← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 3245–3284 · переход к 3250.

стр. 3245

مسلم يدّان دينًا يعلم الله أنه يريد أداءه إلا أدّى الله عنه في الدنيا والآخرة". وأخرج الحاكم (١) بلفظ: "من تداين بدين في نفسه [وفاؤه] (٢) ثم مات تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما شاء". وقد ورد أيضًا ما يدلّ على أن من مات من المسلمين مديونًا فدينه على من إليه ولاية أمور المسلمين يقضيه عنه من بيت مالهم وإن كان له مال كان لورثته. أخرج البخاري (٣) من حديث أبي هريرة: "ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، فأيما مؤمن مات وترك مالًا فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فليأتني فأنا مولاه". وأخرج نحوه أحمد (٤) وأبو داود (٥) والنسائي (٦). وأخرج أحمد (٧) وأبو يعلى (٨) من حديث أنس: "من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينًا فعلى الله وعلى رسوله". وأخرج ابن ماجه (٩) من حديث عائشة: "من حمل من أمتي دينًا فجهد في قضائه فمات قبل أن يقضيه فأنا وليه".

стр. 3246

وأخرج ابن سعد (١) من حديث جابر يرفعه: "أحسن الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، من مات فترك مالًا فلأهله، ومن ترك دَينًا أو ضياعًا فإليّ وعليّ". وأخرج أحمد (٢) ومسلم (٣) والنسائي (٤) وابن ماجه (٥) في حديث آخر. "من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فإليّ وعليّ، وأنا أولى بالمؤمنين". وفي معنى ذلك عدة أحاديث [ثبتت] (٦) عنه ﷺ أنه قالها بعد أن كان يمتنع من الصلاة على المديون، فلما فتح الله عليه البلاد وكثرت الأموال صلى على من مات مديونًا وقضى عنه. وذلك مشعر بأن من مات مديونًا استحق أن يقضى عنه دينه من بيت مال المسلمين، وهو أحد المصارف الثمانية فلا يسقط حقه بالموت. ودعوى من ادّعى اختصاصه ﷺ بذلك ساقطة، وقياس الدلالة ينفي هذه الدعوى في مثل قوله ﷺ : "وأنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه"، أخرجه أحمد (٧)

стр. 3247

وابن ماجه (١) وسعيد بن منصور (٢) والبيهقي (٣)، وهم لا يقولون إن ميراث من لا وارث له مختصّ برسول الله ﷺ . وقد أخرج الطبراني (٤) من حديث سلمان ما يدلّ على انتفاء هذه الخصوصية المدّعاة، ولفظه: "من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك دَينًا فعليّ وعلى الولاة من بعدي من بيت المال". [الباب الرابع] باب تسجية الميت والرخصة في تقبيله ١٣/ ١٣٧٢ - (عَنْ عائشَةَ أن رَسُولَ الله ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدٍ حَبِرَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٥). [صحيح] ١٤/ ١٣٧٣ - (وَعَنْ عائِشَةَ أن أبَا بَكْرٍ دَخَلَ فَبَصُرَ بِرَسُولِ الله ﷺ وَهُو مُسَجَّى بِبُرْدِهِ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ وأكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٦) وَالبُخاريُّ (٧) وَالنَّسائيُّ) (٨). [صحيح] ١٥/ ١٣٧٤ - (وَعَنْ عائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أن أبا بَكْرٍ قَبَّلَ النَّبيَّ ﷺ بَعْدَ

стр. 3248

مَوْتِهِ. رَوَاهُ البُخاريُّ (١) وَالنَّسائيُّ (٢) وَابْنُ مَاجَهْ) (٣). [صحيح] ١٦/ ١٣٧٥ - (وَعَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قَبَّلَ رَسُولُ الله ﷺ عُثمانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ، حتَّى رأيْتُ الدُّمُوع تَسِيلُ على وَجْههِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وَابْنُ مَاجَهْ (٥) وَالتِّرْمِذِيُّ وَصحَّحَهُ) (٦). [صحيح] حديث عائشة الرابع في إسناده عاصم بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب وهو ضعيف (٧). قوله: (سُجّي) بضم السين [المهملة] (٨) وبعدها جيم مشدّدة مكسورة، أي: غطي (٩). قوله: (حبرة) بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة بعدها راء مهملة: وهي ثوب فيه أعلام، وهي ضرب من برود اليمن (١٠)، وفيه استحباب تسجية الميت. قال النووي (١١): وهو مجمع عليه. وحكمته صيانته من الانكشاف وستر عورته المتغيرة عن الأعين. قال أصحاب الشافعي (١٢): ويلفّ طرف الثوب المسجى به تحت رأسه،

стр. 3249

وطرفه الآخر تحت رجليه لئلا ينكشف منه. قالوا: وتكون التسجية بعد نزع ثيابه التي توفي فيها لئلا يتغير بدنه بسببها. قوله: (فقبله) فيه جواز تقبيل الميت تعظيمًا وتبركًا؛ لأنه لم ينقل أنه أنكر أحد من الصحابة على أبي بكر فكان إجماعًا. قوله: (قبَّل رسول الله ﷺ عثمان)، فيه دلالة على جواز تقبيل الميت كما تقدم. قوله: (حتى رأيت الدموع إلخ) فيه جواز البكاء على الميت، وسيأتي تحقيقه (١). * * *

стр. 3250

[أولًا] أبواب غسل الميت [الباب الأول] باب من يليه ورفقه به وستره عليه ١/ ١٣٧٦ - (عَنْ عائِشَةَ قَالَتْ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ غَسَّل مَيِّتًا فأدَّى فِيهِ الأمانَةَ وَلَمْ يُفْشِ عَلَيْهِ ما يَكُونُ مِنْهُ عِنْدَ ذلكَ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ"، وَقالَ: "ليَلِهِ أقْرَبُكُمْ إنْ كانَ يَعْلَمُ، فإنْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، فَمَنْ تَرَوْنَ عِندَهُ حَظًّا مِنْ وَرَعٍ وأمانةٍ"، رَوَاهُ أحْمَدُ) (١). [إسناده ضعيف] ٢/ ١٣٧٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "إنَّ كَسْرَ عَظْمِ المَيِّتِ مِثْلُ كَسْرِ عَظْمِهِ حَيًّا"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وأبُو دَاوُدَ (٣) وَابْنُ ماجَهْ) (٤). [صحيح]

стр. 3251

٣/ ١٣٧٨ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ سَتَرَ مُسْلمًا، سَتَرَهُ الله يَوْمَ القيامَةِ"، مُتَّفقٌ عَلَيْهِ) (١). [صحيح] ٤/ ١٣٧٩ - (وَعَنْ أُبَيّ بْنِ كَعْبٍ أن آدَمَ ﵇ قَبَضَتْهُ المَلائكَةُ وَغَسَّلُوهُ وكَفَّنُوهُ وَحَنَّطُوه وَحَفَرُوا لَهُ وألْحَدُوا وَصَلَّوْا عَلَيْه، ثُمَّ دَخَلُوا قَبْرَهُ فَوَضَعُوهُ في قَبْرِهِ، وَوَضعُوا عَلَيْهِ اللَّبِنَ، ثُمَ خَرَجُوا منَ القَبْرِ، ثمَّ حَثَوْا عَلَيْهِ التُّرَابَ، ثُمَّ [قالُوا] (٢): يا بَنِي آدَمَ هَذِهِ سُنَّتُكُمْ. رَوَاهُ عَبْدُ الله بْنُ أحْمَدَ في المُسْنَدِ) (٣). [بسند ضعيف موقوفًا] حديث عائشة الأوّل، أخرجه أيضًا الطبراني في الأوسط (٤)، وفي إسناده جابر الجعفي (٥) وفيه كلام كثير. وحديث عائشة الثاني، رجاله رجال الصحيح على كلام في سعد بن سعيد الأنصاري (٦). وحديث أبيّ بن كعب، أخرجه الحاكم في المستدرك (٧) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرّجاه. قوله: (فأدّى فيه الأمانة ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك) المراد بتأدية الأمانة إما كتم ما يرى منه مما يكرهه الناس ويكون قوله: "ولم يفش" عطف تفسيري، أو يكون المراد بتأدية الأمانة أن يغسله الغسل الذي وردت

стр. 3252

به الشريعة؛ لأن العلم عند حامله أمانة، واستعماله في مواضعه من تأديتها. قوله: (لِيَلِهِ أقربكم) فيه الأحقّ بغسل الميت من الناس الأقرب إلى الميت (١) بشرط أن يكون عالمًا بما يحتاج إليه من العلم، وقد قال بتقديم القريب على غيره الإِمام يحيى (٢). قوله: (فمن ترون عنده حظًا من ورع وأمانة)، فيه دليل لما [ذهبت] (٣) إليه الهادوية (٤) من اشتراط العدالة في الغاسل وخالفهم الجمهور؛ فإن صحّ هذا الحديث فذاك، وإلا فالظاهر عدم اختصاص هذه القربة بمن ليس فاسقًا لأنه مكلف بالتكاليف الشرعية وغسل الميت من جملتها، وإلا لزم عدم صحة كل تكليف شرعي منه، وهو خلاف الإِجماع، ودعوى صحة بعضها دون بعض بغير دليل تحكم. وقد حكى المهدي في البحر (٥) الإِجماع على أن غسل الميت واجب على الكفاية، وكذلك حكى الإِجماع النووي (٦). وناقش دعوى الإِجماع صاحب ضوء النهار (٧) مناقشة واهية. حاصلها أنه لا مستند له إلا أحاديث الفعل وهي لا تفيد الوجوب، وأحاديث الأمر بغسل الذي وقصته ناقته (٨)، وأمر بغسل ابنته (٩) ﷺ والأمر مختلف في كونه للوجوب أو للندب. ورد كلامه بأنه إن ثبت الإِجماع على الوجوب فلا يضرّ جهل المستند. ويردّ أيضًا بأن الاختلاف في كون الأمر للوجوب لا يستلزم الاختلاف في كل مأمور به؛ لأنه ربما شهدت لبعض الأوامر قرائن يستفاد منها وجوبه، وهذا مما لا يخالف فيه القائل بأن الأمر ليس للوجوب لأن محلّ الخلاف الأمر

стр. 3253

المجرّد كما تقرّر في الأصول (١). نعم قال في الفتح (٢): وقد نقل النووي (٣) الإِجماع على أن غسل الميت فرض كفاية وهو ذهول شديد، فإن الخلاف مشهور جدًّا عند المالكية (٤). على أن القرطبي (٥) رجح في شرح مسلم أنه سنة، ولكن الجمهور على وجوبه. وقد ردّ ابن العربي (٦) على من لم يقل بذلك وقال: قد توارد به القول والعمل انتهى، وهكذا فليكن التعقب لدعوى الإِجماع (٧). قوله: (إن كسر عظم الميت) إلخ، فيه دليل على وجوب الرفق بالميت في غسله وتكفينه وحمله وغير ذلك؛ لأن تشبيه كسر عظمه بكسر عظم الحي إن كان في الإِثم فلا شكّ في التحريم، وإن كان في التألم فكما يحرم تأليم الحي يحرم تأليم الميت. وقد زاد ابن ماجه (٨) من حديث أمّ سلمة لفظ: "في الإِثم"، فيتعين الاحتمال الأوّل.

стр. 3254

قوله: (من ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة)، فيه الترغيب في ستر عورات المسلم. وظاهره عدم الفرق بين الحيّ والميت، فيدخل في عمومه ستر ما يراه الغاسل ونحوه من الميت وكراهة إفشائه والتحدّث به. وأيضًا قد صحّ أن الغيبة هي ذكرك لأخيك بما يكره. ولا فرق بين الأخ الحي والميت، ولا شك أن الميت يكره أن يذكر شيء من عيوبه التي تظهر حال موته، فيكون على هذا ذكرها محرَّمًا، وسيأتي بقية الكلام على هذا في باب الكفّ عن ذكر مساوي الأموات (١). قول: (وعن أبيّ بن كعب أن آدم إلخ)، سيأتي الكلام في تفاصيل ما اشتمل عليه حديث أبيّ بن كعب هذا في أبوابه من هذا الكتاب. [الباب الثاني] باب ما جاءَ في غسل أحد الزوجين للآخر ٥/ ١٣٨٠ - (عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: رَجَعَ إليَّ رَسُولُ الله ﷺ مِنْ جَنَازَةٍ بالبَقيعِ وأنا أجِدُ صُدَاعًا فِي رأسي وأقُولُ: وارَأسَاه، فَقالَ: "بَلْ أنا وَارأسَاهُ، ما ضَرَّكِ لَوْ مُت قَبْلِي فَغسلْتُك وَكَفَّنْتُكِ، ثُمَّ صلَّيْتُ عَلَيْكِ وَدَفَنْتُكِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَابْنُ ماجَهْ) (٣). [حسن]

стр. 3255

٦/ ١٣٨١ - (وَعَنْ عائِشَةَ أَنَّها كانَتْ تَقُولُ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنَ الأَمْرِ ما اسْتَدبرْتُ ما غَسَّلَ رَسُولَ الله ﷺ إلَّا نِسَاؤُهُ. رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَأَبُو دَوُادَ (٢) وَابَنُ مَاجَهْ (٣). [صحيح] وقد ذكرنا أن الصديق أوصى أسماء زوجته أن تُغسِّلَهُ فَغَسَّلَتْهُ) (٤). [ضعيف] حديث عائشة الأول أخرجه أيضًا الدارمي (٥) وابن حبان (٦) والدارقطني (٧) والبيهقي (٨)، وفي إسناده محمد بن إسحاق وبه أعله البيهقي (٩). قال الحافظ (١٠): ولم يتفرد به بل تابعه عليه صالح بن كيسان

стр. 3256

عند أحمد (١) والنسائي (٢). وأما ابن الجوزي (٣) فقال: لم يقل "غسلتك" إلا ابن إسحاق. وأصل الحديث عند البخاري (٤) بلفظ: "ذاك لو كان وأنا حيّ فأستغفر لك وأدعو لك". وأثرها الثاني سكت عنه أبو داود (٥) والمنذري (٦) ورجاله ثقات إلا ابن إسحاق وقد عنعن، وغسل أسماء لأبي بكر الذي أشار إليه المصنف قد تقدم في باب الغسل من غسل الميت من أبواب الغسل (٧) وليس فيه أن ذلك كان بوصية من أبي بكر. قوله: (فغسلتك) فيه دليل على أن المرأة يغسلها زوجها إذا ماتت وهي تغسله قياسًا، وبغسل أسماء لأبي بكر كما تقدم، وعليّ لفاطمة كما أخرجه الشافعي (٨) والدارقطني (٩) وأبو نعيم (١٠) والبيهقي (١١) بإسناد حسن، ولم يقع من سائر الصحابة إنكار على عليّ وأسماء فكان إجماعًا.

стр. 3257

وقد ذهب إلى ذلك العترة (١) والشافعية (٢) والأوزاعي (٣) وإسحاق (٤) والجمهور. وقال أحمد (٥): لا تغسله لبطلان النِّكاح ويجوز العكس عنده كالجمهور. وقال أبو حنيفة (٦) وأصحابه والشعبي (٧) والثوري (٨): لا يجوز أن يغسلها لمثل ما ذكر أحمد (٥). ويجوز العكس عندهم كالجمهور، قالوا: لأنه لا عدة عليه بخلافها. ويجاب عن المذهبين الآخرين بأنه إذا سلم ارتفاع حلّ الاستمتاع بالموت وأنه العلة في جواز نظر الفرج فغايته تحريم نظر الفرج فيجب ستره عند غسل أحدهما للآخر. وقد قيل: إن النظر إلى الفرج وغيره لازم من لوازم العقد فلا يرتفع بارتفاع جواز الاستمتاع المرتفع بالموت؛ والأصل بقاء حلّ النظر على ما كان عليه قبل الموت. قوله: (لو استقبلت من الأمر إلخ) قيل: فيه أيضًا متمسك لمذهب الجمهور ولكنه لا يدلّ على عدم جواز غسل الجنس لجنسه مع وجود الزوجة، ولا على أنها أولى من الرجال لأنه قول صحابية ولا حجة فيه. وقد تولى غسله ﷺ علي والفضل بن العباس، وأسامة بن زيد يناول الماء والعباس واقف (٩).

стр. 3258

قال ابن دحية (١): لم يختلف في أن الذين غسلوه ﷺ عليّ والفضل. واختلف في العباس وأسامة وقثمٍ وشقران، انتهى. وقد استوفى صاحب التلخيص (٢) الطرق في ذلك، ولم ينقل إلينا أن أحدًا من الصحابة أنكر ذلك فكان إجماعًا منهم.

стр. 3259

وروى البزار (١) من طريق يزيد بن بلال قال: قال عليّ: "أوصى النبيّ ﷺ يغسله أحد غيري".

стр. 3260

وروى ابن المنذر (١) عن أبي بكر: "أنه أمرهم أن يغسل النبي ﷺ بنو أبيه وخرج من عندهم". [الباب الثالث] باب ترك غسل الشهيد وما جاءَ فيه إذا كان جنبًا ٧/ ١٣٨٢ - (عَنْ جابرٍ قالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُد في الثَّوْبِ الوَاحدِ ثُمَّ يَقُولُ: "أَيُّهُمْ أكْثَرُ أخْذًا للقُرآن؟ "، فإِذَا أُشِيرَ لَهُ إلى أَحَدِهما قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ، وأمَرَ بدَفْنهم في دِمائهمْ، ولمْ يُغَسَّلُوا ولمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ. رَوَاهُ البُخاريُّ (٢) وَالنَّسائيُّ (٣) وَابْنُ مَاجَهْ (٤) وَالتِّرْمذيُّ وَصححَهُ (٥). [صحيح] ولأَحمدَ (٦) أن النَّبي ﷺ قالَ: في قَتْلَى أُحُدٍ: "لا تُغَسِّلُوهُمْ، فإن كُلَّ جُرْحٍ أوْ كُلَّ دَمٍ يَفُوحُ مِسْكًا يَوْمَ القيامَةِ"، وَلْم يُصَلِّ عَلَيهِمْ). [صحيح] قوله: (يجمع بين الرجلين إلخ) فيه جواز جمع الرجلين في كفن واحد عند الحاجة إلى ذلك، والظاهر أنه كان يجمعهما في ثوب واحد. وقيل: كان يقطع الثوب بينهما نصفين.

стр. 3261

وقيل: المراد بالثوب القبر مجازًا. ويردّه ما وقع في رواية (١) عن جابر: "فكفن أبي وعمي في نمرة واحدة"، وقد ترجم البخاري (٢) على هذا الحديث باب دفن الرجلين والثلاثة في قبر واحد. وأورده (٣) مختصرًا بلفظ: "كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد"، وليس فيه تصريح بالدفن. قال ابن رشيد (٤): إنه جرى على عادته من الإشارة إلى ما ليس على شرطه أو اكتفى بالقياس، يعني على جمعهم في ثوب واحد، انتهى. ولا يخفى أن قوله في هذا الحديث قدمه في اللحد يدلّ على الجمع بين الرجلين فصاعدًا في الدفن. وقد أورد الحديث البخاري (٥) باللفظ الذي ذكره المصنف في باب الصلاة على الشهيد (٦)، فلعل البخاري أشار بما أورده مختصرًا إلى هذا، لا إلى ما ليس على شرطه ولا سيما مع اتصال باب دفن الرجلين والثلاثة بباب الصلاة على الشهيد بلا فاصل. وقد ثبت عند عبد الرزاق (٧) بلفظ: "وكان يدفن الرجلين والثلاثة في القبر الواحد"، وورد ذكر الثلاثة أيضًا في هذه القصة عند الترمذي (٨) وغيره (٩). وروى أصحاب السنن (١٠) من حديث هشام بن عامر الأنصاري: "أن

стр. 3262

النبيّ ﷺ أمر الأنصار أن يجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر"، وصححه الترمذي. قال في الفتح (١): ويؤخذ من هذا جواز دفن المرأتين في قبر واحد. وأما دفن الرجل مع المرأة. فروى عبد الرزاق (٢) بإسناد حسن عن واثلة بن الأسقع: "أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد، فيقدم الرجل ويجعل المرأة وراءه"، وكأنه كان يجعل بينهما حاجزًا لا سيما إذا كانا أجنبيين. قوله: (أيهم كثر أخذًا للقرآن) فيه استحباب تقديم من كان أكثر قرآنًا، ومثله سائر أنواع الفضائل قياسًا. قوله: (ولم يغسلوا) فيه دليل على أن الشهيد لا يغسل، وبه قال الأكثر، وسيأتي الكلام في بيان ماهية الشهيد الذي وقع الخلاف في غسله في الصلاة على الشهيد (٣). وقال سعيد بن المسيب والحسن البصري حكاه عنهما ابن المنذر (٤) وابن أبي شيبة (٥) أنه يغسل، وبه قال ابن سريج (٦) من الشافعية، والحقّ ما قاله الأوّلون.

стр. 3263

والاعتذار عن حديث الباب بأن الترك إنما كان لكثرة القتلى وضيق الحال مردود بعلة الترك المنصوصة كما في رواية أحمد (١) المتقدمة وهي رواية لا مطعن فيها. وفي الباب أحاديث منها عن أنس عند أحمد (٢) والحاكم (٣) وأبي داود (٤) والترمذي (٥) وقال: غريب. وغلط بعض المتأخرين فقال: وحسنه "أن النبيّ ﷺ لم يصلّ على قتلى أحد ولم يغسلهم". وعن جابر حديث [آخر] (٦) غير حديث الباب عند أبي داود (٧) قال: "رمى رجل بسهم في صدره أو في حلقه فمات، فأدرج في ثيابه كما هو ونحن مع رسول الله ﷺ "، وإسناده على شرط مسلم. وعن ابن عباس عند أبي داود (٨) وابن ماجه (٩) قال: "أمر النبيّ ﷺ بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم"، وفي إسناده عليّ بن عاصم الواسطي (١٠)، وقد تكلم فيه جماعة وعطاء بن السائب (١١) وفيه مقال. وفي الباب أيضًا عن رجل من الصحابة وسيأتي (١٢).

стр. 3264

وقد اختلف في الشهيد إذا كان جنبًا أو حائضًا، وسيأتي الكلام على ذلك (١). وأما سائر من يطلق عليه اسم الشهيد كالطعين والمبطون والنفساء ونحوهم فيغسلون إجماعًا كما في البحر (٢).

стр. 3265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3266

قوله: (ولم يصلّ عليهم)، قال في التلخيص (١): هو بفتح اللام وعليه المعنى، قاله النووي (٢). ويجوز أن يكون بكسرها ولا يفسد، لكنه لا يبقى فيه دليل على ترك الصلاة عليهم مطلقًا، لأنه لا يلزم من قوله: "لم يصلّ عليهم" أن لا يأمر غيره بالصلاة عليهم، انتهى. وسيأتي الكلام في الصلاة على الشهيد (٣). ٨/ ١٣٨٣ - (وَرَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاق فِي المَغَازِي (٤) بإسْنادِهِ عَنْ عاصِمِ بْنِ

стр. 3267

عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبيد أن النَّبي ﷺ قالَ: "إن صَاحِبَكُمْ لَتُغَسِّلُهُ المَلائكَةُ"، يَعْني حَنْظَلَةَ، فَسألُوا أهْلَهُ: ما شأنُهُ؟ فَسُئلتْ صَاحبَتُهَ فَقالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ حينَ سَمعَ الهَائِعَةَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لذلكَ غَسَّلَتْهُ المَلائِكَةُ"). [صحيح] الحديث قال في الفتح (١): قصته مشهورة، رواها ابن إسحاق وغيره. انتهى. وأخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه (٢) والحاكم (٣) والبيهقي (٤) من حديث ابن الزبير. والحاكم في الإكليل (٥) من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف. والسرقسطي (٦) في غريبه من طريق الزهري مرسلًا. والحاكم أيضًا في المستدرك (٧) والطبراني (٨) والبيهقي (٩) عن ابن عباس أيضًا. وفي إسناد الحاكم معلى بن عبد الرحمن (١٠) وهو متروك. وفي إسناد

стр. 3268

الطبراني حجاج (١) وهو مدلس، وفي إسناد البيهقي أبو شيبة الواسطي (٢) وهو ضعيف جدًّا. وفي الباب أيضًا عن ابن عباس عند الطبراني (٣) بإسناد قال الحافظ (٤): لا بأس به عنه. قال: "أصيب حمزة بن عبد المطلب وحنظلة بن الراهب وهما جنب، فقال رسول الله ﷺ : رأيت الملائكة تغسلهما"، وهو غريب في ذِكر حمزة كما قال في الفتح (٥). قوله: (الهائعة) هي الصوت الشديد (٦). وقد استدل بالحديث من قال إنه يغسل الشهيد إذا كان جنبًا، وبه قال أبو حنيفة (٧) والمنصور بالله. وقال الشافعي (٨) ومالك (٩) وأبو يوسف (٧) ومحمد (٧) وإليه ذهب الهادي (١٠) والقاسم (١٠) والمؤيد بالله (١٠) وأبو طالب (١٠): إنه لا يغسل لعموم الدليل وهو الحقّ، لأنه لو كان واجبًا علينا ما اكتفي فيه بغسل الملائكة، وفعلهم ليس من تكليفنا ولا أمرنا بالاقتداء بهم (١١). ٩/ ١٣٨٤ - (وَعَنْ أبي سَلّامٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أصْحابِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "أغَرْنا

стр. 3269

على حَيّ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَطَلَبَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ فَضَرَبَهُ فأخْطَأهُ وأصابَ نَفْسهُ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَخوكُمْ يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ"، فابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَوَجَدُوهُ قَدْ ماتَ، فَلَفَّهُ رَسُولُ الله ﷺ بِثِيابِهِ وَدِمائِهِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ وَدَفَنَهُ، فَقالُوا: يا رَسُولَ الله أَشَهيدٌ هُوَ؟ قالَ: "نَعَمْ، وَأنا لَهُ شَهيدٌ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (١). [ضعيف] الحديث سكت عنه أبو داود (٢) والمنذري (٣)، وفي إسناده سلام بن أبي سلام وهو مجهول. وقال أبو داود بعد إخراجه عن سلام المذكور: إنما هو عن زيد بن سلام عن جَده أبي سلام، انتهى. وزيد ثقة. قوله: (فلفه رسول الله ﷺ بثيابه ودمائه) ظاهره أنه لم يغسله ولا أمر بغسله، فيكون من أدلة القائلين بأن الشهيد لا يغسل كما تقدم، وهو يدل على أن من قتل نفسه في المعركة خطأ حكمه حكم من قتله غيره في ترك الغسل. وأما من قتل نفسه عمدًا فإنه لا يغسل عند العترة (٤) والأوزاعي (٥) لفسقه لا لكونه شهيدًا. قوله: (وصلى عليه) فيه إثبات الصلاة على الشهيد، وسيأتي الكلام على ذلك (٦). قوله: (قال نعم إلخ) فيه أن من قتل نفسه خطأ شهيدٌ. وقد أخرج مسلم (٧) والنسائي (٨) وأبو داود (٩) عن سلمة بن الأكوع قال:

стр. 3270

"لما كان يوم خيبر قاتل أخي قتالًا شديدًا، فارتدّ عليه سيفه فقتله، فقال أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك وشكوا فيه رجل مات بسلاحه، فقال رسول الله ﷺ : مات جاهدًا مجاهدًا"، وفي رواية: "كذبوا، مات جاهدًا مجاهدًا فله أجره مرّتين" هذا لفظ أبي داود (١). [الباب الرابع] باب صفة الغسل ١٠/ ١٣٨٥ - (عَنْ أُمِّ عَطيَّةَ قالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنا رَسُولُ الله ﷺ حينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ، فَقالَ: "اغسلْنَها ثلاثًا أوْ خَمْسًا أو أكْثَرَ مِنْ ذلكَ إنْ رأيْتُنَّ بِمَاءٍ وَسدْرٍ، وَاجْعَلْنَ في الْأخِيرَةِ كافُورًا أوْ شَيْئًا مِنْ كافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فآذِنَّني"، فَلَمَّا فَرَغْنا آذَنَّاهُ، فأَعْطانا حَقْوَهُ، فَقالَ: "أشْعِرْنَها إيّاهُ"، يَعْني إزَارَهُ. رَوَاهُ الجَماعَةُ (٢). [صحيح] وفي رِوَايَةَ لَهُمْ (٣) [قال] (٤) "ابْدأنَ بمَيامنها وَمَوَاضِعَ الوُضُوءِ مِنْها". [صحيح] وفي لَفْظٍ (٥): "اغْسِلْنَها وِتْرًا ثَلاثًا أوْ خَمْسًا أوْ سَبْعًا أوْ كْثَرَ مِنْ ذلكِ إنْ رأيْتُنَّ". وَفِيهِ قالَتْ: فَضَفَرْنا شَعْرَها ثَلاثَةَ قُرُونٍ فألْقَيْنَاهَا خَلْفَها (٦). مُتَّفَقٌ عَلْيهمَا، لَكِنْ لَيْسَ لِمُسْلِمٍ فِيهِ: "فألْقَيْناها خَلْفَها"). [صحيح]

стр. 3271

قوله: (حين توفيت ابنته) في رواية متفق عليها (١): "ونحن نغسل ابنته"، قال في الفتح (٢): ويجمع بينهما بأن المراد أنه دخل حين شرع النسوة في الغسل. وابنته المذكورة هي زينب زوج أبي العاص بن الربيع كما في مسلم (٣). وقال الداودي (٤): إنها أمّ كلثوم زوج عثمان. ويدل عليه ما أخرجه ابن ماجه (٥) بإسناد على شرط الشيخين كما قال الحافظ (٦)، ولفظه: "دخل علينا ونحن نغسل ابنته أمّ كلثوم - وكذا وقع لابن بشكوال في المبهمات (٧) عن أمّ عطية والدولابي في الذرّية الطاهرة (٨). قال في الفتح (٩): فيمكن ترجيح أنها أمّ كلثوم بمجيئه من طرق متعددة. ويمكن الجمع بأن تكون أمّ عطية حضرتهما جميعًا، فقد جزم ابن عبد البرّ (١٠) في ترجمتها بأنها كانت غاسلة الميتات، انتهى. قوله: (اغسلنها) قال ابن [بريدة] (١١): استدلّ به على وجوب غسل الميت. قال ابن دقيق العيد (١٢): لكن قوله: ثلاثًا إلخ، ليس للوجوب على المشهور

стр. 3272

من [مذاهب] (١) العلماء، فيتوقف الاستدلال به على تجويز إرادة المعنيين المختلفين بلفظ واحد، لأن قوله ثلاثًا غير مستقلّ بنفسه، فلا بد أن يكون داخلًا تحت صيغة الأمر فيراد بلفظ الأمر الوجوب بالنسبة إلى أصل الغسل والندب بالنسبة إلى الإيتار، انتهى. فمن جوز ذلك جوّز الاستدلال بهذا الأمر على الوجوب، ومن لم يجوّزه حمل الأمر على الندب لهذه القرينة، واستدلّ على الوجوب بدليل آخر. وقد ذهب الكوفيون وأهل الظاهر (٢) والمزني إلى إيجاب الثلاث. وروي ذلك عن الحسن وهو يردّ ما حكاه في البحر (٣) من الإجماع على أن الواجب مرّة فقط. قوله: (من ذلك) بكسر الكاف لأنه خطاب للمؤنث. قال في الفتح (٤): ولم أر في شيء من الروايات بعد قوله: "سبعًا" التعبير بأكثر من ذلك إلا في رواية لأبي داود (٥)، وأما سواه، فإما: "أو سبعًا"، وإما: "أو أكثر من ذلك". انتهى. وهو ذهول منه عما أخرجه البخاري (٦) في باب يجعل الكافور. فإنه روى حديث أمّ عطية هنالك بلفظ: "اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو أكثر من ذلك"، وقد صرّح المصنف ﵀ بأن الجمع بين التعبير بسبع [وأكثر] (٧) متفق عليه (٨) كما وقع في حديث الباب. لكن قال ابن عبد البرّ (٩): لا أعلم أحدًا قال بمجاوزة السبع، وصرّح بأنها مكروهة: أحمد (١٠)، والماوردي (١١)، وابن المنذر (١٢).

стр. 3273

قوله: (إن رأيتنّ ذلك) فيه دليل على التفويض إلى اجتهاد الغاسل، ويكون ذلك بحسب الحاجة لا التشهي كما قال في الفتح (١). قال ابن المنذر (٢): إنما فوّض الرأي إليهنّ بالشرط المذكور وهو الإيتار. قوله: (بماء وسدر) قال الزين بن المنير (٣): ظاهره أن السدر يخلط في كل مرة من مرات الغسل؛ لأن قوله: "بماء وسدر" يتعلق بقوله "اغسلنها". قال: وهو مشعر بأن غسل الميت للتنظيف - لا للتطهير؛ لأن الماء المضاف لا يتطهر به. وتعقبه الحافظ (٤) بمنع لزوم مصير الماء مضافًا بذلك لاحتمال أن لا يغير السدر وصف الماء بأن يمعك بالسدر ثم يغسل بالماء في كل مرّة، فإن لفظ الخبر لا يأبى ذلك. قوله: (واجعلن في الأخيرة كافورًا أو شيئًا من كافور)، هو شكّ من الراوي. قال في الفتح (٥): الأوّل محمول على الثاني لأنه نكرة في سياق الإثبات فيصدق بكل شيء منه، وقد جزم البخاري (٦) في رواية باللفظ الأوّل، وظاهره أنه يجعل الكافور في الماء، وبه قال الجمهور (٧). وقال النخعي والكوفيون: إنما يجعل الكافور في الحنوط، والحكمة في الكافور كونه طيب الرائحة، وذلك وقت تحضر فيه الملائكة. وفيه أيضًا تبريد وقوّة نفوذ، وخاصة في تصلب بدن الميت وطرد الهوامّ عنه وردع ما يتحلل من الفضلات، ومنع إسراع الفساد إليه، وإذا عدم قام غيره مقامه مما فيه هذه الخواصّ أو بعضها. قوله: (فآذنني) أي أعلمنني. قوله: (فأعطانا حقوه) قال: في الفتح (٨): بفتح المهملة ويجوز كسرها،

стр. 3274

وهي لغة هذيل بعدها قاف ساكنة، والمراد به هنا الإزار كما وقع مفسرًا في آخر هذه الرواية. والحقوة في الأصل (١): معقد الإزار، وأطلق على الإزار مجازًا. وفي رواية للبخاري (٢) "فنزع عن حقوه إزاره"، والحقو على هذا حقيقته. قوله: (فقال أشعرنها إياه) أي ألففنها فيه؛ لأن الشعار ما يلي الجسد من الثياب، والمراد اجعلنه شعارًا لها (٣). قال في الفتح (٤): قيل الحكمة في تأخير الإزار معه إلى أن يفرغن من الغسل ولم يناولهنّ إياه أولًا ليكون قريب العهد من جسده حتى لا يكون بين انتقاله من جسده إلا جسدها فاصل وهو أصل في التبرّك بآثار الصالحين (٥). وفيه جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل. وقد نقل ابن بطال (٦) الاتفاق على ذلك. قوله: (ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها)، ليس بين الأمرين تناف لإمكان البداءة بمواضع الوضوء وبالميامن معًا.

стр. 3275

قال الزين بن المنيِّر (١): قوله "ابدأن بميامنها"، أي في الغسلات التي لا وضوء فيها ومواضع الوضوء منها: أي في الغسلة المتصلة بالوضوء، وفي هذا ردّ على من لم يقل باستحباب البداءة بالميامن وهم الحنفية (٢). واستدلّ به على استحباب المضمضة والاستنشاق في غسل الميت خلافًا للحنفية (٣). قوله: (اغسلنها وترًا ثلاثًا إلخ)، استدلّ به على أن أقلّ الوتر ثلاث. قال الحافظ (٤): ولا دلالة فيه لأنه سيق مساق البيان للمراد، إذ لو أطلق لتناول الواحدة فما فوقها. قوله: (فضفرنا شعرها ثلاثة قرون) هو بضاد وفاء خفيفة. وفيه استحباب ضفر شعر المرأة وجعله ثلاثة قرون وهي ناصيتها وقرناها: أي جانبا رأسها كما وقع في رواية وكيع عن سفيان عن البخاري (٥) تعليقًا، ووصل ذلك الإسماعيلي (٦)، وتسمية الناصية قرنًا تغليب. وقال الأوزاعي (٧) والحنفية (٨): أنه يرسل شعر المرأة خلفها وعلى وجهها مفرقًا. قال القرطبي (٩): وكأنّ سبب الخلاف أن الذي فعلته أمّ عطية هل استندت فيه إلى النبيّ ﷺ فيكون مرفوعًا، أو هو شيء رأته ففعلته استحبابًا؟ كلا الأمرين

стр. 3276

محتمل، لكن الأصل أن لا يفعل [في الميت] (١) شيء من جنس القرب إلا بإذن الشرع ولم يرد ذلك مرفوعًا كذا قال. وقال النووي (٢): الظاهر عدم اطلاع النبيّ ﷺ وتقريره له. وتعقب ذلك الحافظ (٣) بأن سعيد بن منصور روى عن أمّ عطية أنها قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : "اغسلنها وترًا واجعلن [شعرها] (٤) ضفائر"، وأخرج ابن حبان في صحيحه (٥) عن أمّ عطية مرفوعًا بلفظ: "واجعلن لها ثلاثة قرون". قوله: (فألقيناها خلفها) فيه استحباب جعل ضفائر المرأة خلفها. وقد زعم ابن دقيق العيد (٦) أن الوارد في ذلك حديث غريب. قال في الفتح (٧): وهو مما يتعجب منه مع كون الزيادة في صحيح البخاري (٨)، وقد توبع رواتها عليها، وقد استوفى تلك المتابعات، وذكر للحديث فوائد غير ما تقدم. ١١/ ١٣٨٦ - (وَعَنْ عائِشَةَ قَالَتْ: لَمّا أرَادُوا غُسْلَ رَسُولِ الله ﷺ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالُوا: وَالله ما نَدْرِي كَيْفَ نَصْنَعُ، أَنُجَرّدُ رَسُولَ الله ﷺ كما نُجَرّدُ مَوْتانا، أمْ نُغَسِّلُهُ وَعَلَيْهِ ثيابُهُ؟ قالَتْ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أرْسَلَ الله عَلَيْهِمُ السِّنَةَ، حتَّى وَالله ما مِنْ القَوْمِ مِنْ رَجُلٍ إلا ذَقْنُهُ في صَدْرِهِ نائِمًا، قالَتْ: ثُم كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ ناحِيةِ البَيْتِ لا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ فَقالَ: اغْسِلُوا النَّبي ﷺ وَعَلَيْهِ ثِيابُهُ، قالَتْ: فَثارُوا إلَيْهِ فَغَسَّلُوا رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ في قَمِيصِهِ يُفاضُ عَلَيْهِ المَاءُ وَالسِّدْرُ وَيَدْلُكُ الرّجالُ بالقَمِيصِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٩) وَأَبُو دَاوُدَ (١٠). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا ابن حبان (١١) والحاكم (١٢).

стр. 3277

وفي رواية لابن حبان (١): "فكان الذي أجلسه في حجره عليّ بن أبي طالب". وروى الحاكم (٢) عن عبد الله بن الحارث قال: "غسل النبيّ ﷺ عليّ وعلى يده خرقة فغسله، فأدخل يده تحت القميص فغسله والقميص عليه". وفي الباب عن بريدة عند ابن ماجه (٣) والحاكم (٤) والبيهقي (٥) قال: "لما أخذوا في غسل رسول الله ﷺ ناداهم منادٍ من الداخل: لا تنزعوا عن النبيّ [ ﷺ ] (٦) قميصه". وعن ابن عباس عند أحمد (٧) أن عليًا أسند رسول الله ﷺ إلى صدره وعليه [قميصه] (٨)، وفي إسناده حسين بن عبد الله (٩) وهو ضعيف. وعن جعفر بن محمد عن أبيه عند عبد الرزاق (١٠) وابن أبي شيبة (١١)

стр. 3278

والبيهقي (١) والشافعي (٢) قال: "غسل النبيّ ﷺ ثلاثًا بسدر، وغسل وعليه قميص، وغسل من بئر يقال لها: الغرس بقبا كانت لسعد بن خيثمة وكان يشرب منها، وولي سفلته عليّ والفضل محتضنه والعباس يصبّ الماء، فجعل الفضل يقول: "أرحني قطعت وتيني إني لأجد شيئًا يترطل عليّ". قال الحافظ (٣): وهو مرسل جيد. قوله: (السنة) (٤) بسين مهملة مكسورة بعدها نون وهي ما يتقدم النوم من الفتور الذي يسمى النعاس. قال عديّ بن الرقاع العاملي (٥): وَسْنانُ أَقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ … في عينِهِ سِنَةٌ وليسَ بِنَائمِ (٦) * * *

стр. 3279

[ثانيا] [¬*] أبواب الكفن وتوابعه [الباب الأول] باب التكفين من رأس المال ١/ ١٣٨٧ - (عَنْ خَبَّاب بْنِ الأرَتّ أن مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَلْم يَتْرُكْ إلا نَمِرَةً، فَكُنَّا إذَا غَطَّيْنا بِها رأسَهُ بَدَتْ رِجْلاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنا رجْلَيْهِ بَدَا رأسُهُ، فأمَرَنا رَسُولُ الله ﷺ أنْ نُغَطِّي بِها رأسَه وَنَجْعَلَ على رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الإذْخِرِ. رَوَاهُ الجَماعَةُ إلا ابْنَ ماجَهْ) (١). [صحيح] ٢/ ١٣٨٨ - (وَعَنْ خَبّابٍ أيْضًا أن حَمْزَةَ لَمْ يُوجَدْ لَهُ كَفَنٌ إلا بُرْدَةٌ مِلْحاءُ إذَا جُعِلَتْ على قَدَمَيْهِ قَلَصَتْ عَنْ رأسِهِ حتَّى مُدَّتْ على رأسِهِ وَجُعِلَ على قَدَمَيْهِ الإذْخِرِ. رَوَاه أحْمَدُ) (٢). [إسناده صحيح] الحديث الثاني أخرجه أيضًا الحاكم (٣) عن أنس. قوله: (أن مصعب بن عمير قتل)، في رواية للبخاري (٤) أن عبد الرحمن بن عوف قال: "قتل مصعب بن عمير وكان خيرًا مني فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة، وقتل حمزة أو رجل آخر فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة". قال في الفتح (٥): قوله: "أو رجل آخر" لم أقف على اسمه، ولم يقع في أكثر الروايات إلا بلفظ حمزة ومصعب فقط.

стр. 3280

قوله: (إلا نمرة) هي شَمْلَةٌ فيها خطوط بيض وسود، أو بردة من صوف يلبسها الأعراب، كذا في القاموس (١). قوله: (فأمرنا رسول الله ﷺ أن نغطي بها رأسه)، فيه دليل على أنه إذا ضاق الكفن عن ستر جميع البدن ولم يوجد غيره جعل مما يلي الرأس وجعل النقص مما يلي الرجلين. قال النووي (٢): "فإن ضاق عن ذلك سترت العورة. فإن فضل شيء جعل فوقها، وإن ضاق عن العورة سترت السوأتان لأنهما أهمّ، وهما الأصل في العورة. قال (٣): وقد يستدلّ بهذا الحديث على أن الواجب في الكفن ستر العورة فقط، ولا يجب استيعاب البدن عند التمكن. فإن قيل: لم يكونوا متمكنين من جميع البدن لقوله: لم يوجد له غيرها، فجوابه أن معناه لم يوجد مما يملكه الميت إلا نمرة، ولو كان ستر جميع البدن واجبًا لوجب على المسلمين الحاضرين تتميمه إن لم يكن له قريب يلزمه نفقته، فإن كان وجبت عليه. فإن قيل: كانوا عاجزين عن ذلك لأن القضية جرت يوم أحد وقد كثرت القتلى من المسلمين واشتغلوا بهم وبالخوف من العدوّ عن ذلك. وجوابه أنه يبعد من حال الحاضرين المتولين دفنه أن لا يكون مع واحد منهم قطعة من ثوب ونحوها"، انتهى (٤). وقد استدلّ بالحديثين على أن الكفن يكون من رأس المال؛ لأن النبيّ ﷺ أمر بالتكفين في النمرة ولا مال غيرها. قال ابن المنذر (٥): قال بذلك جميع أهل العلم إلا رواية شاذّة عن

стр. 3281

خلاس بن عمرو (١)، قال: الكفن من الثلث (٢). وعن طاوس (٣) قال: من الثلث إن كان قليلًا. وحكى في البحر (٤) عن الزهري وطاوس أنه من الثلث إن كان معسرًا. وقد أخرج الطبراني في الأوسط (٥) من حديث عليّ: "أن الكفن من جميع المال"، وإسناده ضعيف. وأخرجه ابن أبي حاتم في العلل (٦) من حديث جابر، وحكى عن أبيه أنه منكر، وقد أخرجهما عبد الرزاق (٧). قوله: (ونجعل على رجليه شيئًا من الإذخر) فيه أنه يستحبّ إذا لم يوجد ساتر البتة لبعض البدن أو لكله أن يغطى بالإذخر، فإن لم يوجد فما تيسر من نبات الأرض. وقد كان الإذخر مستعملًا لذلك عند العرب كما يدلّ عليه قول العباس: إلا الإذخر فإنه لبيوتنا وقبورنا.

стр. 3282

[الباب الثاني] باب استحباب إحسان الكفن من غير مغالاة ٣/ ١٣٨٩ - (عَن أبي قَتَادَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا وَلِيَ أحَدُكُمْ أخاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ"، رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ (١) وَالتِّرْمِذيُّ) (٢). [صحيح] ٤/ ١٣٩٠ - (وَعَنْ جابِرٍ أن النَّبي ﷺ خَطَبَ يَوْمًا فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أصحْابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طائِلٍ وَقُبِرَ لَيْلًا، فَزَجَرَ النَّبيُّ ﷺ أنْ يُقْبَر الرَّجلُ لَيْلًا حتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ، إلا أنْ يَضْطَرَّ إنْسانٌ إلى ذلِكَ، وَقالَ النَّبيُّ ﷺ : "إِذَا كَفَّنَ أحَدُكُمْ أخاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَمُسْلِمٌ (٤) وأبُو دَاوُدَ) (٥). [صحيح] حديث أبي قتادة حسنه الترمذي (٦) ورجال إسناده ثقات. وفي الباب عن أمّ سلمة عند الديلمي (٧) أن النبيّ ﷺ قال: "أحسنوا الكفن، ولا تؤذوا موتاكم بعويل ولا بتزكية ولا بتأخير وصية ولا بقطيعة، وعجلوا بقضاء دينه، واعدلوا عن جيران السوء وإذا حفرتم فأعمقوا وأوسعوا". وعن جابر غير حديث الباب عند الديلمي (٨) أيضًا قال: قال النبيّ ﷺ : "أحسنوا كفن موتاكم فإنهم يتباهون ويتزاورون بها في قبورهم".

стр. 3283

قوله: (فليحسن كفنه) ضبط بفتح الحاء وإسكانها. قال النووي (١): وكلاهما صحيح، والمراد بإحسان الكفن: نظافته [ونقاؤه] (٢) وكثافته وستره وتوسطه، وكونه من جنس لباسه في الحياة لا أفخر منه ولا أحقر. قال العلماء (٣): وليس المراد بإحسانه السرف فيه والمغالاة ونفاسته، وإنما المراد ما تقدم. قوله: (غير طائل) أي حقير غير كاملٍ. قوله: (حتى يصلى عليه) هو بفتح اللام كما قال النووي (١) وإنما نهى عن القبر ليلًا حتى يصلّي عليه؛ لأن الدفن نهارًا يحضره كثيرون من الناس ويصلون عليه، ولا يحضره في الليل إلا أفراد. وقيل: لأنهم كانوا يفعلون ذلك بالليل لرداءة الكفن فلا يبين في الليل. ويؤيده أوّل الحديث وآخره. قال القاضي (٤): العلتان صحيحتان. قال (٤): والظاهر أن النبيّ ﷺ قصدهما معًا. قال: وقد قيل غير هذا. قوله: (إلا أن يضطرّ الإنسان إلى ذلك) يدلّ على أنه لا بأس به في وقت الضرورة. وقد اختلف العلماء في الدفن بالليل (٥)، فكرهه الحسن البصري (٦) إلا لضرورة.

стр. 3284

وقال جماعة العلماء من السلف والخلف: لا يكره، واستدلوا بأن أبا بكر الصدّيق وجماعة من السلف دفنوا ليلًا من غير إنكار (١). وبحديث: "المرأة السوداء [أو الرجل] (٢) والرجل الذي كان يقمّ المسجد، فتوفي بالليل فدفنوه ليلًا، وسألهم النبيّ ﷺ عنه فقالوا: توفي فدفناه في الليل، فقال: ألا آذنتموني؟ قالوا: كانت ظلمة ولم ينكر عليهم"، أخرجه البخاري (٣). وسيأتي في باب الدفن (٤) ليلًا. وأجابوا عن حديث الباب بأن النهي كان لترك الصلاة لا لمجرّد الدفن بالليل، أو عن إساءة الكفن أو عن المجموع، وتأتي بقية الكلام إن شاء الله في باب الدفن ليلًا (٤). ٥/ ١٣٩١ - (وَعَنْ عائِشَةَ أن أبا بَكْرٍ نَظَرَ إلى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كانَ يَمْرَضُ فِيهِ بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ، فَقالَ: اغْسِلوا ثَوْبي هَذَا، وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ فَكَفِّنونِي فِيها، قلْتُ: إن هَذَا خَلَقٌ؟ قالَ: إنَّ الحَيَّ أَحَقُّ بالجَديدِ مِنَ المَيِّتِ إنمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ. مُخْتَصَرٌ مِنَ البُخاريّ) (٥). [صحيح] قوله: (به ردْع) (٦) بسكون المهملة بعدها عين مهملة: أي لطخ لم يعمه كله. قوله: (وزيدوا عليه ثوبين)، في رواية: "جديدين".
следующие страницы →