← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 1670–1709 · переход к 1675.

стр. 1670

سيد الناس: روي ذلك عن عمر (١) وابن عمر (٢) وابن الزبير (٣) وابن عباس (٤) وعلي بن أبي طالب وعمار بن ياسر (٥)، وعن عمر فيها ثلاث روايات أنه لا يقرؤها (٦) وأنه يقرؤها سرًا (٧) وأنه يجهر بها (٨). وكذلك اختلف عن أبي هريرة في جهره بها (٩) وإسراره (١٠). وروى الشافعي (١١) بإسناده عن أنس بن مالك قال: "صلى معاوية بالناس بالمدينة صلاة جهر فيها بالقراءة فلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ولم يكبر في الخفض والرفع فلما فرغ ناداه المهاجرون والأنصار يا معاوية نقصت

стр. 1671

الصلاة أين بسم الله الرحمن الرحيم وأين التكبير إذا خفضت ورفعت فكان إذا صلى بهم بعد ذلك قرأ بسم الله الرحمن الرحيم وكبر". وأخرجه الحاكم في المستدرك (١) وقال: صحيح على شرط مسلم. وذكره الخطيب (٢) عن أبي بكر الصديق وعثمان وأبي بن كعب وأبي قتادة وأبي سعيد وأنس وعبد الله بن أبي أوفى وشداد بن أوس وعبد الله بن جعفر والحسين بن علي ومعاوية. قال الخطيب (٣): وأَما التابعون ومن بعدهم ممن قال بالجهر بها فهم أكثر من أن يذكروا وأوسع من أن يحصروا منهم سعيد بن المسيب وطاووس وعطاء ومجاهد وأبو وائل، وسعيد بن جبير، وابن سيرين وعكرمة وعلي بن الحسين وابنه محمد بن علي وسالم بن عبد الله بن عمر ومحمد بن المنكدر وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ومحمد بن كعب ونافع مولى ابن عمر وأبو الشعثاء

стр. 1672

وعمر بن عبد العزيز ومكحول وحبيب بن أبي ثابت والزهري وأبو قلابة وعلي بن عبد الله بن عباس وابنه والأزرق بن قيس وعبد الله بن معقل بن مقرن. وممن بعد التابعين عبيد الله العمري، والحسن بن زيد وزيد بن علي بن حسين، ومحمد بن عمر بن علي، وابن أبي ذئب والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه. وزاد البيهقي في التابعين عبد الله بن صفوان ومحمد بن الحنفية وسليمان التيمي. ومن تابعيهم المعتمر بن سليمان وزاد أبو عمر عن أصبغ بن الفرج قال: كان ابن وهب يقول بالجهر، ثم رجع إلى الإسرار، وحكاه غيره عن ابن المبارك وأبي ثور. وذكر البيهقي في الخلافيات (١) أنه اجتمع آل رسول الله ﷺ على الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم حكاه عن أبي جعفر الهاشمي. ومثله في الجامع الكافي (٢) وغيره (٣) من كتب العترة. وقد ذهب جماعة من أهل البيت إلى الجهر بها في الصلاة السرية والجهرية وذكر الخطيب (٤) عن عكرمة أنه كان لا يصلي خلف من لا يجهر بالبسملة. وعن أبي جعفر الهاشمي مثله، وإليه ذهب الشافعي (٥) وأصحابه. ونقل عن مالك (٦) قراءتها في النوافل في فاتحة الكتاب وسائر سور القرآن.

стр. 1673

وقال طاووس (١): تذكر في فاتحة الكتاب ولا تذكر في السورة بعدها. وحكي عن جماعة أنها لا تذكر سرًا ولا جهرًا (٢)، وأهل هذه المقالة منهم القائلون أنها ليست من القرآن. وحكى القاضي أبو الطيب الطبري عن ابن أبي ليلى والحكم (٢) أن الجهر والإسرار بها سواء، فهذه المذاهب في الجهر بها والإسرار وإثبات قراءتها ونفيها (٣).

стр. 1674

[اختلاف العلماء بأن البسملة في أوائل السور هل من القرآن أم لا]: وقد اختلفوا هل هي آية من الفاتحة فقط أو من كل سورة، أو ليست بآية (١)، فذهب ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وطاووس، وعطاء، ومكحول (٢) وابن المبارك (٣) وطائفة (٤) إلى أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة غير براءة. وحكي عن أحمد (٥) وإسحاق (٦) وأبي عبيد (٧) وجماعة من أهل الكوفة

стр. 1675

ومكة وأكثر العراقيين (١). وحكاه الخطابي (٢) عن أبي هريرة وسعيد بن جبير. ورواه البيهقي في الخلافيات (٣) بإسناده عن علي بن أبي طالب، والزهري، وسفيان الثوري. وحكاه في السنن الكبرى (٤) عن ابن عباس ومحمد بن كعب أنها آية من الفاتحة فقط. وحكي عن الأوزاعي ومالك وأبي حنيفة وداود وهو رواية عن أحمد أنها ليست آية في الفاتحة ولا في أوائل السور (٥). وقال أبو بكر الرازي وغيره من الحنفية: هي آية بين كل سورتين غير الأنفال وبراءة وليست من السور بل هي قرآن مستقل كسورة قصيرة وحكي هذا عن داود وأصحابه وهو رواية عن أحمد (٥). واعلم أن الأمة أجمعت أنه لا يكفر من أثبتها ولا من نفاها لاختلاف العلماء فيها بخلاف ما لو نفى حرفًا مجمعًا عليه أو أثبت ما لم يقل به أحد فإنه يكفر بالإجماع. ولا خلاف أنها آية في أثناءِ سورة النمل. ولا خلاف في إثباتها خطًا في أوائل السور في المصحف إلا في أول سورة التوبة. وأما التلاوة فلا خلاف بين القراء السبعة في أول فاتحة الكتاب وفي أول كل سورة إذا ابتدأ بها القارئ ما خلا سورة التوبة.

стр. 1676

وأَما في أوائل السور مع الوصل بسورة قبلها فأثبتها ابن كثير (١) وقالون (٢) وعاصم (٣) والكسائي (٤) من القراء في أول كل سورة إلا أول سورة التوبة وحذفها

стр. 1677

منهم أبو عمرو (١) وحمزة (٢) وورش (٣) وابن عامر (٤). وقد احتج القائلون بالإسرار بها بحديث الباب (٥)، وحديث ابن مغفل

стр. 1678

الآتي (١) وغيرهما مما ذكرنا. واحتج القائلون بالجهر بها في الصلاة الجهرية بأحاديث. (منها) حديث أنس (٢) وحديث أم سلمة (٣) الآتيان وسيأتي الكلام عليهما. (ومنها) حديث ابن عباس عند الترمذي (٤) والدارقطني (٥) بلفظ كان النبي ﷺ : "يَفْتَتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم". قال الترمذي (٦): هذا حديث ليس إسنادُه بذاكَ، وفي إسناده إسماعيلُ بن حماد، قال البزار (٧): إسماعيل لم يكن بالقوي. وقال العقيلي (٨): غير محفوظ، وقد وثق إسماعيل يحيى بن معين (٩). وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وفي إسناده أبو خالد الوالِبيُّ اسمه هُرْمُزُ وقيل هَرِم، قال الحافظ (١٠): مجهول وقال أبو زرعة: لا أعرف من هو. وقال أبو حاتم (١١): صالح الحديث. وقد ضعف أبو داود هذا الحديث، روى ذلك عنه الحافظ في التلخيص (١٢). وللحديث طريق أخرى عن ابن عباس رواها الحاكم (١٣) بلفظ: "كان يجهر

стр. 1679

في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم" وصحح الحاكم هذه الطريق وخطأه الحافظ (١) في ذلك لأن في إسنادها عبد الله بن عمرو بن حسان (١) وقد نسبه ابن المديني إلى الوضع للحديث. وقد رواه إسحاق بن راهويه في مسنده عن يحيى ابن آدم عن شريك، ولم يذكر ابن عباس في إسناده، بل أرسله وهو الصواب من هذا الوجه قاله الحافظ (١). وقال أبو عمر (٢): الصحيح في هذا الحديث أنه روي عن ابن عباس من فعله لا مرفوعًا إلى النبيّ ﷺ . ومنها ما أخرجه الدارقطني (٣) عن ابن عباس "أن النبي ﷺ لم يزل يجهر في السورتين ببسم الله الرحمن الرحيم" وفي إسناده عمر بن حفص المكي وهو ضعيف (٤). وأخرجه (٥) أيضًا عنه من طريق أخرى وفيها أحمد بن رشيد (٦) بن خُثَيْم عن

стр. 1680

عمه سعيد بن خُثَيْم (١) وهما ضعيفان. ومنها ما أخرجه النسائي (٢) من حديث أبي هريرة بلفظ: "قال نُعيم المُجْمِر: صلَّيتُ وراءَ أبي هريرة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم القرآن، وفيه: ويقولُ إذا سلَّم: والذي نَفْسي بيدِهِ إني لأشبهُكُم صلاةً برسولِ اللهِ ﷺ ". وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة (٣) وابن حبان (٤) والحاكم (٥) وقال: على شرط البخاري ومسلم، وقال البيهقي (٦): صحيح الإسناد، وله شواهد. وقال أبو بكر الخطيب فيه: ثابت صحيح لا يتوجه عليه تعليل. (ومنها) عن أبي هريرة أيضًا عن الدارقطني (٧) عن النبيّ ﷺ : "كان إذا قرأ وهو يؤم الناس افتتح ببسم الله الرحمن الرحيم"، قال الدارقطني: رجال إسناده كلهم ثقات انتهى. وفي إسناده عبد الله بن عبد الله الأصبحي (٨) روي عن ابن معين توثيقه وتضعيفه، وقال ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفًا وقد تكلم فيه غير واحد.

стр. 1681

(ومنها) عن أبي هريرة أيضًا عند الدارقطني (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قرأتم الحمد فاقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آيها". قال اليعمري: وجميع رواته ثقات إلا أن نوح بن أبي بلال (٢) الراوي له عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة تردد فيه فرفعه تارة ووقفه أخرى. وقال الحافظ (٣): هذا الإسناد رجاله ثقات، وصحح غير واحد من الأئمة وقفه على رفعه وأعله ابن القطان (٤) بتردد نوح المذكور وتكلم فيه ابن الجوزي من أجل عبد الحميد بن جعفر فإن فيه مقالًا، ولكن متابعة نوح له مما تقويه (٥). (ومنها) عن عليّ بن أبي طالب وعمار بن ياسر أن النبي ﷺ : "كان يجهر في المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم"، أخرجه الدارقطني (٦) وفي إسناده جابر الجعفي (٧) وإبراهيم بن الحكم بن ظهير (٨) وغيرهما ممن لا يعوّل عليه.

стр. 1682

(ومنها) عن عليّ [﵇] (١) أيضًا بلفظ: "أن النبيّ ﷺ كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في صلاته"، أخرجه الدارقطني (٢) وقال: هذا إسناد علوي لا بأس به. وله طريق أُخرى عنده (٣) عنه بلفظ: "أنه سئل عن السبع المثاني فقال: الحمد لله رب العالمين، قيل لما هي ست فقال: بسم الله الرحمن الرحيم" وإسناده كلهم ثقات. وقال الحافظ في الحديث الأول الذي قال إنه لا بأس بإسناده: إنه بين ضعيف ومجهول. (ومنها) عن عمر: "أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة فأراد أن يقرأ قال: بسم الله الرحمن الرحيم"، رواه ابن عبد البر (٤) قال: ولا يثبت فيه إلا أنه موقوف.

стр. 1683

(ومنها) عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف تقرأ إذا قمت في الصلاة؟ قلت: أقرأ الحمد لله رب العالمين، قال: قل بسم الله الرحمن الرحيم" رواه الشيخ أبو الحسن (١) وفي إسناده الجهم بن عثمان (٢) قال أبو حاتم (٣): مجهول. (ومنها) عن سمرة قال: "كان للنبي ﷺ سكتتان: سكتة إذا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم وسكتة إذا فرغ من القراءة، فأنكر ذلك عمران بن الحصين فكتبوا إلى أبيّ بن كعب فكتب أن صدق سمرة"، أخرجه الدارقطني (٤) وإسناده جيد غير أن الحديث أخرجه الترمذي (٥) وأبو داود (٦) وغيرهما بلفظ: "سكتة حين يفتتح، وسكتة إذا فرغ من السورة". (ومنها) عن أنس قال: "كان النبي ﷺ يجهر بالقراءة ببسم الله الرحمن الرحيم"، أخرجه الدارقطني (٧) أيضًا. وله طريق أخرى عن أنس عند الدارقطني (٨) والحاكم (٩) بمعناه. (ومنها) عن أنس أيضًا بلفظ: "سمعت رسول الله ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم"، أخرجه الحاكم (١٠) قال: ورواته كلهم ثقات.

стр. 1684

(ومنها) عن عائشة: "أن رسول الله ﷺ كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". ذكره ابن سيد الناس في شرح الترمذي (١)، وفي إسناده الحكم بن عبد الله بن سعد (٢)، وقد تكلم فيه غير واحد. (ومنها) عن بريدة بن الحصيب (٣) بنحو حديث عائشة، وفيه جابر الجعفي (٤) وليس بشيء. وله طريق أخرى (٥) فيها سلمة بن صالح (٦) وهو ذاهب الحديث. (ومنها) عن الحكم بن عمر (٧) وغيره من طريق لا يعوَّل عليها. (ومنها) عن ابن عمر قال: "صلَّيت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر فكانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم" أخرجه الدارقطني (٨)، قال الحافظ (٩): "وفيه أبو طاهر أحمد بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي العلوي (١٠).

стр. 1685

وقد كذبه أبو حاتم وغيره، ومن دونه أيضًا ضعيف ومجهول. ورواه الخطيب (١) عن ابن عمر من وجه آخر وفيه مسلم بن [حبان] (٢) وهو مجهول. قال: والصواب أن ذلك عن ابن عمر غير مرفوع". فهذه الأحاديث فيها القوي والضعيف كما عرفت، وقد عارضتها الأحاديث الدالة على ترك البسملة التي قدمناها، وقد حملت روايات حديث أنس السابقة على ترك الجهر لا ترك البسملة مطلقًا لما في تلك الرواية التي قدمناها في حديثه بلفظ: "فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم". وكذلك حملت رواية حديث عبد الله بن مغفل الآتية (٣) وغيرها حملًا لما أطلقته أحاديث نفي قراءة البسملة على تلك الرواية المقيدة بنفي الجهر فقط، وإذا كان محصل أحاديث نفي البسملة هو نفي الجهر بها فمتى وجدت رواية فيها إثبات الجهر قدمت على نفيه. قال الحافظ (٤): "لا بمجرد تقديم رواية المثبت على النافي، لأن أنسًا يبعد جدًّا أن يصحب النبيّ ﷺ مدة عشرة سنين ويصحب أبا بكر وعمر وعثمان خمسًا وعشرين سنة فلا يسمع منهم الجهر بها في صلاة واحدة، بل [لكون] (٥) أنس اعترف بأنه لا يحفظ هذا الحكم كأنه لبعد عهده به لم يذكر منه الجزم بالافتتاح بالحمد لله جهرًا فلم يستحضر الجهر بالبسملة فيتعين الأخذ بحديث من أثبت الجهر" اهـ. ويؤيد ما قاله الحافظ من عدم استحضار أنس لذلك ما أخرجه الدارقطني (٦) عن أبي سلمة (٧) قال: "سألت أنس بن مالك أكان رسول الله ﷺ يستفتح

стр. 1686

بالحمد لله رب العالمين أو ببسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال: إنك سألتني عن شيء ما أحفظه وما سألني عنه أحد قبلك. فقلت: أكان رسول الله ﷺ يصلي في النعلين؟ قال: نعم". قال الدارقطني (١): هذا إسناد صحيح. وعروض النسيان في مثل هذا غير مستنكر. فقد حكى الحازمي (٢) عن نفسه أنه حضر جامعًا وحضره جماعة من أهل التمييز المواظبين في ذلك الجامع فسألهم عن حال إمامهم في الجهر والإخفات قال: وكان صيِّتًا يملأ صوته الجامع، فاختلفوا في ذلك، فقال بعضهم: يجهر، وقال بعضهم: يخفت. ولكنه لا يخفى عليك أن هذه الأحاديث التي استدل بها القائلون بالجهر منها ما لا يدل على المطلوب وهو ما كان فيه ذكر أنها آية من الفاتحة، أو ذكر القراءة لها، أو ذكر الأمر بقراءتها من دون تقييد بالجهر بها في الصلاة، لأنه لا ملازمة بين ذلك وبين المطلوب وهو الجهر بها في الصلاة. وكذا ما كان مقيدًا بالجهر بها بدون ذكر الصلاة لأنه لا نزاع في الجهر بها خارج الصلاة. فإن قلت: أما ذكر أنها آية، أو ذكر الأمر بقراءتها في الصلاة بدون تقييد بالجهر فعدم الاستلزام مسلَّم. وأما ذكر قراءته ﷺ لها في الصلاة فالظاهر أنه يستلزم الجهر لأن الطريق إلى نقله إنما هي السماع، وما يسمع جهر وهو المطلوب. قلت: يمكن أن تكون الطريق إلى ذلك إخباره ﷺ أنه قرأ بها في الصلاة فلا ملازمة، والذي يدل على المطلوب منها هو ما صرح فيه بالجهر بها في الصلاة وهي أحاديث لا تنتهض الاحتجاج بها كما عرفت، ولهذا قال

стр. 1687

الدارقطني (١): أنه لم يصح في الجهر بها حديث. ولو سلمنا أن ذكر القراءة في الصلاة يستلزم الجهر بها لم يثبت لذلك مطلوب القائلين بالجهر لأن أنهض الأحاديث الواردة بذلك حديث أبي هريرة المتقدم (٢)، وقد تعقب باحتمال أن يكون أبو هريرة أشبههم صلاة برسول الله ﷺ في معظم الصلاة لا في جميع أجزائها على أنه قد رواه جماعة عن نعيم عن أبي هريرة بدون ذكر البسملة كما قال الحافظ في الفتح (٣). وقد جمع القرطبي (٤) بما حاصله "أن المشركين كانوا يحضرون المسجد فإذا قرأ رسول الله ﷺ قالوا: إنه يذكر رحمن اليمامة يعنون مسيلمة فأمر أن يخافت ببسم الله الرحمن الرحيم ونزلت: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (٥) "، قال الحكيم الترمذي: فبقي ذلك إلى يومنا هذا على ذلك الرسم وإن زالت العلة، وقد روى هذا الحديث الطبراني (٦) في الكبير (٧) والأوسط (٨). وعن سعيد بن جبير قال: "كان رسول الله ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم وكان المشركون يهزؤون بمكاء وتصدية ويقولون: محمد يذكر إله اليمامة. وكان مسيلمة الكذاب يسمى رحمن [اليمامة] (٩) فأنزل الله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ (١٠) فتسمع المشركين فيهزؤوا بك ولا تخافت عن أصحابك فلا تسمعهم" رواه ابن جبير عن ابن عباس ذكره النيسابوري في "التيسير" وهذا جمع حسن إن صح أن هذا كان السبب في ترك الجهر. وقد قال في مجمع الزوائد (١١): إن رجاله موثقون.

стр. 1688

وقد ذكر ابن القيم في الهدي (١) "أن النبيّ ﷺ كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارة ويخفيها أكثر مما جهر بها، ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائمًا في كل يوم وليلة خمس مرات أبدًا حضرًا وسفرًا ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين وعلى جمهور أصحابه وأهل بلده في الأعصار الفاضلة هذا من أمحل المحال حتى يحتاج إلى التشبث فيه بألفاظ مجملة وأحاديث واهية فصحيح تلك الأحاديث غير صريح وصريحها غير صحيح" انتهى. وحجج بقية الأقوال التي فيها التفصيل في الجهر والإسرار وجواز الأمرين مأخوذة من هذه الأدلة فلا نطول بذكرها. وأما أدلة المثبتين لقرآنية البسملة والنافين لقرآنيتها فيأتي ذكر طرف منها في الباب الذي بعد هذا (٢). وهذه المسألة طويلة الذيل، وقد أفردها جماعة من أكابر العلماء بتصانيف مستقلة ومن آخر ما وقع رسالة جمعتها في أيام الطلب (٣) مشتملة على نظم ونثر أجبت بها على سؤال ورد. وأجاب عنه جماعة من علماء العصر فلنقتصر في هذا الشرح على هذا المقدار وإن كان بالنسبة إلى ما في المسألة من التطويل نزرًا يسيرًا ولكنه لا يقصر عن إفادة المنصف ما هو الصواب في المسألة. وأكثر ما في المقام الاختلاف في مستحب أو مسنون فليس شيء من الجهر وتركه يقدح في الصلاة ببطلان بالإجماع فلا يهولنك تعظيم جماعة من العلماء لشأن هذه المسألة والخلاف فيها ولقد بالغ بعضهم حتى عدها من مسائل الاعتقاد. ٢٥/ ٦٨٦ - (وَعَنْ ابن عَبْدِ الله بْنِ مُغفَّلٍ [﵁] (٤) قالَ: سَمِعَني

стр. 1689

أبِي وَأَنا أقُولُ بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، فقالَ: يَا بُنَي إيّاكَ والْحَدَث، قالَ: ولَمْ أرَ مِنْ أصْحابِ رَسُولِ الله ﷺ رَجلًا كانَ أبْغَضَ إلَيهِ حَدثًا في الإِسلَامِ منْهُ، فإِنِّي صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ وَمَعَ أبِي بَكْرٍ وَمعَ عمَرَ وَمَعَ عُثْمانَ فلمْ أَسْمَعْ أحَدًا مِنْهُمْ يقُولُها فَلَا تَقُلهْا، إذَا أَنْتَ قرَأت فَقُلِ الْحَمدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ. رَوَاهُ الْخَمْسةُ إلَّا أَبا دَاوُدَ) (١). [ضعيف] الحديث حسنه الترمذي (٢) وقد تفرد به الجُريري (٣)، وقد قيل إنه اختلط بأَخَرَة، وقد توبع عليه الجُريري كما سيأتي، وهو أيضًا من أفراد ابن عبد الله بن مُغَفَّل (٤) وعليه مداره، وذكر أن اسمه يزيد وهو مجهول لا يعرف ما روى عنه إلا أبو نعامة. وقد رواه معمر (٥) عن الجريري، ورواه إسماعيل بن مسعود عن خالد بن عبد الله الواسطي عن عثمان بن غياث (٦)، عن أبي نعامة (٧)، عن ابن عبد الله بن

стр. 1690

مغفل ولم يذكر الجريري. وإسماعيل هو الجحدري (١) قال أبو حاتم: صدوق. وروى عنه النسائي، فعثمان بن غياث متابع للجريري، وقد وثق عثمان أحمد ويحيى وروى له البخاري ومسلم. وقال ابن خزيمة (٢): هذا الحديث غير صحيح، وقال الخطيب (٢) وغيره: ضعيف. قال النووي (٣): ولا يرد على هؤلاء الحفاظ قول الترمذي: إنه حسن اهـ. وسبب تضعيف هذا الحديث ما ذكرناه من جهالة ابن عبد الله بن مغفل، والمجهول لا تقوم به حجة. قال أبو الفتح اليعمري: والحديث عندي ليس معللًا بغير الجهالة في ابن عبد الله بن مغفل، وهي جهالة حالية لا عينية للعلم بوجوده، فقد كان لعبد الله بن المغفل سبعة أولاد سمي هذا منهم يزيد وما رمي بأكثر من أنه لم يرو عنه إلا أبو نعامة، فحكمه حكم المستور. قال: وليس في رواة هذا الخبر من يتهم بكذب فهو جار على رسم الحسن عنده. وأما تعليله بجهالة المذكور فما أراه يخرجه عن رسم الحسن عند الترمذي، ولا غيره. وأما قول من قال: غير صحيح، فكل حسن كذلك. والحديث استدل به القائلون بترك قراءة البسملة في الصلاة والقائلون بترك الجهر بها. وقد تقدم الكلام على ذلك.

стр. 1691

قال المصنف (١) ﵀: ومعنى قوله: "لا تقلها" وقوله: "لا يقرؤونها" أو لا يذكرونها ولا يستفتحون بها. أي جهرًا بدليل قوله في رواية تقدمت "لا يجهرون بها" وذلك يدل على قراءتهم لها سرًا. انتهى. وقد قدمنا الكلام على ذلك في شرح [الحديث] (٢) الذي قبل هذا. ٢٦/ ٦٨٧ - (وَعَنْ قَتَادَةَ [﵁] (٣) قال: سئلَ أنَسٌ كَيْفَ كانَت قِرَاءَةُ النَّبيِّ ﷺ ؟ فقالَ: كانَتْ مَدًّا ثمَّ قَرَأَ بسْم الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يَمُدُّ بِبِسْمِ الله، وَيَمُدُّ بالرَّحمنِ وَيَمُدُّ بالرَّحِيمِ، رَوَاهُ البُخارِيُّ) (٤). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا أبو داود (٥) والترمذي (٦) والنسائي (٧) وابن ماجه (٨) بدون ذكر البسملة وهو يدل على مشروعية قراءة البسملة وعلى أن النبي ﷺ كان يمد قراءته في البسملة وغيرها. وقد استدل به القائلون باستحباب الجهر بقراءة البسملة في الصلاة لأن كون قراءته كانت على الصفة التي وصفها أَنس تستلزم سماع أنس لها منه ﷺ وما سمع مجهور به ولم يقتصر أنس على هذه الصفة على القراءة الواقعة منه ﷺ خارج الصلاة فظاهره أنه أخبر عن مطلق قراءته ﷺ ولفظ "كان" مشعر بالاستمرار كما تقرر في الأصول فيستفاد منه عموم الأزمان وكونه من لفظ الراوي لا يقدح في ذلك لأن الغرض أنه عدل عارف. ٢٧/ ٦٨٨ - (وَرَوى ابْنُ جُرَيجٍ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ [﵃] (٣) أَنَّها سُئِلَتْ عَنْ قِرَاءَة رَسُول الله ﷺ فقالَتْ: كانَ يُقَطِّعُ قِراءَتَهُ آيةً آيةً بِسْمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيمِ. الْحَمدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ. الرَّحمنِ الرحيمِ. مَالِكِ

стр. 1692

يَوْمِ الدِّينِ. رَواهُ أحمدُ (١) وأبُو داوُد) (٢) [صحيح] الحديث أخرجه أَيضًا الترمذي (٣) في القراءة ولم يذكر التسمية، وقال (٤): غريب وليس إسناده بمتصل، وقد أعل الطحاوي (٥) الخبر بالانقطاع فقال: لم يسمعه ابن أبي ملكية من أم سلمة. واستدل على ذلك برواية الليث عن ابن أَبي مليكة عن يعلى بن مملك عن أم سلمة. قال الحافظ (٦): وهذا الذي أعلّ به ليس بعلة. فقد رواه الترمذي (٧) من طريق ابن أبي مليكة عن أم سلمة بلا واسطة وصححه ورجحه على الإسناد الذي فيه يعلى بن مملك انتهى. وقد عرفت أن الترمذي قال: إنه غريب وليس بمتصل في باب القراءة. ورواه (٨) في باب فضائل القرآن، وصححه هنالك بعد أن رواه عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك، فلعل التصحيح لأجل الاتصال كما يدل عليه قوله في باب القراءة: وليس إسناده بمتصل (٩).

стр. 1693

وأخرجه الدارقطني (١) عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة "أن النبيّ ﷺ كان يقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾. فقطعها آية آية وعدها عد الأعراب وعد بسم الله الرحمن إلرحيم آية ولم يعد عليهم". قال اليعمري: رواته موثقون. وكذا رواه من هذا الوجه ابن خزيمة (٢) والحاكم (٣) وفي إسناده عمر بن هارون البلخي (٤).

стр. 1694

قال الحافظ (١): هو ضعيف انتهى. ولكنه قد وثق، فقول اليعمري: رواته موثقون، صحيح. والحديث يدل على أن البسملة آية. وقد استدل به من قال باستحباب الجهر بالبسملة في الصلاة لما ذكرناه في شرح الحديث الذي قبله. وقد تقدم بسط الكلام على ذلك في أول الباب. [الباب التاسع] باب في البسملة هل هي من الفاتحة وأوائل السور أم لا؟ ٢٨/ ٦٨٩ - (عَنْ أبِي هُرَيْرَة [﵁] (٢) قالَ: قالَ رسُولُ الله ﷺ : "مَنْ صَلَّى صلَاةً لمْ يقْرأ فِيهَا بفاتِحة الكتاب فَهِيَ خِدَاجٌ" يَقُولُها ثَلَاثًا، فَقِيل لأبِي هُرَيْرَةَ: إنَّا نَكُون وَرَاءَ الإمامِ، فقالَ: اقْرأْ بِهَا في نَفْسِكَ فإِنِّي سَمِعْتُ رَسُول الله ﷺ يَقُولُ: "قال الله : قَسَمْتُ الصلَاةَ بَيْني وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي ما سَألَ، فإِذَا قالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، قالَ الله: حَمِدنِي عَبْدِي. فَإِذَا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾، قال الله: أثْنَى عَليَّ عَبْدِي، فَإِذَا قالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، قالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وقالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إليَّ عَبْدِي، وَإذَا قالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، قالَ: هذا بَيني وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعْبدِي ما سَأل، فإذَا قالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾، قالَ: هذا لِعَبْدِي وَلعَبْدِي ما سَألَ". رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا البُخارِيَّ وابْنُ ماجَهْ) (٣). [صحيح]

стр. 1695

قوله: (خداج) بكسر الخاء المعجمة قال الخليل (١) والأصمعي (٢) وأبو حاتم السجستاني (٣) والهروي (٤) وآخرون (٥): الخداج: النقصان، يقال: خدجت الناقة إذا أَلقت ولدها قبل أوان النتاج وإن كان تام الخلق وأخدجت إذا ولدته ناقصًا وإن كان لتمام الولادة. وقال جماعة من أهل اللغة (٦): خدجت وأخدجت إذ ولدت لغير تمام قالوا: فقوله خداج أي ذات خداج. قوله: (اقرأ بها في نفسك) السائل لأبي هريرة هو أبو السائب أي اقرأها سرًا بحيث تسمع نفسك. قوله: (قسمت الصلاة) قال النووي (٧): قال العلماء: المراد بالصلاة الفاتحة سميت بذلك لأنها لا تصح إلا بها، والمراد قسمتها من جهة المعنى لأن نصفها الأول تحميد لله وتمجيد وثناء عليه وتفويض إليه، والنصف الثاني سؤال وطلب وتضرع وافتقار. قوله: (حمدني وأثنى علي ومجدني) الحمد الثناء بجميل الفعال والتمجيد الثناء بصفات الجلال والثناء مشتمل على الأمرين ولهذا جاء جوابًا للرحمن لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية حكى ذلك النووي (٨) عن العلماء.

стр. 1696

قوله: (فوّض إليّ عبدي) وجه مطابقة هذا لقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، أن الله تعالى هو المنفرد بالملك ذلك اليوم وبجزاء العباد وحسابهم. والدين: الحساب وقيل: الجزاء ولا دعوى لأحد ذلك اليوم حقيقة ولا مجازًا وأما في الدنيا فلبعض العباد ملك مجازي ويدعي بعضهم دعوى باطلة وكل هذا ينقطع في ذلك اليوم. قوله: (فإذا قال: إياك نعبد إلخ) قال القرطبي (١): إنما قال الله تعالى هذا لأن في ذلك تذلل العبد لله وطلبه الاستعانة منه وذلك يتضمن تعظيم الله وقدرته على ما طلب منه. قوله: (فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم) إلى آخر السورة إنما كان هذا للعبد لأنه سؤال يعود نفعه إلى العبد وفيه دليل على أن اهدنا وما بعده إلى آخر السورة ثلاث آيات لا آيتان. وفي المسألة خلاف مبني على أن البسملة من الفاتحة أم لا وقد تقدم بسطه. والحديث يدل على أنها ليست من الفاتحة لأن الفاتحة سبع آيات بالإجماع فثلاث في أَوّلها ثناء أولها الحمد لله، وثلاث دعاء أولها اهدنا الصراط [المستقيم] (٢). والرابعة متوسطة وهي إياك نعبد وإياك نستعين ولم تذكر البسلمة في الحديث ولو كانت منها لذكرت. قال النووي (٣): وهو من أوضح ما احتجوا به. قال (٤): وأجاب أصحابنا وغيرهم ممن يقول: إن البسلمة آية من الفاتحة، بأجوبة (أحدها) أن التنصيف عائد إلى جملة الصلاة لا إلى الفاتحة هذا حقيقة اللفظ. (والثاني) أَن التنصيف عائد إلى ما يختص بالفاتحة من الآيات الكاملة. (والثالث) معناه فإذا انتهى العبد في قراءته إلى الحمد لله رب العالمين [فحينئذ تكون القسمة] (٥) انتهى.

стр. 1697

ولا يخفى أن هذه الأجوبة منها ما هو غير نافع، ومنها ما هو متعسف. والحديث أيضًا يدل على وجوب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة وإليه ذهب الجمهور (١) وسيأتي البحث عن ذلك في الباب الذي بعد هذا (٢) إن شاء الله. وأما الاستدلال بهذا الحديث على ترك الجهر في الصلاة بالبسملة فليس بصحيح قال اليعمري (١): لأن جماعة ممن يرى الجهر بها لا يعتقدونها قرآنًا بل هي من السنن عندهم كالتعوّذ والتأمين، وجماعة ممن يرى الإسرار بها يعتقدونها قرآنًا ولهذا قال النووي (٣): إن مسألة الجهر ليست مرتبة على إثبات مسألة البسملة وكذلك احتجاج من احتج بأحاديث عدم قراءتها على أنها ليست بآية لما عرفت. ٢٩/ ٦٩٠ - (وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ [﵁] (٤) عَنْ النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: "إنَّ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ ثَلَاثُونَ آية شفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لهُ وهِيَ: تبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلكُ". رَوَاهُ [أحْمَدُ] (٥) وأَبُو دَاوُدَ (٦) والتِّرْمذِيُّ) (٧). [حسن] الحديث أخرجه أيضًا النسائي (٨) وابن ماجه (٩) والحاكم (١٠) وابن حبان (١١) وصححه، وحسنه الترمذي (١٢) وأعله البخاري في التاريخ الكبير (١٣) بأن عباسًا الجشمي لا يعرف سماعه من أبي هريرة، ولكن ذكره ابن حبان في الثقات (١٤).

стр. 1698

وله شاهد من حديث ثابت عن أنس رواه الطبراني في الكبير (١) بإسناد صحيح. والحديث استدل به من قال إن البسملة ليست من القرآن، وقد تقدم ذكر أهل هذه المقالة في الباب الأول. وإنما استدلوا به لأن سورة تبارك ثلاثون آية بالإجماع بدون التسمية، ولهذا قال المصنف (٢): ولا يختلف العادُّون أنها ثلاثون آية بدون التسمية. انتهى. وأجيب عن ذلك بأن المراد عدد ما هو خاصة السورة لأن البسملة كالشيء المشترك فيه. وكذا الجواب عما روي عن أبي هريرة أن سورة الكوثر ثلاث آيات. ٣٠/ ٦٩١ - (وعَنْ أنَسٍ [﵁] (٣) قالَ: بَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أظْهُرِنا في المَسْجِدِ إذْ أغْفَى إغفاءةً، ثمَّ رَفعَ رأْسَهُ مُتبَسِّمًا، فَقُلْنا لهُ: ما أضْحَكَكَ يا رَسُول الله؟ فقالَ: "نَزَلَتْ عليَّ آنِفًا سورَةٌ" فَقَرأَ: بِسْمِ الله الرَّحمنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾. ثمَّ قال: "أتدْرُونَ ما الْكَوْثَرُ؟ " قالَ: وذَكَرَ الحَدِيثَ. رَواهُ أحَمد (٤) ومسلِمٌ (٥) والنَّسائيُّ (٦). [صحيح]

стр. 1699

وتمام الحديث "قلنا: الله ورسوله أعلم قال: إنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير وهو حوض يرد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد نجوم السماء فيختلج العبد منهم فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك". هذا الحديث من جملة أدلة من أثبت البسملة وقد تقدم ذكرهم. ومن أدلتهم على إثباتها ما ثبت في المصاحف منها بغير تمييز كما ميزوا أسماء السور وعدد الآي بالحمرة أو غيرها مما يخالف سورة المكتوب قرآنًا (١). وأَجاب عن ذلك القائلون بأنها ليست من القرآن أنها ثبتت للفصل بين السور. وتخلص القائلون بإثباتها عن هذا الجواب بوجوه: (الأول): أن هذا تغرير ولا يجوز ارتكابه لمجرد الفصل. (الثاني): لو كان للفصل لكتبت بين براءة والأنفال ولما كتبت في أَول الفاتحة. (الثالث): أن الفصل كان ممكنًا بتراجم السور كما حصل بين براءة والأنفال. ومن جملة حجج المثبتين ما تقدم من الأحاديث المصرحة بأنها آية من الفاتحة. وأجاب من لم يثبتها بأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر (٢) ولا تواتر لا سيما مع ورود الأدلة الدالة على أنها ليست بقرآن كحديثي أبي هريرة المتقدم ذكرهما في هذا الباب (٣) وحديث إتيان جبريل إلى النبيّ ﷺ وقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ (٤)

стр. 1700

رواه البخاري (١) ومسلم (٢)، وسائر الأحاديث المتقدمة في الباب الأول. وبإجماع أهل العدد على ترك عدها آية من [غير] (٣) الفاتحة وتخلص المثبتون عن قولهم لا يثبت القرآن إلا بالتواتر بوجهين: (الأول): إن إثباتها في المصحف في معنى التواتر، وقد صرح عضد الدين أن الرسم دليل علمي. (الثاني): أن التواتر إنما يشترط فيما ثبت قرآنًا على سبيل القطع، فأما ما ثبت قرآنًا على سبيل الحكم فلا والبسملة قرآن على سبيل الحكم. ومن جملة ما أجيب به أن عدم تواترها ممنوع لأن بعض القرّاء السبعة أثبتها والقراءات السبع متواترة فيلزم تواترها، والاختلاف لا يستلزم عدم التواتر فكثيرًا ما يقع لبعض الباحثين، ولا يقع لمن [لم] (٣) يبحث كل البحث ومحل البحث الأصول (٤) فمن رام الاستيفاء فليراجع مطوّلاته (٥). ٣١/ ٦٩٢ - (وعَنْ ابْنِ عباس [﵄] (٦) قالَ: كانَ رسُولُ الله ﷺ لَا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ حَتَّى يَنْزِلَ عَليهِ بِسْمِ الله الرَّحمنِ الرَّحِيمِ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٧). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا الحاكم (٨) وصححه على شرطهما.

стр. 1701

وقد رواه أبو داود في المراسيل (١) عن سعيد بن جبير، وقال: المرسل أَصح. وقال الذهبي في تلخيص المستدرك (٢) بعد أن ذكر الحديث عن ابن عباس: أما هذا فثابت. وقال الهيثمي (٣): رواه البزار بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح. والحديث استدل به القائلون بأن البسملة من القرآن، وقد تقدم ذكرهم، وهو ينبني على تسليم أن مجرد تنزيل البسملة يستلزم قرآنيتها. [الباب العاشر] باب [وجوب] (٤) قراءة الفاتحة ٣٢/ ٦٩٣ - (عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصَّامِتِ [﵁] (٥) أن النبيَّ ﷺ قالَ: "لَا صَلاةَ لمنْ لَمْ يَقْرَأ بِفاتِحةِ الْكِتابِ". رَوَاهُ الجَماعةُ (٦). [صحيح] وفي لَفْظٍ: "لَا تُجْزِئُ صلاةٌ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفاتِحَةِ الْكِتابِ"، رَوَاهُ الدَّارقُطنيُّ (٧)، وقال: إسْنادُهُ صَحيحٌ). [إسناده صحيح] الحديث زاد فيه مسلم (٨) وأبو داود (٩) وابن حبان (١٠) لفظ: "فصاعدًا"، لكن قال ابن حبان: تفرد بها معمر عن الزهري (١١)، وأعلها البخاري في جزء القراءة (١٢). ورواية الدارقطني صححها ابن القطان ولها شاهد من حديث أبي

стр. 1702

هريرة مرفوعًا بهذا اللفظ أخرجه ابن خزيمة (١) وابن حبان (٢) وغيرهما (٣). ولأحمد (٤) بلفظ: "لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن". وفي الباب عن أنس عند مسلم (٥) والترمذي (٦). وعن أبي قتادة عند أبي داود (٧) والنسائي (٨). وعن عبد الله بن عمر عند ابن ماجه (٩). وعن أبي سعيد عند أحمد (١٠) وأبي داود (١١) وابن ماجه (١٢).

стр. 1703

وعن أبي الدرداء عند النسائي (١) وابن ماجه (٢). وعن جابر عند ابن ماجه (٣). وعن علي عند البيهقي (٤). وعن عائشة (٥) وأبي هريرة (٦) وسأتيان إن شاء الله تعالى. وعن عبادة وسيأتي في الباب الذي بعد هذا (٧). والحديث يدل على تعين فاتحة الكتاب في الصلاة وأنه لا يجزئ غيرها وإليه ذهب مالك (٨) والشافعي (٩) وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين

стр. 1704

فمن بعدهم (١). وهو مذهب العترة (٢) لأن النفي المذكور في الحديث يتوجه إلى الذات إن أمكن انتفاؤها، وإلا توجه إلى ما هو أقرب إلى الذات وهو الصحة لا إلى الكمال لأن الصحة أقرب المجازين والكمال أبعدهما، والحمل على أقرب المجازين واجب. وتوجه النفي ههنا إلى الذات ممكن كما قال الحافظ في الفتح (٣): لأن المراد بالصلاة معناها الشرعي لا اللغوي لما تقرر من أن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه لكونه بعث لتعريف الشرعيات لا لتعريف الموضوعات اللغوية، وإذا كان المنفي الصلاة الشرعية استقام نفي الذات لأن المركب كما ينتفي بانتفاء جميع أجزائه ينتفي بانتفاء بعضها فلا يحتاج إلى إضمار الصحة. ولا الإجزاء ولا الكمال، كما روي عن جماعة، لأنه إنما يحتاج إليه عند الضرورة وهي عدم إمكان انتفاء الذات، ولو سلم أن المراد هنا الصلاة اللغوية فلا يمكن توجه النفي إلى ذاتها لأنها قد وجدت في الخارج كما قاله البعض لكان المتعين توجيه النفي إلى الصحة أو الإجزاء لا إلى الكمال أما أولًا فلما ذكرنا من أن ذلك أقرب المجازين وأما ثانيًا فلرواية الدارقطني (٤) المذكورة في الحديث فإنها مصرحة بالأجزاء فيتعين تقديره. إذا تقرر هذا فالحديث صالح للاحتجاج به على أن الفاتحة من شروط الصلاة لا من واجباتها فقط، لأن عدمها قد استلزم عدم الصلاة وهذا شأن الشرط. وذهبت الحنفية (٥) وطائفة قليلة إلى أنها لا تجب بل الواجب آية من القرآن، هكذا قال النووي (٦). والصواب ما قاله الحافظ (٧) أن الحنفية يقولون بوجوب قراءة الفاتحة لكن

стр. 1705

بنوا على قاعدتهم أنها مع الوجوب ليست شرطًا في صحة الصلاة لأن وجوبها إنما ثبت بالسنة (١) والذي لا تتم الصلاة إلا به فرض والفرض عندهم لا يثبت بما يزيد على القرآن، وقد قال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٢) فالفرض قراءة ما تيسر، وتعيين الفاتحة إنما يثبت بالحديث فيكون واجبًا يأثم من يتركه وتجزئ الصلاة بدونه وهذا تعويل على رأي فاسد حاصله رد كثير من السنة المطهرة بلا برهان ولا حجة نيرة فكم موطن من المواطن يقول فيه الشارع لا يجزئ كذا لا يقبل كذا لا يصح كذا، ويقول المتمسكون بهذا الرأي يجزئ ويقبل ويصح ولمثل هذا حذر السلف من أهل الرأي. ومن جملة ما أشادوا به هذه القاعدة أن الآية مصرحة بما تيسر وهو تخيير فلو تعينت الفاتحة لكان التعيين نسخًا للتخيير والقطعي لا ينسخ بالظني فيجب توجيه النفي إلى الكمال وهذه الكلية ممنوعة. والسند ما تقدم من تحوّل أهل قباء إلى الكعبة بخبر واحد ولم ينكر عليهم النبيّ ﷺ بل مدحهم كما تقدم في باب الاستقبال (٣)، ولو سلمت لكان محل النزاع خارجًا عنها لأن المنسوخ إنما هو استمرار التخيير وهو ظني (٤)، وأيضًا الآية نزلت في قيام الليل فليست مما نحن فيه. وأما قولهم إن الحمل على توجيه النفي إلى الصحة إثبات للغة بالترجيح وأن الصحة عُرف متجدد لأهل الشرع فلا يحمل خطاب الشارع عليه. وإن تصحيح الكلام ممكن بتقدير الكمال فيكفي، لأن الواجب التقدير بحسب الحاجة فيرده تصريح الشارع بلفظ الإجزاء، وكونه من إثبات اللغة بالترجيح ممنوع بل هو من إلحاق الفرد المجهول بالأعم الأغلب المعلوم.

стр. 1706

ومن جملة ما استظهروا به على توجيه النفي إلى الكمال أن الفاتحة لو كانت فرضًا لوجب تعلمها، واللازم باطل فالملزوم مثله. لما في حديث المسيء صلاته بلفظ: "فإن كان معك قرآن وإلا فاحمد الله وكبره وهلله" عند النسائي (١) وأبي داود (٢) والترمذي (٣)، وهذا ملتزم فإن أحاديث فرضيتها تستلزم وجوب تعلمها لأن ما لا يتم الواجب إلا به واجب كما تقرر في الأصول (٤). وما في حديث المسيء لا يدل على بطلان اللازم لأن ذلك فرضه حين لا قرآن معه على أنه يمكن تقييده بعدم الاستطاعة لتعلم القرآن كما في حديث ابن أبي أوفى عند أبي داود (٥) والنسائي (٦) وأحمد (٧) وابن الجارود (٨) وابن حبان (٩) والحاكم (١٠) والدارقطني (١١): "أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا فعلمني ما يجزيني في صلاتي، فقال: قل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله". ولا شك أن غير المستطيع لا يكلف لأن الاستطاعة شرط في التكليف (١٢)

стр. 1707

فالعدول ههنا إلى البدل عند تعذر المبدل غير قادح في فرضيته أو شرطيته. ومن أدلتهم ما في حديث المسيء بلفظ: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" (١). والجواب عنه أنه قد ورد في حديث المسيء أيضًا عند أحمد (٢) وأبي داود (٣) وابن حبان (٤) بلفظ: "ثم اقرأ بأم القرآن" فقوله ما "تيسر" مجمل مبين (٥) أو مطلق مقيد (٦) أو مبهم مفسر بذلك لأن الفاتحة كانت هي المتيسرة لحفظ المسلمين لها. وقد قيل إن المراد بما تيسر فيما زاد على الفاتحة جمعًا بين الأدلة، لأن حديث الفاتحة زيادة وقعت غير معارضة وهذا حسن. وقيل إن ذلك منسوخ بحديث تعيين الفاتحة، وقد تعقب القول بالإجمال والإطلاق والنسخ، والظاهر الإبهام والتفسير، وهذا الكلام إنما يحتاج إليه على القول بأن حديث المسيء يصرفُ ما وردَ في غيره من الأدلة المقتضية للفرضيّة. وأما على القول بأنه يؤخذ بالزائد فالزائد فلا إشكال في تحتم المصير إلى القول بالفرضية بل القول بالشرطية لما عرفت. ومن أدلتهم أيضًا حديث أبي سعيد (٧) بلفظ: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب أو غيرها". قال ابن سيد الناس: لا يدرى بهذا اللفظ من أين جاء، وقد صح عن أبي

стр. 1708

سعيد عند أبي داود (١) أنه قال: "أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر"، وإسناده صحيح ورواته ثقات. ومن أدلتهم أيضًا حديث أبي هريرة عند أبي داود (٢) بلفظ: "لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب". ويجاب بأنه من رواية جعفر بن ميمون (٣) وليس بثقة كما قال النسائي. وقال أحمد (٤): ليس بقوي في الحديث. وقال ابن عدي (٥): يكتب حديثه في الضعفاء. وأيضًا قد روى أبو داود (٦) هذا الحديث من طريقه عن أبي هريرة بلفظ: "أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي إنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد" كما سيأتي، وليست الرواية الأولى بأولى من هذه. وأيضًا أين تقع هذه الرواية على فرض صحتها بجنب الأحاديث المصرحة بفرضية فاتحة الكتاب وعدم إجزاء الصلاة بدونها. (ومن أدلتهم) أيضًا ما روى ابن ماجه (٧) عن ابن عباس أنه لما مرض النبي ﷺ فذكر حديث صلاة أبي بكر بالناس ومجيء رسول الله ﷺ إليهم وفيه: "فكان أبو بكر يأتم بالنبيّ ﷺ والناس يأتمون بأبي بكر وقال ابن عباس:

стр. 1709

وأخذ رسول الله ﷺ في القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر". ويجاب عنه بأنه روي بإسناد فيه قيس بن الربيع، قال البزار: لا نعلم روي هذا الكلام إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وقيس قال ابن سيد الناس: هو ممن اعتراه من ضعف الرواية وسوء الحفظ بولاية القضاء ما اعترى ابن أبي ليلى وشريكًا، وقد وثقه قوم وضعفه آخرون، على أنه لا مانع من قراءته ﷺ للفاتحة بكمالها في غير هذه الركعة التي أدرك أبا بكر فيها، لأن النزاع إنما هو في وجوب الفاتحة في جملة الصلاة لا في وجوبها في كل ركعة فسيأتي. هذا خلاصة ما في هذه المسألة من المعارضات، وقد استدل بهذا الحديث على وجوب قراءة الفاتحة في كل دركعة بناء على أن الركعة تسمى صلاة، وفيه نظر لأن قراءتها في ركعة واحدة تقتضي حصول مسمى القراءة في تلك الصلاة، والأصل عدم وجوب الزيادة على المرة الواحدة، وإطلاق اسم الكل على البعض مجاز لا يصار إليه إلا لموجب فليس في الحديث إلا أن الواجب في الصلاة التي هي اسم لجميع الركعات قراءة الفاتحة مرة واحدة، فإن دل دليل خارجي على وجوبها في كل ركعة وجب المصير إليه، وقد نسب القول بوجوب الفاتحة في كل ركعة النووي في شرح مسلم (١)، والحافظ في الفتح (٢) إلى الجمهور. ورواه ابن سيد الناس في شرح الترمذي عن علي (٣) [﵇] (٤) وجابر (٥) وعن ابن عون والأوزاعي (٦) وأبي ثور، قال: وإليه ذهب أحمد (٧) وداود (٨)، وبه قال مالك (٩) إلا في الناسي، وإليه ذهب الإمام شرف الدين من
следующие страницы →