضح لها السبيل الحق وأنار لها الطريق، ولم يعد لفرد أو جماعة أو فئة عذر في تنكب طريق الحق، والزيغ عن الهدى والنور.
стр. 88
فترة الوحي:
واطمأن محمد ﷺ لصدق ما رأى وما سمع، وتيقن أن الذي كان يأتيه هو وحي الله، وتأكد أنه فاز بذلك فوزًا عظيمًا، وحتى يستوعب كل ما رأى وتهدأ نفسه فترَ الوحي، وانقطع عنه جبريل ﵇، فمكث ﷺ أيامًا لا يرى جبريل، فحزن حزنًا شديدًا، وأخذ يدور بسببه بين رؤوس الجبال عساه يراه ويحدثه، والمدة التي انقطع فيها الوحي عن رسول الله ﷺ لم يتفق عليها المؤرخون، وأرجح أقوالهم فيها أربعون يومًا؛ ليشتد شوق الرسول للوحي، وقد كان.
فإن الحال اشتد به ﵊ حتى صار كل ما أتى ذروة جبل بدا له أنه يرمي نفسه منها، حذرًا من قطيعة الله له، بعد أن أراه نعمته الكبرى، وهي اختياره لأن يكون واسطة بينه وبين خلقه، فيتبدى له الملك قائلًا: أنت رسول الله حقًّا، فيطمئن خاطره ويرجع عما عزم إليه، حتى أراد الله أن يظهر للوجود نور الدين، فعاد إليه الوحي.
فقد روى البخاري في كتاب التعبير ما نصه: وفتر الوحي فترة، حزن فيها النبي ﷺ فيما بلغنا حزنًا عدا منه مرارًا؛ كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقًّا، فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه، ويرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك.
هذا وإن قصة عزمه ﵊ على أن يرمي نفسه من ذرى الجبال، على الرغم من ورودها في البخاري، إلا أنها ليست على شرط الصحيح؛ لأنها من البلاغات، وهي من قبيل المنقطع، والمنقطع من أنواع الضعيف، والبخاري لا يُخرج إلا الأحاديث المسندة المتصلة برواية العدول الضابطين، ولعل البخاري ذكرها لينبهنا إلى مخالفتها لما صح عنده من حديث بدء الوحي، الذي لم تذكر فيه هذه الزيادة.
стр. 89
ولو أن هذه الرواية كانت صحيحة لأولناها تأويلًا مقبولًا، أما هي على هذه الحالة فلا نكلف أنفسنا عناء البحث عن مخرج لها، والتعليل الصحيح لكثرة غشيانه ﷺ في مدة الفترة رؤوس الجبال، أن الإنسان إذا حصل له خير أو نعمة في مكان، فإنه يحب هذا المكان ويلتمس منه ما افتقده، فلما انقطع الوحي صار ﷺ يكثر من ارتياد قمم الجبال -ولا سيما حراء-؛ رجاء أنه إن لم يجد جبريل في حراء فيجده في غيره.
وليس أدل على ضعف رواية رغبته في الانتحار، من أن جبريل كان يقول للنبي ﷺ كلما أوفى بذروة جبل: يا محمد، إنك رسول الله حقًّا، وأنه كرر ذلك مرارًا، ولو صح هذا لكانت مرة واحدة تكفي في تثبيت النبي ﷺ وصرفه عما حدثته به نفسه، كما زعموا.
عودة الوحي:
قال ابن حجر: "وكان ذلك -أي: انقطاع الوحي أيامًا- ليذهب ما كان ﷺ وجده من الروع، وليحصل له التشوف إلى العَود، فلما حصل له ذلك، وأخذ يرتقب مجيء الوحي أكرمه الله بالوحي مرة ثانية".
قال ﷺ : ((جاورت بحراء شهرًا، فلما قضيت جِواري هبطت، فلما استبطنت الوادي فنوديت فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أرَ شيئًا، ونظرت أمامي فلم أرَ شيئا، ونظرت خلفي فلم أرَ شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجُئِثْت منه رعبًا حتى هويت إلى الأرض، فأتيت خديجة فقلت: زملوني زملوني -أي: دثروني- وصبوا علي ماء باردًا. قال: فدثَّروني وصبوا عليَّ ماء باردًا فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر*قُمْ فَأَنذِر*وَرَبَّكَ فَكَبِّر*وَثِيَابَكَ فَطَهِّر*وَالرُّجْزَ فَاهْجُر﴾ (المدَّثر:١ - ٥) وذلك قبل أن تفرض الصلاة)).
стр. 90
ثم حمي الوحي بعد، وتتابع، وهذه الآيات هي مبدأ رسالته ﷺ وهي متأخرة عن النبوة بمقدار فترة الوحي، وتشتمل على نوعين من التكليف مع بيان ما يترتب عليه:
النوع الأول: تكليفه ﷺ بالبلاغ والتحذير، وذلك في قوله تعالى: ﴿قم فأنذر﴾ فإن معناه حذِّر الناس من عذاب الله، إن لم يرجعوا عما هم فيه من الغي والضلال، وعبادة غير الله تعالى، والإشراك به في الذات والصفات والحقوق والأفعال.
النوع الثاني: تكليفه ﷺ بتطبيق أوامر الله على ذاته، والالتزام بها في نفسه ليحرز بذلك مرضاة الله، ويصير أسوة حسنة لمن آمن به، وذلك في بقية الآيات، فقوله: ﴿وثيابك فطهر﴾ الظاهر منه تطهير الثياب والجسد؛ إذ ليس لمن يكبر الله ويقف بين يديه أن يكون نجسًا مستقذرًا، وإذا كان هذا التطهر مطلوبًا، فإن التطهر من أدران الشرك وأرجاس الأعمال والأخلاق أولى بالطلب.
وقوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُر﴾ معناه: ابتعِد عن أسباب سخط الله وعذابه، وذلك بالتزام طاعته وترك معصيته. وقوله: ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِر﴾ أي: لا تحسن إحسانًا تريد أجره من الناس، أو تريد له جزاء أفضل في هذه الدنيا.
أما الآية الأخيرة ففيها تنبيه على ما يلحقه من أذى قومه، حين يفارقهم في الدين، ويقوم بدعوتهم إلى الله وحده، وبتحذيرهم من عذابه وبطشه فقال: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِر﴾.
ثم إن مطلع الآيات تضمنت النداء العلوي، في صوت الكبير المتعال، بانتداب النبي ﷺ لهذا الأمر الجلل، وانتزاعه من النوم والتدثر والدفء، إلى الجهاد والكفاح والمشقة. ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر*قُمْ فَأَنذِر﴾ كأنه قيل: إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحًا، أما أنت الذي يحمل هذا العبء الكبير فما لك والنوم، وما لك والراحة، وما لك والفراش الدافئ والعيش الهادئ، والمتاع المريح؟! قم للأمر
стр. 91
العظيم الذي ينتظرك، والعبء الثقيل المهيئ لك، قم للجهد والنصب والكد والتعب، قم فقد مضى وقت النوم والراحة، وما عاد منذ اليوم إلا السهر المتواصل والجهاد الطويل الشاق، قم فتهيئ لهذا الأمر واستعد.
إنها كلمة عظيمة رهيبة، تنزعه ﷺ من دفء الفراش في البيت الهادئ والحضن الدافئ، لتدفع به في الخضم بين الزعازع والأنواء، وبين الشد والجذب في ضمائر الناس، وفي واقع الحياة سواء.
وقام رسول الله ﷺ فظل قائمًا بعدها أكثر من عشرين عامًا، لم يسترح ولم يسكن ولم يعش لنفسه، ولا لأهله، قام وظل قائمًا على دعوة الله، يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ، ولا ينوء به عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض، عبء البشرية كلها، عبء العقيدة كلها، وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى.
عاش في المعركة الدائبة المستمرة أكثر من عشرين عامًا، لا يلهيه شأن عن شأن في خلال هذا الأمد، منذ أن سمع النداء العلوي الجليل، وتلقى منه التكليف الرهيب، جزاه الله عنا وعن البشرية كلها خير الجزاء.
مرحلة الدعوة السرية
مرحلة الجهاد بالدعوة إلى الله سرّا ثلاث سنوات:
قام رسول الله ﷺ بعد نزول ما تقدم من آيات سورة المدثر بالدعوة إلى الله ، وحيث إن قومه كانوا جفاة، لا دين لهم إلا عبادة الأصنام والأوثان، ولا حجة لهم إلا أنهم ألفوا آباءهم على ذلك، ولا أخلاق لهم إلا الأخذ بالعزة والأنفة، ولا سبيل لهم في حل المشاكل إلا السيف، وكانوا مع ذلك متصدّرين للزعامة الدينية في جزيرة العرب، ومحتلين مركزها الرئيسي، ضامنين حفظ كيانها، فقد
стр. 92
كان من الحكمة تلقاء ذلك أن تكون الدعوة في بدء أمرها سرية؛ لئلا يفاجئ أهل مكة بما يهيجهم.
الرعيل الأول:
وكان من الطبيعي أن يعرض الرسول ﷺ أولًا على ألصق الناس به من أهل بيته وأصدقائه، فدعاهم إلى الإسلام، ودعا إليه كل من توسم فيه الخير ممن يعرفهم ويعرفونه، يعرفهم بحب الحق والخير، ويعرفونه بتحري الصدق والصلاح، فأجابه من هؤلاء الذين لم تخالجهم ريبة قط في عظمة الرسول ﷺ وجلالة نفسه، وصدق خبره، جمعٌ عُرفوا في التاريخ الإسلامي بالسابقين الأولين، وفي مقدمتهم: زوجة النبي ﷺ أم المؤمنين خديجة بنت خويلد ﵂، ومولاه زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، وابن عمه علي بن أبي طالب، وكان صبيًّا يعيش في كفالة الرسول ﷺ ، وصديقه الحميم أبو بكر الصديق، أسلم هؤلاء في أول يوم من أيام الدعوة.
قال ابن إسحاق: "وكانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله وصدقت بما جاء به، ثم إن جبريل أتى رسول الله ﷺ حين افترضت عليه الصلاة، فهمز له بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت له عينٌ من ماء زمزم، فتوضأ جبريل ومحمد ﵉، ثم صلى ركعتين وسجد أربع سجدات، ثم رجع النبي ﷺ ، وقد أقرّ الله عينه وطابت نفسه، وجاءه ما يحب من الله، فأخذ يد خديجة حتى أتى بها إلى العين، فتوضأ كما توضأ جبريل ثم ركع ركعتين وأربع سجدات، ثم كان هو وخديجة يصليان سرًّا.
قلت: صلاة جبريل هذه غير الصلاة التي صلاها به عند البيت مرتين، فبيَّن له أوقات الصلوات الخمس؛ أولها وآخرها، فإن ذلك كان بعد فرضيتها ليلة الإسراء.
стр. 93
فصل: أول من أسلم من متقدمي الإسلام والصحابة وغيرهم:
قال ابن إسحاق: ((ثم إن علي بن أبي طالب ﵁ جاء بعد ذلك بيوم وهما يصليان، فقال علي: يا محمد ما هذا؟ قال: دين الله الذي اصطفى لنفسه وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وإلى عبادته، وأن تكفر باللات والعزى، فقال علي: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاضٍ أمرًا حتى أحدّث به أبا طالب، فكره رسول الله ﷺ أن يفشي عليه سرّه قبل أن يستعلن أمره، فقال له: يا عليّ، إذ لم تسلم فاكتم، فمكث عليّ تلك الليلة، ثم إن الله أوقع في قلب عليّ الإسلام، فأصبح غاديًا إلى رسول الله ﷺ حتى جاءه فقال: ماذا عرضت عليَّ يا محمد؟ فقال له رسول الله ﷺ : تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتكفر باللات والعزى، وتبرأ من الأنداد، ففعل علي وأسلم)).
ومكث يأتيه على خوف من أبي طالب، وكتم على إسلامه ولم يظهره، وأسلم ابن حارثة -يعني زيدًا- فمكث قريبًا من شهر يختلف عليٌّ إلى رسول الله ﷺ ، وكان مما أنعم الله به على عليٍّ أنه كان في حجر رسول الله ﷺ قبل الإسلام.
قال ابن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: وكان مما أنعم الله به على عليّ أن قريشًا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله ﷺ لعمه العباس، وكان من أيسر بني هاشم: ((يا عباس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق حتى نخفف عنه من عياله، فأخذ رسول الله ﷺ عليًّا فضمه إليه، فلم يزل مع رسول الله ﷺ حتى بعثه الله نبيًّا، فاتبعه علي وآمن به وصدقه)).
وقال آخرون: أول من أسلم من هذه الأمة أبو بكر الصديق.
стр. 94
والجمع بين الأقوال كلها: أن خديجة أول من أسلم من النساء، وظاهر السياقات، وقيل الرجال أيضًا، وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة، وأول من أسلم من الغلمان علي بن أبي طالب، فإنه كان صغيرًا دون البلوغ على المشهور، وهؤلاء كانوا إذ ذاك أهل البيت، وأول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق، وإسلامه كان أنفع من إسلام من تقدم ذكرهم؛ إذ كان صدرًا معظمًا ورئيسًا في قريش مكرّمًا، وصاحب مال وداعية إلى الإسلام، وكان محببًا متألفًا يبذل المال في طاعة الله ورسوله.
قال يونس عن ابن إسحاق: ((ثم إن أبا بكر الصديق لقي رسول الله ﷺ فقال: أحقٌّ ما تقول قريش يا محمد، مِن تركك آلهتنا وتسفيهك عقولنا وتكفيرك آبائنا؟ فقال رسول الله ﷺ : بلى، إني رسول الله ونبيه، بعثني لأبلغ رسالته وأدعوك إلى الله بالحق، فوالله إنه للحق، أدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له ولا تعبد غيره، والموالاة على طاعته، وقرأ عليه القرآن فلم يُقر، ولم ينكر، فأسلم وكفر بالأصنام وخلع الأنداد، وأقر بحق الإسلام، ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدِّق)).
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي أن رسول الله ﷺ قال: ((ما دعوتُ أحدًا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر إلا أبا بكر)) ".
ما يستفاد من الدعوة السرية:
١ - إن بدأ الدعوة النبوية بالسرية فيه حكمة جليلة ومصلحة عامة، تهم الدعوة في ذلك:
لأن بداية الدعوة لا يكون لها أنصار، والناس أعداء لكل جديد وإن كان خيرًا، وأعداء لما يجهلون، فإذا بدأ الرسول بإعلان دعوته قبل أن يؤمن بها أحد،
стр. 95
سيواجه أهل الصولة والجولة والقوة، فيقضون عليه وعلى دعوته قبل وجود أنصار من الذين يقفون إلى جانبه، ويقومون بتبليغ دعوته، ولذلك بدأ هذه المرحلة بتكوين الأنصار، ثم أعلن بعد ثلاث سنوات عن دعوته.
٢ - الأخذ بالأسباب:
فإن على الداعية أن يحافظ على دعوته وعلى نفسه قبل أن تنتشر؛ حتى تنتشر ويوجد من يحمل الرسالة من بعده، ولا يكون ذلك إلا بالأسباب التي تحافظ عليه حتى يؤدي رسالته، ومن أهم هذه الأسباب: السرية.
٣ - نعمة الزوجة الصالحة:
كان مِن نعم الله على رسوله ﷺ أن هداه إلى اختيار خديجة زوجة له، فكانت معينًا ومثبتًا بفضل الله ومنته.
٤ - جواز الاستعانة بمال الزوجة لنشر الدعوة إذا كان بطيب نفس منها، كما كان من خديجة ﵂.
٥ - صفات الرسول تؤهله لحمل الرسالة:
لقد مَنَّ الله على رسوله ﷺ بأخلاق حميدة وصفات عظيمة، أهَّلته لتلقي الرسالة وحملها. قال تعالى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (الأنعام: ١٢٤).
٦ - حسن معاملة الرسول ﷺ حببت من يعرفه بالإسلام فآمن وصدق وتابع.
٧ - الفقراء هم أتباع الرسل:
يُذْكَر أن معظم الذين آمنوا من الفقراء، فما السر في ذلك؟
إن الفقراء أقرب في الفطرة إلى الهداية؛ لأن سبيل الإغراء والإغواء لا تتوفر لهم بعكس الأغنياء، فإن سبل الفساد والإفساد متوفرة لهم وفي متناول أيديهم، والفقراء يبحثون عن محرر لهم، ومنصف ينصفهم من الطواغيت، الذين أذلوهم، وصادروا حرياتهم، واغتصبوا حقوقهم، والرسل وحدهم هم المنقذون لهم.
стр. 96
وخلاصة القول: إن الدعوة الإسلامية في مكة كانت في هذه المرحلة سرية، وكانت فكرة الدعوة ورسالة الدعاة مجهولة تمامًا عند الناس، وعند التنظيمات الأخرى، وعند أصحاب الجاه والسلطان، وعلى هذا، كانت الجماعة الإسلامية والدعوة الإسلامية تعيش في أمن وأمان، لا تصطدم مع غيرها، ولم تتعرض لمضايقة أحد من الزعماء وأصحاب النفوذ؛ لأنهم لم يشعروا بها ولم يعرفوا أهدافها ومراميها.
الجهر بالدعوة:
أول أمر بإظهار الدعوة لما تكونت جماعة من المؤمنين، تقوم على الأخوة والتعاون، وتحمل عبء تبليغ الرسالة، نزل الوحي يكلف رسول الله ﷺ بمعالنة الدعوة ومجابهة الباطل بالحسنى، وأول ما نزل بهذا الصدد قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين﴾ (الشعراء: ٢١٤) وقد ورد في سياق ذكرت فيه أولًا قصة موسى ﵇ من بداية نبوته، إلى هجرته مع بني إسرائيل، وقصص نجاتهم من فرعون وقومه، وإغراق آل فرعون معه.
وقد اشتملت هذه القصة على جميع المراحل، التي مر بها موسى ﵇ خلال دعوة فرعون وقومه إلى الله، وكأن هذا التفصيل جيء به مع أمر الرسول ﷺ بجهر الدعوة إلى الله؛ ليكون أمامه وأمام أصحابه مثال لما يلقونه من التكذيب والاضطهاد، حينما يجهرون بالدعوة، وليكونوا على بصيرة من أمرهم منذ البداية.
ومن ناحية أخرى: تشتمل هذه السورة على ذكر مآل المكذبين للرسل، مِن قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب الأيكة، عدا ما ذُكر من أمر فرعون وقومه؛ ليعلم الذين سيقومون بالتكذيب عاقبة أمرهم، وما سيلقونه من مؤاخذة الله إن استمروا عليها، وليعرف المؤمنون أن حسن العاقبة لهم وليس للمكذبين.
стр. 97
الدعوة في الأقربين:
ودعا رسول الله ﷺ عشيرته بني هاشم بعد نزول هذه الآية، فجاءوا ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف، فكانوا نحو خمسة وأربعين رجلًا، فلما أراد أن يتكلم رسول الله ﷺ بادره أبو لهب وقال: "هؤلاء عمومتك وبنو عمك فتكلم ودعْ الصباة، واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة، وأنا أحق من أخذك فحسبك بنو أبيك، وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يُسب بك بطون قريش، فما رأيت أحدًا جاء على بني أبيه بِشرٍّ مما جئت به، فسكت رسول الله ﷺ ولم يتكلم في ذلك المجلس".
ثم دعاهم ثانية وقال: ((الحمد لله أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثم قال: إن الرائد لا يَكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبدًا، أو النار أبدًا)). فقال أبو طالب: "ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقًا لحديثك، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تحب، فامضِ إلى ما أُمرت به، فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب، فقال أبو لهب: هذه والله السوأة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم، فقال أبو طالب: والله لنمنعنه ما بقينا، على جبل الصفا".
وبعدما تأكد النبي ﷺ من تعهد أبي طالب بحمايته وهو يبلغ عن ربه.
стр. 98
الدرس: ٧ دروس وعبر من مراحل الدعوة إلى الله .
стр. 99
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السابع
(دروس وعبر من مراحل الدعوة إلى الله
أساليب المشركين المتنوعة في إجهاض الدعوة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن استن بسنته وسار على نهجه إلى يوم الدين وبعد:
أسلوب التهديد والمساومة والإغراء:
حاول الكفار مرات عديدة أن يتعاون معهم محمد ﷺ في خلط الإسلام بالكفر؛ ليكونا سويًا دينًا خليطًا من هذا وذاك، وأن يعبدوا الله يومًا ويعبد محمد أصنامهم يومًا آخر وهكذا.
يروي ابن إسحاق بسنده أن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف والعاصي بن وائل السهمي، وكانوا ذوي أسنان في قومهم، اعترضوا محمدًا ﷺ وهو يطوف بالكعبة وقالوا له: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيرًا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرًا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (الكافرون: ١ - ٦). فكانت المفاصلة الكاملة بين الإيمان والكفر.
المقاطعة العامة:
لما رأى كفار مكة أن بني هاشم وبني المطلب تواثقوا وتعاهدوا جميعًا، على حماية محمد ﷺ عملوا على مقاطعتهم وعدم التعامل معهم مطلقًا، وتحالفوا على ألا يجالسوهم، ولا يبيعونهم ولا يشترون منهم، ولا يدخلون بيوتهم، ولا
стр. 100
يكلمونهم، ولا يتزوجون منهم ولا يزوّجوهم، حتى يسلِّموا محمدًا ﷺ لقتله والانتهاء من أمره.
وكتبوا بذلك ميثاقًا علقوه في جوف الكعبة، واستمرت المقاطعة ثلاث سنوات، واشتد الأمر على بني هاشم وبني المطلب، حتى أكلوا ورق الشجر، وحوصروا في شِعبهم ولا يخرجون منه إلا في الأشهر الحرم، للتعامل مع وفود الحج والعمرة، وكان أهل مكة يزايدون عليهم لحرمانهم من كل خير، حيث منعوا أن يتصل بهم أحد من القبائل البعيدة عن مكة، وكانوا إذا رأوا تجارة قادمة سارعوا بشرائها، قبل أن تصل إلى المحاصرين في الشعب، مبالغين في ثمنها، ودام الحال على ذلك، حتى قضى الله بنقض المقاطعة وتمزيق الميثاق المكتوب.
ما يستفاد من المقاطعة:
أولًا: أغيظ ما يغيظ الكفار انتشار الإسلام بين الناس؛ لأن هذا يدل على انحسار الكفر واندحاره في مستقبل الأيام.
ثانيًا: أن أهل الباطل حين يعجزون عن مقارعة الحجة بالحجة، ومواجهة الفكرة بالفكرة، يلجئون إلى أسلوب التصفية، وسفك دماء الذين يخالفونهم في التوجيه والفكر والعقيدة؛ ظنًّا منهم أن بقتلهم تقتل دعواتهم وتموت مبادئهم، وهذا وهْم باطل وظن كاذب، أثبت الواقع كذبه وبطلانه.
ثالثًا: إن هذا الخبر يدلنا على الحالة النفسية التي يعاني منها معسكر الكفر، هذه المعاني تدل على انهيار في الروح المعنوية، وهم يرون الإسلام يزحف، والكفر يتراجع، ومصيرهم مهدد.
стр. 101
رابعًا: صلة النبي ﷺ بأقاربه وعشيرته، وكذلك المسلمون من بني هاشم، كانت حسنة، فتعاطفوا معهم ونصروهم، مع أنهم ليسوا على دينهم، ويمكن للداعية أن يحسِن علاقته مع عشيرته دون أن يخالف شرع الله وحكمه، ويستفيد من حسن الصلة بهم في خدمة دعوته، ونشر فكرته، وتوفير الحماية له من أعدائه.
خامسًا: إن وسيلة الضغط على هؤلاء المسلمين، بقيادة الرسول ﷺ وعلى المتعاطفين معهم -كانت مؤلمة، إنها المقاطعة العامة في البيع والأخذ والعطاء، حتى جاعوا جوعًا شديدًا فأكلوا ورق الشجر على قِلته، وتقرحت أشداقهم، إلا أن الثبات والصبر على المبدأ، وقوة إيمان المسلمين ثبتتهم أمام هذه المقاطعة العامة، حتى كان الرجل يعود إلى أطفاله ليس في يده شيء يطعمهم إياه، فترتفع عقيرتهم بكاء من شدة الجوع الذي يعانون منه.
سادسًا: لقد سخّر الله ﵎ من الكافرين من يقف بجانب المسلمين، ويتعاطف معهم من أقاربهم ومن غير أقاربهم، ويقدّم لهم يد العون والمساعدة سرًّا، فكان هشام بن عمرو يأتي بالبعير إلى الشِّعب ليلًا، وقد حمله طعامًا وتارة ثيابًا، ويدفعه إلى المحاصرين المقاطعين.
سابعًا: قيام الحجج الدامغة والبراهين الساطعة والمعجزات الخارقة، لا يؤثر في أصحاب الهوى وعبدة المصالح والمنافع؛ لأنهم يلغون عقولهم، ويغلقون قلوبهم وعقولهم عن التدبير، ويصمون آذانهم عن سماع الحق، ويغمضون أعينهم عن النظر والتأمل والاهتداء إلى الحق، بعد قيام الأدلة عليهم.
فلقد أخبرهم أبو طالب بما أخبر به الرسول ﷺ بما حدث للصحيفة من أكل الأرضة لها، وبقاء اسم الله فقط: باسمك اللهم، ورأوا ذلك بأم أعينهم، فما آمن منهم أحد؛ إنه الهوى الذي يصد عن اتباع الحق، ويصم الآذان عن سماعه.
стр. 102
ثامنًا: الشدائد لا تؤثر في عزائم أصحاب المبادئ والإيمان والقيم الإسلامية، لقد خرج المسلمون من هذه المحنة -على قساوتها وشدتها- أقوى، لا تلين لهم قناة ولا تهون لهم عزيمة، لقد استمروا في ثباتهم على طريق الهدى والتقى، والإصرار على محاربة الشرك، ومطاردته والقضاء عليه.
التشكيك في القرآن الكريم وإثارة الشبهات:
فقد أكثروا من ذلك وتفننوا فيه، بحيث لا يبقى لعامة الناس مجال للتدبر في دعوته والتفكير فيها، فكانوا يقولون عن القرآن: أضغاث أحلام يراها محمد بالليل ويتلوها بالنهار، ويقولون: بل افتراه من عند نفسه، ويقولون: إنما يعلمه بشر، وقالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، أي اشترك هو وزملاؤه في اختلاقه، وقالوا: أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا، وأحيانًا قالوا: إن له جنًّا أو شيطانًا يتنزل عليه، كما ينزل الجن والشياطين على الكهان. قال تعالى ردًّا عليهم: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ (الشعراء: ٢٢١، ٢٢٢) أي أنها تنزل على الكذاب الفاجر المتلطخ بالذنوب، وما جربتم عليَّ كذبًا، وما وجدتم فيَّ فسقًا، فكيف تجعلون القرآن من تنزيل الشياطين؟!
وأحيانًا قالوا عن النبي ﷺ : إنه مصاب بنوع من الجنون، فهو يتخيل المعاني، ثم يصوغها في كلمات بديعة رائعة، كما يصيغ الشعراء، فهو شاعر وكلامه شعر. قال تعالى ردًّا عليهم: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ (الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٦).
فهذه ثلاث خصائص يتصف بها الشعراء، ليست واحدة منها للنبي ﷺ ؛ فالذين اتبعوه هداة مهتدون متقون صالحون، في دينهم وخلقهم وأعمالهم وتصرفاتهم،
стр. 103
وليست عليهم مسحة من الغواية في أي شأن من شئونهم، ثم النبي ﷺ لا يهيم في كل واد كما يهيم الشعراء، بل هو يدعو إلى رب واحد ودين واحد وصراط واحد، وهو لا يقول إلا ما يفعل ولا يفعل إلا ما يقول، فأين هو من الشعر والشعراء، وأين الشعر والشعراء منه؟!
هكذا كان يرد عليهم بجواب مقنع حول كل شبهة كانوا يثيرونها ضد النبي ﷺ والقرآن والإسلام، ومعظم شبهاتهم كانت تدور حول التوحيد، ثم رسالة محمد ﷺ ، ثم بعث الأموات ونشرهم وحشرهم يوم القيامة، وقد رد القرآن على كل شبهة من شبهاتهم حول التوحيد، بل زاد عليها زيادات أوضح بها هذه القضية من كل ناحية، وبيَّن عجز آلهتهم عجزًا لا مزيد عليه، ولعل هذا كان مثار غضبهم واستنكارهم الذي أدى إلى ما أدى إليه.
أما شبهاتهم في رسالة النبي ﷺ : فإنهم مع اعترافهم بصدق النبي ﷺ وأمانته وغاية صلاحه وتقواه، كانوا يعتقدون أن منصب النبوة والرسالة أجل وأعظم من أن يعطى لبشر، فالبشر لا يكون رسولًا، والرسول لا يكون بشرًا حسب عقيدتهم، فلما أعلن رسول الله ﷺ عن نبوته ودعا إلى الإيمان به تحيروا، وقالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ وقالوا: إن محمدًا بشر، ﴿مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾، فقال تعالى ردًّا عليهم: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ (الأنعام: ٩١) وكانوا يعرفون ويعترفون بأن موسى بشر، ورد عليهم أيضًا بأن كل قوم قالوا لرسلهم -إنكارًا على رسالتهم: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾، فـ ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ﴾.
فالأنبياء والرسل لا يكونون إلا بشرًا، ولا منافاة بين البشرية والرسالة، وحيث إنهم كانوا يعترفون بأن إبراهيم وإسماعيل وموسى ﵈ كانوا رسلًا
стр. 104
وكانوا بشرًا، فإنهم لم يجدوا مجالًا للإصرار على شبهتهم هذه، فقالوا: ألم يجد الله لحمل رسالته إلا هذا اليتيم المسكين؟! ما كان الله ليترك كبار أهل مكة والطائف ويتخذ هذا المسكين رسولًا، ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم﴾. قال تعالى ردًّا عليهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ (الزخرف: ٣٢) يعني بأن الوحي والرسالة رحمة من الله، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
وانتقلوا بعد ذلك إلى شبهة أخرى، قالوا: إن رسل ملوك الدنيا يمشون في موكب من الخدم والحشم، ويتمتعون بالأبهة والجلال، ويوفر لهم كل أسباب الحياة، فما بال محمد يدفع إلى الأسواق للقمة عيش وهو يدعي أنه رسول الله ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ (الفرقان: ٧، ٨).
ورد على شبهتهم هذه بأن محمدًا رسول الله، يعني أن مهمته هو إبلاغ رسالة الله إلى كل صغير وكبير، وضعيف وقوي، وشريف ووضيع، وحر وعبد، فلو لبث في الأبهة والجلال والخدم والحشم والحرس مثل رسل الملوك، لم يكن يصل إليه ضعفاء الناس وصغارهم، حتى يستفيدوا به، وهم جمهور البشر، وإذن فاتت مصلحة الرسالة ولم تكن لها فائدة تذكر.
أما إنكارهم البعث بعد الموت؛ فلم يكن لهم عندهم في ذلك إلا التعجب والاستغراب والاستبعاد العقلي، فكانوا يقولون: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ (الصافات: ١٦، ١٧) وكانوا يقولون: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (ق: ٣) وكانوا يقولون على سبيل الاستغراب: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ (سبأ: ٧، ٨).
стр. 105
وقال قائلهم:
أموت ثم بعث ثم حشر ... حديث خرافة يا أم عمرو
وقد رد عليهم بتبصيرهم ما يجري في الدنيا، فالظالم يموت دون أن يلقى جزاءه، والمظلوم يموت دون أن يأخذ حقه من ظالمه، والمحسن الصالح يموت قبل أن يلقى جزاء إحسانه وصلاحه، والفاجر المسيء يموت قبل أن يعاقَب على سوء عمله، فإن لم يكن بعث ولا حياة ولا جزاء بعد الموت لاستوى الفريقان، بل لكان الظالم والفاجر أسعد من المظلوم والصالح، وهذا غير مقبول إطلاقًا.
ولا يتصور من الله أن يبني نظام خلقه على مثل هذا الفساد. قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (القلم: ٣٥، ٣٦) وقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (ص: ٢٨) وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (الجاثية: ٢١) وأما الاستبعاد العقلي فقال تعالى ردًّا عليه: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ (النازعات: ٢٧) وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الأحقاف: ٣٣) وقال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الواقعة: ٦٢).
وبيَّن ما هو معروف عقلًا وعرفًا، وهو أن الإعادة أهون عليه، وقال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ (الأنبياء: ١٠٤) وقال سبحانه: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ (ق: ١٥).
وهكذا رد على كل ما أثاروا من الشبهات ردًا مفحمًا يقنع كل ذي عقل ولُب، ولكنهم كانوا مشاغبين مستكبرين، يريدون علوًّا في الأرض، وفرض رأيهم على الخلق، فبقوا في طغيانهم يعمهون.
стр. 106
اشتداد التضييق على الدعوة إلى الله:
قال ابن إسحاق: "ثم إن قريشًا اشتد أمرهم للشقاء الذي أصابهم في عداوة رسول الله ﷺ ومَن أسلم معه منهم، فأغروا برسول الله ﷺ سفهاءهم، فكذبوه وآذوه ورموه بالسحر والشعر والكهانة والجنون، ورسول الله ﷺ مظهر لأمر الله لا يستخفي به، يبادلهم بما يكرهون من عيب دينهم، واعتزال أوثانهم، وفراقه إياهم على كفرهم.
السخرية والتكذيب، وصد الناس عن الدعوة، والاعتداء، والمطالب التعجيزية
وقد سلكت قريش أساليب كثيرة لمجابهة الدعوة؛ والتي منها:
١ - السخرية والتحقير والاستهزاء والتكذيب:
قصدوا بها تخذيل المسلمين وتوهين قواهم المعنوية، فرموا النبي ﷺ بتهم هازلة وشتائم سفيهة، فكانوا ينادونه بالمجنون: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ (الحجر: ٦) يصفونه بالسحر والكذب، ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ (ص: ٤) وكانوا يشيعونه ويستقبلونه بنظرات ملتهمة ناقمة وعواطف مفتعلة، وعواطف منفعلة هائجة ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُون﴾ (القلم: ٥١).
وكان إذا جلس وحوله المستضعفون من أصحابه استهزءوا بهم، وقالوا: هؤلاء جلساؤه، مَنَّ الله عليهم من بيننا؟! قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِين﴾ (الأنعام: ٥٣) وكانوا كما قص الله علينا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ (المطففين: ٢٩ - ٣٣).
стр. 107
وقد أكثروا من السخرية والاستهزاء، وزادوا من الطعن والتضحيك شيئًا فشيئًا، حتى أَثَّر ذلك في نفس رسول الله ﷺ ، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ (الحجر: ٩٧) ثم ثبته الله وأمره بما يذهب بهذا الضيق، فقال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر: ٩٩،٩٨) وقد أخبره مِن قَبل أن يكفيه هؤلاء المستهزئين، حيث قال: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (الحجر: ٩٥، ٩٦).
وأخبره أن فعلهم هذا سوف ينقلب وبالًا عليهم، فقال: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (الأنعام: ١٠).
٢ - الحيلولة بين الناس وبين سماعهم القرآن، ومعارضته بأساطير الأولين:
كان المشركون يحولون بين الناس وبين سماعهم القرآن، ودعوة الإسلام بكل طريق يمكن، فكانوا يطردون الناس، ويثيرون الشغب والضوضاء، ويتغنون ويلعبون إذا رأوا النبي ﷺ يتهيأ للدعوة، أو إذا رأوه يصلي ويتلو القرآن. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: ٢٦).
حتى إن النبي ﷺ لم يتمكن من تلاوة القرآن عليهم في مجامعهم ونواديهم إلا في أواخر السنة الخامسة من النبوة، وذلك أيضًا عن طريق المفاجأة دون أن يشعروا بقصده قبل بداية التلاوة.
وكان النضر بن الحارث -أحد شياطين قريش- قد قدم الحيرة، ومعه بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم بسفنديار، وفي رواية عن ابن عباس: أن النضر كان قد اشترى قينة، فكان لا يسمع بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول: أطعميه اسقيه وغنيه، هذا خير مما يدعوك إليه محمد، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (لقمان: ٦).
стр. 108
٣ - اعتداءات على رسول الله ﷺ :
واخترقت قريش ما كانت تتعاظمه وتحترمه، منذ ظهرت الدعوة على الساحة، فقد صعب على غطرستها وكبريائها أن تصبر طويلًا، فمدّت يد الاعتداء إلى رسول الله ﷺ مع ما كانت تأتيه من السخرية والاستهزاء والتشويه والتلبيس والتشويش، وغير ذلك.
وكان من الطبيعي أن يكون أبو لهب في مقدمتهم وعلى رأسهم، فإنه كان أحد رءوس بني هاشم، فلم يكن يخشى ما يخشاه الآخرون، فكان عدوًّا لدودًا للإسلام وأهله، وقد وقف موقف العداء من رسول الله ﷺ منذ اليوم الأول، واعتدى عليه قبل أن تفكر فيه قريش، وقد أسلفنا ما فعل بالنبي ﷺ في مجلس بني هاشم، وما فعل على الصفا، ورأى رسول الله من المشركين كثير الأذى وعظيم الشدة، خصوصًا إذا ذهب إلى الصلاة عند البيت، وكان من أعظمهم أذى لرسول الله ﷺ جماعة سموا لكثرة أذاهم بالمستهزئين.
فأولهم وأشدهم عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، قال يومًا: يا معشر قريش، إن محمدًا قد أتى ما ترون من عيب دينكم، وشتم آلهتكم، وتسفيه أحلامكم، وسب آبائكم، إني أعاهد الله لأجلسن له غدًا بحجر لا أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته رضخت به رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بي بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، فلما أصبح أخذ حجرًا كما وصف، ثم جلس لرسول الله ينتظره، وغدا ﵊ كما كان يغدو إلى صلاته، وقريش في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد ﵊، احتمل أبو جهل الحجر وأقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزمًا ممتقعًا لونه من الفزع، ورمى حجره من يده، فقام إليه رجال من قريش فقالوا: ما لك يا أبا الحكم؟!
стр. 109
قال: قمت إليه لأفعل ما قلت لكم، فلما دنوت منه عرض لي فحل من الإبل، والله ما رأيت مثله قط، هم بي أن يأكلني، فلما ذُكر ذلك لرسول الله ﷺ قال: ((ذاك جبريل ولو دنا منه لأخذه)).
وكان أبو جهل كثيرًا ما ينهى الرسول ﷺ عن صلاته عند البيت، فقال له مرة بعد أن رآه يصلي: ألم أنهك عن هذا، فأغلظ له رسول الله ﷺ القول وهدده، فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديًا، فأنزل الله تهديدًا له في آخر سورة اقرأ: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (العلق: ١٥ - ١٩).
ومن أذيته للرسول ﷺ ما حكاه عبد الله بن مسعود من رواية البخاري قال: ((كنا مع رسول الله ﷺ في المسجد وهو يصلي، فقال أبو جهل: ألا رجل يقوم إلى فرث جزور بني فلان فيلقه على محمد وهو ساجد، فقام عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس، وجاء بذلك الفرث فألقاه على النبي ﷺ وهو ساجد، فلم يقدر أحد من المسلمين -الذين كانوا بالمسجد- على إلقائه عنه؛ لضعفهم عن مقاومة عدوهم، ولم يزل ﵊ ساجدًا حتى جاءت فاطمة بنته فأخذت القذر ورمته، فلما قام دعا على من صنع هذا الصنع القبيح فقال: اللهم عليك بالملأ من قريش، وسمى أقوامًا. قال ابن مسعود: فرأيتهم قتلوا يوم بدر)).
ومما حصل لرسول الله ﷺ مع أبي جهل ((أن هذا ابتاع أجمالًا من رجل يقال له الأراشي، فمطله بأثمانها، فجاء الرجل مجمع قريش يريد منهم مساعدته على أخذ ماله، فدلوه على رسول الله ﷺ لينصفه من أبي جهل؛ استهزاء مما يعلمونه من أفعال ذلك الشقي بالرسول ﷺ فتوجه الرجل إليه وطلب منه المساعدة على أبي جهل، فخرج معه حتى ضرب عليه بابه، فقال: من هذا؟ قال: محمد،
стр. 110
فخرج ممتقعًا لونه، فقال له الرسول ﷺ : أعط هذا حقه، فقال أبو جهل: لا تبرح حتى تأخذه، فلم يبرح الرجل حتى أخذ دينه، فقالت قريش: ويلك يا أبا الحكم! ما رأينا مثل ما صنعت. قال: ويْحكم، والله ما هو إلا أن ضرب عليَّ بابي، حتى سمعت صوته فملئت منه رعبًا، حتى خرجت إليه وإن فوق رأسي فحلًا من الإبل ما رأيت مثله قط، لو أبيت أو تأخرت لأكلني)).
ومن المستهزئين عقبة بن أبي معيط، كان الجار الثاني لرسول الله ﷺ ، وكان يعمل معه كأبي لهب، صنع مرة وليمة ودعا لها كبراء قريش وفيهم رسول الله ﷺ فقال ﵊: ((والله لا آكل طعامك حتى تؤمن بالله فتشهد، فبلغ ذلك أبي بن خلف وكان صديقًا له فقال: ما شيء بلغني عنك؟ قال: لا شيء، دخل منزلي رجل شريف فأبى أن يأكل طعامي حتى أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم، فشهدت له، قال أبي: وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمدًا فلم تطأ عنقه، وتبصق في وجهه، وتلطم عينه، فلما رأى عقبة رسول الله ﷺ فعل به ذلك)) فأنزل الله فيه سورة الفرقان: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ (الفرقان: ٢٧ - ٢٩).
ومن أشد ما صنعه ذلك الشقي برسول الله ﷺ ما رواه البخاري في صحيحه قال: "بينما النبي يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنق رسول الله ﷺ فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه، ودفعه عن النبي ﷺ وقال: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟! ".
ومن جماعة المستهزئين: العاص بن وائل السهمي القرشي، والد عمرو بن العاص، كان شديد العداوة لرسول الله ﷺ ، وكان يقول: "غَرَّ محمد أصحابه أن
следующие страницы →