← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 12178

أحكام القضاء في الصيام

عواض العمري

Полный текст (72 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ال مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وبعد: فقد شرع الله صيام رمضان على عباده المؤمنين. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١) . روى الإمام أحمد وغيره عن معاذ بن جبل ﵁ قال: «أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال، فأما أحوال الصلاة ... وأما أحوال الصيام: فإن رسول الله ﷺ قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وصام عاشوراء، ثم إن الله فرض عليه الصيام، وأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ

стр. 2

قَبْلِكُمْ﴾ . إلى قوله ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ . فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكيناً فأجزأ ذلك عنه. ثم إن الله أنزل الآية الأخرى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ . إلى قوله ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ . فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، فهذان حالان. قال: وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء مالم يناموا فإذا ناموا امتنعوا، ثم إن رجلاً من الأنصار يقال له صرمة ظل يعمل صائماً حتى أمسى فجاء إلى أهله فصلى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح فأصبح صائماً، قال: فرآه رسول الله ﷺ وقد جهد جهداً شديداً، قال مالي أراك قد جهدت جهداً شديداً؟ قال: يا رسول الله إني عملت أمس فجئت حين جئت فألقيت نفسي فنمت وأصبحت حين أصبحت صائماً، قال: وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام فأتى النبي ﷺ فذكر له ذلك فأنزل الله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١) » (٢)

стр. 3

ولما كان الإنسان عرضة للوقوع في بعض الأعذار المبيحة للفطر في شهر رمضان كالمرض أو السفر، أو قد تغلبه شهوته بالأكل أو الشرب أو الجماع أثناء الصيام، وما يترتب على ذلك من قضاءٍ للأيام التي أفسد صومه فيها أحببت التعرف على أحكام القضاء من خلال ما كتبه العلماء رحمهم الله تعالى في مُؤَلَّفٍ سميته: (أحكام القضاء في الصيام) . وقد بذلت قصارى جهدي في جمع أقوال العلماء من الكتب المعتمدة مُؤيداً ذلك بالدليل ومُناقِشاً ما يستحق المناقشة من خلال ما قاله هؤلاء العلماء، ثم أخرج من كل مسألة بما أرى أنه الراجح الذي يؤيده الدليل. فإن كنت قد وفقت في ذلك للصواب فهو من الله تعالى فله الحمد والشكر فهو المستحق لذلك، وإن كان غير ذلك فعذري أني من جملة البشر عرضة للخطأ والصواب ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم. * خطة البحث: يتكون بحثي من مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة.

стр. 4

المقدمة في: الافتتاحية، وخطة البحث، ومنهجه. والتمهيد في: تعريف الصوم، حكمه، أدلة مشروعيته. الفصل الأول: قضاء الناسي والمتعمد ومن أنزل بدون جماع والمجامع نسياناً أو عمداً. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: قضاء الناسي والمتعمد. وفيه مطلبان: المطلب الأول: قضاء من أكل أو شرب ناسياً لصومه. المطلب الثاني: قضاء من أكل أو شرب أو قاء متعمداً المبحث الثاني: قضاء من أنزل بدون جماع. المبحث الثالث: المجامع نسياناً أو عمداً. وفيه مطلبان: المطلب الأول: قضاء من جامع ناسياً لصومه. المطلب الثاني: قضاء من جامع متعمداً. الفصل الثاني: في قضاء أصحاب الأعذار. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: قضاء المريض والمسافر. المبحث الثاني: قضاء الحامل ولمرضع. المبحث الثالث: قضاء النائم والمغمى عليه. الفصل الثالث: في القضاء عن الميت وصوم التطوع. وفيه مبحثان:

стр. 5

المبحث الأول: القضاء عن الميت. المبحث الثاني: القضاء في التطوع. الخاتمة في أهم نتائج البحث. * منهج البحث: سلكت في بحثي الخطوات الآتية: درست المسائل الفقهية الواردة في البحث دراسة فقهية مقارنة وحرصت على بيان المذاهب الأربعة إلاّ من لم أجد له قولاً في المسألة، وأذكر أحياناً قول الظاهرية وبعض الصحابة والتابعين وغيرهم من الفقهاء. إذا كانت المسألة من المسائل المجمع عليها ذكرت الإجماع فيها، وإذا كانت من غير ذلك ذكرت الأقوال فيها، ومن قال بها، ثم أذكر الأدلة وما قد يرد عليها من مناقشة، ثم أخرج بالقول الراجح منها. ذكرت وجه الدلالة عند بعض الأدلة إذا نص المستدل على ذلك، وقد لا أذكر وجه الدلالة عند البعض الآخر لوضوحه. اجتهد في نقل أقوال الفقهاء من مصادرها الأصيلة.. ذكرت أرقام الآيات القرآنية وأسماء السور التي وردت فيها. خرّجت الأحاديث النبوية من كتب السنة بذكر رقم الجزء والصفحة واسم الكتاب والباب ورقم الحديث إن وجد، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما فقد اكتفى بهما أو بأحدهما وقد أزيد على ذلك، وإذا لم يكن الحديث في الصحيحين أو في أحدهما اجتهدت في تخريجه من كتب السنة مع ذكر درجة الحديث صحة وضعفاً معتمداً على الكتب المعنية بذلك. خرّجت الآثار من الكتب المعتمدة في ذلك.

стр. 6

بينت معاني بعض الكلمات معتمداً على كتب اللغة. لم أترجم للأعلام الوارد ذكرهم في البحث خشية الإطالة. ختمت البحث بأهم النتائج التي توصلت إليها. وضعت الفهارس التالية: فهرس المصادر والمراجع. فهرس الموضوعات.

стр. 7

التمهيد: تعريف الصوم وحكمه وأدلة مشروعيته * تعريف الصوم: الصوم في اللغة: الإمساك عن الشيء والترك له، وقيل للصائم صائم لإمساكه عن المطعم والمشرب والمنكح، وقيل للصامت صائم لإمساكه عن الكلام. (١) وفي الشرع: إمساك مخصوص عن أشياء مخصوصة في زمن مخصوص من شخص مخصوص. (٢) قال السرخسي: إمساك مخصوص: وهو الكف عن قضاء الشهوتين شهوة البطن وشهوة الفرج. من شخص مخصوص: وهو أن يكون مسلماً طاهراً من الحيض والنفاس. في وقت مخصوص: وهو ما بعد طلوع الفجر إلى وقت غروب الشمس. بصفة مخصوصة: وهو أن يكون على قصد التقرب. (٣) * حكمه وأدلة مشروعيته: الصوم أحد أركان الإسلام الخمسة. وقد دل على مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله (١) لسان العرب ٤/٢٥٣٠ مادة (صوم) . (٢) المجموع ٦/٢٠٠، والمنتقى ٢/٣٥، والمغني ٣/٨٥، وكشاف القناع ٢/٣٤٩، والحاوي الكبير ٣/٣٩٤، وبدائع الصنائع ٢/٧٥ وفتح الباري ٤/١٠٢. (٣) المبسوط ٣/٥٤.

стр. 8

تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ..﴾ . (١) وأما السنة فحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان" (٢) . وأجمع المسلمون على وجوب صيام شهر رمضان (٣) .

стр. 9

ال تمهيد: تعريف الصوم وحكمه وأدلة مشروعيته * تعريف الصوم: الصوم في اللغة: الإمساك عن الشيء والترك له، وقيل للصائم صائم لإمساكه عن المطعم والمشرب والمنكح، وقيل للصامت صائم لإمساكه عن الكلام. (١) وفي الشرع: إمساك مخصوص عن أشياء مخصوصة في زمن مخصوص من شخص مخصوص. (٢) قال السرخسي: إمساك مخصوص: وهو الكف عن قضاء الشهوتين شهوة البطن وشهوة الفرج. من شخص مخصوص: وهو أن يكون مسلماً طاهراً من الحيض والنفاس. في وقت مخصوص: وهو ما بعد طلوع الفجر إلى وقت غروب الشمس. بصفة مخصوصة: وهو أن يكون على قصد التقرب. (٣) * حكمه وأدلة مشروعيته: الصوم أحد أركان الإسلام الخمسة. وقد دل على مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله

стр. 10

تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ..﴾ . (١) وأما السنة فحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان" (٢) . وأجمع المسلمون على وجوب صيام شهر رمضان (٣) .

стр. 11

الفصل الأول: قضاء الناسي والتعتمد زمن أنزل بدون جماع المبحث الأول: قضاء الناسي والمتعمد قضاء من أكل أو شرب ناسياً لصومه ... الفصل الأول: قضاء الناسي والمتعمد ومن أنزل بدون جماع والمجامع نسياناً أو عمداً المبحث الأول: قضاء الناسي والمتعمد وفيه مطلبان: المطلب الأول: قضاء من أكل أو شرب ناسياً لصومه لا خلاف بين الفقهاء الثلاثة أبي حنيفة (١) والشافعي (٢) ، وأحمد (٣) ، أن من أكل أو شرب ناسياً لصومه أن صومه صحيح ولا قضاء عليه لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» (٤)

стр. 12

قال ابن دقيق العيد: فأمر بالإتمام، وسمي الذي يتم صوما. (١) ورواه الدارقطني بلفظ: «إذا أكل الصائم ناسياً، أو شرب ناسياً، فإنما هو رزق ساقه الله إليه ولا قضاء عليه» ، وقال: إسناده صحيح، وكلهم ثقات (٢) . وقال مالك (٣) وربيعة (٤) : إذا أكل أو شرب ناسياً يفسد صوم الفرض وعليه القضاء دون الكفارة. واستدل مالك على إيجاب القضاء بأن المطلوب منه صيام يوم تام لا يقع فيه خَرْم لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٥) وهذا لم يأت به على التمام فهو باقٍ عليه، ولعل الحديث (٦) في صوم التطوع لخفّته، وقد جاء في صحيحي البخاري ومسلم: "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه" (٧) . فلم يذكر قضاء ولا تعرض له، بل الذي تعرض له سقوط المؤاخذة

стр. 13

والأمر بمضيه على صومه وإتمامه (١) . قال القرطبي: هذا ما احتج به علماؤنا وهو صحيح، لولا ما صح عن الشارع، وقد جاء بالنص الصريح الصحيح ما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "من أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة". رواه الدارقطني وقال: تفرد به محمد بن مرزوق وهو ثقة عن الأنصاري (٢) . فزال الاحتمال وارتفع الإشكال والحمد لله ذي الجلال والكمال (٣) وقال الداودي: لعل مالكاً لم يبلغه الحديث، أو أوله على رفع الإثم (٤) . الراجح: أرى أن الراجح ما ذهب إليه الجمهور أن من أكل أو شرب ناسياً لصومه أن صومه صحيح ولا قضاء عليه لحديث أبي هريرة المتقدم. والله تعالى أعلم.

стр. 14

المطلب الثاني: قضاء من أكل أو شرب أوقاء متعمداً من أكل أو شرب عامداً فإنه يفطر بذلك بدلالة الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١) . فأباح الله تعالى الأكل والشرب إلى غاية، وهي تبين الفجر، ثم أمر بالإمساك عنهما إلى الليل، لأن حكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها. (٢) وأما السنة: فحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي" (٣) وأما الإجماع: فأجمع العلماء على الفطر بالأكل والشرب، وممن نقل الإجماع فيه ابن المنذر. (٤) ويجب على من أكل أو شرب عامداً القضاء لما يأتي: أولا: قياس من أكل أو شرب متعمداً في نهار رمضان في وجوب القضاء عليه على الواطئ (٥) . في حديث أبي هريرة ﵁ وقول النبي صلى الله

стр. 15

عليه وسلم له: " صم يوماً مكانه " (١) . ثانياً: أن المفطر وجب عليه الصوم بشهود الشهر، وقد انعدم الأداء عنه فيلزمه القضاء. (٢) ثالثاً: أن الله تعالى أوجب القضاء على المريض والمسافر مع وجود العذر، فلأن يجب مع عدم العذر أولى (٣) . رابعاً: قال ابن قدامة: متى أفطر بشيء من ذلك - ومنها الأكل والشرب متعمداً - فعليه القضاء لا نعلم في ذلك خلافاً. (٤)

стр. 16

أما القيء فالجمهور من الفقهاء -أبو حنيفة (١) ومالك (٢) والشافعي (٣) وأحمد (٤) -: أن من استقاء فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فلا شيء عليه. والأصل في ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض» (٥) . قال ابن المنذر: وأجمعوا على أنه لا شيء على الصائم إذا ذرعه القيء. وقال: وأجمعوا على إبطال صوم من استقاء عامداً. (٦)

стр. 17

وقال الخطابي: لا أعلم خلافاً بين أهل العلم في أن من ذرعه القيء فإنه لا قضاء عليه، ولا في أن من استقاء عامداً أن عليه القضاء. (١) وقال ابن قدامة: من استقاء فعليه القضاء، ومن ذرعه فلا شيء عليه، هذا قول عامة أهل العلم. (٢) ومعنى استقاء: أي تسبب لخروجه قصداً. (٣) وذرعه القيء: أي سبقه وغلبه في الخروج. (٤)

стр. 18

المبحث الثاني: القضاء من أنزل بدون جماع ... المبحث الثاني: قضاء من أنزل بدون جماع لا خلاف بين الفقهاء الأربعة - أبي حنيفة (١) ، ومالك (٢) ، والشافعي (٣) وأحمد (٤) - أن المباشرة فيما دون الفرج، والتقبيل، واللمس، توجب القضاء إذا صاحب ذلك إنزال للمني، وكان عامداً لا ناسياً، لما ورد عن جابر بن عبد الله رضي الله قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: هششت فقبّلت وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمراً عظيماً، قبّلت وأنا صائم، قال: "أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم" قلت: لا بأس به، قال: "فمه"؟ (٥) فوجه الدلالة: أن النبي ﷺ شبّه القبلة بالمضمضة من حيث إنها من

стр. 19

مقدمات الشهوة، وأن المضمضمة إذا لم يكن معها نزول الماء لم يفطر، وإن كان معها نزوله أفطر، فدل على أن القبلة مثلها (١) . أما إذا لم ينْزل فلا يفسد صومه بذلك لحديث عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يقّبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه» (٢) والاستمناء باليد يوجب القضاء عند الشافعية (٣) ، والحنابلة (٤) . لأنه إنزال عن مباشرة فهو كالقبلة في إثارة الشهوة (٥) أما إذا قبّل فأمذى، أو كرّر النظر فأنزل فقد اختلف الفقهاء فيه على قولين: القول الأول: أن من قبّل فأمذى، أو كررّ النظر فأنزل، فعليه القضاء، لأنه قد أفسد صومه، وبه قال مالك (٦) ، وأحمد (٧) ، وعطاء، والحسن البصري، والحسن بن صالح (٨) . القول الثاني: لا قضاء عليه وصومه صحيح. وبه قال أبو حنيفة (٩) ، والشافعي (١٠) وجابر بن زيد، وسفيان الثوري، وأبو ثور (١١) .

стр. 20

الأدلة: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: أولاً: أن المذي خارج تتخلله الشهوة، خرج بالمباشرة فأفسد الصوم كالمني (١) . ثانياً: أن من أنزل بتكرار النظر يفسد صومه، لأنه إنزال بفعل يلتذ به كاللمس، ولأنه نوع من الاستمتاع يكون بالنظر كما يكون بالمباشرة (٢) واستدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: أولاً: أن من نظر وتلذذ فأنزل لم يبطل صومه، لأنه إنزال من غير مباشرة فلم يُبطل الصوم، كما لو نام فاحتلم، أو أنزل بالفكر. ولأن النظر ليس بجماع، لأنه ليس بقضاء للشهوة، بل هو سبب لحصول الشهوة (٣) ويجاب عنه: بأن الفكر لا يمكن التحرز منه بخلاف تكرار النظر (٤) . ثانياً: أن من قبّل امرأة وتلذذ فأمذى ولم يمن لم يفطر، لأنه خارج لا يوجب الغسل، فأشبه البول (٥) . الراجح: أرى أن الراجح أن من قبّل فأمذى، أو كرّر النظر فأمنى، أن صيامه قد فسد وعليه القضاء، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول للأدلة العقلية التي ذكروها، ولأن هذا من باب الاحتياط في العبادة والله تعالى أعلم.

стр. 21

المبحث الثالث: قضاء المجامع نسياناً أو عمداً المطلب الأول: قضاء من جامع ناسياً ... المبحث الثالث: قضاء المجامع نسياناً أو عمداً وفيه مطلبان: المطلب الأول: قضاء من جامع ناسياً اختلف الفقهاء في من جامع ناسياً لصومه هل يجب عليه شيء أم لا؟ على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا قضاء عليه ولا كفارة. وبه قال أبو حنيفة (١) ، والشافعي (٢) ، والحسن البصري (٣) ، ومجاهد (٤) ، والثوري (٥) ، وإسحاق بن راهويه (٦) ، وأبو ثور (٧) ، وداود (٨) ، وأحمد في رواية (٩) . القول الثاني: عليه القضاء دون الكفارة. وبه قال مالك في المشهور (١٠) ،

стр. 22

والأوزاعي (١) ، والليث (٢) ، وعطاء في رواية (٣) . القول الثالث: عليه القضاء والكفارة. وبه قال أحمد في رواية (المذهب) وعبد الملك بن الماجشون ورواه عن مالك (٤) ، وبعض أهل الظاهر (٥) وعطاء في رواية (٦) . الأدلة: استدل أصحاب القول الأول بحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه" (٧) . قالوا: فنص على الأكل والشرب وقسنا عليه كل ما يبطل الصوم من الجماع وغيره (٨) . وورد بلفظ: " من أفطرفي شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة " (٩) .

стр. 23

قال الكاساني (١) : والقياس أنه يفسد - أي صوم من أكل أو شرب أو جامع - وإن كان ناسياً لوجود ضد الركن حتى قال أبو حنيفة: لولا قول الناس لقلت يقضي أي لولا قول الناس أن أبا حنيفة خالف الأمر لقلت يقضي لكنا تركنا القياس بالنص وهو ما روي عن أبي هريرة (٢) وقال المرغيناني: وإذا ثبت هذا في حق الأكل والشرب ناسياً ثبت في الوقاع للاستواء في الركنية (٣) . واستدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: أولاً: حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٤)

стр. 24

ثانياً: أنه أفطر ناسياً كالأكل، ولأن الكفارة الكبرى في الفطر تتبع الإثم بدليل انتفائها مع عدمه (١) . واستدل أصحاب القول الثالث على وجوب الكفارة بحديث أبي هريرة ﵁ قال: «بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت، قال: مالك؟ قال: وقعت على إمراتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ هل تجد رقبة تعتقها؟ قال لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال لا، قال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال لا، قال فمكث النبي ﷺ فبينا نحن على ذلك أُتى النبي ﷺ بَعَرقٍ فيه تمر- والعرق: المكتل- قال: أين السائل؟ فقال أنا، قال: خذ هذا فتصدق به، فقال الرجل، على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: "أطعمه أهلك" (٢) . وأما وجوب القضاء فلحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال للمجامع "صم يوماً مكانه " (٣) .

стр. 25

وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يستفسر من الرجل هل كان جماعه عن عمد أو نسيان، ولو افترق الحال لسأل واستفصل (١) . قال ابن حجر: والجواب أنه قد تبين حاله بقوله «هلكت» و «احترقت» (٢) فدل على أنه كان عامدا ًعارفاً بالتحريم (٣) . الراجح: أرى أن الراجح في هذه المسألة ما ذهب إليه أصحاب القول الأول وهو أن الصائم إذا جامع ناسياً لصومه فصومه صحيح ولا قضاء عليه ولا كفارة لعموم حديث أبي هريرة المستدل به. قال ابن قدامة: ونقل أحمد بن القاسم عنه - أي الإمام أحمد - كل أمر غلب عليه الصائم ليس عليه قضاء ولا غيره. قال أبو الخطاب: هذا يدل على إسقاط القضاء والكفارة مع الإكراه والنسيان (٤) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والمجامع الناسي فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره (وذكر الأقوال الثلاثة المتقدمة حسب ترتيبها) ثم قال: والأول أظهر، فإنه قد ثبت بدلالة الكتاب والسنة أن من فعل محظوراً مخطئاً أو ناسياً لم

стр. 26

يؤاخذه الله بذلك وحينئذ يكون بمنزلة من لم يفعله، فلا يكون عليه إثم، ومن لا إثم عليه لم يكن عاصياً ولا مرتكباً لما نهى عنه، وحينئذ فيكون قد فعل ما أُمر به ولم يفعل ما نُهى عنه، ومثل هذا لا يبطل عبادته، إنما يبطل العبادات إذا لم يفعل ما أُمر به أو فعل ما حُظر عليه. (١)

стр. 27

المطلب الثاني: قضاء من جامع متعمداً الجمهور من الفقهاء على أن من جامع في الفرج في نهار شهر رمضان بلا عذر، أنزل أو لم ينْزل، أنه يفسد صومه إذا كان عامداً، ويجب عليه القضاء (١) . لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أمر الذي واقع أهله في رمضان بقضائه فقال: "صم يوماً مكانه" (٢) . وقال الأوزاعي وبعض أصحاب الشافعي: إن كفّر بالصوم لا يجب عليه

стр. 28

القضاء، لأنه من جنسه، وإن كفّر بالعتق أو الإطعام وجب عليه القضاء. (١) قال النووي: وفي وجوب قضاء ذلك اليوم طريقان: أحدهما: يجب، والثاني: فيه ثلاثة أقوال: أصحها: وجوبه، والثاني: لا يجب وتندرج فيه الكفارة، والثالث: إن كفّر بالصوم لم يجب وإلاّ وجب. وقال البندنيجي: أومأ الشافعي ﵁ في الأم إلى قولين، سواء كفّر بالصوم أم بغيره (٢) بدليل أن النبي ﷺ لم يأمر الأعرابي بالقضاء (٣) . والجواب عنه أن الأمر بالقضاء وإن لم يرد في بعض الأحاديث الواردة في قصة الأعرابي، فقد ورد صريحاً في حديث أبي هريرة المتقدم. (٤)

стр. 29

الفصل الثاني: قضاء أصحاب الأعذار المبحث الأول: قضاء المريض والمسافر ... الفصل الثاني: قضاء أصحاب الأعذار وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: قضاء المريض والمسافر من كان مريضاً في شهر رمضان فخاف إن صام أن تلحقه مشقة بازدياد مرضه، أو طوله، فيسن له الفطر، ويجب عليه القضاء إذا بريء، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ . (١) قال ابن قدامة: ويلزم المسافر والحائض والمريض القضاء إذا أفطروا، بغير خلاف، ثم ذكر الآية السابقة وقال: والتقدير: فأفطر (٢) . فإن صام أثناء مرضه أجزأه وبهذا قال الجمهور - الحنفية (٣) ، والمالكية (٤) ، والشافعية (٥) ، والحنابلة (٦) .

стр. 30

وقال ابن سيرين: متى حصل الإنسان في حال يستحق بها اسم المرض صح الفطر، قياساً على المسافر لعلة السفر، وإن لم تدع إلى الفطر ضرورة. قال طريف بن تمام العُطاردي: دخلت على محمد بن سيرين في رمضان وهو يأكل، فلما فرغ قال: إنه قد وجعت إصبعي هذه. قال القرطبي: قول ابن سيرين أعدل شيء في هذا الباب إن شاء الله تعالى. قال البخاري: اعتللتُ بنيسابور علةً خفيفة وذلك في شهر رمضان، فعادني إسحاق بن راهويه في نفر من أصحابه فقال لي: أفطرت يا أبا عبد الله، فقلت نعم، فقال: خشيت أن تضعف عن قبول الرخصة. (١) . وأما المسافر فإنه يجوز له الفطر أثناء سفره ويلزمه القضاء للأدلة المتقدمة في قضاء المريض، إلاّ أن الجمهور من الفقهاء - المالكية (٢) ، والشافعية (٣) والحنابلة (٤) يشترطون في جواز الفطر في السفر: أن يكون مباحاً، وأن تكون مسافته

стр. 31

مسافة القصر أو أكثر، وأنه لا يجوز الفطر في رمضان في سفر معصية، ولا في سفر دون مسافة القصر. (١) وأما الحنفية فيجوز الفطر عندهم في رمضان بمطلق السفر وهو الخروج عن الوطن، سواء كان السفر سفر طاعة، أو مباح، أو معصية، والسفر المرخص للفطر مسيرة ثلاثة أيام فصاعداً (٢) فإن صام المسافر أثناء سفره أجزأه صومه ولا قضاء عليه عند الجمهور (٣) خلافاً لبعض الظاهرية (٤)

стр. 32

وقد استدل الجمهور بما يأتي: أولاً: حديث عائشة ﵂ أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي ﷺ : أأصوم في السفر؟ - وكان كثير الصيام - فقال: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر» (١) . ثانياً: حديث حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال: يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل عليّ جناح؟ فقال رسول الله ﷺ : "هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" (٢) . ثالثاً: حديث أبي الدرداء ﵁ قال: «خرجنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره في يوم حار حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلاّ ما كان من النبي ﷺ وابن رواحة» (٣) رابعاً: حديث أنس بن مالك: «كنا نسافر مع النبي ﷺ ، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم» (٤)

стр. 33

واستدل من قال بعدم إجزاء الصوم في السفر من الظاهرية بما يأتي: أولاً: قوله تعالى: ` ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ . (١) قالوا: ظاهره فعليه عدة، أو فالواجب عدة. (٢) والجواب عنه أن الجمهور تأولوه بأن التقدير فأفطر فعدة. (٣) ثانياً: حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم، فقال: "ليس من البر الصوم في السفر" (٤) وجه الدلالة: أن مقابلة البر الإثم، وإذا كان آثماً بصومه لم يجزئه. (٥) وأجاب عنه الجمهور بأنه ﷺ إنما قال ذلك في حق من شق عليه الصوم. (٦)

стр. 34

ثالثاً: حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام فقال: "أولئك العصاة، أولئك العصاة" (١) . وأجاب عنه الجمهور بأنه إنما نسبهم إلى العصيان لأنه عزم عليهم فخالفوا. (٢) وهناك أدلة للفريقين في المسألة ذكرها النووي (٣) ولم أذكرها هنا اختصاراً. الراجح: يظهر أن الراجح في المسألة ما ذهب إليه الجمهور من أن المسافر إذا صام في أثناء سفره أجزأه ذلك ولم يجب عليه إعادة الصوم. قال النووي: وأما الأحاديث التي احتج بها المخالفون (٤) فمحمولة على من يتضرر بالصوم، وفي بعضها التصريح بذلك، ولا بد من هذا التأويل ليجمع بين الأحاديث (٥) والله تعالى أعلم.

стр. 35

المبحث الثاني: قضاء الحامل والمرضع لا خلاف بين الجمهور من الفقهاء أن الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أن لهما الفطر وعليهما القضاء، ولا فدية عليهما، لأنهما بمنزلة المريض الخائف على نفسه. قال ابن قدامة: لا نعلم فيه بين أهل العلم اختلافاً (١) أما إذا خافتا على ولديهما فقد اختلف الفقهاء في ذلك على أربعة أقوال: القول الأول: تفطران وتطعمان ولا قضاء عليهما. وبه قال ابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن جبير. (٢) القول الثاني: تفطران وتقضيان ولا فدية عليهما. وبه قال عطاء والحسن والضحاك والنخعي والزهري وربيعة والأوزاعي والثوري وأبو عبيد وأبو ثور (٣) وأبو حنيفة (٤) . والمزني من الشافعية. (٥)

стр. 36

القول الثالث: تفطران وتقضيان وتفديان. وبه قال أحمد (١) والشافعي (٢) ومجاهد (٣) . القول الرابع: الحامل تفطر وتقضي ولا فدية عليها، والمرضع تفطر وتقضي وتفدي. وبه قال مالك (٤) والليث (٥) والشافعية في قول. الأدلة: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٦) فالآية تناولتهما وليس فيها إلاّ الإطعام. (٧) والجواب: أن الحامل والمرضع تطيقان القضاء فلزمهما كالحائض والنفساء (٨) .

стр. 37

ثانياً: روى أبو داود عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ .قال: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا والحبلى والمرضع إذا خافتا. قال أبو داود: يعني على أولادهما أفطرتا وأطعمتا (١) وقال الألباني: والثابت عن ابن عباس من طرق أن الرخصة للشيخ والمرأة إنما هي إذا كانا لا يطيقان الصيام، ولا يستطيعانه وأما إذا أطاقاه فالآية منسوخة إليهما (٢) . وروى أبو داود بسنده عن قتادة أن عكرمة حدثه أن ابن عباس قال: أُثبتت للحبلى والمرضع (٣) . واستدل أصحاب القول الثاني بما يأتي: أولاً: حديث أنس بن مالك الكعبي أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم أو الصيام " (٤) .

стр. 38

فاقتضى ظاهر هذا الخبر أن أحكام الصوم موضوعة من كفارة وقضاء إلاّ ما قام دليله من وجوب القضاء (١) . والجواب أن الحديث لا حجة فيه - على ما استدل به عليه - لأن سقوط انحتام الصوم لا يُؤذن بسقوط الكفارة، ألا ترى الشيخ الهرم قد سقط عنه انحتام الصوم ولزمته الكفارة (٢) . والمراد بوضع الصوم في الحديث وضعه في مدة عذرهما. (٣) ثانياً: قال المزني: إذا كان الأكل عامداً لا كفارة عليه مع كونه آثماً عاصياً، فالحامل والمرضع اللذان لم يعصيا بالفطر ولم يأثما به أولى أن لا تجب عليهما الكفارة (٤) . والجواب عنه أن يقال: ليست الكفارات معتبرة بكثرة الآثام والمعصية، وإنما هي حكمة استأثر الله تعالى بعلمها، ألا ترى أن الردة في شهر رمضان أعظم من الوطء ثم لا كفارة فيها (٥) . واستدل أصحاب القول الثالث بما يأتي:

стр. 39

أولاً: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (١) . والحامل والمرضع ممن يطيق الصيام فهما داخلتان في عموم الآية فوجب بظاهرها أن تلزمهما الفدية (٢) . ثانياً: الأثر الوارد عن ابن عباس في هذه الآية: ((كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا والحبلى والمرضع إذا خافتا)) . قال أبو داود: يعني على أولادهما أفطرتا وأطعمتا. (٣) ثالثاً: أنه فطر بسبب نفس عاجزة عن طريق الخلقة فوجبت به الكفارة كالشيخ الهرم. (٤) أدلة أصحاب القول الرابع: أما دليلهم على أن الحامل إذا خافت على حملها فلها أن تفطر ولا إطعام عليها فهو حديث أنس بن مالك الكعبي: «إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم أو الصيام» (٥) . فالحديث ينفي وجوب شيء لسبب ترتكبه، ولأنها مفطرة بعذر كالحائض، ولأن التكفير بالفطر إنما يجب على وجه الهتك، فإذا لم يكن هتك لم يجب (٦) . وأما المرضع إذا خافت على ولدها فلها أن تفطر وتقضي وتفدي لأن

стр. 40

المرضع يمكنها أن تسترضع لولدها بخلاف الحامل، ولأن الحمل متصل بالحامل فالخوف عليه كالخوف على بعض أعضائها. (١) والحامل مريضة والمرضع ليست بمريضة. (٢) الراجح: أما الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما فلهما الفطر وعليهما القضاء ولا كفارة عليهما، وهذا لا خلاف فيه بين جمهور الفقهاء كما سبق. وأما إذا خافتا على ولديهما فالذي يظهر لي رجحانه هو ما ذهب إليه الشافعي وأحمد من أنهما تفطران وتقضيان وتفديان، للأدلة التي استدلوا بها على ذلك. والله تعالى أعلم. مقدار الفدية: الفدية عند المالكية (٣) والشافعية (٤) مد (٥) من الطعام لكل يوم من أيام رمضان. وعند الحنابلة (٦) : مد من البر، أو نصف صاع من تمر أو شعير.
следующие страницы →