← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 1845–1884 · переход к 1850.

стр. 1845

٩٤/ ٧٥٥ - (وَعَنْ ابْن عَباسٍ [﵄] (١) قالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُول الله ﷺ في يَوْمٍ مَطير وَهُوَ يَتَّقي الطِّين إِذَا سَجَدَ بِكِسَاء عليهِ يَجْعَلُهُ دُونَ يَدَيْهِ إلى الأرضِ إذا سَجَدَ. رَوَاهُ أَحمَدُ) (٢) [حسن] الحديث أخرج نحوه ابن أبي شيبة (٣) عنه بلفظ أن: النبي ﷺ صلى في ثوب واحد يتقي بفضوله حر الأرض وبردها. وأخرجه بهذا اللفظ أحمد (٤) وأبو يعلى (٥) والطبراني في الأوسط (٦) والكبير (٧). قال في مجمع الزوائد (٨): رجال أحمد رجال الصحيح. والحديث يدل على جواز الاتقاء بطرف الثوب الذي على المصلي ولكن للعذر. إما عذر المطر كما في حديث الباب أو الحر والبرد كما في رواية ابن أبي شيبة (٢). وهذا الحديث مصرح بأن الكساء الذي سجد عليه كان متصلًا به، وبه استدل القائلون بجواز ترك كشف اليدين في الصلاة، وقد تقدم ذكرهم في الباب الأول ولكنه مقيد بالعذر كما عرفت إلا أن القول بوجوب الكشف يحتاج إلى دليل إلا أن يقال: إن الأمر بالسجود على الأعضاء المذكورة يقتضي أَن لا يكون بينها وبين الأرض حائل، وقد قدمنا أن مسمى السجود يحصل بوضعها دون كشفها. ٩٥/ ٧٥٦ - (وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عبد الرَّحمنِ [﵄] (١) قَالَ: جاءَنا النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى بنا في مَسْجِدِ بَنِي الْأَشْهَلِ فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا يَدَيْهِ في ثَوْبِهِ إِذَا سَجَدَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٩) وابْنُ مَاجَهْ (١٠) وقالَ: على ثَوْبِهِ). [ضعيف]

стр. 1846

[الحديث أخرجه ابن ماجه (١) عن أبي بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن إسماعيل بن أبي حبيبة عنه. وهذا الحديث قد اختلف في إسناده فقال ابن أبي أويس عن إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن ثابت بن الصامت عن أبيه عن جده، وهذا أولى بالصواب قاله [المزني] (٢)] (٣). الحديث استدل به أيضًا القائلون بجواز ترك كشف اليدين حال السجود، وهو أدل على مطلوبهم من حديث ابن عباس لإطلاقه وتقييد حديث ابن عباس بالعذر وقد تقدم تمام الكلام عليه. قال المصنف (٤): وقال البخاري (٥): قال الحسن: كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويداه في [كمه] (٦). وروى سعيد في سننه (٧) عن إبراهيم قال: كانوا يصلون في المساتق والبرانس والطيالسة ولا يخرجون أيديهم انتهى. وكلام الحسن الذي علقه البخاري (٤) قد وصله البيهقي (٨) وقال: هذا أصح ما في السجود موقوفًا على الصحابة. ووصله أيضًا عبد الرزاق (٩) وابن أبي شيبة (١٠).

стр. 1847

والقَلَنْسُوَة بفتح القاف واللام وسكون النون وضم المهملة وفتح الواو وقد تبدل ياء مثناة من تحت، وقد تبدل ألفًا وتفتح السين وبعدها هاء تأنيث: وهي غشاء مبطن يستر به الرأس قاله القزاز في شرح الفصيح (١). وقال ابن هشام: هي التي يقال لها العمامة الشاشية. وفي المحكم (٢): هي من ملابس الرؤوس معروفة. وقال أبو هلال العسكري: هي التي تغطى بها العمائم وتستر من الشمس والمطر كأنها عنده رأس البرنس. وقول الحسن: (ويداه في كمه) أي يد كل واحد منهم. قال الحافظ (٣): وكأنه أراد بتغيير الأسلوب بيان أن كل واحد منهم ما كان يجمع بين السجود على العمامة والقلنسوة معًا لكن في كل حالة كان يسجد ويداه في كمه. والمساتق جمع مستقة: وهي فرو طويل الكمين كذا في القاموس (٤). والبرانس جمع برنس بالضم قال في القاموس (٥): هو قلنسوة طويلة، أو كل ثوب رأسه منه درّاعة كان أو جبة، والطيالسة جمع طيلسان. [الباب التاسع والعشرون] باب الجلسة بين السجدتين وما يقول فيها ٩٦/ ٧٥٧ - (عَنْ أَنَسٍ [﵁] (٦) قالَ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" قامَ حتى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ، ثُمَّ يَسْجُدُ ويقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حتى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٧).

стр. 1848

وفي رِوَايَةٍ مُتَّفَقٍ عليْهَا (١) أَنَّ أَنَسًا قَالَ: إِنِّي لا آلُو أن أُصَلِّيَ بِكُمْ كما رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُصَلِّي بِنَا فكانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ انْتَصَبَ قائمًا حتى يقُولَ النَّاس: قدْ نَسِيَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ مكث حتى يقُولَ النَّاسُ قَدْ نَسِيَ). [صحيح] الرواية الأولى أخرجها أيضًا أبو داود (٢) وغيره (٣). قوله: (قد أوهم) بفتح الهمزة والهاء فعل ماض مبنيٌّ للفاعلِ. قال القرطبيُّ (٤): ومعناه تَرَكَ. قال ثعلب (٤): يُقَالُ: أوهمتُ الشيءَ إذا تركْتُه كلَّه أوْهَمَ ووهِمْتُ في الحسابِ وغيرهِ إذا غَلِطْتُ، أَهَمَ ووهِمْتُ إلى الشيءِ إذا ذهبَ وهمُك إليهِ وأنت تريدُ غيرَهُ. وقال في النهاية (٥): أَوْهَمَ في صلاتِه: أي أسقطَ منها شيئًا يقال: أوهمْتُ الشيء إذا تركتُه، وأوهمت في الكلام والكتاب إذا أسقطت منه شيئًا ووهم يعني بكسر الهاء: يوهم وهمًا بالتحريك؛ إذا غلِطَ. قال ابن رسلان: ويحتمل أن يكون معناهُ نسيَ أنه في [صلاة] (٦) وكذا قال الكَرْمَانِيُّ (٧) وزادَ: أو ظن أنهُ في وقتِ القنوتِ حيث كان معتدلًا والتشهد حيث كان جالسًا ويؤيد التفسير بالنسيان التصريح به في الرواية الأخرى. قوله: (إني لا آلو) هو بهمزة ممدودة بعد حرف النفي ولام مضمومة بعدها واو خفيفة أي لا أقصر. قوله: (قد نسي) أي نسي وجوب الهوي إلى السجود قاله الكرماني (٧). ويحتمل أن يكون المراد أنه نسي أنه في صلاة أو ظن أنه وقت القنوت حيث كان معتدلًا والتشهد حيث كان جالسًا، قاله الحافظ (٨): ووقع عند الإسماعيلي من طريق غندر عن شعبة قلنا: قد نسي طول القيام أي لأجل طول قيامه.

стр. 1849

والحديث يدل على مشروعية تطويل الاعتدال من الركوع والجلسة بين السجدتين. وقد ذهب بعض الشافعية إلى بطلان الصلاة بتطويل الاعتدال والجلوس بين السجدتين محتجًا بأن طولهما ينفي الموالاة، وما أدري ما يكون جوابه عن حديث الباب (١)، وعن حديث حذيفة الآتي بعده (٢)، وعن حديث البراء المتفق عليه (٣): "أنه كان ركوعه ﷺ وسجوده وإذا رفع من الركوع وبين السجدتين قريبًا من السواء" ولفظ مسلم (٤): "وجدت قيامه فركعته فاعتداله" الحديث. وفي لفظ للبخاري (٥): "كان ركوع النبي ﷺ وسجوده وبين السجدتين وإذا رفع رأسه من الركوع ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء". قال ابن دقيق العيد (٦): هذا الحديث يدل على أن الاعتدال ركن طويل، وحديث أنس أصرح في الدلالة على ذلك بل هو نص فيه، فلا ينبغي العدول عنه لدليل ضعيف وهو قولهم لم يسن فيه تكرير التسبيحات كالركوع والسجود. ووجه ضعفه أنه قياس في مقابلة النص فهو فاسد انتهى. على أنه قد ثبتت مشروعية أذكار في الاعتدال أكثر من التسبيح المشروع في الركوع والسجود كما تقدم وسيأتي. وأما القول بأن طولهما ينفي الموالاة فباطل لأن معنى الموالاة أن لا يتخلل فصل طويل بين الأركان مما ليس فيها وما ورد به الشرع لا يصح نفي كونه منها وقد ترك الناس هذه السنة الثابتة بالأحاديث الصحيحة محدثهم وفقيههم ومجتهدهم ومقلدهم، فليت شعري ما الذي عولوا عليه في ذلك والله المستعان (٧).

стр. 1850

٩٧/ ٧٥٨ - (وعَنْ حُذَيْفَةَ [﵁] (١) أَنَّ النَّبِي ﷺ كانَ يَقُولُ بَينَ السَّجْدَتَيْنِ: "رب اغْفِرْ لِي ربِّ اغْفِرْ لِي". رَوَاهُ النَّسائي (٢) وابْنُ مَاجَهْ) (٣). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا الترمذي (٤) وأبو داود (٥) عن حذيفة مطولًا ولفظه: "أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي من الليل وكان يقول: "الله أكبر ثلاثًا ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة" ثم استفتح فقرأ البقرة ثم ركع فكان ركوعه نحوًا من قيامه وكان يقول في ركوعه "سبحان ربي العظيم سبحان ربي العظيم" ثم رفع رأسه من الركوع فكان قيامه نحوًا من قيامه. [وفي رواية الأنصاري: نحوًا من ركوعه] (٦)، وكان يقول لربي الحمد ثم يسجد فكان سجوده نحوًا من قيامه فكان يقول في سجوده "سبحان ربي الأعلى" ثم يرفع رأسه من السجود وكان يقعد فيما بين السجدتين نحوًا من سجوده، وكان يقول: "رب اغفر لي رب اغفر لي" فصلى أربع ركعات فقرأ فيهن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة أو الأنعام (٧) شك شعبة، وفي إسناده رجل من بني عبس، قيل: هو صلة بن زفر العبسي الكوفي (٨)، وقد احتج به البخاري ومسلم (٩).

стр. 1851

والحديث أصله في مسلم (١). وهو يدل على مشروعية طلب المغفرة في الاعتدال بين السجدتين، وعلى استحباب تطويل صلاة النافلة والقراءة فيها بالسور الطويلة وتطويل أركانها جميعًا. وفيه رد على من ذهب إلى كراهة تطويل الاعتدال من الركوع والجلسة بين السجدتين. قال النووي: والجواب عن هذا الحديث صعب. وقد تقدم بقية الكلام على ذلك. ٩٨/ ٧٥٩ - (وعن ابْنِ عبَّاسٍ أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يَقُولُ بيْنَ السَّجدَتَيْنِ: "اللهم اغْفر لِي وَارْحَمْني واجبُرنِي واهْدِني وارْزُقني" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٢) وأبُو داوُد (٣) إلا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: وعافِني مكانَ: واجبُرْنِي). [حسن] الحديث أخرجه أيضًا ابن ماجه (٤) والحاكم وصححه (٥) والبيهقي (٦) وجمع ابن ماجه بين لفظ ارحمني واجبرني، وزاد ارفعني ولم يقل اهدني ولا عافني. وجمع بينها الحاكم كلها إلا أنه لم يقل وعافني، وفي إسناده كامل أبو العلاء التميمي السعدي الكوفي وثقه يحيى بن معين وتكلم فيه غيره (٧). والحديث يدل على مشروعية الدعاء بهذه الكلمات في القعدة بين السجدتين. قال المتولي: ويستحب للمنفرد أن يزيد هنا: اللهم هب لي قلبًا نقيًا من الشرك بريًا لا كافرًا ولا شقيًا. قال الأذرعي: لحديث ورد فيه.

стр. 1852

[الباب الثلاثون] باب السجدة الثانية ولزوم الطمأنينة في الركوع والسجود والرفع عنهما ٩٩/ ٧٦٠ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول الله ﷺ دَخَلَ الْمَسجِدَ فدخَلَ رَجُل فصلى ثم جاءَ فَسَلَّمَ على النبيِّ ﷺ فقالَ: "ارْجِعْ فصلّ فإنَّكَ لمْ تصلِّ" فرجَعَ فصلَّى كما صلَّى، ثمَّ جاء فَسلَّم على النَّبِيِّ ﷺ فقالَ: "ارْجِعْ فَصَلِّ فَإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ" ثَلاثًا: فقال: والذِي بَعَثَك بالْحَقِّ ما أحْسِنُ غيرهُ فعلِّمْنِي، فقالَ: "إذَا قُمْت إلى الصَّلاةِ فكَبِّرْ، ثمَّ اقْرأْ ما تَيسَّر مَعَكَ مِنَ القُرْآن، ثمَّ ارْكعْ حتى تَطمَئِنَّ راكِعًا، ثمَّ ارفعْ حتى تَعْتَدِل قائمًا، ثمَّ اسْجُدْ حتى تَطْمَئنَّ ساجدًا، ثمَّ ارْفع حتى تطْمئنَّ جالسًا، ثمَّ اسْجُدْ حتى تَطْمئنَّ سَاجِدًا، ثم افْعلْ ذلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّها". مُتَّفَقٌ عَلَيه (١) لكنْ لَيْسَ لِمُسْلِمٍ فِيهِ ذِكْرُ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ. وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ (٢): "إذَا قُمْتَ إلى الصَّلاةِ فأسْبغِ الْوُضُوءَ ثم استَقْبِلِ القِبْلَة فَكَبِّرْ". الحديث). [صحيح] الحديث فيه زيادات وله طرق، وسنشير إلى بعضها عند الكلام على مفرداته. وفي الباب عن رفاعة بن رافع عند الترمذي (٣) وأبي داود (٤) والنسائي (٥).

стр. 1853

وعن عمار بن ياسر أشار إليه الترمذي (١). قوله: (فدخل رجل) هو خلاد بن رافع كذا بينه ابن أبي شيبة (٢). قوله: (فصل) زاد النسائي (٣) ركعتين وفيه إشعار بأنه صلى نفلًا. قال الحافظ (٤): والأقرب أنها تحية المسجد. قوله: (ثم جاء فسلم) زاد البخاري (٥) فرد النبي ﷺ وفي مسلم وكذا البخاري (٦) في الاستئذان من رواية ابن نمير فقال: وعليك السلام. وهذه الزيادة ترد ما قاله ابن المنير من أن الموعظة في وقت الحاجة أهم من رد السلام. واستدل بالحديث وقال: ولعله لم يرد عليه تأديبًا له على جهله ولعله لم يستحضر هذه الزيادة. قوله: (فإنك لم تصل). قال عياض (٧): فيه أن أَفعال الجاهل في العبادة على غير علم لا تجزئ، وهذا مبني على أن المراد بالنفي نفي الإجزاء وهو الظاهر ومن حمله على نفي الكمال تمسك بأنه ﷺ لم يأمره بالإعادة بعد التعليم فدل على إجزائها وإلا لزم تأخير البيان، كذا قال بعض المالكية. وتعقب بأنه قد أمره في المرة الأخيرة بالإعادة فسأله التعليم فعلمه فكأنه قال له أعد صلاتك على غير هذه الكيفية. وقد احتج لتوجه النفي إلى الكمال بما وقع في بعض روايات الحديث عند أبي داود (٨) والترمذي (٩) من حديث رفاعة بلفظ: "فإن انتقصت منه شيئًا انتقصت من صلاتك" وكان أهون عليهم من الأول أنه من انتقص من ذلك شيئًا انتقص من صلاته ولم تذهب كلها قالوا: والنقص لا يستلزم الفساد وإلا لزم في ترك

стр. 1854

المندوبات لأنها تنتقص بها الصلاة. وقد قدمنا الجواب عن هذا الاحتجاج في شرح أول حديث (١) من أبواب صفة الصلاة. قوله: (ثلاثًا) في رواية للبخاري (٢): "فقال في الثالثة، أو في التي بعدها"، وفي أخرى له (٣): "فقال في الثانية أو. في الثالثة" ورواية الكتاب أرجح لعدم الشك فيها ولكونه ﷺ كان من عادته استعمال الثلاث في تعليمه. قوله: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر). في رواية للبخاري (٤): "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر"، وهي في مسلم (٥) أيضًا كما قال المصنف. وفي رواية للبخاري (٦) أيضًا والترمذي (٧) وأبي داود (٨): "فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد وأقم". والمراد بقوله: "ثم تشهد" الأمر بالشهادتين عقب الوضوء لا التشهد في الصلاة، كذا قال ابن رسلان وهو الظاهر من السياق لأنه جعله مرتبًا على الوضوء، ورتب عليه الإقامة والتكبير والقراءة كما في رواية أبي داود (٨). والمراد بقوله وأقم الأمر بالإقامة. وفي رواية للنسائي (٩) وأبي داود (٨): "ثم يكبر ويحمد الله ويثني عليه" إلا أنه قال النسائي: يمجده مكان يثني عليه، ثم ساق أبو داود في هذه الرواية الأمر بتكبير الانتقال في جميع الأركان والتسميع وهي تدل على وجوبه، وقد تقدم البحث عن ذلك. وظاهر قوله "فكبر" في رواية حديث الباب (١٠) وجوب تكبيرة الافتتاح وقد

стр. 1855

تقدم الكلام على ذلك في أوائل أبواب صفة الصلاة (١). قوله: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)، في رواية لأبي داود (٢) والنسائي (٣) من حديث رفاعة: "فإن كان معك قرآنٌ فاقرأ وإلَّا فاحمد الله تعالى وكبِّره وهلِّله". وفي رواية لأبي داود (٤) من حديث رفاعة: "ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله". ولأحمد (٥) وابن حبان (٦): "ثم اقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئت". وقد تمسك بحديث الباب من لم يوجب قراءة الفاتحة في الصلاة. وأُجيب عنه بهذه الروايات المصرِّحة بأم القرآن، وقد تقدم البحث عن ذلك في باب وجوب قراءة الفاتحة (٧). قوله: (ثم اركع حتى تطمئن) في رواية لأحمد (٨) وأبي داود (٩): "فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك ومكن ركوعك". قوله: (ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا) في رواية لابن ماجه (١٠) "تطمئن" وهي على شرط مسلم، وأخرجها إسحق بن راهويه في "مسنده" وأبو نعيم في "مستخرجه" والسراج عن يوسف بن موسى أحد شيوخ البخاري. قال الحافظ (١١): فثبت ذكر الطمأنينة في الاعتدال على شرط الشيخين.

стр. 1856

ومثله في حديث رفاعة عند أحمد (١) وابن حبان (٢). وفي لفظ لأحمد (٣) "فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها". وهذه الروايات ترد مذهب من لم يوجب الطمأنينة وقد تقدم الكلام في ذلك. قوله: (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا) فيه دليل على وجوب السجود وهو إجماع ووجوب الطمأنينة فيه خلافًا لأبي حنيفة (٤). قوله: (ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا) فيه دلالة على وجوب الرفع والطمأنينة. وقال أبو حنيفة (٤): يكفي أدنى رفع. وقال مالك (٥): يكون أقرب إلى الجلوس. قوله: (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا) فيه أيضًا وجوب السجود والطمأنينة فيه ولا خلاف في ذلك. وقد استدل بهذا الحديث على عدم وجوب قعدة الاستراحة. وسيأتي الكلام على ذلك في الباب الذي بعد هذا (٦) ولكنه قد ثبت في رواية للبخاري (٧) [من رواية ابن نمير] (٨) في باب الاستئذان بعد ذكر السجود الثاني بلفظ: "ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا" وهي تصلح للتمسك بها على الوجوب ولكنه لم يقل به أحد على أنه قد أشار البخاري إلى أن ذلك وهم لأنه عقبها بقوله: قال [أبو] (٨) أسامة في الأخير "حتى يستوي قائمًا" ويمكن أن يحمل إن كان محفوظًا على الجلوس للتشهد انتهى.

стр. 1857

فشكك البخاري هذه الرواية التي ذكرها ابن نمير بمخالفة أبي أسامة وبقوله: "إن كان محفوظًا". قال في البدر المنير (١) ما معناه: وقد أثبت هذه الزيادة إسحق بن راهويه في "مسنده" عن أبي أسامة كما قال ابن نمير، وكذلك البيهقي (٢) من طريقه. وزاد أبو داود (٣) في حديث رفاعة "فإذا جلست في وسط الصلاة يعني التشهد الأوسط فاطمئن وافرش فخذك ثم تشهد". الحديث يدل على وجوب الطمأنينة في جميع الأركان. كما تقدم. وقد جزم كثير من العلماء بأن واجبات الصلاة هي المذكورة في طرق هذا الحديث، واستدلوا به على عدم وجوب ما لم يذكر فيه. قال ابن دقيق العيد (٤): تكرر من الفقهاء الاستدلال بهذا الحديث على وجوب ما ذكر فيه وعدم وجوب ما لم يذكر فيه فأما وجوب ما ذكر فيه فلتعلق الأمر به وأما عدم وجوب غيره فليس ذلك بمجرد كون الأصل عدم الوجوب بل لأمر زائد على ذلك وهو أن الموضع موضع تعليم وبيان للجاهل وتعريف لواجبات الصلاة، وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر، ويقوي مرتبة الحصر أنه ﷺ ذكر ما تعلقت به الإِساءة من هذا المصلي وما لم يتعلق به إساءته من واجبات الصلاة. وهذا يدل على أنه لم يقصر المقصود على ما وقعت به الإساءة فقط. فإذا تقرر هذا فكل موضع اختلفت العلماء في وجوبه وكان مذكورًا في هذا الحديث فلنا أن نتمسك به في وجوبه، وكل موضع اختلفوا في عدم وجوبه ولم يكن مذكورًا في هذا الحديث فلنا أن نتمسك به في عدم وجوبه لكونه غير مذكور على ما تقدم من كونه موضع تعليم.

стр. 1858

ثم قال (١): إلا أن على طالب التحقيق ثلاث وظائف: (أحدها) أن يجمع طرق الحديث ويحصي الأمور المذكورة فيه، ويأخذ بالزائد فالزائد فإن الأخذ بالزائد واجب. (وثانيها) إذا قام دليلًا على أحد الأمرين: إما الوجوب أو عدم الوجوب، فالواجب العمل به ما لم يعارضه ما هو أقوى، وهذا عند النفي يجب التحرز فيه أكثر، فلينظر عند التعارض أقوى الدليلين يعمل به. قال: وعندنا أنه إذا استدل على عدم وجوب شيء بعدم ذكره في الحديث، وجاءت صيغة الأمر به في حديث آخر بالمقدم صيغة الأمر، وإن كان يمكن أن يقال: الحديث دليل على عدم الوجوب ويحمل صيغة الأمر على الندب، ثم ضعفه بأنه إنما يتم إذا كان عدم الذكر في الرواية يدل على عدم الذكر في نفس الأمر وليس كذلك، فإن عدم الذكر إنما يدل على عدم الوجوب وهو غير عدم الذكر في نفس الأمر، فيقدم ما دل على الوجوب لأنه إثبات لزيادة يتعين العمل بها. اهـ. والوظائف التي أرشد إليها قد امتثلنا رسمه فيها. فجمعنا من طرق هذا الحديث في هذا الشرح عند الكلام على مفرداته ما تدعو الحاجة إليه وتظهر للاختلاف في ألفاظه مزيد فائدة وعملنا بالزائد فالزائد من ألفاظه. فوجدنا الخارج عما اشتمل عليه حديث الباب: الشهادتين بعد الوضوء، وتكبير الانتقال، والتسميع والإقامة، وقراءة الفاتحة ووضع اليدين على الركبتين حال الركوع، ومد الظهر، وتمكين السجود، وجلسة الاستراحة، وفرش الفخذ، والتشهد الأوسط، والأمر بالتصميد والتكبير والتهليل والتمجيد عند عدم استطاعة القراءة. وقد تقدم الكلام على جميعها إلا التشهد الأوسط، وجلسة الاستراحة، وفرش الفخذ فسيأتي الكلام على ذلك. والخارج عن جميع ألفاظه من الواجبات المتفق عليها كما قال الحافظ (٢)

стр. 1859

والنووي (١): النية، والقعود الأخير. ومن المختلف فيها التشهد الأخير، والصلاة على النبي ﷺ فيه، والسلام في آخر الصلاة. وقد قدمنا الكلام على النية في الوضوء، وسيأتي الكلام على الثلاثة الأخيرة. وأما قوله إنها تقدم صيغة الأمر إذا جاءت في حديث آخر واختياره لذلك من دون تفصيل، فنحن لا نوافقه بل نقول: إذا جاءت صيغة أمر قاضية بوجوب زائد على ما في هذا الحديث فإن كانت متقدمة على تاريخه كان صارفًا لها إلى الندب لأن اقتصاره ﷺ في التعليم على غيرها وتركه لها من أعظم المشعرات بعدم وجوب ما تضمنته لما تقرر من أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (٢). وإن كانت متأخرة عنه فهو غير صالح لصرفها لأن الواجبات الشرعية ما زالت تتجدّد وقْتًا فوقتًا، وإلا لزم قصر واجبات الشريعة على الخمس المذكورة في حديث ضمام بن ثعلبة (٣) وغيره: أعني الصلاة والصوم والحج والزكاة والشهادتين لأن النبي ﷺ اقتصر عليها في مقام التعليم والسؤال عن جميع الواجبات، واللازم باطل فالملزوم مثله.

стр. 1860

وإن كانت صيغة الأمر الواردة بوجوب زيادة على هذا الحديث غير معلومة التقدم عليه ولا التأخر ولا المقارنة فهذا محل الإشكال ومقام الاحتمال، والأصل عدم الوجوب والبراءة منه حتى يقوم دليل يوجب الانتقال عن الأصل والبراءة، ولا شك أن الدليل المفيد للزيادة على حديث المسيء إذا التبس تاريخه محتمل لتقدمه عليه وتأخره فلا ينتهض للاستدلال به على الوجوب. وهذا التفصيل لا بد منه وترك مراعاته خارج عن الاعتدال إلى حد الإفراط أو التفريط لأن قصر الواجبات على حديث المسيء فقط وإهدار الأدلة الواردة بعده تخيلًا لصلاحيته لصرف كل دليل يرد بعده دالًا على الوجوب سدّ لباب التشريع ورد لما تجدّد من واجبات الصلاة ومنع للشارع من إيجاب شيء منها وهو باطل لما عرفت من تجدد الواجبات في الأوقات. والقول بوجوب كل ما ورد الأمر به من غير تفصيل يؤدي إلى إيجاب كل أقوال الصلاة وأفعالها التي ثبتت عنه ﷺ غير فرق بين أن يكون ثبوتها قبل حديث المسيء أو بعده لأنها بيان للأمر القرآني أعني قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (١) ولقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢) وهو باطل لاستلزامه تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو لا يجوز عليه ﷺ . وهذا الكلام في كل دليل يقضي بوجوب أمر خارج عن حديث المسيء ليس بصيغة الأمر كالتوعد على الترك أو الذم لمن لم يفعل. وهكذا يفصل في كل دليل يقتضي عدم وجوب شيء مما اشتمل عليه حديث المسيء أو تحريمه إن فرضنا وجوده. وقد استدل بالحديث على عدم وجوب الإقامة، ودعاء الافتتاح، ورفع اليدين في الإحرام وغيره، ووضع اليمنى على اليسرى، وتكبيرات الانتقال، وتسبيحات الركوع والسجود، وهيئات الجلوس، ووضع اليد على الفخد، والقعود ونحو ذلك.

стр. 1861

قال الحافظ (١): وهو في معرض المنع لثبوت بعض ما ذكر في بعض الطرق اهـ. وقد قدمنا البعض من ذلك. وللحديث فوائد كثيرة (٢)، قال أبو بكر بن العربي (٣): فيه أربعون مسألة ثم سردها. ١٠٠/ ٧٦١ - (وعَنْ حُذَيْفَةَ [﵁] (٤) أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُوده فَلمَّا قَضى صَلاتهُ دعاهُ، فقالَ لهُ حُذَيْفَةُ: ما صَلَّيْتَ، وَلَوْ متَّ مُتّ على غَيْرِ الْفِطْرَةِ التي فَطَرَ الله عَليهَا محمَّد ﷺ . رواهُ أحمدُ (٥) والبُخاريُّ) (٦). [صحيح]

стр. 1862

قوله: [(رأى - حذيفة - رجلًا] (١) روى عبد الرزاق (٢) وابن خزيمة (٣) وابن حبان (٤) من طريق الثوري عن الأعمش أن هذا الرجل كان عند أبواب كندة. قال الحافظ (٥): ولم أقف على اسممه. قوله: (ما صليت) هو نظير قوله ﷺ للمسيء "فإنك لم تصل" وزاد أحمد (٦) بعد قوله: "فقال له حذيفة: منذ كم صليت؟ قال: منذ أربعين سنة" وللنسائي (٧) مثل ذلك. وحذيفة مات سنة ست وثلاثين من الهجرة، فعلى هذا يكون ابتداء صلاة المذكور قبل الهجرة بأربع سنين أو أكثر. قال الحافظ (٥): ولعل الصلاة لم تكن فرضت بعد فلعله أراد المبالغة، أو لعله كان ممن يصلي قبل إسلامه ثم أسلم فحصلت المدة المذكورة من الأمرين. ولهذه العلة لم يذكر البخاري هذه الزيادة. قوله: (على غير الفطرة) قال الخطابي (٨): الفطرة: الملة والدين، قال: ويحتمل أن تكون المراد بها السنة كما في "حديث خمس من الفطرة" (٩) وقد قدمنا تفسيرها في شرح حديث خصال الفطرة. والحديث يدل على وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود، وعلى أن الإخلال بها يبطل الصلاة، وعلى تكفير تارك الصلاة، لأن ظاهره أن

стр. 1863

حذيفة نفى الإسلام [عنه] (١) وهو على حقيقته عند قوم وعلى المبالغة عند آخرين. وقد تقدم الكلام على ذلك في أوائل كتاب الصلاة (٢). وقال الحافظ (٣): إن حذيفة أراد توبيخ الرجل ليرتدع في المستقبل، ويرجحه وروده من وجه آخر عند البخاري (٤) بلفظ: "سنة محمد ﷺ ". وهذه الزيادة تدل على أن حديث حذيفة المذكور مرفوع لأن قول الصحابي من السنة يفيد ذلك، وقد مال إليه قوم وخالفه آخرون، والأول هو الراجح. ١٠١/ ٧٦٢ - (وعَنْ أَبِي قَتادَة [﵁] (٥) قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : أَشرُّ النَّاسِ سَرِقة الذيِ يَسْرِقُ مِنْ صَلاِته"، قالُوا: يا رسُول الله وكيْف يَسْرقُ منْ صلاتِه؟، قال: "لا يُتم رُكُوعَها ولَا سُجُودها"، أو قالَ: "لَا يُقِيمُ صُلْبهُ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ". رَوَاهُ أحمدُ (٦). [صحيح] ولأحمد (٧) من حديثِ أبِي سعِيدٍ مثْلُهُ إلا أَنهُ قالَ: "يَسْرِقُ صلَاتهُ". [حسن] الحديث أخرجه أيضًا الطبراني في الكبير والأوسط. قال في مجمع الزوائد (٨): ورجاله رجال الصحيح.

стр. 1864

وفيه أن ترك إقامة الصلب في الركوع والسجود جعله الشارع من أشر أنواع السرق، وجعل الفاعل لذلك أشر من تلبس بهذه الوظيفة الخسيسة التي لا أَوضع ولا أخبث منها تنفيرًا عن ذلك وتنبيهًا على تحريمه. وقد صرح ﷺ بأن صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود غير مجزئة، كما أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢)، وصححه والنسائي (٣) وابن ماجه (٤) من حديث [أبي] (٥) مسعود [بلفظ] (٦): "لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود". ونحوه عن علي بن شيبان عند أحمد (٧) وابن ماجه (٨)، وقد تقدما في باب أن الانتصاب بعد الركوع فرض. والأحاديث في هذا الباب كثيرة وكَلها تردّ على من لم يوجب الطمأنينة في الركوع والسجود والاعتدال منهما. [الباب الحادي والثلاثون] باب كيف النهوض إلى الثانية وما جاء في جلسة الاستراحة ١٠٢/ ٧٦٣ - (عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ [﵁] (٩) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا سَجَدَ وَقَعَتْ ركْبَتَاهُ إلى الْأَرْضِ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ كَفَّاهُ فَلَمَّا سَجَدَ وَضَعَ جَبْهَتَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ

стр. 1865

وَجَافَى عَنْ إِبْطَيْهِ وَإِذَا نَهَضَ نَهَضَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَاعْتَمَدَ عَلَى فَخْذَيْهِ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١). [ضعيف] الحديث أخرجه أبو داود (١) من طريق عبد الجبار بن وائل بن حجر عن أبيه. وقد أخرج له مسلم ووثقه ابن معين (٢). وقال: لم يسمع من أبيه شيئًا، وقال أيضًا: مات وهو حمل. قال الذهبي: وهذا القول مردود بما صح عنه أنه قال: كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي. وأخرجه (٣) من طريق عاصم بن كليب عن أبيه عن النبي ﷺ ، وكليب والد عاصم لم يدرك النبي ﷺ فحديثه مرسل. قال ذلك الترمذي (٤) والمنذري (٥) وغيرهما، وقد تقدم تفصيل ذلك في باب هيئات السجود (٦). قوله: (وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن يقع كفاه) قد تقدم الكلام على هذه الهيئة وما فيها من الاختلاف في باب هيئات السجود. قوله: (فلما سجد وضع جبهته بين كفيه وجافى عن إبطيه) لم يذكر هذا أبو داود (٣) في الباب الذي ذكر فيه طرق حديث وائل، وإنما ذكره في باب افتتاح الصلاة. والمجافاة (٧): المباعدة وهو من الجفاء وهو البعد عن الشيء. قوله: (وإذا نهض نهض على ركبتيه) فيه مشروعية النهوض على الركبتين والاعتماد على الفخذين لا على الأرض. قوله: (على فخذيه) الذي في سنن أبي داود (٨) "على فخذه" بلفظ

стр. 1866

الإفراد، وقيده ابن رسلان في شرح السنن بالإفراد أيضًا وقال: هكذا الرواية ثم قال: وفي رواية أظنها لغير المصنف: يعني أبا داود على فخذيه بالتثنية وهو اللائق بالمعنى. ورواه أيضًا أبو داود (١) في باب افتتاح الصلاة بالإفراد. قال ابن رسلان: ولعل المراد التثنية كما في ركبتيه. ١٠٣/ ٧٦٤ - (وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ [﵁] (٢) أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصلِّي فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتى يَسْتَوِيَ قاعِدًا. رَوَاهُ الجَماعة إلا مُسْلِمًا وابْن مَاجَهْ) (٣). [صحيح] الحديث فيه مشروعية جلسة الاستراحة وهي بعد الفراغ من السجدة الثانية وقبل النهوض إلى الركعة الثانية والرابعة. وقد ذهب إلى ذلك الشافعي في المشهور عنه (٤) وطائفة من أهل الحديث، وعن أحمد روايتان (٥)، وذكر الخلال أن أحمد رجع إلى القول بها ولم يستحبها الأكثر. واحتج لهم الطحاوي بحديث أبي حميد الساعدي (٦) المشتمل على وصف صلاته ﷺ ولم يذكر فيه هذه الجلسة بل ثبت في بعض ألفاظه أنه قام ولم يتورك،

стр. 1867

كما أخرجه أبو داود (١)، قال: فيحتمل أن ما فعله في حديث مالك بن الحويرث (٢) لعلة كانت به فقعد من أجلها، لا أن ذلك من سنة الصلاة ثم قوى ذلك بأنها لو كانت مقصودة لشرع لها ذكر مخصوص. وتعقب بأن الأصل عدم العلة. وبأن مالك بن الحويرث هو راوي حديث "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٣) فحكاياته لصفات صلاة رسول الله ﷺ داخلة تحت هذا الأمر. وحديث أبي حميد (٤) يستدل به على عدم وجوبها وأنه تركها لبيان الجواز لا على عدم مشروعيتها، على أنها لم تتفق الروايات عن أبي حميد في نفي هذه الجلسة، بل أخرج أبو داود (٥) والترمذي (٦) وأحمد (٧) عنه من وجه آخر بإثباتها. وأما الذكر المخصوص فإنها جلسة خفيفة جدًّا استغني فيها بالتكبير المشروع للقيام واحتج بعضهم على نفي كونها سنة بأنها لو كانت كذلك لذكرها كل من وصف صلاته [ ﷺ ] (٨) وهو متعقب بأن السنن المتفق عليها لم يستوعبها كل واحد ممن وصف صلاته إنما أخذ مجموعها عن مجموعهم. واحتجوا أيضًا على عدم مشروعيتها بما وقع في حديث وائل بن حجر عند البزار (٩) بلفظ: "كان إذا رفع رأسه من السجدتين استوى قائمًا".

стр. 1868

وهذا الاحتجاج يرد على من قال بالوجوب لا من قال بالاستحباب لما عرفت، على أن حديث وائل قد ذكره النووي في الخلاصة (١) في فصل الضعيف. واحتجوا أيضًا بما أخرجه الطبراني (٢) من حديث معاذ أنه كان يقوم كأنه السهم وهذا لا ينفي الاستحباب المدعى على أن في إسناده متهمًا بالكذب. وقد عرفت مما قدمنا في شرح حديث المسيء أن جلسة الاستراحة مذكورة فيه عند البخاري (٣) وغيره لا كما زعمه النووي (٤) من أنها لم تذكر فيه، وذكرها فيه يصلح للاستدلال به على وجوبها لولا ما ذكرنا فيما تقدم من إشارة البخاري إلى أن ذكر هذه الجلسة وهم وما ذكرنا أيضًا من أنه لم يقل بوجوبها أحد وقد صرح بمثل ذلك الحافظ في الفتح (٥). ومن جملة ما احتج به القائلون بنفي استحبابها حديث وائل بن حجر عند

стр. 1869

أبي داود (١) المتقدم قبل حديث الباب، وما روى ابن المنذر (٢) عن النعمان بن أبي عياش قال: أدركت غير واحد من أصحاب النبي ﷺ فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة وفي الثالثة قام كما هو ولم يجلس. وذلك لا ينافي القول بأنها سنة لأن الترك لها من النبي ﷺ في بعض الحالات إنما ينافي وجوبها فقط وكذلك ترك بعض الصحابة لها لا يقدح في سنيتها لأن ترك ما ليس بواجب جائز. [الباب الثاني والثلاثون] باب افتتاح الثانية بالقراءة من غير تعوذ ولا سكتة ١٠٤/ ٧٦٥ - (عَنْ أبي هُرَيْرَة [﵁] (٣) قَالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا نَهَضَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ افْتَتَحَ الْقِرَاءَة بالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ولَمْ يَسْكُتْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) (٤). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا النسائي (٥) وابن ماجه (٦) من حديث عبد الواحد وغيره عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة. وأخرجه أيضًا أبو داود (٧) وليس عنده إلا السكتة في الركعة الأولى، وذكر دعاء الاستفتاح فيها وكذلك هو عند ابن ماجه (٦) بلفظ أبي داود (٧) وعند النسائي (٨) من هذا الوجه عن أبي هريرة "أن النبي ﷺ كانت له سكتة إذا افتتح الصلاة". والحديث يدل على عدم مشروعية السكتة قبل القراءة في الركعة الثانية،

стр. 1870

وكذلك عدم مشروعية التعوذ فيها وحكم ما بعدها من الركعات حكمها، فتكون السكتة قبل القراءة مختصة بالركعة الأولى، وكذلك التعوذ قبلها. وقد تقدم الكلام في السكتتين في باب ما جاء في السكتتين وفي التعوذ في بابه المتقدم. وقد رجح صاحب الهدي (١) الاقتصار على التعوذ في الأولى لهذا الحديث، واستدل لذلك بأدلة فليراجع. [الباب الثالث والثلاثون] باب الأمر بالتشهد الأول وسقوطه بالسهو ١٠٥/ ٧٦٦ - (عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ [﵁] (٢) قَالَ: إنَّ مُحمَّدًا ﷺ قَالَ: "إِذَا قَعَدْتُمْ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَقُولُوا: التَّحِيَّاتُ لله وَالصَّلَوَاتُ والطَّيِّبَاتُ السَلَامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلْينَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ. أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثمَّ ليَتَخيَّرْ أَحَدُكُمْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَلْيَدْعُ بِهِ رَبَّهُ ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٣) والنسائيُّ) (٤). الحديث رواه أحمد (٣) من طرق بألفاظ فيها بعض اختلاف وفي بعضها طول وجميعها رجالها ثقات. وإنما عزاه المصنف ﵀ إلى أحمد والنسائي باعتبار الزيادة التي في

стр. 1871

أوله وهي: "إذا قعدتم في كل ركعتين" فإنها لم تكن عند غيرهما بهذا اللفظ، وهو عند الترمذي (١) بلفظ: قال: "علمنا رسول الله ﷺ إذا قعدنا في الركعتين"، وفي رواية أخرى للنسائي (٢) بلفظ: "فقولوا في كل جلسة". وأما سائر ألفاظ الحديث إلى قوله: فليتخير فقد اتفق على إخراجه الجماعة كلهم (٣)، وسيذكره المصنف. وأما زيادة قوله: (ثم ليتخير) إلى آخر الحديث، فأخرجها البخاري (٤) بلفظ: "ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به". وفي لفظ له (٥): "ثم يتخير من الثناء ما شاء"، وأخرجها أيضًا مسلم (٦) بلفظ: "ثم يتخير من المسألة ما شاء". وفي رواية للنسائي (٧) عن أبي هريرة: "ثم يدعو لنفسه بما بدا له". قال الحافظ (٨): إسنادها صحيح. وفي رواية أبي داود (٩): "ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه". قوله: "فقولوا: التحيات" فيه دليل لمن قال بوجوب التشهد الأوسط وهو أحمد (١٠) في المشهور عنه والليث وإسحق، وهو قول للشافعي (١١)، وإليه ذهب داود وأبو ثور، ورواه النووي (١٢) عن جمهور المحدثين.

стр. 1872

ومما يدل على ذلك إطلاق الأحاديث الواردة بالتشهد وعدم تقييدها بالأخير. واحتج الطبري (١) لوجوبه بأن الصلاة وجبت أولًا ركعتين وكان التشهد فيها واجبًا، فلما زيدت لم تكن الزيادة مزيلة لذلك الواجب. وتعقب بأن الزيادة لم تتعين في الأخريين، بل يحتمل أن يكون هما الفرض الأول، والمزيد هما الركعتان الأوليان بتشهدهما، ويؤيده استمرار السلام بعد التشهد الأخير كما كان، كذا قال الحافظ (٢) ولا يخفى ما في هذا التعقب من التعسف (٣).

стр. 1873

وغاية ما استدل به القائلون بعدم الوجوب أن النبي ﷺ ترك التشهد الأوسط ولم يرجع إليه، ولا أنكر على أصحابه متابعته في الترك وجبره بسجود السهو، ولو كان واجبًا لرجع له وأنكر على أصحابه متابعته، ولم يكتف في تجبيره بسجود السهو ويجاب عن ذلك بأن: الرجوع على تسليم وجوبه للواجب المتروك إنما يلزم إذا ذكره المصلي وهو في الصلاة، ولم ينقل إلينا أن النبي ﷺ ذكره قبل الفراغ، اللهم إلا أن يقال إنه قد روي أن الصحابة سبحوا به فمضى حتى فرغ كما يأتي. وذلك يستلزم أنه علم به وترك إنكاره على المؤتمين به متابعته إنما يكون حجة بعد تسليم أنه يجب على المؤتمين ترك متابعة الإمام إذا ترك واجبًا من واجبات الصلاة وهو ممنوع والسند الأحاديث الدالة على وجوب المتابعة وتجبيره بالسجود إنما يكون دليلًا على عدم الوجوب إذا سلمنا أن سجود السهو إنما يجبر به المسنون دون الواجب وهو غير مسلم. والحاصل أن حكمه حكم التشهد الأخير، وسيأتي، والتفرقة بينهما ليس عليها دليل يرتفع [به] (١) النزاع على أنه يدل على مزيد خصوصية للتشهد الأوسط ذكره في حديث المسيء كما تقدم في شرحه وسيأتي. قوله: (التحيات لله) إلى آخر ألفاظ التشهد سيأتي شرحها في باب ذكر تشهد ابن مسعود. قوله: (ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه) فيه الإِذن بكل دعاء أراد المصلي أن يدعو به في هذا الموضع، وعدم لزوم الاقتصار على ما ورد عنه ﷺ . ١٠٦/ ٧٦٧ - (وعَنْ رفاعَة بْنِ رَافِعٍ [﵁] (٢) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "إذَا قُمْت في صَلَاِتكَ فَكَبِّرْ ثمَّ اقْرَأ ما تَيَسَّرَ عَلَيْكَ مِنَ الْقُرآنِ، فَإِذَا جَلَسْتَ في وَسَطِ الصَّلَاةِ فاطْمئن وافتَرِشْ فَخذَكَ اليسْرَى، ثُمَّ تَشَهَّدَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) (٣) [حسن]

стр. 1874

هذا طرف من حديث رفاعة في تعليم المسيء، وقد أخرجه أيضًا النسائي (١) وابن ماجه (٢) والترمذي وحسنه (٣)، ولكنه انفرد أبو داود بهذه الزيادة، أعني قوله: "فإذا جلست في وسط الصلاة" إلخ وفي [إسنادهما] (٤) محمد بن إسحق ولكنه صرح بالتحديث. قوله: (في وسط الصلاة) بفتح السين قال في النهاية (٥): يقال فيما كان متفرق الأجزاء غير متصل كالناس والدواب بسكون السين وما كان متصل الأجزاء كالدار والرأس فهو بالفتح، والمراد هنا: القعود للتشهد الأول في الرباعية، ويلحق به الأول في الثلاثية. قوله: (فاطمئن) يؤخذ منه أن المصلي لا يشرع في التشهد حتى يطمئن يعني يستقر كل مفصل في مكانه. ويسكن من الحركة. قوله: (وافترش فخذك اليسرى) أي: ألقها على الأرض وابسطها كالفراش للجلوس عليها والافتراش في وسط الصلاة موافق لمذهب الشافعي (٦) وأحمد (٧) لكن أحمد يقول: يفترش في التشهد الثاني كالأول. والشافعي يتورك في الثاني، ومالك (٨) يتورك فيهما كذا ذكره ابن رسلان في شرح السنن. وفيه دليل لمن قال: إن السنة الافتراش في الجلوس للتشهد الأوسط وهم الجمهور. قال ابن القيم (٩): ولم يرو عنه في هذه الجلسة غير هذه الصفة: يعني الفرش والنصب وقال مالك: يتورك فيه لحديث ابن مسعود أن النبي ﷺ كان يجلس في وسط الصلاة وفي آخرها متوركًا، قال ابن القيم (١٠): لم يذكر عنه ﷺ التورك إلا في التشهد الأخير. والحديث فيه دليل لمن قال بوجوب التشهد الأوسط، وقد تقدم الاختلاف فيه.

стр. 1875

١٠٧/ ٧٦٨ - (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُحَيْنَةَ [﵁] (١): أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قامَ في صَلاةِ الظُّهْرِ وعَليهِ جُلُوسٌ فَلَما أتَمَّ صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ يُكَبِّرُ في كلِّ يسَجْدَةٍ وَهُوَ جالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ وَسَجَدَها الناسُ معَهُ مكانَ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوس". رَوَاهُ الجَمَاعَةُ" (٢). [صحيح] قوله: (عن عبد الله بن بحينة) بحينة: اسم أم عبد الله أو اسم أم أبيه قال الحافظ (٣): فعلى هذا ينبغي أن يكتب ابن بحينة بالألف. قوله: (قام في صلاة الظهر) زاد الضحاك بن عثمان عن الأعرج: "فسبحوا به فمضى حتى فرغ من صلاته، أخرجه ابن خزيمة (٤). وعند النسائي (٥) والحاكم (٦) نحو هذه الزيادة. قوله: (وعليه جلوس) فيه إشعار بالوجوب حيث قال "وعليه". قوله: (يكر في كل سجود) فيه مشروعية تكبير النقل في سجود السهو. قوله: (وهو جالس) جملة حالية متعلقة بقوله سجد: أي أنشا السجود جالسًا. والحديث استدل به من قال بأن التشهد الأوسط غير واجب وتقدم وجه دلالته على ذلك والجواب عنه. [الباب الرابع والثلاثون] باب صفة الجلوس في التشهد وبين السجدتين وما جاء في التورك والإقعاء ١٠٨/ ٧٦٩ - (عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ [﵁] (١) أنهُ رَأَى النّبيّ ﷺ

стр. 1876

يُصَلِّي فَسَجَدَ، ثمَّ قَعَدَ فافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى. رَوَاهُ أَحمدُ (١) وأَبُو دَاود (٢) والنَّسائيُّ (٣). [صحيح] وفي لَفْظٍ لِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُور قالَ: صَلَّيْتُ خلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَما قَعَدَ وَتَشَهَّدَ فَرشَ قَدَمَهُ الْيُسْرَى على الأرْضِ وَجَلَسَ عَلَيْهَا). ١٠٩/ ٧٧٠ - (وَعَنْ رِفاعةَ بْنِ رَافِع [﵁] (٤) أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِلْأَعْرابيِّ: "إِذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ لِسُجُودِكَ، فَإِذَا جَلَسْتَ فَاجْلِسْ على رِجْلِكَ الْيُسْرَى". رَوَاهُ أحمَدُ) (٥). [صحيح] حديث وائل أخرجه أيضًا ابن ماجه (٦) والترمذي (٧) وقال: حسن صحيح. وحديث رفاعة أخرجه أيضًا أبو داود (٨) باللفظ الذي سبق في الباب الأول ولا مطعن في إسناده. [وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٩) واين حبان (١٠)] (١١). وقد احتج بالحديثين القائلون باستحباب فرش اليسرى ونصب اليمنى في التشهد الأخير، وهم زيد بن علي والهادي والقاسم والمؤيد بالله (١٢) وأبو حنيفة (١٣) وأصحابه والثوري. وقال مالك (١٤) والشافعي (١٥) وأصحابه: إنه يتورك المصلي في التشهد الأخير.

стр. 1877

وقال أحمد بن حنبل (١): إن التورك يختص بالصلاة التي فيها تشهدان. واستدل الأولون أيضًا بما أخرجه الترمذي (٢) وقال: حسن صحيح من حديث أبي حميد "أن رسول الله ﷺ جلس: يعني للتشهد، فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدور اليمنى على قبلته" الحديث. وبحديث عائشة الآتي (٣). ووجه الاستدلال بهذين الحديثين وبحديثي الباب أن رواتها ذكروا هذه الصفة لجلوس التشهد ولم يقيدوه بالأول واقتصارهم عليها من دون تعرض لذكر غيرها مشعر بأنها هي الهيئة المشروعة في التشهدين جميعًا، ولو كانت مختصة بالأول لذكروا هيئة التشهد الأخير ولم يهملوه لا سيما وهم بصدد بيان صلاة رسول الله ﷺ وتعليمه لمن لا يحسن الصلاة، فعلم بذلك أن هذه الهيئة شاملة لهما. ويمكن أن يقال: إن هذه الجلسة التي ذكر هيئتها أبو حميد في هذا الحديث هي جلسة التشهد الأول بدليل حديثه الآتي (٤)، فإنه وصف هيئة الجلوس الأول بهذه الصفة ثم ذكر بعدها هيئة الجلوس الآخر فذكر فيها التورك واقتصاره على بعض الحديث في هذه الرواية ليس بمناف لما ثبت عنه في الرواية الأخرى لا سيما وهي ثابتة في صحيح البخاري. ولا يعدَّ ذلك الاقتصار إهمالًا لبيان هيئة التشهد الأخير في مقام التصدي لصفة جميع الصلاة، لأنه ربما اقتصر من ذلك على ما تدعو الحاجة إليه. ويقال في حديث رفاعة (٥) المذكور ههنا أنه مبين بروايته المتقدمة في الباب الأول. وأما حديث وائل (٦) وحديث عائشة (٧) فقد أجاب عنهما القائلون بمشروعية التورك في التشهد الأخير بأنهما محمولان على التشهد الأوسط جمعًا بين الأدلة لأنهما مطلقان عن التقييد بأحد الجلوسين، وحديث أبي حميد مقيد، وحمل

стр. 1878

المطلق على المقيد واجب (١). ولا يخفاك أنه يبعد هذا الجمع ما قدمنا من أن مقام التصدي لبيان صفة صلاته ﷺ يأبى الاقتصار على ذكر هيئة أحد التشهدين وإغفال الآخر مع كون صفته مخالفة لصفة المذكور، لا سيما حديث عائشة (٢) فإنها قد تعرضت فيه لبيان الذكر المشروع في كل ركعتين وعقبت ذلك بذكر هيئة الجلوس، فمن البعيد أن يخص بهذه الهيئة أحدهما ويهمل الآخر. ولكنه يلوح من هذا أن مشروعية التورك في الأخير آكد في مشروعية النصب والفرش، وأما أنه ينفي مشروعية النصب والفرش فلا. وإن كان حق حمل المطلق على المقيد هو ذلك لكنه منع من المصير إليه ما عرَّفناك. والتفصيل الذي ذهب إليه أحمد يرده قول أبي حميد في حديثه الآتي: "فإذا جلس في الركعة الأخيرة" (٣). وفي رواية لأبي داود (٤): "حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم". وقد اعتذر ابن القيم (٥) عن ذلك بما لا طائل تحته، وقد ذكر مسلم في صحيحه (٦) من حديث ابن الزبير صفة ثالثة لجلوس التشهد الأخير وهي أنه ﷺ "كان يجعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه ويفرش قدمه اليمنى". واختار هذه الصفة أبو القاسم الخرقي في مصنفه (٧)، ولعله ﷺ كان يفعل هذا تارة. وقد وقع الخلاف في الجلوس للتشهد الأخير، هل هو واجب أم

стр. 1879

لا؟ فقال بالوجوب عمر بن الخطاب وأبو مسعود (١) وأبو حنيفة (٢) والشافعي (٣). ومن أهل البيت الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله (٤). وقال علي بن أبي طالب والثوري والزهري ومالك (٥): إنه غير واجب. واستدل الأولون بملازمته ﷺ له، والآخرون بأنه ﷺ لم يعلمه المسيء ومجرد الملازمة لا تفيد الوجوب وهذا هو الظاهر لا سيما قوله ﷺ : في حديث المسيء (٦) بعد أن علمه: "فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك" ولا يتوهم أن ما دل على وجوب التسليم دل على وجوب جلوس التشهد لأنه لا ملازمة بينهما. ١١٠/ ٧٧١ - وَعَنْ أَبي حُمَيْدٍ [﵁] (٧) أنهُ قَالَ وَهُوَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيهِ وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكبَتَيهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ فَإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ اسْتَوى حَتَّى يَعُودَ كُل فِقَارٍ مَكانَهُ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قابِضهما واسْتَقْبَلَ بِأطْرَافِ أَصَابِعِ رَجْلَيْهِ القِبْلَةَ فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ على رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ اليُمْنَى، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْأخْرَى وَقَعَدَ على مقعَدتِهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٨) وَقَدْ سَبَقَ لِغَيْرِهِ بِلَفْظٍ أَبْسَطَ مِنْ هذَا). [صحيح] الحديث تقدم في باب رفع اليدين (٩)، وههنا ألفاظ لم تذكر هنالك، وبعضها محتاج إلى الشرح، فمن ذلك.

стр. 1880

قوله: (ثم هصر ظهره) هو بالهاء والصاد المهملة المفتوحتين: أي ثناه في استواء من غير تقويس ذكره الخطابي (١). قوله: (حتى يعود كل فقار) الفقار: بفتح الفاء والقاف جمع فقارة: وهي عظام الظهر، وهي العظام التي يقال لها خرز الظهر، قاله القزاز (٢). وقال ابن سيده: هي من الكاهل إلى العجب، وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي أن عدتها سبع عشرة، وفي أمالي الزجاج أصولها سبع غير التوابع. وعن الأصمعي هي خمس وعشرون، سبع في العنق وخمس في الصلب وبقيتها في طرف الأضلاع، كذا في الفتح (٣). قوله: (واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة) فيه حجة لمن قال: إن السنة أن ينصب قدميه في السجود وأن تكون أصابع رجليه متوجهة إلى القبلة، وإنما يحصل توجيهها بالتحامل عليها والاعتماد على بطونها. والحديث قد اشتمل على جمل واسعة من صفة صلاته ﷺ ، وقد تقدم الكلام على كل فرد منها في بابه. وقد ساقه المصنف ههُنَا للاستدلال به على مشروعية التورك وقد تقدم الكلام عليه في أول الباب. ١١١/ ٧٧٢ - (وعَنْ عَائِشَةَ [﵂] (٤) قَالَتْ: أَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَفْتَتِحُ الصلَاةَ بالتَّكْبِيرِ والْقِرَاءَةِ بالْحَمْدِ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَكَانَ بَيْنَ ذلِكَ، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَاسَهُ مِنَ الركُوعِ لَمْ يَسْجدْ حَتَّى يَسْتَوِي قَائمًا، وإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ السُّجُود لَمْ يَسْجُدْ حَتى يَسْتَوِي جالِسًا، وكانَ يَقُولُ في كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى ويَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وكانَ يَنْهَى عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ، وكَانَ يَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبعِ، وكانَ يَخْتِمُ

стр. 1881

الصَّلَاةَ بالتَّسْلِيمِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) ومُسْلِمٌ (٢) وأبُو دَاوُدَ) (٣). [صحيح بشواهده] الحديث له علة وهي أنه رواه أبو الجوزاء عن عائشة قال ابن عبد البر (٤): لم يسمع منها وحديثه عنها مرسل. قوله: (يفتتح الصلاة بالتكبير) وهو الله أكبر وفيه رد على من قال إنه يجزئ كل ما فيه تعظيم نحو الله أجل الله أعظم وهو أبو حنيفة (٥). قوله: (والقراءة بالحمد لله) قال النووي (٦): هو برفع الدال على الحكاية وبه تمسك من قال بمشروعية ترك الجهر بالبسملة في الصلاة. وأجيب عنه بأن المراد بذلك: اسم السورة. ونوقش هذا الجواب بأنه لو كان المراد اسم السورة لقالت عائشة بالحمد لأنه وحده هو الاسم. ورد ذلك بما ثبت عند أبي داود (٧) من حديث أبي هريرة مرفوعًا "الحمد لله رب العالمين أم القرآن والسبع المثاني" وبما عند البخاري (٨) بلفظ "الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني".

стр. 1882

ويمكن الجواب عن ذلك الاستدلال بأنها ذكرت أول آية من الآيات التي تخص السورة وتركت البسملة لأنها مشتركة بينها وبين غيرها من السور. وقد تقدم البحث عن هذا مبسوطًا. قوله: (ولم يصوبه) قد تقدم ضبط هذا اللفظ وتفسيره في حديث أبي حميد السابق (١) في باب رفع اليدين. قوله: (وكان يقول في كل ركعتين التحية) فهي التصريح بمشروعية التشهد الأوسط والأخير والتسوية بينهما، وقد تقدم الكلام عليهما. قوله: (وكان يفرش رجله اليسرى وبنصب رجله اليمنى) استدل من قال بمشروعية النصب والفرش في التشهدين جميعًا، ووجهه ما قدمنا من الإطلاق وعدم التقييد في مقام التصدي لوصف صلاته ﷺ لا سيما بعد وصفها للذكر المشروع في التشهدين جميعًا، وقد بينا ما هو الحق في أول الباب. قوله: (وكان ينهى عن عقب الشيطان) قيده النووي (٢) وغيره بفتح العين وكسر القاف قال: وهذا هو الصحيح المشهور فيه. قال ابن رسلان: وحكى ضم العين مع فتح القاف جمع عقبة بضم العين وسكون القاف، وقد ضعف ذلك القاضي عياض (٣)، وفسره أبو عبيد (٤) وغيره بالإقعاء المنهي عنه وهو أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب. وقال ابن رسلان في شرح السنن: هي أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه. قوله: (وكان ينهى أن [يفرش] (٥) الرجل ذراعيه افتراش السبع) هو أن يضع ذراعيه على الأرض في السجود ويفضي بمرفقه وكفه إلى الأرض. والحديث قد اشتمل على كثير من فروض الصلاة وأركانها، وقد تقدم

стр. 1883

الكلام على جميع ما فيه كل شيء في بابه إلا التسليم فسيأتي البحث عنه. ١١٢/ ٧٧٣ - (وعَنْ أَبِي هرَيْرَةَ [﵁] (١) قال: نَهاني رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ نَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الدِّيكِ، وَإقْعَاءٍ كإقْعَاءِ الْكَلْبِ، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ) (٢). [صحيح بشواهده]. الحديث أخرجه البيهقي (٣) أيضًا وأشار إليه الترمذي (٤)، وهو من رواية ليث بن أبي سليم. وأخرجه أيضًا أبو يعلى (٥) والطبراني في الأوسط (٦)، قال في مجمع الزوائد (٧): وإسناد أحمد حسن. والنهي عن نقرة كنقرة الغراب أخرجه أيضًا أبو داود (٨) والنسائي (٩) وابن ماجه (١٠) من حديث عبد الرحمن بن شبل. والنهي عن الإقعاء أخرجه الترمذي (١١) وأبو داود (١٢) وابن ماجه (١٣) من

стр. 1884

حديث عليّ مرفوعًا بلفظ "لا تقع بين السجدتين" وفي إسناده الحارث الأعور (١). وأخرجه ابن ماجه (٢) من رواية أنس بلفظ "إذا رفعت رأسك من السجود فلا تقع كما يقعي الكلب، ضع أليتيك بين قدميك والزق ظاهر قدميك بالأرض"، وفي إسناده العلاء أبو محمد، وقد ضعفه بعض الأئمة. وأخرج البيهقي (٣) من روايته [حديثًا] (٤) آخر بلفظ نهى عن الإقعاء والتورك. وأخرج أيضًا (٥) من حديث جابر بن سمرة قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الإقعاء في الصلاة". وأخرج ابن ماجه (٦) عن عائشة "أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد فرفع رأسه لم يسجد حتى يستوي جالسًا، وكان يفرش رجله اليسرى". قوله: (عن نقرة كنقرة الديك) النمّرة بفتح النون والمراد بها كما قال ابن الأثير (٧): ترك الطمأنينة وتخفيف السجود وأن لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد الأكل منه كالجيفة لأنه يتابع في النقر منها من غير تلبث.
следующие страницы →