← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 3455–3494 · переход к 3460.

стр. 3455

وفيه دليل على تحريم اتخاذ القبور مساجد، وقد زعم بعضهم أن ذلك إنما كان في ذلك الزمان لقرب العهد بعبادة الأوثان، وردّه ابن دقيق العيد (١). قوله: (لعن الله زائرات القبور) فيه تحريم زيارة القبور للنساء، وسيأتي الكلام على ذلك (٢). قوله: (والسّرج) فيه دليل على تحريم اتخاذ السرج على المقابر لما يفضي إليه ذلك من الاعتقادات الفاسدة كما عرفت مما تقدم. [الباب التاسع] باب وصول ثواب القرب المهداة إلى الموتى ٢٧/ ١٤٨٧ - (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو أن العاصَ بْنَ وَائِلٍ نَذَرَ فِي الجاهِلِيَّة أنْ يَنْحَرَ مائَةَ بدَنَةٍ، وأن هشامَ بْنَ العاصِ نَحَرَ حِصَّتَهُ خَمْسينَ، وأنَّ عَمْرًا سألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذلِكَ فَقالَ: "أمَّا أبُوكَ فَلَوْ أقَرَّ بالتَّوْحِيدِ فَصُمْتَ وَتَصَدَّقْتَ عَنْهُ نَفَعَهُ ذلكَ"، رَوَاهُ أحْمَدُ) (٣). [حسن] ٢٨/ ١٤٨٨ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ أن رَجُلًا قالَ للنَّبِيّ ﷺ : إنَّ أبي ماتَ وَلْم يُوَصّ أفَيَنْفَعُهُ أنْ أتَصَدَّقَ عَنْهُ؟ قالَ: "نَعَمْ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وَمُسْلمٌ (٥) وَالنَّسائيُّ (٦) وَابْنُ ماجَهْ) (٧). [صحيح]

стр. 3456

٢٩/ ١٤٨٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أن رَجُلًا قالَ للنَّبِيّ ﷺ : إنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وأُرَاها لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أجْرٌ إنْ تَصَدَّقْتُ عَنْها؟ قالَ: "نَعَمْ" مُتفَق عَلَيْهِ) (١). [صحيح] ٣٠/ ١٤٩٠ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن رَجُلًا قالَ لِرَسُولِ الله ﷺ : إنَّ أمِّي تُوُفِّيَتْ أيَنْفَعُها إنْ تَصَدَّقْتُ عَنْها؟ قالَ: "نَعَمْ"، قالَ: فإنّ لِي مخْرَفًا، فأنا أُشْهِدُكَ أني قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا. رَوَاهُ البُخارِيّ (٢) وَالتِّرْمِذِيّ (٣) وأبُو دَاوُدَ (٤) وَالنَّسَائيُّ) (٥). [صحيح]. ٣١/ ١٤٩١ - (وَعَنِ الحَسَنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُباد أن أُمَّهُ ماتَتْ فَقالَ: يا رَسُولَ الله إنَّ أُمِّي ماتَتْ أفأتَصَدَّقُ عَنْها؟ قالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: فأيُّ الصّدَقَةِ أفْضَلُ؟ قالَ: "سَقْيُ المَاءِ". قالَ الحَسَنُ: فَتِلْكَ سِقايَةُ آلِ سَعْدٍ بالمَدِينَةِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٦) وَالنَّسائي) (٧). [حسن لغيره] حديث سعد رجال إسناده عند النسائي ثقات، ولكن الحسن لم يدرك سعدًا، وقد أخرجه أيضًا أبو داود (٨) وابن ماجه (٩).

стр. 3457

قوله: (نحر حصته خمسين) إنما كانت حصته خمسين؛ لأنّ العاص بن وائل خلف ابنين هشامًا وعمرًا، فأراد هشام أن يفي بنذر أبيه فنحر حصته من المائة التي نذرها وحصته خمسون، وأراد عمرو أن يفعل كفعل أخيه فسأل رسول الله ﷺ ، فأخبره أن موت أبيه على الكفر مانع من وصول نفع ذلك إليه، وأنه لو أقرّ بالتوحيد لأجزأ ذلك عنه ولحقه ثوابه. وفيه دليل على أن نذر الكافر بما هو قربة لا يلزم إذا مات على كفره. وأما إذا أسلم وقد وقع منه نذر في الجاهلية ففيه خلاف، والظاهر أنه يلزمه الوفاء بنذره لما أخرجه الشيخان (١) من حديث ابن عمر: "أن عمر قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال له ﷺ : أوف بنذرك". وفي ذلك أحاديث يأتي ذكرها في باب من نذر وهو مشرك من كتاب النذور (٢). قوله: (نفعه ذلك) فيه دليل على أن ما فعله الولد لأبيه المسلم من الصوم والصدقة يلحقه ثوابه. قوله: (افتُلِتت) بضم المثناة بعد الفاء الساكنة وبعدها لام مكسورة على صيغة المجهول: ماتت فجأة، كذا في القاموس (٣)، وقوله: نفسها بالضمّ على الأشهر نائب مناب الفاعل. قوله: (وأُراها) بضم الهمزة بمعنى أظنها. قوله: (فإن لي مخرفًا)، [و] (٤) في رواية مخرافًا، والمخرف والمخراف (٥): الحديقة من النخل أو العنب أو غيرهما. قوله: (قال: سقي الماء) فيه دليل على أن سقي الماء أفضل الصدقة.

стр. 3458

ولفظ أبي داود (١): "فأيّ الصدقة أفضل؟ قال: الماء، فحفر بئرًا وقال: هذه لأمّ سعد". وأخرج هذا الحديث الدارقطني في غرائب مالك. وقد أخرج الموطأ (٢) من حديث سعيد بن سعد بن عبادة: "أنه خرج سعد مع النبيّ ﷺ في بعض مغازيه وحضرت أمه الوفاة بالمدينة، فقيل لها: أوصي، فقالت: فيم أوصي والمال مال سعد؟ فتوفيت قبل أن يقدم سعد" فذكر الحديث. وقد قيل: إن الرجل المبهم في حديث عائشة وفي حديث ابن عباس هو سعد بن عبادة، ويدلّ على ذلك أن البخاري (٣) أورد بعد حديث عائشة حديث ابن عباس بلفظ: "إن سعد بن عبادة قال: إن أمي ماتت وعليها نذر"، وكأنه رمز إلى أن المبهم في حديث عائشة هو سعد. وأحاديث الباب تدلّ على أن الصدقة من الولد تلحق الوالدين بعد موتهما بدون وصية منهما ويصل إليهما ثوابها فيخصص بهذه الأحاديث عموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]. ولكن ليس في أحاديث الباب إلا لحوق الصدقة من الولد، وقد ثبت أن ولد الإنسان من سعيه فلا حاجة إلى دعوى التخصيص. وأما من غير الولد فالظاهر من العمومات القرآنية أنه لا يصل ثوابه إلى الميت، فيوقف عليها حتى يأتي دليل يقتضي تخصيصها (٤).

стр. 3459

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3461

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3462

وقد اختلف في غير الصدقة من أعمال البرّ، هل يصل إلى الميت؟ فذهبت المعتزلة إلى أنه لا يصل إليه شيء واستدلوا بعموم الآية (١). وقال في شرح الكنز: إن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة كان أو صومًا أو حجًا أو صدقة أو قراءة قرآن أو غير ذلك من جميع أنواع البرّ، ويصل ذلك إلى الميت وينفعه عند أهل السنة، انتهى. والمشهور من مذهب الشافعي (٢) وجماعة من أصحابه أنه لا يصل إلى الميت ثواب قراءة القرآن. وذهب أحمد بن حنبل (٣) وجماعة من العلماء وجماعة من أصحاب الشافعي إلى أنه يصل، كذا ذكره النووي في الأذكار (٤). وفي شرح المنهاج لابن النحوي: لا يصل إلى الميت عندنا ثواب القراءة على المشهور. والمختار الوصول إذا سأل الله إيصال ثواب قراءته، وينبغي الجزم به لأنه دعاء، فإذا جاز الدعاء للميت بما ليس للداعى، فلأن يجوز بما هو له أولى، ويبقى الأمر فيه موقوفًا على استجابة الدعاء. وهذا المعنى لا يختصّ بالقراءة بل يجري في سائر الأعمال، والظاهر أن

стр. 3463

الدعاء متفق عليه أنه ينفع الميت والحيّ القريب والبعيد بوصية وغيرها. وعلى ذلك أحاديث كثيرة، بل كان أفضل الدعاء أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، انتهى. وقد حكى النووي في شرح مسلم (١) الإجماع على وصول الدعاء إلى الميت، وكذا حكى الإجماع على أن الصدقة تقع عن الميت ويصله ثوابها ولم يقيد ذلك بالولد. وحكى أيضًا الإِجماع على لحوق قضاء الدين، والحقّ أنه يخصص عموم الآية بالصدقة من الولد كما في أحاديث الباب. وبالحجّ من الولد كما في خبر الخثعمية (٢)، ومن غير الولد أيضًا كما في حديث المحرم عن أخيه شبرمة (٣)، ولم يستفصله ﷺ هل أوصى شبرمة أم لا؟. وبالعتق من الولد كما وقع في البخاري (٤) في حديث سعد خلافًا للمالكية على المشهور عندهم. وبالصلاة من الولد أيضًا لما روى الدارقطني (٥) "أن رجلًا قال: يا رسول الله

стр. 3464

إنه كان لي أبوان أبرّهما في حال حياتهما، فكيف لي ببرّهما بعد موتهما؟ فقال ﷺ : "إن من البرّ بعد البرّ أن تصلي لهما مع صلاتك وأن تصوم لهما مع صيامك"، وبالصيام من الولد لهذا الحديث. ولحديث عبد الله بن عمرو (١) المذكور في الباب. ولحديث ابن عباس عند البخاري (٢) ومسلم (٣): "إن امرأة قالت: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر. فقال: أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت: نعم، قال: فصومي عن أمك". وأخرج مسلم (٤) وأبو داود (٥) والترمذي (٦) من حديث بريدة أن امرأة قالت: "إنه كان على أمي صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: صومي عنها". ومن غير الولد أيضًا لحديث: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه"، متفق عليه (٧) من حديث عائشة. وبقراءة يس من الولد وغيره لحديث: "اقرءوا على موتاكم يس" (٨)

стр. 3465

وقد تقدم (١). وبالدعاء من الولد لحديث: "أو ولد صالح يدعو له" (٢)، ومن غيره لحديث:؟ "استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسئل" وقد تقدم (٣).

стр. 3466

ولحديث: "فضل الدعاء للأخ بظهر الغيب" (١). ولقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]. ولما ثبت من الدعاء للميت عند الزيارة كحديث بريدة عند مسلم (٢) وأحمد (٣) وابن ماجه (٤) قال: "كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية". وبجميع ما يفعله الولد لوالديه من أعمال البرّ لحديث: "ولد الإنسان من سعيه" (٥). وكما تخصص هذه الأحاديث الآية المتقدمة كذلك يخصص حديث أبي هريرة عند مسلم (٦) وأهل السنن (٧) قال: قال رسول الله ﷺ "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". فإن ظاهره أن ينقطع عنه ما عدا هذه الثلاثة كائنًا ما كان. وقد قيل: إنه يقاس على هذه المواضع التي وردت بها الأدلة غيرها فيلحق الميت كل شيء فعله غيره.

стр. 3467

وقال في شرح الكنز: إن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ [الطور: ٢١] الآية، وقيل: الإنسان أريد به الكافر، وأما المؤمن فله ما سعى إخوانه، وقيل ليس له من طريق العدل وهو له من طريق الفضل، وقيل اللام بمعنى على كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر: ٥٢] أي: وعليهم، انتهى. [الباب العاشر] باب تعزية المصاب وثواب صبره وأمره به وما يقول لذلك ٣٢/ ١٤٩٢ - (عَنْ عَبْدِ الله بن أبي بكر بن محمد بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدّهِ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "ما مِنْ مُؤمِنٍ يُعَزي أخاهُ بمُصِيبَةٍ إلَّا كَساهُ الله مِنْ حُلَلِ الكَرَامَةِ يَوْمَ القِيامَةِ"، رَوَاه ابْنُ ماجَهْ) (١). [حسن] ٣٣/ ١٤٩٣ - (وَعَنِ الأسْوَدِ عَنْ عَبْدِ الله عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أجْرِهِ"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (٢) وَالتِّرْمِذِيُّ) (٣). [ضعيف] ٣٤/ ١٤٩٤ - (وَعَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَليّ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "ما مِنْ مُسْلِمٍ وَلا مُسْلِمَةٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ فَيَذْكُرُها وَإنْ قَدِمَ عَهْدُها فَيحْدِث لِذَلِكَ اسْتِرْجاعًا إلَّا جَدَّدَ الله ﵎ لَهُ عِنْدَ ذلكَ فأعْطاهُ مِثْلَ أجْرِها يَوْمَ أصِيبَ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وَابْنُ ماجَهْ) (٥). [ضعيف جدًّا]

стр. 3468

حديث بن عمرو بن حزم رواه ابن ماجه (١) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا خالد بن مخلد، حدثني قيس أبو عمارة مولى الأنصار قال: سمعت عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فساقه، وهؤلاء كلهم ثقات إلا قيس أبو عمارة [ففيه] (٢) لين (٣)، وقد ذكره الحافظ (٤) في التلخيص وسكت عنه. وحديث ابن مسعود أخرجه أيضًا الحاكم (٥)، وقال الترمذي (٦): غريب لا نعرفه إلا من حديث عليّ بن عاصم. ورواه بعضهم عن محمد بن سوقة بهذا الإسناد مثله موقوفًا ولم يرفعه، ويقال: أكثر ما ابتلي به عليّ بن عاصم هذا الحديث نقموه عليه اهـ. قال البيهقي (٧): تفردّ به عليّ بن عاصم. وقال ابن عدي (٨): قد رواه مع عليّ بن عاصم محمد بن الفضل بن عطية وعبد الرحمن بن مالك بن مغول. وروى عن إسرائيل وقيس بن الربيع والثوري وغيرهم.

стр. 3469

وروى ابن الجوزي في الموضوعات (١) من طريق نصر بن حماد عن شعبة نحوه. وقال الخطيب (٢): رواه عبد الحكم بن منصور والحارث بن عمران الجعفري وجماعة مع عليّ بن عاصم وليس شيء منها ثابتًا. ويحكى عن أبي داود (٣) قال: عاتب يحيى بن سعيد القطان عليّ بن عاصم في وصل هذا الحديث، وإنما هو عندهم منقطع، وقال له: إن أصحابك الذين سمعوه معك لا يسندونه فأبى أن يرجع. قال الحافظ (٤): ورواية الثوري مدارها على حماد بن الوليد وهو ضعيف جدًّا، وكل المتابعين لعليّ بن عاصم أضعف منه بكثير، وليس فيها رواية يمكن التعلق بها إلا طريق إسرائيل، فقد ذكرها صاحب الكمال من طريق وكيع عنه، ولم أقف على إسنادها بعد. قال في التلخيص (٤) وله شاهد أضعف منه من طريق محمد بن عبيد الله العَرْزَميُّ عن أبي الزبير عن جابر، ساقه ابن الجوزي في الموضوعات (٥). وله أيضًا شاهد آخر من حديث أبي برزة مرفوعًا: "من عزّى ثكلى كُسي بردًا في الجنة" (٦)، قال الترمذي (٧): غريب. ومن شواهده حديث عمرو بن حزم الذي قبله (٨).

стр. 3470

قال السيوطي في التعقبات (١): وأخرج البيهقي في الشعب (٢) عن محمد بن هارون الفأفاء وكان ثقة صدوقًا قال: رأيت في المنام النبيّ ﷺ فقلت: يا رسول الله حديث عليّ بن عاصم الذي يرويه عن ابن سوقة: "من عزى مصابًا"، هو عنك؟ قال: نعم (*)، فكان محمد بن هارون كلما حدّث بهذا الحديث بكى. وقال الذهبي (٣): أبلغ ما شنع به على عليّ بن عاصم هذا الحديث، وهو مع ضعفه صدوق في نفسه وله صورة كبيرة في زمانه، وقد وثقه جماعة. قال يعقوب بن شيبة (٤): كان من أهل الدين والصلاح والخير والتاريخ، وكان شديد التوقي، أنكر عليه كثرة الغلط مع تماديه على ذلك. وقال وكيع (٥): ما زلنا نعرفه بالخير، فخذوا الصحاح من حديثه ودعوا الغلط. وقال أحمد (٦): أما أنا فأحدّث عنه كان فيه لجاج ولم يكن متهمًا. وقال الفلاس (٧): صدوق. وحديث الحسين في إسناده هشام بن زياد (٨) وفيه ضعف عن أمه وهي لا تعرف. قوله: (من عزّى مصابًا إلخ) فيه دليل على أنَّ تعزية المصاب من موجبات الكسوة من الله تعالى لمن فعل ذلك من حلل كرامته. قوله: (فله مثل أجره) فيه دليل على أنه يحصل للمعزّي بمجرّد التعزية مثل أجر المصاب.

стр. 3471

وقد يستشكل ذلك باعتبار أن المشقة مختلفة ويجاب عنه بجوابات ليس هذا محلّ بسطها. وثمرة التعزية الحثّ على الرجوع إلى الله تعالى ليحصل الأجر. قال في البحر (١): والمشروع مرّة واحدة لقوله ﷺ : "التعزية مرّة" (٢)، انتهى. قال الهادي والقاسم (٣) والشافعي (٤): وهي بعد الدفن أفضل لعظم المصاب بالمفارقة. وقال أبو حنيفة (٥) والثوري (٦): إنما هي قبله لقوله ﷺ : "فإذا وجب فلا تبكين باكية"، أخرجه مالك (٧) والشافعي (٨) وأحمد (٩) وأبو داود (١٠) والنسائي (١١) وابن حبان (١٢) والحاكم (١٣).

стр. 3472

والمراد بالوجوب دخول القبر كما وقع في رواية لأحمد (١)، ولأن وقت الموت حال الصدمة الأولى كما سيأتي. والتعزية تسلية فينبغي أن يكون وقت الصدمة التي يشرع الصبر عندها. قوله: (فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب) فيه دليل على أن استرجاع المصاب عند ذكر المصيبة يكون سببًا لاستحقاقه لمثل الأجر الذي كتبه الله له في الوقت الذي أصيب فيه بتلك المصيبة وإن تقادم [عهدها] (٢) ومضت عليها أيام طويلة، والاسترجاع هو قول القائل: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]. ٣٥/ ١٤٩٥ - (وَعَنْ أنَسٍ أن النَّبِيّ ﷺ قال: "إنَّما الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأولى"، رَوَاهُ الجَماعَةُ) (٣). [صحيح] ٣٦/ ١٤٩٦ - (وَعَنْ جَعْفَر بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدّهِ قالَ: لَمَّا تُوُفّيَ رَسُولُ الله ﷺ وجَاءَتِ التَّعْزِيَةُ سَمِعُوا قائِلًا يَقُولُ: إنّ فِي الله عَزَاءً مِنْ كُلّ مُصِيبَةٍ، وَخَلَفًا مِنْ كُلّ هالِكٍ، وَدَرَكًا مِنْ كُلّ فائِتٍ، فَبالله فَثِقُوا وإيَّاهُ فارْجُوا، فإنَّ المُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوابَ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) (٤)

стр. 3473

٣٧/ ١٤٩٧ - (وَعَنْ أمّ سَلَمَة قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقول: "ما مِنْ عَبْدٍ تُصيبُهُ مُصِيبَة فَيَقُولُ: إنَّا لله وإنَّا الِيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أجُرْنِي في مُصيبَتي وأَخْلِفْ لي خَيْرًا مِنْها، إلا أجَرَهُ الله في مُصِيبَتِهِ وأخْلَفَ لَهُ خَيْرًا منها"، قالَتْ: فَلَمَّا تُوُفي أبُو سَلَمَةَ قالَتْ: مَنْ خَيْرٌ مِنْ أبي سَلَمَة صَاحِبِ رَسُولِ الله ﷺ ، قالَتْ: ثُمَّ عَزَمَ الله لي فَقُلْتُها، اللَّهُمَّ اؤْجُرنِي فِي مُصِيبَتي وأخْلِفْ لي خَيْرًا مِنْهَا، قالَتْ: فَتَزَوَّجْتُ رَسُولَ الله ﷺ . رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢) وَابْنُ ماجَهْ) (٣). [صحيح] حديث جعفر بن محمد في إسناده القاسم بن عبد الله بن عمر وهو متروك (٤)، وقد كذّبَه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين. وقال أحمد أيضًا: كان يضع الحديث. ورواه الحاكم عن أنس في مستدركه (٥) وصححه، وفي إسناده عباد بن عبد الصمد (٦) وهو ضعيف جدًّا، وزاد: "فقال أبو بكر وعمر: هذا الخضر" (٧).

стр. 3474

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3475

قوله: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى)، في رواية للبخاري (١): "عند أوّل صدمة"، ونحوها لمسلم (٢). والمعنى إذا وقع الثبات أوّل شيء يهجم على القلب من مقتضيات الجزع فذلك هو الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر، وأصل الصدم ضرب الشيء الصلب بمثله، فاستعير للمصيبة الواردة على القلب. وقال الخطابي (٣): المعنى أن الصبر الذي يحمد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة المصيبة بخلاف ما بعد ذلك. وقال غيره (٤): إن المراد لا يؤجر على المصيبة لأنها ليست من صنع، وإنما [هو] (٥) يؤجر على حسن تثبته وجميل صبره. وأوّل الحديث: "أن النبيّ ﷺ مرّ بامرأة تبكي عند قبر فقال: "اتقي الله واصبري"، فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبيّ ﷺ ، فأتت باب النبيّ ﷺ فلم تجد عنده بوّابي، فقالت: لم أعرفك يا رسول الله، فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى". قوله: (إن في الله عزاء من كل مصيبة) إلخ، فيه دليل على أنه تستحبّ التعزية لأهل الميت بتعزية الخضر ﵇. وأصل العزاء في اللغة (٦): الصبر الحسن، والتعزية: التصبرة، وعزّاه: صبره، فكل ما يجلب للمصاب صبرًا يقال له: تعزية بأيّ لفظ كان، ويحصل به للمعزي الأجر المذكور في الأحاديث السابقة. وأحسن ما يعزّى به ما أخرجه البخاري (٧) ومسلم (٨) من حديث أسامة بن

стр. 3476

زيد قال: "كنا عند النبيّ ﷺ ، فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيًا لها أو ابنًا لها في الموت، فقال للرسول: ارجع إليها وأخبرها أن لله ما أخذ ولله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر ولتحتسب، الحديث" وسيأتي (١). وهذا لا يختصّ بالصغير باعتبار السبب؛ لأن كل شخص يصلح أن يقال له وفيه ذلك. ولو سلم أن أوّل الحديث يختصّ بمن مات له صغير كان الأمر بالصبر والاحتساب المذكور [آخرَ] (٢) الحديث غير مختصّ به. قوله: (اللهم أجُرْني) قال القاضي (٣): يقال: أجرني بالقصر والمدّ حكاهما صاحب الأفعال (٤). قال الأصمعي (٥) وأكثر أهل اللغة (٦): قالوا: هو مقصور لا يمدّ، ومعنى أجره الله: أعطاه أجره وجزاء صبره وهمه في مصيبته. قوله: (وأخلف لي) قال النووي (٧) هو بقطع الهمزة وكسر اللام. قال أهل اللغة (٨): يقال لمن ذهب له مال أو ولد أو قريب أو شيء يتوقع حصول مثله. أخلف الله عليك: أي ردّ عليك مثله. فإن ذهب ما لا يتوقع مثله

стр. 3477

بأن ذهب والد أو عمّ قيل له: خلف الله عليك بغير ألف: أي كان الله خليفة منه عليك. قوله: (إلا أجره الله) قال النووي (١): هو بقصر الهمزة ومدها، والقصر أفصح وأشهر كما سبق. قوله: (ثم عزم الله لي فقلتها) أي خلق فيَّ عزمًا. [الباب الحادي عشر] باب صنع الطعام لأهل الميت وكراهته منهم للناس ٣٨/ ١٤٩٨ - (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ جعْفَرٍ قالَ: لَمَّا جاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ حِينَ قُتِلَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اصْنَعُوا لآلِ جَعْفَرٍ طَعامًا، فَقَدْ أتاهُمْ ما يَشْغَلُهُمْ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسائيُّ) (٢). [حسن] ٣٩/ ١٤٩٩ - (وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله البَجَلِي قالَ: كُنَّا نَعُدُّ الاجْتِماعَ إلى أهْلِ المَيِّتِ وَصَنَعَةَ الطَّعامِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنَ النِّياحَةِ. رَوَاهُ أحْمَدُ) (٣). [صحيح]

стр. 3478

٤٠/ ١٥٠٠ - (وَعَنْ أنسٍ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "لا عقْرَ فِي الإسْلامِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وأبُو دَاوُدَ (٢). وَقَالَ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كانُوا يَعْقِرُونَ عِنْدَ القَبْرِ بَقَرَةً أوْ شاةً فِي الجاهِلِيَّةِ). [صحيح] حديث عبد الله بن جعفر أخرجه أيضًا الشافعي (٣)، وصححه ابن اسكن (٤) وحسنه الترمذي (٥). وأخرجه أيضًا أحمد (٦) والطبراني (٧) وابن ماجه (٨) من حديث أسماء بنت عميس وهي والدة عبد الله بن جعفر. وحديث جرير أخرجه أيضًا ابن ماجه (٩) وإسناده صحيح. وحديث أنس سكت عنه أبو داود (١٠) والمنذري (١١) ورجال إسناده رجال الصحيح. قوله: (اصنعوا لآل جعفر) فيه مشروعية القيام بمؤنة أهل الميت مما

стр. 3479

يحتاجون إليه من الطعام لاشتغالهم عن أنفسهم بما دهمهم من المصيبة. قال الترمذي (١): وقد كان بعض أهل العلم يستحبّ أن يوجه إلى أهل الميت شيء لشغلهم بالمصيبة وهو قول الشافعي (٢)، انتهى. قوله: (كنا نعدّ الاجتماع إلى أهل الميت إلخ)، يعني أنهم كانوا يعدون الاجتماع عندَ أهل الميت بعد دفنه، وأكل الطعام عندهم نوعًا من النياحة لما في ذلك من التثقيل عليهم وشغلهم مع ما هم فيه من شغلة الخاطر بموت الميت وما فيه من مخالفة السنة، لأنهم مأمورون بأن يصنعوا لأهل الميت طعامًا فخالفوا ذلك وكلفوهم صنعة الطعام لغيرهم. قوله: (لا عقر في الإسلام) فيه دليل على عدم جواز العقر في الإسلام كما كان في الجاهلية. قال الخطابي (٣): كان أهل الجاهلية يعقرون الإبل على قبر الرجل الجواد يقولون: نجازيه على فعله لأنه كان يعقرها في حياته فيطعمها الأضياف، فنحن نعقرها عند قبره حتى تأكلها السباع والطير فيكون مُطعمًا بعد مماته كما كان مُطعمًا في حياته. قال: ومنهم من كان يذهب في ذلك إلى أنه إذا عقرت راحلته عند قبره حشر في القيامة راكبًا، ومن لم يعقر عنده حشر راجلًا، انتهى.

стр. 3480

وهذا إنما يتمّ على فرض أنهم كانوا يعقرون الإبل فقط لا على ما نقله أبو داود (١) عن عبد الرزاق أنهم كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة (٢). [الباب الثاني عشر] باب ما جاء في البكاء على الميت وبيان المكروه منه ٤١/ ١٥٠١ - (عَنْ جابِرٍ قالَ: أُصِيبَ أبي يَوْمَ أحُدٍ فَجَعَلْت أبْكي، فَجَعَلُوا يَنْهَوْنِي وَرَسُولُ الله ﷺ لَا يَنْهانِي، فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فاطمَةُ تَبْكِي، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تَبْكِينَ أوْ لا تَبكِينَ ما زَالَتِ المَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بأجْنِحَتِهَا حتَّى رَفَعْتُمُوهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٣). [صحيح] ٤٢/ ١٥٠٢ - (وَعَنِ ابْنِ عَباسٍ قالَ: ماتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ الله ﷺ فَبَكَتِ النِّسَاءُ فَجَعَلَ عُمَرُ يَضْرِبُهُنَ بِسَوْطِهِ، فأخَذَ رَسُولُ الله ﷺ بِيَدِهِ وَقَالَ: "مَهْلًا يا عُمَرُ"، ثُمَّ قالَ: "إيَّاكُنَّ وَنَعِيقَ الشَّيْطانِ"، ثُمَّ قالَ: "إنَّهُ مَهْمَا كانَ مِنَ العَيْنِ وَالقَلْبِ فَمِنَ الله وَمِنَ الرَّحْمَةِ، وَمَا كانَ مِنَ اليَدِ وَاللِّسانِ فَمِنَ الشَّيْطانِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ) (٤). [إسناده ضعيف] حديث ابن عباس فيه عليّ بن زيد وفيه كلام (٥)، وهو ثقة. وقد أشار إلى الحديث الحافظ في التلخيص (٦) وسكت عنه.

стр. 3481

قوله: (فجعلت أبكي)، في لفظ للبخاري (١): "فجعلت أكشف الثوب عن وجهه أبكي"، وفي لفظ آخر له (٢): "فذهبت أريد أن أكشف عنه فنهاني قومي، ثم ذهبت أكشف عنه فنهاني قومي". قوله: (ينهوني)، في رواية للبخاري (٣): "وينهونني". قوله: (ورسول الله ﷺ لا ينهاني)، فيه دليل على جواز البكاء الذي لا صوت معه، وسيأتي تحقيق ذلك. قوله: (فجعلت عمتي فاطمة تبكي) قال في الفتح (٤): [هي] (٥) شقيقة أبيه عبد الله بن عمرو. وفي لفظ للبخاري (٦): "فسمع صوت صائحة فقال: من هذه؟ فقالوا: بنت عمرو أو أخت عمرو" والشكّ من سفيان، والصواب: بنت عمرو. ووقع في الإكليل للحاكم (٧) تسميتها هند بنت عمرو، فلعلّ لها اسمين أو أحدهما اسمها والآخر لقبها، أو كانتا جميعًا حاضرتين. قوله: (تبكين أو لا تبكين) قيل: هذا شكّ من الراوي هل استفهم أو نهى، والظاهر أنه ليس بشك، وإنما المراد به التخيير. والمعنى أنه مكرّم بصنيع الملائكة وتزاحمهم عليه لصعودهم بروحه، ومن كان بهذه المثابة تظله الملائكة بأجنحتها لا ينبغي أن يبكي عليه بل يفرح له بما صار إليه. وفيه إذن بالبكاء المجردّ مع الإرشاد إلى أولوية الترك لمن كان بهذه المنزلة. قوله: (إياكنّ ونعيق الشيطان) هو النوح والصراخ المنهي عنه بالأحاديث الآتية.

стр. 3482

قوبه: (إنه مهما كان من العين والقلب إلخ)، فيه دليل على جواز البكاء المجرّد عما لا يجوز من فعل اليد كشقّ الجيب واللطم، ومن فعل اللسان كالصراخ ودعوى الويل والثبور ونحو ذلك. ٤٣/ ١٥٠٣ - (وَعَنِ ابْنِ عمَرَ قالَ: "اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَة شَكوى لَهُ، فأتاهُ النَّبِي ﷺ يَعودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَشِيِّهِ، فَقالَ: "قَدْ قُضِيَ"، فَقالُوا: لا يا رَسُولَ الله، فَبَكَى رَسُولُ الله ﷺ ؛ فَلَمَّا رأى القَوْمُ بُكاءَهُ بَكَوْا؛ قالَ: "ألَا تَسْمَعُونَ إنَّ الله لا يُعَذّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ وَلا بِحُزْنِ القَلْبِ وَلَكِنْ يُعَذّبُ بِهَذَا"، وأشارَ إلى لِسانِهِ "أوْ يَرْحَمُ" (١) [صحيح] ٤٤/ ١٥٠٤ - (وَعَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ قالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فأرْسَلَتْ إلَيْهِ إحْدَى بَناتِهِ تَدْعوهُ وَتخْبرُهُ أن صَبِيًّا لَهَا فِي المَوْتِ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ارْجِعْ إلَيْها فأخْبِرها أن لله ما أخَذَ وَلَهُ ما أعْطَى، وكُل شَيْء عِنْدَهُ بأجَلٍ مُسَمَّى، فَمُرْها فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ"، فَعادَ الرَّسُولُ فَقالَ: إنَّها أقْسَمتْ لَتأتِيَنَّها، قالَ: فَقامَ النَّبِي ﷺ وَقامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ وَمُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، قالَ: فانْطَلَقْتُ مَعَهُمْ، فَرُفِعَ إلَيْهِ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كأنَّها فِي شَنَّةٍ فَفاضَتْ عَيْناهُ، فَقالَ سَعْدٌ: ما هَذَا يا رَسُولَ الله؟ قالَ: "هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا الله فِي قُلُوبِ عِبادِهِ، وإنَّمَا يَرْحَمُ الله مِنْ عِبادِهِ الرُّحَمَاءَ" (٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا). [صحيح] قوله: (اشتكى)، أي ضعف، وشكوى بغير تنوين. قوله: (فلما دخل عليه)، زاد مسلم (٣): "فاستأخر قومه من حوله حتى دنا رسول الله ﷺ وأصحابه الذين معه". قوله: (وجده في غشيه) قال النووي (٤): بفتح الغين وكسر الشين المعجمتين وتشديد الياء.

стр. 3483

قال القاضي (١): هكذا رواية الأكثرين. قال: وضبطه بعضهم بإسكان الشين وتخفيف الياء. وفي رواية البخاري (٢) "في غاشية" وكله صحيح. وفيه قولان (٣): (أحدهما) من يغشاه من أهله. (والثاني) ما يغشاه من كرب الموت. قوله: (فلما رأى القوم بكاءه بكوا) هذا فيه إشعار بأن هذه القصة كانت بعد قصة إبراهيم ابن النبيّ ﷺ ؛ لأن عبد الرحمن بن عوف كان معهم في هذه، ولم يعترض بمثل ما اعترض به هناك، فدلّ على أنه تقرّر عنده العلم بأن مجرّد البكاء بدمع العين من غير زيادة على ذلك لا يضرّ. قوله: (ألا تسمعون) لا يحتاج إلى مفعول لأنه جعل كالفعل اللازم: أي لا توجدون السماع. وفيه إشارة إلى أنه فهم من بعضهم الإنكار فبين لهم الفرق بين الحالتين. قوله: (إن الله) بكسر الهمزة لأنه ابتداء كلام. وفيه دليل على جواز البكاء والحزن اللذين لا قدرة للمصاب على دفعهما. قوله: (ولكن يعذّب بهذا)، أي إن قال سوءًا، أو يرحم إن قال خيرًا. ويحتمل أن يكون معنى قوله أو يرحم: أي إن لم ينفذ الوعيد. قوله: (إحدى بناته) هي زينب كما وقع عند ابن أبي شيبة (٤). قوله: (أن صبيًا لها) قيل: هو عليّ بن أبي العاص بن الربيع وهو من زينب.

стр. 3484

وفيه نظر لأن الزبير بن بكار وغيره من أهل العلم بالأخبار ذكروا أن عليًا المذكور عاش حتى ناهز الحلم، وأن النبيَّ ﷺ أردفه على راحلته يوم فتح مكة، وهذا لا يقال في حقه صبيًا عرفًا وإن جاز من حيث اللغة. وفي "الأنساب" للبلاذري (١) أن عبد الله بن عثمان بن عفان من رقية بنت رسول الله ﷺ لما مات وضعه النبيّ ﷺ في حجره وقال: "إنما يرحم الله من عباده الرحماء". وفي مسند البزار (٢) من حديث أبي هريرة قال: "ثقل ابن لفاطمة، فبعثت إلى النبيّ ﷺ فذكر نحو حديث الباب"، وفيه مراجعة سعد بن عبادة في البكاء، فعلى هذا الابن المذكور محسن بن عليّ. وقد اتفق أهل العلم بالأخبار أنه مات صغيرًا في حياة النبي ﷺ ، فهذا أولى إن ثبت أن القصة كانت لصبيّ ولم يثبت أن المرسلة زينب، لكن الصواب في حديث الباب أن المرسلة زينب كما قال الحافظ (٣) وأن الولد صبية كما في مسند أحمد (٤)، وكذا أخرجه أبو سعيد بن الأعرابي في معجمه (٥). ويدلّ على ذلك ما عند أبي داود (٦) بلفظ: "إن ابنتي أو ابني"، وفي رواية: "إن ابنتي قد حُضرت". قوله: (إن لله ما أخذ)، قدم ذكر الأخذ على الإعطاء وإن كان متأخرًا في الواقع لما يقتضيه المقام.

стр. 3485

والمعنى أن الذي أراد أن يأخذ هو الذي كان أعطاه، فإن أخذه أخذ ما هو له فلا ينبغي الجزع؛ لأن مستودع الأمانة لا ينبغي له أن يجزع إذا استعيدت منه. ويحتمل أن يكون المراد بالإعطاء إعطاء الحياة لمن بقي بعد الموت أو ثوابهم على المصيبة أو ما هو أعم من ذلك. و"ما" في الموضعين مصدرية، ويجوز أن تكون موصولة والعائد محذوف. قوله: (وكل شيء عنده بأجل مسمى) [في رواية البخاري وكلٌ عنده] (١) أي كل من الأخذ والإعطاء أو من الأنفس أو ما هو أعمّ من ذلك، وهي جملة ابتدائية معطوفة على الجمل المذكورة ويجوز في كل النصب عطفًا على اسم إن فينسحب التأكيد عليه، ومعنى العندية العلم فهو من مجاز الملازمة، والأجل يطلق على الحدّ الأخير وعلى مطلق العمر. قوله: (مسمى) أي معلوم أو مقدر أو نحو ذلك. قوله: (ولتحتسب) أي تنوي بصبرها طلب الثواب من ربها. قوله: (ونفسه تقعقع) بفتح التاء والقافين، والقعقعة (٢): حكاية صوت الشنّ اليابس إذا حرّك. قوله: (كأنها في شنة) (٣) بفتح الشين [المعجمة] (٤) وتشديد النون: القربة الخلقة اليابسة، شبه البدن بالجلد اليابس وحركة الروح فيه بما يطرح في الجلد من حصاة ونحوها. قوله: (ففاضت عيناه) أي النبيّ ﷺ ، وقد صرّح به في رواية [شعبة] (٥). قوله: (هذه رحمة) أي الدمعة أثر رحمة. وفيه دليل على جواز ذلك، وإنما النهي عنه الجزع وعدم الصبر.

стр. 3486

قوله: (وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)، الرحماء: جمع رحيم وهو من صيغ المبالغة، ومقتضاه أن رحمة الله تعالى تختصّ بمن اتصف بالرحمة وتحقق بها، بخلاف من فيه أدنى رحمة. لكن ثبت عند أبي داود (١) وغيره (٢) من حديث عبد الله بن عمرو: "الراحمون يرحمهم الرحمن". والراحمون جمع راحم فيدخل فيه من فيه أدنى رحمة. و"من" في قوله: "من عباده" بيانية، وهي حال من المفعول قدمت ليكون أوقع. ٤٥/ ١٥٠٥ - (وَعَنْ عائِشَةَ: أن سعدَ بْنَ مُعاذٍ لَمَّا ماتَ حَضَرَهُ رَسُولُ الله ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعمَرُ، قالَتْ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إني لأَعرف بُكَاءَ أبي بَكْرٍ مِنْ بُكَاءِ عُمَرَ وأنا في حُجْرَتِي. رَوَاهُ أحْمَدُ) (٣). [حسن] ٤٦/ ١٥٠٦ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنّ رَسُولَ الله ﷺ لَمَّا قَدِمَ مِنْ أُحُدٍ سَمِعَ نِساءً مِنْ عَبْدِ الأشْهَلِ يَبْكِينَ على هَلْكاهُنَّ، فَقالَ: "لَكِنْ حَمْزَةُ لا بَوَاكِيَ لَه". فَجِئْنَ نِساءُ الأنْصَارِ فَبَكَيْنَ على حَمْزَةَ عِنْدَهُ، فاسْتَيْقَظَ رَسُولُ الله ﷺ فَقالَ: "وَيْحَهُنَّ! أبِتْنَ هَا هُنَا تَبْكِينَ حَتَّى الْآنَ، مُرُوهُنَّ فَلْيَرْجِعْنَ وَلا يَبْكِينَ على هالِكٍ بَعْدَ اليَوْمِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وَابْنُ ماجَهْ) (٥). [حسن]

стр. 3487

٤٧/ ١٥٠٧ - (وَعَنْ جابِرِ بْنِ عَتِيكٍ أن رَسُولَ الله ﷺ جاءَ يَعُودُ عَبْدَ الله بنَ ثابِتٍ فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ، فَصَاحَ بِهِ فَلَمْ يُجِبْهُ، فاسْتَرْجَعَ وَقالَ: "غُلبْنا عَلَيْكَ يا أبا الرَّبِيعِ"، فَصَاحَ النِّسْوَةُ وَبَكَيْن، فَجَعَلَ ابْنُ عَتِيكٍ يُسَكِّتُهُنَّ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "دَعْهُن فإذَا وَجَبَ فَلا تَبْكِينَ باكيَةٌ". قالُوا: وَما الوُجُوبُ يا رَسُولَ الله؟ قالَ: "المَوْتُ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (١) وَالنَّسائيُّ) (٢). [صحيح] حديث عائشة وابن عمر أشار إليهما الحافظ في التلخيص (٣) وسكت عنهما، ورجال إسناد حديث ابن عمر ثقات إلا أسامة بن زيد الليثي ففيه مقال. وقد أخرج له مسلم. وحديث جابر بن عتيك أخرجه أيضًا أحمد (٤) وابن حبان (٥) والحاكم (٦). قوله: (وأبو بكر وعمر) إلخ، محلّ الحجة من هذا الحديث تقرير النبيّ ﷺ لهما على البكاء وعدم إنكاره عليهما مع أنه قد حصل منهما زيادة على مجرد دمع العين، ولهذا فرّقت عائشة وهي في حجرتها بين بكاء أبي بكر وعمر، ولعلّ الواقع منهما مما لا يمكن دفعه ولا يقدر على كتمه، ولم يبلغ إلى الحدّ المنهي عنه. قوله: (ولكن حمزة لا بواكي له)، هذه المقالة منه ﷺ مع عدم إنكاره للبكاء الواقع من نساء عبد الأشهل على هلكاهن يدلّ على جواز مجرّد البكاء.

стр. 3488

وقوله: "ولا يبكين على هالك بعد اليوم"، ظاهره المنع من مطلق البكاء. وكذلك قوله في حديث جابر بن عتيك (١): "فإذا وجب فلا تبكين باكية". وذلك يعارض ما في الأحاديث المذكورة في الباب (٢) من الإذن بمطلق البكاء بعد الموت. ويعارض أيضًا سائر الأحاديث الواردة في الإذن بمطلق البكاء مما لم يذكره المصنف كحديث عائشة في قصة عثمان بن مظعون عند أبي داود (٣) والترمذي (٤). وحديث أبي هريرة عند النسائي (٥) وابن ماجه (٦) وابن حبان (٧) بلفظ: "مرّ على النبيّ ﷺ بجنازة [وأنا معه، ومعه عمر بن الخطاب ونساء يبكين عليها] (٨) فانتهرهن عمر، فقال النبيّ ﷺ : دعهن يا ابن الخطاب فإن النفس مصابة والعين دامعة والعهد قريب". وحديث بريدة عند مسلم (٩) في زيارته ﷺ قبر أمه وسيأتي (١٠). وحديث أنس عند الشيخين (١١): "أن النبيّ ﷺ ذرفت عيناه لما جعل ابنه إبراهيم في حجره وهو يجود بنفسه، فقيل له في ذلك، فقال: إنها رحمة، ثم قال: العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا". وهو عند الترمذي (١٢) من حديث جابر بلفظ: "إن النبيّ ﷺ أخذ بيد

стр. 3489

عبد الرحمن بن عوف، فانطلق به إلى ابنه إبراهيم فوجده يجود بنفسه، فأخذه النبيّ ﷺ فوضعه في حجره فبكى، فقال له عبد الرحمن: أتبكي، أو لم تكن نهيت عن البكاء؟ فقال: لا ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند مصيبة خمش وجوه وشقّ جيوب ورنة شيطان" الحديث. قال الترمذي (١): حسن. فيجمع بين الأحاديث بحمل النهي عن البكاء مطلقًا ومقيدًا ببعد الموت على البكاء المفضي إلى ما لا يجوز من النوح والصراخ وغير ذلك، والإذن به على مجرّد البكاء الذي هو دمع العين وما لا يمكن دفعه من الصوت. وقد أرشد إلى هذا الجمع قوله: "ولكن نهيت عن صوتين إلخ". وقوله في حديث ابن عباس المتقدم (٢) "إنه مهما كان من العين والقلب فمن الله ومن الرحمة". وقوله في حديث ابن عمر السابق (٣): "إن الله لا يعذّب بدمع العين ولا بحزن القلب"، فيكون معنى قوله: "لا يبكينّ على هالك بعد اليوم". وقوله: "فإذا وجب فلا تبكين باكية"، النهي عن البكاء الذي يصحبه شيء مما حرمه الشارع. وقيل: إنه يجمع بأن الإذن بالبكاء قبل الموت والنهي عنه بعده. ويرد بحديث أبي هريرة المذكور قريبًا (٤). وبحديث عائشة الذي ذكره المصنف (٥). وبحديث بريدة في قصة زيارته ﷺ لأمه (٦). وبحديث جابر (٧) وابن عباس (٨) المذكورين في أوّل الباب. وقيل: إنه يجمع بحمل أحاديث النهي عن البكاء بعد الموت على الكراهة،

стр. 3490

وقد تمسك بذلك الشافعي (١) فحكي عنه كراهة البكاء بعد الموت، والجمع الذي ذكرناه أوّلًا هو الراجح. قوله: (قالوا: وما الوجوب) إلخ، في رواية لأحمد (٢) أن بعض رواة الحديث قالوا: الوجوب إذا دخل قبره، والتفسير المرفوع أصحّ وأرجح. [الباب الثالث عشر] باب النهي عن النياحة والندب وخمش الوجوه ونشر الشعر ونحوه الرخصة في يسير الكلام من صفة الميت ٤٨/ ١٥٠٨ - (عَنِ ابْنِ مسعُود أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ وَشَقَّ الجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَةِ الجاهِلِيَّةِ" (٣). [صحيح] ٤٩/ ١٥٠٩ - (وَعَنْ أبي بُرْدَةَ قالَ: وَجِعَ أبُو مُوسَى وَجَعًا فَغُشِيَ عَلَيْهِ ورأسُهُ فِي حِجْرِ امْرأةٍ مِنْ أهْلِهِ، فَصَاحَتْ امْرأةٌ مِنْ أهْلِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا؛ فَلَمَّا أفاقَ قالَ: أنا بَرِيءٌ مِمَّا برئَ مِنْهُ رَسُولُ الله ﷺ ، فإنَّ رَسُولَ الله ﷺ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ وَالحالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ) (٤). [صحيح] ٥٠/ ١٥١٠ - (وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّهُ مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِما نِيحَ عَلَيْهِ") (٥). [صحيح] ٥١/ ١٥١١ - (وَعَنْ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ المَيت يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ" (٦). [صحيح]

стр. 3491

وَفِي رِوَايَةٍ: "بِبَعْضٍ بُكَاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ" (١). [صحيح] ٥٢/ ١٥١٢ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ : "إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ") (٢). [صحيح] ٥٣/ ١٥١٣ - (وَعَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّمَا قال رَسُولُ الله ﷺ : "إِن الله لَيَزِيدُ الكافِرَ عَذَابًا بِبُكاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ" (٣)، مُتَّفَقٌ على هَذه الأحاديثِ. [صحيح] ولأَحْمَدَ (٤) وَمُسْلِم (٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِي ﷺ قال: "المَيتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ") [صحيح] قوله: (ليس منا) أي من أهل سنتنا وطريقتنا، وليس المراد به إخراجه من الدين، وفائدة إيراد هذا اللفظ المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك كما يقول الرجل لولده عند معاتبته: لست منك ولست مني: أي ما أنت على طريقتي. وحكي عن سفيان (٦) أنه كان يكره الخوض في تأويل هذه اللفظة ويقول: ينبغي أن نمسك عن ذلك ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر. وقيل: المعنى ليس على ديننا الكامل: أي أنه خرج من فرع من فروع الدين، وإن كان معه أصله حكاه ابن العربي (٧). قال الحافظ (٨): ويظهر لي أن هذا النفي يفسره التبرؤ الذي في حديث أبي موسى (٩)، وأصل البراءة الانفصال من الشيء، وكأنه توعده بأن لا يدخله في شفاعته مثلًا. قوله: (من ضرب الخدود) خصّ الخدّ بذلك لكونه الغالب، وإلا فضرب بقية الوجه مثله.

стр. 3492

قوله: (وشقّ الجيوب) جمع جيب بالجيم وهو ما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس، والمراد بشقه إكمال فتحه إلى آخره، وهو من علامات السخط. قوله: (ودعا بدعوة الجاهلية) أي من النياحة ونحوها، وكذا الندبة كقولهم واجبلاه، وكذا الدعاء بالويل والثبور كما سيأتي. قوله: (وجع) بكسر الجيم. قوله: (في حجر امرأة من أهله إلخ)، في رواية لمسلم (١): "أغمي على أبي موسى فأقبلت امرأته أمّ عبد الله تصيح برنة"، ولأبي نعيم في المستخرج (٢) على مسلم: "أغمي على أبي موسى فصاحت امرأته بنت أبي دومة"، وذلك يدلّ على أن الصائحة أمّ عبد الله بنت أبي دومة واسمها صفية، قاله عمر بن شبة في تاريخ البصرة (٢). قوله: (أنا بريء) قال المهلب (٣): أي ممن فعل ذلك الفعل، ولم يرد نفيه عن الإسلام. والبراءة: الانفصال كما تقدم. قوله: (الصالقة) بالصاد المهملة والقاف: أي التي ترفع صوتها بالبكاء ويقال فيه بالسين بدل الصاد (٤). ومنه قوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩]، وعن ابن الأعرابي (٥): الصلق: ضرب الوجه والأوّل أشهر. قوله: (والحالقة) هي التي تحلق شعرها عند المصيبة. قوله: (والشاقة) هي التي تشقّ ثوبها، ولفظ مسلم (٦): "أنا بريء ممن حلق وصلق وخرق"، أي حلق شعره وسلق صوته: أي رفعه وخرق ثوبه. والحديثان يدلان على تحريم هذه الأفعال لأنها مشعرة بعدم الرضا بالقضاء.

стр. 3493

قوله: (من نيح عليه يعذّب بما نيح عليه)، ظاهره (١) وظاهر حديث عمر (٢) وابنه (٣) المذكورين بعده أن الميت يعذّب ببكاء أهله عليه. وقد ذهب إلى الأخذ بظاهر هذه الأحاديث جماعة من السلف منهم عمر وابنه. وروي عن أبي هريرة أنه رد هذه الأحاديث وعارضها بقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وروى عنه أبو يعلى (٤) أنه قال: "تالله لئن انطلقَ رجُلٌ مجاهد في سبيل الله فاستشهد فعمدت امرأته سَفَهًا وجهلًا فبكت عليه، ليعذّبنّ هذا الشهيد بذنب هذه السفيهة". وإلى هذا جنح جماعة من الشافعية (٥) منهم الشيخ أبو حامد وغيره، وذهب جمهور العلماء إلى تأويل هذه الأحاديث لمخالفتها للعمومات القرآنية وإثباتها لتعذيب من لا ذنب له. واختلفوا في التأويل، فذهب جمهورهم كما قال النووي (٦) إلى تأويلها بمن أوصى بأن يُبكى عليه لأنه بسببه ومنسوب إليه، قالوا: وقد كان ذلك من عادة العرب كما قال طرفة بن العبد (٧): إِذَا مِتُّ فابكِيني بِمَا أَنَا أهلُهُ … وشُقِّي عليَّ الجيبَ يا أُمَّ مَعْبَدِ قال في الفتح (٨): واعترض بأن التعذيب بسبب الوصية يستحقّ بمجرّد صدور الوصية.

стр. 3494

والحديث دالّ على أنه إنما يقع عند الامتثال. والجواب أنه ليس في السياق حصر فلا يلزم من وقوعه عند الامتثال أن لا يقع إذا لم يمتثلوا مثلًا انتهى. ومن التأويلات ما حكاه الخطابي (١) أن المراد أن مبدأ عذاب الميت يقع عند بكاء أهله عليه، وذلك أن شدة بكائهم غالبًا إنما تقع عند دفنه، وفي تلك الحال يسأل ويبتدأ به عذاب القبر، فيكون معنى الحديث على هذا أن الميت يعذّب حال بكاء أهله عليه، ولا يلزم من ذلك أن يكون بكاؤهم سببًا لتعذيبه. قال الحافظ (٢): ولا يخفى ما فيه من التكلف، ولعلّ قائله أخذه من قول عائشة: "إنما قال رسول الله ﷺ : إنه ليعذّب بمعصيته أو بذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن"، أخرجه مسلم (٣). (ومنها) ما جزم به القاضي أبو بكر بن الباقلاني (٤) وغيره أن الراوي سمع بعض الحديث ولم يسمع بعضه، وأن اللام في الميت لمعهود معين. واحتجوا بما أخرجه مسلم (٥) من حديث عائشة أنها قالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب ولكن نسي أو أخطأ، إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية فذكرت الحديث. وأخرج البخاري (٦) نحوه عنها. (ومنها) أن ذلك يختصّ بالكافر دون المؤمن. واستدلّ لذلك بحديث عائشة المذكور في الباب (٧). قال في الفتح (٨): وهذه التأويلات عن عائشة متخالفة. وفيها إشعار بأنها لم ترد الحديث بحديث آخر، بل بما استشعرت من معارضة القرآن. وقال القرطبي (٩): إنكار عائشة ذلك وحكمها على الراوي بالتخطئة
следующие страницы →