← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 2440–2479 · переход к 2445.

стр. 2440

وفِي رِوَايةٍ قالَ: بَيْنَمَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ صَلَاةَ الظُّهْرِ سَلمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ؟ وَسَاقَ الحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢). وَهَذَا يَدُلُّ على أَنَّ القِصَّةَ كَانَتْ بِحَضْرَتِهِ وَبَعْدَ إِسْلَامِهِ. [صحيح] وفي رِوَايَةٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا (٣) لَمَّا قَالَ: "لَمْ أنسَ وَلَمْ تُقْصَرْ"، قَالَ: "بَلَى قَدْ نَسِيتَ"، وَهَذَا يَدُلُّ على أَنَّ ذَا اليَدَيْنِ تَكَلَّمَ بَعْدَ مَا عَلِمَ عَدَمَ النَّسْخِ كَلَامًا لَيْسَ بِجَوَابِ سُؤَالٍ). [صحيح] قال الحافظ في التلخيص (٤): لهذا الحديث طرق كثيرة وألفاظ، وقد جمع جميع طرقه الحافظ صلاح الدين العلائي (٥) وتكلم عليه كلامًا شافيًا. انتهى. وفي الباب عن ابن عمر عند أبي داود (٦) وابن ماجه (٧).

стр. 2441

وعن ذي اليدين عند عبد الله بن أحمد في زيادات المسند (١) والبيهقي (٢). وعن ابن عباس عند البزار في مسنده (٣) والطبراني (٤). وعن عبد الله بن مسعدة عند الطبراني في الأوسط (٥). وعن معاوية بن خديج عن أبي داود (٦) والنسائي (٧). وعن أبي العريان عند الطبراني في الكبير (٨). قال ابن عبد البرّ في التمهيد (٩): وقد قيل: إن أبا العريان المذكور هو أبو هريرة.

стр. 2442

وقال النووي في الخلاصة (١): إن ذا اليدين يكنى أبا العريان. قال العراقي (٢): وكلا القولين غير صحيح. وأبو العريان صحابي آخر لا يعرف اسمه (٣)، ذكره الطبراني فيهم في الكنى، وكذلك أورده أبو موسى المديني في ذيله على ابن منده في الصحابة. قوله: (صلى بنا) ظاهره أن أبا هريرة حضر القصة (٤) وحمله الطحاوي على المجاز فقال: إن المراد به صلى بالمسلمين. وسبب ذلك قول الزبيري إن صاحب القصة استشهد ببدر؛ لأنه يقتضي أن القصة وقعت قبل بدر وهي قبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين. لكن اتفق أئمة الحديث كما نقله ابن عبد البر (٥) وغيره على أن الزهري وهم في ذلك. وسببه أنه جعل القصة لذي الشمالين، وذو الشمالين هو الذي قتل ببدر وهو خزاعي واسمه عُمير بن عبد عمرو بن نضلة. وأما ذو اليدين فتأخر بعد موت النبيّ ﷺ بمدّة، وحدّث بهذا الحديث بعد موت النبيّ ﷺ كما أخرج ذلك الطبراني (٦) واسمه الخرباق كما سيأتي. وقد جوّز بعض الأئمة أن تكون القصة وقعت لكل من ذي الشمالين وذي

стр. 2443

اليدين، وأن أبا هريرة روى الحديثين فأرسل أحدهما وهو قصة ذي الشمالين، وشاهد الآخر وهو قصة ذي اليدين. قال في الفتح (١): وهذا محتمل في طريق الجمع. وقيل: [يحمل] (٢) على أن ذا الشمالين كان يقال له أيضًا ذو اليدين وبالعكس، فكان ذلك سبب الاشتباه، ويدفع المجاز الذي ارتكبه الطحاوي الرواية الأخرى التي ذكرها المصنف بلفظ: "بينما أنا أصلي مع النبيّ ﷺ " (٣). قال الحافظ في الفتح (٤): وقد اتفق معظم أهل الحديث من المصنفين وغيرهم على أن ذا الشمالين غير ذي اليدين، ونصّ على ذلك الشافعي في اختلاف الحديث (٥). قوله: (إحدى صلاتي العَشِي) قال النووي (٦): هو بفتح العين المهملة وكسر الشين المعجمة وتشديد الياء. قال: قال الأزهري (٧): العشي عند العرب: ما بين زوال الشمس وغروبها. ويبين ذلك ما وقع عند البخاري (٨) من حديث أبي هريرة قال: "صلى بنا النبيّ ﷺ الظهر أو العصر". وفي رواية له (٩): قال محمد - يعني ابن سيرين -: "وأكثر ظني أنها العصر"، وفي مسلم (١٠): "العصر" من غير شكّ. وفي رواية له (١١): "الظهر" كذلك كما ذكر المصنف. وفي رواية له (١٢) أيضًا: "إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر".

стр. 2444

قال في الفتح (١): والظاهر أن الاختلاف فيه من الرواة. وأبعد من قال: يحمل على أن القصة وقعت مرّتين، بل روى النسائي (٢) من طريق ابن عون عن ابن سيرين أن الشكّ فيه من أبي هريرة، ولفظه: "صلى ﷺ إحدى صلاتي العشي"، قال أبو هريرة: ولكني نسيت. فالظاهر أن أبا هريرة رواه كثيرًا على الشكّ، وكان ربما غلب على ظنه أنها الظهر فجزم بها، وتارة غلب على ظنه أنها العصر فجزم بها، وطرأ الشك أيضًا في تعيينها على ابن سيرين، وكأن سبب ذلك الاهتمام بما في القصة من الأحكام الشرعية. قوله: (فقام إلى خشبة في المسجد) في رواية للبخاري (٣): "في مقدم المسجد"، ولمسلم (٤): "في قبلة المسجد". قوله: (السَّرَعَان) (٥) بفتح المهملات، ومنهم من يسكن الراء، وحكى عياض (٦) أن الأصيلي ضبطه بضم ثم إسكان كأنه جمع سريع، والمراد بهم: أوّل الناس خروجًا من المسجد وهم أهل الحاجات غالبًا. قوله: (فهابا) في رواية للبخاري (٧) "فهاباه" بزيادة الضمير، والمعنى أنه غلب عليهما احترامه وتعظيمه عن الاعتراض عليه. وأما ذو اليدين فغلب عليه حرصه على تعلم العلم. قوله: (يقال له ذو اليدين) قال القرطبي (٨): هو كناية عن طولهما، وعن بعض شرّاح التنبيه أنه كان قصير اليدين، وجزم ابن قتيبة أنه كان يعمل بيديه جميعًا.

стр. 2445

وذهب الأكثر إلى أن اسم ذي اليدين: الخِرباق بكسر المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة وآخره قاف، اعتمادًا على ما وقع في حديث عمران بن حصين الآتي (١). قال في الفتح (٢): وهذا موضع من يوحد حديث أبي هريرة بحديث عمران وهو الراجح في نظري، وإن كان ابن خزيمة (٣) ومن تبعه جنحوا إلى التعدُّد، والحامل لهم على ذلك الاختلاف الواقع في السياقين. ففي حديث أبي هريرة أن السلام وقع من اثنتين وأنه ﷺ قام إلى خشبة في المسجد. وفي حديث عمران أنه سلم من ثلاث ركعات وأنه دخل منزله لما فرغ من الصلاة. فأما الأوّل فقد حكى العلائي (٤) أن بعض شيوخه حمله على أن المراد: أنه سلم في ابتداء الركعة الثالثة واستبعده ولكن طريق الجمع يكتفى فيها بأدنى مناسبة، وليس بأبعد من دعوى تعدّد القصة؛ لأنه يلزم منه كون ذي اليدين في كلّ مرّة استفهم النبيّ ﷺ عن ذلك، واستفهم النبيّ ﷺ الصحابة عن صحة قوله. وأما الثاني فلعلّ الراوي لما رآه تقدّم من مكانه إلى جهة الخشبة ظنّ أنه دخل منزله لكون الخشبة كانت في جهة منزله، فإن كان كذلك وإلا فرواية أبي هريرة أرجح لموافقة ابن عمر له على سياقه كما أخرجه الشافعي (٥)

стр. 2446

وأبو داود (١) وابن ماجه (٢) وابن خزيمة (٣)، ولموافقة ذي اليدين كما أخرجه أبو بكر الأثرم وعبد الله بن أحمد في زيادات المسند (٤)، وأبو بكر بن أبي خيثمة وغيرهم، انتهى. قوله: (لم أنس ولم تقصر) هو تصريح بنفي النسيان ونفي القصر، وهو مفسر لما عند مسلم (٥) بلفظ: "كلُّ ذلكَ لم يَكُن". وتأييد لما قاله علماءُ المعاني (٦): أن لفظَ "كل" إذا تقدَّم وعقبه النفي كان نفيًا لكل فرد لا للمجموع، بخلاف ما إذا تأخر، ولهذا أجاب ذو اليدين بقوله: "قد كان بعض ذلك"، كما في صحيح مسلم (٧).

стр. 2447

وفي البخاري (١) ومسلم (٢) أنه قال: "بلى قد نسيت" كما ذكر المصنف. وفيه دليل على جواز دخول السهو عليه ﷺ في الأحكام الشرعية. وقد نقل عياض (٣) والنووي (٤) الإجماع على عدم جواز دخول السهو في الأقوال التبليغية وخصَّا الخلاف بالأفعال وقد تُعقبا. قال الحافظ (٥): نعم اتفق من جوّز ذلك على أنه لا يقرّ عليه بل يقع له بيان ذلك إما متصلًا بالفعل أو بعده كما وقع في هذا الحديث. وفائدة جواز السهو في مثل ذلك بيان الحكم الشرعي إذا وقع مثله لغيره. وأما من منع السهو مطلقًا منه ﷺ ، فأجابوا عن هذا الحديث بأجوبة: (منها) أن قوله ﷺ : "لم أنس" على ظاهره وحقيقته وأنه كان متعمدًا لذلك ليقع منه التشريع بالفعل لكونه أبلغ من القول، ويكفي في ردّ هذا تقريره ﷺ لذي اليدين على قوله: "بلى قد نسيت"، وأصرح من ذلك قوله ﷺ : "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون"، وهو متفق عليه (٦) من حديث ابن مسعود كما سيأتي. ومن أجوبتهم أن قوله ﷺ : "إني لا أنسى، ولكن أنسى لأسنّ" (٧)، يدلّ على عدم صدور النسيان منه. وتعقب بما قاله الحافظ في الفتح (٨): إن هذا الحديث لا أصل له، فإنه في بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد. وأيضًا هو أحد الأحاديث الأربعة التي تكلم عليها في الموطأ.

стр. 2448

ومن أجوبتهم أيضًا حديث إنكاره ﷺ على من قال: "نسيت آية كذا وكذا، وقال: بئسما لأحَدِكم أن يقول نسيت آية كذا وكذا" (١). وتعقب بأنه لا يلزم من ذمّ إضافة نسيان الآية ذمّ إضافة نسيان كلّ شيء، فإن الفرق بينهما واضح جدًّا. ومن أجوبتهم أن قوله: "لم أنس" (٢) راجع إلى السلام: أي سلمت قصدًا [بانيًا] (٣) على ما في اعتقادي أني صليت أربعًا. قال الحافظ (٤): وهذا جيد، وكأن ذا اليدين فهم العموم فقال: "بلى قد نسيت" (٢). والكلام في ذلك محله علم الكلام والأصول. وقد تكلم عياض في الشفاء (٥) بما يشفي، فمن أراد البسط فليرجع إليه، وهذا كله مبني على أن معنى السهو والنسيان واحد، وأما من فرق بينهما فله أن يقول: هذه الأدلة وإن دلت على أنه وقع النسيان منه ﷺ فهي لا تستلزم وقوع السهو. قوله: (فصلَّى ما تركَ) فيه جواز البناء على الصلاة التي خرج منها المصلي قبل تمامها ناسيًا، وإلى ذلك ذهب الجمهور (٦) كما قال العراقي من غير فرق بين من سلم من ركعتين أو أكثر أو أقلّ. وقال سحنون (٧): إنما يبني من سلم من ركعتين كما في قصة ذي اليدين؛ لأن ذلك وقع على غير القياس فيقتصر على مورد النصّ. وحديث عمران بن حصين الآتي (٨) يبطل ما زعمه من قصر الجواز على ركعتين على أنه يلزمه أن يقصر الجواز على إحدى صلاتي العشي ولا قائل به.

стр. 2449

وذهبت الهادوية (١) إلى أنه لا يجوز البناء على الصلاة التي خرج منها بتسليمتين من غير فرق بين العمد والسهو. وأجابوا عن حديث الباب بأن قصة ذي اليدين كانت قبل نسخ الكلام اعتمادًا منهم على ما سلف عن الزهري، وقد قدمنا أنه وهم، على أنه قد روى البناء عمران بن حصين (٢) كما سيأتي، وإسلامه متأخر. ورواه أيضًا معاوية بن خديج (٣) كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، وإسلامه قبل موت النبيّ ﷺ بشهرين، ومع هذا فتحريم الكلام كان بمكة، وقد حققنا ذلك في باب تحريم الكلام (٤). وفي حديث الباب دليل على أن كلام الساهي لا يبطل الصلاة، وكذا كلام من ظنّ التمام، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب تحريم الكلام [أيضًا (٤)] (٥). وفيه أيضًا دليل على أن الأفعال الكثيرة التي ليست من جنس الصلاة إذا وقعت سهوًا أو مع ظنّ التمام لا تفسد الصلاة وقد تقدم البحث في ذلك. قوله: (ثم سلم ثم كبر وسجد) فيه دليل لمن قال إن سجود السهو بعد السلام. وقد اختلف أهل العلم في ذلك على ثمانية أقوال كما ذكر ذلك العراقي في شرخ الترمذي. (الأوّل): أن سجود السهو كله محله بعد السلام، وقد ذهب إلى ذلك جماعة من الصحابة وهم عليّ بن أبي طالب (٦)، وسعد بن

стр. 2450

أبي وقاص (١)، وعمار بن ياسر (٢)، وعبد الله بن مسعود (٣)، وعمران بن حصين (٤)، وأنس بن مالك (٥)، والمغيرة بن شعبة (٦)، وأبو هريرة (٧). وروى الترمذي (٨) عنه خلاف ذلك كما سيأتي (٩). وروي أيضًا عن ابن عباس (١٠)

стр. 2451

ومعاوية (١)، وعبد الله بن الزبير (٢) على خلاف في ذلك عنهم. ومن التابعين أبو سلمة (٣) بن عبد الرحمن، والحسن البصري (٤)، والنخعي (٥)، وعمر بن عبد العزيز وعبد الرحمن بن أبي ليلى (٦)، والسائب القاري (٧). وروى الترمذي (٨) عنه خلاف ذلك. وهو قول الثوري (٩) وأبو حنيفة (١٠) وأصحابه. وحكى عن الشافعي (١١) قولًا له. ورواه الترمذي (١٢) عن أهل الكوفة. وذهب إليه من أهل البيت (١٣) الهادي والقاسم وزيد بن عليّ والمؤيد بالله. واستدلوا بحديث الباب وبسائر الأحاديث التي ذكر فيها السجود بعد السلام.

стр. 2452

(القول الثاني): أن سجود السهو كله قبل السلام. وقد ذهب إلى ذلك من الصحابة أبو سعيد الخدري (١). وروي أيضًا عن ابن عباس (٢) ومعاوية (٣) وعبد الله بن الزبير (٤) على خلاف في ذلك. وبه قال الزهري (٥) ومكحول (٥) وابن أبي ذئب والأوزاعي (٦) والليث بن سعد (٦) والشافعي في الجديد وأصحابه (٧). ورواه الترمذي (٨) عن أكثر فقهاء المدينة وعن أبي هريرة. واستدلوا على ذلك بالأحاديث التي ذكر فيها السجود قبل السلام وسيأتي بعضها. (القول الثالث): التفرقة بين الزيادة والنقص، فيسجد للزيادة بعد السلام وللنقص قبله، وإلى ذلك ذهب مالك وأصحابه (٩) والمزني وأبو ثور (١٠)، وهو قول للشافعي (١١)، وإليه ذهب الصادق والناصر (١٢) من أهل البيت. قال ابن عبد البر (١٣): وبه يصحّ استعمال الخبرين جميعًا. قال: واستعمال الأخبار على وجهها أولى من ادّعاء النسخ، ومن جهة النظر الفرق بين الزيادة والنقصان بين في ذلك؛ لأن السجود في النقصان إصلاح وجبر، ومحال أن يكون الإصلاح والجبر بعد الخروج من الصلاة. وأما السجود في الزيادة فإنما هو ترغيم للشيطان (١٤)، وذلك ينبغي أن يكون بعد الفراغ.

стр. 2453

قال ابن العربي: مالك أسعد قيلًا وأهدى سبيلًا انتهى. ويدلّ على هذه التفرقة ما رواه الطبراني (١) من حديث عائشة في آخر حديث لها، وفيه قال: "مَنْ سَهَا قبلَ التمامِ فليسجد سجدتي السهو قبل أن يُسلِّم، وإذا سها بعدَ التمامِ سجدَ سجدتي السهو بعد أن يُسلم". ولكن في إسناده عيسى بن ميمون المدني المعروف بالواسطي (٢)، وهو وإن وثقه حماد بن سلمة وقال فيه ابن معين مرّة: لا بأس به، فقد قال فيه مرّة: ليس بشيء، وضعفه الجمهور. (القول الرابع): أنه يستعمل كل حديث كما ورد وما لم يرد فيه شيء يسجد قبل السلام، وإلى ذلك ذهب أحمد بن حنبل (٣) كما حكاه الترمذي (٤) عنه، وبه قال سليمان بن داود الهاشمي من أصحاب الشافعي (٥)، وأبو خيثمة (٦).

стр. 2454

قال ابن دقيق العيد (١): هذا المذهب مع مذهب مالك متفقان في طلب الجمع وعدم سلوك طريق الترجيح لكنهما اختلفا في وجه الجمع. (القول الخامس): أنه يستعمل كل حديث كما ورد وما لم يرد فيه شيء فما كان نقصًا سجد له قبل السلام وما كان زيادة فبعد السلام، وإلى ذلك ذهب إسحق بن راهويه كما حكاه عنه الترمذي (٢). (القول السادس): أن الباني على الأقلّ في صلاته عند شكه يسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد الآتي (٣). والمتحرّي في الصلاة عند شكه يسجد بعد السلام على حديث ابن مسعود الآتي أيضًا (٤)، وإلى ذلك ذهب أبو حاتم بن حبان (٥). قال: وقد يتوهم من لم يُحْكِمْ صناعةَ الأخبار، ولا تفقَّه في صحيح الآثار أن التحرّي في الصلاة والبناء على اليقين واحد وليس كذلك؛ لأن التحرّي هو أن يشكّ المرء في صلاته فلا يدري ما صلى، فإذا كان كذلك فعليه أن يتحرّى الصواب وليبن علي الأغلب عنده ويسجد سجدتي السهو بعد السلام على خبر ابن مسعود (٦)، والبناء على اليقين هو أن يشكّ في الثنتين والثلاث، أو الثلاث والأربع، فإذا كان كذلك فعليه أن يبني على اليقين وهو الأقلّ، وَلْيُتمّ صلاته ثم يسجدُ سجدتي السهو قبل السلام على خبر عبد الرحمن بن عوف (٧) وأبي سعيد (٨) وما اختاره من التفرقة بين التجري والبناء على اليقين قاله أحمد بن حنبل (٩) فيما ذكره ابن عبد البرّ في التمهيد (١٠). وقال الشافعي (١١) وداود وابن حزم (١٢): إن التحرّي هو البناء على اليقين،

стр. 2455

وحكاه النووي (١) عن الجمهور. (القول السابع): أنه يتخير الساهي بين السجود قبل السلام وبعده، سواء كان لزيادة أو نقص، حكاه ابن أبي شيبة في المصنف (٢) عن عليّ ﵇، وحكاه الرافعي قولًا للشافعي. ورواه المهدي في البحر (٣) عن الطبري. ودليلهم أن النبيّ ﷺ صحّ عنه السجود قبل السلام وبعده، فكان الكل سنة. (القول الثامن): أن محله كله بعد السلام إلا في موضعين فإن الساهي فيهما مخير. (أحدهما): من قام من ركعتين ولم يجلس ولم يتشهد. (والثاني): أن لا يدري أصلى ركعة أم ثلاثًا أم أربعًا، فيبني على الأقلّ ويخير في السجود، وإلى ذلك ذهب أهل الظاهر، وبه قال ابن حزم (٤). وروى النووي في شرح مسلم (٥) عن داود أنه قال: تستعمل الأحاديث في مواضعها كما جاءت. قال القاضي عياض (٦) وجماعة من أصحاب الشافعي: ولا خلاف بين هؤلاء المختلفين وغيرهم من العلماء أنه لو سجد قبل السلام أو بعده للزيادة أو للنقص أنه يجزئه ولا تفسد صلاته، وإنما اختلافهم في الأفضل. قال النووي (٧): وأقوى المذاهب هنا مذهب مالك ثم الشافعي. وقال ابن حزم (٨) في مذهب مالك: إنه رأى لا برهان على صحته، قال: وهو أيضًا مخالف للثابت عن رسول الله ﷺ من أمره بسجود السهو قبل السلام من شكّ فلم يدر كم صلى وهو سهو زيادة، ثم قال: ليت شعري من أين لهم أن

стр. 2456

جبر الشيء يكون إلا فيه لا بائنًا عنه، وهم مجمعون على أن الهدي والصيام يكونان جبرًا لما نقص من الحجّ وهما بعد الخروج عنه، وأن عتق الرقبة أو الصدقة أو صيام الشهرين جبر لنقص وطء التعمد في نهار رمضان، وفعل ذلك لا يجوز إلا بعد تمامه اهـ. وأحسن ما يقال في المقام إنه يعمل على ما تقتضيه أقواله وأفعاله ﷺ من السجود قبل السلام وبعده فما كان من أسباب السجود مقيدًا بقبل السلام سجد له قبله، وما كان مقيدًا ببعد السلام سجد له بعده، وما لم يرد تقييده بأحدهما كان مخيرًا بين السجود قبل السلام وبعده من غير فرق بين الزيادة والنقص. لما أخرج مسلم في صحيحه (١) عن ابن مسعود أن النبيَّ ﷺ قال: "إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين". وجميع أسباب السجود لا تكون إلا زيادة أو [نقصًا (٢)] أو مجموعهما، وهذا ينبغي أن يعدّ مذهبًا تاسعًا؛ لأن مذهب داود وإن كان فيه أنه يعمل بمقتضى النصوص الواردة كما حكاه النووي (٣) فقد جزم بأن الخارج عنها يكون قبل السلام، وإسحق بن راهويه (٤) وإن قال إنها تستعمل الأحاديث كما وردت فقد جزم أنه يسجد لما خرج عنها إن كان زيادة بعد السلام وإن كان نقصًا فقبله كما سبق. والقائلون بالتخيير لم يستعملوا النصوص كما وردت ولا شكّ أنه أفضل. ومحلّ الخلاف في الأفضل كما عرفت وإن كانت الهادوية (٥) تقول بفساد صلاة من سجد لسهوه قبل التسليم مطلقًا، لكن قولهم مع كونه مخالفًا لما صرّحت به الأدلة مخالف للإجماع الذي حكاه عياض (٦) وغيره. قوله: (فربما سألوه ثم سلم) يعني سألوا محمد بن سيرين هل سلم النبيّ ﷺ بعد سجدتي السهو؟ فروي عن عمران بن حصين (٧) أنه أخبر "أن النبيّ ﷺ سلم بعدهما".

стр. 2457

ولفظ أبي داود (١): فقيل لمحمد: سلم في السجود؟ فقال: لم أحفظه من أبي هريرة، ولكن نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم. وفيه دليل على مشروعية التسليم في سجود السهو، وقد نقل بعض المتأخرين عن النووي أن الشافعية لا يثبتون التسليم، وهو خلاف المشهور عن الشافعية والمعروف في كتبهم، وخلاف ما صرّح به النووي في شرح مسلم (٢) فإنه قال: والصحيح في مذهبنا أنه يسلم ولا يتشهد. ٢/ ١٠١٧ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْن [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ] (٣) أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى العَصْرَ فَسَلَّمَ فِي ثَلاثِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، وفِي لَفْظٍ: فَدَخَلَ الحُجْرَةَ، فَقامَ إلَيْهِ رَجُل يُقالُ لَهُ: الخِرْباقُ، وكانَ فِي يَدِهِ طُولٌ، فَقالَ: يا رَسُولَ الله، فَذَكَرَ لَهُ صَنيعَهُ، فَخَرَجَ غَضْبانَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حتى انْتَهَى إلى النَّاسِ فَقالَ: "أصَدَقَ هَذَا؟ "، قالُوا: نَعَمْ، فَصَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ. رَوَاهُ الجَماعَةُ إلا البُخارِي والترمذي) (٤). [صحيح] الكلام على فقه الحديث قد تقدم. وتقدم أيضًا الاختلاف بين أهل العلم: هل حديث عمران هذا وحديث أبي هريرة المتقدم حكاية لقصة واحدة أو لقصتين مختلفتين؟ والظاهر ما قاله ابن خزيمة ومن تبعه من التعدّد؛ لأن دعوى الاتحاد تحتاج إلى تأويلات متعسفة كما سلف. وتقدم أيضًا ضبط الخرباق وأنه اسم ذي اليدين. وفي الباب عن ابن عباس عند البزار (٥) والطبراني في الكبير (٦): "أن

стр. 2458

رسول الله ﷺ صلى بهم العصر ثلاثًا فدخل على بعض نسائه، فدخل عليه رجل من أصحابه يقال له: ذو الشمالين" الحديث. ٣/ ١٠١٨ - (وَعَنْ عَطاءٍ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ] (١) أن ابْنَ الزُّبَيْر صَلَّى المَغْرِبَ فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، فَنَهَضَ لِيَسْتَلِمَ الحَجَرَ فَسَبَّحَ القَوْمُ، فَقالَ: ما شأنُكُمْ؟ قالَ: فَصَلّى ما بَقِيَ وسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، قالَ: فَذُكِرَ ذلكَ لابنِ عَبَّاسٍ، فَقالَ: ما أماطَ عَنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ . رَوَاهُ أحْمَدُ) (٢). [صحيح] الحديث أخرجه [أيضًا] (٣) البزار (٤) والطبراني في الأوسط (٥) والكبير (٦). قال في مجمع الزوائد (٧): ورجال أحمد رجال الصحيح. قوله: (ما أماط) أوّله همزة مفتوحة وآخره مهملة. قال في القاموس (٨): ماط يميط ميطًا: جار وزجر - وعَنِّي - مَيَطانًا وميطًا: تنحى وبعد، ونحى وأبعد كأماط فيهما اهـ. والمراد هنا أن ابن الزبير ما بعد ولا تنحى عن السنة، أو ما أبعد ولا نحَّى غيره عنها بما فعله، لما تقدم من ثبوت ذلك عنه ﷺ ، والخلاف في جواز البناء قد مرّ.

стр. 2459

[الباب الثاني] باب من شك في صلاته ٤/ ١٠١٩ - (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ] (١) قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاِتهِ فَلَمْ يَدْرِ أوَاحِدَةً صَلَّى أم ثِنتيْنِ فَلْيَجْعَلْها وَاحدَةً؛ وَإِذَا لَمْ يَدْرِ ثِنْتَيْنِ صَلَّى أم ثَلاثًا فَلْيَجْعَلْها ثِنْتَيْنِ؛ وَإِذَا لَمْ يَدرِ ثَلاثًا صَلَّى أمْ أرْبَعًا فَلْيَجْعَلها ثَلاثًا، ثُمَّ يَسْجُدُ إِذَا فَرَغَ مِنْ صَلاِتهِ وَهُوَ جالِسٌ قَبْلَ أنْ يُسَلِّمَ سَجْدَتَيْنِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢) وَابْنُ ماجَهْ (٣) وَالتِّرمِذِيُّ وصَحَّحَهُ (٤). [صحيح] وفِي رِوَايَةٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ صَلَّى صَلاةً يَشُكُّ فِي النُّقْصَانِ فَلْيُصَلِّ حَتى يَشُكَّ فِي الزّيادَةِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ) (٥). [حسن] الحديث معلول (٦) لأنه من رواية ابن إسحق عن مكحول عن كُرَيْبٍ عن ابن عباس عن عبد الرحمن. وقد رواه أحمد في المسند (٤) عن ابن علية عن اين إسحق عن مكحول مرسلًا.

стр. 2460

قال ابن إسحق: فلقيت حسين بن عبد (١) الله فقال لي: هل أسنده لك؟ قلت: لا، فقال: لكنه حدثني أن كريبًا حدثه به وحسين ضعيف جدًّا. ورواه إسحق بن راهويه والهيثم بن كليب (٢)، في مسنديهما من طريق الزهري عن الله بن عبيد الله عن ابن عباس مختصرًا، وفي إسنادهما إسماعيل بن مسلم المكي (٣) ضعيف، وتابعه بحر بن كُنَيز السقاء (٤) فيما ذكره الدارقطني في العلل (٥). وقد رواه أيضًا أحمد بن حنبل (٦) عن محمد بن يزيد عن إسماعيل بن مسلم الزهري وإسماعيل بن مسلم (٣) ضعيف كما مرّ.

стр. 2461

والزيادة التي رواها المصنف ﵀ [تعالى] (١) عن أحمد أخرج نحوها ابن ماجه (٢)، ولفظه: "ثم ليتمّ ما بقي من صلاته"، حتى يكون الوهم في الزيادة. وفي الباب غير ما ذكره المصنف عن عثمان عند أحمد (٣)، وفيه: "من صلى فلم يدر أشفع أم أوتر فليسجد سجدتين فإنهما إتمام صلاته". قال العراقي: ورجاله ثقات إلا أن يزيد بن أبي كبشة لم يسمع من عثمان (٤). وقد رواه أحمد (٥) أيضًا عن يزيد بن أبي كبشة عن مروان عن عثمان. وعن عائشة عند الطبراني في الأوسط (٦)، وفيه: "إذا صليت فرأيت أنك أتممت صلاتك وأنت في بيتك" الحديث. وعن أنس عند البيهقي (٧) قال: قال ﷺ : "إذا شكّ أحدكم في صلاته فلم يدر اثنتين صلى أو ثلاثًا فليلق الشكّ وليبن علي اليقين"، ورجال إسناده ثقات.

стр. 2462

وعن عبد الله بن جعفر عند أبي داود (١) بلفظ: "من شكّ في صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم" وفي إسناده مصعب بن [عمير (٢)] (٣). قال النسائي: منكر الحديث، وفي إسناده أيضًا عتبة بن محمد بن الحارث (٤). قال العراقي: ليس بالمعروف. وقال البيهقي (٥): لا بأس بإسناد هذا الحديث. وحديث الباب قد استدلّ به وبما ذكر معه من قال: إن من شكّ في ركعة بنى على الأقل مطلقًا. قال النووي (٦): وإليه ذهب الشافعي والجمهور، وحكاه المهدي في البحر (٧) عن علي وأبي بكر وعمر وابن مسعود وربيعة والشافعي ومالك. واستدلوا أيضًا بحديث أبي سعيد الآتي (٨). وذهب عطاء والأوزاعي والشعبي وأبو حنيفة - وهو مرويّ عن ابن عباس وابن عمر "عبد الله بن عمرو بن العاص من الصحابة - إلى أن من شكّ في ركعة وهو مبتدأ بالشكّ لا مبتلي به أعاد، هكذا في البحر (٩). وقال (١٠): إن المبتلي الذي يمكنه التحرّي يعمل بتحرّيه. وحكاه عن ابن عمر وأبي هريرة وجابر بن يزيد والنخعي وأبي طالب وأبي حنيفة.

стр. 2463

والذي حكاه النووي في شرح مسلم (١) عن أبي حنيفة وموافقيه من أهل الكوفة وغيرهم من أهل الرأي أن من شكّ في صلاته في عدد ركعاته تحرّى وبنى على غالب ظنه، ولا يلزم الاقتصار والإتيان بالزيادة. قال (٢): واختلف هؤلاء، فقال أبو حنيفة ومالك في طائفة: هذا لمن اعتراه الشكّ مرّة بعد أخرى، وأما غيره فيبني على اليقين. وقال آخرون: هو على عمومه اهـ. وحكى العراقي في شرح الترمذي عن عبد الله بن عمر (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، وشريح القاضي (٥)، ومحمد بن الحنفية، وميمون بن مهران (٤)، وعبد الكريم الجزري (٤)، والشعبي (٦) والأوزاعي (٧) أنهم يقولون بوجوب الإعادة مرّة بعد أخرى حتى [يستيقن] (٨)، ولم يرو عنهم الفرق بين المبتدأ والمبتلى. وروي عن عطاء (٩) ومالك أنهما قالا: يعيد مرّة، وعن طاوس (١٠) كذلك. وعن بعضهم يعيد ثلاث مرّات. واحتجّ القائلون بالاستئناف بما أخرجه الطبراني في الكبير (١١) عن عبادة بن

стр. 2464

الصامت: "أن رسول الله ﷺ سئل عن رجل سها في صلاته فلم يدر كم صلى، فقال: ليعد صلاته وليسجد سجدتين قاعدًا"، وهو من رواية إسحق بن يحيى بن عبادة بن الصامت. قال العراقي: لم يسمع إسحق من جدّه عبادة انتهى. فلا ينتهض لمعارضة الأحاديث الصحيحة المصرّحة بوجوب البناء على الأقلّ، ومع هذا فظاهره عدم الفرق بين المبتدأ والمبتلى. والمدّعي اختصاص الإعادة بالمبتدأ. واحتجوا أيضًا بما أخرجه الطبراني (١) عن ميمونة بنت سعد أنها قالت: "أفتنا يا رسول الله في رجل سها في صلاته فلا يدري كم صلى، قال: ينصرف ثم يقوم في صلاته حتى يعلم كم صلى، فإنما ذلك الوسواس يعرض فيسهيه عن صلاته". وفي إسناده عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي الجزري (٢) مختلف فيه وهو كبقية في الشاميين يروي عن المجاهيل. وفي إسناده أيضًا عبد الحميد بن يزيد (٣) وهو مجهول كما قال العراقي. واحتجّ القائلون بوجوب العمل بالظنّ والتحرّي إما مطلقًا أو لمن كان مبتلى بالشكّ بحديث ابن مسعود الآتي (٤) لما فيه من الأمر لمن شكّ بأن يتحرّى الصواب. وأجاب عنهم القائلون بوجوب البناء على الأقلّ بأن التحرّي هو القصد ومنه قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ (٥).

стр. 2465

فمعنى الحديث: فليقصد الصواب فيعمل به، وقصد الصواب هو ما بينه في حديث أبي سعيد (١) وغيره. وقد قدمنا طرفًا من الخلاف في كون التحرّي والبناء على اليقين شيئًا واحدًا أم لا. وفي القاموس (٢) أن التحرّي: التعمد وطلب ما هو أحرى بالاستعمال. قال النووي (٣): فإن قالت الحنفية حديث أبي سعيد لا يخالف ما قلنا لأنه ورد في الشكّ وهو ما استوى طرفاه، ومن شكّ ولم يترجح له أحد الطريقين يبني على الأقلّ بالإجماع، بخلاف من غلب على ظنه أن صلى أربعًا مثلًا. فالجواب أن تفسير الشكّ بمستوى الطرفين إنما هو اصطلاح طارئ للأصوليين. وأما في اللغة (٤) فالتردّد بين وجود الشيء وعدمه كله يسمى شكًا، سواء المستوي والراجح والمرجوح. والحديث يحمل على اللغة ما لم يكن هناك حقيقة شرعية أو عرفية، ولا يجوز حمله على ما يطرأ للمتأخرين من الاصطلاح انتهى. والذي يلوح لي أنه لا معارضة بين أحاديث البناء على الأقلّ والبناء على اليقين وتحرّي الصواب، وذلك لأن التحرّي في اللغة (٥) كما عرفت هو طلب ما هو أحرى إلى الصواب، وقد أمر به ﷺ ، وأمر بالبناء على اليقين والبناء على الأقلّ عند عروض الشكّ، فإن أمكن الخروج بالتحرّي عن دائرة الشك لغة ولا

стр. 2466

يكون إلا بالاستيقان بأنه قد فعل من الصلاة كذا ركعات، فلا شكّ أنه مقدّم على البناء على الأقلّ؛ لأن الشارع قد شرط في جواز البناء على الأقلّ عدم الدراية كما في حديث عبد الرحمن بن عوف (١). وهذا المتحرّي قد حصلت له الدراية؛ وأمر الشاكّ بالبناء على ما استيقن كما في حديث أبي سعيد (٢)، ومن بلغ به تحرّيه إلى اليقين قد بنى على ما استيقن. وبهذا تعلم أنه لا معارضة بين الأحاديث المذكور، وأن التحرّي المذكور مقدّم على البناء على الأقلّ، وقد أوقع الناس ظنّ التعارض بين هذه الأحاديث في مضايق ليس عليها أثارة من علم كالفرق بين المبتدأ والمبتلى [والركن والركعة] (٣). قوله: (في حديث الباب قبل أن يسلم) استدلّ به القائلون بمشروعية سجود السهو قبل السلام، وقد تقدم الخلاف في ذلك وبيان ما هو الحقّ. قوله: (فليصلّ حتى يشكّ في الزيادة) فيه أن جعل الشكّ في جانب الزيادة أولى من جعله في جانب النقصان. ٥/ ١٠٢٠ - (وَعَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ] (٤) قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاِتهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلاثًا أمْ أرْبَعًا فَلْيَطرَحِ الشَّكّ وَلْيَبْنِ على ما اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أنْ يُسَلِّمَ، فإنْ كانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلاتهُ، وَإِنْ كانَ صَلَّى إتمَامًا لأرْبَعٍ كانَتا تَرْغيمًا لِلشَّيْطَانِ" رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) وَمُسْلِمٌ) (٦). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا أبو داود (٧) بلفظ: "فليلق الشكّ وليبن علي اليقين، فإذا استيقن التمام سجد سجدتين، فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة والسجدتان نافلة، وإن كانت صلاته ناقصة كانت الركعة تمامًا والسجدتان ترغيمًا للشيطان".

стр. 2467

وأخرجه أيضًا ابن حبان (١) والحاكم (٢) والبيهقي (٣). واختلف فيه على عطاء بن يسار فروي مرسلًا، وروي بذكر أبي سعيد فيه، وروي عنه عن ابن عباس. قال الحافظ (٤): وهو وهم. وقال ابن المنذر (٥): حديث أبي سعيد أصحّ حديث في الباب. والحديث استدلّ به القائلون بوجوب اطراح الشكّ والبناء على اليقين وهم الجمهور كما قال النووي (٦) والعراقي. وقد تقدّم ما أجاب به القائلون بالبناء على الظنّ وما أجيب به عليهم وما هو الحقّ. قوله: (قبل أن يسلم) هو من أدلة القائلين بأن السجود للسهو قبل السلام، وقد تقدم البحث عن ذلك أيضًا. قوله: (فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته) يعني أن السجدتين بمنزلة الركعة لأنهما ركناها، فكأنه بفعلهما قد فعل ركعة سادسة فصارت الصلاة شفعًا. قوله: (كانتا ترغيمًا للشيطان) لأنه لما قصد التلبيس على المصلي وإبطال صلاته كان السجدتان لما فيهما من الثواب ترغيمًا له، فعاد عليه بسببهما قصده بالنقص. وفي جعل العلة ترغيم الشيطان ردّ على من أوجب السجود للأسباب المتعمدة وهو أبو طالب والإمام يحيى والشافعي كما في البحر (٧)؛ لأن إرغام

стр. 2468

الشيطان إنما يكون بما حدث بسببه، والعمد ليس من الشيطان بل من المصلي. وأما استدلالهم على ذلك بالقياس للعمد على السهو؛ لأنه إنما شرع في السهو للنقص، فالعمد مثله، فمردود بأن العلة ليست النقص بل إرغام الشيطان كما في الحديث. وظاهر الحديث أن مجرّد حصول الشكّ موجب للسجود، ولو زال وحصلت معرفة الصواب وتحقق أنه لم يزد شيئًا، وإلى ذلك ذهب الشيخ أبو علي (١) والمؤيد بالله (١)، وذهب المنصور بالله (١) وإمام الحرمين أنه لا يسجد لزوال التردّد. ويدلّ للمذهب الأوّل ما أخرجه أبو داود (٢) عن زيد بن أسلم قال: قال النبيّ ﷺ : "إذا شكّ أحدكم في صلاته، فإن استيقن أنه قد صلى ثلاثًا فليقم وليتمّ ركعة بسجودها ثم يجلس فيتشهد، فإذا فرغ فلم يبق إلا أن يسلم فليسجد سجدتين وهو جالس ثم يسلم". وسيأتي في حديث ابن مسعود (٣) ما يدلّ على مثل ما دلّ عليه هذا الحديث. ٦/ ١٠٢١ - (وَعَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم] (٤) قالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ ، قَالَ إبْرَاهِيمُ: زَادَ أوْ نَقَصَ؛ فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ الله حَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيْءٌ؟ قالَ: "لَا، وما ذَاكَ؟ " قالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وكَذَا، فَثنى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: "إنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيْءٌ أنْبأتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إنَّمَا أنا بَشَرٌ أنْسَى كمَا تَنْسَوْنَ، فإذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي؛ وَإِذَا شَكَّ أحَدُكُمْ فِي صَلاِتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُسَلِّمْ، ثمَّ لِيَسْجُدَ سَجْدَتينِ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ (٥). [صحيح]

стр. 2469

وفِي لَفْظِ ابْنِ ماجَهْ (١) وَمُسْلِمٍ (٢) فِي رِوَايَةٍ: "فَلْيَنْظُرْ أقْرَبَ ذَلِكَ إلى الصَّوَابِ"). [صحيح] قوله: (وعن إبراهيم) هو النخعي. قوله: (زاد أو نقص) في رواية للجماعة من طريق إبراهيم عن علقمة أنه صلى خمسًا على الجزم، [وستأتي] (٣) في باب من صلى الرباعية خمسًا (٤). وفي قوله: "زاد أو نقص" دليل على مشروعية سجود السهو [لمن] (٥) تردّد بين الزيادة والنقصان إلا أن تجعل رواية الجزم مفسرة لرواية التردّد. قوله: (فثنى رجليه) في رواية أبي داود (٦) والنسائي (٧) وابن ماجه (٨) وابن حبان (٩) بالإفراد. وهذه الرواية هي اللائقة بالمقام. ومعنى ثنْي الرِّجل (١٠): صرفها عن حالتها التي كانت عليها. قوله: (لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به)، فيه أن الأصل في الأحكام بقاؤها على ما قرّرت عليه وإن جوّز غير ذلك، وأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (١١).

стр. 2470

قوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ هذا حصر له في البشرية (١) باعتبار من أنكر ثبوت ذلك ونازع فيه عنادًا وجحودًا؛ وأما باعتبار غير ذلك مما هو فيه فلا ينحصر في وصف البشرية، إذ له صفات أخرى، ككونه جسمًا حيًا متحركًا، نبيًا رسولًا، بشيرًا نذيرًا، سراجًا منيرًا، وغير ذلك. وتحقيق هذا المبحث ونظائره محله علم [المعاني] (٢). قوله: (أنسى كما تنسون)، زاد النسائي (٣): "وأذكر كما تذكرون"، وفيه دليل على جواز النسيان عليه ﷺ فيما طريقه البلاغ. وقد تقدم الكلام على هذا في شرح حديث ذي اليدين (٤). قوله: (فإذا نسيت فذكروني) فيه أمر التابع بتذكير المتبوع. وظاهر الحديث يدلّ على الوجوب على الفور. قوله: (فليتحرّ الصواب)، فيه دليل لمن قال بالعمل على غالب الظنّ وتقديمه على البناء على الأقلّ، وقد قدمنا الجواب عليه من جهة القائلين بوجوب البناء على الأقل.

стр. 2471

قوله: (فليُتِمّ عليه) بضم التحتانية وكسر الفوقانية. قوله: (ثم ليسجد سجدتين) فيه دليل لمن قال إن السجود بعد التسليم وقد مرّ تحقيقه. وفيه أيضًا أن مجرّد النظر والتفكر من أسباب السجود لأنه قد لحق الصلاة بسبب الوسوسة نقص، وقد تقدم الكلام على ذلك. ٧/ ١٠٢٢ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ [رضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ] (١) أنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ بَيْنَ ابْنِ آدَمَ وبَيْنَ نَفْسِهِ فَلا يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فإذَا وَجَدَ أحَدُكُمْ ذلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَينِ قَبْلَ أنْ يُسَلِّمَ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٢) وَابْنُ ماجَهْ (٣). [صحيح] وَهُوَ لِبَقِيَّةِ الجَماعَةِ (٤) إلا قَوْلَهُ: "قَبْلَ أنْ يُسَلِّمَ"). [صحيح] ٨/ ١٠٢٣ - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ جَعْفَرٍ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ] (١) أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ شَكَّ فِي صَلاِتهِ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ ما يُسَلِّمُ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) وأبو دَاوُدَ (٦) وَالنَّسائيُّ (٧). [ضعيف] حديث عبد الله بن جعفر في إسناده مصعب بن شيبة (٨)، قال النسائي: منكر الحديث. وعنه: ليس بمعروف، وقد وثقه ابن معين واحتجّ به مسلم في صحيحه. وقال أحمد بن حنبل: إنه روى أحاديث مناكير. وقال أبو حاتم الرازي: لا يحمدونه وليس بالقويّ، وقال الدارقطني: ليس بالقويّ ولا بالحافظ.

стр. 2472

قوله: (إن الشيطان يدخل بين ابن آدم وبين نفسه)، في لفظ للبخاري (١) وأبو داود (٢): "إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان فلبس عليه". وفي لفظ للبخاري (٣) أيضًا: "أقبل" يعني الشيطان "حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول اذكر كذا اذكر كذا لما لم [يكن (٤)] يذكر حتى يظلّ الرجل إن يدري كم صلى". قوله: (فليسجد سجدتين قبل أن يسلم) فيه دليل لمن قال: إن سجود السهو قبل التسليم، وقد تقدم الكلام على ذلك. قوله: (بعد ما يسلم) احتجّ به القائلون بأن سجود السهو بعد السلام وقد تقدم ذكرهم. والأحاديث الصحيحة الواردة في سجود السهو لأجل الشكّ كحديث عبد الرحمن بن عوف (٥) وأبي سعيد (٦) [وابن مسعود (٧)] (٨) وأبي هريرة (٩) وغيرها قاضية بأن سجود السهو لهذا السبب يكون قبل السلام. وحديث عبد الله بن جعفر (١٠) لا ينتهض لمعارضتها لا سيما مع ما فيه من المقال الذي تقدّم ذكره، [ولكنه يؤيده حديث ابن مسعود (١١) المذكور قريبًا فيكون الكلّ جائزًا] (١٢). وقد استدلّ بظاهر هذين الحديثين من قال: إن المصلي إذا شكّ فلم يدر زاد أو نقص فليس عليه إلّا سجدتان عملًا بظاهر الحديثين المذكورين. وإلى ذلك ذهب الحسن البصري (١٣) وطائفة من السلف، وروي ذلك عن أنس (١٣)

стр. 2473

وأبي هريرة (١). وخالف في ذلك الجمهور، العترة والأئمة الأربعة وغيرهم. فمنهم من قال: يبني على الأقلّ. ومنهم من قال: يعمل على غالب ظنه. ومنهم من قال: يعيد، وقد تقدم تفصيل ذلك. وليس في حديثي الباب أكثر من أن رسول الله ﷺ أمر بسجدتين عند السهو في الصلاة وليس فيهما بيان ما يصنعه من وقع له ذلك، والأحاديث الآخرة قد اشتملت على زيادة وهي بيان ما هو الواجب عليه عند ذلك من غير السجود، فالمصير إليها واجب، وظاهر قوله: "من شكّ في صلاته". وقوله: (فإذا وجد أحدكم ذلك) وقوله في حديث أبي سعيد المتقدم (٢): "إذا شكّ أحدكم في صلاته". وقوله في حديث ابن مسعود المتقدم (٣) أيضًا: "وإذا شكّ أحدكم فليتحرّ الصواب". وقوله في حديث عبد الرحمن بن عوف (٤): "إذا شكّ أحدكم في صلاته" أن سجود السهو مشروع في صلاة النافلة كما هو مشروع في صلاة الفريضة، وإلى ذلك ذهب الجمهور من العلماء قديمًا وحديثًا (٥)، لأن الجبران وإرغام الشيطان يحتاج إليه في النفل كما يحتاج إليه في الفرض. وذهب ابن سيرين (٦) وقتادة (٧) وروي عن عطاء ونقله جماعة من أصحاب

стр. 2474

الشافعي (١) عن قوله القديم إلى أن التطوّع لا يسجد فيه، وهذا ينبني على الخلاف في اسم الصلاة الذي هو حقيقة شرعية في الأفعال المخصوصة هل هو متواطئ فيكون مشتركًا معنويًا فيدخل تحته كل صلاة، أو هو مشترك لفظي بين صلاتي الفرض والنفل (٢). فذهب الرازي (٣) إلى الثاني لما بين صلاتي الفرض والنفل من التباين في بعض الشروط كالقيام واستقبال القبلة وعدم اعتبار العدد المعنوي وغير ذلك. قال العلائي: والذي يظهر أنه مشترك معنوي لوجود القدر الجامع بين كل ما يسمى صلاة وهو التحريم والتحليل مع ما يشمل الكلّ من الشروط التي لا تنفكّ. قال في الفتح (٤): وإلى كونه مشتركًا معنويًا ذهب جمهور أهل الأصول. قال ابن رسلان: وهو أولى؛ لأن الاشتراك اللفظي على خلاف الأصل، والتواطؤ خير منه اهـ. فمن قال: إن لفظ الصلاة مشترك معنوي قال بمشروعية سجود السهو في صلاة التطوّع، ومن قال: بأنه مشترك لفظي فلا عموم له حينئذٍ إلا على قول الشافعي: إن المشترك يعمّ جميع مسمياته، وقد ترجم البخاري (٥) على باب السهو في الفرض والتطوّع، وذكر عن ابن عباس (٦) أنه يسجد بعد وتره، وذكر حديث أبي هريرة المتقدّم (٧).

стр. 2475

[الباب الثالث] باب من نسي التشهد الأول حتى انتصب قائمًا لم يرجع ٩/ ١٠٢٤ - (عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ] (١) أن النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فَقامَ في الرَّكْعَتَيْنِ فَسَبَّحُوا بِهِ فَمَضَى، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ. رَوَاهُ النَّسائيُّ) (٢). [صحيح] ١٠/ ١٠٢٥ - (وعَنْ زِيادِ بْنِ عِلاقَةَ [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ] (١) قالَ: صَلَّى بنا المُغيَرةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَلَمَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَامَ وَلَمْ يَجْلِسْ فَسَبَّح بهِ مَنْ خَلْفَهُ، فأشَارَ إليهم أَنْ قُومُوا فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَسَلَّمَ، ثمَّ قالَ: هَكَذَا صَنَعَ بِنا رَسُولُ الله ﷺ . رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَالتِّرْمِذِيُّ وَصحَّحَهُ) (٤) [حسن] ١١/ ١٠٢٦ - (وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إذَا قامَ أحَدُكُمْ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ فَلَمْ يَسْتَتِمَّ قائِمًا فَلْيَجْلِسْ، وَإن اسْتَتَمَّ قائِمًا فَلا يَجْلِسْ ويَسَجَدَ سَجْدَتي السَّهْوِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٥) وأبُو دَاوُدَ (٦) وَابْنُ ماجَهْ) (٧). [صحيح بطرقه ومتابعاته] الحديث الأوّل أخرجه بقية الأئمة الستة (٨) بنحو لفظ النسائي الذي ذكره المصنف.

стр. 2476

والحديث الثاني أخرجه أيضًا أبو داود (١)، وفي إسناده المسعودي وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (٢)، استشهد به البخاري وتكلم فيه غير واحد. وأخرجه الترمذي (٣) أيضًا من حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الشعبي عن المغيرة. قال أحمد (٤): لا يحتجّ بحديث ابن أبي ليلى وقد تكلم فيه غيره. والحديث الثالث أخرجه أيضًا الدارقطني (٥) والبيهقي (٦)، ومداره على جابر الجعفي (٧) وهو ضعيف جدًّا، وقد قال أبو داود (٨): ولم أخرّج عنه في كتابي غير هذا. قوله: (فقام في الركعتين) يعني أنه قام إلى الركعة الثالثة ولم يتشهد عقب الركعتين. قوله: (فلما فرغ من صلاته) استدلّ به من قال: إن السلام ليس من الصلاة، وقد تقدم البحث عن ذلك، وتعقب بأن السلام لما كان للتحلل من الصلاة كان المصلي إذا انتهى إليه كمن فرغ من صلاته.

стр. 2477

ويدل على ذلك قوله في رواية ابن ماجه (١) من طريق جماعة من الثقات عن يحيى بن سعيد عن الأعرج: حتى إذا فرغ من الصلاة إلا أن يسلم، فدلّ على أن بعض الرواة حذف الاستثناء لوضوحه والزيادة من الحافظ مقبولة. قوله: (ثم سلم) استدلّ بذلك من قال: إن السجود قبل التسليم، وقد قدمنا الخلاف فيه وما هو الحقّ. وزاد الترمذي في الحديث: "وسجدهما الناس معه" مكان: "ما نسي من الجلوس". وفي هذه الزيادة فائدتان: [إحداهما (٢)]: أن المؤتمّ يسجد مع إمامه لسهو الإمام، ولقوله في الحديث الصحيح (٣): "لا تختلفوا". وقد أخرج البيهقي (٤) والبزار (٥) عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الإمام يكفي من وراءه، فإن سها الإمام فعليه سجدتا السهو، وعلى من وراءه أن يسجدوا معه، وإن سها أحد ممن خلفه فليس عليه أن يسجد والإمام يكفيه"، وفي إسناده خارجة بن مصعب وهو ضعيف (٦)، وأبو الحسين المدائني وهو مجهول (٧)، والحكم بن [عبيد الله] (٨) وهو أيضًا ضعيف (٩). وفي الباب عن ابن عباس عند ابن عديّ (١٠) وفي إسناده عمر بن عمرو

стр. 2478

العسقلاني وهو متروك (١). وقد ذهب إلى أن المؤتم يسجد لسهو الإمام ولا يسجد لسهو نفسه الحنفية (٢) والشافعية (٣) ومن أهل البيت زيد بن عليّ، والناصر، والمؤيد بالله، والإمام يحيى (٤). وروي عن مكحول (٥) والهادي (٦) أنه يسجد لسهوه لعموم الأدلة، وهو الظاهر لعدم انتهاض هذا الحديث لتخصيصها. وإن وقع السهو من الإمام والمؤتم فالظاهر أنه يكفي سجود واحد من المؤتمّ إما مع الإمام أو منفردًا. وإليه ذهب الفريقان والناصر والمؤيد بالله. وذهب الهادي إلى أنه يجب عليه سجودان، لسهو الإمام ثم لسهو نفسه، والظاهر ما ذهب إليه الأوّلون. (والفائدة الثانية): أن قوله: مكان ما نسي من الجلوس، يدلّ على أن السجود إنما هو لأجل ترك الجلوس لا لترك التشهد، حتى [لو أنه] (٧) جلس مقدار التشهد ولم يتشهد لا يسجد. وجزم أصحاب الشافعي (٨) وغيرهم أنه يسجد لترك التشهد وإن أتى بالجلوس.

стр. 2479

قوله: (فليجلس) زاد في رواية (١): "ولا سهو عليه"، وبها تمسك من قال: إن السجود إنما هو لفوات التشهد لا لفعل القيام. وإلى ذلك ذهب النخعي (٢) وعلقمة والأسود والشافعي (٣) في أحد قوليه. وذهبت العترة (٤) وأحمد بن حنبل (٥) إلى أنه يجب السجود لفعل القيام لما روي عن أنس أنه ﷺ : "تحرّك للقيام في الركعتين الآخرتين من العصر على جهة السهو، فسبحوا له فقعد ثم سجد للسهو"، أخرجه البيهقي (٦) والدارقطني (٧) موقوفًا عليه. وفي بعض طرقه أنه قال: "هذه السنة"، قال الحافظ (٨): ورجاله ثقات. وأخرج الدارقطني (٩) والحاكم (١٠) والبيهقي (١١) عن ابن عمر من حديثه بلفظ: "لا سهو إلا في قيام عن جلوس أو جلوس عن قيام"، وهو ضعيف. واستدلّ بأحاديث الباب أن التشهد الأوّل ليس من فروض الصلاة، إذ لو كان فرضًا لما جبر بالسجود، ولم يكن بدّ من الإتيان به كسائر الفروض، وبذلك قال أبو حنيفة (١٢) ومالك (١٣) والشافعي (١٤) والجمهور (١٥). وذهب أحمد (١٦) وأهل الظاهر (١٧) إلى وجوبه. وقد تقدم الكلام على هذا الاستدلال والجواب عنه في شرح أحاديث التشهد (١٨).
следующие страницы →