← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 5870–5909 · переход к 5875.

стр. 5870

واستدلوا أيضًا بما في حديث ركانة السابق (١): "أن النبيّ ﷺ استحلفه أنه ما أراد إلا واحدة"، وذلك يدل على أنه لو أراد الثلاث لوقعت. ويجاب بان أثبت ما روي في قصة ركانة أنه طلقها البتة لا ثلاثًا. وأيضًا قد تقدم في رواية "أنه ﷺ قال له: أرجعها، بعد أن قال له أنه طلقها ثلاثًا". وأيضًا قد تقدم فيه من المقال ما لا ينتهض معه للاستدلال. واستدلّ القائلون بأنه لا يقع من المتعدد إلا واحدة بما وقع في حديث ابن عباس عن ركانة: "أنه طلق امرأته ثلاثًا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنًا شديدًا، فسأله النبيّ ﷺ : كيف طلقتها؟ فقال: ثلاثًا في مجلس واحد، فقال له [النبي] (٢) ﷺ : إنما تلك واحدة فارتجعها"، أخرجه أحمد (٣) وأبو يعلى (٤) وصححه.

стр. 5871

وأجيب عن ذلك بأجوبة: (منها) أن في إسناده محمد بن إسحاق. وردَّ بأنهم قد احتجوا في غير واحدٍ من الأحكام بمثل هذا الإسناد [وقد رواه أحمد (١) وفيه تصريح ابن إسحاق بالتحديث] (٢). (ومنها) معارضته لفتوى ابن عباس المذكورة في الباب، وردَّ بأنَّ المعتبر روايته لا رأيه. (ومنها) أن أبا داود رجح: أن ركانة إنما طلق امرأته البتة كما تقدم. ويمكن أن يكون من روى ثلاثًا حمل البتة على معنى الثلاث، وفيه مخالفة للظاهر. والحديث نصّ في محلّ النزاع. واستدلوا أيضًا بحديث ابن عباس المذكور في الباب (٣): أن الطلاق كان على عهد رسول الله ﷺ … إلى آخره. وقد أجيب عنه بأجوبة: (منها) ما نقله المصنف (٤) ﵀ في هذا الكتاب بعد إخراجه له ولفظه: وقد اختلف الناس في تأويل هذا الحديث؛ فذهب بعض التابعين إلى ظاهره في

стр. 5872

حقِّ من لم يدخل بها، كما دلت عليه رواية أبي داود، وتأوَّله بعضهم على صورة تَكْرِير لفظ الطلاق بأن يقول: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، فإنه يلزمه واحدةً إذا قصدَ التوكيد، وثلاث إذا قصد تكرير الإيقاع، فكان الناس في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر على صدقهم وسلامتهم وقصدهم في الغالب، الفضيلة والاختيار لم يظهر فيهم خبٌّ ولا خداع وكان يصدقون في إرادة التوكيد فلما رأى عمر في [زمانه] (١) أمورًا ظهرت وأحوالًا تغيرت، وفشا إيقاع الثلاث جملة بلفظ لا يحتمل التأويل ألزمهم الثلاث في صور التكرير إذ صار الغالب عليهم قصدها. وقد أشار إليه بقوله: "إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة". وقال أحمد بن حنبل (٢): كلُّ أصحاب ابن عباس رووا عنه خلافَ ما قال طاوس: سعيد بن جبير (٣) ومجاهد (٤) ونافع عن ابن عباس بخلافه. وقال أبو داود في سننه (٥): صار قول ابن عباس فيما حدثنا أحمد بن صالح قال: حدثنا عبد الرزاق عن مَعْمَر عن الزُّهْرِيِّ عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبانَ، عن محمد بن إياس أن ابْنَ عباسٍ وأبا هريرة وعبدَ الله بن عمرو بن العاص سئلوا عن البكر يطلقها زوجها ثلاثًا، فكلهم قال: لا تحلّ له حتى تنكح زوجًا غيره، انتهى كلام المصنف. وقوله: وتأوّله بعضهم على صورة تكرير لفظ الطلاق … إلخ، هذا البعض الذي أشار إليه هو ابن سريج (٦). وقد ارتضى هذا الجواب القرطبي (٧).

стр. 5873

وقال النووي (١): إنَّهُ أصحُّ الأجوبة، ولا يخفى أن من جاء بلفظٍ يحتمل التأكيد وادَّعى أنَّه نواه، يصدَّق في دعواه ولو في آخر الدَّهر، فكيف بزمنِ خير القرون ومن يليهم! وإن جاء بلفظ لا يحتمل التأكيد لم يصدّق إذا ادّعى التأكيد من غير فرق بين عصر وعصر. ويجاب عن كلام أحمد المذكور: بأنَّ المخالفين لطاوس من أصحاب ابن عباس إنما نقلوا عن ابن عباس رأيه، وطاوس نقل عنه روايته فلا مخالفة. وأما ما قاله ابن المنذر من أنه لا يظنّ بابن عباس أن يحفظ عن النبيّ ﷺ شيئًا ويفتي بخلافه. فيجاب عنه بأن الاحتمالات المسوّغة لترك الرواية والعدول إلى الرأي كثيرة. (منها) النسيان. (ومنها) قيام دليل عند الراوي لم يبلغنا، ونحن متعبدون بما بلغنا دون ما لم يبلغ. وبمثل هذا يجاب عن كلام أبي داود المذكور. ومن الأجوبة عن حديث ابن عباس المذكور ما نقله البيهقي (٢) عن الشافعي أنه قال: يشبه أن يكون ابن عباس علم شيئًا نُسِخ. ويجاب بأن النسخ إن كان بدليل من كتاب أو سنة، فما هو؟ وإن كان بالإجماع، فأين هو؟ على أنه يبعد أن يستمرّ الناس أيام أبي بكر وبعض أيام عمر على أمر منسوخ، وإن كان الناسخ قول عمر المذكور فحاشاه أن ينسخ سنة ثابتة بمحض رأيه، وحاشا أصحاب رسول الله ﷺ أن يجيبوه إلى ذلك. ومن الأجوبة دعوى الاضطراب كما زعمه القرطبي في المفهم (٣)، وهو زعم فاسد لا وجه له. (ومنها): ما قاله ابن العربي (٤): إن هذا حديث مختلف في صحته، فكيف

стр. 5874

يقدّم على الإجماع؟ ويقال: أين الإجماع الذي جعلته معارضًا للسنة الصحيحة؟. (ومنها) أنه ليس في سياق حديث ابن عباس أن ذلك كان يبلغ النبيّ ﷺ حتى يقرّره، والحجة إنما هي في ذلك. وتعقب بأن قول الصحابة: كنا نفعل كذا في عهد رسول الله ﷺ في حكم المرفوع على ما هو الراجح. وقد عملتم بمثل هذا في كثير من المسائل الشرعية. والحاصل: أن القائلين بالتتابع قد استكثروا من الأجوبة على حديث ابن عباس، وكلُّها غير خارجة عن دائرة التعسُّف والحقُّ أحقُّ بالاتباع فإن كانت تلك المحاماة لأجل مذاهب الأسلاف فهي أحقر وأقلُّ من أن تؤثر على السُّنَّة المطهَّرة، وإن كانت لأجل عمر بن الخطاب ﵀ فأين يقع المسكين من رسول الله ﷺ ، ثم أيُّ مسلم من المسلمين يستحسن عقله وعلمه ترجيح قول صحابي على قول المصطفى. واحتجَّ القائلون بأنَه لا يقع شيءٌ لا واحدةٌ ولا أكثر منها بقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١)، فشرط في وقوع الثالثة أن تكون في حالٍ يصحُّ من الزوج فيها الإمساك، إذ من حقِّ كلِّ مخيرٍ بينهما أن يصحَّ كلُّ واحدٍ منهما، وإذا لم يصحَّ الإمساك إلا بعد المراجعة لم تصحَّ الثالثة إلا بعدها لذلك، وإذا لزم في الثالثة لزم في الثانية، كذا قيل. وأجيب بمنع كون ذلك يدلُّ على أنه لا يقع الطلاق إلا بعد الرجعة. ومن الأدلة الدالة على عدم وقوع شيء الأدلة المتقدمة في الطلاق البدعي. واستدلوا أيضًا بحديث: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ" (٢)، وهذا الطلاق ليس عليه أمر النبيّ ﷺ .

стр. 5875

وأجيب بتخصيص هذا العموم بما سبق في أدلة القولين الأوّلين من الحكم بوقوع الطلاق المثلث، لأنا [وإن منعنا] (١) وقوع المجموع لم نمنع من وقوع الفرد. والقائلون بالفرق بين المدخولة وغيرها أعظمُ حجةٍ لهم: حديث ابن عباس، فإن لفظه عند أبي داود (٢): "أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة؟ " الحديث، ووجَّهوا ذلك بأنَّ غير المدخول بها تبينُ إذا قال لها زوجها: أنت طالق، فإذا قال: ثلاثًا، لُغِيَ العدد لوقوعه بعد البينونة. ويجاب بأن التقييد بقبل الدخول لا ينافي صدق الرواية الأخرى الصحيحة على المطلقة بعد الدخول. وغاية ما في هذه الرواية أنه وقع فيها التنصيص على بعض أفراد مدلول الرواية الصحيحة المذكورة في الباب، وذلك لا يوجب الاختصاص بالبعض الذي وقع التنصيص عليه. وأجاب القرطبي (٣) عن ذلك التوجيه بأنَّ قوله: أنت طالق ثلاثًا كلام متصل غير منفصل، فكيف يصحُّ جعله كلمتين وتعطى كلُّ كلمةٍ حُكْمًا؟ هذا حاصل ما في هذه المسألة من الكلام، وقد جمعت في ذلك رسالة مختصرة (٤). [الباب الرابع] بابُ ما جاءَ في كلامِ الهازلِ والمكرَهِ والسَّكْرَانِ بالطَّلَاقِ وغيرِهِ ٢٠/ ٢٨٦١ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ثَلاث جِدّهُن جِدٌّ

стр. 5876

وَهَزْلُهُنّ جِدّ: النِّكَاحُ، وَالطلاقُ، وَالرّجْعَةُ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النّسائيَّ (١)، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ). [حسن] الحديث أخرجه أيضًا الحاكم وصححه (٢)، وأخرجه الدارقطني (٣) وفي إسناده عبد الرحمن بن حبيب بن أَرْدَكَ وهو مختلف فيه. قال النسائي (٤): منكر الحديث، ووثقه غيره. قال الحافظ (٥): فهو على هذا حسن. وفي الباب عن فضالة بن عبيد عند الطبراني (٦) بلفظ: "ثلاث لا يجوز فيهنّ اللعب: الطلاق، والنكاح، والعتق" وفي إسناده ابن لهيعة. وعن عبادة بن الصامت عند الحارث بن أسامة في مسنده (٧) رفعه بلفظ: "لا يجوز اللعب فيهنّ: الطلاق، والنكاح، والعتاق، فمن قالهن فقد وجبن"، وإسناده منقطع.

стр. 5877

وعن أبي ذرٍّ عند عبد الرزاق (١) رفعه: "من طلّق وهو لاعب فطلاقه جائز، ومن أعتق وهو لاعب فعتقه جائز، ومن نكح وهو لاعب فنكاحه جائز"، وفي إسناده انقطاع أيضًا. وعن عليّ موقوفًا عند عبد الرزاق (٢) أيضًا. وعن عمر موقوفًا عنده (٣) أيضًا. والحديث يدلُّ على أن من تلفظ هازلًا بلفظ نكاحٍ، أو طلاقٍ، أو رجعةٍ، أو عتاق؛ كما في الأحاديث التي ذكرناها وقع منه ذلك. أما في الطلاق فقد قال بذلك الشافعية (٤) والحنفية (٥) وغيرهم. وخالف في ذلك أحمد (٦) ومالك (٧) فقالا: إنَّه يفتقر اللفظ الصريح إلى

стр. 5878

النية، وبه قال جماعة من الأئمة منهم: الصادق، والباقر، والناصر (١). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ (٢)، فدلت على اعتبار العزم والهازل لا عزم منه. وأجاب صاحب البحر (٣) بالجمع بين الآية والحديث فقال: يعتبر العزم في غير الصريح لا في الصريح فلا يعتبر. والاستدلال بالآية على تلك الدعوى غير صحيح من أصله فلا يحتاج إلى الجمع فإنها نزلت في حقِّ المُولي. ٢١/ ٢٨٦٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : "لا طَلَاقَ، وَلَا عَتاقَ فِي إغْلَاقٍ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤) وَأَبُو دَاوُدَ (٥) وَابْنُ مَاجَهْ (٦). [حسن لغيره] ٢٢/ ٢٨٦٣ - (وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ أنّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ الله طَهِّرْنِي، قَالَ: "مِمَّ أُطَهِّرُكَ؟ "، قَالَ: مِنَ الزّنا، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَبِهِ جُنُونٌ؟ "، فأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، فَقَالَ: "أَشَرِبَ خَمْرًا؟، فَقَامَ رَجُلٌ [فَاسْتَنْكَهَهُ] (٧) فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَزَنَيْتَ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ.

стр. 5879

رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) وَالتِّرْمِذِيُّ (٢) وَصحَّحَهُ. [صحيح] وَقَالَ عُثْمَانُ: لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا لِسَكْرَان طَلَاقٌ. [أثر صحيح] وَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ: طَلَاقُ السّكْرَانِ وَالْمُسْتَكْرَهِ لَيْسَ بِجَائِزٍ. [أثر حسن] وَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيمَنْ يُكْرِهُهُ اللّصُوصُ فَيُطَلِّقُ: فَلَيْسَ بِشَىْءٍ. وقَالَ عَلِيٌّ: كُلُّ الطَّلاقِ جائِزٌ إلَّا طَلَاقَ المَعْتُوهِ، ذَكَرَهُنَّ البُخارِيُّ فِي صَحِيحِهِ) (٣). [أثر صحيح] ٢٣/ ٢٨٦٤ - (وَعَنْ قُدَامَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: أن رَجُلًا عَلى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ

стр. 5880

الخَطّابِ تَدَلَّى يَشْتارُ عَسَلًا، فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ فَجَلَسَتْ على الحَبِلِ، [فَقَالَتْ] (١): لِيُطَلِّقها ثَلاثًا وَإلا قَطَعَتِ الحَبْلَ، فَذَكّرَها الله وَالْإِسْلَامَ فَأَبَتْ، فَطَلَّقَهَا ثَلاثًا، ثُمَّ خَرَجَ إلى عُمَرَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: ارْجَعْ إلى أهْلِكَ فَلَيْسَ هَذَا بِطَلاقٍ، رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ (٢) وَأَبُو عُبَيْدٍ القاسِمُ بْنُ سَلَامٍ) (٣). [أثر ضعيف] حديث عائشة أخرجه أيضًا أبو يعلى (٤) والحاكم (٥) والبيهقي (٦) وصححه الحاكم، وفي إسناده محمد بن عبيد بن أبي صالح، وقد ضعفه أبو حاتم الرازي (٧). ورواه البيهقي (٨) من طريق ليس هو فيها لكن لم يذكر عائشة. وزاد أبو داود (٩) وغيره: "ولا عتاق". قوله: (في إغلاق) بكسر الهمزة وسكون الغين المعجمة وآخره قاف، فسَّره علماء الغريب بالإكراه، روي ذلك في التلخيص (١٠) عن ابن قتيبة (١١) والخطابي (١٢) وابن السيد (١٣) وغيرهم. وقيل: الجنون، واستبعده المطرزيُّ (١٤).

стр. 5881

وقيل: الغضب، وقع ذلك في سنن أبي داود (١)، وفي رواية ابن الأعرابي (٢) وكذا فسره أحمد (٣)، وردَّه ابن السَّيِّد فقال: لو كان كذلك لم يقع على أحد طلاقٌ؛ لأن أحدًا لا يطلِّق حتى يغضب. وقال [أبو عبيدة] (٤): الإغلاق: التضييق. وقد استدلَّ بهذا الحديث من قال: إنَّه لا يصحُّ طلاق المكره، وبه قال جماعةٌ من أهل العلم، حكي ذلك في البحر (٥) عن عليّ (٦)، وعمر (٧)، وابن عباس (٨)، وابن عمر (٩)، والزبير (٩)،

стр. 5882

والحسن البصري (١)، وعطاء (٢) ومجاهد (٣) وطاوس (٤) وشريح (٣) والأوزاعي (٣)، والحسن (٣) بن صالح والقاسمية (٥) والناصر (١) والمؤيد (١) بالله، ومالك (٦) والشافعي (٧). وحكي أيضًا وقوع طلاق المكره عن النخعي (٨)، وابن المسيب، والثوري (٩)، وعمر بن عبد العزيز، وأبي حنيفة (١٠) وأصحابه، والظاهر ما ذهب إليه الأوّلون لما في الباب. ويؤيد ذلك حديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، أخرجه ابن ماجه (١١) وابن حبان (١٢) والدارقطني (١٣) والطبراني (١٤) والحاكم في المستدرك (١٥) من حديث ابن عباس وحسنه النووي (١٦)، وقد أطال بالكلام عليه الحافظ (١٧) في باب شروط الصلاة من التلخيص، فليراجع.

стр. 5883

واحتجّ عطاء بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (١) وقال: الشرك أعظم من الطلاق، أخرجه سعيد بن منصور (٢) عنه بإسناد صحيح. قوله: (أبه جنون) لفظ البخاريِّ: "أبِكَ جُنُونٌ"، وهذا طرف من حديث يأتي إن شاء الله تعالى في الحدود (٣). وفيه دليل على أن الإقرار من المجنون لا يصحُّ، وكذلك سائر التصرّفات والإنشاءات، ولا أحفظ في ذلك خلافًا. قوله: (فقال: أشربَ خمرًا؟)، فيه دليلٌ أيضًا على أن إقرار السكران لا يصحُّ، وكأنَّ المصنف رحمه الله تعالى أقاس طلاق السكران على إقراره. وقد اختلف أهل العلم في ذلك، فأخرج ابن أبي شيبة (٤) بأسانيد صحيحة

стр. 5884

عدم وقوع طلاق السكران عن أبي الشعثاء، وعطاء، وطاوس، وعكرمة، والقاسم بن محمد، وعمر بن عبد العزيز. قال في الفتح (١): وبه قال ربيعة (٢) والليث (٣) وإسحاق والمزني (٤) واختاره الطحاوي (٥)، واحتج بأنهم أجمعوا على أن طلاق المعتوه لا يقع، قال: والسكران معتوه بسكره. وقال بوقوعه طائفة من التابعين كسعيد بن المسيب (٦)، والحسن (٧)، وإبراهيم (٨)، والزهري (٩) والشعبي (١٠) وبه قال الأوزاعي (١١) والثوري (١١) ومالك (١٢)

стр. 5885

وأبو حنيفة (١)، وعن الشافعي (٢) قولان: المصحح منهما وقوعه والخلاف عند الحنابلة (٣). وقد حكي القول بالوقوع في البحر (٤): عن عليّ، وابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، والضحاك، وسليمان بن يسار، وزيد بن عليّ، والهادي والمؤيد بالله. وحكي القول (٥) بعدم الوقوع عن عثمان، وجابر بن زيد، ورواية عن ابن عباس والناصر وأبي طالب والبتي وداود. احتج القائلون بالوقوع بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٦)، ونهيهم حال السكر عن قربان الصلاة يقتضي عدم زوال التكليف، وكل مكلف يصحّ منه الطلاق وغيره من العقود والإنشاءات. وأجيب بأن النهي في الآية المذكورة إنما هو عن أصل السكر الذي يلزم منه قربان الصلاة كذلك. وقيل: إنه نهي للثمل الذي يعقل الخطاب، وأيضًا قوله في آخر الآية: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٦)، دليل على أن السكران يقول ما لا يعلم، ومن كان كذلك فكيف يكون مكلفًا وهو غير فاهم، والفهم شرط التكليف كما تقرّر في الأصول. احتجوا ثانيًا بأنه عاص بفعله فلا يزول عنه الخطاب بالسكر ولا الإثم؛ لأنه يؤمر بقضاء الصلوات وغيرها مما وجب عليه قبل وقوعه في السكر. وأجاب الطحاوي (٧) بأنها لا تختلف أحكام فاقد العقل بين أن يكون ذهاب عقله بسبب من جهته أو من جهة غيره، إذ لا فرق بين من عجز عن القيام في

стр. 5886

الصلاة بسبب من قبل الله أو من قبل نفسه كمن كسر رجل نفسه، فإنه يسقط عنه فرض القيام. وتعقب بأن القيام انتقل إلى بدل وهو القعود فافترقا. وأجاب ابن المنذر (١) عن الاحتجاج بقضاء الصلوات بأن النائم يجب عليه قضاء الصلاة، ولا يقع طلاقه لأنه غير مكلف حال نومه بلا نزاع. واحتجوا ثالثًا بأن ربط الأحكام بأسبابها أصلٌ من الأصول المأنوسة في الشريعة، والتطليق سببٌ للطلاق، فينبغي ترتيبه عليه، وربطه به، وعدم الاعتداد بالسكر كما في الجنايات. وأجيب بالاستفسار عن السبب للطلاق: هل هو إيقاع لفظه مطلقًا؟ لزمَكُم أن يقع من المجنون والنائم والسكران الذي لم يعص بسكره إذا وقع من أحدهم لفظ الطلاق، وإن قلتم: إنه إيقاع اللفظ من العاقل الذي يفهم ما يقول، فالسكران غير عاقل ولا فاهم فلا يكون إيقاع لفظ الطلاق منه سببًا. واحتجوا رابعًا بأنَّ الصحابة ﵃ جعلوه كالصَّاحي. ويجاب بأنَّ ذلك محل خلافٍ بين الصحابة كما بينا ذلك في أوَّل الكلام وكما ذكره المصنف عن عثمان وابن عباس، فلا يكون قول بعضهم حجة علينا كما لا يكون حجة على بعضهم بعضًا. واحتجوا خامسًا بأنَّ عدم وقوع الطلاق من السكران مخالف للمقاصد الشرعية، لأنه إذا فعل حرامًا واحدًا لزمه حكمه، فإذا تضاعف جرمه بالسُّكر وفعل المحرَّم الآخر سقط عنه الحكم؛ مثلًا: لو أنه ارتدَّ بغير سكر لزمه حكم الرِّدَّةِ، فإذا جمع بين السكر والرِّدَّةِ لم يلزمه حكم الردة لأجل السكر. ويجاب بأنا لم نسقط عنه حكم المعصية الواقعة منه حال السكر لنفس فعله للمحرَّم الآخر وهو السكر، فإن ذلك مما لا يقول به عاقل، وإنما أسقطنا حكم المعصية لعدم مناط التكليف وهو العقل. وبيان ذلك: أنَّه لو شرب الخمر ولم يزل عقله كان حكمه حكم الصاحي، فلم يكن فعله لمعصية الشرب هو المسقط.

стр. 5887

ومن الأدلَّة الدالة على عدم الوقوع: ما في صحيح البخاري (١) وغيره أن حمزة سكر وقال للنبيّ ﷺ لما دخل عليه هو وعليٌّ: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟ في قصة مشهورة، فتركه ﷺ وخرج ولم يلزمه حكم تلك الكلمة مع أنه لو قالها غير سكران لكان كفرًا كما قال ابن القيم. وأجيب: بأنَّ الخمر كانت إذ ذاك مباحةً، والخلاف إنما هو بعد تحريمها. وحكى الحافظ في الفتح (٢) عن ابن بطال (٣) أنه قال: الأصل في السكران العقل، والسكر شيء طرأ على عقله، فمهما وقع منه من كلام مفهوم فهو محمول على الأصل حتى يثبت فقدان عقله، اهـ. والحاصل أن السكران الذي لا يعقل لا حكم لطلاقه لعدم المناط الذي تدور عليه الأحكام، وقد عين الشارع عقوبته فليس لنا أن نجاوزها برأينا ونقول: يقع طلاقه عقوبةً له فيجمع له بين غرمين. لا يقال: إن ألفاظ الطلاق ليست من الأحكام التكليفية بل من الأحكام الوضعية، وأحكام الوضع لا يشترط فيها التكليف. لأنا نقول: الأحكام الوضعية تقيد بالشروط كما تقيد الأحكام التكليفية. وأيضًا السبب الوضعي هو طلاق العاقل لا مطلق الطلاق بالإتفاق، وإلا لزم وقوع طلاق المجنون. قوله: (وقال عثمان … إلخ) علقه البخاري (٤) ووصله ابن أبي شيبة (٥). قوله: (وقال ابن عباس … إلخ) وصله ابن أبي شيبة (٦) أيضًا وسعيد بن منصور (٧).

стр. 5888

وأثر عليّ وصله البغوي في الجَعْديات (١) وسعيد بن منصور (٢). وقد ساق البخاري في صحيحه أثارًا عن جماعة من الصحابة والتابعين. وأثر عمر بن الخطاب (٣) في قصة الرجل الذي تدلى ليشتار عسلًا إسناده منقطع، لأن الراوي له عن عمر عبد الملك بن قدامة بن محمد بن إبراهيم بن حاطب الجمحي عن أبيه قدامة، وقدامة لم يدرك عمر. وقد روي ما يعارضها، أخرج العقيلي (٤) من حديث صفوان بن عمران الطائي: "أن امرأةً أخذت المدية ووضعتها على نحر زوجها، وقالت: إن لم تطلقني نحرتك بهذه، فطلقها، ثم استقال النبيَّ ﷺ الطلاق، فقال ﷺ : لا قيلولة في الطلاق". وقد تفرّد به صفوان وحمله بعضهم على من نوى الطلاق. [الباب الخامس] باب ما جاءَ في طلاق العبد ٢٤/ ٢٨٦٥ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أتى النّبِيّ ﷺ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ الله سَيِّدي زَوَّجَنِي أَمَتَهُ وَهُوَ يُرِيدُ أنْ يُفَرّقَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا، قَالَ: فَصَعَدَ رَسُولُ الله ﷺ المِنْبَرَ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النّاسُ، ما بالُ أَحَدِكُمْ يُزَوّجُ عَبْدَهُ أمَتَهُ، ثُمَّ يُرِيدُ أن يفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، إنَّمَا

стр. 5889

الطّلاقُ لِمَنْ أَخَذَ بالسّاقِ"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (١) وَالدَّارَقُطْنِيُّ) (٢). [حسن لغيره] ٢٥/ ٢٨٦٦ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ مُعَتِّبٍ أن أبا حَسَنٍ مَوْلَى بَنِي نَوْفَلٍ أخْبَرَهُ أنّهُ اسْتَفْتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فِي مَمْلُوكٍ تَحْتَهُ مَمْلُوكَةٌ فَطَلّقَهَا تَطْلِيقَتَيْنِ، ثُمّ عَتَقَا: هَلْ يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَخْطُبَها؟ قَالَ: نَعَمْ، قَضَى بِذَلِكَ رَسُولُ الله ﷺ . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التّرْمِذِيَّ (٣). [ضعيف] وَفِي رِوَايَةٍ: بَقِيَتْ [لَكَ] (٤) وَاحِدَةٌ قَضَى بِهَا رَسُولُ الله ﷺ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٥). [ضعيف] وَقَالَ ابْنُ المبَارَكِ (٦) وَمَعْمَرٌ: لَقَدْ تَحَمَّلَ أبُو حَسَنٍ هَذَا صَخْرَةً عَظِيمَةً. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (٧) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، فِي عَبْدٍ تَحْتَهُ مَمْلُوكَةٌ فَطَلَّقَهَا

стр. 5890

تَطْلِيقَتَيْنِ ثُمَّ عَتَقَا، يَتَزَوَّجُها [وَيَكُونُ] (١) على وَاحِدَةٍ على حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ مُعَتبٍ. وَقَالَ (٢) فِي رِوَايَةِ أبي طالبٍ فِي هَذِهِ المَسأَلَةِ: يَتَزَوَّجُها وَلَا يُبَالِي فِي العِدَّةِ عِتْقًا أَوْ بَعْدَ العِدَّةِ. قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ (٣)، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ (٤)، وَأَبِي سَلَمَةَ، وَقَتَادَةَ). حديث ابن عباس أخرجه الطبراني (٥) وابن عديّ (٦)، وفي إسناد ابن ماجه (٧): ابن لهيعة، وكلام الأئمة فيه معروف، وفي إسناد الطبراني يحيى الحماني وهو ضعيف (٧). وفي إسناد ابن عديّ (٨) والدارقطني (٩): عصمة بن مالك (١٠)، كذا قيل، وفي التقريب (١١) أنه صحابي، وطرقه يقوّي بعضها بعضًا. وقال ابن القيّم (١٢): إن حديث ابن عباس وإن كان في إسناده ما فيه فالقرآن يعضده وعليه عمل الناس، وأراد بقوله: القرآن يعضده، نحو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ (١٣)، وقوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١٤) الآية.

стр. 5891

وحديث عمر بن مُعَتِّب، أخرجه أيضًا النسائي (١) وابن ماجه (٢). وقد ذكر أبو الحسن المذكور بخير وصلاح، ووثقه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، غير أن الراوي عنه عمر بن مُعتِّب (٣)، وقد قال عليّ بن المديني: إنه منكر الحديث وسئل عنه أيضًا فقال: مجهول لم يرو عنه غير يحيى بن أبي كثير. وقال النسائي (٤): ليس بالقوي. وقال الأمير أبو نصر: منكر الحديث. وقال الذهبي: لا يعرف. ومعتب بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد المثناة الفوقية وكسرها وبعدها باء موحدة. وقد استدلَّ بحديث ابن عباسٍ (٥) المذكور من قال: إن طلاق امرأة العبد لا يصحُّ إلا منه لا من سيِّده. وروي عن ابن عباس (٦) أنه يقع طلاق السيد على عبده. والحديث المروي من طريقه حجةٌ عليه، وابن لهيعة ليس بساقط الحديث، فإنه إمام حافظ كبير، ولهذا أورده الذهبي في تذكرة الحفاظ (٧). وقال أحمد بن حنبل: من كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه؟

стр. 5892

وقال أحمد بن صالح: كان ابن لهيعة صحيح الكتاب طَلَّابًا للعلم. وقال يحيى بن القطان وجماعة: إنه ضعيف. وقال ابن معين: ليس بذاك القويّ، وهذا جرح مجملٌ لا يقبل عند بعض أئمة الجرح والتعديل. وقد قيل: إنَّ السبب في تضعيفه احتراق كتبه، وأنَّه بعد ذلك حدَّث من حفظه، فخلط، وأنَّ من حدَّث عنه قبل احتراق كتبه كابن المبارك وغيره حديثهم عنه قويّ، وبعضهم يصحِّحه، وهذا التفصيل هو الصواب. وقال الذهبي: إنها تؤدي حديثه في المتابعات ولا يحتجّ به. وأما يحيى الحمَّاني فقال في التذكرة (١): وثقه يحيى بن معين؛ وقال ابن عدي: أرجو أنَّه لا بأس به، وقال [ابن] (٢) حبان: يكذب جهارًا ويسرق الأحاديث. واستُدلَّ أيضًا بحديثِ ابن عباسٍ (٣) الثاني أيضًا أن العبد يملك من الطلاق ثلاثًا كما يملك الحرُّ. وقال الشافعي (٤): إنه لا يملك من الطلاق إلا اثنتين، حرّةً كانت زوجته أو أمةً. وقال أبو حنيفة (٥) والناصر (٦): إنه لا يملك في الأمة إلا اثنتين لا في الحرة فكالحرّ. واستدلوا بحديث ابن مسعودٍ: "الطلاق بالرجال والعدّة بالنساء" عند الدارقطني (٧) والبيهقي (٨).

стр. 5893

وأجيب بأنه موقوف [أيضًا] (١). قالوا: أخرج الدارقطني (٢) والبيهقي (٣) أيضًا عن ابن عباس نحوه. وأجيب بأنه موقوف [أيضًا] (٤). وكذلك روى نحوه أحمد (٥) من حديث عليّ وهو أيضًا موقوف. قالوا: أخرج ابن ماجه (٦) والدارقطني (٧) والبيهقي (٨) من حديث ابن عمر مرفوعًا: "طلاق الأمة اثنتان وعدّتها حيضتان". وأجيب بأن في إسناده عمر بن شبيب وعطية العوفي وهما ضعيفان. وقال الدارقطني (٩) والبيهقي (١٠): الصحيح أنه موقوف، قالوا في السنن

стр. 5894

نحوه من حديث عائشة (١). وأجيب بأن في إسناده مظاهر بن أسلم (٢). قال الترمذي (٣): حديث عائشة هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهر لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ وهو قول سفيان الثوري (٤) والشافعي (٥) وإسحاق (٦)، انتهى. لا يقال: هذه الطرق تقوى على تخصيص عموم ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٧) وغيرها من العمومات الشاملة للحرِّ والعبد؛ لأنَّا نقول: قد دلَّ على أن ذلك العموم مرادٌ غير مخرج منه العبد حديثُ ابن عباس المذكور (٨) في الباب فهو معارضٌ لما دلَّ على أن طلاق العبد ثنتان. [الباب السادس] باب من علق الطلاق قبل النكاح ٢٦/ ٢٨٦٧ - [عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ

стр. 5895

رَسُولُ الله ﷺ : "لَا نَذْرَ لابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا طَلَاقَ لَهُ فِيمَا لا يَمْلِكُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَالتِّرْمِذِيُّ (٢) وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهُوَ أحْسَنُ شَىْءٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَأَبُو دَاوُدَ (٣) وَقَالَ فِيهِ: "وَلَا وَفَاءَ نَذْرٍ إِلَّا فِيمَا يَمْلِكُ"، وَلابْنِ مَاجَهْ (٤) مِنْهُ: "لَا طَلَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ"). [صحيح] ٢٧/ ٢٨٦٨ - (وَعَنْ مِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: "لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ، وَلَا عِتْقَ قَبلَ مِلْكٍ"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) (٥). [صحيح] حديث عمرو بن شعيب أخرجه بقية أهل السنن (٦) والبزار (٧) والبيهقي (٨) وقال: هو أصحّ شيء في هذا الباب وأشهر. وحديث المسور حسنه الحافظ في التلخيص (٩) ولكنه اختلف فيه على

стр. 5896

الزهري، فروي عنه عن عروة عن المسور. وروي عنه عن عروة عن عائشة (١). وفي الباب عن أبي بكر الصديق، وأبي هريرة، وأبي موسى الأشعري، وأبي سعيد الخدري، وعمران بن حصين، وغيرهم، ذكر ذلك البيهقي في الخلافيات (٢). وفي الباب أيضًا عن جابر مرفوعًا بلفظ: "لا طلاق إلا بعد نكاح، ولا عتق إلا بعد ملك"، أخرجه الحاكم في المستدرك (٣) وصححه وقال: وأنا متعجب من الشيخين كيف أهملاه؟ وقد صحّ على شرطهما من حديث ابن عمر، وعائشة، وعبد الله بن عباس، ومعاذ بن جبل، وجابر، انتهى. وحديث ابن عمر أخرجه أيضًا ابن عديّ (٤)، ووثق إسناده الحافظ (٥). وقال ابن صاعد (٦): غريب لا أعرف له علة. وحديث عائشة قال ابن أبي حاتم في العلل (٧) عن أبيه: حديث منكر. وحديث ابن عباس في إسناده عند الحاكم (٨) من لا يعرف، وله طريق أخرى عند الدارقطني (٩) وفي إسناده ضعيف.

стр. 5897

وحديث معاذ أُعِلّ بالإرسال، وله طريق أخرى عند الدارقطني (١) وفيها انقطاع، وفي إسناده أيضًا يزيد بن عياض وهو متروك (٢). وحديث جابر صحح الدارقطني (٣) إرساله، وأعله ابن معين وغيره. وفي الباب أيضًا عن عليّ عند البيهقي (٤) وغيره (٥)، ومداره على جويبر وهو متروك. ورواه ابن الجوزي (٦) من طريق أخرى عنه، وفيها عبد الله بن زياد سمعان وهو متروك. وله طريق أخرى في الطبراني (٧).

стр. 5898

وقال ابن معين: لا يصحّ عن النبيّ ﷺ : "لا طلاق قبل نكاح"، وأصحّ شيء فيه حديث ابن المنكدر عمن سمع طاوسًا عن النبي ﷺ مرسلًا (١). وقال ابن عبد البرّ في "الاستذكار" (٢): روي من وجوه إلا أنَّها عند أهل العلم بالحديث معلولة، انتهى. ولا يخفى عليك أن مثل هذه الروايات التي سقناها في الباب من طريق أولئك الجماعة من الصحابة مما لا يشك منصف أنها صالحة بمجموعها للاحتجاج، وقد وقع الإجماع على أنه لا يقع الطلاق الناجز على الأجنبية. وأما التعليق نحو أن يقول: إن تزوّجت فلانة فهي طالق؛ فذهب جمهور الصحابة والتابعين (٣) ومن بعدهم إلى أنه لا يقع. وحكي عن أبي حنيفة (٤) وأصحابه والمؤيد بالله في أحد قوليه (٥): أنه يصحّ التعليق مطلقًا. وذهب مالك (٦) في المشهور عنه وربيعة والثوري (٧) والليث (٨) والأوزاعي (٨) وابن أبي ليلى (٨) إلى التفصيل وهو: أنه إن جاء بحاصر نحو أن يقول: كل امرأة

стр. 5899

أتزوّجها من بني فلان أو بلد كذا فهي طالق صحّ الطلاق ووقع، وإن عمم لم يقع شيء، وهذا التفصيل لا وجه له إلا مجرّد الاستحسان كما أنه لا وجه للقول بإطلاق الصحة. والحقّ أنه لا يصحّ الطلاق قبل النكاح مطلقًا للأحاديث المذكورة في الباب. وكذلك العتق قبل الملك والنذر بغير الملك. [الباب السابع] بابُ الطلاقِ بالكناياتِ إِذَا نَوَاهُ بِهَا وغَيْرِ ذلكَ ٢٨/ ٢٨٦٩ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَيَّرَنا رَسُولُ الله ﷺ فاخْتَرْنَاهُ فَلَمْ يَعُدَّهَا شَيْئًا. رَوَاهُ الْجَمَاعَة (١). [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: لَمّا أُمِرَ رَسُولُ الله ﷺ بتَخْييرِ أَزْوَاجِهِ بَدأ بِي، فَقَالَ: "إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أنْ لَا تَعْجَلِي حتَّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ"، قَالَتْ: وَقَدْ علم أنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الله قَالَ لي: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (٢) الآية ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ (٣) " الآيَةَ، قالت: فَقُلْتُ: فِي هَذَا أسْتَأمِرُ أبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أرِيد الله وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، قَالَتْ: ثم فَعَلَ أزْوَاجُ رَسُولِ الله ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا أبا دَاودَ) (٤). [صحيح] قوله: (خيرنا) في لفظ لمُسلم (٥): "خير نساءه".

стр. 5900

قوله: (فلم يَعُدَّها شيئًا) بتشديد الدال المهملة، وضم العين من العدد. وفي رواية (١): "فلم يعدد" بفك الإدغام. وفي أخرى: "فلم يعتدّ" بسكون العين وفتح المثناة وتشديد الدال من الاعتداد. وفي رواية لمسلم (٢): "فلم يعده طلاقًا"، وفي رواية للبخاري (٣): "أفكان طلاقًا؟ " على طريقة الاستفهام الإنكاري. وفي رواية لأحمد (٤): "فهل كان طلاقًا؟ "، وكذا للنسائي (٥). وقد استدل بهذا من قال: إنه لا يقع بالتخيير شيء إذا اختارت الزوج، وبه قال جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار (٦)، ولكن اختلفوا فيما إذا اختارت نفسها: هل يقع طلقة واحدة رجعية أو بائنة أو يقع ثلاثًا؟ فحكى الترمذي (٧) عن علي (٨) أنها إن اختارت نفسها فواحدة بائنة، وإن اختارت زوجها فواحدة رجعية. وعن زيد بن ثابت (٩): إن اختارت نفسها فثلاث، وإن اختارت زوجها فواحدة بائنة.

стр. 5901

وعن عمر (١) وابن مسعود (١): إن اختارت نفسها فواحدة بائنة، وعنهما: رجعية، وإن اختارت زوجها فلا شيء. ويؤيد قول الجمهور (٢) من حيث المعنى أن التخيير ترديد بين شيئين، فلو كان اختيارها لزوجها طلاقًا لا تحدا، فدل على أن اختيارها لنفسها بمعنى الفراق، واختيارها لزوجها بمعنى البقاء في العصمة. وقد أخرج ابن أبي شيبة (٣) من طريق زاذان قال: "كنا جلوسًا عند عليّ فسئل عن الخيار فقال: سألني عنه عمر فقلت: [إن اختارت نفسها فواحدة رجعية، قال: ليس كما قلت] (٤)، إن اختارت نفسها فواحدة بائنة، وإن اختارت زوجها فواحدة رجعية، قال: ليس كما قلت إن اختارت زوجها فلا شيء، قال: فلم أجد بدًا من متابعته، فلما وليت رجعت إلى ما كنت أعرف. قال عليّ: وأرسل عمر إلى زيد بن ثابت، قال: فذكر مثل ما حكاه عنه الترمذي (٥). وأخرج ابن أبي شيبة (٦) من طريق علي نظير ما حكاه زاذان من اختياره، وأخذ مالك (٧) بقول زيد بن ثابت. واحتجَّ بعض أتباعه؛ لكونها إذا اختارت نفسها يقع ثلاثًا بأنَّ معنى الخيار بتُّ أحد الأمرين: إمَّا الأخذ أو الترك، فلو قلنا: إذا اختارت نفسها يكون طلقةً رجعية لم يعمل - بمقتضى اللفظ؛ لأنها تكون بعد في أسر الزوج، وتكون كمن خير بين شيئين فاختار غيرهما.

стр. 5902

وأخذ أبو حنيفة (١) بقول عمر وابن مسعود فيما إذا اختارت نفسها فواحدة بائنة. وقال الشافعي (٢): التخيير كناية، فإذا خير الزوج امرأته - وأراد بذلك تخييرها بين أن تطلق منه وبين أن تستمرَّ في عصمته - فاختارت نفسها وأرادت بذلك الطلاق طُلِّقت، فلو قالت: لم أرد باختيار نفسي الطلاق، صُدِّقَتْ. وقال الخطابي (٣): يؤخذ من قول عائشة: "فاخترناه" فلم يكن ذلك طلاقًا: أنَّها لو اختارت نفسها لكانَ ذلك طلاقًا. ووافقه القرطبي في "المفهم" (٤) فقال في الحديث: إنَّ المخيرة إذا اختارت نفسها، أن نفس الاختيار يكون طلاقًا من غير احتياج إلى نطق بلفظ يدلُّ على الطلاق، قال: وهو مقتبسٌ من مفهوم قول عائشة المذكور. قال الحافظ (٥): لكن الظاهر من الآية أن ذلك بمجرَّده لا يكون طلاقًا، بل لا بد من إنشاء الزوج الطلاق لأنَّ فيها: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ (٦)، أي: بعد الاختيار، ودلالة المنطوق مقدَّمةٌ على دلالة المفهوم. واختلفوا في التخيير: هل هو بمعنى التمليك أو بمعنى التوكيل؟ وللشافعي (٧) فيه قولان: المصحح عند أصحابه أنَّه تمليك، وهو قول المالكية (٨) بشرط المبادرة منها حتى لو تراخت بمقدار ما ينقطع القبول عن الإيجاب ثم طلقت لم يقع، وفي وجه: لا يضرّ التأخير ما دام المجلس، وبه جزم ابن القاصِّ (٩) وهو الذي رجحته المالكية (١٠) والحنفية (١١) والهادوية (١٢) وهو قول الثوري والليث والأوزاعي (١٣).

стр. 5903

وقال ابن المنذر (١): الراجح أنه لا يشترط فيه الفور بل متى طلقت نفذ، وهو قول الحسن والزهري، وبه قال أبو عبيد ومحمد بن نصر من الشافعية والطحاوي (٢) من الحنفية. واحتجوا بما في حديث الباب (٣) من قوله ﷺ لعائشة: "إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك"، وذلك يقتضي عدم اشتراط الفور في جواب التخيير. قال الحافظ (٤): ويمكن أن يقال: يشترط الفور إلا أن يقع التصريح من الزوج بالفسحة لأمر يقتضي ذلك فيتراخى كما وقع في قصة عائشة ولا يلزم من ذلك أن يكون كل خيار كذلك. ٢٩/ ٢٨٧٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ: أن ابْنَةَ الجَوْنِ لَمّا أُدْخِلَتْ على رَسُولِ الله ﷺ وَدَنَا مِنْهَا قَالَتْ: أَعُوذُ بِالله مِنْكَ، فَقَالَ لَهَا: "لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمِ، اِلْحِقِي بأهْلِكِ"، رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥) وَابْنُ مَاجَهْ (٦) وَالنّسائيُّ (٧) وَقَالَ: الكِلابِيَّةَ بَدَلَ ابْنَةِ الجَوْنِ. [صحيح] وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ يَرَى لَفْظَةَ الْخِيَار: والْحِقِي بِأهْلِكِ، وَاحِدَةً لا ثَلَاثًا، لِأَنَّ جَمْعَ الثّلاثِ يُكْرَهُ، فالظَّاهِرُ أنّهُ ﵇ لا يَفْعَلُهُ). ٣٠/ ٢٨٧١ - (وَفِي حَدِيثِ تَخَلُّفِ كَعْبِ بْنِ مالك قَالَ: لَمّا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الْخَمْسِينَ وَاسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ، وَإِذَا رَسُولُ الله ﷺ يَأتِينِي، فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ الله يأمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ، فَقُلْتُ: أُطَلِّقُها أمْ مَاذَا أفْعَلُ؟ قَالَ: بَلِ اعْتَزِلْهَا فَلَا تَقَرَبَنّها، قَالَ: فَقُلْتُ لامْرَأَتي: اِلْحِقِي بِأَهْلِكِ. مُتّفَقٌ عَلَيْهِ) (٨). [صحيح]

стр. 5904

٣١/ ٢٨٧٢ - (وَيُذْكَرُ فِيمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أنْتِ طَالِقٌ هَكَذَا وَأشَارَ بِأَصَابِعِهِ ما رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا" يَعْنِي ثَلاثِينَ، ثُم قَالَ: "وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا" يَعْنِي تِسْعًا وَعِشْرِينَ، يَقُولُ: مَرةً ثَلاثِينَ، وَمَرةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ. مُتّفَقٌ عَلَيْهِ) (١). [صحيح] ٣٢/ ٢٨٧٣ - (وَيُذْكَرُ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ قَالَ لِغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا: أنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ، أَوْ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ، مَا رُوِي [عَنْ] (٢) حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ الله وَشَاءَ فُلَانٌ، وَقُولُوا: مَا شَاء اللهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٣) وَأَبُو دَاوُدَ (٤)، وَلابْنِ مَاجَهْ (٥) مَعْنَاهُ). [صحيح] ٣٣/ ٢٨٧٤ - (وَعَنْ قُتَيْلَةَ بِنْتِ صَيْفِيّ قَالَتْ: أتى حَبْرٌ مِنَ الْأَحْبَارِ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ نِعْمَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ لَوْلا أنّكُمْ تَجْعَلُونَ لله نِدًّا، قَالَ: "سُبْحَانَ الله وَمَا ذَاكَ؟ "، قَالَ: تَقُولُونَ: ما شَاءَ الله وَشِئْتَ، قَالَ: فَأمْهَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ: "إِنَّهُ قَدْ قَالَ: فَمَنْ قَالَ: مَا شَاءَ الله، فَلْيَفْصِلْ بَيْنَهُما: ثُمَّ شِئْتَ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ) (٦). [صحيح]

стр. 5905

٣٤/ ٢٨٧٥ - (وَعَنْ عَدِيّ بْنِ حَاتِمٍ: أَنَّ رَجُلًا خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "بِئْسَ الْخَطِيبُ أنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢) وَالنّسَائِيُّ) (٣). [صحيح] ٣٥/ ٢٨٧٦ - (وَيُذْكَرُ فِيمَنْ طَلّقَ بِقَلْبِهِ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الله تَجَاوَزَ لِأمّتِي عَمّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلّمْ بِهِ"، مُتّفَقٌ عَلَيْهِ) (٤). [صحيح] حديث حذيفة أخرجه أيضًا (٥) النسائي وابن أبي شيبة (٦) والطبراني (٧) والبيهقي (٨)، وقد ساقه الحازمي في "الاعتبار" (٩) بإسناده، وذكر فيه قصة وهي: "أن رجلًا من المسلمين رأى في النوم أنه لقي رجلًا من أهل الكتاب فقال: نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون، قال: تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فذكر ذلك للنبيّ ﷺ ، فقال لهم: والله إن كنت لأعرفها لكم، قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد". وأخرج (١٠) أيضًا بإسناده إلى الطفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها "أنه قال: رأيت فيما يرى النائم كأني أتيت على رهط من اليهود فقلت: من

стр. 5906

أنتم؟ [فقالوا] (١): نحن اليهود، فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله؛ قالوا: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ثم أتيت على رهط من النصارى فقلت: من أنتم؟ فقالوا: نحن النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، فقالوا: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد؛ فلما أصبح أخبر بها من أخبر، ثم أخبر بها النبيّ ﷺ فقال: هل أخبرت بها أحدًا؟ قال: نعم، فقام رسول الله ﷺ خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن طفيلًا رأى رؤيا فأخبر بها من أخبر منكم، وإنكم لتقولون الكلمة يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد". وأخرج (٢) أيضًا بإسناده المتصل بابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا حلفَ أحدُكم فلا [يقول] (٣): ما شاءَ اللهُ وشئتَ، ولكنْ لِيَقُلْ: ما شاءَ اللهُ ثُمَّ شِئْتَ". وأخرج (٤) أيضًا بإسناده إلى عائشة أنها قالت: "قالت اليهود: نعم القوم قوم محمد لولا أنهم يقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فقال النبيّ ﷺ : لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده. قوله: (إنَّ ابنة الجون) قيل: هي الكلابية. واختلف في اسمها، فقال ابن سعد: اسمها فاطمة بنت الضَّحاك بن سفيان. وروي عن الكلبيِّ: أنَّها غالية بنت ظبيان بن عمرو. وحكى ابن سعد (٥) أيضًا أن اسمها: عمرة بنت يزيد بن عبيد، وقيل: بنت يزيد بن الجون. وأشار ابن سعد (٥) أيضًا إلى أنها واحدةٌ اختلف في اسمها.

стр. 5907

قال الحافظ (١): والصحيح أن التي استعاذت منه هي الجونية واسمها أميمة بنت النعمان بن شراحيل، وذكر ابن سعد (٢) أنها لم تستعذ منه امرأة غيرها. قال ابن عبد البرّ (٣): أجمعوا على أن التي تزوَّجها هي الجونية. واختلفوا في سبب فراقه لها، فقال قتادة: لما دخل عليها دعاها، فقالت: تعال أنت، فطلقها. وقيل: كان بها وضح. وزعم بعضهم أنها قالت: أعوذ بالله منك، فقال: قد عذت بمعاذ وقد أعاذك الله مني فطلقها، قال: وهذا باطل، إنما قال له هذا امرأة من بني العنبر وكانت جميلة، فخاف نساؤه أن تغلبهنّ عليه، فقلن لها: إنه يعجبه أن يقال له: نعوذ بالله منك، ففعلت فطلقها. قال الحافظ (٤): وما أدري لم حكم ببطلان ذلك مع كثرة الروايات الواردة فيه وثبوته في حديث عائشة في صحيح البخاري (٥). قوله: (الحقي بأهلك) بكسر الهمزة من إلْحَقِي وفتح الحاء، وفيه دليل على أن من قالَ لامرأته: إلحقي بأهلك وأراد الطلاق طلقت، فإن لم يرد الطلاق لم تطلق كما وقع في حديث تخلف كعب (٦) المذكور، فيكون هذا اللفظ من كنايات الطلاق (٧) لأنَّ التصريح لا يفتقر إلى النية على ما ذهب إليه الشافعية (٨) والحنفية (٩) وأكثر العترة (١٠)، وذهب الباقر والصادق والناصر (١١) ومالك (١٢) إلى أنه يفتقر إلى نية.

стр. 5908

وحديث ابن عمر في إخباره ﷺ بعدد الشهر قد تقدم في باب ما جاء في يوم الغيم والشكّ من كتاب الصيام (١)، وتقدم شرحه هنالك. وإنما أورده المصنف ههنا للاستدلال به على صحة العدد بالإشارة بالأصابع واعتباره من دون تلفظ باللسان، فإذا قال الرجل لزوجته: أنت طالق هكذا وأشار بثلاث من أصابعه كان ذلك ثلاثًا عند من يقول: إن الطلاق يتبع الطلاق. وأورد حديث حذيفة (٢) وحديث قتيلة (٣) للاستدلال بهما على أن من قال لزوجته التي لم يدخل بها: أنت طالق وطالق، كان كالطلقة الواحدة لأن المحلّ لا يقبل غيرها فتكون الثانية لغوًا، بخلاف ما لو قال: أنت طالق ثم طالق، وقعت عليها الطلقة الأولى في الحال، ووقعت عليها الثانية بعد أن تصير قابلة لها، وذلك لأن الواو لمطلق الجمع فكأنه إذا جاء بها موقع لمجموع الطلاقين عليها في حالة واحدة، بخلاف "ثم" فإنها للترتيب مع تراخ، فيصير الزوج في حكم الموقع لطلاق بعده طلاق متراخ عنه. ولهذا قال الشافعي (٤) في سبب نهيه ﷺ عن قول الرجل: ما شاء الله وشئتُ، وإذنه له بأن يقول: ما شاء الله ثم شاء فلان: أن المشيئة إرادة الله تعالى. قال الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٥) قال: فأعلم الله خلقه أن المشيئة له دون خلقه، وأن مشيئتهم لا تكون إلا أن يشاء الله، فيقال لرسوله: ما شاء الله ثم شئتَ، ولا يقال: ما شاء الله وشئت، انتهى. ولكنه يعارض هذا الاستنباط حديث عديّ بن حاتم الذي ذكره المصنِّف في

стр. 5909

الرَّجل الذي خطب بحضرته ﷺ فإنه أنكر عليه الجمع بين الضميرين وأرشده إلى أن يقول: (ومن يعص الله ورسوله)، فدلَّ على أن توسيط الواو بين الله ورسوله، له حكم غير حكم قوله: "ومن يعصهما"، ولو كانت الواو لمطلق الجمع لم يكن بين العبارتين فرق. وقد قدَّمنا الكلام على علة هذا النهي عند الكلام على حديث ابن مسعود في باب اشتمال الخطبة على حمد الله [من أبواب الجمعة (١)] (٢)، هذا ما ظهر في بيان وجه استدلال المصنِّف بحديثي المشيئة وحديث الخطبة. ويمكن أن يكون مراد المصنِّف بإيراد الأحاديث المذكورة مجرَّد التنظير لا الاستدلال، وقد قدمنا: أن الطلاق المتعدِّد سواءٌ كان بلفظٍ واحدٍ، أو ألفاظٍ من غير فرق بين أن يكون العطف بثم أو بالواو أو بغيرهما يكون طلقةً واحدةً، سواءٌ كانت الزوجةُ مدخولة أو غير مدخولة. وأورد حديث أبي هريرة للاستدلال به على أن من طلق زوجته بقلبه ولم يلفظ بلسانه لم يكن لذلك حكم الطلاق. لأنَّ خطرات القلب مغفورةٌ للعباد إذا كانت فيما فيه ذنب، فكذلك لا يلزم حكمًا في الأمور المباحة، فلا يكون حكم خطور الطلاق بالقلب أو إرادته حكم التلفظ به، وهكذا سائر الإنشاءات. قال الترمذي (٣) بعد إخراج هذا الحديث ما لفظه: والعمل على هذا عند أهل العلم، أن الرجل إذا حدَّث نفسه بالطلاق لم يكن شيء حتى يتكلم به، انتهى. وحكى في البحر (٤) عن عكرمة أنه يقع بمجرد النية. * * *
следующие страницы →