← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 3490–3529 · переход к 3495.

стр. 3490

وقد تمسك بذلك الشافعي (١) فحكي عنه كراهة البكاء بعد الموت، والجمع الذي ذكرناه أوّلًا هو الراجح. قوله: (قالوا: وما الوجوب) إلخ، في رواية لأحمد (٢) أن بعض رواة الحديث قالوا: الوجوب إذا دخل قبره، والتفسير المرفوع أصحّ وأرجح. [الباب الثالث عشر] باب النهي عن النياحة والندب وخمش الوجوه ونشر الشعر ونحوه الرخصة في يسير الكلام من صفة الميت ٤٨/ ١٥٠٨ - (عَنِ ابْنِ مسعُود أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ وَشَقَّ الجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَةِ الجاهِلِيَّةِ" (٣). [صحيح] ٤٩/ ١٥٠٩ - (وَعَنْ أبي بُرْدَةَ قالَ: وَجِعَ أبُو مُوسَى وَجَعًا فَغُشِيَ عَلَيْهِ ورأسُهُ فِي حِجْرِ امْرأةٍ مِنْ أهْلِهِ، فَصَاحَتْ امْرأةٌ مِنْ أهْلِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا؛ فَلَمَّا أفاقَ قالَ: أنا بَرِيءٌ مِمَّا برئَ مِنْهُ رَسُولُ الله ﷺ ، فإنَّ رَسُولَ الله ﷺ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ وَالحالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ) (٤). [صحيح] ٥٠/ ١٥١٠ - (وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّهُ مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِما نِيحَ عَلَيْهِ") (٥). [صحيح] ٥١/ ١٥١١ - (وَعَنْ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ المَيت يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ" (٦). [صحيح]

стр. 3491

وَفِي رِوَايَةٍ: "بِبَعْضٍ بُكَاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ" (١). [صحيح] ٥٢/ ١٥١٢ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ : "إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ") (٢). [صحيح] ٥٣/ ١٥١٣ - (وَعَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّمَا قال رَسُولُ الله ﷺ : "إِن الله لَيَزِيدُ الكافِرَ عَذَابًا بِبُكاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ" (٣)، مُتَّفَقٌ على هَذه الأحاديثِ. [صحيح] ولأَحْمَدَ (٤) وَمُسْلِم (٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِي ﷺ قال: "المَيتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ") [صحيح] قوله: (ليس منا) أي من أهل سنتنا وطريقتنا، وليس المراد به إخراجه من الدين، وفائدة إيراد هذا اللفظ المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك كما يقول الرجل لولده عند معاتبته: لست منك ولست مني: أي ما أنت على طريقتي. وحكي عن سفيان (٦) أنه كان يكره الخوض في تأويل هذه اللفظة ويقول: ينبغي أن نمسك عن ذلك ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر. وقيل: المعنى ليس على ديننا الكامل: أي أنه خرج من فرع من فروع الدين، وإن كان معه أصله حكاه ابن العربي (٧). قال الحافظ (٨): ويظهر لي أن هذا النفي يفسره التبرؤ الذي في حديث أبي موسى (٩)، وأصل البراءة الانفصال من الشيء، وكأنه توعده بأن لا يدخله في شفاعته مثلًا. قوله: (من ضرب الخدود) خصّ الخدّ بذلك لكونه الغالب، وإلا فضرب بقية الوجه مثله.

стр. 3492

قوله: (وشقّ الجيوب) جمع جيب بالجيم وهو ما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس، والمراد بشقه إكمال فتحه إلى آخره، وهو من علامات السخط. قوله: (ودعا بدعوة الجاهلية) أي من النياحة ونحوها، وكذا الندبة كقولهم واجبلاه، وكذا الدعاء بالويل والثبور كما سيأتي. قوله: (وجع) بكسر الجيم. قوله: (في حجر امرأة من أهله إلخ)، في رواية لمسلم (١): "أغمي على أبي موسى فأقبلت امرأته أمّ عبد الله تصيح برنة"، ولأبي نعيم في المستخرج (٢) على مسلم: "أغمي على أبي موسى فصاحت امرأته بنت أبي دومة"، وذلك يدلّ على أن الصائحة أمّ عبد الله بنت أبي دومة واسمها صفية، قاله عمر بن شبة في تاريخ البصرة (٢). قوله: (أنا بريء) قال المهلب (٣): أي ممن فعل ذلك الفعل، ولم يرد نفيه عن الإسلام. والبراءة: الانفصال كما تقدم. قوله: (الصالقة) بالصاد المهملة والقاف: أي التي ترفع صوتها بالبكاء ويقال فيه بالسين بدل الصاد (٤). ومنه قوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩]، وعن ابن الأعرابي (٥): الصلق: ضرب الوجه والأوّل أشهر. قوله: (والحالقة) هي التي تحلق شعرها عند المصيبة. قوله: (والشاقة) هي التي تشقّ ثوبها، ولفظ مسلم (٦): "أنا بريء ممن حلق وصلق وخرق"، أي حلق شعره وسلق صوته: أي رفعه وخرق ثوبه. والحديثان يدلان على تحريم هذه الأفعال لأنها مشعرة بعدم الرضا بالقضاء.

стр. 3493

قوله: (من نيح عليه يعذّب بما نيح عليه)، ظاهره (١) وظاهر حديث عمر (٢) وابنه (٣) المذكورين بعده أن الميت يعذّب ببكاء أهله عليه. وقد ذهب إلى الأخذ بظاهر هذه الأحاديث جماعة من السلف منهم عمر وابنه. وروي عن أبي هريرة أنه رد هذه الأحاديث وعارضها بقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وروى عنه أبو يعلى (٤) أنه قال: "تالله لئن انطلقَ رجُلٌ مجاهد في سبيل الله فاستشهد فعمدت امرأته سَفَهًا وجهلًا فبكت عليه، ليعذّبنّ هذا الشهيد بذنب هذه السفيهة". وإلى هذا جنح جماعة من الشافعية (٥) منهم الشيخ أبو حامد وغيره، وذهب جمهور العلماء إلى تأويل هذه الأحاديث لمخالفتها للعمومات القرآنية وإثباتها لتعذيب من لا ذنب له. واختلفوا في التأويل، فذهب جمهورهم كما قال النووي (٦) إلى تأويلها بمن أوصى بأن يُبكى عليه لأنه بسببه ومنسوب إليه، قالوا: وقد كان ذلك من عادة العرب كما قال طرفة بن العبد (٧): إِذَا مِتُّ فابكِيني بِمَا أَنَا أهلُهُ … وشُقِّي عليَّ الجيبَ يا أُمَّ مَعْبَدِ قال في الفتح (٨): واعترض بأن التعذيب بسبب الوصية يستحقّ بمجرّد صدور الوصية.

стр. 3494

والحديث دالّ على أنه إنما يقع عند الامتثال. والجواب أنه ليس في السياق حصر فلا يلزم من وقوعه عند الامتثال أن لا يقع إذا لم يمتثلوا مثلًا انتهى. ومن التأويلات ما حكاه الخطابي (١) أن المراد أن مبدأ عذاب الميت يقع عند بكاء أهله عليه، وذلك أن شدة بكائهم غالبًا إنما تقع عند دفنه، وفي تلك الحال يسأل ويبتدأ به عذاب القبر، فيكون معنى الحديث على هذا أن الميت يعذّب حال بكاء أهله عليه، ولا يلزم من ذلك أن يكون بكاؤهم سببًا لتعذيبه. قال الحافظ (٢): ولا يخفى ما فيه من التكلف، ولعلّ قائله أخذه من قول عائشة: "إنما قال رسول الله ﷺ : إنه ليعذّب بمعصيته أو بذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن"، أخرجه مسلم (٣). (ومنها) ما جزم به القاضي أبو بكر بن الباقلاني (٤) وغيره أن الراوي سمع بعض الحديث ولم يسمع بعضه، وأن اللام في الميت لمعهود معين. واحتجوا بما أخرجه مسلم (٥) من حديث عائشة أنها قالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب ولكن نسي أو أخطأ، إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية فذكرت الحديث. وأخرج البخاري (٦) نحوه عنها. (ومنها) أن ذلك يختصّ بالكافر دون المؤمن. واستدلّ لذلك بحديث عائشة المذكور في الباب (٧). قال في الفتح (٨): وهذه التأويلات عن عائشة متخالفة. وفيها إشعار بأنها لم ترد الحديث بحديث آخر، بل بما استشعرت من معارضة القرآن. وقال القرطبي (٩): إنكار عائشة ذلك وحكمها على الراوي بالتخطئة

стр. 3495

والنسيان، أو على أنه سمع بعضًا ولم يسمع بعضًا بعيد، لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون وهم جازمون، فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح. (ومنها) أن ذلك يقع لمن أهمل نهي أهله عن ذلك وهو قول داود وطائفة. قال ابن المرابط (١): إذا علم المرء ما جاء في النهي عن النوح وعرف أن أهله من شأنهم أن يفعلوا ذلك ولم يعلمهم بتحريمه ولا زجرهم عن تعاطيه، فإذا عذّب على ذلك عذّب بفعل نفسه لا بفعل غيره بمجرّده. (ومنها) أنه يعذّب بسبب الأمور التي يبكيه أهله بها ويندبونه لها، فهم يمدحونه بها وهو يعذّب بصنيعه، وذلك كالشجاعة فيما لا يحلّ، والرياسة المحرّمة، وهذا اختيار ابن حزم (٢) وطائفة. واستدلّ بحديث ابن عمر المتقدم (٣) بلفظ: "ولكن يعذّب بهذا"، وأشار إلى لسانه.

стр. 3496

وقد رجح هذا الإسماعيلي (١) وقال: قد كثر كلام العلماء في هذه المسألة وقال كلّ فيها باجتهاده على حسب ما قدّر له. ومن أحسن ما حضرني وجه لم أرهم ذكروه، وهو أنهم كانوا في الجاهلية يغزون ويسبون ويقتلون، وكان أحدهم إذا مات بكته باكيته بتلك الأفعال المحرّمة؛ فمعنى الخبر أن الميت يعذّب بذلك الذي يبكي عليه أهله به؛ لأن الميت يندب بأحسن أفعاله، وكانت محاسن أفعالهم ما ذكر وهي زيادة ذنب في ذنوبه يستحقّ عليها العقاب. (ومنها) أن معنى التعذيب توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله، ويدلّ على ذلك حديث أبي موسى (٢) وحديث النعمان بن بشير (٣) الآتيان: (ومنها) أن معنى التعذيب: تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة وغيرها، وهذا اختيار أبي جعفر الطبري (٤)، ورجحه ابن المرابط وعياض (٥) ومن تبعه، ونصره ابن تيمية (٦) وجماعة من المتأخرين. واستدلوا لذلك بما أخرجه ابن أبي خيثمة وابن أبي شيبة (٧) والطبراني (٨)

стр. 3497

وغيرهم من حديث قَيْلة بفتح القاف وسكون الياء التحتية. وفيه أن رسول الله ﷺ قال: "فوالذي نفس محمد بيده إن أحدكم يبكي فيستعبر إليه صويحبه، فيا عباد الله لا تعذّبوا موتاكم". قال الحافظ (١): وهو حسن الإسناد. وأخرج أبو داود والترمذي أطرافًا منه. قال الطبري (٢): [ويؤيد ما قال] (٣) أبو هريرة إن أعمال العباد تعرض على أقربائهم من موتاهم، ثم ساقه بإسناد صحيح. وقد وهم المغربي (٤) في شرح بلوغ المرام فجعل قول أبي هريرة هذا حديثًا وصحَّف الطبري بالطبراني.

стр. 3498

ومن أدلة هذا التأويل حديث النعمان بن بشير الآتي (١)، وكذلك حديث أبي موسى (٢) لما فيهما من أن ذلك يبلغ الميت. قال ابن المرابط: حديث قَيْلة نصّ في المسألة فلا يعدل عنه. واعترضه ابن رشيد فقال: ليس نصًا وإنما هو محتمل. فإن قوله: يستعبر إليه صويحبه، ليس نصًا في أن المراد به الميت، بل يحتمل أن يراد به صاحبه الحيّ، وأن الميت حينئذٍ يعذّب ببكاء الجماعة عليه. قال في الفتح (٣): ويحتمل أن يجمع بين هذه التأويلات فينزل على اختلاف الأشخاص؛ بأن يقال مثلًا: من كان طريقته النوح فمشى أهله على طريقته أو بالغ فأوصاهم بذلك عذّب بصنيعه، ومن كان ظالمًا فندب أفعاله الجائرة عذّب بما ندب به، ومن كان يعرف من أهله النياحة وأهمل نهيهم عنها فإن كان راضيًا بذلك التحق بالأول، وإن كان غير راض عذّب بالتوبيخ كيف أهمل النهي، ومن سلم من ذلك كله واحتاط فنهى أهله عن المعصية ثم خالفوه وفعلوا ذلك كان تعذيبه تألمه بما يراه منهم من مخالفة أمره وإقدامهم على معصية ربهم . قال: وحكى الكرماني (٤) تفصيلًا آخر وحسنه، وهو التفرقة بين حال البرزخ وحال يوم القيامة، فيحمل قوله [تعالى] (٥): ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، على يوم القيامة، وهذا الحديث وما أشبهه على البرزخ، انتهى. وأنت خبير بأن الآية عامة؛ لأن الوزر المذكور فيها واقع في سياق النفي، والأحاديث المذكورة في الباب مشتملة على وزر خاصّ، وتخصيص العمومات القرآنية بالأحاديث الآحادية هو المذهب المشهور الذي عليه الجمهور (٦)، فلا

стр. 3499

وجه لما وقع من ردّ الأحاديث بهذا العموم ولا ملجئ إلى تجشم المضايق لطلب التأويلات المستبعدة باعتبار الآية. وأما ما روته عائشة عن النبيّ ﷺ أنه قال ذلك في الكافر أو في يهودية معينة فهو غير مناف لرواية غيرها من الصحابة؛ لأن روايتهم مشتملة على زيادة، والتنصيص على بعض أفراد العامّ لا يوجب نفي الحكم عن بقية الأفراد لما تقرّر في الأصول من عدم صحة التخصيص بموافق العامّ. والأحاديث التي ذكر فيها تعذيب مختصّ بالبرزخ أو بالتألم أو بالاستعبار كما في حديث قيلة لا تدلّ على اختصاص التعذيب المطلق في الأحاديث بنوع منها؛ لأن التنصيص على ثبوت الحكم لشيء بدون مشعر بالاختصاص به لا ينافي ثبوته لغيره فلا إشكال من هذه الحيثية. وإنما الإشكال في التعذيب بلا ذنب، وهو مخالف لعدل الله وحكمته على فرض عدم حصول سبب من الأسباب التي يحسن عندها في مقتضى الحكمة كالوصية من الميت بالنوح وإهمال نهيهم عنه والرضا به، وهذا يؤول إلى مسألة التحسين والتقبيح، والخلاف فيها بين طوائف المتكلمين معروف (١). ونقول: ثبت عن رسول الله ﷺ أن الميت يعذّب ببكاء أهله عليه فسمعنا وأطعنا ولا نزيد على هذا. واعلم أن النووي (٢) حكى إجماع العلماء على اختلاف مذاهبهم أن المراد بالبكاء الذي يعذّب الميت عليه هو البكاء بصوت ونياحة لا بمجرّد دمع العين. ٥٤/ ١٥١٤ - (وَعَنْ أبي مالِكٍ الأشْعَرِيّ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: "أرْبَعٌ فَي أُمَّتي مِنْ أَمْرِ الجاهِلِيةِ لَا يَتْرُكُونهُنَّ: الفَخْرُ بالأحْسابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأنْسَابِ

стр. 3500

وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ وَالنِّيَاحَةُ"، وَقَالَ: "النَّائِحَةُ إذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتها تُقامُ يَوْمَ القِيامَةِ وَعَلَيْها سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ) (٢). [صحيح] ٥٥/ ١٥١٥ - (وَعَنْ أبي مُوسَى أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "المَيتُ يُعَذَّبُ بِبُكاءِ الحَيّ إِذَا قالَتِ النَّائِحَةُ: وَاعَضُدَاهُ وَناصِرَاهُ وَكاسِباهُ، جُبِذَ المَيِّتُ وَقِيلَ لَهُ: أنْتَ عَضدُها، أنْتَ ناصِرُها، أنْتَ كاسِبُها؟ "، رَوَاهُ أحْمَدُ (٣). وَفِي لَفْظٍ: "ما مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ باكِيهِم فَيَقُولُ: وَاجَبَلاهُ وَاسَنَدَاهُ"، أوْ نَحوَ ذَلِكَ، "إِلَّا وُكِّلَ بِهِ مَلَكانِ يَلْهِزَانِهِ أهَكَذَا كُنْتَ؟ "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ) (٤). [حسن] ٥٦/ ١٥١٦ - (وَعَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: أُغْمِيَ على عَبْدِ الله بْنِ رَوَاحَةَ فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكي: وَاجَبَلاهُ وَاكَذَا وَاكَذَا تُعَدّدُ عَلَيْهِ، فَقالَ حِينَ أفاقَ: ما قُلْتِ شَيْئًا إلَّا قِيلَ لي أنْتَ كَذَلِكَ؟ فَلَمَّا ماتَ لَمْ تَبْكِ عَلَيْهِ. رَوَاهُ البخاري) (٥). [صحيح] [و] (٦) حديث أبي موسى رواه أيضًا الحاكم وصححه (٧) وحسنه الترمذي (٨). وحديث النعمان أخرجه البخاري في المغازي من صحيحه (٩) وأخرجه أيضًا مسلم (١٠).

стр. 3501

قوله: (والطعن في الأنساب)، هو من المعاصي التي يتساهل فيها العصاة. وقد أخرج مسلم (١) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت". وقد اختلف في توجيه إطلاق الكفر على من فعل هاتين الخصلتين. قال النووي (٢): فيه أقوال (أصحها) أن معناه هما من أعمال الكفار وأخلاق الجاهلية. (والثاني) أنه يؤدي إلى الكفر. (والثالث) كفر النعمة والإحسان. (والرابع) أن ذلك في المستحلّ، انتهى. قوله: (والاستسقاء بالنجوم) هو قول القائل: مطرنا بنوء كذا، أو سؤال المطر من الأنواء، فإن كان ذلك على جهة اعتقاد أنها المؤثرة في نزول المطر فهو كفر. وقد ثبت في الصحيح (٣) من حديث ابن عباس أن النبيّ ﷺ قال: "يقول الله [﵎] (٤): أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي [كافر] (٥) بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب". وإخبار النبيّ ﷺ بأن هذه الأربع لا تتركها أمته من علامات نبوّته، فإنها باقية فيهم على تعاقب العصور وكرور الدهور لا يتركها من الناس إلا النادر القليل. قوله: (الميت يعذّب ببكاء الحيّ) قد تقدم الكلام عليه. قوله: (واعضداه) إلخ، أي أنه كان لها كالعضد وكان لها ناصرًا وكاسبًا وكان لها كالجبل تأوي إليه عند طروق الحوادث فتعصتم به ومستندًا تستند إليه في أمورها. قوله: (يلهزانه)، أي يلكزانه. وهذه الأحاديث تدلّ على تحريم النياحة، وهو مذهب العلماء كافة كما قال

стр. 3502

النووي (١)، إلا ما يروى عن بعض المالكية فإنه قال: النياحة ليست بحرام. واستدلّ بما أخرجه مسلم (٢) عن أمّ عطية قالت: "لما نزلت هذه الآية: ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ .... ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢]، قالت: كان منه النياحة، قالت: فقلت: يا رسول الله: إلا آل فلان فإنهم كانوا يسعدونني في الجاهلية، فلا بدّ لي من أن أسعدهم، فقال رسول الله ﷺ : إلا آل فلان" (٣). وغاية ما فيه الترخيص لأم عطية في آل فلان خاصة، فما الدليل على حلّ ذلك لغيرها في غير آل فلان؟ وللشارع أن يخصّ من العموم ما شاء. وقد استشكل القاضي عياض (٤) وغيره (٥) هذا الحديث ولا مقتضى لذلك فإن للشارع أن يخصّ من شاء بما شاء.

стр. 3503

وقد ورد لعن النائحة والمستمعة من حديث أبي سعيد عند أحمد (١).

стр. 3504

ومن حديث ابن عمر عند الطبراني (١) والبيهقي (٢). ومن حديث أبي هريرة عند ابن عديّ (٣)، قال الحافظ في التلخيص (٤): وكلها ضعيفة. وأخرج مسلم (٥) من حديث أمّ عطية أيضًا قالت: "أخذ علينا رسول الله ﷺ مع البيعة أن لا ننوح، فما وفت منا امرأة إلا خمس، فذكرت منهن أمّ سليم وأمّ العلاء وابنة أبي سبرة وامرأة معاذ". وثبت عنه ﷺ : "أنَّه أمر رجلًا أن ينهى نساء جعفر عن البكاء" كما في البخاري (٦) ومسلم (٧)، والمراد بالبكاء ها هنا النوح كما تقدم. ٥٧/ ١٥١٧ - (وَعَنْ أنَسٍ قالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ الكَرْبُ، فَقالَتْ فاطِمَةُ: وَاكَرْبَ أبَتاهُ، فَقالَ: "لَيْسَ على أبِيكِ كَرْب بَعْدَ اليَوْمِ"؛ فَلَمَّا مات قالَتْ: يا أبَتاهُ أجابَ رَبًّا دَعاهُ، يا أبَتاهُ جَنَّةُ الفِردوس مأواهُ، يا أبَتاهُ إلى جبْرِيلَ نَنْعَاهُ. فَلَمَّا دُفِنَ قالَتْ فاطِمَةُ: أطابَتْ أنْفُسُكُمْ أنْ تَحْثُوا على رَسُولِ الله ﷺ التُّرَابَ. رَوَاهُ البُخارِيّ) (٨). [صحيح] ٥٨/ ١٥١٨ - (وَعَنْ [أنَسٍ] (٩) أن أبا بَكْرٍ دَخَلَ على النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ وَفاتِهِ فَوَضَعَ فَمَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَوَضَعَ يَدَيهِ على صُدْغَيْهِ وَقالَ وَانَبِيَّاهُ وَاخَلِيلاهُ وَاصَفِيَّاهُ. رَوَاهُ أحْمَدُ) (١٠). [حسن]

стр. 3505

قوله: (في حديث أنس الأوّل: واكرب أبتاه)، قال في الفتح (١): في هذا نظر، وقد رواه مبارك بن فضالة عن ثابت بلفظ: "واكرباه". قوله: (أطابت أنفسكم) قال في الفتح (١): ولسان حال أنس لم تطب أنفسنا لكن قهرناها امتثالًا لأمره. وقد قال أبو سعيد (٢): ما نفضنا أيدينا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا. ومثله عن أنس (٣) يريد أن تغيَّرت عما عهدنا من الألفة والصفاء والرقة لفقدان ما كان يمدّهم به من التعليم. ويؤخذ من قول فاطمة إلخ جواز ذكر الميت بما هو متصف به إن كان معلومًا. قال الكرماني (٤): وليس هذا من نوح الجاهلية من الكذب ورفع الصوت وغيره، إنما هو ندبة مباحة، انتهى. وعلى فرض صدق اسم النوح في لسان الشارع على مثل هذا فليس في فعل فاطمة وأبي بكر دليل على جواز ذلك؛ لأن فعل الصحابي لا يصلح للحجية كما تقرّر في الأصول. ويحمل ما وقع منهما على أنهما لم يبلغهما أحاديث النهي عن ذلك الفعل، ولم ينقل أن ذلك وقع منهما بمحضر جميع الصحابة حتى يكون كالإجماع منهم على الجواز لسكوتهم عن الإِنكار، والأصل أيضًا عدم ذلك. [الباب الرابع عشر] باب الكف عن ذكر مساوي الأموات ٥٩/ ١٥١٩ - (عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا تَسُبُّوا الأمْوَاتَ

стр. 3506

فإنَّهُمْ قد أفْضَوْا إلى ما قَدَّمُوا"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَالبُخاريّ (٢) وَالنَّسائى) (٣). [صحيح] ٦٠/ ١٥٢٠ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "لا تَسُبُّوا أمْوَاتَنَا فَتُؤْذُوا أحْياءَنا"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وَالنَّسائيُّ) (٥). [ضعيف] حديث ابن عباس أخرجه عنه بمعناه الطبراني في الأوسط (٦) بإسناد فيه صالح بن نبهان وهو ضعيف. وأخرج نحوه الطبراني في الكبير (٧) والأوسط (٨) من حديث سهل بن سعد والمغيرة. قوله: (لا تسبُّوا الأموات) ظاهره النهي عن سبّ الأموات على العموم، وقد خصِّص هذه العموم بما تقدم في حديث أنس (٩) وغيره أنه قال ﷺ عند ثنائهم بالخير والشر: "وجبت، أنتم شهداء الله في أرضه ولم ينكر عليهم".

стр. 3507

وقيل: إن اللام في الأموات عهدية المراد بهم المسلمون؛ لأن الكفار مما يتقرّب إلى الله بسبهم. ويدلّ على ذلك قوله في حديث ابن عباس المذكور (١): "لا تسبوا أمواتنا". وقال القرطبي (٢) في الكلام على حديث "وجبت": إنه يحتمل أجوبة الأوّل أن الذي كان يحدث عنه بالشرّ كان مستظهرًا به فيكون من باب "لا غيبة لفاسق" أو كان منافقًا، أو يحمل النهي على ما بعد الدفن، والجواز على ما قبله ليتعظ به من يسمعه، أو يكون هذا النهي العامّ متأخرًا فيكون ناسخًا. قال الحافظ (٣): وهذا ضعيف. وقال ابن رُشيد (٤) ما محصله إن السبّ يكون في حقّ الكافر وفي حقّ المسلم. أما في حقّ الكافر فيمتنع إذا تأذّى به الحيّ المسلم. وأما المسلم فحيث تدعو الضرورة إلى ذلك كأن يصير من قبيل الشهادة عليه، وقد تجب في بعض المواضع، وقد تكون مصلحة للميت كمن علم أنه أخذ مالًا بشهادة زور ومات الشاهد، فإن ذكر ذلك ينفع الميت إن علم أن من بيده المال يردّه إلى صاحبه. والثناء على الميت بالخير والشرّ من باب الشهادة لا من باب السبّ، انتهى. والوجه تبقية الحديث على عمومه إلا ما خصه دليل كالثناء على الميت بالشرّ وجرح المجروحين من الرواة أحياء وأمواتًا لإجماع العلماء على جواز ذلك (٥)،

стр. 3508

وذكر مساوي الكفار والفساق للتحذير منهم والتنفير عنهم (١). قال ابن بطال (٢): سبّ الأموات يجري مجرى الغيبة، فإن كان أغلب أحوال المرء الخير وقد تكون منه الفلتة فالاغتياب له ممنوع، وإن كان فاسقًا معلنًا فلا غيبة له، وكذلك الميت، انتهى. ويتعقب بأن ذكر الرجل بما فيه حال حياته قد يكون لقصد زجره وردعه عن المعصية أو لقصد تحذير الناس منه وتنفيرهم، وبعد موته قد أفضى إلى ما قدم فلا سواء، وقد عملت عائشة راوية هذا الحديث بذلك في حقّ من استحقّ عندها اللعن فكانت تلعنه وهو حيّ، فلما مات تركت ذلك ونهت عن لعنه؛ كما روى ذلك عنها عمر بن شبة في كتاب أخبار البصرة (٣). ورواه ابن حبان (٤) من وجه آخر وصححه.

стр. 3509

والمتحرّي لدينه في اشتغاله بعيوب نفسه ما يشغله عن نشر مثالب الأموات، وسبّ من لا يدري كيف حاله عند بارئ البريات. ولا ريب أن تمزيق عرض من قدم على ما قدم وجثا بين يدي من هو بما تكنه الضمائر أعلم مع عدم ما يحمل على ذلك من جرح أو نحوه، أحموقة لا تقع لمتيقظ ولا يصاب بمثلها متدين بمذهب. ونسأل الله السلامة بالحسنات ويتضاعف عند وبيل عقابها الحسرات. اللهمّ اغفر لنا تفلتات اللسان والقلم في هذه الشعاب والهضاب، وجنبنا عن سلوك هذه المسالك التي هي في الحقيقة مهالك ذوي الألباب. قوله: (فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا)، أي وصلوا إلى ما عملوا من خير وشرّ، والربط بهذه العلة من مقتضيات الحمل على العموم. قوله: (فتؤذوا الأحياء) أي فيتسبب عن سبهم أذية الأحياء من قراباتهم. ولا يدلّ هذا على جواز سبّ الأموات عند عدم تأذّي الأحياء كمن لا قرابة له، أو كانوا ولكن لا يبلغهم ذلك. لأن سبّ الأموات منهيّ عنه للعلة المتقدمة ولكونه من الغيبة التي وردت الأحاديث بتحريمها. فإن كان سببًا لأذية الأحياء فيكون محرمًا من جهتين وإلا كان محرّمًا من جهة. وقد أخرج أبو داود (١) والترمذي (٢) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "اذكروا محاسن [أمواتكم] (٣) وكفوا عن مساويهم". وفي إسناده عمران بن أنس المكي (٤) وهو منكر الحديث، كما قال البخاري.

стр. 3510

وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه. وقال الكرابيسي: حديثه ليس بالمعروف. وأخرج أبو داود (١) عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا مات صاحبكم فدعوه لا تقعوا فيه"، وقد سكت أبو داود (٢) والمنذري (٣) عن الكلام على هذا الحديث. [الباب الخامس عشر] باب استحباب زيارة القبور للرجال دون النساء وما يقال عند دخولها ٦١/ ١٥٢١ - (عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "قَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ، فَقَدْ أُذِنَ لِمُحَمَّدٍ في زِيارةِ قَبْرِ أُمِّه، فَزُوروها فإنَّها تُذَكَرُ الآخِرَةِ"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصحَّحَهُ) (٤). [صحيح] ٦٢/ ١٥٢٢ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وأبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقالَ: "اسْتأذَنْتُ رَبِّي أنْ أستَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لي، وَاسْتأذَنْتُهُ فِي أنْ أزُورَ قَبْرَهَا فأذِنَ لي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإنْهَا تُذَكِّرُ المَوْتَ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ) (٥). [صحيح]

стр. 3511

الحديث الأوّل أخرجه أيضًا مسلم (١) وأبو داود (٢) وابن حبان (٣) والحاكم (٤). والحديث الثاني عزاه المصنف إلى الجماعة بدون استثناء ولم أجده في البخاري ولا عزاه غيره إليه فينظر. وقد أخرجه أيضًا الحاكم (٥). وفي الباب عن ابن مسعود عند ابن ماجه (٦) والحاكم (٧)، وفي إسناده أيوب بن هانئ مختلف فيه. وعن أبي سعيد الخدريّ عند الشافعي (٨) وأحمد (٩) والحاكم (١٠). وعن أبي ذرّ عند الحاكم (١١) وسنده ضعيف. وعن عليّ بن أبي طالب عند أحمد (١٢).

стр. 3512

وعن عائشة عند ابن ماجه (١). وهذه الأحاديث فيها مشروعية زيارة القبور ونسخ النهي عن الزيارة. وقد حكى الحازمي (٢) والعبدري (٣) والنووي (٤) اتفاق أهل العلم على أن زيارة القبور للرجال جائزة. قال الحافظ (٥): كذا أطلقوه وفيه نظر، لأن ابن أبي شيبة وغيره رووا عن ابن سيرين وإبراهيم النخعي والشعب أنهم كرهوا ذلك مطلقًا حتى قال الشعبي: لولا نهي النبي ﷺ لزرت قبر ابنتي. فلعلّ من أطلق أراد بالاتفاق ما استقرّ عليه الأمر بعد هؤلاء، وكأن هؤلاء لم يبلغهم الناسخ، والله أعلم. وذهب ابن حزم (٦) إلى أن زيارة القبور واجبة ولو مرّة واحدة في العمر لورود الأمر به، وهذا يتنزل على الخلاف في الأمر بعد النهي هل يفيد الوجوب أو مجرّد الإباحة فقط. والكلام في ذلك مستوفى في الأصول (٧). قوله: (فقد أذن لمحمد إلخ)، فيه دليل على جواز زيارة قبر القريب الذي لم يدرك الإسلام.

стр. 3513

قال القاضي عياض (١): سبب زيارته ﷺ قبرها أنه قصد قوّة الموعظة والذكرى بمشاهدة قبرها. ويؤيده قوله ﷺ في آخر الحديث: "فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت". قوله: (فلم يؤذن لي)، فيه دليل على عدم جواز الاستغفار لمن مات على غير ملة الإسلام (٢).

стр. 3514

٦٣/ ١٥٢٣ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ: أن رَسُولَ الله ﷺ لَعَنَ زوَّاراتِ القُبُورِ. رواه أحْمَدُ (١) وَابْنُ ماجَهْ (٢) والتِّرْمِذِي وصحَّحَهُ) (٣) [حسن] ٦٤/ ١٥٢٤ - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ أبي مُلَيْكَة: أن عائِشَةَ أقْبَلَتْ ذَاتَ يَوْمٍ مِنَ المَقابِرِ فَقُلْتُ لَهَا: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ مِنْ أيْنَ أقْبَلْتِ؟ قالَتْ: مِنْ قَبْرِ أخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقُلْتُ لَهَا: ألَيْسَ كانَ نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ؟ قالَتْ: نَعَمْ، كانَ نَهَى عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ، ثُمَّ أمَرَ بزيارَتها. رَوَاهُ الأثْرَمُ فِي سُنَنِهِ) (٤). الحديث الأوّل أخرجه أيضًا بن حبان في صحيحه (٥). والحديث الثاني أخرجه أيضًا الحاكم (٦)، وأخرجه ابن ماجه (٧) عن عائشة مختصرًا: "أن النبيّ ﷺ رخص في زيارة القبور". وفي الباب عن حسان عند أحمد (٨) وابن ماجه (٩) والحاكم (١٠).

стр. 3515

وعن ابن عباس عند أحمد (١) وأصحاب السنن (٢) والبزار (٣) وابن حبان (٤) والحاكم (٥)، وفي إسناد أبو صالح مَولى أمّ هانئ وهو ضعيف. وفي الباب أيضًا أحاديث تدلّ على تحريم اتباع الجنائز للنساء، فتحريم زيارة القبور تؤخذ منها بفحوى الخطاب، منها عن ابن عمرو عند أبي داود (٦) والحاكم (٧): "أن النبيّ ﷺ رأى فاطمة ابنته فقال: "ما أخرجك من بيتك؟ "، فقالت: أتيت أهل هذا الميت فرحمت على ميتهم، فقال لها: فلعلك بلغت معهم الكدى (٨)، قالت: معاذ الله وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر، فقال: لو بلغت معهم الكُدى فذكر تشديدًا في ذلك، فسألت ربيعة ما الكدى؟ فقال: القبور فيما أحسب، وفي رواية: "لو بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جدّ أبيك".

стр. 3516

قال الحاكم (١): صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قال ابن دقيق العيد (٢): وفيما قاله الحاكم عندي نظر، فإن راويه ربيعة بن سيف لم يخرّج له الشيخان في الصحيح شيئًا فيما أعلم (٣). وعن أمّ عطية عند الشيخين (٤) قالت: "نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا". وعنها أيضًا عند الطبراني (٥) وفيه: "أن النبيّ ﷺ نهاهن أن يخرجن في جنازة". وقد ذهب إلى كراهة الزيارة للنساء جماعة من أهل العلم وتمسكوا بأحاديث الباب. واختلفوا في الكراهة هل هي كراهة تحريم أو تنزيه. وذهب الأكثر إلى الجواز إذا أمنت الفتنة. واستدلوا بأدلة منها دخولهن تحت الإذن العامّ بالزيارة، ويجاب عنه بأن الإذن العامّ مخصص بهذا النهي الخاصّ المستفاد من اللعن. أما على مذهب الجمهور (٦) فمن غير فرق بين تقدّم العامّ وتأخره ومقارنته وهو الحقّ. وأما على مذهب البعض القائلين بأن العامّ المتأخر ناسخ فلا يتمّ الاستدلال به إلا بعد معرفة تأخره.

стр. 3517

(ومنها) ما رواه مسلم (١) عن عائشة قالت: "كيف أقول يا رسول الله إذا زرت القبور؟ قال: "قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين" الحديث. (ومنها) ما أخرجه البخاري (٢): "أن النبيّ ﷺ مرّ بامرأة تبكي عند قبر فقال: "اتقي الله واصبري"، قالت: إليك عني" الحديث، ولم ينكر عليها الزيارة. (ومنها) ما رواه الحاكم (٣): "إن فاطمة بنت رسول الله ﷺ كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده". قال القرطبي (٤): اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة، ولعلّ السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حقّ الزوج والتبرّج، وما ينشأ من الصياح ونحو ذلك. فقد يقال إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لهن؛ لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء، انتهى. وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر (٥).

стр. 3518

٦٥/ ١٥٢٥ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ: أن النَّبِيَّ ﷺ أتى المَقْبَرَةَ فَقالَ: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إنْ شاءَ الله بِكُمْ لاحقُونَ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢) وَالنَّسَائيُّ (٣).

стр. 3519

ولأحْمَدَ (١) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مِثْلُهُ وَزَادَ: "اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أجْرَهُمْ وَلا تفتَنا بَعْدَهُمْ"). [صحيح]. ٦٦/ ١٥٢٦ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إذَا خَرجُوا إلى المَقَابِرِ أنْ يَقُولَ قائلُهُ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ أهْلَ الدّيارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ، وَإنا إنْ شاءَ الله بِكُمْ لاحِقُونَ، نَسْألُ الله لَنا وَلَكُمْ العافِيَةَ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَمُسْلِمٌ (٣) وَابْنُ مَاجَهْ) (٤). [صحيح] حديث عائشة أخرجه أيضًا مسلم (٥) بلفظ: "قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون". وأخرج أيضًا عنها (٦) أنها قالت: "كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها منه يخرج إلى البقيع من آخر الليل، فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهمّ اغفر لأهل بقيع الغرقد". قوله: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين) دار قوم منصوب على النداء: أي يا أهل، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقيل: منصوب على الاختصاص. قال صاحب المطالع (٧): ويجوز جرّه على البدل من الضمير في عليكم. قال الخطابي (٨): إن اسم الدار يقع على المقابر، قال: وهو صحيح، فإن الدار في اللغة تقع على الربع المسكون وعلى الخراب غير المأهول.

стр. 3520

قوله: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) التقييد بالمشيئة على سبيل التبرّك. وامتثال قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]. وقيل: المشيئة عائدة إلى الكون معهم في تلك التربة، وقيل غير ذلك. والأحاديث فيها دليل على استحباب التسليم على أهل القبور والدعاء لهم بالعافية. قال الخطابي (١) وغيره: إن السلام على الأموات والأحياء سواء في تقديم السلام على عليكم بخلاف ما كانت الجاهلية عليه كقولهم: عليكَ سلامُ اللهِ قيسُ بنُ عَاصمٍ … ورحمتُهُ ما شَاءَ أن يَتَرَحَّمَا [الباب السادس عشر] باب ما جاء في الميت ينقل أو ينبش لغرض صحيح ٦٧/ ١٥٢٧ - (عَنْ جَابِرٍ قالَ: أتى النَّبيُّ ﷺ عَبْدَ الله بْنَ أُبَيّ بَعْدَ ما دُفِنَ فأخْرَجَهُ فَنَفَثَ فِيه مِنْ رِيقِهِ وألْبَسَهُ قَمِيصَهُ. وَفِي رِوَايةٍ أتى رَسُولُ الله ﷺ عبْدَ الله بْنَ أُبَيِّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ، فأمَرَ بِهِ فأخْرِجَ، فَوَضَعَهُ على رُكبتَيْهِ فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ وألْبَسَهُ قَمِيصَه، فالله أعْلَمُ وكانَ كَسا عَبَّاسًا قَمِيصًا. قالَ سُفْيانُ: فَيَرَوْنَ أنّ النَّبِيَّ ﷺ ألْبَسَ عَبْدَ الله قَمِيصَه مُكافأةً بِمَا صَنَعَ. رَوَاهُمَا البخُارِيُّ) (٢). [صحيح] ٦٨/ ١٥٢٨ - (وَعَنْ جَابِرٍ قال: أمَرَ رَسُولُ الله ﷺ بِقَتْلَى أُحُد أنْ يُرَدُّوا إلى

стр. 3521

مَصَارِعِهِمْ وكانُوا نُقِلُوا إلى المَدِينَةِ. رَوَاهُ الخَمْسَة وَصحَّحَهُ التّرْمِذِي) (١) [صحح] ٦٩/ ١٥٢٩ - (وَعَنْ جابِرٍ قالَ: دُفِنَ مَعَ أبي رَجُلٌ، فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أخْرَجْتُهُ، فَجَعَلْتُهُ في قَبْرٍ على حِدَةٍ. رَوَاهُ البُخارِيُّ (٢) وَالنَّسائيُّ) (٣). [صحيح] وَلمَالِكٍ في المُوَطَّأ (٤) أنَّهُ سَمِعَ غَيرَ وَاحِدٍ يَقُولُ: إنَّ سَعْدَ بْن أبي وَقَّاصٍ وَسَعِيدَ بْنَ زيدٍ ماتا بالعِقيقِ فَحُمِلا إلى المَدِينَةِ وَدُفِنا بِها. وَلسَعِيد في سُنَنِهِ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ الحَضرَمِيّ أن رِجالًا قَبرُوا صَاحِبًا لَهُمْ لَمْ يُغَسِّلُوه وَلم يَجدُوا لَهُ كَفَنًا ثُمَّ لَقَوْا مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ فأخْبَرُوه فأمَرَهُمْ أنْ يخْرجُوهُ، فأخْرَجُوهُ مِنْ قَبْرِهِ ثمَّ غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَحُنِّطَ، ثمّ صُلّيَ عَلَيْهِ. قوله: (عبد الله بن أبيّ)، يعني ابن سلول وهو رأس المنافقين ورئيسهم. قوله: (بعد ما دفن)، كان أهل عبد الله بن أبي بادروا إلى تجهيزه قبل وصول النبيّ ﷺ [إليه] (٥)، فلما وصل وجدهم قد دلوه في حفرته فأمر بإخراجه. وفيه دليل على جواز إخراج الميت من قبره إذا كان في ذلك مصلحة له من زيادة البركة عليه ونحوها. قوله: (فالله أعلم)، لفظ البخاري: "والله أعلم" بالواو، وكأن جابرًا التبست عليه الحكمة في صنعه ﷺ بعبد الله ذلك بعد ما تبين نفاقه. قوله: (وكان كسا عباسًا) يعني ابن عبد المطلب عمّ النبيّ ﷺ ، وذلك يوم بدر لما أتي بالأسارى وأتي بالعباس ولم يكن عليه ثوب، فوجدوا قميص عبد الله بن أبيّ فكساه النبيّ ﷺ إياه، فلذلك ألبسه النبيّ ﷺ قميصه،

стр. 3522

هكذا [ساقه] (١) البخاري في الجهاد (٢). فيمكن أن يكون هذا هو السبب في إلباسه ﷺ قميصه. ويمكن أن يكون السبب ما أخرجه البخاري أيضًا في الجنائز (٣) أن ابن عبد الله المذكور قال: "يا رسول الله ألبس أبي قميصك الذي يلي جلدك". وفي رواية (٤) أنه قال: "أعطني قميصك أكفنه فيه". ويمكن أن يكون السبب هو المجموع: السؤال والمكافأة ولا مانع من ذلك. قوله: (وكانوا نقلوا إلى المدينة) فيه جواز إرجاع الشهيد إلى الموضع الذي أصيب فيه بعد نقله منه، وليس في هذا أنهم كانوا دفنوا في المدينة ثم أخرجوا من القبور ونقلوا. قوله: (فلم تطب نفسي)، فيه دليل على أنه يجوز نبش الميت لأمر يتعلق بالحيّ لأنه لا ضرر على الميت في دفن ميت آخر معه. وقد بين ذلك جابر بقوله: "فلم تطب نفسي"، ولكن هذا إن ثبت أن النبيّ ﷺ أذن له بذلك أو قرّره عليه وإلا فلا حجة في فعل الصحابي. والرجل الذي دفن معه هو عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام الأنصاري وكان صديق والد جابر وزوج أخته هند بنت عمرو. روى ابن إسحاق في المغازي (٥) أن النبيّ ﷺ قال: "اجمعوا بينهما فإنهما كانا متصادقين في الدنيا".

стр. 3523

قوله: (حتى أخرجته) في لفظ للبخاري (١): "فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته غير هنية في أذنه". وظاهر هذا يخالف ما في الموطأ (٢) عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو يعني والد جابر الأنصاريين كانا قد حفر السيل قبرهما، وكانا في قبر واحد، فحفر عنهما فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس، وكان بين أحد وبين يوم حفر عنهما ستّ وأربعون سنة. وقد جمع ابن عبد البرّ بينهما بتعدّد القصة. قال في الفتح (٣): وفيه نظر، لأن الذي في حديث جابر أنه دفن أباه في قبر وحده بعد ستة أشهر. وفي حديث الموطأ (٢) أنهما وجدا في قبر واحد بعد ستّ وأربعين سنة، فإما أن يكون المراد بكونهما في قبر واحد قرب المجاورة، أو أن السيل خرق أحد القبرين فصارا كقبر واحد. وقد أخرج نحو ما ذكره في الموطأ ابن إسحاق في المغازي (٤) وابن سعد (٤) من طريق أبي الزبير عن جابر بإسناد صحيح. ومعنى قوله هنيّة: أي شيئًا يسيرًا وهي بنون بعدها تحتانية مصغرًا وهو تصغير هَنَة. قوله: (فحملا إلى المدينة) فيه جواز نقل الميت من الموطن الذي مات فيه إلى موطن آخر يدفن فيه، والأصل الجواز فلا يمنع من ذلك إلا لدليل. قوله: (فأمرهم أن يخرجوه إلخ)، فيه أنه يجوز نبش الميت لغسله وتكفينه

стр. 3524

والصلاة عليه، وهذا وإن كان قول صحابي ولا حجة فيه، ولكن جعل الدفن مسقطًا لما علم من وجوب غسل الميت أو تكفينه أو الصلاة عليه محتاج إلى دليل ولا دليل (١). انتهى الجزء السابع من "نيل الأوطار" ويليه الجزء الثامن وأوله الكتاب الرابع: كتاب الزكاة

стр. 3525

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3528

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3529

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →