← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 2510–2549 · переход к 2515.

стр. 2510

وغيرهم (١) بين الشابة وغيرها، وفيه نظر؛ لأنها إذا عرت مما ذكر وكانت متسترة حصل الأمن عليها ولا سيما إذا كان ذلك بالليل. ١٠/ ١٠٣٨ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أيُّمَا امْرَأَةٍ أصَابَتْ بَخُورًا فَلا تَشْهَدَنَّ مَعَنا العِشَاءَ الآخِرَةَ"، رَوَاهُ مُسْلِم (٢) وأبُو دَاوُدَ (٣) والنَّسائِيُّ) (٤). [صحيح] ١١/ ١٠٣٩ - (وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ مَسَاجِدِ النِّساء قَعْرُ بُيُوتهِنَّ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ) (٥). [حسن بشواهده] ١٢/ ١٠٤٠ - (وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رأى مِنَ النِّسَاءِ ما رأيْنَا لَمَنَعَهُنَّ مِنَ المَسْجِدِ كَمَا مَنَعَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ نِسَاءَها، قُلْتُ لِعَمْرَةَ: وَمَنَعَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ نِسَاءَها؛ قالَتْ: نَعَمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح] حديث أمّ سلمة أخرجه أبو يعلى أيضًا (٧) والطبراني في الكبير (٨)، وفي إسناده ابن لهيعة وقد تقدّم ما يشهد له. وأخرج أحمد (٩) والطبراني (١٠) من حديث أمّ حُميد الساعدية: "أنها جاءت

стр. 2511

إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إني أحبُّ الصلاةَ معكَ فقال ﷺ : قد علمتُ، وصلاتُكِ في بيتكِ خيرٌ لكِ من صلاتكِ في حجرتُكِ، وصلاتُكِ في حجرتك خير لك من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجد الجماعة". قال الحافظ (١): وإسناده حسن. وأخرج أبو داود (٢) من حديث ابن مسعود قال: قال ﷺ : "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها". قوله: (أصابت بخورًا) فيه دليل على أن الخروج من النساء إلى المساجد إنما يجوز إذا لم يصحب ذلك ما فيه فتنة كما تقدم وما هو في تحريك الشهوة فوق البخور داخل بالأولى. قوله: (فلا تشهدن) (٣) في بعض النسخ هكذا بزيادة نون التوكيد، وفي بعضها بحذفها، وظاهر النهي التحريم. قوله: (رأى من النساء ما رأينا لمنعهن) يعنى من حسن الملابس والطيب والزينة والتبرّج، وإنما كان النساء يخرجن في المروط (٤) والأكسية (٥) والشملات (٦) الغلاظ.

стр. 2512

وقد تمسك بعضهم في منع النساء من المساجد مطلقًا بقول عائشة، وفيه نظر، إذ لا يترتب على ذلك تغيُّرُ الحكْمِ لأنها علَّقته على شرط لم يُوجَد في [زمانه] (١) ﷺ ، بل قالت ذلك بناء على ظنّ ظنته فقالت: "لو رأى لمنع" فيقال عليه لم ير ولم يمنع وظنها ليس بحجة. قوله: (كما منعت بنو إسرائيل نساءها) هذا وإن كان موقوفًا فحكمه الرفع لأنه لا يقال بالرأي (٢)، وقد روى نحوه عبد الرزاق (٣) عن ابن مسعود بإسناد صحيح. قوله: (قالت نعم) يحتمل أنها تلقته عن عائشة، ويحتمل أن يكون عن غيرها. وقد ثبت ذلك من حديث عروة عن عائشة موقوفًا، أخرجه عبد الرزاق (٤) بإسناد صحيح. ولفظه: "قالت: كن نساء بني إسرائيل يتخذن أرجلًا من خشب يتشرّفن للرجال في المساجد، فحرّم الله تعالى عليهنّ المساجد وسلطت عليهنّ الحيضة". وقد حصل من الأحاديث المذكورة في هذا الباب أن الإذن للنساء من الرجال إلى المساجد إذا لم يكن في خروجهنّ ما يدعو إلى الفتنة من طيب أو حليّ أو أيّ زينة واجب على الرجال، وأنه لا يجب مع ما يدعو إلى ذلك ولا يجوز، ويحرم عليهنّ الخروج لقوله: "فلا يشهدن" (٥) وصلاتهنّ على كل حال في بيوتهنّ أفضل من صلاتهنّ في المساجد.

стр. 2513

[الباب الثالث] باب فضل المسجد الأبعد والكثير الجمع ١٣/ ١٠٤١ - (عَنْ أَبِي مُوسَى قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ أعْظَمَ النَّاسِ فِي الصَّلَاةِ أَجْرًا أبْعَدُهُمْ إلَيْهَا مَمْشًى"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ) (١). [صحيح] ١٤/ ١٠٤٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الأبْعَدُ فالأبْعَدُ مِنَ المَسْجِدِ أعْظَمُ أجْرًا"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وأبُو دَاوُدَ (٣) وابْنُ مَاجَهْ) (٤). [صحيح لغيره] الحديث الثاني سكت عنه أبو داود (٥) والمنذري (٦)، وفي إسناده عبد الرحمن بن مهران مولى بني هاشم. قال في التقريب (٧): مجهول، وقال في الخلاصة (٨): وثقه ابن حبان انتهى. وبقية رجاله رجال الصحيح. قوله: (إن أعظم الناس في الصلاة أجرًا أبعدهم إليها ممشى)، فيه التصريح بأن أجر من كان مسكنه بعيدًا عن المسجد أعظم ممن كان قريبًا منه، وكذلك: قوله: (الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرًا)، وذلك لما ثبت عند البخاري (٩) ومسلم (١٠) وأبي داود (١١) والترمذي (١٢) وابن ماجه (١٣) من حديث أبي

стр. 2514

هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمسًا وعشرين درجة، وذلك بأن أحدكم إذا توضأ فأحسن الوضوء وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحطّ عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد" الحديث. ولما أخرجه أبو داود (١) عن سعيد بن المسيب عن رجل من الصحابة مرفوعًا، وفيه: "إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج إلى الصلاة لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنة، ولم يضع قدمه اليسرى إلا حطّ الله عنه [بها] (٢) سيئة، فليقرب أحدكم أو ليبعد" الحديث. ولما أخرجه مسلم (٣) عن جابر قال: "خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال لهم: إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد، قالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك، فقال: يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم". ١٥/ ١٠٤٣ - (وَعَنْ أُبيّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أزْكَى مِنْ صلاِتهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أزْكَى مِنْ صَلَاِتهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أكْثَرَ فَهُوَ أحَبُّ إلى الله تعالى"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وأبُو دَاوُدَ (٥) والنسائي (٦). [حسن] الحديث أخرجه أيضًا ابن ماجه (٧) وابن حبان (٨) وصححه ابن السكن (٩) والعقيلي (١٠) والحاكم (١١)، وأشار ابن المديني إلى صحته، وفي إسناده عبد الله بن

стр. 2515

أبي بَصير، قيل: لا يُعْرف لأنه ما روى عنه غير أبي إسحاق السبيعي (١). لكن أخرجه الحاكم (٢) من رواية العَيْزَار بن حريث (٣) عنه فارتفعت جهالة عينه. وأورد له الحاكم (٤) شاهدًا من حديث قَبَاث بن أشْيَم (٥) وفي إسناده نظر. وأخرجه البزار (٦) والطبراني (٧). وعبد الله المذكور وثقه ابن حبان (٨). قوله: (أزكى من صلاته وحده) أي أكثر أجرًا وأبلغ في تطهير المصلي وتكفير ذنوبه، لما في الاجتماع من نزول الرحمة والسكينة دون الانفراد. قوله: (وما كان أكثر فهو أحبّ إلى الله تعالى) فيه أن ما كثر جمعه فهو أفضل مما قلّ جمعه، وأن الجماعات تتفاوت في الفضل، وأن كونها تعدل سبعًا وعشرين صلاة يحصل بمطلق الجماعة، والرجل مع الرجل جماعة كما رواه ابن أبي شيبة (٩) عن إبراهيم النخعي أنه قال: الرجل مع الرجل جماعة لهما التضعيف خمسًا وعشرين، انتهى. وقد أخرج ابن ماجه (١٠) عن أبي موسى والبغوي في معجم

стр. 2516

الصحابة (١) عن الحكم بن عمير الثمالي أن النبيّ ﷺ قال: "اثنان فما فوقهما جماعة". وأحاديث التضاعف إلى هذا المقدار التي تقدم ذكرها لا ينافي الزيادة في الفضل لما كان أكثر، لا سيما مع وجود النصّ المصرّح بذلك كما في حديث الباب (٢). [الباب الرابع] باب [السعي] (٣) إلى المسجد بالسكينة ١٦/ ١٠٤٤ - (عَنْ أَبي قَتَادَةَ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيّ ﷺ إذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: "مَا شأنَكُمْ؟ "، قالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إلى الصَّلاةِ، قالَ: "فَلا تَفْعَلُوا، إذَا أَتَيْتُمُ الصَّلاةَ فعَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ فَمَا أدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فأتِمُّوا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٤). [صحيح] ١٧/ ١٠٤٥ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فامْشُوا إلى الصَّلاةِ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ وَالوقَارَ، وَلَا تُسْرِعُوا فَمَا أدْرَكْتُمْ فَصَلّوا ومَا

стр. 2517

فَاتَكُمْ فأتِمُّوا"، رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ (١). وَلَفْظُ النّسائيّ (٢) وأحْمَدَ (٣) فِي رِوَايَةٍ: "فاقْضُوا". وفي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (٤): "إِذَا ثُوّبَ بالصَّلَاةِ فَلا يَسْعَى إِلَيْهَا أحَدُكُمْ، وَلَكِنْ لِيَمْشِ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةَ وَالوِقَارُ، فَصَلّ ما أدْرَكْتَ، وَاقْضِ ما سَبَقَكَ"). [صحيح] قوله: (جَلَبة) بجيم ولام وموحَّدة مفتوحات: أي أصواتهم حال حركتهم. قوله: (فعليكم السكينة) ضبطه القرطبي (٥) بنصب السكينة على الإغراء. وضبطه النووي (٦) بالرفع على أنها جملة في موضع الحال. وفي رواية للبخاري (٧): "وعليكم بالسكينة" وقد استشكل بعضهم دخول الباء لأنه متعدّ بنفسه كقوله تعالى ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٨). قال الحافظ (٩): وفيه نظر لثبوت زيادة الباء في الأحاديث الصحيحة كحديث: "عليكم برخصة الله" (١٠)، "فعليه بالصوم" (١١)، "وعليك بالمرأة" (١٢). قوله: (فما أدركتم) قال الكرماني (١٣): الفاء جواب شرط محذوف: أي إذا ثبت لكم ما هو أولى بكم فما أدركتم فصلوا.

стр. 2518

قال في الفتح (١): أو التقدير إذا فعلتم فما أدركتم فصلوا: أي فعلتم الذي آمركم به من السكينة وترك الإسراع. قوله: (وما فاتكم فأتموا) أي أكملوا. وقد اختلف في هذه اللفظة في حديث أبي قتادة (٢)، فرواية الجمهور "فأتموا". ورواية معاوية بن هشام عن شيبان: "فاقضوا"، كذا ذكره ابن أبي شيبة عنه (٣). ومثله روى أبو داود (٤)، وكذلك وقع الخلاف في حديث أبي هريرة (٥) كما ذكر المصنف. قال الحافظ (٦): والحاصل أن أكثر الروايات [وردت] (٧) بلفظ: "فأتموا"، وأقلها بلفظ: "فاقضوا"، وإنما يظهر فائدة ذلك إذا جعلنا بين التمام والقضاء مغايرة. لكن إذا كان مخرج الحديث واحدًا واختلف في لفظة منه وأمكن ردّ الاختلاف إلى معنى واحد كان أولى، وهذا كذلك لأن القضاء وإن كان يطلق على الفائتة غالبًا لكنه يطلق على الأداء أيضًا. ويرد بمعنى الفراغ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ (٨)، ويرد لمعان أخر، فيحمل قوله هنا: "فاقضوا" على معنى الأداء، والفراغ فلا يغاير قوله: "فأتموا" فلا حجة لمن تمسك برواية "فاقضوا" على أن ما أدركه مع الإمام هو آخر صلاته حتى يستحبّ له الجهر في الركعتين الآخرتين وقراءة السورة وترك القنوت بل هو أوّلها وإن [كان] (٩) آخر صلاة إمامه، لأن الآخر لا يكون إلا عن شيء تقدمه. وأوضح دليل على ذلك أنه يجب عليه أن يتشهد في آخر صلاته على كل

стр. 2519

حال، فلو كان ما يدركه مع الإمام آخرًا له لما احتاج إلى إعادة التشهد. وقول ابن بطال (١): إنه ما تشهد إلا لأجل السلام؛ لأن السلام يحتاج إلى سبق تشهد ليس بالجواب الناهض على دفع الإيراد المذكور. واستدلّ ابن المنذر (٢) لذلك أيضًا أنهم أجمعوا على أن تكبيرة الافتتاح لا تكون إلا في الركعة الأولى، وقد عمل بمقتضى اللفظين الجمهور فإنهم قالوا: إن ما أدرك مع الإمام هو أوّل صلاته إلا أنه يقضي مثل الذي فاته من قراءة السورة مع أمّ القرآن في الرباعية، لكن لم يستحبوا له إعادة الجهر في الركعتين الباقيتين، وكأنَّ الحجة فيه قول عليّ ﵇ (٣): "ما أدركت مع الإمام فهو أوّل صلاتك، واقض ما سبقك به من القرآن"، أخرجه البيهقي (٤). وعن إسحق والمزني (٥): أنه لا يقرأ إلا أمّ القرآن فقط، قال الحافظ (٦): وهو القياس. قوله: (إذا سمعتم الإقامة) هو أخص من قوله في حديث أبي قتادة (٧): "إذا أتيتم الصلاة"، لكن الظاهر أنه في مفهوم الموافقة. وأيضًا سامع الإقامة لا يحتاج إلى الإسراع لأنه يتحقق إدراك الصلاة كلها فينتهي عن الإسراع من باب الأولى. وقد لحظ بعضهم معنى غير هذا فقال: الحكمة في التقييد بالإقامة أن المسرع إذا أقيمت الصلاة يصل إليها فيقرأ في تلك الحال فلا يحصل تمام الخشوع في الترتيل وغيره، بخلاف من جاء قبل ذلك فإن الصلاة قد لا تقام حتى يستريح. وفيه أنه لا يكره الإسراع لمن جاء قبل الإقامة، وهو مخالف لصريح قوله:

стр. 2520

"إذا أتيتم الصلاة". لأنه يتناول ما قبل الإقامة؛ وإنما قيد الحديث الثاني بالإقامة؛ لأن ذلك هو الحامل في الغالب على الإسراع. قوله: (والوقار) قال عياض (١) والقرطبي (٢): هو بمعنى السكينة وذكر على سبيل التأكيد. وقال النووي (٣): الظاهر أن بينهما فرقًا، وأن السكينة: التأني في الحركات واجتناب العبث. والوقار في الهيئة بغض البصر وخفض الصوت وعدم الالتفات. قوله: (ولا تسرعوا) فيه زيادة تأكيد، فيستفاد منه الردّ على من أوّل قوله في حديث أبي قتادة (٤): "فلا تفعلوا"، بالاستعجال المفضي إلى عدم الوقار، وأما الإسراع الذي لا ينافي الوقار لمن خاف فوت التكبيرة فلا، كذا روي عن إسحق بن راهويه (٥). والحديثان يدلان على مشروعية المشي إلى الصلاة على سكينة ووقار، وكراهية الإسراع والسعي. والحكمة في ذلك ما نبه عليه ﷺ كما وقع عند مسلم (٦) من حديث أبي هريرة بلفظ: "فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة"، أي أنه في حكم المصلي، فينبغي له اعتماد ما ينبغي للمصلي اعتماده واجتناب ما ينبغي للمصلي اجتنابه. وقد استدلّ بحديثي الباب أيضًا على أن من أدرك الإمام راكعًا لم تحسب له تلك الركعة للأمر بإتمام ما فاته لأنه فاته القيام والقراءة فيه. قال في الفتح (٧): وهو قول أبي هريرة وجماعة، بل حكاه البخاري في جزء

стр. 2521

القراءة خلف الإمام (١)، عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام، واختاره ابن خزيمة والضبعي وغيرهما من الشافعية، وقوّاه الشيخ تقيّ الدين السبكي من المتأخرين. وقد قدمنا البحث عن هذا في باب ما جاء في قراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه (٢). قال المصنف (٣) ﵀ بعد أن ساق الحديثين ما لفظه: وفيه حجة لمن قال: إن ما أدركه المسبوق آخر صلاته، واحتجّ من قال بخلافه بلفظة الإتمام، انتهى. وقد عرفت الجمع بين الروايتين (٤). [الباب الخامس] باب ما يؤمر به الإمام من التخفيف ١٨/ ١٠٤٦ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاس

стр. 2522

فَلْيُخَفِّفْ، فإنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبِيرَ، فإذا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ ما شاءَ" رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا ابْنَ ماجَهْ (١). [صحيح] لَكِنَّهُ لَهُ (٢) مِنْ حَدِيثِ عُثْمانَ بْنِ أبي العاصِ). [صحيح] ١٩/ ١٠٤٧ - (وَعَنْ أنَسٍ قَالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوجزُ الصَّلاةَ وَيُكْمِلُها (٣). [صحيح] وفي رِوَايَةٍ: ما صَلَّيْتُ خَلْفَ إمامٍ قَطُّ أخَفَّ صَلاةً وَلا أتمَّ صَلاةً مِنَ النَّبِيّ ﷺ (٤). [صحيح] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِما). ٢٠/ ١٠٤٨ - (وَعَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "إنِّي لأدْخُلُ فِي الصَّلاةِ وأنا أُرِيدُ إطالَتها فأَسْمَعُ بُكاء الصَّبِيّ فأتجَوَّزُ فِي صَلاتِي مِمَّا أعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكائِهِ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا أبا دَاوُدَ وَالنَّسائيَّ (٥). [صحيح] لَكِنَّهُ لَهُما (٦) مِنْ حَدِيثِ أبي قَتادَةَ). [صحيح]

стр. 2523

قوله: (فليخفف) قال ابن دقيق العيد (١): التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية، فقد يكون الشيء خفيفًا بالنسبة إلى عادة قوم، طويلًا بالنسبة إلى عادة آخرين. قال (٢): وقول الفقهاء: لا يزيد الإمام في الركوع والسجود على ثلاث تسبيحات، لا يخالف ما ورد عن النبيّ ﷺ أنه كان يزيد على ذلك؛ لأن رغبة الصحابة في الخير لا تقتضي أن يكون ذلك تطويلًا. قوله: (فإن فيهم) في رواية في البخاري للكشميهني (٣): "فإن منهم"، وفي رواية (٤): "فإن خلفه"، وهو تعليل للأمر بالتخفيف، ومقتضاه أنه متى لم يكن فيهم من يتصف بإحدى الصفات المذكورات لم يضر التطويل. ويرد عليه أنه يمكن أن يجيء من يتصف بأحدها بعد الدخول في الصلاة. وقال اليعمري (٥): الأحكام إنما تناط بالغالب لا بالصورة النادرة، فينبغي للأئمة التخفيف مطلقًا. قال: وهذا كما شرع القصر في صلاة المسافر، وهي مع ذلك تشرع ولو لم تشقّ عملًا بالغالب لأنه لا يدري ما يطرأ عليه وهنا كذلك. قوله: (فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير)، المراد بالضعيف [هنا] (٦): ضعيف الخلقة، وبالسقيم من به مرض. وفي رواية للبخاري (٧): "فإن منهم المريض والضعيف"، والمراد بالضعيف في هذه الرواية: ضعيف الخلقة بلا شكّ. وفي رواية للبخاري (٨) أيضًا عن ابن مسعود: "فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة". وكذلك في رواية أخرى له (٩) من حديثه، والمراد بالضعيف في هاتين

стр. 2524

الروايتين المريض، ويصحّ أن يراد من فيه ضعف، [وهو] (١) أعمّ من الحاصل بالمرض أو بنقصان الخلقة. وزاد مسلم (٢) من وجه آخر في حديث أبي هريرة: "والصغير". وزاد الطبراني (٣) من حديث عثمان بن أبي العاص: "والحامل والمرضع". وله (٤) من حديث عديّ بن حاتم: "والعابر السبيل". قوله: (فليطوّل ما شاء)، ولمسلم (٥): "فليصلّ كيف شاء"، أي مخففًا أو مطوّلًا. واستدلّ بذلك على جواز إطالة القراءة ولو خرج الوقت، وهو المصحح عند بعض الشافعية. قال الحافظ (٦): وفيه نظر لأنه يعارضه عموم قوله في حديث أبي قتادة: إنما التفريط أن تؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى"، أخرجه مسلم (٧). وإذا تعارضت مصلحة المبالغة في الكمال بالتطويل ومفسدة إيقاع الصلاة في غير وقتها كان مراعاة ترك المفسدة أولى. واستدلّ بعمومه أيضًا على جواز تطويل الاعتدال من الركوع وبين السجدتين. قوله: (لكنه له من حديث عثمان بن أبي العاص) في إسناده

стр. 2525

محمد بن عبد الله القاضي (١)، ضعفه الجمهور ووثقه ابن معين وابن سعد. وقد أخرج حديث عثمان المذكور مسلم في صحيحه (٢). قوله: (ويوجز الصلاة ويكملها) فيه أن مشروعية التخفيف لا تستلزم أن تبلغ إلى حدّ يكون بسببه عدم [تمام] (٣) أركان الصلاة وقراءتها، وأن من سلك طريق النبيّ ﷺ في الإيجاز والإتمام لا يشتكي منه تطويل (٤).

стр. 2526

وروى ابن أبي شيبة (١) أن الصحابة كانوا يتمون ويوجزون ويبادرون الوسوسة، فبين العلة في تخفيفهم. قوله: (إني أدخل في الصلاة) [و] (٢) في رواية للبخاري (٣): "إني لأقوم في الصلاة". قوله: (وأنا أريد إطالتها) فيه أن من قصد في الصلاة الإتيان بشيء مستحبّ لا يجب عليه الوفاء به خلافًا لأشهب. قوله: (فأسمع بكاء الصبيّ) فيه جواز إدخال الصبيان المساجد، وإن كان الأولى تنزيه المساجد عمن لا يؤمن حدثه فيها لحديث: "جنبوا مساجدكم" وقد تقدم (٤). قوله: (فأتجوّز) فيه دليل على مشروعية الرفق بالمأمومين وسائر الأتباع ومراعاة مصالحهم، ودفع ما يشقّ عليهم وإن كانت المشقة يسيرة وإيثار تخفيف الصلاة للأمر يحدث. قوله: (لكنه لهما من حديث أبي قتادة) هو في البخاري (٥) ولفظه: "إني لأدخل في الصلاة فأريد إطالتها فأسمع بكاء الصبيّ فأتجوّز مما أعلم من شدّة وجد أمه من بكائه". وأحاديث الباب تدلّ على مشروعية التخفيف للأئمة وترك التطويل للعلل المذكورة من الضَّعفِ والسُّقْمِ والكِبَر والحاجَةِ واشتغالِ خاطرِ أمّ الصبيّ ببكائه، ويلحق بها ما كان فيه معناها. قال أبو عمر بن عبد البر (٦): التخفيف لكل إمام أمر مجمع عليه، [مندوب عند العلماء إليه] (٧)، إلا أن ذلك إنما هو أقلّ الكمال.

стр. 2527

وأما الحذف والنقصان فلا "لأن رسول الله ﷺ قد نهى عن نقر الغراب" (١). ورأى رجلًا يصلي فلم يتمّ ركوعه، فقال له: "ارجع فصلّ فإنك لم تصل" (٢). وقال: "لا ينظر الله إلى من لا يقيم صلبه في ركوعه وسجوده" (٣). ثم قال: لا أعلم خلافًا بين أهل العلم في استحباب التخفيف لكل من أمّ قومًا على ما شرطنا من الإتمام. وقد روي عن عمر بن الخطاب (٤) أنه قال: "لا تبغضوا الله إلى عباده، يطوّل أحدكم في صلاته حتى يشقّ على من خلفه" انتهى. وقد ورد في مشروعية التخفيف أحاديث غير ما ذكره المصنف. (منها): عن عديّ بن حاتم عند ابن أبي شية (٥). وعن سمرة عند الطبراني (٦). وعن مالك بن عبد الله الخزاعي عند الطبراني (٧) أيضًا. وعن أبي واقد الليثي عند الطبراني (٨) أيضًا.

стр. 2528

وعن ابن مسعود عند البخاري (١) ومسلم (٢). وعن جابر بن عبد الله عند البخاري (٣) ومسلم (٤) أيضًا. وعن ابن عباس عند ابن أبي شيبة (٥). وعن حزم بن أبيّ [بن] (٦) كعب الأنصاري عند أبي داود (٧). وعن رجل من بني سلمة يقال له سليم من الصحابة عند أحمد (٨). وعن بريدة عند أحمد (٩) أيضًا. وعن ابن عمر عند النسائي (١٠). [الباب السادس] باب إطالة الإمام الرّكعة الأولى وانتظار من أحسّ به داخلًا ليدرك الركعة فِيهِ عَنْ أبي قَتَادَةَ وَقَدْ سَبَقَ (١١). ٢١/ ١٠٤٩ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ [قَالَ] (١٢): لَقَدْ كَانَتِ [صَلَاةَ الظُّهرِ] (١٣) تُقَامُ

стр. 2529

فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلى البَقِيعِ فَيَقْضِي حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَأْتي وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الرَّكْعَةِ الأُولى مِمَّا يُطَوِّلَهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢) وَابْنُ مَاجَهْ (٣) وَالنّسَائِيُّ) (٤). [صحيح] ٢٢/ ١٠٥٠ - (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبي أَوْفَى أَنّ النَّبِيّ ﷺ : كَانَ يَقُومُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ حَتَّى لا يَسْمَعَ وَقْعَ قَدَمٍ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) وأبُو دَاوُدَ) (٦). [ضعيف] حديث أبي قتادة تقدم مع شرحه في باب السورة بعد الفاتحة في الأوليين من أبواب صفة الصلاة (٧)، وفيه بعد ذكر أنه كان يطوّل في الأولى قال: فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى. وحديث عبد الله بن أبي أوفى أخرجه أيضًا البزار (٨) وسياقه أتمّ، وفي

стр. 2530

إسناده رجل مجهول لا يعرف، وسماه بعضهم طرفة الحضرمي (١) وهو مجهول كما قال الأزدي. وفيه حديث أبي قتادة (٢) وأبي سعيد (٣) مشروعية التطويل في الركعة الأولى من صلاة الظهر وغيرها. وقد قدمنا الكلام على ذلك في أبواب صفة الصلاة. وقد استدلّ القائلون بمشروعية تطويل - الركعة الأولى لانتظار الداخل ليدرك فضيلة الجماعة بتلك الرواية التي ذكرناها من حديث أبى قتادة (٤) أعنى قوله: "فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى". واستدلوا أيضًا بحديث ابن أبي أوفى (٥) المذكور في الباب. وقد حكى استحباب ذلك ابن المنذر (٦) عن الشعبي (٧) والنخعي (٨) وأبي مجلز (٩) وابن أبي ليلى (١٠) من التابعين. وقد نقل الاستحباب أبو الطيب الطبري عن الشافعي في الجديد. وفى التجريد للمحاملي نسبة ذلك إلى القديم وأن الجديد كراهته (١١).

стр. 2531

وذهب أبو حنيفة (١) ومالك (٢) والأوزاعي (٣) وأبو يوسف (٣) وداود والهادوية إلى كراهة الانتظار، واستحسنه ابن المنذر (٤). وشدّد في ذلك بعضهم وقال: أخاف أن يكون شركًا، وهو قول محمد بن الحسن (٥)؛ وبالغ بعض أصحاب الشافعي (٦) فقال: إنه مبطل للصلاة. وقال أحمد وإسحق فيما حكاه عنهما ابن بطال (٧): إن كان الانتظار لا يضرّ بالمأمومين جاز، وإن كان مما يضرّ ففيه الخلاف. وقيل: إن كان الداخل ممن يلازم الجماعة انتظره الإمام وإلا فلا روى ذلك النووي في شرح المهذّب (٨) عن جماعة من السلف. وقد استدلّ الخطابي في المعالم (٩) على الانتظار المذكور بحديث أنس المتقدّم (١٠) في الباب الأوّل في التخفيف عند سماع بكاء الصبيّ فقال: فيه دليل على أن الإمام وهو راكع إذا أحسّ بداخل يريد الصلاة معه كان له أن ينتظره راكعًا ليدرك فضيلة الركعة في الجماعة؛ لأنه إذا كان له أن يحذف من طول

стр. 2532

الصلاة لحاجة إنسان في بعض أمور الدنيا كان له أن يزيد فيها لعبادة الله تعالى، بل هو أحقّ بذلك وأولى، وكذلك قال ابن بطال (١). وتعقبهما ابن المنير (٢) والقرطبي (٣): بأن التخفيف ينافي التطويل فكيف يقاس عليه؟ قال ابن المنير: وفيه مغايرة للمطلوب لأن فيه إدخال مشقة على جماعة لأجل واحد، وهذا لا يردّ على أحمد وإسحاق لتقييدهما الجواز بعدم الضرّ للمؤتمين كما تقدم. وما قالاه هو أعدل المذاهب في المسألة، وبمثله قال أبو ثور (٤). [الباب السابع] باب وجوب متابعة الإمام والنهي عن مسابقته ٢٣/ ١٠٥١ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إنمَا جُعِلَ الإِمامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى قاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أجمَعُونَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). [صحيح] وفي لَفْظ: "إِنَّمَا الامَامُ ليُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ، وَإِذَا رَكَعَ فارْكَعُوا، وَلا تَرْكَعُوا حتَّى يَرْكَعَ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَلا تَسْجُدُوا حتَّى يَسْجُدَ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٦) وأبُو دَاوُدَ) (٧). [صحيح]

стр. 2533

في الباب غير [ما ذكر] (١) المصنف عن عائشة عند الشيخين (٢) وأبي داود (٣) وابن ماجه (٤). وعن جابر عند مسلم (٥) وأبي داود (٦) والنسائي (٧) وابن ماجه (٨). وعن ابن عمر عند أحمد (٩) والطبراني (١٠). وعن معاوية عند الطبراني في الكبير (١١). قال العراقي: ورجاله رجال الصحيح. وعن أسيد بن حضير عند أبي داود (١٢) وعبد الرزاق (١٣). وعن قيس بن قهد عند عبد الرزاق (١٤) أيضًا.

стр. 2534

وعن أبي أمامة عند ابن حبان في صحيحه (١). قوله: (إنما جعل الإمام ليؤتمّ به) لفظ (إنما): من صيغ الحصر (٢) عند جماعة من أئمة الأصول (٣) والبيان (٤). ومعنى الحصر فيها: إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه. واختار الآمدي (٥) أنها لا تفيد الحصر وإنما تفيد تأكيد الإثبات فقط. ونقله أبو حيان عن البصريين. وفي كلام الشيخ تقيّ الدين بن دقيق العيد (٦) ما يقتضي نقل الاتفاق على إفادتها للحصر. والمراد بالحصر هنا حصر الفائدة في الاقتداء بالإمام والاتباع له، ومن شأن التابع أن لا يتقدم على المتبوع، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال التي فصلها الحديث ولا في غيرها قياسًا عليها، ولكن ذلك مخصوص بالأفعال الظاهرة لا الباطنة وهي ما لا يطلع عليه المأموم كالنية فلا يضرّ الاختلاف فيها، فلا يصحّ الاستدلال به على من جوّز ائتمام من يصلي الظهر بمن يصلي العصر، ومن يصلي الأداء بمن يصلي القضاء، ومن يصلي الفرض بمن يصلي النفل وعكس ذلك، وعامة الفقهاء على ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، وترك مخالفته له في نية أو غيرها؛ لأن ذلك من الاختلاف، وقد نهى عنه ﷺ بقوله: "فلا تختلفوا". وأجيب بأنه ﷺ قد بين وجوه الاختلاف فقال: "فإذا كبر فكبروا" إلخ، ويتعقب بإلحاق غيرها بها قياسًا كما تقدم. وقد استدلّ بالحديث أيضًا القائلون بأن صحة صلاة المأموم لا تتوقف على

стр. 2535

صحة صلاة الإمام إذا بان جنبًا أو محدثًا أو عليه نجاسة خفية، وبذلك صرّح أصحاب الشافعي (١) بناء على اختصاص النهي عن الاختلاف بالأمور المذكورة في الحديث، أو بالأمور التي يمكن المؤتمّ الاطلاع عليها. قوله: (فإذا كبر فكبروا) فيه أن المأموم لا يشرع في التكبير إلا بعد فراغ الإمام منه، وكذلك الركوع والرفع منه والسجود. ويدلّ على ذلك أيضًا قوله في الرواية الثانية: "ولا تكبروا ولا تركعوا ولا تسجدوا"، وكذلك سائر الروايات المشتملة على النهي وستأتي. وقد اختلف في ذلك هل هو على سبيل الوجوب أو الندب؟ والظاهر الوجوب من غير فرق بين تكبيرة الإحرام وغيرها. قوله: (وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهمَّ ربنا لك الحمد) فيه دليل لمن قال: إنه يقتصر المؤتمّ في ذكر الرفع من الركوع على قوله: ربنا لك الحمد، وقد قدمنا بسط ذلك في باب ما يقول: في رفعه من الركوع من أبواب صفة الصلاة (٢)، وقدمنا أيضًا الكلام على اختلاف الروايات في زيادة الواو وحذفها. قوله: (وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا) فيه دليل لمن قال: إن المأموم يتابع الإمام في الصلاة قاعدًا وإن لم يكن المأموم معذورًا (٣)، وإليه ذهب أحمد (٤) وإسحق والأوزاعي وأبو بكر بن المنذر وداود (٥) وبقية أهل الظاهر. وسيأتي الكلام على ذلك في باب اقتداء القادر على القيام بالجالس. قوله: (أجمعون) كذا في أكثر الروايات بالرفع على التأكيد لضمير الفاعل في قوله: ["فصلوا"] (٦) وفي بعضها بالنصب على الحال.

стр. 2536

٢٤/ ١٠٥٢ - (وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أما يَخْشَى أحَدُكُمْ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يُحَوّلَ اللهُ رأسَهُ رأسَ حِمارٍ، أَوْ يُحَوّل الله صُورَتَهُ صُورَةَ حِمارٍ؟ "، رَوَاهُ الجَماعَةُ) (١). [صحيح] ٢٥/ ١٠٥٣ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إمَامُكُمْ فَلا تَسْبِقُونِي بالرُّكُوعِ وَلا بِالسُّجُودِ وَلَا بِالقِيَامِ وَلَا بِالْقُعُودِ ولَا بالانْصِرَافِ" رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَمُسْلِمٌ) (٣). [صحيح] ٢٦/ ١٠٥٤ - (وَعَنْهُ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ، وَلَا تَرْفَعُوا حَتَّى يَرْفَعَ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) (٤). [صحيح] قوله: (أما يخشى أحدكم) أما مخففة حرف استفتاح مثل ألا، وأصلها نافية دخلت عليها همزة الاستفهام وهي [ها] (٥) هنا استفهام توبيخ (٦).

стр. 2537

قوله: (إذا رفع رأسه قبل الإمام) زاد ابن خزيمة (١): "في صلاته"، والمراد الرفع من السجود. ويدلُّ على ذلك ما وقع في رواية حفص بن عمر (٢): "الذي يرفع رأسه والإمام ساجد". وفيه تعقب على من قال: إن الحديث نصّ في المنع من تقدم المأموم في الرفع من الركوع والسجود معًا، وليس كذلك بل هو نصّ في السجود ويلتحق به الركوع لكونه في معناه. ويمكن الفرق بينهما بأن السجود له مزيد مزية؛ لأن العبد أقرب ما يكون فيه من ربه. وأما التقدم على الإمام في الخفض للركوع والسجود فقيل: يلتحق به من باب الأولى؛ لأن الاعتدال والجلوس بين السجدتين من الوسائل، والركوع والسجود من المقاصد، وإذا دلّ الدليل على وجوب الموافقة فيما هو وسيلة فأولى أن يجب فيما هو مقصد. قال الحافظ (٣): ويمكن أن يقال: ليس هذا بواضح لأن الرفع من الركوع والسجود يستلزم قطعه عن غاية كماله. قال: وقد ورد الزجر عن الرفع والخفض قبل الإمام [من] (٤) حديث أخرجه البزار (٥) عن أبي هريرة مرفوعًا: "الذي يخفض ويرفع قبل الإمام إنما ناصيته بيد شيطان". وأخرجه عبد الرزاق (٦) من هذا الوجه موقوفًا وهو المحفوظ.

стр. 2538

قوله: (أو يحوّل الله صورته، إلخ) الشكّ من شعبة، وقد رواه الطيالسي (١) عن حماد بن سلمة وابن خزيمة (٢) عن حماد بن زيد، ومسلم (٣) عن يونس بن عبيد والربيع بن مسلم كلهم عن محمد بن زياد بغير تردّد، فأما الحمادان فقالا: "رأس"، وأما الربيع فقال: "وجه"، وأما يونس فقال: "صورة" (٤). والظاهر أنه من تصرف الرواة. قال عياض (٥): هذه الروايات متفقة لأن الوجه في الرأس ومعظم الصورة فيه. قال الحافظ (٦): لفظ الصورة يطلق على الوجه أيضًا. وأما الرأس فرواتها أكثر وهي أشمل فهي المعتمد، وخصّ وقوع الوعيد عليها لأن بها وقعت الجناية. وظاهر الحديث يقتضي تحريم الرفع قبل الإمام لكونه توعد عليه بالمسخ وهو أشدّ العقوبات، وبذلك جزم النووي في شرح المهذّب (٧)، ومع القول بالتحريم فالجمهور على أن فاعله يأثم وتجزئه صلاته، وعن ابن عمر: يبطل، وبه قال أحمد (٨) في رواية، وأهل الظاهر (٩) بناء على أن النهي يقتضي الفساد (١٠) والوعيد بالمسخ في معناه.

стр. 2539

وقد ورد التصريح بالنهي في رواية أنس (١) المذكورة في الباب عن السبق بالركوع والسجود والقيام والقعود. وقد اختلف في معنى الوعيد المذكور، فقيل: يحتمل أن يرجع ذلك إلى أمر معنوي، فإن الحمار موصوف بالبلادة فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فرض الصلاة ومتابعة الإمام، ويرجح هذا المجاز أن التحويل لم يقع مع كثرة الفاعلين، لكن ليس في الحديث ما يدلّ على أن ذلك يقع ولا بدّ، وإنما يدلّ على كون فاعله متعرّضًا لذلك، ولا يلزم من التعزض لبشيء وقوعه، وقيل: هو على ظاهره إذ لا مانع من جواز وقوع ذلك. وقد وردت أحاديث كثيرة تدلّ على جواز وقوع المسخ في هذه الأمة (٢). وأما ما ورد من الأدلة القاضية برفع المسخ عنها فهو المسخ العامّ (٣).

стр. 2540

ومما يبعد المجاز المذكور ما عند ابن حبان (١) بلفظ: "أن يُحوِّلَ اللهُ رأسَهُ رأسَ كلب" لانتفاء المناسبة التي ذكروها من بلادة الحمار. ومما يبعده أيضًا إيراد الوعيد بالأمر المستقبل، وباللفظ الدالّ على تغيير الهيئة الحاصلة، ولو كان المراد التشبيه بالحمار لأجل البلادة لقال مثلًا: فرأسه رأس حمار، ولم يحسن أن يقال له: إذا فعلت ذلك صرت بليدًا، مع أن فعله المذكور إنما نشأ عن البلادة. واستدلّ بالأحاديث المذكورة على جواز المقارنة. وردّ بأنها دلت بمنطوقها على منع المسابقة، وبمفهومها على طلب المتابعة، وأما المقارنة فمسكوت عنها. قوله: (ولا بالانصراف) قال النووي (٢): المراد بالانصراف: السلام، انتهى. ويحتمل أن يكون المراد النهي عن الانصراف من مكان الصلاة قبل الإمام لفائدة أن يدرك المؤتمّ الدعاء، أو لاحتمال أن يكون الإمام قد حصل له في صلاته سهو فيذكر وهو في المسجد [ويعود] (٣) له كما في قصة ذي اليدين (٤). وقد أخرج أبو داود (٥) عن (ابن عباس) "أن النبيّ ﷺ حضهم على الصلاة ونهاهم أن ينصرفوا قبل انصرافه من الصلاة". وأخرج الطبراني في الكبير (٦) عن ابن مسعود بإسناد رجاله ثقات أنه قال: "إذا سلم الإمام وللرجل حاجة فلا ينتظره إذا سلم أن يستقبله بوجهه، وإن فصل الصلاة التسليم".

стр. 2541

وروي عنه أنه كان إذا سلم لم يلبث أن يقوم أو يتحوّل من مكانه (١). [الباب الثامن] باب انعقاد الجماعة باثنين أحدهما صبي أو امرأة ٢٧/ ١٠٥٥ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ أُصَلِّي مَعَهُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فأخَذَ بِرأسِي وأقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ. رَوَاهُ الجَمَاعَةَ (٢). [صحيح] وَفِي لفظ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيّ ﷺ وأنا يَوْمَئِذٍ ابْنُ عَشْرٍ، وَقُمْتُ إِلى جَنْبِهِ عَنْ يَسَارِهِ، فأقامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، قَالَ: وأنا يَوْمَئِذٍ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٣). [صحيح دون قول ابن عباس: "وأنا ابن عشر سنين"] قوله: (بِتُّ) في رواية: "نمت". قوله: (يصلي من الليل) قد تقدّم الكلام في صلاة الليل.

стр. 2542

قوله: (وأقامني عن يمينه) يحتمل المساواة ويحتمل التقدم والتأخر قليلًا. وفي رواية (١): "فقمت إلى جنبه" وهو ظاهر في المساواة. وعن بعض أصحاب الشافعي (٢): يستحبّ أن يقف المأموم دونه قليلًا، وليس عليه فيما أعلم دليل. وفي الموطأ (٣) عن عبد الله بن مسعود قال: دخلت على عمر بن الخطاب بالهاجرة فوجدته يسبح، فقمت وراءه، فقرّبني حتى جعلني حذاءه عن يمينه. والحديث له فوائد كثيرة: (منها): ما بوّب له المصنف من انعقاد الجماعة باثنين أحدهما صبيّ، وليس على قول من منع من انعقاد إمامة من معه صبيّ فقط دليل، ولم يستدلّ لهم في البحر (٤) إلا بحديث: "رفع القلم" (٥)، ورفع القلم لا يدلّ على عدم صحة صلاته وانعقاد الجماعة به، ولو سلم لكان مخصصًا بحديث ابن عباس ونحوه. وقد ذهب إلى أن الجماعة لا تنعقد بصبيّ: الهادي والناصر والمؤيد بالله (٤) وأبو حنيفة (٦) وأصحابه. وذهب الشافعي والإمام يحيى (٤) إلى الصحة من غير فرق بين الفرض والنفل. وذهب مالك (٧) وأبو حنيفة (٦) في رواية عنه إلى الصحة في النافلة. (ومنها): صحة صلاة النوافل جماعة، وقد تقدم بعض الكلام على ذلك وسيأتي بقيته. (ومنها): أن موقف المؤتمّ عن يمين الإمام. وقال سعيد بن المسيب (٨): إن موقف المؤتمّ الواحد عن يسار الإمام، ولم يتابع على ذلك لمخالفته للأدلة.

стр. 2543

وقد اختلف في صحة صلاة من وقف عن اليسار فقيل: لا تبطل بل هي صحيحة وهو قول الجمهور (١)، وتمسكوا بعدم بطلان صلاة ابن عباس بوقوفه عن اليسار لتقريره ﷺ له على أوّل صلاته. وقيل: تبطل وإليه ذهب أحمد (٢) والهادوية (٣)، قالوا: وتقريره ﷺ لابن عباس لا يدلّ على صحة صلاة من وقف من أوّل الصلاة إلى آخرها عن اليسار عالمًا. وغاية ما فيه تقرير من جهل الموقف، والجهل عذر، وسيأتي الكلام على الموقف للمؤتمّ الواحد والاثنين والجماعة في أبواب مواقف الإمام والمأموم (٤). (ومنها) جواز الائتمام بمن لم ينو الإمامة، وقد بوّب البخاري (٥) لذلك. وفي المسألة خلاف، والأصحّ عند الشافعية (٦) أنه لا يشترط لصحة الاقتداء أن ينوي الإمام الإمامة. واستدلّ لذلك ابن المنذر (٧) بحديث أنس: "أن النبيّ ﷺ صلى في رمضان، قال: فجئت فقمت إلى جنبه، وجاء آخر فقام إلى جنبي حتّى كنا رهطًا، فلما أحس النبيّ ﷺ بنا تجوّز في صلاته" الحديث، وسيأتي (٨). وهو ظاهر في أنه لم ينو الإمامة ابتداء وائتموا هم به ابتداء وأقرّهم، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم (٩) وعلقه البخاري (١٠).

стр. 2544

وذهب أحمد (١) إلى الفرق بين النافلة والفريضة، فشرط أن ينوي في الفريضة دون النافلة، وفيه نظر لحديث أبي سعيد: "أن النبيّ ﷺ رأى رجلًا يصلي وحده، فقال: ألا رجل يتصدّق على هذا فيصلي معه"، أخرجه أبو داود (٢) وقد حسنه الترمذي (٣) وصححه ابن خزيمة (٤) وابن حبان (٥) والحاكم (٦). ٢٨/ ١٠٥٦ - (وَعَنْ أبي سَعِيدٍ وأبي هُرَيْرَةَ قَالَا: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ وأيْقَظَ أَهْلَهُ فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ الله كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) (٧). [صحيح] الحديث ذكر أبو داود (٨) أن بعضهم لم يرفعه ولا ذكر أبا هريرة وجعله كلام أبي سعيد، وبعضهم رواه موقوفًا. وقد أخرجه النسائي (٩) وابن ماجه (١٠) مسندًا. وفيه مشروعية إيقاظ الرجل أهله بالليل للصلاة، وقد أخرج أبو داود (١١) والنسائي (١٢) وابن ماجه (١٣) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "رحم الله

стр. 2545

رجلًا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء". وفي إسناده محمد بن عجلان (١)، وقد وثقه أحمد ويحيى وأبو حاتم واستشهد به البخاري، وأخرج له مسلم في المتابعة وتكلم فيه بعضهم. وحديث الباب استدلّ به على صحة الإمامة وانعقادها برجل وامرأة. وإلى ذلك ذهب الفقهاء (٢) ولكنه لا يخفى أن قوله: "فصليا ركعتين جميعًا" محتمل لأنه يصدق عليهما إذا صلى كل واحد منهما ركعتين منفردًا أنهما صليا جميعًا ركعتين، أي كل واحد منهما فعل الركعتين ولم يفعلهما أحدهما فقط، ولكن الأصل صحة الجماعة وانعقادها بالمرأة مع الرجل كما تنعقد بالرجل مع الرجل، ومن منع من ذلك فعليه الدليل. ويؤيد ذلك ما أخرجه الإسماعيلي في مستخرجه عن عائشة أنها قالت: "كان النبيّ ﷺ إذا رجع من المسجد صلى بنا"، وقال: إنه حديث غريب. وقد روى الشافعي (٣) وابن أبي شيبة (٤) والبخاري تعليقًا (٥) عن عائشة أنها كانت تأتمّ بغلامها. وحكى المهدي في البحر (٦) عن العترة أنه لا يؤمّ الرجل امرأة، واستدل لذلك بقوله ﷺ : "أخِّروهنّ حيث أخرهنّ الله" (٧)، وقوله: "شرّ صفوف

стр. 2546

النساء أوّلها" (١)، وليس في ذلك ما يدلّ على المطلوب. واستدلّ أيضًا بأن عليًا منع من ذلك، قال: وهو توقيف. وجعله من التوقيف دعوى مجرّدة لأن المسألة من مسائل الاجتهاد، وليس المنع مذهبًا لجميع العترة، فقد صرّح الهادي (٢) أنه يجوز للرجل أن يؤمّ بالمحارم في النوافل، وجوّز ذلك المنصور بالله مطلقًا. [الباب التاسع] باب انفراد المأموم لعذر ثَبَتَ أن الطَّائِفَةَ الأُولى فِي صَلَاةِ الخَوْفِ تُفارِقُ الإِمَامَ وَتُتِمّ، وَهِي مفارَقَة لِعُذْرٍ (٣). [صحيح]

стр. 2547

٢٩/ ١٠٥٧ - (وَعَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يَؤُمَّ قَوْمَهُ، فَدَخَلَ حَرَامٌ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَ نَخْلَهُ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ مَعَ الْقَوْمِ؛ فَلَمَّا رأى مُعَاذًا طَوَّلَ تَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ وَلَحِقَ بِنَخْلِهِ يَسْقِيهِ؛ فَلَمَّا قَضَى مُعَاذٌ الصَّلَاةَ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ: إِنَّهُ لَمُنَافِقٌ أيَعْجَلُ عَنِ الصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِ سَقْيِ نَخْلِهِ؟ قالَ: فَجَاءَ حَرَامٌ إلى النَّبِيّ ﷺ وَمُعَاذٌ عِنْدَهُ، فَقَالَ: يا نَبِيَّ اللهِ إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَسْقِيَ نَخْلًا لي، فَدَخَلْتُ المَسْجِدَ لأُصَلِّيَ مَعَ القَوْمِ، فَلَما طَوَّلَ تَجَوَّزْتُ فِي صَلاتِي وَلَحِقْتُ بِنَخْلِي أَسْقِيهِ، فَزَعَمَ أني مُنافِقٌ، فأقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ على مُعاذٍ فَقالَ: "أفَتَّان أَنْتَ، أفَتَانٌ أنْتَ؟ لا تُطَوّلْ بِهِمْ، اقْرَأ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى وَالشَّمْسِ وَضُحَاها وَنَحْوِهما") (١). [صحيح لغيره] ٣٠/ ١٠٥٨ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ الأسْلَمِيِّ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ العِشَاءَ فَقَرأَ فِيهَا اقْتَرَبَتِ السَّاعةُ، فقامَ رَجُلٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَفْرَغَ فَصَلَّى وَذَهَبَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذ قَوْلًا شَدِيدًا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فاعْتَذَرَ إِلَيْهِ وَقَالَ: إني كُنْتُ أعْمَلُ فِي نَخْلٍ وَخِفْتُ على المَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، يَعْنِي لِمُعَاذٍ: "صَلّ بالشَّمْسِ وَضُحاها وَنَحْوها مِن السوَرِ"، رَوَاهُمَا أحْمَدُ (٢) بإسْنَادٍ صَحِيح. [صحيح لغيره] فإنْ قِيلَ فَفي الصَّحِيحَيْنِ (٣) مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أن ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي فَارَقَ مُعَاذًا سَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ.

стр. 2548

وَهَذَا يَدُلُّ على أَنَّهُ مَا بَنَى بل اسْتَأنَفَ. قِيلَ فِي حَدِيثِ جَابِرِ: إِنَّ مُعاذًا اسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّهُمَا [قِصَّتَانِ] (١) وَقَعَتَا فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، إِمّا لِرَجُلٍ أَوْ لِرَجُلَيْنِ). هذه القصة قد رويت على أوجه مختلفة، ففي بعضها لم يذكر تعيين السورة التي قرأها معاذ ولا تعيين الصلاة التي وقع ذلك فيها كما في رواية أنس (٢) المذكورة. وفي بعضها أن السورة التي قرأها ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ (٣) والصلاة: العشاء، كما في حديث بريدة (٤) المذكور. وفي بعضها أن السورة التي قرأها: البقرة، والصلاة: العشاء، كما في حديث جابر الذي أشار إليه المصنف (٥). وفي بعضها أن الصلاة: المغرب، كما في رواية أبي داود (٦) والنسائي (٧) وابن حبان (٨). ووقع الاختلاف أيضًا في اسم الرجل، فقيل: حرام بن ملحان، وقيل: حزم بن أبي كعب، وقيل: حازم، وقيل: سليم، وقيل: سليمان، وقيل: غير ذلك. وقد جمع بين الروايات بتعدّد القصة، وممن جمع بينها بذلك ابن حبان في صحيحه (٩). قوله: (ثبت أن الطائفة الأولى، إلخ) سيأتي بيان ذلك في كتاب صلاة الخوف.

стр. 2549

قوله: (فدخل حرام) بالحاء والراء المهملتين ضد حلال، ابن ملحان بكسر الميم وسكون اللام [و] (١) بعدها حاء مهملة. قوله: (فلما طوّل) يعني معاذًا وكذلك قوله: "فزعم". قوله: (أني منافق) في رواية للبخاري (٢): "فكأن معاذًا نال منه"، وللمستملي (٣): "تناول منه"، وفي رواية ابن عيينة (٤): "فقال له: أنافقت يا فلان؟ فقال: لا والله. ولآتينّ رسول الله ﷺ "، وكأن معاذًا قال ذلك أوّلًا ثم قاله أصحابه للرجل، فبلغ ذلك النبي ﷺ أو بلغه الرجل كما في حديث الباب وغيره. وعند النسائي (٥) قال معاذ: "لئن أصبحت لأذكرنّ ذلك للنبيّ ﷺ ، فذكر ذلك له، فأرسل إليه فقال: "ما حملك على الذي صنعت؟ " فقال: يا رسول الله عملت على ناضح لي" الحديث. ويجمع بين الروايتين بأن معاذًا سبقه بالشكوى، فلما أرسل له جاء فاشتكى من معاذ. قوله: (أفتان أنت؟) في رواية (٦) مرّتين، وفي رواية (٧) ثلاثًا، وفي رواية (٨): "أفاتن"، وفي رواية (٩): "أتريد أن تكون فاتنًا؟ "، وفي رواية (١٠): "يا معاذ لا تكن فاتنًا"، ومعنى الفتنة هنا أن التطويل يكون سببًا لخروجهم من الصلاة ولترك الصلاة في الجماعة. قوله: (لا تطوّل بهم) فيه أن التطويل منهيّ عنه فيكون حرامًا ولكنه أمر نسبي كما تقدم، فنهيه لمعاذ عن التطويل لأنه كان يقرأ بهم سورة البقرة، واقتربت الساعة.
следующие страницы →