← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 130–169 · переход к 135.

стр. 130

الكتاب الأول كتاب الطهارة أولًا: أبواب المياه الباب الأول: باب طهورية ماء البحر وغيره. الباب الثاني: باب طهارة الماء المتوضأ به. الباب الثالث: باب بيان زوال تطهيره. الباب الرابع: باب الرد على من جعل ما يغترف منه المتوضئ بعد غسل وجهه مستعملًا. الباب الخامس: باب ما جاء في فضل طهور المرأة. الباب السادس: باب حكم الماء إذا لاقته النجاسة. الباب السابع: باب أسآر البهائم. الباب الثامن: باب سؤر الهر. ثانيًا: أبواب تطهير النجاسة وذكر ما نص عليه منها الباب الأول: باب اعتبار العدد في الولوغ. الباب الثاني: باب الحت والقرص والعفو عن الأثر بعدهما. الباب الثالث: باب تعيين الماء لإزالة النجاسة. الباب الرابع: باب تطهير الأرض النجسة بالمكاثرة. الباب الخامس: باب ما جاء في أسفل النعل تصيبه النجاسة. الباب السادس: باب نضح بول الغلام إذا لم يطعم. الباب السابع: باب الرخصة في باب ما يؤكل لحمه. الباب الثامن: باب ما جاء في المذي. الباب التاسع: باب ما جاء في المني. الباب العاشر: باب أن ما لا نفس له سائلة لم ينجس بالموت.

стр. 131

الباب الحادي عشر: باب في أن الآدمي المسلم لا ينجس بالموت ولا شعره وأجزاؤه بالانفصال. الباب الثاني عشر: باب النهي عن الانتفاع بجلد ما لا يؤكل لحمه. الباب الثالث عشر: باب ما جاء في تطهير الدباغ. الباب الرابع عشر: باب تحريم أكل جلد الميتة وإن دبغ. الباب الخامس عشر: باب ما جاء في نسخ تطهير الدباغ. الباب السادس عشر: باب نجاسة لحم الحيوان الذي لا يؤكل إذا ذبح. ثالثًا: أبواب الأواني الباب الأول: باب ما جاء في آنية الذهب والفضة. الباب الثاني: باب النهي عن التضبيب بهما إلا بيسير الفضة. الباب الثالث: باب الرخصة في آنية الصفر ونحوها. الباب الرابع: باب استحباب تخمير الأواني. الباب الخامس: باب آنية الكفار. رابعًا: أبواب أحكام التخلي الباب الأول: باب ما يقول المتخلي عند دخوله وخروجه. الباب الثاني: باب ترك استصحاب ما فيه ذكر الله. الباب الثالث: باب كف المتخلي عن الكلام. الباب الرابع: باب الإبعاد والاستتار للتخلي في الفضاء. الباب الخامس: باب نهي المتخلي عن استقبال القبلة واستدبارها. الباب السادس: باب جواز ذلك بين البنيان. الباب السابع: باب ارتياد المكان الرخو وما يكره التخلي فيه. الباب الثامن: باب البول في الأواني للحاجة. الباب التاسع: باب ما جاء في البول قائمًا. الباب العاشر: باب وجوب الاستنجاء بالحجر أو الماء. الباب الحادي عشر: باب النهي عن الاستجمار بدون الثلاثة الأحجار. الباب الثاني عشر: باب في إلحاق ما كان في معنى الأحجار بها.

стр. 132

الباب الثالث عشر: باب النهي عن الاستجمار بالروث والرُّمَّة. الباب الرابع عشر: باب النهي أن يستنجي بمطعوم أو بما له حرمة. الباب الخامس عشر: باب ما لا يستنجى به لنجاسته. الباب السادس عشر: باب الاستنجاء بالماء. الباب السابع عشر: باب وجوب تقدمة الاستنجاء على الوضوء. خامسًا: أبواب السواك وسنن الفطرة الباب الأول: باب الحث على السواك وذكر ما يتأكد عنده. الباب الثاني: باب تسوك المتوضئ بأصبعه عند المضمضة. الباب الثالث: باب السواك للصائم. الباب الرابع: باب سنن الفطرة. الباب الخامس: باب الختان. الباب السادس: باب أخذ الشارب وإعفاء اللحية. الباب السابع: باب كراهة نتف الشيب. الباب الثامن: باب تغيير الشيب بالحناء والكتم ونحوهما وكراهة السواد. الباب التاسع: باب جواز اتخاذ الشعر وإكرامه واستحباب تقصيره. الباب العاشر: باب ما جاء في كراهية القزع والرخصة في حلق الرأس. الباب الحادي عشر: باب الاكتحال والادهان والتطيب. الباب الثاني عشر: باب الإطلاء بالنورة.

стр. 133

[الكتابُ الأولُ] كتابُ الطهارةِ [أولًا]: أبوابُ المياه الكتابُ مصدرٌ يقالُ: كتَبَ كتابًا وكتابةً، وقد استعملُوه فيما يَجْمَعُ شيئًا من الأبوابِ والفصول، وهو يدلُّ على معنَى الجمعِ والضمِّ، ومنهُ الكَتيبةُ ويُطْلَقُ على مكتوبِ القلمِ حقيقةً لانضمامِ بعضِ الحروفِ والكلماتِ المكتوبةِ إلى بعضِ وعلى المعاني مجازًا، وجمعهُ كُتُبٌ بضمّتينِ وبِضَمٍّ فسكونِ، وقد اشتُهرَ في لسانِ الفقهاءِ اشتقاقُ الكتابةِ منَ الكَتْبِ واعترضَه أبو حيَّانَ بما حاصِلُه أن المصدرَ لا يُشْتَقُ مِنَ المصدرِ. والطهارةُ يجوزُ أنْ تكونَ مصدرَ طَهُرَ اللازمِ، فتكونَ للوصْفِ القائمِ بالفاعلِ، وأنْ تكونَ مصدرَ طَهَرَ المتعدِّي فتكونُ للأثرِ القائمِ بالمفعول، وأنْ تكونَ اسمَ مصدرِ طهَّر تطهيرًا ككلَّم تكليمًا. وأما الطهور فقالَ جمهورُ أهْلِ اللغةِ (١): إنهُ بالضمِّ للفعلِ الذي هوَ المصدرُ، وبالفتحِ للماءِ الذي يُتَطَهّرُ بهِ، هكذا نقلَهُ ابنُ الأنباريِّ وجماعات مِنْ أهلِ اللغةِ عن الجمهورِ. وذهبَ الخليلُ، والأصمعيُّ وأبو حاتمِ السِّجسْتَاني والأزهري، وجماعةٌ إلى أنهُ بالفتح فيهمَا، قال صاحبُ المطالِعِ (٢): وحُكِيَ فيهمَا الضم.

стр. 134

والطهارَةُ في اللغةِ: النظافةُ والتنزُّهُ عن الأقذارِ. وفي الشرعِ: صفةٌ حُكْمِيةٌ تَثْبُتُ لموصُوفِها جوازَ الصلاةِ بهِ أو فيهِ أو له (١). ولما كانتْ مفتاحَ الصلاةِ التي هي عمادُ الدينِ، افتتحَ المؤلِّفونَ بها مؤلَّفاتهم. والأبوابُ: جمعُ باب وهو حقيقةٌ لما كان حِسِّيًا يُدْخَلُ منهُ إلى غيرهِ ومجاز لِعُنْوَانِ جملةٍ مِنَ المسائِلِ المتناسِبَةِ. والمياهُ جمعُ الماءِ، وجمعَهُ معَ كونِهِ جِنْسًا للدلالةِ على اختلافِ الأنواعِ. [الباب الأول] باب طهورية ماء البحر وغيره ١/ ١ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: سَأَلَ رَجلٌ رَسُولَ الله ﷺ فقالَ: يَا رسُولَ الله إنَّا نَرْكَبُ البَحْرَ، ونَحْمِلُ مَعَنَا القَلِيلَ مِنَ الماءِ، فإِنْ تَوَضَّأنا بِهِ عَطِشْنا، أَفَنَتَوَضَّأُ بماءِ البَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ، الحِلُّ مَيتَتُهُ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ (٢). وقال التِّرْمِذِي: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ). [صحيح] الحديثُ [أخرجَهُ أيضًا] (٣) ابنُ خزيمةَ (٤)، وابنُ حبانَ (٥) في صحيحَيْهما، وابنُ الجارودِ في المنتقَى (٦)، والحاكمُ في المستدْرَكِ (٧)، والدارقطني (٨)، والبيهقي (٩) في

стр. 135

سُننهِمَا، وابنُ أبي شيبةَ (١). وحَكَى الترمذيُّ عن البخاري تصحِيحَهُ (٢)، وتعقَّبَهُ ابنُ عبدِ البرِّ (٣) بأنهُ لو كانَ صحيحًا عندَهُ لأخرجَهُ في صحيحهِ، وردَّهُ الحافِظُ وابنُ دقيقِ العيدِ بأنهُ لم يلتزمِ الاستيعابَ (٤)، ثم حَكَمَ ابنُ عبدِ البرِّ (٣) معَ ذلِكَ بصحتِهِ لتلقِّي العلماءِ له بالقَبُولِ، فردَّهُ من حيثُ الإِسنادُ وقَبِلَهُ من حيثُ المعنى (٥)، وقد حَكمَ بصحَّةِ جُمْلَةِ مِنَ الأحاديثِ لا تبلغُ درجةَ هذا ولا تقارِبُهُ. وصحَّحَهُ أيضًا ابنُ المنذرِ (٦) وابنُ مَنْدَهْ (٦) والبغوي (٧) وقال: "هذا الحديثُ صحيحٌ متفقٌ على صِحَّتِهِ". وقالَ ابنُ الأثيرِ في شرحِ المسندِ (٨): "هذا حديثٌ صحيحٌ مشهورٌ أخرجَهُ الأئمةُ في كُتُبِهِمْ واحتجُّوا بهِ ورجالُهُ ثقاتٌ". وقال ابنُ الملقّنِ في البدرِ المنيرِ (٩): "هذا الحديثُ صحيحٌ جليلٌ مَرْوِيٌّ مِنْ طُرُقٍ الذي حَضَرَنا منها تسعٌ"، ثم ذكرهَا جميعًا وأطالَ الكلامَ عليها وسيأتي تلخيصُها. وقد ذكرَ ابنُ دقيقِ العيدِ في "شَرْحِ الإِمامِ" (١٠)

стр. 136

جميعَ وجوهِ التعليلِ التي يُعَلَّلُ بها [هذا] (١) الحديثُ". قال ابنُ الملقنِ في البدرِ (٢): "قلتُ: وحاصِلُها كما قالَ فيهِ أنهُ يُعَلَّلُ بأربعةِ أوْجه"، ثم سَرَدَها وطوَّلَ الكلامَ فيها. وملخصُّها أن (الوجْهَ الأوَّل): الجهالةُ في سعيدِ بن سَلَمَة (٣)، والمغيرةِ بن أبي بُرْدَة (٤) المذكورينِ في إسنادِهِ، لأنه لم يَرْوِ عن الأوّلِ إلا صفوانُ بنُ سُلَيْم (٥)، ولم يَرْوِ عن الثاني إلا سعيدُ بنُ سَلَمَة (٣). وأجابَ بأنه قد رَوَاهُ عن سعيدٍ الجُلاحُ (٦) - بضمِّ الجيمِ وتخفيفِ اللامِ وآخِرَهُ مُهْمَلَةٌ - وهو [أبو] (٧) كثيرٍ، رواهُ مِنْ طريقِهِ أحمدُ (٨) والحاكمُ (٩) والبيهقيُّ (١٠). وأمَّا المغيرةُ فقد رَوَى عنهُ

стр. 137

يحيىَ بنُ سعيدٍ (١)، ويزيدْ القُرَشيُّ (٢)، وحمَّادٌ، كما ذكرهُ الحاكمُ في المستَدركِ (٣). (الوجْهُ الثاني) مِنَ التعليلِ: الاختلافُ في اسمِ سعيدِ بن سلمةَ. وأجابَ بترجيحِ روايةِ مالكٍ أنهُ سعيدُ بنُ سلمةَ مِنْ بني الأزْرَقِ، ثمَّ قالَ: فقدْ زالتْ عنهُ الجهالةُ عَيْنًا وحالًا (٤). (الوجْهُ الثالِثُ): التعليلُ بالإِرسالِ لأنَّ يحيى بنَ سعيدٍ أرسَلَهُ. وأجابَ بأنهُ قد أسْنَدَهُ سعيدُ بنُ سلمةَ وهو وإن كانَ دونَ يحيى بن سعيدٍ، فالرفعُ زيادةٌ مقبولةٌ عنْدَ أهلِ الأصولِ وبعضِ أهلِ الحديثِ. (الوجْهُ الرابعُ): التعليلُ بالاضْطرَابِ. وأجابَ بترجيحِ روايةِ مالِكٍ كما جزمَ بهِ الدارقُطني (٥) وغيرُه. وقد لخصَ الحافظُ ابنُ حجر في التلخيصِ (٦) ما ذكره ابن الملقن في البدرِ فقالَ ما حاصله: "ومداره على صفوانُ بنُ سليم (٧)، عن سعيد بن سلمةَ (٨) عن المغيرةِ بن أبي بُرْدَةَ (٩)، عن أبي هريرةَ. قال الشَّافِعي (١٠): في إسنادِ هذا الحديثِ من لا أعرفُهُ. قالَ البيهقي (١١) يُحْتَمَلُ أنهُ يريدُ سعيدَ بنَ سلمةَ، أو المغيرةَ أو كِلَيْهِمَا، ولم

стр. 138

يتفرَّدْ بهِ سعيدٌ عن المغيرةِ، فقدْ رواهُ عنهُ يحيى بنُ سعيد الأنصاري (١)، إلَّا أنهُ اختُلِفَ عليهِ فيهِ، فرُوِيَ عنهُ عن المغيرةِ بن عبدِ الله بن أبي بُردةَ أن ناسًا مِنْ بني مُدْلجٍ أَتَوُا النبي ﷺ فذكَرَهُ، ورُوِيَ عنهُ عن المغيرةِ عن رجلٍ مِنْ بني مُدْلجٍ، ورُوِي عنهُ عن المغيرةِ عن أبيهِ، وَرُوِيَ عنهُ عن المغيرةِ بن عبدِ الله أو عبدِ الله بن المغيرةِ، ورُوِيَ عنه عنْ عبدِ الله بن المغيرةِ عن أبيهِ عنْ رجُلِ مِنْ بني مُدْلجٍ اسمهُ: عبدُ الله، ورُوِيَ عنه عنْ عبدِ الله بن المغيرةِ عنْ أبي بُرْدَة مرفوعًا، ورُوِيَ عنه عن المغيرةِ عنْ عبدِ الله المدلجيِّ هكذَا قال الدارقطني (٢)، وقال (٣): أشبهُهَا بالصَّوابِ عن المغيرةِ عنْ أبي هريرةَ. وكذا قالَ ابنُ حِبَّانَ، والمغيرةُ معروفٌ كما قال أبو داودَ، وقد وثَّقَهُ النسائيُّ، وقالَ ابنُ عبدِ الحكمِ (٤) اجتمعَ عليهِ أهلُ أفريقيَّة بعدَ قَتْلِ يزيدَ بن أبي مُسْلِمٍ فأَبَى قالَ الحافِظُ: فَعُلِمَ مِنْ هذا غلطُ مَنْ زَعَمَ أنه مجهولٌ لا يُعْرَفُ. وأما سعيدُ بنُ سلمةَ فقد تابعَ صفوانَ بنَ سُلَيْم في روايتِه له عنهُ الجُلاحُ [أبو] (٥) كثير، رواهُ جماعة، منهم اللَّيثُ بنُ سَعْدٍ وعمرو بنُ الحرثِ. ومِنْ طريقِ اللَّيْثِ (٦) رواه أحمد (٧) والحاكِمُ (٨) والبيهقيُّ (٩)، ورواهُ أبو بكرِ بنُ أبي شيبةَ في مصنَّفِه (١٠) عنْ حمَّادِ بن خالدٍ عنْ مالكٍ بسندِهِ عنْ أبي هريرة.

стр. 139

وفي البابِ عن جابر عندَ أحمدَ (١) وابنِ ماجه (٢) وابنِ حِبَّان (٣) والدارقطنيُّ (٤) والحاكِم (٥) بنحو حديثِ أبي هريرةَ، وله طريقٌ أخرى عنهُ عندَ الطبرانِيِّ في الكبير (٦) والدَّارقطنيِّ (٧) والحاكمِ (٨). قالَ الحافِظُ (٩): "وإسنادُهُ حَسَن ليسَ فيه إلا ما يُخْشَى مِنَ التدليسِ" (١٠). انتهى، وذلكَ لأنَّ في إسنادِهِ ابنَ جُرَيج (١١) وأبا الزبير (١٢) وهما مدلِّسانِ، قالَ ابنُ السَّكَنِ (١٣): حديثُ جابرٍ أصَحُّ ما رُوِيَ في هذا

стр. 140

البابِ (١)، وعنِ ابن عباسٍ عندَ الدارقطنيِّ (٢) والحاكمِ (٣) بلفظِ: "ماءُ البحرِ طَهُورٌ" قالَ في التلخيصِ (٤): "ورُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، ولكنْ صحَّحَ الدارقطنى وقْفَهُ". وعن ابن الفِرَاسيِّ عندَ ابن ماجهْ (٥) بنحوِ حديثِ أبي هريرةَ، وقد أعلَّه البخاري (٦) بالإرسالِ لأنَّ ابنَ الفِراسيِّ لم يدركِ النبيَّ ﷺ . وعنْ عمرو بن شعيبٍ عن أبيهِ عنْ جدِّه عندَ الدارقطنى (٧) والحاكمِ (٨) بنحو حديثِ أبي هريرةَ، وفي إسنادِهِ المثنَّى (٩) الراوي لهُ عنْ عمرو وهو ضعيفٌ. قال الحافِظُ (١٠): "وَوَقَعَ في رِوَايةِ الحاكم الأوزاعي بدلَ المثنَّى وهو غيرُ محفوظ، وعن عليّ بن أبي طالب عندَ الدارقُطنيِّ (١١) والحاكم (١٢) بإسنادٍ فيه مَنْ لا يُعْرف (١٣)، وعن ابن عمرَ عندَ الدارقطنيِّ (١٤) بنحوِ حديثِ أبي

стр. 141

هريرةَ، وعنْ أبي بكر الصديقِ عندَ الدارقطنيِّ (١) وفي إسنادِهِ عبدُ العزيز بنُ أبي ثابتٍ (٢)، وهو كما قالَ الحافِظُ (٣): "ضعيفٌ"، وصحَّحَ الدارقطني (٤) وقْفَهُ، وابنُ حبَّانَ في الضعفاءِ (٥)، وعن أنسٍ عندَ الدارقطنيِّ (٦)، وفي إسنادِهِ أبانُ بنُ أبي ثوبان (٧)، قال: وهو متروكٌ. [معاني مفردات الحديث]: قوله: (سألَ رجلٌ) وقع في بعضِ الطُّرقِ التي تقدَّمَتْ أن اسْمَهُ عبدُ اللهِ، وكذا ساقَهْ ابنُ بَشْكُوَالَ (٨) بإسنادِهِ، وأوْرَدَهُ الطبرانيُّ فيمن اسمهُ عبدُ، وتَبِعَهُ أبو موسَى الحافِظُ الأصْبَهَانيُّ في كتابِ "معرفةِ الصحابةِ" (٩) فقالَ: "عبدُ أبو زمْعَةَ البَلَوِيُّ (١٠) الذي سألَ النبيَّ ﷺ عَنْ ماءِ البحرِ، قالَ ابنُ مُنَيْعٍ: بلغني أن اسمُهُ

стр. 142

عبدُ، وقيلَ: اسمُهُ عُبَيْدُ بالتصغيرِ، وقال السَّمْعَاني في "الأنْساب" (١): اسمُهُ العَرَكيِّ (٢)، وغَلطَ في ذَلك، وإنَّما العَرَكيّ وصف له وهو ملَّاح السفينةَ. قوله: (هو الطَّهُورُ) قد تقدَّم في أوَّلِ الكتابِ ضبطُهُ وتفسيرهُ، وهو عندَ الشافعيةِ (٣) المطَهِّرُ، وبهِ قال أحمدُ (٤). وحَكَى بعضُ أصحابِ أبي حنيفةَ عن مالكٍ، وبعضِ أصحابِ أبي حنيفةَ (٥) أن الطهُورَ هو الطاهِرُ، واحتجَّ الأوّلونَ بأنَّ هذِهِ اللفظَةَ جاءتْ في لسانِ الشَّرْعِ للمطهرِ، كقوله تعالى: ﴿مَاءً طَهُورًا﴾ (٦) وأيضًا السائلُ إنَّما سألَ النبيَّ ﷺ عن التطهُّر بماءِ البحرِ لا عنْ طَهَارَتِهِ، ويدلُ على ذلكَ أيضًا قولُه ﷺ في بئرِ بُضاعَةَ: "إن الماءَ طَهُورٌ" (٧) لأنهم إنَّما سألوهُ عن الوضوء بهِ. قال في "الإِمامُ شرحُ الإِلمام": فإنْ قيلَ: لِمَ لَمْ يُجِبْهُم بِنَعَمِ حينَ قالُوا: (أفنتوضأ بهِ)؟ قلْنَا: لأنهُ يصيرُ مقيَّدًا بحالِ الضرورةِ وليسَ كذلكَ. وأيضًا فإنهُ يُفْهَمُ مِنَ الاقتصارِ على الجوابِ بِنَعَم أنهُ إنَّما يُتوضَّأُ بهِ فقطْ، ولا يُتَطَهَّرُ بهِ لبقيةِ الأحداثِ والأنجاس. فإنْ قيل: كيفَ شكُّوا في جوازِ الوضوءِ بماء البحرِ؟ قُلْنَا: يُحتملُ أنَّهم لما سمِعُوا قولَه ﷺ : "لا تركبِ البحرَ إلَّا حاجّا أو معتمِرًا أو غازِيًا في سبيل اللهِ فإنَّ تحت البحرِ نارًا وتحتَ النَّارِ بحرًا" أخرجَهُ أبو داود (٨)، وسعيدُ بنُ منصور في سننهِ (٩)، عن ابن عمرَ مرفوعًا، ظنُّوا أنه لا يُجْزئُ التَّطَهُّرُ بهِ. وقد رُوي موقوفًا

стр. 143

على ابن عمرَ (١) بلفظِ: "ماءُ البحرِ لا يجزئُ مِنْ وضوءِ ولا جَنَابةٍ، إن تحتَ البحرِ نارًا ثم ماء ثم نارًا حتى عدَّ سبعةَ أَبْحُرٍ وسَبْعَ أنيارٍ"، ورُوِيَ أيضًا عن ابن عمرِو بن العاصِ (٢) أنه لا يُجزِئُ التطهُّر به، ولا حجةَ في أقوالِ الصحابةِ (٣) لا سيما إذا عارضَتِ المرفوعَ والإجماعَ. وحديثُ ابن عمرَ المرفوعُ قال أبو داودَ: رُوَاتُه مجهولُونَ (٤). وقال الخطابيُّ (٥): ضعَّفُوا إسنادَهُ. وقال البخاريُّ (٦): ليس هذا الحديث بصحيحٍ. وله طريقٌ أخْرى عندَ البزارِ (٧)، وفيها ليثُ بنُ أبي سُلَيمٍ وهو

стр. 144

ضعيفٌ (١). قال في البدرِ المنيرِ (٢): "في الحديثِ جوازُ الطهارةِ بماءِ البحر وبه قال جميعُ العلماءِ (٣)، إلا ابنَ عبدِ البر (٤) وابنَ عمر (٥) وسعيدَ بنَ المسيبِ (٦). ورُوِيَ مثلُ ذلكَ عن أبي هريرةَ (٧) وروايتُه تَردُّهُ، وكذا روايةُ عبد الله بن عمرَ". وتعريفُ الطهورِ باللام الجنسيةِ المفيدةِ للحصرِ لا يَنْفي طَهُورِيةَ غيرهِ منَ المياهِ لوقوعِ ذلكَ جوابًا لسؤالِ من شكَّ في طهوريةِ ماء البحر من غيرِ قصدٍ

стр. 145

للحصر، وعلى تسليمِ أنهُ لا يخصص بالسببِ ولا يقصُرُ الخطابُ العامُّ عليهِ، فمفهومُ الحصرِ المفيدُ لنفي الطهوريةِ عن غيرِ مائه عمومٌ مخصصٌ بالمنطوقاتِ الصحيحةِ الصريحة القاضية باتصاف غيرهِ بها. قوله: (الحلُّ ميتتهُ) فيه دليلٌ على حِلِّ جميعِ حيواناتِ البحرِ حتى كلبِهِ وخنزيرِهِ وثعبانِهِ وهو المصححُ عندَ الشافعيةِ، وفيه خلافٌ سيأتي في موضعه. [بعض فوائد الحديث]: ومن فوائدِ الحديثِ مشروعيةُ الزيادةِ في الجوابِ على سؤالِ السائلِ لقصد الفائدةِ وعدمِ لزوم الاقتصار، وقد عقد البخاري (١) لذلك بابًا فقال: (باب مَنْ أجابَ السائلَ بأكثرَ مِمَّا سَأَله)، وذكر حديث ابن عمر (٢): "أن رَجُلًا سَأل النبيَّ ﷺ ما يَلْبَسُ المحرِمُ؟ فقالَ: لا يلبسُ القميصَ ولا العِمامَةَ ولا السراوِيلَ ولا البُرْنُسَ ولا ثَوْبًا مَسَّهُ الوَرْسُ أو الزَّعْفَرانُ، فإنْ لم يجِدِ النَّعْلَينِ فلْيَلْبَس الخُفَّينِ ولْيَقْطَعْهُما حتى يَكونا تحتَ الكَعْبَين" فكأنه سألَهُ عَنْ حالةِ الاختيارِ فأجابه عنها وزادَ حالةَ الاضطرارِ، وليست أجنبية عن السؤالِ؛ لأنَّ حالةَ السفرِ تقتضي ذلكَ. قال الخطابي (٣): "وفي حديثِ البابِ دليلٌ على أن المفتي إذا سُئلَ عن شيءٍ وعَلم أنَّ بالسائلِ حاجة إلى ذكرِ ما يتصلُ بمسألته استُحِبَّ تعليمُه إياهُ، ولم يكن ذلكَ تكلفًا لما لا يَعْنِيْهِ؛ لأنهُ ذكرَ الطعامَ وهم سألوهُ عن الماءِ لعْلمِه أنهم قد يُعْوزهُم الزادُ في البحرِ" انتهى. وأما ما وقعَ في كلامِ كثيرٍ مِنَ الأصُوليين أن الجوابَ يجبُ أن يكونَ مطابقًا للسؤالِ، فليسَ المرادُ بالمطابقةِ عدمَ الزيادةِ، بلِ المرادُ أن الجوابَ يكونُ مفيدًا للحُكْم المسؤولِ عنهُ. وللحديثِ فوائدُ غيرُ ما تقدم، قالَ ابنُ الملقن (٤): "إنهُ حديثٌ عظيمٌ، أصلٌ

стр. 146

من أصولِ الطهارةِ مشتملٌ على أحكامٍ كثيرةٍ وقواعدَ مُهِمَّةٍ. قال الماورديُّ في الحاوي (١): "قال الحميدِيُّ: قال الشافعيُّ: هذا الحديثُ نصفُ علم الطهارةِ". انتهى. [طهورية ما نبع من بين أصابعه ﷺ -:] ٢/ ٢ - (وعَنْ أنسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ وَحانَتْ صَلاةُ العَصْرِ فَالتَمَسَ النَّاسُ الوَضُوءَ فَلمْ يَجِدُوا فَأُتِيَ رَسُولُ الله ﷺ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ الله ﷺ في ذلِكَ الإِناء يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ، فرَأَيْتُ المَاءَ يَنْبُع مِنْ تَحْتِ أصابِعِهِ حَتَّى توَضَّئُوا مِنْ عندِ آخِرِهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] ومُتَّفَقٌ على مثْل مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ الله (٣). [صحيح] لفظ حديث جابر: "وضعَ يده ﷺ في الرِّكوة فجعل الماءَ يثورُ بينَ أصابعِهِ، كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا، قلتُ: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائةَ ألفٍ لَكفانا. قال: كنّا خمسَ عشرةَ مائةٍ". قوله: (وحانَتْ) الواو للحال بتقدير قد. قوله: (الوَضوء) بفتح الواو أي الماء الذي يتوضأ به.

стр. 147

قوله: (فَأُتِيَ) بضم الهمزة على البناء للمفعول، وقد بيَّن البخاري في رواية (١) أن ذلك كان بالزَوْراءِ وهي سوق بالمدينة. وقوله: (بوَضُوءٍ) بفتح الواو وأيضًا أي بإناء فيه ماء ليتوضأ به. ووقع في رواية للبخاري (٢): فجاء [رجل] (٣) بقدح فيه ماء يسير فصَغُر أن يبسُطَ فيه ﷺ كفَّهُ فضمَّ أصابعَهُ. قوله: (يَنْبُع) بفتح أوّله وضم الموحدة ويجوز كسرها وفتحها، قاله في الفتح (٤). قوله: (حتَّى توضَّؤوا مِنْ عندِ آخرِهمْ)، قال الكرماني (٥): " (حتى) للتدريجِ، و (من) للبيان. أي توضَّأَ الناسُ حتى توضأ الذين عند آخرِهم، وهو كنايةٌ عن جميعهم، و (عندَ) بمعنى في، لأنَّ عندَ وإن كانتْ للظرفيةِ الخاصةِ لكنَّ المبالغةَ تقتضي أن تكونَ لمطلقِ الظرفيةِ، فكأنه قال: الذينَ هم في آخرهِم. وقال التيميُّ: المعنى توضأ القوم حتى وصلت النوبةُ إلى الآخر. وقال النوويُّ: (من) هنا بمعنى إلى، وهي لغةٌ، وتعقبَهُ الكرمانيُّ بأنها شاذةٌ، ثم إن إلى لا يجوز أن تدخلَ على عندَ، ولا يلزمُ مثلُه في (من) إذا وقعتْ بمعنى إلى". قال في الفتح (٦): "وعلى توجيهِ النوويِّ: يمكنُ أن يُقَالَ: (عندَ) زائدةٌ. والحديثُ يدلُّ على مشروعية المواساةِ بالماء عندَ الضرورة لمن كان في مائه فضلٌ عن وضوئِه، وعلى أن اغترافَ المتوضئ من الماءِ القليل لا يصيِّر الماءُ مستعملًا، واستدلَّ بهِ الشافعيُّ على أن الأمرَ بغسلِ اليدِ قبل إدخالها الإِناءَ ندبٌ لا حتمٌ - وسيأتي تحقيقُ ذلكَ - قالَ ابن بَطَّالٍ (٧): هذا الحديثُ شهدَهُ جمعٌ من الصحابةِ،

стр. 148

إلا أنه لم يُرْوَ إلا مِنْ طريقِ أنسٍ، وذلكَ لطولِ عمرِهِ، ولطلبِ الناسِ عُلوَّ السندِ، وناقضَهُ القاضي عياضٌ (١) فقال: هذه القصةُ رواها العددُ الكثيرُ من الثقاتِ عن الجمِّ الغفيرِ عن الكافَّةِ متصِلًا عن جملةِ من الصحابةِ، بل لم يُؤْثَرْ عن أحدٍ منهم إنكارُ ذلكَ فهو ملتحق بالقطعي". قال الحافظ (٢): "فانظر كم بينَ الكلامينِ من التفاوتِ" انتهى. ومن فوائدِ الحديثِ أن الماءَ الشريفَ يجوزُ رفعُ الحدَثِ بهِ. ولهذا قالَ المصنف (٣) ﵀: وفيه تنبيه أنه لا بأسَ برفع الحدَثِ من ماء زمزم لأن قصاراه أنه ماء شريف متبرك به، والماءُ الذي وضعَ رسول الله ﷺ يده فيه بهذه المثابة. وقد جاء عن عليّ كرم الله وجهه في حديث له قال فيه: "ثم أفاض رسول الله ﷺ فدعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ". رواه أحمد (٤) انتهى. وهذا الحديثُ هو في أولِ مُسندِ عليٍّ من مسندِ أحمدَ بن حنبل (٤)، ولفظه: حدثنا عبد الله يعني ابنَ أحمدَ بن حنبل، حدثني أحمدُ بن عَبْدَةَ البصريُّ، حدثنا المغيرةُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن الحارثِ، عن أبيهِ، عن زيدِ بن علي بن حُسين بن علي، عن أبيه علي بن حُسينِ، عن عُبيد الله بن أبي رافع مولَى رسول الله ﷺ عن علي بن أبي طالبٍ ﵁ "أن النبيَّ ﷺ وقفَ بعرفةَ - فذكرَ حديثًا طويلًا - وفيه -: ثم أفاضَ فدَعا بِسَجْلٍ من ماءِ زمزمَ فشرِبَ منهُ وتوضأ ثم قال: "انزِعُوا فلولا أن تُغْلَبوا عليها لنزَعتُ" الحديث. وهذا إسنادٌ مستقيمٌ لأن عبدَ اللهِ بنَ أحمدَ ثقةٌ إمام، وأحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضبيّ البصريُّ وثَّقَهُ أبُو حَاتِمٍ والنسَائيُّ (٥)، والمغيرةُ بنُ

стр. 149

عبدِ الرحمن، قالَ في التقريبِ (١): "ثقةٌ جَوَادٌ مِنَ الخامسة"، وأبوهُ عبدُ الرحمنِ، قالَ في التقريب (٢): "من كبارِ ثقاتِ التابعينَ"، وعُبيدُ اللهِ بنُ أبي رافع كانَ كاتِبَ عليّ وهو ثقةٌ مِنَ الثالثةِ كما في التقريب (٣)، وقالَ ابنُ معينن: لا بأسَ بهِ، وقالَ أبو حاتمٍ: لا يُحتجُّ بحديثِهِ. وأما الإِمامانِ زيدُ بنُ عليٍّ ووالدُه زينُ العابدينِ فهُمَا أشهرُ من نارٍ على علمٍ، وقد أخرجَ هذا الحديثَ أهلُ السننِ (٤) وصحَّحَهُ الترمذيُّ وغيرهُ. وشُرْبُه ﷺ من زمزم عند الإفاضةِ ثابتٌ في صحيحِ مسلمٍ (٥) وسننِ أبي داود (٦)، والنسائيِّ (٧) من حديثِ جابرٍ الطويل بلفظِ: "فأتى - يعني النَّبي ﷺ بني عبدِ المطلب وهم يسقُونَ على زمزم فقال: انزعُوا بني عبدِ المطلبِ فلولا أن يغلِبَكُم الناسُ على سقايتِكُم لنزعتُ معكم فناولُوه دلوًا فشرِبَ منه"، وهو في المتفق عليه (٨) من حديث ابن عباس بلفظ: "سَقَيْتُ النَّبيَّ ﷺ من زمزمَ فَشَرِبَ وهو قائِمٌ" وفي رواية (٩): "استَسْقى عِنْدَ البَيْتِ فَأتَيْتُه بِدَلْوٍ". والسَّجْلُ (١٠) بسين مهملةٍ مفتوحةٍ فجيم ساكنة: الدَّلْوُ المملوء، فإن تعطل فليس بسجل. ويأتي تمام الكلام عليه في باب تطهير الأرض.

стр. 150

ولحديث الباب فوائد كثيرة خارجة عن مقصود ما نحن بصدده. فلنقتصر على هذا المقدار. [الباب الثاني] باب طهارة الماء المتوضأ به ٣/ ٣ - (عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قالَ: جاءَ رَسُولُ الله ﷺ يَعُودُني وَأَنَا مَرِيضٌ لا أَعْقِلُ فَتَوَضَّأ وَصَبَّ وَضُوءَهُ عَليَّ. مُتفَق عَلَيهِ) (١). [صحيح] ٤/ ٤ - (وَفي حَدِيث صُلحِ الحُدَيْبِيَةِ، مِنْ رِوَايَةِ المِسْوَرِ بْنِ مخرَمَةَ، وَمَرْوَان بْنِ الحكم: ما تنَخَّمَ رَسُولُ الله ﷺ نُخامةً إلَّا وَقَعَتْ في كَفِّ رَجُلٍ، فَدلَكَ بها وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذا تَوَضأ كادوا يَقْتَتِلونَ عليَّ وَضُوئِهِ. وَهْوَ بِكمالِه لأحمَدَ (٢) وَالبُخاريِّ (٣). [صحيح] قوله: (يعودُني) زاد البخاري (٤) في الطب (ماشيًا). قوله: (لا أعقِلُ) أي لا أفهم، وحذف مفعوله إشارة إلى عظم الحال أو لغرض التعميم، أي لا أعقل شيئًا من الأمور، وصرح البخاري (٥) بقوله شيئًا في التفسير من صحيحه. وله (٦) في الطب: "فوجدني قد أُغْمي عليَّ". قوله: (وَضُوءَهُ) يحتمل أن يكون المراد صب عليّ بعض الماء الذي توضأ به، ويدل على ذلك ما في رواية للبخاري (٧) بلفظ: "مِنْ

стр. 151

وَضوئِه" ويحتمل أنه صب عليه ما بقي منه، والأول ظهر لقوله في حديث الباب: "فَتَوضّأ وصبَّ وَضُوءَهُ عَليَّ"، ولأبي داود (١): "فَتوضَّأ وصبَّهُ عليَّ" فإنه ظاهر في أن المصبوب هو الماء الذي وقع به الوضوء. قوله: (ما تنَخَّمَ) التنخم دفع الشيء من الصدر أو الأنف. [اختلاف العلماء في طهورية الماء المستعمل]: وقد استدل الجمهور بصبه ﷺ لوضوئه على جابر وتقريره للصحابة على التبرك بوضوئه، [و] (٢) على طهارة الماء المستعمل للوضوء، وذهب بعض الحنفية (٣) وأبو العباس إلى أنه نجس، واستدلوا على ذلك بأدلة: (منها) حديث أبي هريرة بلفظ: "لا يَغْتَسلنَّ أحَدُكُم في الماء الدَّائمِ وهُوَ جُنُبٌ". وفي رواية: "لا يَبُولنَّ أحدُكُم في الماءِ الدَّائمِ ثم يُغْتَسِل فيهِ" وسيأتي (٤). قالوا: والبول ينجس الماء فكذا الاغتسال، لأنه ﷺ قد نهى عنهما جميعًا. (ومنها) الإِجماع على إضاعته وعدم الانتفاع به. (ومنها) أنه مائع أزيل به مانع من الصلاة فانتقل المنع إليه كغُسالة النجس المتغيرة. ويجاب عن (الأوّل) بأنه أخذ بدلالة الاقتران وهي ضعيفة، وبقول أبي هريرة يتناوله تناولًا كما سيأتي، فإنه يدل على أن النهي إنما هو عن الانغماس لا عن الاستعمال، وإلا لما كان بين الانغماس والتناول فرق. وعن (الثاني) بأن الإِضاعة لإِغناء غيره عنه لا لنجاسته. وعن (الثالث) بالفرق بين مانع هو النجاسة ومانع هو غيرها، وبالمنع من أن كل مانع يصير له بعد انتقاله الحكم الذي كان له قبل الانتقال، وأيضًا هو تمسك بالقياس في مقابلة النص، وهو فاسد الاعتبار. ويلزمهم أيضًا تحريم شربه وهم لا يقولون به.

стр. 152

ومن الأحاديث الدالة على ما ذهب إليه الجمهور حديث أبي جُحيفة عند البخاري (١) قال: "خَرجَ علينا رسولُ اللهِ ﷺ بالهاجِرةِ، فأُتِيَ بوَضوء فتَوضَّأ، فجعلَ الناسُ يأخُذونَ من فَضلِ وَضوئهِ فَيتمسَّحونَ بهِ"، وحديث أبي موسى عنده (٢) أيضًا قال: دَعا النَّبيُّ ﷺ بقَدَحٍ فيهِ ماء فغَسَلَ يدَيهِ وَوَجهَهُ فيه ومجَّ فيه ثم قال لهما يعني أبا موسى وبلالًا: "اشْرَبا منهُ وأفرِغا على وجُوهِكُما ونحورِكما"، وعن السائب بن يَزيد عنده (٣) أيضًا قال: "ذَهَبتْ بي خالَتي إلى النبيِّ ﷺ فقالت: يا رسولَ اللهِ إنَّ ابنَ أُختي وَقِعٌ - أي مريض -، فمسحَ رأسي ودَعَا لي بالبرَكةِ ثمَّ توَضَّأ فشَرِبتُ من وَضوئِه ثمَّ قمتُ خَلْفَ ظَهرِه" الحديث. فإن قال الذاهب إلى نجاسة المستعمل للوضوء: إن هذه الأحاديث غاية ما فيها الدلالة على طهارة ما توضأ به ﷺ ولعل ذلك من خصائصه. قلنا: هذه دعوى غير نافقة، فإن الأصل أن حكمه وحكم أمته واحد إلا أن يقوم دليل يقضي بالاختصاص ولا دليل. وأيضًا الحكم بكون الشيء نجسًا حكم شرعي يحتاج إلى دليل يلتزمه الخصم فما هو (٤)؟. [المسلم لا ينجس]: ٥/ ٥ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَقِيَهُ وَهُوَ جُنبٌ فَحادَ عَنْهُ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ جاءَ، فَقالَ: كُنْتُ جُنُبًا، فقالَ: "إن المُسْلِمَ لا يَنْجُسُ" رَوَاه الجمَاعَة إلَّا البُخارِي وَالتِّرْمِذِي (٥). [صحيح]

стр. 153

وَرَوَى الجمَاعةُ كُلُّهُمْ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ) (١). [صحيح] حديث أبي هريرة المشار إليه له ألفاظ منها: "أن النَّبيَّ ﷺ لقِيَهُ في بعضِ طُرق المدينةِ وهو جُنُبٌ فانخنَس منه فذهبَ فاغتسَلَ ثم جاءَ، فقالَ له: أينَ كنتَ يا أبا هُريرةَ قال: كنتُ جُنُبًا فكَرِهتُ أن أُجالِسَكَ وأنا عَلَى غيرِ طهارةٍ، فقال: "سُبحانَ اللهِ إن المؤمنَ لا يَنْجُس". "قوله: (وهو جنب) يعني نفسه. وفي رواية أبي داود (٢): (وأنا جُنُب). وهذه اللفظة تقع على الواحد المذكر والمؤنث والاثنين والجمع بلفظ واحد. قال الله تعالى في الجمع: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٣)، وقال بعضُ أزواجِ النبيِّ ﷺ : "إنِّي كُنْتُ جُنُبًا" (٤)، وقد يقال: جُنُبان وجُنُبُون وأَجْناب (٥). قوله: (فَحادَ عَنْهُ) أي مالَ وعدَلَ. قوله: (لا يَنْجُس) فيه لغتانِ ضمُّ الجيمِ وفتحُها، وفي ماضِيه أيضًا لغتان نجِس ونجُس بكسرِ الجيمِ وضمها، فمن كسرَها في الماضي فتحَها في المضارعِ، ومن ضمَّها في الماضي ضمَّها في المضارعِ أيضًا. قال النووي (٦):

стр. 154

"وهذا قياسٌ مطَّرِدٌ ومعروفٌ عندَ أهلِ العربيةِ إلا أحْرُفًا مُسْتَثْنَاةً من الكسر". [القول في نجاسة الكافر]: قوله: (إنَّ المسْلِمَ) تمسَّكَ بمفهومِهِ بعضُ أهلِ الظاهرِ، وحكاهُ في البحرِ (١) عن الهادي والقاسِم والناصِر ومالكٍ فقالوا: إنَّ الكافِرَ نَجِسُ عَيْنٍ، وقوَّوْا ذلكَ بقولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٢) وأجابَ عن ذلكَ الجمهورُ بأن المرادَ منهُ أن المسلمَ طاهِرُ الأعضَاءِ لاعتيادِهِ مجانبةَ النجاسةِ بخلافِ المشركِ لعدمِ تحفظِه عن النجاسةِ، وعن الآيةِ بأن المرادَ أنهم نجسٌ في الاعتقادِ والاستقذارِ، وحجتُهم على صِحَّةِ هذا التأويلِ أن الله أباحَ نساءَ أهلِ الكتابِ (٣)، ومعلومٌ أن عرقهُنَّ لا يسلمُ منه من يضاجِعُهنَّ، ومعَ ذلك فلا يجبُ من غُسل الكتابيةِ إلا مثلُ ما يجبُ عليهم من غُسلِ المسلمةِ. ومن جُملَةِ ما استدلَّ بهِ القائلونَ بنجاسةِ الكافرِ حديثُ إنزالِهِ ﷺ وفدَ ثقيفٍ المسجد (٤)، وتقريرِه لقولِ الصحابةِ: "قومٌ أنجاسٌ" لما رأوه أنزلَهم. وقولُه لأبي ثعلبةَ لما قالَ له: "يا رسولَ الله إنَّا بأرضِ قوْمٍ أهْلِ كتابِ أفنأكْلُ في آنِيتِهم قال: "إنْ وجدْتُم غيْرَها فلا تَأْكُلوا فِيها وإنْ لمْ تجدُوا فاغْسِلُوها وَكُلوا فيها"، وسيأتي في باب آنية الكفار (٥). وأجاب الجمهورُ عن حديثِ إنزالِ وفدِ ثقيفٍ بأنه حجةٌ عليهم لا لهم؛ لأن قوله: "ليسَ على الأرضِ من أنجاسِ القومِ شيءٌ إنما أنجاسُ القومِ على أنفسِهم"

стр. 155

بعد قول الصحابةِ: قومٌ أنجاسٌ. صريحٌ في نفي النجاسةِ الحسيةِ التي هي محلُّ النزاعِ، ودليلٌ على أن المرادَ نجاسةُ الاعتقادِ والاستقذارِ. وعن حديثِ أبي ثعلبةَ بأن الأمرَ بغسلِ الآنيةِ ليس لتلوثها برطوباتِهم بل لطبخِهمُ الخنزير وشربهِمُ الخمرَ فيها. يدلُّ على ذلك ما عندَ أحمدَ وأبي داودَ من حديثِ أبي ثعلبة أيضًا بلفظِ: إن أرضنا أرضُ أهل كتاب وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم؟ وسيأتي (١). ومن أجوبة الجمهور عن الآية ومفهوم حديث الباب بأن ذلك تنفير عن الكفار وإهانة لهم، وهذا وإن كان مجازًا فقرينته ما ثبت في الصحيحين (٢) من أنه ﷺ تَوضَّأ من مزادة مشركةٍ، وربط ثمامة بن أثال وهو مشرك بسارية من سواري المسجد (٣)، وأكل من الشاة التي أهدتها له يهودية من خيبر (٤)، وأكل من الجبن المجلوب من بلاد النصارى كما أخرجه أحمد (٥) وأبو داود (٦) من حديث ابن عمر، وأكل من خبز الشعير والإِهالة لما دعاه إلى ذلك يهودي، وسيأتي في باب آنية الكفار (٧)، وما سلف من مباشرة الكتابيات، والإِجماع على جواز مباشرة المَسْبِيَّة قبل إسلامها، وتحليل طعام أهل الكتاب ونسائهم بآية المائدة (٨) وهي آخر ما نزل،

стр. 156

وإطعامه ﷺ وأصحابه للوفد من الكفار من دون غسل للآنية، ولا أمر به، ولم ينقل توقي رطوبات الكفار عن السلف الصالح ولو توقوها لشاع. قال ابن عبد السلام: ليس من التقشف أن يقول: أشتري من سمن المسلم لا من سمن الكافر؛ لأن الصحابة لم يلتفتوا إلى ذلك. وقد زعم المقبلي في المنار (١) "أن الاستدلال بالآية المذكورة على نجاسة الكافر وَهْمٌ لأنه حمل لكلام الله ورسوله على اصطلاح حادث. وبين النجس في اللغة والنجس في عرف المتشرعة: عموم، وخصوص من وجه، فالأعمال السيئة نجسة لغة، لا عُرفًا، والخمر نجس عرفًا، وهو أحد الأطيبين عند أهل اللغة، والعذرة نجس في العرفين فلا دليل في الآية" انتهى. ولا يخفاك أن مجرد تخالف اللغة والاصطلاح في هذه الأفراد لا يستلزم عدم صحة الاستدلال بالآية على المطلوب، والذي في كتب اللغة أن النجس ضد الطاهر، قال في القاموس (٢): النَّجسُ بالفتح وبالكسر وبالتحريك وككتِفٍ وعَضُدِ ضِدُّ الطاهِرِ" انتهى. فالذي ينبغي التعويل عليه في عدم صحة الاحتجاج بها هو ما عرَّفناك. [القول في نجاسة المسلم الميت]: وحديث الباب أصل في طهارة المسلم حيًا وميتًا، أما الحي فإجماع، وأما الميت ففيه خلاف. فذهب أبو حنيفة ومالك ومن أهل البيت الهادي والقاسم والمؤيد بالله وأبو طالب إلى نجاسته، وذهب غيرهم إلى طهارته؛ واستدل صاحب البحر للأولين على النجاسة بنزح زمزم من الحبشي وهذا مع كونه من فعل ابن عباس، كما أخرجه الدارقطني (٣) عنه، وقول الصحابي وفعله لا ينتهض للاحتجاج

стр. 157

به على الخصم محتمل أن يكون للاستقذار لا للنجاسة، ومعارض بحديث الباب، وبحديث ابن عباس نفسه عند الشافعي (١) والبخاري تعليقًا (٢) بلفظ: "المؤمن لا

стр. 158

ينجس حيًا ولا ميتًا"، وبحديث أبي هريرة المتقدم (١). وبحديث ابن عباس أيضًا عند البيهقي (٢): "إن ميتكم يموت طاهرًا فحسبكم أن تغسلوا أيديكم" وترجيح رأي الصحابي على روايته عن النبي ﷺ ورواية غيره من الغرائب التي لا يُدْرى ما الحامل عليها. وفي الحديث من الفوائد مشروعية الطهارة عند ملابسة الأمور العظيمة، واحترام أهل الفضل وتوقيرهم ومصاحبتهم على أكمل الهيئات، وإنما حاد حذيفة عن النبي ﷺ أبو هريرة لأنه ﷺ كان يعتاد مماسحة أصحابه إذا لقيهم والدعاء لهم، هكذا رواه النسائي (٣) وابن حبان (٤) من حديث حذيفة، فلما ظنَّا أن الجنب يتنجس بالحدث خشيا أن يماسحهما كعادته فبادرا إلى الاغتسال، وإنما ذكر المصنف ﵀ هذا الحديث في باب طهارة الماء المتوضأ به لقصد تكميل الاستدلال على عدم نجاسة الماء المتوضأ به، لأنه إذا ثبت أن المسلم لا ينجس فلا وجه لجعل الماء نجسًا بمجرد مماسته له، وسيأتي في هذا الكتاب باب معقود لعدم نجاسة المسلم بالموت (٥)، وسيشير المصنف إلى هذا الحديث هنالك. [الباب الثالث] باب بيان زوال تطهيره ٦/ ٦ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا يَغْتَسلنَّ أحَدُكُمْ في الماءِ الدَّائم وَهُوَ جُنُبٌ"، فَقالُوا: يا أبا هُرَيْرَةَ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ قالَ: يَتَنَاوَلهُ تَناوُلًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦) وَابْنُ مَاجَهْ (٧). [صحيح]

стр. 159

ولِأَحمَدَ (١) وَأَبِي دَاودَ (٢): "لا يَبُولنَّ أحَدُكُمْ في الماءِ الدَّائِم، وَلا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنْ جَنابَةٍ"). [صحيح] قوله: ([في] (٣) الماء الدائم) هو الساكن، قال في الفتح (٤): "يقال: دوّم الطائر تدويمًا إذا صف جناحيه في الهواء فلم يحركهما". والرواية الأولى من حديث الباب تدل على المنع من الاغتسال في الماء الدائم للجنابة وإن لم يبل فيه، والرواية الثانية تدل على المنع من كل واحد من البول والاغتسال فيه على انفراده، وسيأتي في باب حكم الماء إذا لاقته نجاسة (٥)، حديث أبي هريرة (٦) هذا بلفظ: ""ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ". ويأتي البحث عن حكم البول في الماء الدائم والاغتسال فيه هنالك. [الكلام في الماء المستعمل]: وقد استدل بالنهي عن الاغتسال في الماء الدائم على أن الماء المستعمل يخرج عن كونه أهلًا للتطهير، لأن النهي ههنا عن مجرد الغسل فدل على وقوع المفسدة بمجرده، وحكم الوضوء حكم الغسل في هذا الحكم لأن المقصود التنزه عن التقرب إلى الله تعالى بالمستقذرات، والوضوء يقذر الماء كما يقذره الغسل. وقد ذهب إلى أن الماء المستعمل غير مطهر أكثر العترة وأحمد بن حنبل والليث والأوزاعي، والشافعي ومالك في إحدى الروايتين عنهما وأبو حنيفة في رواية عنه (٧)، واحتجوا بهذا الحديث، وبحديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة (٨)، واحتج لهم في البحر (٩) بما روي عن السلف من تكميل الطهارة بالتيمم عند قلة الماء لا بما تساقط منه.

стр. 160

وأجيب عن الاستدلال بحديث الباب بأن علة النهي ليست كونه يصير مستعملًا بل مصيره مستخبثًا بتوارد الاستعمال فيبطل نفعه، ويوضح ذلك قول أبي هريرة: يتناوله تناولًا، وباضطراب متنه، وبأن الدليل أخص من الدعوى، لأن غاية ما فيه خروج المستعمل للجنابة، والمدعى خروج كل مستعمل عن الطهورية وعن حديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة بمنع كون الفضل مستعملًا ولو سلم، فالدليل أخص من الدعوى لأن المدعى خروج كل مستعمل عن الطهورية، لا خصوص هذا المستعمل وبالمعارضة بما أخرجه مسلم (١) وأحمد (٢) من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ : "كان يغتسل بفضل ميمونة" وأخرجه أحمد (٣) أيضًا، وابن ماجه (٤) بنحوه من حديثه، وأخرجه أيضًا أحمد (٥) وأبو داود (٦) والنسائي (٧) والترمذي (٨) وصححه من حديثه بلفظ: "اغْتَسَلَ بعضُ أزواجِ النبيِّ ﷺ في جَفْنَةٍ فجاءَ النبيُّ ﷺ ليتوضأ منها أو يَغْتسِل فقالَتْ له: يا رسول الله إني كنتُ جنبًا فقالَ: "إن الماءَ لا يُجْنِبُ"، وأيضًا حديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة فيه مقال سيأتي بيانه في بابه (٩)، وعن الاحتجاج بتكميل السلف للطهارة بالتيمم لا بما تساقط بأنه لا يكون حجة إلا بعد تصحيح النقل عن جميعهم، ولا سبيل إلى ذلك، لأن القائلين بطهورية المستعمل منهم كالحسن البصري (١٠) والزهري (١١) والنخعي (١٢) ومالك (١٣) والشافعي (١٤) وأبي حنيفة (١٥) في إحدى الروايات عن

стр. 161

الثلاثة المتأخرين، ونسبه ابن حزم (١) إلى عطاء (٢) وسفيان الثوري (٣) وأبي ثور (٤) وجميع أهل الظاهر، وبأن المتساقط قد فني، لأنهم لم يكونوا يتوضؤون إلى إناء، والملتصق بالأعضاء حقير لا يكفي بعض عضو من أعضاء الوضوء، وبأن سبب الترك بعد تسليم صحته عن السلف وإمكان الانتفاع بالبقية هو الاستقذار، وبهذا يتضح عدم خروج المستعمل عن الطهورية، وتحتم البقاء على البراءة الأصلية لا سيما بعد اعتضادها بكليات وجزئيات من الأدلة كحديث: "خلق الماء طهورًا" (٥) وحديث "مَسْحَهُ ﷺ رأسَهُ بفضل ماء كانَ بيده" (٦)، وسيأتي وغيرهما. وقد استدل المصنف (٧) ﵀ بحديث الباب على عدم صلاحية المستعمل للطهورية فقال: "وهذا النهي عن الغسل فيه يدل على أنه لا يصح ولا يجزي، وما ذاك إلا لصيرورته مستعملًا بأول جزء يلاقيه من المغتسل فيه، وهذا محمول على الذي لا يحمل النجاسة، فأما ما يحملها فالغسل فيه مجزئ، فالحدث لا يتعدى إليه حكمه من طريق الأولى" انتهى. [مسح الرأس بفضل ماء اليد]: ٧/ ٧ - (وَعَنْ سُفيْانَ الثَّوْرِيّ عَنْ عَبْدِ الله بْن مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، حدثتْنِي الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوّذِ بْنِ عَفْراء، فَذَكَرَ حَدِيثَ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَفيهِ: وَمَسَحَ [ ﷺ ] رَأسَهُ بِما بَقِيَ مِنْ وَضُوئِهِ فِي يَدِهِ مَرّتَيْنِ، بَدَأ بمؤخَّرِه، ثمَّ رَدَّهُ إلى نَاصيتِهِ، وَغسَلَ رِجْليْهِ ثلاثًا ثَلاثًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٨)، وأبو دَاوُدَ مُخْتَصَرًا (٩) وَلفْظُهُ: "إنَّ رَسولَ الله ﷺ

стр. 162

مَسَحَ رَأسه مِنْ فَضْلِ ماءٍ كان بِيَدَيْهِ". قالَ الترْمِذِي (١): "عبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدِ بْن عَقِيلٍ صَدُوق، وَلكِنْ تَكَلمَ فيهِ بَعْضُهمْ مِنْ قِبلِ حفْظِهِ. وَقالَ البُخاري: وكانَ أحْمَدُ وإسحقُ والحُمَيْدِيُّ يَحتجُّونَ بِحَديثِهِ). [حسن] الخلاف بين الأئمة في الاحتجاج بحديث ابن عقيل مشهور، وهو أبو محمد عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب (٢). والكلام على أطراف هذا الحديث محله الوضوء. ومحل الحجة منه: (مسح رأسه بما بقي من وضوء في يده)، فإنه مما استدل به على أن المستعمل قبل انفصاله عن البدن يجوز التطهر به. قيل: وقد عارضه مع ما فيه من المقال أن النبي ﷺ مسح رأسه بماء غير فضل يديه كحديث مسلم (٣): "إن النبي ﷺ مسحَ برأسِهِ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْل يَدَيْهِ"، وأخرج الترمذي (٤) من حديث عبد الله بن زيد أنه: رَأى النبيَّ ﷺ تَوَضأ وأنهُ مَسَحَ

стр. 163

رأْسَهُ بماءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ". وأخرج أيضًا (١) من حديثه أن النَّبيَّ ﷺ : "أخذ لرأسه ماءً جديدًا". وأَخرج ابن حبان في صحيحه (٢) من حديثه أيضًا نحوه، وأنت خبير بأن كونه ﷺ أخذ لرأسه ماءً جديدًا كما وقع في هذه الروايات لا ينافي ما في حديث الباب من أنه ﷺ مسح رأسه بما بقي من وضوئه في يديه، لأن التنصيص على شيء بصيغة لا تدل إلا على مجرد الوقوع، ولم يتعرض فيها لحصر على المنصوص عليه ولا نفي لما عداه لا يستلزم عدم وقوع غيره. والأولى الاحتجاج بما أخرجه الترمذي (٣) والطبراني (٤) من رواية ابن جارية بلفظ: "خُذْ لِلْرأسِ ماءً جديدًا"، فإن صح هذا دل على أنه يجب أن يؤخذ للرأس ماء جديد ولا يجزي مسحه بفضل ماء اليدين، ويكون المسح ببقية ماء اليدين إن صح حديث الباب مختصًا به ﷺ ؛ لما تقرر في الأصول من أن فعله ﷺ لا يعارض القول الخاص بالأمة، بل يكون مختصًا به، وذلك لأن أمره ﷺ للأمة أمرًا خاصًّا بهم أخص من أدلة التأسي القاضية باتباعه في أقواله وأفعاله، فيُبنى العام على الخاص، ولا يجب التأسي به في هذا الفعل الذي ورد أمر الأمة بخلافه، وما نحن فيه من هذا القبيل، وإن كان خطابًا لواحد لأنه يلحق به غيره، إما بالقياس أو بحديث: "حُكْمي على الواحدِ كحُكْمي على الجماعةِ" (٥)، وهو وإن لم يكن حديثًا

стр. 164

معتبرًا عند أئمة الحديث، فقد شهد لمعناه حديث: "إنما قَوْلي لامرأة كقولي لمائةِ امرأةٍ" (١) ونحوه. قال المصنف (٢) ﵀ بعد أن ساق الحديث ما لفظه: "وعلى تقدير أن يثبت أن النبي ﷺ مسح رأسه بما بقي من بلل يديه، فليس يدل على طهورية الماء المستعمل، لأن الماء كلما [تنقل] (٣) في محال التطهير من غير مفارقة إلى غيرها فعمله وتطهيره باقٍ، ولهذا لا يقطع عمله في هذه الحال تغيُّره بالنجاسات والطهارات" انتهى. وقد قدمنا ما هو الحق في الماء المستعمل. [الباب الرابع] باب الرد على من جعل ما يغترف منه المتوضئ بعد غسل وجهه مستعملًا [كيفية وضوء النبي ﷺ -]: ٨/ ٨ - (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدِ بْنِ عاصمٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: تَوَضَّأ لَنَا وُضُوءَ

стр. 165

رَسول الله ﷺ ، فَدَعا بإِناءٍ فَأكْفَأ مِنْهُ على يَدَيْهِ فَغَسَلهُمَا ثلاثًا، ثُمّ أدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفّ وَاحِدَةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثلاثًا، ثمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فاسْتَخْرَجَهَا فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، ثمَّ أدْخَلَ يَدَهُ فاسْتَخْرَجَهَا، فَغَسَلَ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثمَّ أدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فأقْبَلَ بَيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ، ثمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إلى الْكَعْبَيْنِ، ثمَّ قالَ: هَكَذَا كَانَ وَضُوءُ رَسُولِ الله ﷺ . مُتفَق عَلَيْهِ (١)، وَلفْظُهُ لأحْمَدَ) (٢). [صحيح] قوله: (فأكفأ منه) أي أمال وصبّ، وفي رواية لمسلم (٣): "أكفأ منها" أي: المطهرة أو الإِداوة. قوله: (ثُمَّ أدْخَلَ يَدَهُ) هكذا وقع في صحيح مسلم (٣) أدخل يده بلفظ الإِفراد، وكذا في أكثر روايات البخاري (٤)، وفي رواية له: "ثم أدخل يديه فاغترف بهما"، وفي أخرى له (٥) من حديث ابن عباس: "ثم أخذَ غَرْفَةَ [فجعلَ] (٦) بها هكذا أضافَها إلى يدِه الأُخرى فَغَسلَ [بهما] (٧) وَجْهَهُ"، ثم قال: "هكذا رأيتُ رسولَ الله ﷺ يَتَوضأ". وفي سنن أبي داود (٨) والبيهقي (٩) من رواية علي في صفة وضوء رسول الله ﷺ : "ثُمَّ أدخلَ يديه في الإناء جميعًا فأخذ بهما حَفْنَةً من ماء [وضرب] (١٠) بها على وجهه".

стр. 166

فهذه الروايات في بعضها يديه وفي بعضها يده فقط وفي بعضها يده وضم الأخرى إليها، فهي دالة على جواز الأمور الثلاثة وإنها سنة. قال النووي (١): "ويجمع بين ذلك بأن النبي ﷺ فعل ذلك في مرات وهي ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعي ولكن الصحيح منها والمشهور الذي قطع به الجمهور ونص عليه الشافعي في البويطي والمزني أن المستحب أخذ الماء للوجه باليدين جميعًا لكونه أسهل وأقرب إلى الإِسباغ". والكلام على أطراف الحديث يأتي في الوضوء إن شاء الله وإنما ساقه المصنف ههنا للرد على من زعم أن الماء - المغترف منه بعد غسل الوجه يصير مستعملًا لا يصلح للطهورية، وهي مقالة باطلة يردُّها هذا الحديث وغيره. وقد زعم بعض القائلين بخروج المستعمل عن الطهورية أن إدخال اليد في الإِناء للغرفة التي يغسلها بها يصيِّره مستعملًا، وللحنفية والشافعية وغيرهم مقالات في المستعمل ليس عليها أثارة من علم (٢)، وتفصيلات وتفريعات عن الشريعة السمحة السهلة

стр. 167

بمعزل، وقد عرفت بما سلف أن هذه المسألة أعني خروج المستعمل عن الطهورية، مبنية على شفا جرف هار.

стр. 168

ومن فوائد هذا الحديث جواز المخالفة بين غسل أعضاء الوضوء لأنه اقتصر في غسل اليدين على مرتين بعد تثليث غيرهما. قوله: (فمسح برأسه) لم يذكر فيه عددًا كسائر الأعضاء، وهكذا أطلق في حديث عثمان المتفق عليه (١)، وصرح بواحدة في حديث عليّ عند الترمذي (٢) وصححه. وفي حديث ابن عباس عند أحمد (٣) وأبي داود (٤)، وقد ورد التثليث في حديث علي (٥) من طريق خالفت الحفاظ، وكذلك في حديث عثمان (٦) من طريق فيها عبد الرحمن بن وَرْدَان، وسيأتي بسط الكلام على ذلك في الوضوء إن شاء الله تعالى. [الباب الخامس] باب ما جاء في فضل طهور المرأة ٩/ ٩ - (عَنِ الحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفارِيِّ أن رَسُولَ الله ﷺ نهى أنْ يَتَوضَّأ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ المَرْأَةِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ (٧) إلَّا أن ابْنَ ماجَهْ وَالنسائيَّ قالا: "وَضُوءِ المَرْأَةِ". وقَالَ التِّرْمِذِيُّ هذا حَديثٌ حَسَنٌ، وقَالَ ابْنُ ماجَهْ، وَقَدْ رَوَى بَعْدَهُ حَدِيثًا آخَرَ: الصَّحِيحُ الأوَّلُ، يَعْنِي حَدِيث الحَكَمَ). [صحيح] الحديث صححه ابن حبان أيضًا (٨)، وقال البيهقي في سننه الكبرى (٩): قال

стр. 169

البخاري (١): حديث الحكم ليس بصحيح. وقال النووي (٢): اتفق الحفاظ على تضعيفه. قال ابن حجر في الفتح (٣): وقد أغرب النووي بذلك. وله شاهد عند أبي داود (٤) والنسائي (٥) من حديث رجل صحب النبي ﷺ قال: "نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ أنْ تَغْتَسِلَ المرأَةُ بفضْل الرَّجل أو الرَّجُلُ بِفَضْلِ المرأةِ وَلْيَغْتَرِفَا جَميعًا"، قال الحافظ في الفتح (٦): "رجاله ثقاتٌ ولم أقف لمن أعلَّهُ على حُجة قويةٍ، ودعوى البيهقي أنه في معنى المرسل مردودةٌ لأن إبهامَ الصحابيِّ لا يضرُّ، وقد صرَّح التابعيُّ بأنه لقيهُ. ودعوى ابن حزمٍ أن داودَ الذي رواه عن حميدِ بن عبدِ الرحمن الحميري - هو ابنُ يزيدَ الأوديُّ - وهوَ ضعيفٌ مردودةٌ، فإنه ابنُ عبد الله الأوديُّ وهو ثقة، وقد صرَّحَ باسم أبيهِ أبو داودَ وغيْرهُ"، وصرح الحافظ أيضًا في بلوغ المرام (٧) بأن إسناده صحيح. [اختلاف العلماء في التطهير بفضل طهور المرأة]: والحديث يدل على أنه لا يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل وضوء المرأة، وقد ذهب إلى ذلك عبد الله بن سَرْجِس الصحابي (٨). ونسبه ابن حزم (٩) إلى الحكم بن
следующие страницы →