← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 5905–5944 · переход к 5910.

стр. 5905

٣٤/ ٢٨٧٥ - (وَعَنْ عَدِيّ بْنِ حَاتِمٍ: أَنَّ رَجُلًا خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "بِئْسَ الْخَطِيبُ أنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢) وَالنّسَائِيُّ) (٣). [صحيح] ٣٥/ ٢٨٧٦ - (وَيُذْكَرُ فِيمَنْ طَلّقَ بِقَلْبِهِ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الله تَجَاوَزَ لِأمّتِي عَمّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلّمْ بِهِ"، مُتّفَقٌ عَلَيْهِ) (٤). [صحيح] حديث حذيفة أخرجه أيضًا (٥) النسائي وابن أبي شيبة (٦) والطبراني (٧) والبيهقي (٨)، وقد ساقه الحازمي في "الاعتبار" (٩) بإسناده، وذكر فيه قصة وهي: "أن رجلًا من المسلمين رأى في النوم أنه لقي رجلًا من أهل الكتاب فقال: نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون، قال: تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فذكر ذلك للنبيّ ﷺ ، فقال لهم: والله إن كنت لأعرفها لكم، قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد". وأخرج (١٠) أيضًا بإسناده إلى الطفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها "أنه قال: رأيت فيما يرى النائم كأني أتيت على رهط من اليهود فقلت: من

стр. 5906

أنتم؟ [فقالوا] (١): نحن اليهود، فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله؛ قالوا: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ثم أتيت على رهط من النصارى فقلت: من أنتم؟ فقالوا: نحن النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، فقالوا: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد؛ فلما أصبح أخبر بها من أخبر، ثم أخبر بها النبيّ ﷺ فقال: هل أخبرت بها أحدًا؟ قال: نعم، فقام رسول الله ﷺ خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن طفيلًا رأى رؤيا فأخبر بها من أخبر منكم، وإنكم لتقولون الكلمة يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد". وأخرج (٢) أيضًا بإسناده المتصل بابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا حلفَ أحدُكم فلا [يقول] (٣): ما شاءَ اللهُ وشئتَ، ولكنْ لِيَقُلْ: ما شاءَ اللهُ ثُمَّ شِئْتَ". وأخرج (٤) أيضًا بإسناده إلى عائشة أنها قالت: "قالت اليهود: نعم القوم قوم محمد لولا أنهم يقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فقال النبيّ ﷺ : لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده. قوله: (إنَّ ابنة الجون) قيل: هي الكلابية. واختلف في اسمها، فقال ابن سعد: اسمها فاطمة بنت الضَّحاك بن سفيان. وروي عن الكلبيِّ: أنَّها غالية بنت ظبيان بن عمرو. وحكى ابن سعد (٥) أيضًا أن اسمها: عمرة بنت يزيد بن عبيد، وقيل: بنت يزيد بن الجون. وأشار ابن سعد (٥) أيضًا إلى أنها واحدةٌ اختلف في اسمها.

стр. 5907

قال الحافظ (١): والصحيح أن التي استعاذت منه هي الجونية واسمها أميمة بنت النعمان بن شراحيل، وذكر ابن سعد (٢) أنها لم تستعذ منه امرأة غيرها. قال ابن عبد البرّ (٣): أجمعوا على أن التي تزوَّجها هي الجونية. واختلفوا في سبب فراقه لها، فقال قتادة: لما دخل عليها دعاها، فقالت: تعال أنت، فطلقها. وقيل: كان بها وضح. وزعم بعضهم أنها قالت: أعوذ بالله منك، فقال: قد عذت بمعاذ وقد أعاذك الله مني فطلقها، قال: وهذا باطل، إنما قال له هذا امرأة من بني العنبر وكانت جميلة، فخاف نساؤه أن تغلبهنّ عليه، فقلن لها: إنه يعجبه أن يقال له: نعوذ بالله منك، ففعلت فطلقها. قال الحافظ (٤): وما أدري لم حكم ببطلان ذلك مع كثرة الروايات الواردة فيه وثبوته في حديث عائشة في صحيح البخاري (٥). قوله: (الحقي بأهلك) بكسر الهمزة من إلْحَقِي وفتح الحاء، وفيه دليل على أن من قالَ لامرأته: إلحقي بأهلك وأراد الطلاق طلقت، فإن لم يرد الطلاق لم تطلق كما وقع في حديث تخلف كعب (٦) المذكور، فيكون هذا اللفظ من كنايات الطلاق (٧) لأنَّ التصريح لا يفتقر إلى النية على ما ذهب إليه الشافعية (٨) والحنفية (٩) وأكثر العترة (١٠)، وذهب الباقر والصادق والناصر (١١) ومالك (١٢) إلى أنه يفتقر إلى نية.

стр. 5908

وحديث ابن عمر في إخباره ﷺ بعدد الشهر قد تقدم في باب ما جاء في يوم الغيم والشكّ من كتاب الصيام (١)، وتقدم شرحه هنالك. وإنما أورده المصنف ههنا للاستدلال به على صحة العدد بالإشارة بالأصابع واعتباره من دون تلفظ باللسان، فإذا قال الرجل لزوجته: أنت طالق هكذا وأشار بثلاث من أصابعه كان ذلك ثلاثًا عند من يقول: إن الطلاق يتبع الطلاق. وأورد حديث حذيفة (٢) وحديث قتيلة (٣) للاستدلال بهما على أن من قال لزوجته التي لم يدخل بها: أنت طالق وطالق، كان كالطلقة الواحدة لأن المحلّ لا يقبل غيرها فتكون الثانية لغوًا، بخلاف ما لو قال: أنت طالق ثم طالق، وقعت عليها الطلقة الأولى في الحال، ووقعت عليها الثانية بعد أن تصير قابلة لها، وذلك لأن الواو لمطلق الجمع فكأنه إذا جاء بها موقع لمجموع الطلاقين عليها في حالة واحدة، بخلاف "ثم" فإنها للترتيب مع تراخ، فيصير الزوج في حكم الموقع لطلاق بعده طلاق متراخ عنه. ولهذا قال الشافعي (٤) في سبب نهيه ﷺ عن قول الرجل: ما شاء الله وشئتُ، وإذنه له بأن يقول: ما شاء الله ثم شاء فلان: أن المشيئة إرادة الله تعالى. قال الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٥) قال: فأعلم الله خلقه أن المشيئة له دون خلقه، وأن مشيئتهم لا تكون إلا أن يشاء الله، فيقال لرسوله: ما شاء الله ثم شئتَ، ولا يقال: ما شاء الله وشئت، انتهى. ولكنه يعارض هذا الاستنباط حديث عديّ بن حاتم الذي ذكره المصنِّف في

стр. 5909

الرَّجل الذي خطب بحضرته ﷺ فإنه أنكر عليه الجمع بين الضميرين وأرشده إلى أن يقول: (ومن يعص الله ورسوله)، فدلَّ على أن توسيط الواو بين الله ورسوله، له حكم غير حكم قوله: "ومن يعصهما"، ولو كانت الواو لمطلق الجمع لم يكن بين العبارتين فرق. وقد قدَّمنا الكلام على علة هذا النهي عند الكلام على حديث ابن مسعود في باب اشتمال الخطبة على حمد الله [من أبواب الجمعة (١)] (٢)، هذا ما ظهر في بيان وجه استدلال المصنِّف بحديثي المشيئة وحديث الخطبة. ويمكن أن يكون مراد المصنِّف بإيراد الأحاديث المذكورة مجرَّد التنظير لا الاستدلال، وقد قدمنا: أن الطلاق المتعدِّد سواءٌ كان بلفظٍ واحدٍ، أو ألفاظٍ من غير فرق بين أن يكون العطف بثم أو بالواو أو بغيرهما يكون طلقةً واحدةً، سواءٌ كانت الزوجةُ مدخولة أو غير مدخولة. وأورد حديث أبي هريرة للاستدلال به على أن من طلق زوجته بقلبه ولم يلفظ بلسانه لم يكن لذلك حكم الطلاق. لأنَّ خطرات القلب مغفورةٌ للعباد إذا كانت فيما فيه ذنب، فكذلك لا يلزم حكمًا في الأمور المباحة، فلا يكون حكم خطور الطلاق بالقلب أو إرادته حكم التلفظ به، وهكذا سائر الإنشاءات. قال الترمذي (٣) بعد إخراج هذا الحديث ما لفظه: والعمل على هذا عند أهل العلم، أن الرجل إذا حدَّث نفسه بالطلاق لم يكن شيء حتى يتكلم به، انتهى. وحكى في البحر (٤) عن عكرمة أنه يقع بمجرد النية. * * *

стр. 5910

[الكتاب الثلاثون] كتاب الخُلْعِ (١) ١/ ٢٨٧٧ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جاءَتِ امْرَأَةُ ثابتِ بْنِ قَيْسٍ بن شَمّاسٍ إلى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَتْ: يا رَسُولَ الله إني ما أعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَترُدّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ "، قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اقْبَل الحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً"، رَوَاهُ الْبُخارِيُّ (٢) وَالنّسائي) (٣). [صحيح] ٢/ ٢٨٧٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أن جَمِيلَةَ بِنْتَ سَلُول أتَتِ النّبِيّ ﷺ فَقَالَتْ: وَالله مَا أعْتِب على ثابِتٍ فِي دِينٍ وَلَا خُلُقٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ، لا أُطِيقُهُ بغضًا، فَقَالَ لَهَا النّبِيّ ﷺ : "أَتَردّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ "، قَالَتْ: نَعَمْ، فأمَرَهُ [رَسُولُ الله] (٤) ﷺ أنْ يَأخُذَ مِنْهَا حَدِيقَتَهُ وَلَا يَزْدَادَ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) (٥). [صحيح] ٣/ ٢٨٧٩ - (وَعَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوّذٍ: أن ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ضَرَبَ امْرَأَتَهُ فَكَسَرَ يَدَهَا وَهِيَ جَمِيَلَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ، فَأتى أَخُوهَا يَشْتَكِيهِ إلى

стр. 5911

رَسُولِ الله ﷺ ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ الله ﷺ إلى ثَابِتٍ، فَقَالَ لَهُ: "خُذِ الَّذِي لَهَا عَلَيْكَ وَخَلّ سَبِيلَهَا؟ "، قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ الله ﷺ أنْ تتَرَبَّصَ حَيْضَةً وَاحِدَةً وَتَلْحَقَ بِأهْلِهَا. رَوَاهُ النّسائيُّ) (١). [صحيح] ٤/ ٢٨٨٠ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أن امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا، فأمَرَهَا النّبِيّ ﷺ أنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٢) وَالتِّرْمِذِيُّ (٣) وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيب). [صحيح] ٥/ ٢٨٨١ - (وَعَنِ الربَيعِ بِنْتِ مُعَوّذٍ: أنَّهَا اخْتَلَعَتْ على عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، فأمَرَها النّبِيُّ ﷺ أوْ أُمِرَتْ أنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٤) وَقَالَ: حَدِيثُ الرُّبَيِّعِ الصَّحِيحِ أنَّهَا أُمِرَتْ أنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ). [صحيح] ٦/ ٢٨٨٢ - (وَعَنْ أبي الزُّبَيْرِ: أن ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ كانَتْ عِنْدَهُ بِنْتُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيّ بْنِ سَلُول، وَكَانَ أصْدَقَها حَدِيقَةً، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : "أترُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ الَّتِي أعْطَاكِ؟ "، قَالَتْ: نَعَمْ وَزِيَادَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَمّا الزّيَادَةُ فَلَا وَلَكِنْ حَدِيقَتَهُ؟ "، قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخَذَهَا لَهُ وَخَلَّى سَبِيلَهَا؛ فَلَما بَلَغَ ذَلِكَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ قَالَ: قَدْ قَبِلْتُ قَضَاءَ رَسُولِ الله ﷺ . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي (٥) بإسْنَادٍ صَحِيحٍ وَقَالَ: سَمِعَهُ أَبُو الزّبَيْرِ مِنْ غَيْر وَاحِدٍ). [إسناده صحيح]

стр. 5912

حديث ابن عباس الثاني رواه ابن ماجه (١) من طريق أزْهَر بنُ مَرْوان، وهو صدوقٌ مستقيم الحديث، وبقية إسناده من رجال الصحيح. وقد أخرجه النسائي (٢) وأخرجه أيضًا البيهقي (٣). وحديث الربيع بنت معوّذ الأول إسناده في سنن النسائي (٤) هكذا: حدثنا أبو عليّ محمد بن يحيى المروزي، أخبرني شاذان بن عثمان أخو عبدان، حدثنا أبي، حدثنا عليُّ بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير، أخبرني محمد بن عبد الرحمن: أن الرُّبَيِّع بنت معوِّذ بن عفراء أخبرته: أن ثابت بن قيس، الحديث؛ ومحمد بن يحيى ثقة، وشاذان هو عبد العزيز بن عثمان بن جبلة، وهو من رجال الصحيح هو وأبوه، وكذلك علي بن المبارك ويحيى بن أبي كثير. وأمَّا محمَّد بن عبد الرحمن فقد، روى النسائيُّ عن جماعة من التابعين اسمهم محمد عبد الرحمن، وكلُّهم ثقاتٌ. فالحديث على هذا صحيح، وقد أخرجه أيضًا الطبراني (٥). وحديث ابن عباس الثالث قد ذكر أنه مرسل ورواه الترمذي (٦) مسندًا. وحديث الربيع الثاني أخرجه أيضًا النسائي (٧) وابن ماجه (٨) من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن الرُّبَيّع بنت معوِّذ، قالت: "اختلعت من زوجي، فذكرتْ قصةً وفيها: أن عثمان أمرها أن تعتدَّ حيضةً، قالت: وتبع عثمان في ذلك قضاء رسول الله ﷺ في امرأة ثابت بن قيس". وحديث أبي الزبير: أخرجه أيضًا البيهقي (٩) وإسناده قويّ مع كونه مرسلًا.

стр. 5913

قوله: (كتاب الخلع)، [الخُلْعُ] (١) بضم الخاء المعجمة وسكون اللام هو في اللغة (٢): فراق الزوجة على مالٍ؛ مأخوذٌ من خلع الثوب، لأنَّ المرأة لباس الرجل معنًى. وأجمع العلماء (٣) على مشروعيته إلا بكر بن عبد الله المزني (٤) التابعي فإنه قال: لا يحلّ للزوج أن يأخذ من امرأته في مقابل فراقها شيئًا لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (٥)، وأورد عليه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٦) فادّعى نسخها بآية النساء، روى ذلك ابن أبي شيبة (٧). وتعقب بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ (٨)، وبقوله فيهما: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ [يصلحا] (٩)﴾ (١٠) الآية، وبأحاديث الباب، وكأنها لم تبلغه. وقد انعقد الإجماع بعده على اعتباره، وأنَّ آية النساء مخصوصةً بآية البقرة، وبآيتي النساء الآخرتين. وهو في الشرع (١١): فراق الرجل زوجته ببدل يحصل له. قوله: (امرأة ثابت بن قيس) وقع في رواية ابن عباس: والرُّبيِّع: أن اسمها جميلة، ووقع في روايةٍ لأبي الزبير: أن اسمها زينب، والرواية الأولى أصحُّ

стр. 5914

لإسنادها وثبوتها من طريقين. وبذلك جزم الدمياطي (١). وأما ما وقع في حديث ابن عباس المذكور: أنَّها بنت سلول، وفي حديث الرُّبَيِّع وأبي الزبير المذكورين: أنها بنت عبد الله بن أُبي بن سلول، ووقع في رواية للبخاري (٢) أنَّها بنت أُبيّ، فقيل: إنها أخت عبد الله، كما صرَّح ابن الأثير (٣) وتبعه النووي (٤) وجزما بأن قول من قال: إنها بنت عبد الله وَهْمٌ، وجمع بعضهم باتحاد اسم المرأة وعمتها، وأنَّ ثابتًا خالع الثنتين واحدةً بعد أخرى. قال الحافظ (٥): ولا يخفى بُعْدُه، ولا سيما مع اتحاد المخرِّج، وقد كثرت نسبة الشخص إلى جدّه إذا كان مشهورًا، والأصل عدم التعدد حتى يثبت صريحًا. ووقع في حديث الرُّبَيِّع عند النسائي (٦) وابن ماجه (٧) أن اسمها مريم وإسناده جيد. قال البيهقي (٨): اضطرب الحديث في تسمية امرأة ثابت، ويمكن أن يكون الخلع تعدّد من ثابت، انتهى. وروى مالك في الموطأ (٩) عن حبيبة بنت سَهل: "أنَّها كانت تحتَ ثابِتِ بن

стр. 5915

قيسِ بن شَمَّاسٍ، وأن رسولَ اللهِ ﷺ خرجَ إلى صلاة الصبح فوجدها عند بابه فقال: من هذه؟ قالت: أنا حبيبة بنت سهل. قال: ما شأنك؟ قالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس، الحديث وأخرجه أيضًا أصحاب السنن (١) وصححه ابن خزيمة (٢)، وابن حبان (٣) من هذا الوجه. وأخرجه أبو داود (٤) من حديث عائشة أن حبيبة بنت سهل كانت عند ثابت. وأخرج البزار (٥) من حديث ابن عمر نحوه. قال ابن عبد البر (٦): اختلف في امرأة ثابت بن قيس فذكر البصريون أنها جميلة بنت أُبيّ، وذكر المدنيون أنها حبيبة بنت سهل. قال الحافظ (٧): الذي يظهر لي أنهما قصتان وقعتا لامرأتين لشهرة الخبرين وصحة الطريقين واختلاف السياقين بخلاف ما وقع من الإختلاف في تسمية جميلة ونسبتها، فإن سياق قصتها متقارب فأمكن ردّ الإختلاف فيه إلى الوفاق"، انتهى. ووهم ابن الجوزي (٨) فقال: إنها سهلة بنت حبيب، وإنما هي حبيبة بنت سهل ولكنه انقلب عليه ذلك. قوله: (إني ما أعتُِب عليه) بضم الفوقية ويجوز كسرها، والعتب (٩) هو الخطاب بالإدلال. قوله: (في خُلُقٍ) بضم الخاء المعجمة واللام ويجوز إسكانها: أي لا أريد مفارقته لسوء خلقه ولا لنقصان دينه. قوله: (ولكني أكره الكفر في الإسلام) أي: كفران العشير والتقصير فيما

стр. 5916

يجب له بسبب شدّة البغض له، ويمكن أن يكون مرادها: أن شدّة كراهتها له قد تحملها على إظهار الكفر لينفسخ نكاحها منه. ووقع في الرواية الثانية: "لا أطيقه بغضًا"، وظاهر هذا مع قولها: "ما أعتب عليه في خلق ولا دين" أنه لم يصنع بها شيئًا يقتضي الشكوى منه. ويعارضه ما وقع في حديث الرُّبَيِّع المذكور (١): "أنَّه ضربها فكسر يدها". وأجيب: بأنَّه لم تشكه لذلك، بل لسبب آخر، وهو البغض، أو قبح الخلقة، كما وقع عند ابن ماجه (٢) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وعند عبد الرزاق (٣) من حديث ابن عباس. قوله: (حديقته) الحديقة: البستان. قوله: (اقبل الحديقة) قال في الفتح (٤): هو أمر إرشاد وإصلاح لا إيجاب. ولم يذكر ما يدلُّ على صرف الأمر عن حقيقته، وفي ذلك دليل: على أنَّه يجوز للرجل أخذ العوض من المرأة إذا كرهت البقاء معه. وقال أبو قلابة (٥)، ومحمد بن سيرين (٦): إنه لا يجوز له أخذ الفدية منها إلا أن يرى على بطنها رجلًا، روى ذلك عنهما ابن أبي شيبة (٧) واستدلا بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٨) مع قوله [تعالى] (٩): ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١٠).

стр. 5917

وتُعقب بأنَّ آية البقرة فسَّرت المراد بالفاحشة. وأحاديث الباب الصحيحة من أعظم الأدلة على ذلك ولعلها لم تبلغهما. وحمل الحافظ (١) كلامهما على ما إذا كانت الكراهة من قبل الرجل فقط، ولا يخالف ذلك أحاديث الباب؛ لأن الكراهة فيها من قبل المرأة. وظاهر أحاديث الباب: أن مجرَّد وجود الشقاق من قبل المرأة كاف في جواز الخلع. واختار ابن المنذر (٢) أنه لا يجوز حتى يقع الشقاق منهما جميعًا وتمسك بظاهر الآية، وبذلك قال طاوس (٣) والشعبي (٤) وجماعة من التابعين (٥). وأجاب عن ذلك جماعة منهم الطبري (٦) بأن المراد أنها إذا لم تقم بحقوق الزوج كان ذلك مقتضيًا لبغض الزوج لها، فنسبت [المخافة] (٧) إليهما لذلك. ويؤيد عدم إعتبار ذلك من جهة الزوج أنه ﷺ لم يستفسر ثابتًا عن كراهته لها عند إعلانها بالكراهة له. قوله: (تتربص حيضة) استدلّ بذلك من قال: إن الخلع فسخ لا طلاق. وقد حكى ذلك في البحر (٨) عن ابن عباس، وعكرمة، والناصر في أحد قوليه وأحمد بن حنبل (٩) وطاوس، وإسحاق، وأبي ثور، وأحد قولي الشافعي (١٠) وابن المنذر (١١).

стр. 5918

وحكاه (١) غيره أيضًا عن الصادق والباقر، وداود (٢)، والإمام يحيى بن حمزة. وحكى في البحر (٣) أيضًا عن عليّ، وعمر، وعثمان، وابن مسعود، وزيد بن علي، والقاسمية وأبي حنيفة (٤) وأصحابه، وابن أبي ليلى، وأحد قولي الشافعي (٥) أنه طلاق بائن. ووجه الاستدلال بحديث ابن عباس (٦) وحديث الربيع (٧) أن الخلع لو كان طلاقًا لم يقتصر ﷺ الأمر بحيضة. وأيضًا لم يقع فيهما الأمر بالطلاق بل الأمر بتخلية السبيل. قال الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير: إنه بحث عن رجال الحديثين معًا فوجدهم ثقات. واحتجوا أيضًا لكونه فسخًا بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٨) ثم ذكر الافتداء ثم عقبه بقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٩) قالوا: ولو كان الافتداء طلاقًا، لكان الطلاق الذي لا تحلّ له فيه إلا بعد زوج هو الطلاق الرابع. وبحديث حبيبة بنت سهل عند مالك في الموطأ (١٠) إنها قالت للنبيّ ﷺ : "يا رسول الله كل ما أعطاني عندي، فقال النبيّ ﷺ لثابت: خذ منها، فأخذ وجلست في أهلها"، ولم يذكر فيه الطلاق ولا زاد على الفرقة. وأيضًا لا يصحّ جعل الخلع طلاقًا بائنًا ولا رجعيًا. أما الأوّل فلأنه خلاف الظاهر لأنها تطليقة واحدة. وأما الثاني فلأنه إهدار لمال المرأة الذي دفعته لحصول الفرقة.

стр. 5919

واحتجّ القائلون بأنه طلاق بما وقع في حديث ابن عباس (١) المذكور من أمره ﷺ لثابت بالطلاق. وأجيب بأنه ثبت من حديث المرأة صاحبة القصة عند أبي داود (٢) والنسائي (٣) ومالك في الموطأ (٤) بلفظ: "وخلّ سبيلها"، وصاحب القصة أعرف بها، وأيضًا ثبت بلفظ الأمر بتخلية السبيل من حديث الربيع (٥) وأبي الزبير (٦) كما ذكره المصنف. ومن حديث عائشة عند أبي داود (٧) بلفظ: "وفارقها"، وثبت من حديث الربيع أيضًا عند النسائي (٨) بلفظ: "وتلحق بأهلها"، ورواية الجماعة أرجح من رواية الواحد. وأيضًا قد روي عن ابن عباس هذا الحديث بدون ذكر الطلاق من طريقين كما في الباب (٩). وأيضًا ابن عباس من جملة القائلين بأنه فسخ، ويبعد منه أن يذهب إلى خلاف ما يرويه عن النبي ﷺ . وقد حكى ذلك عن ابن عباس ابن عبد البر (١٠) ولكنه ادّعى شذوذ ذلك عنه. قال: إذ لا يعرف أحد نقل عنه أنه فسخ وليس بطلاق إلا طاوس (١١). قال في الفتح (١٢): وفيه نظر لأن طاوسًا ثقة حافظ فقيه فلا يضرّ تفرّده،

стр. 5920

وقد تلقى العلماء ذلك بالقبول، ولا أعلم من ذكر الاختلاف في المسألة، إلا وجزم أن ابن عباس كان يراه فسخًا"، انتهى. وقال الخطابي في معالم السنن (١): إنّه احتجّ ابن عباس على أنَّه ليس بطلاق بقول الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٢)، انتهى. وأما الاحتجاج بقول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٣). فيجاب عنه (أوّلًا): بمنع اندراج الخلع تحت هذا العموم لما قرّرناه من كونه ليس بطلاق. (وثانيًا): بأنه لو سلمنا أنه طلاق لكان ذلك العموم مخصصًا بما ذكرنا من الأحاديث فيكون بعد ذلك التسليم طلاقًا عدَّته حيضةٌ. واحتجوا أيضًا على كونه طلاقًا: بأنّه قول أكثر أهل العلم كما حكى ذلك الترمذي (٤) فقال: قال أكثر أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ وغيرهم: إن عدّة المختلعة عدّة المطلقة، انتهى. ويجاب بأن ذلك مما لا يكون حجة في مقام النزاع بالإجماع لما تقرّر أن الأدلة الشرعية إما الكتاب أو السنة أو القياس أو الإجماع على خلاف في الأخيرين. وأيضًا قد عارض حكاية الترمذي (٤) حكاية ابن القيم (٥) فإنه قال: لا يصحّ عن صحابي أنه طلاق البتة. قال ابن القيم (٦) أيضًا: والذي يدلّ على أنه ليس بطلاق أنه تعالى رتب على الطلاق بعد الدخول ثلاثة أحكام كلها منتفية عن الخلع: (أحدها): أن الزوج أحقّ بالرجعة فيه.

стр. 5921

(الثاني): أنه محسوب من الثلاث فلا تحلّ بعد استيفاء العدد إلا بعد دخول زوج وإصابة. (الثالث): أن العدّة ثلاثة قروء، وقد ثبت بالنص والإجماع أنه لا رجعة في الخلع، انتهى. قال الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير في بحث (١) له: وقد استدلّ أصحابنا، يعني الزيدية (٢) على أنه طلاق بثلاثة أحاديث ثم ذكرها. وأجاب عنها بوجوهٍ، حاصلها: أنَّها مقطوعة الأسانيد، وأنها معارضةٌ بما هو أرجح، وأنَّ أهل الصحاح لم يذكروها. وإذا تقرّر لك رجحان كونه فسخًا، فاعلم أن القائلين به لا يشترطون فيه أن يكون للسنة، فيجوز عندهم أن يكون في حال الحيض، ويقول بوقوعه منهم من لم يقل بوقوع الطلاق البدعي لأنه لا يعدّ من جملة الطلاق الثلاث التي جعلها الله للأزواج. والدليل على عدم الاشتراط عدم استفصاله ﷺ كما في أحاديث الباب وغيرها؛ ويمكن أن يقال: إن ترك الاستفصال لسبق العلم به. وقد اشترط في الخلع نشوز الزوجة: الهادوية (٣). وقال داود (٤) والجمهور (٥): ليس بشرط، وهو الظاهر لأن المرأة اشترت الطلاق بمالها، فلذلك لم تحلّ فيه الرجعة على القول بأنه طلاق. قال العلامة محمد بن إبراهيم الوزير: إن الأمر المشترط فيه أن لا يقيما حدود الله، هو طيب المال للزوج لا الخلع، وهو الظاهر من السياق في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٦). قوله: (أما الزيادة فلا) استدلّ بذلك من قال: إنَّ العوض من الزوجة لا يكون إلا بمقدار ما دفع إليها الزوج لا بأكثر منه.

стр. 5922

ويؤيد ذلك ما عند ابن ماجه (١) والبيهقي (٢) من حديث ابن عباس: "أن النبيّ ﷺ أمره أن يأخذ منها ولا يزداد"، وفي رواية عبد الوهاب عن سعيد، قال أيوب: لا أحفظ فيه: "ولا يزداد"، وفي رواية الثوري: "وكره أن يأخذ منها أكثر مما أعطى"، ذكر ذلك كله البيهقي (٣). قال: ووصله الوليد بن مسلم عن ابن جريج عن ابن عباس. وقال أبو الشيخ: هو غير محفوظ، يعني: الصواب إرساله، وبما ذكرناه يعتضد مرسل أبي الزبير، ولا سيما وقد قال الدارقطني (٤): إنه سمعه أبو الزبير من غير واحد كما ذكره المصنف. قال الحافظ (٥): فإن كان فيهم صحابي فهو صحيح، وإلا فيعتضد بما ورد في معناه. وأخرج عبد الرزاق (٦) عن عليّ أنه قال: لا يأخذ منها فوق ما أعطاها. وعن طاوس (٧) وعطاء والزهري (٨) مثله، وهو قول أبي

стр. 5923

حنيفة (١) وأحمد (٢) وإسحاق والهادوية (٣). وعن ميمون بن مهران (٤): من أخذ أكثر مما أعطى لم يسرّح بإحسان. وأخرج عبد الرزاق (٥) بسند صحيح عن سعيد بن المسيّب؛ قال: ما أحبّ أن يأخذ منها ما أعطاها ليدع لها شيئًا. وذهب الجمهور (٦) إلى أنه يجوز للرجل أن يخالع المرأة بأكثر مما أعطاها. قال مالك (٧): [لم أر] (٨) أحدًا ممن يقتدى به يمنع ذلك، لكنه ليس من مكارم الأخلاق. وأخرج ابن سعد (٩) عن الربيع [قالت] (١٠): "كان بيني وبين ابن عمي كلام وكان زوجها، قالت: فقلت له: لك كل شيء وفارقني، قال: قد فعلت، فأخذ والله كل فراشي، فجئت عثمان وهو محصور، فقال: الشرط أملك، خذ كل شيء حتى عقاص رأسها". وفي البخاري (١١) عن عثمان: أنه أجاز الخلع دون عقاص رأسها. وروى البيهقي (١٢) عن أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: "كانت أختي تحت رجلٍ من الأنصار، فارتفعا إلى رسول الله ﷺ ، فقال لها: أتردّين حديقته؟ قالت: وأزيده، فخلعها، فردّت عليه حديقته وزادته".

стр. 5924

وهذا مع كون إسناده ضعيفًا ليس فيه حجة، لأنه ليس فيه أنه قرّرها ﷺ على دفع الزيادة، بل أمرها بردّ الحديقة فقط، ويمكن أن يقال: إن سكوته بعد قولها: "وأزيده" تقرير. ويؤيد الجواز قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١)، فإنَّه عامٌ للقليل والكثير، ولكنه لا يخفى أن الروايات المتضمنة للنهي عن الزيادة مخصصة لهذا العموم ومرجحة على تلك الرواية المتضمنة للتقرير لكثرة طرقها وكونها مقتضية للحصر وهو أرجح من الإباحة عند التعارض على ما ذهب إليه جماعة من أئمة الأصول. وأحاديث الباب قاضية بأنه يجوز الخلع إذا كان ثم سبب يقتضيه فيجمع بينهما وبين الأحاديث القاضية بالتحريم بحملها على ما إذا لم يكن ثم سبب يقتضيه. وقد أخرج أصحاب السنن (٢) وصححه ابن خزيمة (٣) وابن حبان (٤) من حديث ثوبان: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق فحرام عليها رائحة الجنة"، وفي بعض طرقه: "من غير ما بأس" وقد تقدم الحديث. وأخرج أحمد (٥) والنسائي (٦) من حديث أبي هريرة: "المختلعات هنّ المنافقات"، وهو من رواية الحسن عنه، وفي سماعه منه نظر.

стр. 5925

[الكتاب الحادي والثلاثون] كتاب الرَّجعة والإِباحةِ للزَّوج الأول ١/ ٢٨٨٣ - (عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ (١) الآيَةَ، وَذَلِكَ أن الرَّجُلَ كَانَ إِذَا طَلّق امْرَأَتَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا، وَإنْ طَلَّقَهَا ثَلاثًا فَنَسَخَ ذلكَ ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٢) الآيَةَ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٣) وَالنَّسائيُّ) (٤). [حسن] ٢/ ٢٨٨٤ - (وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كانَ النّاسُ وَالرَّجُلُ يُطَلّقُ امْرأَتَهُ مَا شَاءَ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَهِيَ امْرَأتُهُ إِذَا ارْتَجَعَهَا وَهِيَ فِي العِدَّةِ وَإِنْ طَلّقَهَا مِائَةَ مَرَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ حتّى قَالَ رَجُلٌ لامْرَأَتِهِ: وَالله لا أُطَلِّقُك فَتَبِيني مِنِّي، وَلَا آَوِيكِ أَبَدًا، قَالَتْ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أُطَلِّقُكِ، فَكُلّما هَمَّتْ عِدَّتُكِ أنْ تَنْقَضِيَ رَاجَعْتُكِ، فَذَهَبَتِ

стр. 5926

المَرْأَةُ حَتّى دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا فَسَكَتَتْ عَائِشَةُ حتّى جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فأخْبَرَتْهُ، فَسَكَتَ النّبِيُّ ﷺ حَتّى نَزَلَ القُرآنُ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١)، قَالَتْ عَائِشَةُ: فاسْتَأنَفَ النّاسُ الطّلاقَ مُسْتَقْبَلًا مَنْ كانَ طَلّقَ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ طَلّقَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٢). [ضعيف] وَرَوَاهُ أَيضًا (٣) عَنْ عُرْوَةَ مُرْسَلًا وَذَكَرَ أَنّهُ أصَحُّ). [ضعيف] حديث ابن عباس: في إسناده عليُّ بن الحسين بن واقد، وفيه مقال (٤). وحديث عائشة (٥) المرفوع من طريق قتيبة عن يعلى بن شبيب (٦) عن هشام بن عروة عن أبيه عنها. والموقوف (٧) من طريق أبي كريب عن عبد الله بن إدريس عن هشام بن عروة عن أبيه، ولم يذكر فيه عائشة؛ قال الترمذي (٨): وهذا أصحّ من حديث يعلى بن شيب. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ (٩)، فسَّره مجاهد (١٠) بالحيض والحمل. وأخرج الطبري (١١) عن طائفة أن المراد به: الحيض. وعن ابن جرير (١٢): الحمل. والمقصود من الآية أن أمر العدّة لما دار على الحيض والطهر والاطلاع

стр. 5927

على ذلك يقع من جهة النساء غالبًا جعلت المرأة مؤتمنة على ذلك. وقال إسماعيل القاضي (١): دلت الآية أن المرأة المعتدّة مؤتمنةٌ على رحمهما من الحمل والحيض إلا أن تأتي من ذلك بما يعرف به كذبها فيه. والمنسوخ من هذه الآية هو قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (٢)، فإنَّ ظاهره أن للرجل مراجعة المرأة مطلقًا سواءٌ طلَّقها ثلاثًا، أو أكثر، أو أقلَّ، فنسخ من ذلك مراجعة من طلقها زوجها ثلاثًا فأكثر؛ فإنَّه لا يحلُّ له مراجعتها بعد ذلك. وأمَّا إذا طلَّقها واحدةً رجعية، أو اثنتين كذلك، فهو أحقُّ برجعتها. قال في الفتح (٣): وقد أجمعوا على أنَّ الحرَّ إذا طلق الحرَّة بعد الدخول بها تطليقةً، أو تطليقتين فهو أحقُّ برجعتها؛ ولو كرهت المرأة ذلك، فإن لم يراجع حتى انقضت العدَّة فتصير أجنبيةً فلا تحلُّ له إلا بنكاح مستأنفٍ. واختلف السلف فيما يكون به الرجل مراجعًا؛ فقال الأوزاعي (٤): إذا جامعها فقد راجعها. ومثله روى أيضًا عن بعض التابعين، وبه قال مالك (٥) وإسحاق (٦): بشرط أن ينوي به الرجعة. وقال الكوفيون (٧)؛ كالأوزاعي وزادوا: ولو لمسها لشهوةٍ، أو نظر إلى فرجها لشهوةٍ. وقال الشافعي (٨): لا تكون الرجعة إلا بالكلام. وحجة الشافعي (٩) أن الطلاق يزيل النكاح، وإلى ذلك ذهب الإمام يحيى، والظاهر ما ذهب إليه الأوَّلون، لأن العدّة مدةَ خيارٍ، والاختيار يصحّ بالقول والفعل.

стр. 5928

وأيضًا ظاهر قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (١)، وقوله ﷺ : "مره فليراجعها" (٢)، [أنها] (٣) تجوز المراجعة بالفعل؛ لأنَّه لم يخصَّ قولًا من فعلٍ، ومن ادَّعى الاختصاص فعليه الدليل. وقد حكى في البحر (٤) عن العترة ومالك (٥) أن الرجعة بالوطء ومقدماته محظورةٌ وإن صحت، ثم قال: قلت: إنْ لم ينو به الرجعة فنعم لعزمه على قبيح، وإلا فلا لما مرّ. وقال أحمد بن حنبل: بل مباحٌ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ (٦) والرجعية زوجة بدليل صحة الإيلاء، انتهى. وحديث عائشة: فيه دليلٌ: على تحريم الضرار في الرجعة؛ لأنَّه منهي عنه بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾ (٧) والمنهي عنه فاسد فسادًا يرادف البطلان، ويدلُّ على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (٨) فكلُّ رجعة لا يراد بها الإصلاح ليست برجعةٍ شرعية. وقد دلَّ الحديثان المذكوران في الباب (٩) على أن الرجل كان يملكُ من الطلاق لزوجته في صدر الإسلام الثلاث وما فوقها إلى ما لا نهاية له، ثم نسخ الله الزيادة على الثلاث بالآية المذكورة. قوله: (من كان طلق) أي: لم يُعتدَّ من ذلك الوقت بما قد وقع منه من الطلاق، بل حكمه حكم من لم يطلِّق أصلًا، فيملك ثلاثًا كما يملكها من لم يقع منه شيءٌ من الطلاق. ٣/ ٢٨٨٥ - (وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يَقَعُ بِهَا وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى طَلَاقِها وَلَا على رَجْعَتِها، فَقَالَ: طَلّقْتَ لِغَيْرِ سُنَةٍ،

стр. 5929

وَرَاجَعْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ، أشْهِدْ على طَلَاقِهِا وَعلى رَجْعَتِها وَلَا تَعُدْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١) وابْنُ مَاجَهْ (٢) وَلَمْ يَقُلْ: "وَلَا تَعُدْ"). [صحيح] الأثر أخرجه أيضًا البيهقي (٣) والطبراني (٤) وزاد: و " [استغفر الله"] (٥). قال الحافظ في بلوغ المرام (٦): وسنده صحيح. وقد استدلَّ به من قال بوجوب الإشهاد على الرجعة. وقد ذهب إلى عدم وجوب الإشهاد في الرجعة: أبو حنيفة (٧) وأصحابه والقاسمية (٨) والشافعي (٩) في أحد قوليه. واستدلّ لهم في البحر (١٠) بحديث ابن عمر السالف، فإنَّ فيه أنه قال ﷺ : "مره فليراجعها" (١١) ولم يذكر الإشهاد. وقال مالك (١٢) والشافعي (١٣) والناصر (١٤): إنه يجب الإشهاد في الرجعة. واحتجّ في "نهاية المجتهد" (١٥) للقائلين بعدم الوجوب بالقياس على الأمور التي ينشئها الإنسان لنفسه فإنه لا يجب فيه الإشهاد.

стр. 5930

ومن الأدلة على عدم الوجوب أنه قد وقع الإجماع على عدم وجوب الإشهاد في الطلاق كما حكاه الموزعي في "تيسير البيان" (١)، والرجعة قرينته فلا يجب فيها كما لا يجب فيه. والاحتجاج بالأثر المذكور في الباب (٢) لا يصلح للاحتجاج لأنه قول صحابي في أمر من مسارح الاجتهاد، وما كان كذلك فليس بحجة لولا ما وقع من قوله: "طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة". وأما قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣)، فهو وارد عقب قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٤) الآية. وقد عرفت الإجماع على عدم وجوب الإشهاد على الطلاق، والقائلون بعدم الوجوب يقولون بالاستحباب. ٤/ ٢٨٨٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ امْرَأةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيّ إلى النَّبِيّ ﷺ فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلّقَنِي فَبتّ طَلاقِي، فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرحمنِ بْنِ الزَّبَيرِ، وإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هَدْبَةِ الثَّوْبِ، فَقَالَ: "أتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلى رِفَاعَةَ؟ لا، حتى تَذُوقي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ (٥)، لَكِنْ لِأبي دَاوُدَ مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ الزَّوْجَيْنِ). [صحيح] ٥/ ٢٨٨٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: [العُسَيْلَةُ هِيَ الجِماعُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٦)

стр. 5931

وَالنّسَائِيُّ) (١). [إسناده ضعيف] ٦/ ٢٨٨٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سُئِلَ نَبِيُّ الله ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَلاثًا ويَتَزَوَّجُهَا آخَرُ فَيُغْلِقُ البابَ ويُرْخِي السِّتْرَ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِهَا، هَلْ تَحِلُّ لِلأوَّلِ؟ قَالَ: "لا، حتّى يَذُوقَ العُسَيْلَةَ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢) وَالنسائيُّ (٣) وَقَالَ: قَالَ: "لَا تحِلُّ لِأوَّلِ حتّى يُجَامِعَها الآخَرُ"). [صحيح لغيره] حديث عائشة الثاني أخرجه أيضًا أبو نعيم في الحلية (٤)، قال الهيثمي (٥): فيه أبو عبد الملك: لم أعرفه (٦)، وبقية رجاله رجال الصحيح. وحديث ابن عمر (٧) هو من رواية سفيان الثوري، عن علقمة بن مَرْثَد عن رَزِين بن سليمان الأحمري عن ابن عمر.

стр. 5932

وروي أيضًا من طريق شعبة عن علقمة بن مَرْثَد عن سالم بن رَزِين عن سالم بن عبد الله عن سعيد بن المسيّب عن ابن عمر (١)، قال النسائي (٢): والطريق الأُولى أَوْلى بالصواب. قال الحافظ (٣): وإنما قال ذلك لأن الثوري أتقن وأحفظ من شعبة، وروايته أولى بالصواب من وجهين: (أحدهما): أن شيخ علقمة هو رزين بن سليمان، كما قال الثوري لا سالم بن رزين كما قال شعبة، فقد رواه جماعة عن شعبة كذلك منهم غيلان بن جامع أحد الثقات. (ثانيهما): أن الحديث لو كان عند سعيد بن المسيّب عن ابن عمر مرفوعًا لم يخالفه سعيد ويقول بغيره كما سيأتي. وفي الباب عن عائشة غير حديث الباب عند أبي داود (٤) بنحو حديث ابن عمر. وعن ابن عباس نحوه عند النسائي (٥). وعن أبي هريرة عند الطبراني (٦) وابن أبي شيبة (٧) بنحوه. وعن أنس عند الطبراني (٨) أيضًا والبيهقي (٩) بنحوه أيضًا.

стр. 5933

وعن عائشة أيضًا حديث آخر عند الطبراني (١) بإسناد رجاله ثقات: "أن عمرو بن حزم طلق الغميصاء، فنكحها رجل فطلقها قبل أن يمسها، فسألت النبي ﷺ ، فقال: لا حتى يذوق الآخر عسيلتها وتذوق عسيلته". قوله: (امرأة رفاعة القرظي) قيل: اسمها تميمة، وقيل: سهيمة، وقيل: أميمة. والقرظي - بضم القاف وفتح الراء والظاء المعجمة - نسبة إلى بني قريظة. قوله: (عبد الرحمن بن الزبير) بفتح الزاي من الزَّبيرِ. قوله: (هَدْبَةِ الثوب) (٢) بفتح الهاء وسكون المهملة بعدها باء موحدة مفتوحة: هي طرف الثوب الذي لم ينسج، مأخوذ من هدب العين: وهو شعر الجفن، هكذا في الفتح (٣). وفي القاموس (٤): الهُدب بالضم، وبضمتين: شعر أشفار العين، وخملُ الثَّوبِ، واحدتهما بهاء، وكذا في "مجمع البحار" (٥) نقلًا عن النووي (٦) أنها بضم هاء وسكون دال، وأرادت: أن ذَكَرَهُ يشبه الهدبة في الاسترخاء وعدم الانتشار. واستدلَّ به: على أن وطء الزوج الثاني لا يكون محلِّلًا ارتجاع الزوج الأوّل للمرأة إلا إن كان حال وطئه منتشرًا، فلو لم يكن كذلك، أو كان عنِّيْنًا، أو طفلًا لم يَكْفِ على الأصحِّ من قولي أهل العلم. قوله: (حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) العسيلة مصغرة في الموضعين. واختلف في تَوجيهه، فقيل: هو تصغير العسل، لأنَّ العسل مؤنثٌ، جزم بذلك القزاز (٧). قال: وأحسب التذكير لغةً.

стр. 5934

وقال الأزهري (١): يذكّر ويؤنّث. وقيل (٢): لأنَّ العرب إذا حقرت الشيء أدخلت فيه هاء التأنيث. وقيل (٣): المراد: قطعة من العسل، والتصغير للتقليل إشارةً إلى أن القدر القليل كافٍ في تحصيل ذلك؛ بأن يقع تغييب الحشفة في الفرج. وقيل (٤): معنى العسيلة: النطفة، وهذا يوافق قول الحسن البصري (٥). وقال جمهور العلماء (٦): ذوق العسيلة كناية عن الجماع، وهو تغييب حشفة الرجل في فرج المرأة. وحديث عائشة المذكور في الباب (٧) يدلُّ على ذلك، وزاد الحسن البصري (٥): حصول الإنزال. قال ابن بطال (٨): شذَّ الحسن في هذا وخالف سائر الفقهاء وقالوا: يكفي ما يوجب الحدُّ، ويحصن الشخص، ويوجب كمال الصَّداق، ويفسد الحجَّ والصوم. وقال [أبو عبيدة] (٩): العسيلة: لذّة الجماع، والعرب تسمي كل شيء تستلذه عسلًا. وأحاديث الباب تدلُّ على أنه لا بدَّ فيمن طلَّقها زوجها ثلاثًا ثم تزوَّجها زوج آخر؛ من الوطء؛ فلا تحل للأوّل إلا بعده. قال ابن المنذر (١٠): أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحلَّ للأول إلا سعيد بن المسيب ثم ساق بسنده الصحيح عنه ما يدلُّ على ذلك.

стр. 5935

قال ابن المنذر (١): وهذا القول لا نعلم أحدًا وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج، ولعله لم يبلغه الحديث فأخذ بظاهر القرآن. وقد نقل أبو جعفر النحاس في "معاني القرآن" (٢) وعبد الوهاب المالكي (٣) في "شرح الرسالة" عن سعيد بن جبير مثل قول سعيد بن المسيّب، وكذلك حكى ابن الجوزي عن داود (٤) أنه وافق في ذلك. قال القرطبي (٥): ويستفاد من الحديث على قول الجمهور: أن الحكم يتعلق بأقلِّ ما ينطلق عليه الاسم خلافًا لمن قال: لا بد من حصول جميعه، واستدل بإطلاق الذوق لهما على اشتراط علم الزوجين به حتى لو وطئها نائمة أو مغمى عليها لم يكف ذلك ولو أنزل هو، وبالغ ابن المنذر (٦) فنقله عن جميع الفقهاء. واستدل بأحاديث الباب على جواز رجوعها إلى زوجها الأوّل إذا حصل الجماع من الثاني ويعقبه الطلاق منه، لكن شرط المالكية ونقل عن عثمان وزيد بن ثابت أن لا يكون في ذلك مخادعة من الزوج الثاني ولا إرادة تحليلها للأوّل. وقال الأكثر (٧): إن شرط ذلك في العقد فسد وإلا فلا، وقد قدمنا الكلام على التحليل. ومما يستدلّ بأحاديث الباب عليه أنه لا حقّ للمرأة في الجماع، لأن هذه المرأة شكت أن زوجها لا يطؤها، وأن ذكره لا ينتشر، وأنه ليس معه ما يغني عنها، ولم يفسخ النبي ﷺ نكاحها، وفي ذلك خلاف معروف. * * *

стр. 5936

[الكتاب الثاني والثلاثون] كتاب الإِيلاء ١/ ٢٨٨٩ - (عَنِ الشَّعْبِيّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: آلى رَسُولُ الله ﷺ مِنْ نِسَائِهِ وَحَرَّمَ، فَجَعَلَ الحَرَامَ حَلالًا وَجَعَلَ فِي الْيَمِينِ الكَفّارَةَ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (١) وَالتِّرْمِذِيُّ (٢)، وَذَكَرَ أَنّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ الشّعْبِيّ مُرْسَلًا وَأنَّهُ أصَحُّ). [ضعيف] ٢/ ٢٨٩٠ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أشْهُرٍ يُوقَفُ حَتّى يُطَلِّقَ وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطّلاقُ حَتّى يُطَلِّقَ، يَعْنِي المُولي. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (٣). [صحيح] وَقَالَ: وَيُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ عثْمَانِ (٤). [موقوف ضعيف]

стр. 5937

وَعَلِيّ (١)، وأبي الدّرْدَاءِ (٢)، وَعَائِشَةَ (٣)، واثْنَي عَشَرَ رَجُلًا (٤) مِنْ أَصْحَابِ النّبِيِّ ﷺ . [موقوفات بأسانيد صحيحة] وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (٥) فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: قَالَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ، وَعَليُّ، وابْنُ عُمَرَ: يُوقَفُ المُولِي بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ، فَإمّا أنْ يَفِيءَ وَإِمّا أَنْ يُطَلِّقَ). ٣/ ٢٨٩١ - (وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: أدْرَكْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النّبِيّ ﷺ كُلُّهُمْ يَقِفُونَ المُولِي. رَوَاهُ الشّافِعيُّ (٦) وَالدَّارَقُطْنِي) (٧). [موقوف صحيح]

стр. 5938

٤/ ٢٨٩٢ - (وَعَنْ سُهَيْلِ بْنِ أبي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ أنّهُ قَالَ: سألْتُ اثْنَي عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النّبِيّ ﷺ عَنْ رَجُلٍ يُولِي، قَالُوا: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتّى تَمْضِي أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَيُوقَفُ، فإنْ فَاءَ وَإِلّا طَلّقَ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ) (١). [موقوف صحيح] حديث الشعبي قال الحافظ في الفتح (٢): رجاله موثقون ولكنه رجح الترمذي (٣) إرساله على وصله. وأثر عمر ذكره البخاري (٤) موصولًا من طريق إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه أبي بكر بن عبد الحميد بن أبي أويس. وأثر عثمان وصله الشافعي (٥) وابن أبي شيبة (٦) وعبد الرزاق (٧) بلفظ: "يوقف المولي فإما أن يفيء وإما أن يطلق"، وهو من رواية طاوس عنه، وفي سماعه منه (٨) نظر. [لكن أخرجه الإسماعيلي] (٩) من وجه آخر منقطع عنه أنه كان لا يرى الإيلاء شيئًا وإن مضت أربعة أشهر حتى يوقف.

стр. 5939

وأخرج عبد الرزاق (١) والدارقطني (٢) عنه خلاف ذلك، ولفظه: "قال عثمان: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة"، وقد رجح أحمد رواية طاوس عنه. وأثر عليّ وصله الشافعي (٣) وابن أبي شيبة (٤) وسنده صحيح، وكذلك روى عنه مالك (٥): "أنه إذا مضت الأربعة أشهر لم يقع عليه طلاق حتى يوقف، فإما أن يطلق وإما أن يفيء"، وهو منقطع لأنه من رواية جعفر بن محمد عن أبيه عنه. وأخرج نحوه عنه سعيد بن منصور (٦) بإسناد صحيح. وأثر أبي الدرداء وصله ابن أبي شيبة (٧) ولفظه: "إن أبا الدرداء قال: يوقف في الإيلاء عند انقضاء الأربعة، فإما أن يطلق وإما أن يفيء" وإسناده صحيح. وأثر عائشة وصله عبد الرزاق (٨) مثل قول أبي الدرداء وهو منقطع لأنه من رواية قتادة عنها، ولكنه أخرج عنها سعيد بن منصور (٩) أنها كانت لا ترى الإيلاء شيئًا حتى يوقف، وإسناده صحيح.

стр. 5940

وأخرج الشافعي (١) عنها نحوه بإسناد صحيح أيضًا. وأما الآثار الواردة عن اثني عشر رجلًا من أصحاب النبيّ ﷺ فأخرجها البخاري في التاريخ موصولة (٢). وأثر سليمان بن يسار أخرجه أيضًا إسماعيل القاضي (٣) من طريق يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار قال: "أدركت بضعة عشر رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: الإيلاء لا يكون طلاقًا حتى يوقف". وأثر سهيل بن أبي صالح إسناده في سنن الدارقطني هكذا: أخبرنا أبو بكر النيسابوري، أخبرنا أحمد بن منصور، أخبرنا ابن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب عند عبيد الله بن عمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه … فذكره، ويشهد له ما تقدم. وأخرج إسماعيل القاضي (٤) عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار قال: أدركنا الناس يقفون الإيلاء إذا مضت الأربعة. وفي الباب من المرفوع عن أنس عند البخاري (٥): "أن النبيّ ﷺ آلى من نسائه … " الحديث. وعن أمّ سلمة عند البخاري (٦) بنحوه. وعن ابن عباس [عنده] (٧): "أنه ﷺ أقسم أن لا يدخل عليهنّ شهرًا". وعن جابر عند مسلم (٨): "أنه ﷺ اعتزل نساءه شهرًا". قوله: (آلى) الإيلاء في اللغة: الحلف (٩). وفي الشرع (١٠): الحلف الواقع من الزوج أن لا يطأ زوجته.

стр. 5941

ومن أهل العلم (١) من قال: الإيلاء: الحلف على ترك كلامها، أو على أن يغيظها، أو يسوءها، أو نحو ذلك. ونقل عن الزهري (٢) أنه لا يكون الإيلاء إيلاءً إلا أن يحلف المرء بالله فيما يريد أن يضارّ به امرأته من اعتزالها، فإذا لم يقصد الإضرار لم يكن إيلاء. وروي عن عليّ (٣) وابن عباس والحسن (٤) وطائفة: أنه لا إيلاء إلا في غضب، فأما من حلف أن لا يطأها بسبب الخوف على الولد الذي يرضع منها من الغيلة فلا يكون إيلاء. وروي عن القاسم بن محمد (٥) وسالم فيمن قال لامرأته: إن كلمتك سنة فأنت طالق، قالا: إن مضت أربعة أشهر ولم يكلمها طلقت. وإن كلمها قبل سنة فهي طالق. وروي عن يزيد بن الأصمِّ أن ابن عباسٍ قال له: "ما فعلت امرأتك فعهدي بها سيئة الخلق فقال: لقد خرجت وما أكلمها، قال: أدركها قبل أن تمضي أربعة أشهر، فإن مضت فهي تطليقةٌ". قوله: (وحرم) في الصحيحين (٦) أن الذي حرمه رسول الله ﷺ على نفسه هو العسل. وقيل: تحريم مارية وسيأتي. وروى ابن مردويه من طريق عائشة ما يفيد الجمع بين الروايتين، وهكذا الخلاف في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٧) الآية. ومدَّة إيلائهِ ﷺ من نسائه [شهرٌ] (٨) كما ثبت في صحيح البخاري (٩). واختلف في سبب الإيلاء، فقيل: سببه الحديث الذي أفشته حفصة كما في صحيح البخاري (١٠) من حديث ابن عباس.

стр. 5942

واختلف أيضًا في ذلك الحديث الذي أفشته، وقد وردت في بيانه روايات مختلفة. وقد اختلف في مقدار مدَّة الإيلاء، فذهب الجمهور (١) إلى أنَّها أربعة أشهر فصاعدًا، قالوا: فإن حلف على أنقص منها لم يكن موليًا. وقال إسحاق (٢): إن حلف أن لا يطأها يومًا فصاعدًا، ثمَّ لم يطأها حتى مضت أربعة أشهر، كان إيلاءً، وجاء عن بعض التابعين (٣) مثله. وحكى صاحب البحر (٤) عن ابن مسعود (٥) وابن سيرين (٦) وابن أبي ليلى (٧) وقتادة (٨) والحسن البصري (٩) والنخعي (١٠) وحماد بن عيينة (١١): أنه ينعقد بدون أربعة أشهر، لأنَّ القصد مضارَّة الزوجة وهي حاصلةٌ في دونها. واحتجَّ الأوّلون بقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (١٢). وأجاب الآخرون عنها بأنَّ المراد بها المدّة التي تضرب للمولي، فإن فاء بعدها وإلا طلق حتمًا، لا أنه لا يصحّ الإيلاء دون هذه المدَّة. ويؤيد ما قالوه ما تقدَّم من إيلائه ﷺ من نسائه شهرًا، فإنه لو كان ما في

стр. 5943

القرآن بيانًا لمقدار المدة التي لا يجوز الإيلاء دونها لم يقع منه ﷺ ذلك. وأيضًا الأصل: أن من حلف على شيءٍ لزمه حكم اليمين، فالحالف من وطء زوجته يومًا أو يومين مول. وأخرج عبد الرزاق (١) عن عطاء: أن الرجل إذا حلف أن لا يقرب امرأته سمَّى أجلًا أو لم يسمِّه، فإن مضت أربعة أشهر ألزم حكم الإيلاء. وأخرج سعيد بن منصور (٢) عن الحسن البصري: أنه إذا قال لامرأته: والله لا أقربها الليلة، فتركها أربعة أشهر من أجل يمينه تلك فهو إيلاء. وأخرج الطبراني (٣) والبيهقي (٤) من حديث ابن عباس قال: كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين، فوقت [الله] (٥) لهم أربعة أشهر، فمن كان إيلاؤه أقلّ من أربعة أشهر فليس بإيلاء. قوله: (فإما أن يفيء) الفيء: الرجوع، قاله أبو عبيدة (٦) وإبراهيم النخعي في رواية الطبري (٧) عنه، قال: الفيء: الرجوع باللسان. ومثله عن أبي قلابة (٨) وعن سعيد بن المسيّب والحسن (٩) وعكرمة (٩): الفيء: الرجوع بالقلب لمن به مانع عن الجماع وفي غيره بالجماع. وحكى ذلك في البحر (١٠) عن العترة والفريقين.

стр. 5944

وحكاه صاحب الفتح (١) عن أصحاب ابن مسعود. وعن ابن عباس (٢): الفيء: الجماع. وحكى (٣) مثله عن مسروق (٤) وسعيد بن جبير (٥) والشعبي (٦). قال الطبري (٧): اختلافهم في هذا من اختلافهم في تعريف الإيلاء، فمن خصه بترك الجماع قال: لا يفيء إلا بفعل الجماع. ومن قال: الإيلاء: الحلف على ترك كلام المرأة أو على أن يغيظها أو يسوءها أو نحو ذلك لم يشترط في الفيء الجماع، بل رجوعه بفعل ما حلف أنه لا يفعله. قال في البحر (٨): فرع: ولفظ الفيء: ندمت على يميني ولو قدرت الآن لفعلت أو رجعت عن يميني ونحوه، انتهى. وقد ذهب الجمهور (٩) إلى أن الزوج لا يطالب بالفيء قبل مضيِّ الأربعة الأشهر. وقال ابن مسعود (١٠): وزيد بن ثابت (١٠) وابن أبي ليلى (١٠) والثوري (١٠) وأبو حنيفة (١١): إنه يطالب فيها لقراءة ابن مسعود (فإن فاؤوا فيهنَّ) قالوا: وإذا جاز الفيء جاز الطلب إذ هو تابع. ويجاب بمنع الملازمة وبنصّ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (١٢)،
следующие страницы →