← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 165–204 · переход к 170.

стр. 165

رَسول الله ﷺ ، فَدَعا بإِناءٍ فَأكْفَأ مِنْهُ على يَدَيْهِ فَغَسَلهُمَا ثلاثًا، ثُمّ أدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفّ وَاحِدَةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثلاثًا، ثمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فاسْتَخْرَجَهَا فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، ثمَّ أدْخَلَ يَدَهُ فاسْتَخْرَجَهَا، فَغَسَلَ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثمَّ أدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فأقْبَلَ بَيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ، ثمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إلى الْكَعْبَيْنِ، ثمَّ قالَ: هَكَذَا كَانَ وَضُوءُ رَسُولِ الله ﷺ . مُتفَق عَلَيْهِ (١)، وَلفْظُهُ لأحْمَدَ) (٢). [صحيح] قوله: (فأكفأ منه) أي أمال وصبّ، وفي رواية لمسلم (٣): "أكفأ منها" أي: المطهرة أو الإِداوة. قوله: (ثُمَّ أدْخَلَ يَدَهُ) هكذا وقع في صحيح مسلم (٣) أدخل يده بلفظ الإِفراد، وكذا في أكثر روايات البخاري (٤)، وفي رواية له: "ثم أدخل يديه فاغترف بهما"، وفي أخرى له (٥) من حديث ابن عباس: "ثم أخذَ غَرْفَةَ [فجعلَ] (٦) بها هكذا أضافَها إلى يدِه الأُخرى فَغَسلَ [بهما] (٧) وَجْهَهُ"، ثم قال: "هكذا رأيتُ رسولَ الله ﷺ يَتَوضأ". وفي سنن أبي داود (٨) والبيهقي (٩) من رواية علي في صفة وضوء رسول الله ﷺ : "ثُمَّ أدخلَ يديه في الإناء جميعًا فأخذ بهما حَفْنَةً من ماء [وضرب] (١٠) بها على وجهه".

стр. 166

فهذه الروايات في بعضها يديه وفي بعضها يده فقط وفي بعضها يده وضم الأخرى إليها، فهي دالة على جواز الأمور الثلاثة وإنها سنة. قال النووي (١): "ويجمع بين ذلك بأن النبي ﷺ فعل ذلك في مرات وهي ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعي ولكن الصحيح منها والمشهور الذي قطع به الجمهور ونص عليه الشافعي في البويطي والمزني أن المستحب أخذ الماء للوجه باليدين جميعًا لكونه أسهل وأقرب إلى الإِسباغ". والكلام على أطراف الحديث يأتي في الوضوء إن شاء الله وإنما ساقه المصنف ههنا للرد على من زعم أن الماء - المغترف منه بعد غسل الوجه يصير مستعملًا لا يصلح للطهورية، وهي مقالة باطلة يردُّها هذا الحديث وغيره. وقد زعم بعض القائلين بخروج المستعمل عن الطهورية أن إدخال اليد في الإِناء للغرفة التي يغسلها بها يصيِّره مستعملًا، وللحنفية والشافعية وغيرهم مقالات في المستعمل ليس عليها أثارة من علم (٢)، وتفصيلات وتفريعات عن الشريعة السمحة السهلة

стр. 167

بمعزل، وقد عرفت بما سلف أن هذه المسألة أعني خروج المستعمل عن الطهورية، مبنية على شفا جرف هار.

стр. 168

ومن فوائد هذا الحديث جواز المخالفة بين غسل أعضاء الوضوء لأنه اقتصر في غسل اليدين على مرتين بعد تثليث غيرهما. قوله: (فمسح برأسه) لم يذكر فيه عددًا كسائر الأعضاء، وهكذا أطلق في حديث عثمان المتفق عليه (١)، وصرح بواحدة في حديث عليّ عند الترمذي (٢) وصححه. وفي حديث ابن عباس عند أحمد (٣) وأبي داود (٤)، وقد ورد التثليث في حديث علي (٥) من طريق خالفت الحفاظ، وكذلك في حديث عثمان (٦) من طريق فيها عبد الرحمن بن وَرْدَان، وسيأتي بسط الكلام على ذلك في الوضوء إن شاء الله تعالى. [الباب الخامس] باب ما جاء في فضل طهور المرأة ٩/ ٩ - (عَنِ الحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفارِيِّ أن رَسُولَ الله ﷺ نهى أنْ يَتَوضَّأ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ المَرْأَةِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ (٧) إلَّا أن ابْنَ ماجَهْ وَالنسائيَّ قالا: "وَضُوءِ المَرْأَةِ". وقَالَ التِّرْمِذِيُّ هذا حَديثٌ حَسَنٌ، وقَالَ ابْنُ ماجَهْ، وَقَدْ رَوَى بَعْدَهُ حَدِيثًا آخَرَ: الصَّحِيحُ الأوَّلُ، يَعْنِي حَدِيث الحَكَمَ). [صحيح] الحديث صححه ابن حبان أيضًا (٨)، وقال البيهقي في سننه الكبرى (٩): قال

стр. 169

البخاري (١): حديث الحكم ليس بصحيح. وقال النووي (٢): اتفق الحفاظ على تضعيفه. قال ابن حجر في الفتح (٣): وقد أغرب النووي بذلك. وله شاهد عند أبي داود (٤) والنسائي (٥) من حديث رجل صحب النبي ﷺ قال: "نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ أنْ تَغْتَسِلَ المرأَةُ بفضْل الرَّجل أو الرَّجُلُ بِفَضْلِ المرأةِ وَلْيَغْتَرِفَا جَميعًا"، قال الحافظ في الفتح (٦): "رجاله ثقاتٌ ولم أقف لمن أعلَّهُ على حُجة قويةٍ، ودعوى البيهقي أنه في معنى المرسل مردودةٌ لأن إبهامَ الصحابيِّ لا يضرُّ، وقد صرَّح التابعيُّ بأنه لقيهُ. ودعوى ابن حزمٍ أن داودَ الذي رواه عن حميدِ بن عبدِ الرحمن الحميري - هو ابنُ يزيدَ الأوديُّ - وهوَ ضعيفٌ مردودةٌ، فإنه ابنُ عبد الله الأوديُّ وهو ثقة، وقد صرَّحَ باسم أبيهِ أبو داودَ وغيْرهُ"، وصرح الحافظ أيضًا في بلوغ المرام (٧) بأن إسناده صحيح. [اختلاف العلماء في التطهير بفضل طهور المرأة]: والحديث يدل على أنه لا يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل وضوء المرأة، وقد ذهب إلى ذلك عبد الله بن سَرْجِس الصحابي (٨). ونسبه ابن حزم (٩) إلى الحكم بن

стр. 170

عمرو راوي الحديث (١)، وجويرية (٢) أم المؤمنين، وأم سلمة، وعمر بن الخطاب، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن البصري (٣)، وهو أيضًا قول أحمد (٤) وإسحق (٥) لكن قيداه بما إذا خلت به. وروى عن ابن عمر (٦) والشعبي (٧) والأوزاعي (٨) المنع لكن مقيدًا بما إذا كانت المرأة حائضًا. ونقل الميموني عن أحمد (٩): "أن الأحاديث الواردة في منع

стр. 171

[التطهير] (١) بفضل وضوء المرأة وفي جوازه مضطربة، لكن قال: صح عن عدة من الصحابة المنع فيما إذا خلت به، وعورض بأن الجواز أيضًا نقل عن عدة من الصحابة منهم: ابن عباس" واستدلوا بما سيأتي من الأدلة. وقد جمع بين الأحاديث بحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء لكونه قد صار مستعملًا، والجواز على ما بقي من الماء، وبذلك جمع الخطابي (٢)، وأحسن منه ما جمع به الحافظ في الفتح (٣) من حمل النهي على التنزيه بقرينة أحاديث الجواز الآتية. ١٠/ ١٠ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن رَسُولَ الله ﷺ كانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمونَة، رَواهُ أحمد (٤) ومُسْلِمٌ) (٥). [صحيح] ١١/ ١١ - (وَعنِ ابْنِ عَبَّاس عَنْ مَيْمُونَةَ أن رَسُولَ الله ﷺ تَوَضَّأ بِفَضْلِ غُسْلِهَا مِنَ الجَنَابَة. رواه أحْمَدُ (٦)، وابن ماجَهْ (٧). [صحيح] ١٢/ ١٢ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أزْوَاجِ النَّبِيّ ﷺ في جَفْنَةٍ فجاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَتَوَضَّأ مِنْهَا أوْ يَغْتَسِلَ، فَقَالتْ له: يَا رَسُولَ الله إنِّي كُنْتُ جُنُبًا، فقال: "إن الماءَ لا يَجْنُبُ". رواه أحْمَدُ (٨) وأبو دَاوُدَ (٩) والنَّسائي (١٠)

стр. 172

والتَّرْمِذِي (١)، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ). [صحيح] حديثه الأول مع كونه في صحيح مسلم قد أعله قوم بتردد وقع في رواية عمرو بن دينار حيث قال: وعلمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني فذكر الحديث. وقد ورد من طريق أخرى بلا تردد. وأعلّ أيضًا بعدم ضبط الراوي ومخالفته، والمحفوظ ما أخرجه الشيخان (٢) بلفظ: "إنَّ النبيَّ ﷺ وميمونَة كانا يغتسلانِ من إناءٍ واحدٍ" وحديث الآخر أخرجه أيضًا الدارقطني (٣) وصححه ابن خزيمة وغيره، كذا قال الحافظ في الفتح (٤). وقال الدارقطني قد أعله قوم بسماك بن حرب راويه عن عكرمة لأنه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه شعبة وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم. قوله: (لا يجنب) في نسخة بفتح الياء التحتية وفي أخرى بضمها، فالأولى من جنُب بضم النون وفتحها، والثانية من أجنب. قال في القاموس (٥): "وقد أجْنَبَ وجَنِبَ وجَنُبَ واسْتَجْنَبَ، وهو جُنُبْ يَستوي للواحِدِ والجمعِ" اهـ. وظاهر حديثي ابن عباس، وميمونة، معارض لحديث الحكم السابق، وحديث الرجل الذي من الصحابة، فيتعين الجمع بما سلف. لا يقال: إن فعل النبي ﷺ لا يعارض قوله الخاص بالأمة. لأنا نقول: إن تعليله الجواز بأن الماء لا يجنب مشعر بعدم اختصاص ذلك به. وأيضًا النهي غير مختص بالأمة، لأن صيغة الرجل تشمله ﷺ بطريق الظهور، وقد تقرر دخول المخاطب في خطاب نفسه، نعم، لو لم يرد ذلك التعليل كان فعله ﷺ مخصصًا له من عموم الحديثين

стр. 173

السابقين. وقد نقل النووي (١) الاتفاق على جواز وضوء المرأة بفضل الرجل دون العكس، وتعقبه الحافظ (٢) بأن الطحاوي قد أثبت فيه الخلاف. قال المصنف (٣) رحمه الله تعالى: "قلت: وأكثر أهل العلم على الرخصة للرجل من فَضْل طَهور المرأة. والأخبار بذلك أصح. وكرهه أحمد وإسحق إذا خلت به، وهو قول عبد الله بن سَرْجِس، وحملوا حديث ميمونة على أنها لم تخل به، جمعًا بينه وبين حديث الحكم. فأما غسل الرجل والمرأة ووضوؤهما جميعًا فلا اختلاف فيه. قالت أم سلمة: "كنتُ أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد من الجنابة" متفق عليه (٤). وعن عائشة قالت: "كنتُ أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحدٍ تختلِفُ أيدينا فيه من الجنابة" متفق عليه (٥). وفي لفظ للبخاري (٦): "من إناءٍ واحدٍ نَغْتَرفُ منه جميعًا". ولمسلم (٧): "مِنْ إناءِ بَيْنِي وَبينَهُ واحِدِ فيُبَادِرُنِي حتى أقول: دَعْ لِي، [دع لِي] (٨) "، وفي لفظ النسائي (٩): "مِنْ إناءٍ واحدٍ يبادِرُني وأبادِرُهُ حتى يقولَ: دَعي لِي، وأنا أقول: دع لي". اهـ. وقد وافق المصنف في نقل الاتفاق على جواز اغتسال الرجل والمرأة من الإناء الواحد جميعًا الطحاوي (١٠) والقرطبي (١١) والنووي (١٢)، وفيه نظر لما حكاه ابن المنذر (١٣) عن أبي هريرة أنه

стр. 174

كان ينهي عنه؛ وحكاه ابن عبد البر (١) عن قوم. [وضوء الرجال والنساء من إناء واحد]: ومن جملة ما يدل على جواز الاغتسال والوضوء للرجل والمرأة من الإناء الواحد جميعًا ما أخرج أبو داود (٢) من حديث أم صُبْيَةِ الجُهَنِيَّة قالت: "اختلفت يدي ويدُ رسول الله ﷺ في الوضوء من إناءٍ واحد" ومن حديث ابن عمر (٣) قال: "كان الرجالُ والنساءُ يتوضأونَ في زمان رسولِ الله ﷺ " قال مسدد: "مِن الإناءِ الواحد جميعًا"، قال في الفتح (٤): "ظاهره أنهم كانوا يتناولون الماء في حالة واحدة. وحكى ابن التين عن قوم أن معناه أن الرجال والنساء كانوا يتوضأون جميعًا في موضع واحد، هؤلاء على حدة وهؤلاء على حدة، والزيادة المتقدمة في قوله: "من إناء واحد" ترد عليه. وكأن هذا القائل استبعد اجتماع الرجال والنساء الأجانب. وقد أجاب ابن التين عنه بما حكاه سحنون أن معناه كان الرجال يتوضأون ويذهبون، ثم يأتي النساء وهو خلاف الظاهر، لأن قوله: جميعًا، معناه ضد المفترق كما قال أهل اللغة. وقد وقع مصرحًا بوحدة الإناء في صحيح ابن خزيمة (٥) في هذا الحديث من طريق معتمر عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر "أنه أبصر النبي ﷺ وأصحابه يتطهرون، والنساء معهم من إناء واحد كلهم يتطهرون منه". والأولى في الجواب أن يقال: لا مانع من الاجتماع قبل نزول الحجاب، وأما بعده فيختص بالمحارم والزوجات".

стр. 175

[الباب السادس] باب حكم الماء إذا لاقته النجاسة ١٣/ ١٣ - (عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخدْرِيِّ قالَ: قِيلَ: يَا رسولَ الله أتَتَوَضَّأ مِنْ بِئْرِ بُضاعَةَ وَهِيَ بئْرٌ يُلْقَى فِيها الحِيَضُ وَلُحُومِ الكِلابِ وَالنَّتِنُ؟ فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "المَاءُ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ". رواهُ أحمَدُ (١) وأبُو دَاوُدَ (٢) وَالتًرْمِذِيُّ (٣) وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدِيثُ بئرِ بُضاعَةَ صَحيحٌ (٤). وَفِي رِوَايَةٍ لأحْمَدَ (٥) وأبي دَاوُدَ (٦): إنَّهُ [يُسْتَقَى] (٧) لَكَ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ تُطْرَحُ فِيهَا مَحَايِضُ (٨) النِّساءِ، وَلَحْمُ الكِلابِ، وَعَذِرُ النَّاسِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إن المَاء طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ". قَالَ أبو دَاوُدَ (٩): "سَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ، قَالَ: سألْتُ قيِّمَ بئْر بُضاعَةَ عَنْ عُمْقِها قُلْتُ: أكثرُ مَا يَكُونُ فِيها المَاء؟ قَالَ: إلى العَانَةِ، قُلْتُ: فَإذَا نَقَصَ، قَالَ دُونَ العَوْرَةِ، قَالَ أبُو دَاوُدَ: قدَّرْتُ بِئْرَ بُضَاعَةَ بِرِدَائِي فَمَدَدْتُه عليها ثُمَّ ذَرَعْتُهُ فإذا عَرْضُها سِتَّةُ أذْرُع، وسألتُ الَّذِي فَتَحَ لِي بَابَ البُسْتَانِ فَأدْخَلَنِي إليْهِ هَلْ غُيِّرَ بِناؤهَا عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ؟ فقال: لا، وَرَأيْتُ فِيها ماءً مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ". [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا الشافعي في الأم (١٠) والنسائي (١١) وابن ماجه (١٢)

стр. 176

والدارقطني (١) والحاكم (٢) والبيهقي (٣). وقد صححه أيضًا يحيى بن معين وابن حزم والحاكم، وجوّده أبو أسامة (٤)، ونقل ابن الجوزي أن الدارقطني قال: إنه ليس بثابت. قال في التلخيص (٥): "ولم نر ذلك في العلل له ولا في السنن، وأعله ابن القطان بجهالة راويه عن أبي سعيد، واختلاف الرواة في اسمه واسم أبيه. قال ابن القطان: وله طريق أحسن من هذه، ثم ساقها عن أبي سعيد، وقال ابن منده في حديث أبي سعيد هذا: إسناده مشهور". وفي الباب عن جابر عند ابن ماجه (٦) بلفظ: "إن الماء لا ينجسه شيء"، وفي إسناده أبو سفيان طريف بن شهاب (٧) وهو ضعيف متروك. وعن ابن عباس عند أحمد (٨) وابن خزيمة (٩) وابن حبان (١٠) بنحوه. وعن سهل بن سعد عند الدارقطني (١١). وعن عائشة عند الطبراني في الأوسط (١٢) وأبي يعلى (١٣)

стр. 177

والبزار (١) وابن السكن في صحاحه (٢)، ورواه أحمد (٣) من طريق أخرى صحيحة لكنه موقوف. وأخرجه أيضًا بزيادة الاستثناء الدارقطني (٤) من حديث ثوبان، ولفظه: "الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه"، وفي إسناده [رِشْدين] (٥) بن سعد (٦) وهو متروك. وعن أبي أمامة مثله عند ابن ماجه (٧) والطبراني (٨) وفيه أيضًا رِشْدين، ورواه البيهقي (٩) بلفظ: "إن الماء طَهُورٌ إلَّا إنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ أو لَونُهُ أو طَعمهُ بنجاسةٍ تَحدُثُ فيهِ" من طريق عطية بن بقية عن أبيه (١٠) عن ثور عن رشدين بن سعد (١١) عن أبي أمامة، وفيه تعقب على من زعم

стр. 178

أن رشدين بن سعد تفرد بوصله. ورواه الطحاوي (١) والدارقطني (٢) من طريق راشد بن سعد مرسلًا. وصحح أبو حاتم إرساله. وقال الشافعي (٣): لا يثبت أهل الحديث مثله، وقال الدارقطني (٤): لا يثبت هذا الحديث. وقال النووي (٥): اتفق المحدثون على تضعيفه. قال في البدر المنير (٦): فتلخص أن الاستثناء المذكور ضعيف [فتعيَّن] (٧) الاحتجاج بالإجماع كما قال الشافعي والبيهقي وغيرهما: يعني الإجماع على أن المتغير بالنجاسة ريحًا أو لونًا أو طعمًا نجس. وكذا نقل الإجماع ابن المنذر (٨) فقال: أجمع العلماء على أن الماء القليل [والكثير] (٩) إذا وقعت فيه نجاسة فغيَّرت له طعمًا أو لونًا أو ريحًا فهو نجس، انتهى. وكذا نقل الإجماع المهدي في البحر (١٠). قوله: (أتتوضأ) بتاءين مثناتين من فوق، خطاب للنبي ﷺ ، كذا قال في التلخيص (١١). قوله: (النتن) (١٢) بنون مفتوحة وتاء مثناة من فوق ساكنة ثم نون، قال ابن رسلان: وينبغي أن يضبط بفتح النون وكسر التاء وهو الشيء الذي له

стр. 179

[رائحة] (١) كريهة من قولهم: نَتِنَ الشيءُ بكسر التاء ينتَن بفتحها فهو نتن. قوله: (بئر بُضاعة) (٢) أهل اللغة يضمون الباء ويكسرونها والمحفوظ في الحديث الضم. قوله: (والحيض) (٣) بكسر الحاء جمع حيضة بكسر الحاء أيضًا مثل سدر وسدرة، والمراد بها خرقة الحيض الذي تمسحه المرأة بها، وقيل: الحيضة الخرقة التي تستثفر المرأة بها. قوله: (وعَذِرُ الناسِ) (٤) بفتح العين المهملة وكسر الذال المعجمة جمع عَذِرة، ككلمة وكَلِم وهي الخرء، وأصلها اسم لفناء الدار ثم سمي بها الخارج من باب تسمية المظروف باسم الظرف. قوله: (إلى العانة) قال الأزهري (٥) وجماعة: وهي موضع منبت الشعر فوق قُبُل الرجل والمرأة. قوله: (دون العورة) قال ابن رسلان: يشبه أن يكون المراد به عورة الرجل أي دون الركبة لقوله ﷺ : "عورة الرجل ما بين سرته وركبته" (٦). قوله: (ماء متغير اللون) قال النووي (٧): يعني بطول المكث وأصل المنبع لا بوقوع شيء أجنبي فيه.

стр. 180

[اختلاف العلماء في الماء الذي تقع فيه النجاسة]: والحديث يدل على أن الماء لا يتنجس بوقوع شيء فيه سواء كان قليلًا أو كثيرًا ولو تغيرت أوصافه أو بعضها، لكنه قام الإجماع على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة خرج عن الطهورية فكان الاحتجاج به لا بتلك الزيادة كما سلف، فلا ينجس الماء بما لاقاه، ولو كان قليلًا إلا إذا تغير، وقد ذهب إلى ذلك ابن عباس (١) وأبو هريرة (٢) والحسن البصري (٣) وابن المسيِّب (٤) وعكرمة (٥) وابن أبي ليلى (٦) والثوري (٧) وداود الظاهري والنخعي وجابر بن زيد (٨) ومالك (٩) والغزالي (١٠)، ومن أهل البيت (١١): القاسم والإمام يحيى. وذهب ابن عمر ومجاهد والشافعية والحنفية وأحمد بن حنبل وإسحق، ومن أهل البيت: الهادي والمؤيد بالله وأبو طالب والناصر إلى أنه ينجس القليل بما لاقاه

стр. 181

من النجاسة وإن لم تتغير أوصافه، إذ تستعمل النجاسة باستعماله (١). وقد قال تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (٢) ولخبر الاستيقاظ (٣)، وخبر الولوغ (٤) ولحديث: "لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم" (٥) وحديث القلَّتين (٦) ولترجيح الحظر، ولحديث: "استفتِ قلبكَ وإنْ أفتاكَ المفتون" عند أحمد (٧) وأبي يعلى (٨) والطبراني (٩) وأبي نعيم مرفوعًا، وحديث: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، أخرجه النسائي (١٠) وأحمد (١١) وصححه ابن حبان (١٢) والحاكم (١٣) والترمذي (١٤) من حديث

стр. 182

الحسن بن علي، قالوا: فحديث: "الماء طهور لا ينجسه شيء" (١) مخصص بهذه الأدلة. واختلفوا في حد القليل الذي يجب اجتنابه عند وقوع النجاسة فيه فقيل: ما ظن استعمالها باستعماله، وإليه ذهب أبو حنيفة والمؤيد بالله وأبو طالب. وقيل: دون القلتين (٢) على اختلاف في قدرهما، وإليه ذهب الشافعي وأصحابه والناصر والمنصور بالله. وأجاب القائلون بأن القليل لا ينجس بالملاقاة للنجاسة إلا أن يتغير، باستلزام الأحاديث الواردة في اعتبار الظن للدور لأنه لا يعرف القليل إلا بظن الاستعمال ولا يظن إلا إذا كان قليلًا، وأيضًا الظن لا ينضبط بل يختلف باختلاف الأشخاص، وأيضًا جعل ظن الاستعمال مناطًا يستلزم استواء القليل والكثير. وعن حديث القلتين بأنه مضطرب الإسناد والمتن كما سيأتي (٣).

стр. 183

والحاصل أنه لا معارضة بين حديث القلَّتين وحديث: "الماء طهور لا ينجسه شيء" (١) فيما بلغ مقدار القلتين فصاعدًا فلا يحمل الخبث ولا ينجس بملاقاة النجاسة إلا أن يتغير أحد أوصافه فنجس بالإجماع فيخص به حديث القلتين، وحديث: "لا ينجسه شيء" (١)، وأما ما دون القلتين فإن تغيَّر خرج عن الطهارة بالإجماع وبمفهوم حديث القلتين فيخص بذلك عموم حديث: "لا ينجسه شيء" (١) وإن لم يتغير بأن وقعت فيه نجاسة لم تغيره، فحديث: "لا ينجسه شيء" يدل بعمومه على عدم خروجه عن الطهارة لِمجرد ملاقاة النجاسة، وحديث القلتين يدل بمفهومه على خروجه عن الطهورية بملاقاتها، فمن أجاز التخصيص بمثل هذا المفهوم قال به في هذا المقام، ومن منع منه منعه فيه. ويؤيد جواز التخصيص بهذا المفهوم لذلك العموم بقية الأدلة التي استدل بها القائلون بأن الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه وإن لم تغيره كما تقدم، وهذا المقام من المضايق التي لا يهتدي إلى ما هو الصواب فيها إلا الأفراد، وقد حققت المقام بما هو أطول من هذا وأوضح في "طيب النشر على المسائل العشر" (٢) وللناس في تقدير القليل والكثير أقوال ليس [عليه] (٣) أثارة من علم (٤) فلا نشتغل بذكرها. ١٤/ ١٤ - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ بْنِ الخطَّابِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ يُسْئَلُ عَنِ المَاءِ يَكُونُ بِالفَلاةِ مِنَ الأرْضِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ السِّباعِ وَالدَّوَابِّ، فَقالَ: "إذا كَانَ المَاءُ قُلَّتَينِ لَمْ يحْمِلِ الخبَثَ". رواه الخَمْسَةُ (٥)، وفي لَفْظِ ابْنِ مَاجَهْ (٦) وَرِوَايَةٍ لأحْمَدَ (٧): "لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيءٌ"). [صحيح]

стр. 184

الحديث أخرجه أيضًا الشافعي (١) وابن خزيمة (٢) وابن حبان (٣) والحاكم (٤) والدارقطني (٥) والبيهقي (٦) وقال الحاكم (٧): صحيح على شرطهما. وقد احتجا بجميع رواته. واللفظ الآخر من حديث الباب أخرجه أيضًا الحاكم (٧)، وأخرجه أبو داود (٨) بلفظ: "لا ينجس"، وكذا أخرجه ابن حبان (٩). وقال ابن منده (١٠): إسناد حديث القلتين على شرط مسلم انتهى. ومداره على الوليد بن كثير (١١) فقيل: عنه عن محمد بن جعفر بن الزبير (١٢)، وقيل: عنه عن محمد بن عباد بن جعفر (١٣)، وقيل:

стр. 185

عنه عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وقيل: عنه عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، وهذا اضطراب في الإسناد، وقد روي أيضًا بلفظ: "إذا كان الماء قدر قلتين أو ثلاث لم ينجس" كما في رواية لأحمد (١) والدارقطني (٢)، وبلفظ: "إذا بلغ الماء قلة فإنه لا يحمل الخبث" كما في رواية للدارقطني (٣) وابن عدي (٤) والعقيلي (٥) وبلفظ: "أربعين قلة"، عند الدارقطني (٦) وهذا اضطراب في المتن. وقد أجيب عن دعوى الاضطراب في الإسناد بأنه على تقدير أن يكون محفوظًا من جميع تلك الطرق لا يعد اضطرابًا لأنه انتقال من ثقة إلى ثقة، قال الحافظ (٧): "وعند التحقيق أنه عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن [عبد الله بن] (٨) عبد الله بن عمر المكبر، وعن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر المصغر، ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم. وله طريق ثالثة عند الحاكم (٩) جوَّد إسنادها ابن معين. وعن دعوى الاضطراب في المتن بأن رواية "أو ثلاث" شاذة ورواية "قلة" مضطربة، وقيل: إنهما موضوعتان، ذكر معناه في البدر المنير (١٠). ورواية ["أربعين"] (١١) ضعفها الدارقطني (١٢) بالقاسم بن عبد الله العمري (١٣)، قال

стр. 186

ابن عبد البر في التمهيد (١): "ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين مذهب ضعيف من جهة النظر، غير ثابت من جهة الأثر، لأنه حديث تكلم فيه جماعة من أهل العلم، ولأن القلتين لم يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع". وقال في الاستذكار (٢): "حديث معلول ردَّه إسماعيل القاضي (٣) وتكلم فيه"، وقال الطحاوي (٤): "إنما لم نقل به لأن مقدار القلتين لم يثبت". وقال ابن دقيق العيد (٥): "هذا الحديث قد صحَّحه بعضهم وهو صحيح على طريقة الفقهاء، ثم أجاب عن الاضطراب. وأما التقييد بقلال هجر فلم يثبت مرفوعًا إلا من رواية المغيرة بن سقلاب (٦) عند ابن عدي (٧) وهو منكر الحديث، قال النفيلي (٨): لم يكن مؤتمنًا على الحديث، وقال ابن عدي (٩): لا يتابع على عامة حديثه.

стр. 187

ولكن أصحاب الشافعي قوَّوا كون المراد قلال هجر بكثرة استعمال العرب لها في أشعارهم، كما قال أبو عبيد في كتاب الطهور (١)، وكذلك ورد التقييد بها في الحديث الصحيح قال البيهقيُّ: قلال هجر كانت مشهورة عندهم ولهذا شبه رسول الله ﷺ ما رأى ليلة المعراج (٢) من نبق (٣) سدرة المنتهى بقلال هجر. قال الخطابي (٤): "قلال هجر مشهورة الصنعة معلومة المقدار، والقلة لفظ مشترك، وبعد صرفها إلى أحد معلوماتها وهي الأواني تبقى مترددة بين الكبار والصغار، والدليل على أنها من الكبار جعل الشارع الحدي مقدَّرًا بعدد فدل على أنه أشار إلى أكبرها لأنه لا فائدة [من] (٥) تقديره بقلتين صغيرتين مع القدرة على التقدير بواحدة كبيرة" ولا يخفى ما في هذا الكلام من التكلف والتعسف (٦). قوله: (ما يَنُوبُهُ) (٧) هو بالنون، أي يَرِدُ عليه نوبة بعد أخرى، وحكى الدارقطني: أن ابن المبارك صَحَّفه فقال: [يثوبه] (٨) بالثاء المثلثة. قوله: (لم يحمل الخبث) هو بفتحتين النجس كما وقع تفسير ذلك بالنجس في الروايات المتقدمة والتقدير لم يقبل النجاسة بل يدفعها عن نفسه، ولو كان المعنى أنه يضعف عن حملها لم يكن للتقييد بالقلتين معنى فإن ما دونهما أولى بذلك، وقيل: معناه لا

стр. 188

يقبل حكم النجاسة. وللخبث معان أخر ذكرها في النهاية (١)، والمراد ههنا ما ذكرنا. والحديث يدل على أن قدر القلتين لا ينجس بملاقاة النجاسة وكذا ما هو أكثر من ذلك بالأولى، ولكنه مخصص أو مقيد بحديث: "إلا ما غيَّر ريحه أو لونه أو طعمه" (٢)، وهو وإن كان ضعيفًا فقد وقع الإجماع على معناه، وقد تقدم تحقيق الكلام والجمع بين الأحاديث. ١٥/ ١٥ - (وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: "لَا يَبُولَنَّ أحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ"، رَوَاهُ الجمَاعَة (٣) وَهذَا لَفْظُ البُخارِيَّ، وَلَفْظُ الترْمِذِيِّ (٤): "ثمَّ يَتَوَضَّأ مِنْهُ"، وَلَفْظُ البَاقِينَ: "ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ"). [صحيح] قوله: (الدائم) تقدم تفسيره. قوله: (الذي لا يجري) قيل: هو تفسير للدائم وإيضاح لمعناه وقد احترز به عن راكد يجري بعضه كالبرك. وقيل: احترز به عن الماء الراكد لأنه جار من حيث الصورة ساكن من حيث المعنى، ولهذا لم يذكر البخاري هذا القيد حيث جاء بلفظ الراكد بدل الدائم. وكذلك مسلم (٥) في حديث جابر، وقال ابن الأنباري: الدائم من حروف الأضداد يقال للساكن والدائر. وعلى هذا يكون قوله: لا يجري. صفة مخصصة لأحد معنيي المشترك. وقيل: الدائم والراكد مقابلان للجاري، لكن الدائم الذي له نبع والراكد الذي لا نبع له (٦). قوله: (ثم يغتسل فيه) ضبطه النووي في شرح مسلم (٧) بضم اللام، قال في

стр. 189

الفتح (١): وهو المشهور. قال النووي (٢) أيضًا: "وذكر شيخنا أبو عبد الله بن مالك أنه يجوز أيضًا جزمه عطفًا على موضع يبولن، ثم نصبه بإضمار أن وإعطاء ثم حكم واو الجمع". فأما الجزم فلا مخالفة بينه وبين الأحاديث الدالة على أنه يحرم البول في الماء الدائم على انفراده، والغسل على انفراده كما تقدم في باب بيان زوال تطهيره لدلالته على تساوي الأمرين في النهي عنهما. وأما النصب فقال النووي (٣): "لا يجوز لأنه يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما وهذا لم يقله أحد، بل البول فيه منهي عنه سواء أراد الاغتسال فيه أم لا". وضعفه ابن دقيق العيد بأنه لا يلزم أن يدل على الأحكام المتعددة لفظ واحد فيؤخذ النهي عن الجمع بينهما من هذا الحديث إن ثبتت رواية النصب، ويؤخذ النهي عن الإفراد من حديث آخر، وتعقبه ابن هشام في "المغني" فقال: إنه وهم، وإنما أراد ابن مالك إعطاءها حكمها في النصب لا في المعية، قال: وأيضًا ما أورده إنما جاء من قبيل المفهوم (٤) لا المنطوق (٥)، وقد قام دليل آخر على عدم إرادته، ونظيره إجازة الزجَّاج (٦) والزمخشري (٧)، في قوله

стр. 190

تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقّ﴾ (١) كون ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ مجزومًا وكونه منصوبًا مع أن النصب معناه النهي اهـ. وقد اعترض الجزم القرطبي (٢) بما حاصله أنه لو أراد النهي عنه لقال: ثم يغتسلن بالتأكيد، وتعقب بأنه لا يلزم من تأكيد النهي أن لا يعطف عليه نهي آخر غير مؤكد لاحتمال أن يكون للتأكيد معنى في أحدهما ليس في الآخر اهـ. والحاصل أنه قد ورد النهي عن مجرد الغسل من دون ذكر للبول كحديث أبي هريرة المتقدم في باب بيان زوال تطهير الماء، وورد النهي عن مجرد البول من دون ذكر للغسل كما في صحيح مسلم (٣): "أنه ﷺ نهى عن البول في الماء الراكد"، والنهي عن كل واحد منهما على انفراده يستلزم النهي عن فعلهما جميعًا بالأولى. وقد ورد النهي عن الجمع بينهما في حديث الباب إن صحت رواية النصب، والنهي عن كل واحد منهما في حديث عند أبي داود (٤)، ويدل عليه حديث الباب على رواية الجزم. وأما على رواية الرفع فقال القرطبي (٥): إنه نبه بذلك على مآل الحال، ومثله بقوله ﷺ : "لا يضربنَّ أحدكم امرأته ضرب الأمة ثم يضاجعها" (٦) أي ثم هو يضاجعها، والمراد النهي عن الضرب؛ لأن الزوج يحتاج في مآل حاله إلى مضاجعتها فتمتنع لإساءته إليها، فيكون المراد ههنا النهي عن البول في الماء؛ لأن البائل يحتاج في مآل حاله إلى التطهر به فيمتنع ذلك للنجاسة.

стр. 191

قال النووي (١): "وهذا النهي في بعض المياه للتحريم، وفي بعضها للكراهة فإن كان الماء كثيرًا جاريًا لم يحرم البول فيه ولكن الأولى اجتنابه، وإن كان قليلًا جاريًا فقد قال جماعة من أصحاب الشافعي: يكره. والمختار أنه يحرم لأنه يقذره وينجسه، ولأن النهي يقتضي التحريم عند المحققين والأكثرين من أهل الأصول، وهكذا إذا كان كثيرًا راكدًا أو قليلًا، لذلك قال: وقال العلماء من أصحابنا وغيرهم: يكره الاغتسال في الماء الراكد قليلًا كان أو كثيرًا، وكذا يكره الاغتسال في العين الجارية، قال: وهذا كله على كراهة التنزيه لا التحريم" انتهى. وينظر ما القرينة الصارفة للنهي عن التحريم، ولا فرق في تحريم البول في الماء بين أن يقع البول فيه أو في إناء ثم يصب إليه، خلافًا للظاهرية، والتغوط كالبول وأقبح، ولم يخالف في ذلك أحد إلا ما حكي عن داود الظاهري (٢). قال النووي (٣): وهو خلاف الإجماع، وهو أقبح ما نقل عنه في الجمود على الظاهر. وقد نصر قول داود ابن حزم في المحلى (٤) وأورد للفقهاء الأربعة من هذا الجنس الذي أنكره أتباعهم على داود شيئًا واسعًا. واعلم أنه لا بد من إخراج هذا الحديث عن ظاهره بالتخصيص أو التقييد لأن الاتفاق واقع على أن الماء المستبحر الكثير جدًّا لا تؤثر فيه النجاسة، وحملته الشافعية على ما دون القلتين لأنهم يقولون: إن قدر القلتين فما فوقهما لا ينجس إلا بالتغير. وقيل: حديث القلتين عام في الأنجاس فيخص ببول الآدمي، وردَّ بأن المعنى المقتضي للنهي هو عدم التقرب إلى الله تعالى بالمتنجس، وهذا المعنى يستوي فيه سائر النجاسات ولا يتجه تخصيص بول الآدمي منها بالنسبة إلى هذا المعنى. قوله: (ثم يتوضأ منه) فيه دليل على أن النهي لا يختص بالغسل بل الوضوء في معناه، ولو لم يرد هذا لكان معلومًا لاستواء الوضوء والغسل في المعنى المقتضي للنهي كما تقدم.

стр. 192

قوله: (ثم يغتسل منه)، هذا اللفظ ثابت أيضًا في البخاري (١) من طريق أبي الزناد، وللبخاري (٢) ومسلم (٣) من طريق أخرى: "ثم يغتسل فيه"، قال ابن دقيق العيد: وكل واحد من اللفظين يفيد حكمًا بالنص وحكمًا بالاستنباط اهـ. وذلك لأن الرواية بلفظ فيه تدل على منع الانغماس بالنص وعلى منع التناول بالاستنباط، والرواية بلفظ منه بعكس ذلك. وقد استدل بهذا الحديث أيضًا على نجاسة المستعمل وعلى أنه طاهر مسلوب الطهورية، وقد تقدم الكلام على البحثين. قال المصنف (٤) رحمه الله تعالى: ومن ذهب إلى خبر القلتين حمل هذا الخبر على ما دونهما، وخبر بئر بضاعة على ما بلغهما جمعًا بين الكل اهـ. وقد تقدم تحقيق ذلك. [الباب السابع] باب أسْآر البهائم حديث ابن عمر في القلتين يدل على نجاستها، وإلا يكون التحديد [بالقلتين] (٥) في جواب السؤال عن ورودها على الماء عبثًا. ١٦/ ١٦ - (عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ في إناءِ أحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسلْهُ سَبع مَرَّاتٍ". رَوَاهُ مُسْلِمْ (٦) وَالنَّسَائِي (٧). [صحيح] الحديث له ألفاظ هذا أحدها. وفي الباب أحاديث منها عن عبد الله بن مغفل (٨)، وسيأتي في باب اعتبار العدد في الولوغ، وحديث ابن عمر (٩) الذي أشار

стр. 193

إليه المصنف في القلتين تقدم. وقد استدل به على نجاسة أسآر البهائم لما ذكره. قوله: (إذا ولغ)] قال في الفتح (١): "يقال: ولغ يلغ - بالفتح فيهما -، إذا شرب بطرف لسانه. قال ثعلب (٢): هو أن يدخل لسانه في الماء وغيره من كل مائع فيحركه، زاد ابن دَرَسْتَويه (٣): شرب، أولم يشرب، قال [مكي] (٤): فإن كان غير مائع يقال: لعقه". قوله: (في إناء أحدكم)] ظاهره العموم في الآنية وهو يخرج ما كان من المياه في غير الآنية، وقيل: أصل الغسل معقول المعنى وهو النجاسة فلا فرق بين الإناء وغيره. قال العراقي: ذكر الإناء خرج مخرج الأغلب لا للتقييد. قوله: (فليرقه) قال النسائي (٥): لم يذكر فليرقه غير عليّ بن

стр. 194

مُسْهِر (١). وقال ابن منده (٢): تفرد بذكر الإراقة فيه علي بن مسهر ولا يعرف عن النبي ﷺ بوجه من الوجوه. قال الحافظ: ورد الأمر بالإراقة عند مسلم (٣) من طريق الأعمش عن أبي صالح وأبي رزين عن أبي هريرة، وقد حسَّن الدارقطني (٤) حديث الإراقة، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٥)، ورواه مسلم (٦) بزيادة: "أولاهن بالتراب" كما سيأتي. والحديث يدل على وجوب الغسلات السبع من ولوغ الكلب، وإليه ذهب ابن عباس (٧) وعروة بن الزبير (٨) ومحمد بن سيرين (٩) وطاوس (١٠) وعمرو بن دينار (١١) والأوزاعي (١٢) ومالك (١٣) والشافعي (١٤) وأحمد بن حنبل (١٥) وإسحق (١٦) وأبو ثور (١٧) وأبو عبيد (١٨) وداود (١٩). [مذاهب العلماء في وجوب الغسلات السبع]: وذهبت العترة والحنفية (٢٠) إلى عدم الفرق بين لعاب الكلب وغيره من

стр. 195

النجاسات، وحملوا حديث السبع على الندب، واحتجوا بما رواه الطحاوي (١) والدارقطني (٢) موقوفًا على أبي هريرة أنه يغسل من ولوغه ثلاث مرات، وهو الراوي للغسل سبعًا، فثبت بذلك نسخ السبع وهو مناسب لأصل بعض الحنفية من وجوب العمل بتأويل الراوي، وتخصيصه ونسخه، وغير مناسب لأصول الجمهور من عدم العمل به. ويحتمل أن أبا هريرة أفتى بذلك لاعتقاده ندبية السبع لا وجوبها [أو] (٣) أنه نسي ما رواه. وأيضًا قد ثبت عنه أنه أفتى بالغسل سبعًا، ورواية من روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد ومن حيث النظر، أما من حيث الإسناد فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عنه (٤)، وهذا من أصح الأسانيد. والمخالفة من رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عنه (٥)، وهو دون الأول في القوة بكثير، قاله الحافظ في الفتح (٦)، وأما من حيث النظر فظاهر. وأيضًا قد روى التسبيع غير أبي هريرة (٧) فلا يكون مخالفة فتياه قادحة في مروي غيره، وعلى كل حال فلا حجة في قول أحد مع قول رسول الله ﷺ . ومن جملة أعذارهم عن العمل بالحديث أن العذرة أشد نجاسة من سؤر الكلب، ولم تقيد بالسبع، فيكون الولوغ كذلك من باب الأولى، ورد بأنه لا يلزم

стр. 196

من كونها أشد في الاستقذار أن لا يكون الولوغ أشد منها في تغليظ الحكم، وبأنه قياس في مقابلة النص الصريح وهو فاسد الاعتبار. (ومنها) أيضًا أن الأمر بذلك كان عند الأمر بقتل الكلاب فلما نهى عن قتلها نسخ الأمر بالغسل، وتعقب بأن الأمر بقتلها كان في أوائل الهجرة والأمر بالغسل متأخر جدًّا لأنه من رواية أبي هريرة، وعبد الله بن مغفل، وكان إسلامهما سنة سبع، وسياق حديث ابن مغفل الآتي (١) ظاهر في أن الأمر بالغسل كان بعد الأمر بقتل الكلاب، وقد اختلف أيضًا في وجوب التتريب للإناء الذي ولغ فيه الكلب، وسيأتي بيان ذلك في باب اعتبار العدد. (الكلام على نجاسة الكلب): واستدل بهذا الحديث أيضًا على نجاسة الكلب لأنه إذا كان لعابه نجسًا وهو عرق فمه، ففمه نجس، ويستلزم نجاسة سائر بدنه، وذلك لأن لعابه جزء من فمه، وفمه أشرف ما فيه فبقية بدنه بالأولى، وقد ذهب إلى هذا الجمهور. وقال عكرمة ومالك في رواية عنه (٢): أنه طاهر. ودليلهم قول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (٣) ولا يخلو الصيد من التلوث بريق الكلاب، ولم [نؤمر] (٤) بالغسل. وأجيب عن ذلك بأن إباحة الأكل مما أمسكن لا تنافي وجوب تطهير ما تنجَّس من الصيد، وعدم الأمر للاكتفاء بما في أدلة تطهير النجس من العموم، ولو سلَّم فغايته الترخيص في الصيد بخصوصه. واستدلوا أيضًا بما ثبت عند أبي داود (٥) من حديث ابن عمر بلفظ: "كانتِ الكلابُ تُقبلُ وتُدْبِرُ زمان رسول الله ﷺ في المسجدِ فلم يكونوا يرُشُّونَ شيئًا من ذلكَ" وهو في البخاري (٦). وأخرجه الترمذي (٧) بزيادة "وتبول"، ورد بأن البول مجمع على

стр. 197

نجاسته، فلا يصلح حديث بول الكلاب في المسجد حجة يعارض بها الإجماع. وأما مجرد الإقبال والإدبار فلا يدلان على الطهارة، وأيضًا يحتمل أن يكون ترك الغسل لعدم تعيين موضع النجاسة أو لطهارة الأرض بالجفاف، قال المنذري (١): إنها كانت تبول خارج المسجد في مواطنها ثم تقبل وتدبر في المسجد. قال الحافظ (٢): "والأقرب أن يقال: إن ذلك كان في ابتداء الحال على أصل الإباحة، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها وجعل الأبواب عليها". واستدلوا على الطهارة أيضًا بما سيأتي من الترخيص في كلب الصيد والماشية والزرع (٣). وأجيب [بأنه] (٤) لا منافاة بين الترخيص وبين الحكم بالنجاسة، غاية الأمر أنه تكليف شاق وهو لا ينافي التعبد به. [الباب الثامن] باب سؤر الهر ١٧/ ١٧ - (عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِك - كَانَتْ تَحْتَ ابن أبِي قَتادَة: أن أبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَكَبَتْ لَهُ وَضوءًا، فَجاءَت هِرَّةٌ تَشْرَبُ مِنْهُ فأصْغى لهَا الإنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ، قَالَت كَبشَةُ: فَرَآنِي أنْظُرُ، فَقَالَ: أتَعْجَبينَ يَا ابْنَةَ أخي؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ إنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "إنَّها لَيْسَت بِنَجِسٍ، إنَّها من الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطوَّافَاتِ". رَوَاهُ الخَمْسَةُ (٥) وَقَالَ التَّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ). [صحيح] ١٨/ ١٨ - (وعَنْ عائِشَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كَانَ يُصْغِي إلى الهِرَّةِ الإناءَ حَتَّى تَشْرَبَ ثُمَّ يَتَوَضأ بِفَضلِها. رَوَاهُ الدَّارقُطْني (٦). [ضعيف]

стр. 198

الحديث الأوَّل أخرجه أيضًا البيهقي (١)، وصححه البخاري والعقيلي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني (٢)، وأعله ابن منده (٣) بأن حميدة [الراوية] (٤) له عن كبشة مجهولة وكذلك كبشة، قال: ولم يعرف لهما إلا هذا الحديث، وتعقبه الحافظ (٥) بأن لحميدة حديثًا آخر في تشميت العاطس، رواه أبو داود (٦)، [ولها] (٧) ثالث رواه أبو نعيم في

стр. 199

المعرفة (١)، وقد روي عنها مع إسحق (٢) ابنه يحيى (٣) وهو ثقة عند ابن معين (٤)، فارتفعت جهالتها. وأما كبشة فقيل: إنها صحابية، فإن ثبت فلا يضر الجهل بحالها على ما هو الحق من قبول مجاهيل الصحابة، وقد حققنا ذلك في "القول المقبول في رد رواية المجهول من غير صحابة الرسول" (٥). وفي الباب عن جابر عند ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ (٦) مثله. والحديث الثاني الذي رواه الدارقطني عن عائشة قد اختلف فيه على عبد ربه وهو عبد الله بن سعيد المقبري، ورواه الدارقطني (٧) من وجه آخر عن عائشة وفيه الواقدي (٨). وروي من طرق أخر كلها واهية (٩). [أقوال العلماء في فم الهرة وسؤرها]: والحديثان يدلان على طهارة فم الهرة وطهارة سؤرها، وإليه ذهب الشافعي (١٠) والهادي، وقال أبو حنيفة (١١): بل نجس كالسبع، لكن خفف فيه فكره

стр. 200

سؤره، واستدل بما ورد عنه ﷺ من أن "الهرة سبع" في حديث أخرجه أحمد (١) والدارقطني (٢) والحاكم (٣) والبيهقي (٤) من حديث أبي هريرة بلفظ: "السنور سبع" وبما تقدم من قوله ﷺ عند سؤاله عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب فقال: "إذا كان الماء قلَّتين لم ينجسه شيء" (٥). وأجيب بأن حديث الباب مصرح بأنها ليست بنجس فيخصص به عموم حديث السباع بعد تسليم ورود ما يقضي بنجاسة السباع. وأما مجرد الحكم عليها بالسبعية فلا يستلزم أنها نجس إذ لا ملازمة بين النجاسة والسبعية، على أنه قد أخرج الدارقطني (٦) من حديث أبي هريرة قال: "سئل رسول الله ﷺ عن الحياض التي تكون بين مكة والمدينة فقيل: إن الكلاب والسباع ترد عليها فقال: لها ما أخذت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور". وأخرج الشافعي (٧) والدارقطني (٨) والبيهقي في المعرفة (٩) وقال: له أسانيد إذا

стр. 201

ضم بعضها إلى بعض كانت قوية بلفظ: "أنتوضَّأ بما أفضَلَتِ الحمرُ؟ قال: نَعَمْ وَبِما أفضَلَتِ السِّباعُ كُلُّها"، وأخرج الدارقطني (١) وغيره عن ابن عمر قال: "خرج رسول الله ﷺ في بعض أسفاره فسار ليلًا فمروا على رجل جالس عند مقراة (٢) له - وهي الحوض الذي يجتمع فيه الماء -، فقال عمر: أولَغَتْ السباع عليك الليلة في مقراتك؟ فقال له النبي ﷺ : يا صاحب المقراة لا تخبره، هذا متكلف، لها ما حملت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور". وهذه الأحاديث مصرحة بطهارة ما أفضلت السباع. وحديث عائشة المذكور في الباب نص في محل النزاع (٣). وأيضًا حديث أبي هريرة الذي استدل به أبو حنيفة فيه مقال (٤). ويمكن حمل حديث القلتين المتقدم على أنه إنما كان كذلك، لأن ورودها على الماء مظنة لإلقائها الأبوال والأزبال عليه. قوله: (فأصغى لها الإناء) هو بالصاد المهملة بعدها غين معجمة ذكره في الأساس (٥). وقال: أصغَى الإناءَ، للهرة: أماله. وفي القاموس (٦) وأصغى: استمع وإليه مال بسمعه، والإناء أماله. قوله: (إنها من الطوافين إلغ) تشبيه للهرة بخدم البيت الذين يطوفون للخدمة (٧).

стр. 202

[ثانيًا]: أبواب تطهير النجاسة وذكر ما نص عليه منها [الباب الأول] باب اعتبار العدد في الولوغ ١/ ١٩ - (عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إذا شَرِبَ الكَلْبُ في إنَاءِ أحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)؛ ولأحْمَدَ (٢) ومُسْلِمٍ (٣): "طَهُورُ إناءِ أحَدِكُمْ إذا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ أنْ يَغْسِلهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أولاهُنَّ بِالتُّرَابِ"). [صحيح] ٢/ ٢٠ - (وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: أمَرَ رَسُولُ الله ﷺ بِقَتْلِ الكلابِ ثمَّ قالَ: "ما بَالُهُمْ وَبَالُ الكلابِ"، ثمَّ رخَّصَ في كَلْبِ الصَّيْدِ وَكَلْبِ الغَنَمِ وَقَالَ: "إذَا وَلَغَ الكَلْبُ في الإناءِ فاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَة بِالتُّرَابِ". رَوَاهُ الجمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ وَالبُخاريَّ (٤)، وفي رِوَايَةٍ لِمُسْلمٍ (٥)، ورَخَّصَ في كلْبِ الصَّيْدِ والغنم والزَّرْعِ). [صحيح]

стр. 203

الحديثان يدلان على أنه يغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك، وبيان ما هو الحق في باب أسآر البهائم. قوله: (أولاهن بالتراب) لفظ الترمذي (١) والبزار (٢): "أُولاهُنَّ أو أُخْرَاهُنَّ". ولأبي داود (٣): "السابعة بالتراب". وفي رواية صحيحة للشافعي (٤): "أُولاهُنَّ أو أُخْرَاهُنَّ بالتُّرَابِ". وفي رواية لأبي عبيد (٥) القاسم بن سلام في كتاب الطهور له: "إذا ولغ الكلب في الإناء غسل سبع مرات أولاهن أو إحداهن بالتراب". وعند الدارقطني (٦) بلفظ: "إحداهن" أيضًا، وإسناده، ضعيف؛ فيه الجَارُود بن يزيد (٧) وهو متروك. والذي في حديث عبد الله بن مغفل المذكور في الباب بلفظ: "وعفِّروهُ الثامِنَةَ بالتُّرَابِ" أصح من رواية (إحداهن). قال في البدر المنير (٨): بإجماعهم، وقال ابن منده: "إسناده مُجْمَع على صحَّته" وهي زيادة ثقة فتعيَّن المصير إليها، وقد ألزم الطحاوي الشافعية بذلك (٩)، واعتذار الشافعي بأنه لم يقف على صحة هذا الحديث لا ينفع الشافعية، فقد وقف على صحته غيره، لا سيما مع وصيته بأن الحديث إذا صح مذهبه فتعين حمل المطلق على المقيد. وأما قول ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا أفتى بأن غسلة التراب غير الغسلات السبع بالماء غير الحسن فلا يقدح ذلك في صحة الحديث وتحتم العمل به، وأيضًا

стр. 204

قد أفتى بذلك أحمد بن حنبل وغيره. وروي عن مالك أيضًا، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر (١). وجواب البيهقي عن ذلك بأن أبا هريرة أحفظ من غيره فروايته أرجح وليس فيها هذه الزيادة مردود بأن في حديث عبد الله بن مغفل زيادة وهو مجمع على صحته، وزيادة الثقة يتعين المصير إليها إذا لم تقع منافية. وقد خالفت الحنفية (٢) والعترة (٣) في وجوب التتريب كما خالفوا في التسبيع، ووافقهم ههنا المالكية (٤) مع إيجابهم التسبيع على المشهور عندهم، قالوا: لأن التتريب لم يقع في رواية مالك، قال القرافي (٥) منهم: قد صحت فيه الأحاديث فالعجب منهم كيف لم يقولوا بها. وقد اعتذر القائلون بأن التتريب غير واجب بأن رواية التتريب مضطربة لأنها ذكرت بلفظ أولاهن وبلفظ أخراهن وبلفظ إحداهن، وفي رواية السابعة، وفي رواية الثامنة، والاضطراب يوجب الإطراح. وأجيب بأن المقصود حصول التتريب في مرة من المرَّات وبأن إحداهن مبهمة، وأولاهن معينة، وكذلك أخراهن، والسابعة والثامنة، ومقتضى حمل المطلق على المقيد أن تحمل المبهمة على إحدى المرات المعينة، ورواية أولاهن أرجح من حيث الأكثرية والأحفظية، ومن حيث المعنى أيضًا، لأن تتريب الآخرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه، وقد نص الشافعي على أن الأولى أولى كذا في الفتح (٦). وقد وقع الخلاف هل يكون التتريب في الغسلات السبع أو خارجًا عنها؟ وظاهر حديث عبد الله بن مغفل أنه خارج عنها، وهو أرجح من غيره لما عرفت فيما تقدم.
следующие страницы →