← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 1880–1919 · переход к 1885.

стр. 1880

قوله: (ثم هصر ظهره) هو بالهاء والصاد المهملة المفتوحتين: أي ثناه في استواء من غير تقويس ذكره الخطابي (١). قوله: (حتى يعود كل فقار) الفقار: بفتح الفاء والقاف جمع فقارة: وهي عظام الظهر، وهي العظام التي يقال لها خرز الظهر، قاله القزاز (٢). وقال ابن سيده: هي من الكاهل إلى العجب، وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي أن عدتها سبع عشرة، وفي أمالي الزجاج أصولها سبع غير التوابع. وعن الأصمعي هي خمس وعشرون، سبع في العنق وخمس في الصلب وبقيتها في طرف الأضلاع، كذا في الفتح (٣). قوله: (واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة) فيه حجة لمن قال: إن السنة أن ينصب قدميه في السجود وأن تكون أصابع رجليه متوجهة إلى القبلة، وإنما يحصل توجيهها بالتحامل عليها والاعتماد على بطونها. والحديث قد اشتمل على جمل واسعة من صفة صلاته ﷺ ، وقد تقدم الكلام على كل فرد منها في بابه. وقد ساقه المصنف ههُنَا للاستدلال به على مشروعية التورك وقد تقدم الكلام عليه في أول الباب. ١١١/ ٧٧٢ - (وعَنْ عَائِشَةَ [﵂] (٤) قَالَتْ: أَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَفْتَتِحُ الصلَاةَ بالتَّكْبِيرِ والْقِرَاءَةِ بالْحَمْدِ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَكَانَ بَيْنَ ذلِكَ، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَاسَهُ مِنَ الركُوعِ لَمْ يَسْجدْ حَتَّى يَسْتَوِي قَائمًا، وإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ السُّجُود لَمْ يَسْجُدْ حَتى يَسْتَوِي جالِسًا، وكانَ يَقُولُ في كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى ويَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وكانَ يَنْهَى عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ، وكَانَ يَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبعِ، وكانَ يَخْتِمُ

стр. 1881

الصَّلَاةَ بالتَّسْلِيمِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) ومُسْلِمٌ (٢) وأبُو دَاوُدَ) (٣). [صحيح بشواهده] الحديث له علة وهي أنه رواه أبو الجوزاء عن عائشة قال ابن عبد البر (٤): لم يسمع منها وحديثه عنها مرسل. قوله: (يفتتح الصلاة بالتكبير) وهو الله أكبر وفيه رد على من قال إنه يجزئ كل ما فيه تعظيم نحو الله أجل الله أعظم وهو أبو حنيفة (٥). قوله: (والقراءة بالحمد لله) قال النووي (٦): هو برفع الدال على الحكاية وبه تمسك من قال بمشروعية ترك الجهر بالبسملة في الصلاة. وأجيب عنه بأن المراد بذلك: اسم السورة. ونوقش هذا الجواب بأنه لو كان المراد اسم السورة لقالت عائشة بالحمد لأنه وحده هو الاسم. ورد ذلك بما ثبت عند أبي داود (٧) من حديث أبي هريرة مرفوعًا "الحمد لله رب العالمين أم القرآن والسبع المثاني" وبما عند البخاري (٨) بلفظ "الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني".

стр. 1882

ويمكن الجواب عن ذلك الاستدلال بأنها ذكرت أول آية من الآيات التي تخص السورة وتركت البسملة لأنها مشتركة بينها وبين غيرها من السور. وقد تقدم البحث عن هذا مبسوطًا. قوله: (ولم يصوبه) قد تقدم ضبط هذا اللفظ وتفسيره في حديث أبي حميد السابق (١) في باب رفع اليدين. قوله: (وكان يقول في كل ركعتين التحية) فهي التصريح بمشروعية التشهد الأوسط والأخير والتسوية بينهما، وقد تقدم الكلام عليهما. قوله: (وكان يفرش رجله اليسرى وبنصب رجله اليمنى) استدل من قال بمشروعية النصب والفرش في التشهدين جميعًا، ووجهه ما قدمنا من الإطلاق وعدم التقييد في مقام التصدي لوصف صلاته ﷺ لا سيما بعد وصفها للذكر المشروع في التشهدين جميعًا، وقد بينا ما هو الحق في أول الباب. قوله: (وكان ينهى عن عقب الشيطان) قيده النووي (٢) وغيره بفتح العين وكسر القاف قال: وهذا هو الصحيح المشهور فيه. قال ابن رسلان: وحكى ضم العين مع فتح القاف جمع عقبة بضم العين وسكون القاف، وقد ضعف ذلك القاضي عياض (٣)، وفسره أبو عبيد (٤) وغيره بالإقعاء المنهي عنه وهو أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب. وقال ابن رسلان في شرح السنن: هي أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه. قوله: (وكان ينهى أن [يفرش] (٥) الرجل ذراعيه افتراش السبع) هو أن يضع ذراعيه على الأرض في السجود ويفضي بمرفقه وكفه إلى الأرض. والحديث قد اشتمل على كثير من فروض الصلاة وأركانها، وقد تقدم

стр. 1883

الكلام على جميع ما فيه كل شيء في بابه إلا التسليم فسيأتي البحث عنه. ١١٢/ ٧٧٣ - (وعَنْ أَبِي هرَيْرَةَ [﵁] (١) قال: نَهاني رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ نَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الدِّيكِ، وَإقْعَاءٍ كإقْعَاءِ الْكَلْبِ، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ) (٢). [صحيح بشواهده]. الحديث أخرجه البيهقي (٣) أيضًا وأشار إليه الترمذي (٤)، وهو من رواية ليث بن أبي سليم. وأخرجه أيضًا أبو يعلى (٥) والطبراني في الأوسط (٦)، قال في مجمع الزوائد (٧): وإسناد أحمد حسن. والنهي عن نقرة كنقرة الغراب أخرجه أيضًا أبو داود (٨) والنسائي (٩) وابن ماجه (١٠) من حديث عبد الرحمن بن شبل. والنهي عن الإقعاء أخرجه الترمذي (١١) وأبو داود (١٢) وابن ماجه (١٣) من

стр. 1884

حديث عليّ مرفوعًا بلفظ "لا تقع بين السجدتين" وفي إسناده الحارث الأعور (١). وأخرجه ابن ماجه (٢) من رواية أنس بلفظ "إذا رفعت رأسك من السجود فلا تقع كما يقعي الكلب، ضع أليتيك بين قدميك والزق ظاهر قدميك بالأرض"، وفي إسناده العلاء أبو محمد، وقد ضعفه بعض الأئمة. وأخرج البيهقي (٣) من روايته [حديثًا] (٤) آخر بلفظ نهى عن الإقعاء والتورك. وأخرج أيضًا (٥) من حديث جابر بن سمرة قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الإقعاء في الصلاة". وأخرج ابن ماجه (٦) عن عائشة "أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد فرفع رأسه لم يسجد حتى يستوي جالسًا، وكان يفرش رجله اليسرى". قوله: (عن نقرة كنقرة الديك) النمّرة بفتح النون والمراد بها كما قال ابن الأثير (٧): ترك الطمأنينة وتخفيف السجود وأن لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد الأكل منه كالجيفة لأنه يتابع في النقر منها من غير تلبث.

стр. 1885

قوله: (وإقعاء كإقعاء الكلب) الإقعاء قد اختلف في تفسيره اختلافًا كثيرًا. قال النووي (١): والصواب الذي لا يعدل عنه أن الإقعاء نوعان: (أحدهما) أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب، هكذا فسره أبو عبيدة معمر بن المثنى وصاحبه أبو عبيد القاسم بن سلام وآخرون من أهل اللغة (٢)، وهذا النوع هو المكروه الذي ورد النهي عنه. (والنوع الثاني): أن يجعل أليتيه على العقبين بين السجدتين. اهـ. قال في النهاية (٣): والأول أصح. قوله: (والتفات كالتفات الثعلب) فيه كراهة الالتفات في الصلاة، وقد وردت بالمنع منه أحاديث، وثبت أن الالتفات اختلاس من الشيطان وسيأتي الكلام عن الالتفات في الباب الذي عقده المصنف له (٤). وقد اختلف أهل العلم في كيفية الجمع بين هذه الأحاديث الواردة بالنهي عن الإقعاء، وما روي عن ابن عباس أنه قال في الإقعاء على القدمين بين السجدتين: إنه السنة، فقال له طاوس: إنا لنراه جفاء بالرجل، فقال ابن عباس: هي سنة نبيكم. أخرجه مسلم (٥) والترمذي (٦) وأبو داود (٧). وأخرج البيهقي (٨) عن ابن عمر: "أنه كان إذا رفع رأسه من السجدة الأولى يقعد على أطراف أصابعه ويقول: "إنه من السنة". وعن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يقعيان (٨).

стр. 1886

وعن طاووس قال: رأيت العبادلة يقْعون (١). قال الحافظ (٢): وأسانيدها صحيحة. فقال الخطابي (٣) والماوردي (٤): إن الإقعاء منسوخ، ولعل ابن عباس لم يبلغه النهي. وقد أنكر القول بالنسخ ابن الصلاح (٤) والنووي (٥). وقال البيهقي (٦)، والقاضي عياض (٧)، وابن الصلاح (٤)، والنووي (٥)، وجماعة من المحققين: إنه يجمع بينها بأن الإقعاء الذي ورد النهي عنه هو الذي يكون كإقعاء الكلب على ما تقدم من تفسير أئمة اللغة، والإقعاء الذي صرح [به] (٨) ابن عباس وغيره أنه من السنة هو وضع الأليتين على العقبين بين السجدتين والركبتان على الأرض، وهذا الجمع لا بد منه. وأحاديث النهي والمعارض لها يرشد إليه لما فيها من التصريح بإقعاء الكلب ولما في أحاديث العبادلة من التصريح بالقفعاء على القدمين وعلى أطراف الأصابع. وقد روي عن ابن عباس (٩) أيضًا أنه قال: من السنة أن تمس عقبيك أليتك وهو مفسر للمراد. فالقول بالنسخ غفلة من ذلك وعمَّا صرح به الحفاظ من جهل تاريخ هذه الأحاديث وعن المنع من المصير إلى النسخ مع إمكان الجمع. وقد روي عن جماعة من السلف من الصحابة وغيرهم فعله كما قال النووي (٥)، ونص الشافعي في البويطي (١٠) والإملاء (١١) على استحبابه.

стр. 1887

وأما النهي عن عقب الشيطان فقد عرفت تفسير ذلك في شرح الحديث الأول. وقال الحافظ في التلخيص (١): يحتمل أن يكون واردًا للجلوس للتشهد الأخير فلا يكون منافيًا للقعود على العقبين بين السجدتين، والأولى أن يمنع كون الإقعاء المروي عن العبادلة مما يصدق عليه حديث النهي عن عقب الشيطان مسندًا (٢) بما تقدم من تفسيره. [الباب الخامس والثلاثون] باب ذكر تشهد ابن مسعود وغيره ١١٣/ ٧٧٤ - (عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ [﵁] (٣) قالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ التَّشَهُّد كَفِّي بينَ كَفَّيْهِ كما يُعلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ: التَّحِيَّاتُ لله والصَّلواتُ والطَّيِّبَاتُ السَلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وعَلى عِبَادِ الله الصَّالِحينَ، أشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إِلَّا الله، وأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه، رَوَاهُ الجَمَاعَةُ (٤). [صحيح] وفي لَفْظٍ أَن النَّبِيّ ﷺ قالَ: "إِذَا قَعَدَ أَحدُكُمْ في الصلاة فَلْيَقُلْ التَّحِيَّاتُ لله"، وذَكَرَهُ (٥)، وَفِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: "وعلى عِبادِ الله الصَّالِحينِ فإنَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذلِكَ فَقَدْ

стр. 1888

سَلَّمْتُمْ على كُلِّ عبْدٍ لله صالِحٍ في السَّماءِ وَالأرْضِ"، وفي آخِرِه: "ثم يَتَخَيَّرُ مِنَ المسْألَةِ ما شاءَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [صحيح] ولأحْمد (١) مِنْ حَدِيثِ أبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: عَلَّمَهُ رسُول الله ﷺ التَّشَهُّدَ وَأَمَرهُ أَنْ يُعلِّمَهُ النَّاسَ: التَّحِيَّاتُ لله، وذَكَرَهُ. [ضعيف] قالَ التِّرمِذِيُّ (٢): حَدِيث ابْنِ مَسْعُود أصَحُّ حَدِيث في التَّشَهُّدِ، والعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ). الحديث قال أبو بكر البزار (٣) أيضًا: هو أصح حديث في التشهد، قال: وقد روي من نيف وعشرين طريقًا وسرد أكثرها. وممن جزم بذلك البغوي في شرح السنة (٤). وقال مسلم (٥): إنما أجمع الناس على تشهد ابن مسعود لأن أصحابه لا يخالف بعضهم بعضًا، وغيره قد اختلف أصحابه. وقال الذهلي (٥): إنه أصح حديث روي في التشهد. ومن مرجحاته أنه متفق عليه دون غيره، وأن رواته لم يختلفوا في حرف منه بل نقلوه مرفوعًا على صفة واحدة. وقد روى التشهد عن رسول الله ﷺ جماعة من الصحابة غير ابن مسعود. (منهم) ابن عباس وسيأتي حديثه (٦).

стр. 1889

(ومنهم) جابر أخرج حديثه النسائي (١) وابن ماجه (٢) والترمذي في العلل (٣) والحاكم (٤) ورجاله ثقات. (ومنهم) عمر أخرج حديثه مالك (٥) والشافعي (٦) والحاكم (٧) والبيهقي (٨) روي مرفوعًا. وقال الدارقطني (٩): لم يختلفوا في أنه موقوف عليه. (ومنهم) ابن عمر، أخرج حديثه أبو داود (١٠) والدارقطني (١١) والطبراني (١٢). (ومنهم) عليّ [﵁] (١٣) أخرج حديثه الطبراني (١٤) بإسناد ضعيف. (ومنهم) أبو موسى أخرجه مسلم (١٥) وأبو داود (١٦) والنسائي (١٧) والطبراني (١٨).

стр. 1890

(ومنهم) عائشة أخرجه الحسن بن سفيان في "مسنده" (١) والبيهقي (٢)، ورجح الدارقطني وقفه. (ومنهم) سمرة أخرجه أبو داود (٣) وإسناده ضعيف. (ومنهم) ابن الزبير أخرجه الطبراني (٤) وقال: تفرد به ابن لهيعة. (ومنهم) معاوية أخرجه الطبراني (٥) وإسناده حسن قاله الحافظ (٦). (ومنهم) سلمان أخرجه الطبراني (٧) والبزار (٨) وإسناده ضعيف. (ومنهم) أبو حميد أخرجه الطبراني (٩). (ومنهم) أبو بكر أخرجه البزار (١٠) وإسناده حسن وأخرجه ابن أبي شيبة (١١) موقوفًا.

стр. 1891

(ومنهم) الحسين بن علي أخرجه الطبراني (١). (ومنهم) طلحة بن عبيد الله، قال الحافظ (٢): وإسناده حسن. (ومنهم) أنس قال: وإسناده صحيح (٣). (ومنهم) أبو هريرة قال: وإسناده صحيح أيضًا (٣). (ومنهم) أبو سعيد قال: وإسناده صحيح أيضًا (٣). (ومنهم) الفضل بن عباس (٤)، وأم سلمة (٥)، وحذيفة (٦)، والمطلب بن ربيعة (٧)، وابن أبي أوفى (٨)، وفي أسانيدهم مقال وبعضها مقارب (٩). قوله: (التحيات لله) هي جمع تحية. قال الحافظ (١٠) ومعناها: السلام وقيل: البقاء وقيل: العظمة وقيل: السلامة من الآفات والنقص وقيل: الملك.

стр. 1892

قال المحب الطبري (١): يحتمل أن يكون لفظ التحية مشتركًا بين هذه المعاني. وقال الخطابي (١) والبغوي (٢): المراد بالتحيات: أنواع التعظيم. قوله: (والصلوات) قيل: المراد الخمس، وقيل: أعم، وقيل العبادات كلها، وقيل: الدعوات، وقيل: الرحمة، وقيل: التحيات العبادات القولية، والصلوات: العبادات الفعلية، والطيبات: العبادات المالية، كذا قال الحافظ (٣). قوله: (والطيبات) قيل: هي ما طاب من الكلام. وقيل: ذكر الله وهو أخص. وقيل: الأعمال الصالحة وهو أعم. قال البيضاوي (٤): يحتمل أن يكون والصلوات والطيبات عطفًا على التحيات ويحتمل أن يكون الصلوات مبتدأ خبره محذوف والطيبات معطوفة عليها. قال ابن مالك (٤): إذا جعلت التحيات مبتدأ ولم يكن صفة لموصوف محذوف كان قولك والصلوات مبتدأ لئلا يعطف نعت على منعوته فيكون من باب عطف الجمل بعضها على بعض، فكل جملة مستقلة، وهذا المعنى لا يوجد عند إسقاط الواو. قوله: (السلام) قال الحافظ في التلخيص (٥): أكثر الروايات فيه يعني حديث ابن مسعود بتعريف السلام في الموضعين. ووقع في رواية للنسائي (٦): سلام علينا "بالتنكير"، وفي رواية للطبراني (٧): سلام عليكم "بالتنكير". وقال في الفتح (٨): لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام، وإنما اختلف في ذلك في حديث ابن عباس.

стр. 1893

قال النووي (١): لا خلاف في جواز الأمرين ولكن بالألف واللام أفضل، وهو الموجود في روايات صحيحي البخاري (٢) ومسلم (٣)، وأصله النصب وعدل إلى الرفع على الابتداء للدلالة على الدوام والثبات. والتعريف فيه بالألف واللام (٤) إما للعهد التقديري: أي السلام الذي وجه إلى الرسل والأنبياء عليك أيها النبي، أو للجنس: أي السلام المعروف لكل أحد وهو اسم من أسماء الله تعالى ومعناه التعويذ بالله والتحصين به، أو هو السلامة من كل عيب وآفة ونقص وفساد. قال البيضاوي (٥): علمهم أن يفردوه ﷺ بالذكر لشرفه ومزيد حقه عليهم ثم علمهم أن يخصوا أنفسهم لأن الاهتمام بها أهم ثم أمرهم بتعميم السلام على الصالحين إعلامًا منه بأن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملًا لهم اهـ. والمراد بقوله "ورحمة الله": إحسانه. وقوله: (وبركاته): [زيادة] (٦) من كل خير قاله الحافظ (٧). قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله) زاد ابن أبي شيبة "وحده لا شريك له" قال الحافظ في الفتح (٧): وسنده ضعيف. لكن ثبتت هذه الرواية في حديث أبي موسى عند مسلم (٨). وفي حديث عائشة الموقوف في الموطأ (٩).

стр. 1894

وفي حديث ابن عمر عند الدارقطني (١). وعند أبي داود (٢) عن ابن عمر أنه قال: زدت فيها وحده لا شريك له وإسناده صحيح. قوله: (وأشهد أن محمدًا عبده، ورسوله) سيأتي في حديث ابن عباس (٣) بدون قوله: عبده. وقد أخرج عبد الرزاق (٤) عن عطاء أن النبي ﷺ "أمر رجلًا أن يقول: عبده ورسوله". ورجاله ثقات لولا إرساله. قوله: (فإنكم إذا فعلتم ذلك) في لفظ للبخاري (٥) فإنكم إذا قلتموها والمراد قوله: "وعلى عباد الله الصالحين" وهو كلام معترض بين قوله: "الصالحين" وبين قوله: "أشهد". قوله: (على كل عبد صالح) استدل به على أن الجمع المضاف (٦) والجمع المحلى باللام يعم (٧). قوله: (في السماء والأرض) في رواية (٨) "بين السماء والأرض" أخرجها الإسماعيلي وغيره.

стр. 1895

قوله: (ثم يتخير من المسألة) قد قدمنا في باب الأمر بالتشهد الأوّل اختلاف الروايات في هذه الكلمة وفي ذلك دليل على مشروعية الدعاء في الصلاة قبل السلام من أمور الدنيا والآخرة ما لم يكن إثمًا وإلى ذلك ذهب الجمهور (١). وقال أبو حنيفة (٢): لا يجوز إلا بالدعوات المأثورة في القرآن والسنة. وقالت الهادوية (٣): لا يجوز مطلقًا. والحديث وغيره من الأدلة المتكاثرة التي فيها الإذن بمطلق الدعاء ومقيده ترد عليهم ولولا ما رواه ابن رسلان عن البعض من الإجماع على عدم وجوب الدعاء قبل السلام لكان الحديث منتهضًا للاستدلال به عليه لأن التخيير في آحاد الشيء لا يدل على عدم وجوبه كما قال ابن رشد، وهو المتقرر في الأصول (٤) على أنه قد ذهب إلى الوجوب أهل الظاهر (٥)، وروي عن أبي هريرة. وقد استدل بقوله في الحديث (٦): "إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل" وبقوله في الرواية الأخرى (٦) "وأمره أن يعلمه الناس" القائلون بوجوب التشهد الأخير وهم: عمر، وابن عمر، وابن مسعود (٧)، والهادي، والقاسم (٨)، والشافعي (٩). وقال النووي في شرح مسلم (١٠): مذهب أبي حنيفة (١١) ومالك (١٢) وجمهور الفقهاء أن التشهدين سنة وإليه ذهب الناصر من أهل البيت (١٣) [﵈] (١٤). قال: وروي عن مالك القول بوجوب الأخير. واستدل القائلون بالوجوب أيضًا بقول ابن مسعود: كنا نقول قبل أن يفرض

стр. 1896

علينا التشهد: "السلام على عباد الله" الحديث أخرجه الدارقطني (١) والبيهقي (٢) وصححاه وهو مشعر بفرضية التشهد (٣). وأجاب عن ذلك القائلون، بعدم الوجوب بأن الأوامر المذكورة في الحديث للإرشاد لعدم ذكر التشهد الأخير في حديث المسيء (٤)، وعن قول ابن مسعود بأنه تفرد به ابن عيينة كما قال ابن عبد البر ولكن هذا لا يعد قادحًا. وأما الاعتذار بعدم الذكر في حديث المسيء فصحيح إلا أن يعلم تأخر الأمر بالتشهد عنه كما قدمنا. وأما الاعتذار عن الوجوب بأن الأمر المذكور صرف لهم عما كانوا يقولون من تلقاء أنفسهم، فلا يدل على الوجوب، أو بأن قول ابن عباس "كما يعلمنا السورة" (٥) يرشد إلى الإرشاد لأن تعليم السورة غير واجب فمِمَّا لا يعوّل عليه. ومن جملة ما استدل به القائلون بعدم الوجوب ما ثبت في بعض روايات حديث المسيء (٤) من قوله ﷺ : "فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك". ويتوجه على القائلين بالوجوب إيجاب جميع التشهد وعدم التخصيص بالشهادتين كما قالت الهادوية (٦) بنفس الدليل الذي استدلوا به على ذلك. وقد اختلف العلماء في الأفضل من التشهدات، فذهب الشافعي (٧) وبعض أصحاب مالك (٨) إلى أن تشهد ابن عباس أفضل لزيادة لفظ "المباركات" فيه كما يأتي.

стр. 1897

وقال أبو حنيفة (١) وأحمد (٢) وجمهور الفقهاء وأهل الحديث: تشهد ابن مسعود أفضل لما قدمنا من المرجحات. وقال مالك (٣): تشهد عمر بن الخطاب أفضل لأنه علمه الناس على المنبر ولم ينازعه أحد، ولفظه: "التحيات لله والزاكيات الطيبات الصلوات لله" الحديث. وفي رواية: "بسم الله خير الأسماء"، قال البيهقي (٤): لم يختلفوا في أن هذا الحديث موقوف على عمر. ورواه بعض المتأخرين عن مالك مرفوعًا. قال الحافظ (٥): وهو وهم. وقال الهادوية (٦): أفضلها ما رواه زيد بن علي عن علي [﵇] (٧) ولفظه: "بسم الله [وبالله] (٧) والحمد لله والأسماء الحسنى كلها لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"؛ وضم إليه أبو طالب ما رواه الهادي في المنتخب من زيادة "التحيات لله والصلوات والطيبات" بعد قوله: والأسماء الحسنى كلها لله. قال النووي (٨): واتفق العلماء على جوازها كلها: يعني التشهدات الثابتة من وجه صحيح، وكذلك نقل الإجماع القاضي أبو الطيب الطبري (٩). ١١٤/ ٧٧٥ - (وعَن ابْنِ عَبَّاسٍ [﵄] (١٠) قالَ: كانَ

стр. 1898

رَسُولُ الله ﷺ يُعَلِّمُنا التَّشهُّد كما يُعلِّمُنا السُّورةَ مِنَ الْقُرآنِ فكانَ يَقُولُ: "التَّحِيَّاتُ المُبارَكاتُ الصَّلَواتُ الطيباتُ لله السلَامُ عليْكَ أَيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ السلامُ عَلَينا وعلى عِبادِ الله الصّالِحينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله، وأَشْهَدُ أَن مُحَمَّدًا رَسولُ الله". رَوَاهُ مسْلِمٌ (١) وأبُو دَاوُدَ (٢) بهذا اللّفْظِ. ورَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٣) وصَحَّحَهُ كَذلِكَ لَكِنّهُ ذَكَرَ السلَامَ مُنَكّرًا. ورَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (٤) كَمُسْلِمٍ لَكِنَّهُ قَالَ: "وأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسوله". وَرَوَاهُ الشافعي (٥) وَأحمَدُ (٦) بِتَنْكِيرِ السلَامِ وقالَا فِيهِ: وَأَنّ مُحمّدًا، وَلَمْ يَذْكُرَا أَشْهَد، وَالْبَاقِي كَمُسْلمٍ. وَرَوَاهُ أَحْمدُ (٧) مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ كَذلِك لكِنْ بِتَعْريفِ السَّلَامِ. وَرَوَاهُ النسائيُّ (٨) كمُسْلمٍ لكنّهُ نَكّرَ السلَامَ وقالَ: وأَشْهَد أَنّ محمّدًا عبدهُ ورَسُولهُ. الحديث أخرجه أيضًا الدارقطني (٩) في إحدى روايتيه وابن حبان في صحيحه (١٠) بتعريف السلام الأول وتنكير الثاني. وأخرجه الطبراني (١١) بتنكير الأول وتعريف الثاني. قوله: (التحيات المباركات الصلوات الطيبات). قال النووي (١٢): تقديره والمباركات والصلوات والطيبات كما في حديث ابن مسعود (١٣) وغيره ولكن حذفت اختصارًا وهو جائز معروف في اللغة.

стр. 1899

ومعنى الحديث أن التحيات وما بعدها مستحقة لله تعالى ولا يصلح حقيقتها لغيره. والمباركات جمع مباركة: وهي كثرة الخير وقيل: النماء وهذه زيادة اشتمل عليها حديث ابن عباس كما اشتمل [عليها] (١) حديث ابن مسعود على زيادة الواو. ولولا وقوع الإجماع كما قدمنا على جواز كل تشهد من التشهدات الصحيحة لكان اللازم الأخذ بالزائد فالزائد من ألفاظها. وقد مر شرح بقية ألفاظ الحديث. [الباب السادس والثلاثون] باب في أن التشهد في الصلاة فرض ١١٥/ ٧٧٦ - (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ [﵁] (٢) قَالَ: كُنّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنا التشَهّد: السَّلَامُ على الله السَّلَامُ على جِبْرِيلَ وميكائِيلَ، فقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَقُولُوا هكَذَا وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لله" وذَكَرَهُ. رَواهُ الدَّارقطنيُّ (٣) وقال: إسْنادُهُ صَحيحٌ). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا البيهقي (٤) وصححه. وهو من جملة ما استدل به القائلون بوجوب التشهد. وقد ذكرنا ذلك مستوفى في شرح حديث ابن مسعود (٥). وقد صرح صاحب ضوء النهار (٦) أن الفرض هنا بمعنى التعيين وهو شيء لا وجود له في كتب اللغة. وقد صرح صاحب النهاية (٧): أن معنى فرض الله أوجب، وكذا في

стр. 1900

القاموس (١) وغيره (٢). وللفرض معان أخر مذكورة في كتب اللغة لا تناسب المقام. ومن جملة ما اعتذر به في ضوء النهار أن قول ابن مسعود هذا اجتهاد منه. ولا يخفى أن كلامه هذا خارج مخرج الرواية لأنه بصددها لا بصدد الرأي، وقول الصحابي: فرض علينا، وجب علينا، إخبار عن حكم الشارع وتبليغ إلى الأمة وهو من أهل اللسان العربي، وتجويزه ما ليس بفرض فرضًا بعيد. فالأولى الاقتصار في الاعتذار عن الوجوب على عدم الذكر في حديث المسيء، وعدم العلم بتأخر هذا عنه كما تقدم (٣). قال المصنف (٤) ﵀: وهذا يعني قول ابن مسعود يدل على أنه فرض عليهم. اهـ. ١١٦/ ٧٧٧ - (وعَنْ عُمر بْنِ الخَطَّابِ [﵁] (٥) قالَ: لَا تُجْزئ صَلَاةٌ إلَّا بتشَهُّدٍ. رَوَاهُ سَعيدٌ في سننهِ والبُخارِيُّ في تارِيخِه) (٦). الأثر من جملة ما تمسك به القائلون بوجوب التشهد، وهو لا يكون حجة إلا على القائلين بحجية أقوال الصحابة لا على غيرهم لظهور أنه قاله رأيًا لا رواية بخلاف ما تقدم عن ابن مسعود. وقد حكى ابن عبد البر (٧) عن الشافعي أنه قال: من ترك التشهد ساهيًا أو عامدًا فعليه إعادة الصلاة إلا أن يكون الساهي قريبًا فيعود إلى [إتمام] (٨) صلاته ويتشهد، وإلى وجوب إعادة الصلاة على من ترك التشهد ذهبت الهادوية. وقد قدمنا غير مرة أن الإخلال بالواجبات لا يستلزم بطلان الصلاة، وإن المستلزم لذلك إنما هو الإخلال بالشروط والأركان.

стр. 1901

[الباب السابع والثلاثون] باب الإشارة بالسبابة وصفة وضع اليدين ١١٧/ ٧٧٨ - (عَنْ وائِلِ بْنِ حُجْرٍ [﵁] (١) أَنهُ قَالَ في صِفَةِ صلاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : ثمّ قعدَ فافْتَرَشَ رِجلهُ اليُسْرَى ووَضَعَ كَفّهُ اليُسْرى على فَخِذِهِ وَرُكْبَتِهِ اليُسْرَى وجَعلَ حدَّ مِرْفَقِهِ الْأَيْمَنِ على فَخِذِهِ اليُمْنَى، ثُمَّ قَبَضَ ثِنْتَيْنِ مِنْ أَصَابِعهِ وَحَلَّقَ حَلْقَةً، ثمَّ رَفَعَ أُصْبُعَهُ فرَأيْتُهُ يُحرِّكُها يَدْعُو بِها. رَواهُ أحمَدُ (٢) والنَّسائيُّ (٣) وأبُو داوُد) (٤). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا ابن ماجه (٥) وابن خزيمة (٦) والبيهقي (٧) وهو طرف من حديث وائل المذكور في صفة صلاته ﷺ . قوله: (ثم قعد فافترش رجله اليسرى) استدل به من قال بمشروعية الفرش والنصب في الجلوس الأخير، وقد تقدم تحقيق ذلك. قوله: (ووضع كفه اليسرى على فخذه) أي ممدودة غير مقبوضة. قال إمام الحرمين (٨): بنشر أصابعها مع التفريج. قوله: (وجعل حد مرفقه) أي طرفه والمراد كما قال في شرح المصابيح (٩): أن يجعل عظم مرفقه كأنه رأس وتد. قال ابن رسلان: يرفع طرف مرفقه من جهة العضد عن فخذه حتى يكون مرتفعًا عنه كما يرتفع الوتد عن الأرض، ويضع طرفه الذي من جهة الكف على طرف فخذه الأيمن. قوله: (ثم قبض ثنتين) أي أصبعين من أصابع يده اليمنى وهما الخنصر والبنصر.

стр. 1902

قوله: (وحلق) بتشديد اللام، أي جعل أصبعيه حلقة، والحلقة بسكون اللام جمعها حَلَق بفتحتين على غير قياس. وقال الأصمعي (١): الجمع حِلق بكسر الحاء. مثل قصعة وقصع. قوله: (فرأيته يحركها) قال البيهقي (٢): يحتمل أن يكون مراده بالتحريك الإشارة بها لا تكرير تحريكها حتى لا يعارض حديث ابن الزبير عند أحمد (٣) وأبي داود (٤) والنسائي (٥) وابن حبان (٦) في صحيحه بلفظ: "كان يشير بالسبابة ولا يحركها ولا يجاوز بصره إشارته". قال الحافظ (٧): وأصله في مسلم (٨) دون قوله: ولا يجاوز بصره إشارته، انتهى. وليس في مسلم من حديث ابن الزبير إلا الإشارة دون قوله: ولا يحركها وما بعده. ومما يرشد إلى ما ذكره البيهقي رواية أبي داود (٩) لحديث وائل فإنها بلفظ: "وأشار بالسبابة". وقد ورد في وضع اليمنى على الفخذ حال التشهد هيئات هذه إحداها. والثانية: ما أخرجه مسلم (١٠) من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع يده اليمني على ركبته اليمنى وعقد ثلاثة وخمسين وأشار بالسبابة.

стр. 1903

والثالثة: قبض كل الأصابع والإشارة بالسبابة كما في حديث ابن عمر الذي سيذكره المصنف (١). والرابعة: ما أخرجه مسلم (٢) من حديث ابن الزبير بلفظ: "كان رسول الله ﷺ إذا قعد يدعو وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويده اليسرى، على فخذه اليسرى، وأشار بإصبعه السبابة ووضع إبهامه على أصبعه الوسطى ويلقم كفه اليسرى ركبته". والخامسة: وضع اليد اليمنى على الفخذ من غير قبض، والإشارة بالسبابة، وقد أخرج مسلم (٣) رواية أخرى عن ابن الزبير تدل على ذلك لأنه اقتصر فيها على مجرد الوضع والإشارة. وكذلك أخرج (٤) عن ابن عمر ما يدل على ذلك كما سيأتي. وكذلك أخرج أبو داود (٥) والترمذي (٦) من حديث أبي حميد بدون ذكر القبض اللهم إلا أن تحمل الرواية التي لم يذكر فيها القبض على الروايات التي فيها القبض حمل المطلق على المقيد (٧). وقد جعل ابن القيم في الهدي (٨) الروايات المذكورة كلها واحدة، قال: فإن من قال: قبض أصابعه الثلاث أراد به أن الوسطى كانت مضمومة ولم تكن منشورة كالسبابة ومن قال: قبض اثنتين أراد أن الوسطى لم تكن مقبوضة مع البنصر بل الخنصر والبنصر متساويتان في القبض دون الوسطى. وقد صرح بذلك من قال: وعقد ثلاثًا وخمسين فإن الوسطى في هذا العقد تكون مضمومة ولا تكون مقبوضة مع البنصر (٩) انتهى.

стр. 1904

والحديث يدل على استحباب وضع اليدين على الركبتين حال الجلوس للتشهد وهو مجمع عليه. قال أصحاب الشافعي (١): تكون الإشارة بالأصبع عند قوله: إلا الله من الشهادة. قال النووي (٢): والسنة أن لا يجاوز بصره إشارته، وفيه حديث صحيح في سنن أبي داود (٣) ويشير بها موجهة. إلى القبلة، وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص. قال ابن رسلان: والحكمة في الإشارة بها إلى أن المعبود واحد ليجمع في توحيده بين القول والفعل والاعتقاد. وروي عن ابن عباس (٤) في الإشارة أنه قال: هي الإخلاص. وقال مجاهد (٥): مقمعة الشيطان. ١١٨/ ٧٧٩ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ [﵄] (٦) قَالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ إذَا جَلَسَ في الصلاةِ وضَعَ يَدَيْهِ على رُكْبَتَيْهِ وَرَفَعَ أُصْبُعُهُ اليُمْنَى الّتي تَلِي الإِبهامَ فَدعا بِها ويَدَهُ اليُسْرى على رُكْبَتِهِ باسِطَها عليها (٧). [صحيح] وفي لَفْظٍ: كانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلاةِ وَضَعَ كَفَّهُ اليُمْنَى على فَخْذِهِ الْيُمْنَى وَقَبض أصابعهُ كُلّها وأَشارَ بأُصْبُعِهِ التي تلِي الإِبْهَامَ وَوَضَعَ كَفَّهُ اليُسْرى على فَخدهِ

стр. 1905

اليُسْرى. رَواهما أحمَدُ (١) ومُسْلِم (٢) والنَّسائيُّ (٣). [صحيح] وأخرج نحوه الطبراني (٤) بلفظ: كان إذا جلس في الصلاة للتشهد نصب يده على ركبته ثم يرفع أصبعه السبابة التي تلي الإبهام وباقي أصابعه على يمينه مقبوضة. قوله: (وضع [يديه] (٥) على ركبته ورفع أصبعه) ظاهر هذا عدم القبض لشيء من الأصابع، فيكون دليلًا على الهيئة الخامسة التي قدمناها إلا أن يحمل على اللفظ الآخر كما سلف. ويمكن أن يقال: إن قوله: ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها مشعر بقبض اليمنى، لكنه إشعار فيه خفاء على أنه يمكن أن يكون توصيف اليسرى بأنها مبسوطة ناظرًا إلى رفع أصبع اليمنى للدعاء، فيفيد أنه لم يرفع أصبع اليسرى للدعاء. والحديث يدل على مشروعية الإشارة وقبض الأصابع كما في اللفظ الآخر من حديث الباب، وقد تقدم البحث عن ذلك. [الباب الثامن والثلاثون] باب ما جاء في الصلاة على رسول الله ﷺ - ١١٩/ ٧٨٠ - (عَنْ أبِي مَسْعُودٍ [﵁] (٦) قالَ: أتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ في مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقالَ لَهُ بَشِيرُ بْن سَعْدٍ: أَمَرَنا الله أن نُصَلِّيَ عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حتى تَمَنَّيْنَا أنهُ لَمْ يَسْألْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "قُولُوا اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ عَلى آلِ إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ على مُحَمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ كما بَارَكْتَ على آلِ إبْراهيمَ

стр. 1906

إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ والسلَامُ كما قَدْ عَلِمْتُم". رَواهُ أحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢) والنَّسَائِيُّ (٣) والترمذي وصَحَّحهُ (٤). ولأحمَدَ في لَفْظٍ (٥) آخَرَ نَحْوَهُ وفيه: "فَكَيْفَ نُصَلِّي عَليْكَ إذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا في صلاتِنَا؟ "). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا أبو داود (٦) وابن خزيمة (٧) وابن حبان (٨) والدارقطني (٩) وحسنه والحاكم (١٠) وصححه والبيهقي (١١) وصححه وزادوا "النبي الأميّ" بعد قوله: قولوا: اللهم صل على محمد. وزاد أبو داود (١٢) بعد قوله: كما باركت على آل إبراهيم. لفظ: في العالمين. وفي الباب عن كعب بن عجرة عند الجماعة وسيأتي (١٣). وعن علي [﵁] (١٤) عند النسائي (١٥) في مسند علي بلفظ [حديث] (١٦) أبي هريرة الآتي. وعن أبي هريرة وسيأتي أيضًا (١٧). وعن طلحة بن عبيد الله عند النسائي (١٨) بلفظ: "اللَّهمَّ صَل على محمدٍ كما

стр. 1907

صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمدٍ وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد"، وفي رواية: "وآل محمد" في الموضعين ولم يقل فيهما وآل إبراهيم. وعن أبي سعيد عند البخاري (١) والنسائي (٢) وابن ماجه (٣) بلفظ: "قولوا: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم". وعن بريدة عند أحمد (٤) بلفظ: "اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وآل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد"، وفيه أبو داود الأعمى اسمه نفيع وهو ضعيف جدًّا ومتهم بالوضع (٥). وعن زيد بن خارجة عند أحمد (٦) والنسائي (٧) بلفظ: "قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد". وعن أبي حميد وسيأتي (٨).

стр. 1908

وعن رويفع بن ثابت وجابر وابن عباس عند المستغفري في الدعوات (١). قال النووي في "شرح المهذب" (٢): ينبغي أن تجمع ما في الأحاديث الصحيحة فتقول: "اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد". قال العراقي: بقي عليه مما في الأحاديث الصحيحة ألفاظ أخر وهي خمسة يجمعها قولك: "اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد" انتهى. وهذه الزيادات التي ذكرها العراقي ثابتة في أحاديث الباب التي ذكرها المصنف وذكرناها. وقد وردت زيادات غير هذه في أحاديث أخر عن علي [﵇] (٣) وابن مسعود وغيرهما ولكن فيها مقال (٤).

стр. 1909

قوله: (في الحديث قولوا) استدل بذلك على وجوب الصلاة عليه ﷺ بعد التشهد، وإلى ذلك ذهب عمر (١)، وابنه عبد الله (١)، وابن مسعود (١)، وجابر بن زيد، والشعبي (١)، ومحمد بن كعب القرظي، وأبو جعفر الباقر، والهادي، والقاسم (٢)، والشافعي (٣)، وأحمد بن حنبل (٤)، وإسحق وابن المواز، واختاره القاضي أبو بكر بن العربي (٥). وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب منهم مالك (٦)، وأبو حنيفة (٧) وأصحابه،

стр. 1910

والثوري، والأوزاعي، والناصر (١) من أهل البيت وآخرون (٢). قال الطبري (٣) والطحاوي: إنه أجمع المتقدمون والمتأخرون على عدم الوجوب. وقال بعضهم: إنه لم يقل بالوجوب إلا الشافعي وهو مسبوق بالإجماع. وقد طول القاضي عياض في الشفا (٤) الكلام على ذلك. ودعوى الإجماع من الدعاوى الباطلة لما عرفت من نسبة القول بالوجوب إلى جماعة من الصحابة والتابعين وأهل البيت والفقهاء. ولكنه لا يتم الاستدلال على وجوب الصلاة بعد التشهد بما في حديث الباب من الأمر بها وبما في سائر أحاديث الباب لأن غايتها الأمر بمطلق الصلاة عليه [ ﷺ ] (٥) وهو يقتضي الوجوب في الجملة فيحصل الامتثال بإيقاع فرد منها خارج الصلاة فليس فيها زيادة على ما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٦). ولكنه يمكن الاستدلال لوجوب الصلاة في الصلاة بما أخرجه ابن حبان (٧) والحاكم (٨) والبيهقي (٩) وصحَّحوه، وابن خزيمة في صحيحه (١٠) والدارقطني (١١) من حديث أبي مسعود بزيادة: "كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ "، وفي رواية: [كيف نصلي عليك في صلاتنا؟ ". وغاية هذه الزيادة أن يتعين بها محل الصلاة عليه ﷺ وهو مطلق الصلاة

стр. 1911

وليس فيها ما يعين محل النزاع وهو إيقاعها بعد التشهد الأخير. ويمكن الاعتذار عن القول بالوجوب بأن الأوامر المذكورة في الأحاديث تعليم كيفية، وهي لا تفيد الوجوب فإنه لا يشك من له ذوق أن من قال لغيره: إذا أعطيتك درهمًا فكيف أعطيك إياه، أسرًا أم جهرًا؟ فقال له: أعطنيه سرًا، كان ذلك أمرًا بالكيفية التي هي السرية لا أمرًا بالإعطاء، وتبادر هذا المعنى لغة وشرعًا وعرفًا لا يدفع. وقد تكرر في السنة وكثر فمنه "إذا قام أحدكم الليل فليفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين" (١) الحديث. وكذا قوله ﷺ في صلاة الاستخارة: "فليركع ركعتين ثم ليقل" (٢) الحديث. وكذا قوله في صلاة التسبيح: "فقم وصل أربع ركعات" (٣). وقوله في الوتر: "فإذا خفت الصبح فأوتر بركعة" (٤). والقول بأن هذه الكيفية المسؤول عنها هي كيفية الصلاة المأمور بها في القرآن فتعليمها بيان للواجب المجمل (٥)، فتكون واجبة لا يتم إلا بعد تسليم أن الأمر القرآني بالصلاة مجمل وهو ممنوع لاتضاح معنى الصلاة والسلام المأمور بهما، على أنه قد حكى الطبري (٦) الإجماع على أن محمل الآية على الندب فهو بيان لمجمل مندوب لا واجب.

стр. 1912

ولو سلم انتهاض الأدلة على الوجوب لكان غايتها أن الواجب فعلها مرة واحدة، فأين دليل التكرار في كل صلاة. ولو سلم وجود ما يدل على التكرار لكان تركها في تعليم المسيء دالًّا على عدم وجوبه. ومن جملة ما استدل به القائلون بوجوب الصلاة بعد التشهد الأخير ما أخرجه الترمذي (١) وقال: حسن صحيح من حديث علي [﵇] (٢) عن النبي ﷺ أنه قال: "البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي" قالوا: وقد ذكر النبي في التشهد وهذا أحسن ما يستدل به على المطلوب، لكن بعد تسليم تخصيص البخل بترك الواجبات وهو ممنوع، فإن أهل اللغة والشرع والعرف يطلقون اسم البخيل على من يشح بما ليس بواجب فلا يستفاد من الحديث الوجوب. واستدلوا أيضًا بحديث عائشة عند الدارقطني (٣) والبيهقي (٤) بلفظ: "لا صلاة إلا بطهور والصلاة عليّ" وهو مع [كونه] (٥) في إسناده عمرو بن شمر (٦) وهو متروك وجابر الجعفي (٧) وهو ضعيف لا يدل على المطلوب، لأن غايته

стр. 1913

إيجاب الصَّلاة عليه ﷺ من دون تقييد بالصلاة، فأين دليل التقيد بها، سلمنا فأين دليل تعيين وقتها بعد التشهد؟ ومثله حديث سهل بن سعد عند الدارقطني (١) والبيهقي (٢) والحاكم (٣) بلفظ: "لا صلاة لمن لم يصل على نبيه" وهو مع كونه غير مفيد للمطلوب كما عرفت ضعيف الإسناد كما قال الحافظ في التلخيص (٤). ومن جملة أدلتهم ما أخرجه الدارقطني (٥) من حديث أبي مسعود بلفظ: "من صلى صلاة لم يصل فيها عليّ وعلى أهل بيتي لم تقبل منه" وهو لا يدل على المطلوب وغايته إيجاب الصلاة في مطلق الصلاة فأين دليل التقييد ببعد التشهد على أنه لا يصلح للاستدلالِ به، فإن الدارقطني قال بعد إخراجه: الصواب أنه من قول أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين. واستدلوا أيضًا بحديث فضالة بن عبيد الآتي (٦). وغايته إيجاب الصلاة في مطلق الصلاة عند إرادة الدعاء، فما الدليل على الوجوب بعد التشهد على أنه حجة عليهم لا لهم كما سيأتي للمصنف. ومن جملة أدلتهم ما قاله المهدي في البحر (٧): إنه لا حتم في غير الصلاة إجماعًا فتعين فيها للأمر، والإجماع ممنوع فقد قال مالك (٨): إنها تجب في

стр. 1914

العمر مرة وإليه ذهب أهل الظاهر (١). وقال الطحاوي (٢): إنها تجب كلما ذكر واختاره الحليمي من الشافعية (٢). قال ابن دقيق العيد (٣) وقد كثر الاستدلال على الوجوب في الصلاة بين المتفقهة بأن الصلاة عليه [واجبة] (٤) بالإجماع، ولا تجب في غير الصلاة بالإجماع، فتعين أن تجب في الصلاة وهو ضعيف جدًّا لأن قوله لا تجب في غير الصلاة بالإجماع إن أراد لا تجب في غير الصلاة عينًا فهو صحيح لكنه لا يلزم منه أن تجب في الصلاة عينًا لجواز أن يكون الواجب مطلق الصلاة فلا يجب واحد من المعينين: أعني خارج الصلاة وداخل الصلاة وإن أراد أعم من ذلك وهو الوجوب المطلق فممنوع اهـ. ومن جملة أدلتهم ما أخرجه البزار في مسنده (٥) من رواية إسماعيل بن أبان عن قيس عن سماك عن جابر بن سمرة قال: صعد النبي ﷺ المنبر فقال: "آمين، آمين، آمين"، فلما نزل سئل عن ذلك فقال: "أتاني جبريل" الحديث. وفيه: "ورغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل علي" وإسماعيل بن أبان هو الغنوي كذبه يحيى بن معين وغيره (٦). نعم حديث كعب بن عجرة عند الطبراني (٧) أن رسول الله ﷺ خرج يومًا

стр. 1915

إلى المنبر فقال حين ارتقى درجة: "آمين" ثم رقى أخرى فقال: "امين! الحديث، وفيه أن جبريل قال له عند الدرجة الثالثة بعد: من ذكرت عنده فلم يصل عليك. فقلت: "آمين"، ورجاله ثقات [كما قال العراقي] (١). وحديث جابر عند الطبراني (٢) بلفظ: "شقي من ذكرت عنده فلم يصل علي" يفيد أن الوجوب عند الذكر من غير فرق بين داخل الصلاة وخارجها. والقائلون بالوجوب في الصلاة لا يقولون بالوجوب خارجها، فما هو جوابهم عن الوجوب خارجها فهو جوابنا عن الوجوب داخلها على أن التقييد بقوله عنده مشعر بوقوع الذكر من غير من أضيف إليه، والذكر الواقع [حال] (٣) الصلاة ليس من غير الذاكر، وإلحاق ذكر الشخص بذكر غيره يمنع منه وجود الفارق وهو ما يشعر به السكوت عند سماع ذكره ﷺ من الغفلة وفرط القسوة بخلاف ما إذا جرى ذكره ﷺ من الشخص نفسه، فكفى به عنوانًا على الالتفات والرقة. ويؤيد هذا الحديث الصحيح "إنَّ في الصلاة لشغلًا" (٤). ومن أنهض ما يستدل به على الوجوب في الصلاة مقيدًا بالمحل المخصوص: أعني بعد التشهد ما أخرجه الحاكم (٥) والبيهقي (٦) من طريق يحيى بن السباق عن رجل من آل الحرث عن ابن مسعود عن النبي ﷺ بلفظ: "إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل" الحديث لولا أن في إسناده رجلًا مجهولًا وهو هذا الحارثي. والحاصل أنه لم يثبت عندي من الأدلة ما يدل على مطلوب القائلين بالوجوب، وعلى فرض ثبوته فترك تعليم المسيء للصلاة لا سيما مع قوله ﷺ :

стр. 1916

"فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك" قرينة صالحة لحمله على الندب. ويؤيد ذلك قوله لابن مسعود بعد تعليمه التشهد: "إذا قلت هذا أو قضيت هذا فقد قضيت صلاتك إن شئت أن [تقوم] (١) فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد" أخرجه أحمد (٢) وأبو داود (٣) والترمذي (٤) والدارقطني (٥) وفيه كلام يأتي إن شاء الله في باب كون السلام فرضًا (٦). وبعد هذا فنحن لا ننكر أن الصلاة عليه ﷺ من أجل الطاعات التي يتقرب بها الخلق إلى الخالق وإنما نزعنا في إثبات واجب من واجبات الصلاة بغير دليل يقتضيه مخافة من التقوّل على الله بما لم يقل ولكن تخصيص التشهد الأخير بها مما لم يدل عليه دليل صحيح ولا ضعيف وجميع هذه الأدلة التي استدل بها القائلون بالوجوب لا تختص بالأخير. وغاية ما استدلوا به على تخصيص الأخير بها حديث: "إنَّ النبي ﷺ كان يجلس في التشهد الأوسط كما يجلس على الرضف". أخرجه أبو داود (٧) والترمذي (٨) والنسائي (٩) وليس فيه إلا مشروعية التخفيف وهو يحصل بجعله أخف من مقابله: أعني التشهد الأخير.

стр. 1917

وأما إنه يستلزم ترك ما دل الدليل على مشروعيته فيه فلا. ولا شك أن المصلي إذا اقتصر على أحد التشهدات وعلى أخصر ألفاظ الصلاة عليه ﷺ كان مسارعًا غاية المسارعة باعتبار ما يقع من تطويل الأخير بالتعوذ من الأربع والأدعية المأمور بمطلقها ومقيدها فيه. إذا تقرر لك الكلام في وجوب الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة فاعلم أنه قد اختلف في وجوبها على الآل بعد التشهد، فذهب الهادي والقاسم والمؤيد (١) بالله، وأحمد بن حنبل (٢)، وبعض أصحاب الشافعي (٣) إلى الوجوب، واستدلوا بالأوامر المذكورة في الأحاديث المشتملة على الآل. وذهب الشافعي (٤) في أحد قوليه وأبو حنيفة وأصحابه (٥) والناصر (٦) إلى أنها سنة فقط، وقد تقدم ذكر الأدلة من الجانبين. ومن جملة ما احتج به الآخرون هنا الإجماع الذي حكاه النووي (٧) على عدم الوجوب، قالوا: فيكون قرينة لحمل الأوامر على الندب، قالوا: ويؤيد ذلك عدم الأمر بالصلاة على الآل في القرآن والخلاف في تعيين الآل من هم سيأتي في الباب الثاني (٨) وشرح بقية ألفاظ حديث ابن مسعود يأتي في شرح ما بعده من أحاديث الباب. ١٢٠/ ٧٨١ - (وعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ [﵁] (٩) قَالَ: قُلْنَا يا رَسُولَ الله قَدْ عَلِمْنَا أَوْ عَرَفْنَا كَيْفَ السلامُ عَليْكَ فَكَيْفَ الصلَاةُ؟ قالَ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمَّدٍ وعلى آل محمَّد كما صَلَّيْتَ على آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلى مُحمَّدٍ وعلى آل مُحمَّدٍ كما بارَكْتَ على آل إبْرَاهِيمَ إنكَ

стр. 1918

حَمِيدٌ مَجيدٌ". رواه الجماعةُ إلَّا أنْ التِّرْمِذِيَّ (١) قالَ فِيهِ: "على إبْراهيمَ" في الْموْضِعينِ لمْ يَذْكرْ آلَهُ). [صحيح] قوله: (قد علمنا إلخ) يعني بما "تقدم في أحاديث التشهد وهو: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" وهو يدل على تأخر مشروعية الصلاة عن التشهد. قوله: (فكيف [الصلاة]) (٢) فيه أنه يندب لمن أشكل عليه كيفية ما فهم جملته أن يسأل عنه من له به علم. قوله: (قولوا) استدل به القائلون بوجوب الصلاة في الصلاة، وقد تقدم البحث عن ذلك. قوله: (وعلى آل محمد) في رواية لأبي داود (٣) "وآل محمد" بحذف على وسائر الروايات في هذا الحديث وغيره بإثباتها، وقد ذهب البعض إلى وجوب زيادتها. قوله: (كما صليت على آل إبراهيم) هم إسماعيل وإسحق وأولادهما وقد جمع الله لهم الرحمة والبركة بقوله: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ (٤) ولم يجمعا لغيرهم فسأل النبي ﷺ إعطاء ما تضمنته الآية واستشكل جماعة من العلماء التشبيه للصلاة عليه ﷺ بالصلاة على إبراهيم كما في بعض الروايات، أو على آل إبراهيم كما في البعض الآخر مع أن المشبه دون المشبه به في الغالب، وهو ﷺ أفضل من إبراهيم وآله. وأجيب عن ذلك بأجوبة (٥).

стр. 1919

(منها) أن المشبه مجموع الصلاة على محمد وآله بمجموع الصلاة على إبراهيم وآله، وفي آل إبراهيم معظم الأنبياء، فالمشبه به أقوى من هذه الحيثية. (ومضها) أن التشبيه وقع لأصل الصلاة بأصل الصلاة، لا للقدر بالقدر. (ومنها) أن التشبيه وقع في الصلاة على الآل لا على النبي ﷺ وهو خلاف الظاهر. (ومنها) أن الصلاة عليه ﷺ باعتبار تكرّرها من كل فرد تصير باعتبار مجموع الأفراد أعظم وأوفر وإن كانت باعتبار الفرد مساوية أو ناقصة، وفيه أن التشبيه حاصل في صلاة كل فرد، فالصلاة من المجموع مأخوذ فيها ذلك فلا يتحقق كونها أعظم وأوفر. (ومنها) أن الصلاة عليه كانت ثابتة له، والسؤال إنما هو باعتبار الزائد على القدر الثابت، وبانضمام ذلك الزائد المساوي أو الناقص إلى ما قد ثبت تصير أعظم قدرًا. (ومنها) أن التشبيه غير منظور فيه إلى جانب زيادة أو نقص، وإنما المقصود أن لهذه الصلاة نوع تعظيم وإجلال كما فعل في حق إبراهيم وتقرر واشتهر من تعظيمه وتشريفه، وهو خلاف الظاهر. (ومنها) أن الغرض من التشبيه قد يكون لبيان حال المشبه من غير نظر إلى قوّة المشبه به وهو قليل لا يحمل عليه إلا لقرينة. (ومنها) أن التشبيه لا يقتضي أن يكون المشبه دون المشبه به على جهة اللزوم كما صرح بذلك جماعة من علماء البيان. وفيه أنه وإن لم يقتض ذلك نادرًا فلا شك أنه غالب. (ومنها) أنه كان ذلك منه ﷺ قبل أن يعلم أنه أفضل من إبراهيم. (ومنها) أن مراده ﷺ أن يتم النعمة عليه كما أتمها على إبراهيم وآله. (ومنها) أن مراده ﷺ أن يبقى له لسان صدق في الآخرين كإبراهيم. (ومنها) أنه سأل أن يتخذه الله خليلًا ﷺ . (ومنها) أنه ﷺ من جملة آل إبراهيم وكذلك آله، فالمشبه هو الصلاة عليه
следующие страницы →