← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 5940–5979 · переход к 5945.

стр. 5940

وأخرج الشافعي (١) عنها نحوه بإسناد صحيح أيضًا. وأما الآثار الواردة عن اثني عشر رجلًا من أصحاب النبيّ ﷺ فأخرجها البخاري في التاريخ موصولة (٢). وأثر سليمان بن يسار أخرجه أيضًا إسماعيل القاضي (٣) من طريق يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار قال: "أدركت بضعة عشر رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: الإيلاء لا يكون طلاقًا حتى يوقف". وأثر سهيل بن أبي صالح إسناده في سنن الدارقطني هكذا: أخبرنا أبو بكر النيسابوري، أخبرنا أحمد بن منصور، أخبرنا ابن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب عند عبيد الله بن عمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه … فذكره، ويشهد له ما تقدم. وأخرج إسماعيل القاضي (٤) عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار قال: أدركنا الناس يقفون الإيلاء إذا مضت الأربعة. وفي الباب من المرفوع عن أنس عند البخاري (٥): "أن النبيّ ﷺ آلى من نسائه … " الحديث. وعن أمّ سلمة عند البخاري (٦) بنحوه. وعن ابن عباس [عنده] (٧): "أنه ﷺ أقسم أن لا يدخل عليهنّ شهرًا". وعن جابر عند مسلم (٨): "أنه ﷺ اعتزل نساءه شهرًا". قوله: (آلى) الإيلاء في اللغة: الحلف (٩). وفي الشرع (١٠): الحلف الواقع من الزوج أن لا يطأ زوجته.

стр. 5941

ومن أهل العلم (١) من قال: الإيلاء: الحلف على ترك كلامها، أو على أن يغيظها، أو يسوءها، أو نحو ذلك. ونقل عن الزهري (٢) أنه لا يكون الإيلاء إيلاءً إلا أن يحلف المرء بالله فيما يريد أن يضارّ به امرأته من اعتزالها، فإذا لم يقصد الإضرار لم يكن إيلاء. وروي عن عليّ (٣) وابن عباس والحسن (٤) وطائفة: أنه لا إيلاء إلا في غضب، فأما من حلف أن لا يطأها بسبب الخوف على الولد الذي يرضع منها من الغيلة فلا يكون إيلاء. وروي عن القاسم بن محمد (٥) وسالم فيمن قال لامرأته: إن كلمتك سنة فأنت طالق، قالا: إن مضت أربعة أشهر ولم يكلمها طلقت. وإن كلمها قبل سنة فهي طالق. وروي عن يزيد بن الأصمِّ أن ابن عباسٍ قال له: "ما فعلت امرأتك فعهدي بها سيئة الخلق فقال: لقد خرجت وما أكلمها، قال: أدركها قبل أن تمضي أربعة أشهر، فإن مضت فهي تطليقةٌ". قوله: (وحرم) في الصحيحين (٦) أن الذي حرمه رسول الله ﷺ على نفسه هو العسل. وقيل: تحريم مارية وسيأتي. وروى ابن مردويه من طريق عائشة ما يفيد الجمع بين الروايتين، وهكذا الخلاف في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٧) الآية. ومدَّة إيلائهِ ﷺ من نسائه [شهرٌ] (٨) كما ثبت في صحيح البخاري (٩). واختلف في سبب الإيلاء، فقيل: سببه الحديث الذي أفشته حفصة كما في صحيح البخاري (١٠) من حديث ابن عباس.

стр. 5942

واختلف أيضًا في ذلك الحديث الذي أفشته، وقد وردت في بيانه روايات مختلفة. وقد اختلف في مقدار مدَّة الإيلاء، فذهب الجمهور (١) إلى أنَّها أربعة أشهر فصاعدًا، قالوا: فإن حلف على أنقص منها لم يكن موليًا. وقال إسحاق (٢): إن حلف أن لا يطأها يومًا فصاعدًا، ثمَّ لم يطأها حتى مضت أربعة أشهر، كان إيلاءً، وجاء عن بعض التابعين (٣) مثله. وحكى صاحب البحر (٤) عن ابن مسعود (٥) وابن سيرين (٦) وابن أبي ليلى (٧) وقتادة (٨) والحسن البصري (٩) والنخعي (١٠) وحماد بن عيينة (١١): أنه ينعقد بدون أربعة أشهر، لأنَّ القصد مضارَّة الزوجة وهي حاصلةٌ في دونها. واحتجَّ الأوّلون بقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (١٢). وأجاب الآخرون عنها بأنَّ المراد بها المدّة التي تضرب للمولي، فإن فاء بعدها وإلا طلق حتمًا، لا أنه لا يصحّ الإيلاء دون هذه المدَّة. ويؤيد ما قالوه ما تقدَّم من إيلائه ﷺ من نسائه شهرًا، فإنه لو كان ما في

стр. 5943

القرآن بيانًا لمقدار المدة التي لا يجوز الإيلاء دونها لم يقع منه ﷺ ذلك. وأيضًا الأصل: أن من حلف على شيءٍ لزمه حكم اليمين، فالحالف من وطء زوجته يومًا أو يومين مول. وأخرج عبد الرزاق (١) عن عطاء: أن الرجل إذا حلف أن لا يقرب امرأته سمَّى أجلًا أو لم يسمِّه، فإن مضت أربعة أشهر ألزم حكم الإيلاء. وأخرج سعيد بن منصور (٢) عن الحسن البصري: أنه إذا قال لامرأته: والله لا أقربها الليلة، فتركها أربعة أشهر من أجل يمينه تلك فهو إيلاء. وأخرج الطبراني (٣) والبيهقي (٤) من حديث ابن عباس قال: كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين، فوقت [الله] (٥) لهم أربعة أشهر، فمن كان إيلاؤه أقلّ من أربعة أشهر فليس بإيلاء. قوله: (فإما أن يفيء) الفيء: الرجوع، قاله أبو عبيدة (٦) وإبراهيم النخعي في رواية الطبري (٧) عنه، قال: الفيء: الرجوع باللسان. ومثله عن أبي قلابة (٨) وعن سعيد بن المسيّب والحسن (٩) وعكرمة (٩): الفيء: الرجوع بالقلب لمن به مانع عن الجماع وفي غيره بالجماع. وحكى ذلك في البحر (١٠) عن العترة والفريقين.

стр. 5944

وحكاه صاحب الفتح (١) عن أصحاب ابن مسعود. وعن ابن عباس (٢): الفيء: الجماع. وحكى (٣) مثله عن مسروق (٤) وسعيد بن جبير (٥) والشعبي (٦). قال الطبري (٧): اختلافهم في هذا من اختلافهم في تعريف الإيلاء، فمن خصه بترك الجماع قال: لا يفيء إلا بفعل الجماع. ومن قال: الإيلاء: الحلف على ترك كلام المرأة أو على أن يغيظها أو يسوءها أو نحو ذلك لم يشترط في الفيء الجماع، بل رجوعه بفعل ما حلف أنه لا يفعله. قال في البحر (٨): فرع: ولفظ الفيء: ندمت على يميني ولو قدرت الآن لفعلت أو رجعت عن يميني ونحوه، انتهى. وقد ذهب الجمهور (٩) إلى أن الزوج لا يطالب بالفيء قبل مضيِّ الأربعة الأشهر. وقال ابن مسعود (١٠): وزيد بن ثابت (١٠) وابن أبي ليلى (١٠) والثوري (١٠) وأبو حنيفة (١١): إنه يطالب فيها لقراءة ابن مسعود (فإن فاؤوا فيهنَّ) قالوا: وإذا جاز الفيء جاز الطلب إذ هو تابع. ويجاب بمنع الملازمة وبنصّ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (١٢)،

стр. 5945

فإنَّ الله سبحانه شرع التربُّص هذه المدة، فلا يجوز مطالبة الزوج قبلها، واختياره للفيء قبلها إبطال لحقه من جهة نفسه فلا يبطل بإبطال غيره. وذهب الجمهور (١) إلى أن الطلاق الواقع من الزوج في الإيلاء يكون رجعيًا، وهكذا عند من قال: إن مضيّ المدة يكون طلاقًا وإن لم يطلق. وقد أخرج الطبري (٢) عن عليّ وابن مسعود وزيد بن ثابت أنها إذا مضت أربعة أشهر ولم يفيء طلقت طلقة بائنة. وأخرج (٣) أيضًا عن جماعة من التابعين من الكوفيين وغيرهم كابن الحنفية وقبيصة بن ذؤيب وعطاء والحسن وابن سيرين مثله. وأخرج (٤) أيضًا من طريق سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن وربيعة ومكحول والزهري والأوزاعي أنها تطلق طلقة رجعية. وأخرج سعيد بن منصور (٥) عن جابر بن زيد أنها تطلق بائنًا. وروى إسماعيل القاضي في أحكام القرآن (٦) بسند صحيح عن ابن عباس مثله، وأخرج ابن أبي شيبة (٧) عن ابن مسعود مثله. * * *

стр. 5946

[الكتاب الثالث والثلاثون] كتاب الظهار (١) [الباب الأول] [حديث سلمة بن صخر في كفارة الظهار] ١/ ٢٨٩٣ - (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ قَالَ: كُنْتُ امْرَأ قَدْ أُوتِيتُ مِنْ جِمَاعِ النِّساءِ ما لَمْ يُؤْتَ غَيْرِي، فَلَمّا دَخَلَ رَمَضَانُ ظاهَرْتُ من امْرَأَتِي حَتّى يَنْسَلِخَ رَمَضَانُ فَرَقًا مِنْ أنْ أُصِيبَ فِي لَيْلَتِي شَيْئًا فَأتَتايَعُ فِي ذلكَ إلى أنْ يُدْرِكَنِي النَّهارُ وأنا لا أقْدِرُ أنْ أنْزِعَ، فَبَيْنا هِيَ تَخْدُمُني مِنَ اللَّيْلِ إِذْ تَكَشَّفَ لِيّ مِنْهَا شَيْءٌ، فَوَثَبْتُ عَلَيْهَا؛ فَلَمّا أصْبَحْت غَدَوْتُ على قَوْمي فَأخْبَرْتُهُمْ خَبري وَقُلْتُ لَهُمْ: انْطَلِقُوا مَعِي إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فأخْبِرَهُ بأمْرِي، فَقالُوا: وَالله لا نَفْعَلُ نَتَخَوَّفُ أنْ يُنْزَلَ فِينَا قُرآنٌ أَوْ يَقُولَ فِينَا رَسُولُ الله ﷺ مَقَالَةً يَبْقَى عَلَيْنَا عَارُها، وَلَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ وَاصْنَعْ ما بَدَا لَكَ، فَخَرَجْتُ حتّى أَتَيْتُ النَّبِي ﷺ فأخْبَرْتُهُ خَبَرِي، فَقَالَ لِي: "أنْتَ بِذَاكَ؟ "، فَقُلْتُ: أنا بِذَاكَ، فَقَالَ: "أنْتَ بِذَاك؟ "، قُلْتُ: أنا بِذَاكَ، فَقَالَ: "أَنْتَ بِذَاكَ؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ ها أَنَا ذَا فَامْضِ فِيَّ حُكْمِ الله فأنا صَابِرٌ لَهُ،

стр. 5947

قَالَ: "أعْتِقْ رَقَبَةً"، فَضَرَبْتُ صَفْحَةَ رَقَبَتِي بِيَدِي وَقُلْتُ: لا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقّ ما أَصْبَحْتُ أمْلِكُ غَيْرَها، قَالَ: "فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُوَلَ اللهِ، وَهَلْ أصَابَنِي مَا أَصَابَنِي إلا فِي الصَّوْمِ؟ قَالَ: "فَتَصَدَّقْ"، قَالَ: قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقّ لَقَدْ بِتْنَا لَيْلَتَنَا وَحْشًا ما لَنَا عَشاءٌ، قالَ: "اذْهَبْ إلى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ فَقُلْ لَهُ فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْكَ فَأطْعِمْ عَنْكَ مِنْهَا وسْقًا مِنْ تَمْرٍ سِتِّينَ مِسْكِينًا، ثُمَّ اسْتَعِنْ بِسَائِرِهِ عَلَيْكَ وعلى عِيالكَ"، قَالَ: فَرَجَعْتُ إلى قَوْمِي فَقُلْتُ: وَجَدْتُ عِنْدَكُمُ الضِّيقَ وَسُوءَ الرَّأيِ، وَوَجَدْتُ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ السَّعَةَ وَالْبَرَكَةَ، وَقَدْ أَمَرَ لِي بِصَدَقَتِكُمْ فادْفَعُوها إليَّ، قَالَ: فَدَفَعُوهَا إلَيْه. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَأَبُو دَاوُدَ (٢) وَالتِّرْمِذِيّ (٣) وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ). [صحيح لغيره]

стр. 5948

الحديث أخرجه أيضًا الحاكم (١) وصححه ابن خزيمة (٢) وابن الجارود (٣). وقد أعلّه عبد الحق بالانقطاع وأن سليمان بن يسار لم يدرك سلمة. وقد حكى ذلك الترمذي (٤) عن البخاري، وفي إسناده أيضًا محمد بن إسحاق. قوله: (ظاهرت من امرأتي) الظهار بكسر الظاء المعجمة اشتقاقه من الظهر، وهو قول الرجل لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمِّي. قال في الفتح (٥): وإنما خصَّ الظهر بذلك دون سائر الأعضاء؛ لأنه محل

стр. 5949

الركوب غالبًا، ولذلك سمي المركوب ظهرًا فشبهت الزوجة بذلك لأنها مركوب الرجل. وقد ذهب الجمهور (١) إلى أن الظهار يختصَّ بالأمّ كما ورد في القرآن. وفي حديث خولة التي ظاهر منها أوس (٢)، فلو قال: كظهر أختي، مثلًا لم يكن ظهارًا، وكذا لو قال: كظهر أبي. وفي رواية عن أحمد (٣): أنَّه ظهارٌ، وطرده في كل من يحرم عليه وطؤه حتى في البهيمة. وحكى في البحر (٤) عن أبي حنيفة (٥) وأصحابه، والأوزاعي، والثوري، والحسن بن صالح (٦)، وزيد بن علي، والناصر، والإمام يحيى (٧)، والشافعي (٨) في أحد قوليه أنه يقاس المحارم على الأم ولو من رضاع، (إذ العلة التحريم المؤبد. وعن ابن القاسم من [أصحاب الشافعي] (٩): ولو من الرجال. وعن مالك (١٠) وأحمد (١١) والبتي (١٢) وغير المؤبد: فيصحّ بالأجنبيات. قوله: (فرقًا) بفتح الفاء والراء. قوله: (فأتتايع) بتاءين فوقيتين وبعد الألف ياء: وهو الوقوع في الشرّ. قوله: (فقال لي أنت بذاك)، لعلَّ هذا التكرير للمبالغة في الزجر، لا أنه

стр. 5950

شرط في إقرار المُظاهر، ومن ههنا يلوح: أنَّ مجرَّد الفعل لا يصحُّ الاستدلال به على الشرطية كما سيأتي في الإقرار بالزنا. قوله: (أعتق رقبة) ظاهره عدم إعتبار كونها مؤمنة، وبه قال عطاء، والنخعي، وزيد بن عليّ، وأبو حنيفة (١) وأبو يوسف. وقال مالك (٢) والشافعي (٣) وأكثر العترة (٤): لا يجوز ولا يجزي إعتاق الكافر لأنَّ هذا مطلق مقيد بما في كفارة القتل من اشتراط الإيمان. وأجيب: بأنَّ تقييد حكم بما في حكم آخر مخالف له لا يصحُّ، وتحقيق الحقّ في ذلك محرّر في الأصول، ولكنه يؤيد إعتبار الإسلام حديث معاوية بن الحكم السلمي، فإنه لما سأل النبي ﷺ عن إعتاق جاريته عن الرقبة التي عليه، قال لها: "أين الله؟ فقالت: في السماء، فقال: من أنا؟ فقالت: رسول الله، قال: فأعتقها فإنها مؤمنة" (٥)، ولم يستفصله عن الرقبة التي عليه وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، وظاهر إطلاق الرقبة أنها تجزي المعيبة. وقد حكاه في البحر (٦) عن أكثر العترة وداود (٧). وحكي عن المرتضى والفريقين ومالك (٨): أنها لا تجزي. قوله: (فصم شهرين) ظاهره أن حكم العبد حكم الحرّ في ذلك. وقد نقل ابن بطال (٩): الإجماع على أن العبد إذا ظاهر لزمه، وأن كفارته بالصيام شهران كالحرّ. واختلفوا في الإطعام والعتق، فقال الكوفيون (١٠)

стр. 5951

والشافعي والهادوية (١): لا يجزيه إلا الصيام فقط. وقال ابن القاسم (٢) عن مالك: إذا أطعم بإذن مولاه أجزأه. قال: وما ادّعاه ابن بطال من الإجماع مردود، فقد نقل الشيخ الموفق في المغني (٣) عن بعضهم أنه لا يصحّ ظهار العبد لأن الله تعالى قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٤)، والعبد لا يملك الرقاب. وتعقب بأن تحرير الرقبة إنما هو على من يجدها فكان كالمعسر ففرضه الصيام. وأخرج عبد الرزاق (٥) عن معمر عن قتادة عن إبراهيم أنه لو صام العبد شهرًا أجزأ عنه. قوله: (وحشًا) لفظ أبي داود: (وحشين). قال في النهاية (٦): يقال: رجل وحش بالسكون: إذا كان جائعًا لا طعام له. وقد أوحش: إذا جاع. قوله: (بني زريق) بتقديم الزاي على الراء. قوله: (ستين مسكينًا) فيه دليل: على أنَّه يجزي من لم يجد رقبة، ولم يقدر على الصيام لعلةٍ أن يطعم ستين مسكينًا. وقد حكى صاحب البحر (٧) الإجماع على ذلك. وحكى أيضًا (٨) الإجماع على أن الكفارة في الظهار واجبةٌ على الترتيب. وظاهر الحديث أنه لا بدّ من إطعام ستين مسكينًا، ولا يجزي إطعام دونهم، وإليه ذهب الشافعي (٩) ومالك (١٠) والهادوية (١١).

стр. 5952

وقال زيد بن عليّ (١)، وأبو حنيفة (٢) وأصحابه والناصر (٣): إنه يجزي إطعام واحد ستين يومًا. قوله: (فأطعم عنك منها وَسْقًا)، في رواية: "فأطعم عرقًا من تمر ستين مسكينًا" وسيأتي الإختلاف في العرق في حديث خولة. وقد أخذ بظاهر حديث الباب: الثوري (٤) وأبو حنيفة (٥) وأصحابه والهادوية (٦) والمؤيد (٦) بالله، فقالوا: الواجب لكل مسكينٍ صاعٌ من تمرٍ، أو ذرةٍ، أو شعيرٍ، أو زبيبٍ، أو نصف صاع من برّ. وقال الشافعي (٧): وهو مرويُّ عن أبي حنيفة (٨) أيضًا: إن الواجب لكل مسكين مد، وتمسكوا بالروايات التي فيها ذكر العرق (٩) وتقديره بخمسة عشر صاعًا [وسيأتي] (١٠)، واختلفت الرواية عن مالك (١١). وظاهر الحديث: أن الكفارة لا تسقط بالعجز عن جميع أنواعها لأنَّ النبيّ ﷺ أعانه بما يُكفِّر به بعد أن أخبره: أنَّه لا يجد رقبةً ولا يتمكَّن من إطعامٍ، ولا يطيق الصوم، وإليه ذهب الشافعي وأحمد في رواية عنه، وذهب قوم إلى السقوط، وذهب آخرون إلى التفصيل فقالوا: تسقط كفارة صوم رمضان لا غيرها من الكفارات. ٢/ ٢٨٩٤ - (وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ عَن النَّبِيّ ﷺ فِي الْمُظاهِرِ يُوَاقِعُ قَبْلَ أَنْ

стр. 5953

يُكَفِّرَ، قَالَ: "كفّارَةٌ وَاحِدَةٌ"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (١) وَالتِّرْمِذِيُّ) (٢). [صحيح لغيره] ٣/ ٢٨٩٥ - (وَعَنْ أَبْي سَلَمَةَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ: أن النَّبِيَّ ﷺ أعْطَاهُ مِكْتَلًا فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، فَقَالَ: "أَطْعِمْهُ سِتِّينَ مسْكِينًا، وَذلكَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٣)، وَللتِّرْمِذِيَ (٤) مَعْنَاهُ). [صحيح لغيره] ٤/ ٢٨٩٦ - (وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أن رَجُلًا أتى النَّبِيّ ﷺ قَدْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: يا رَسُولَ الله إني ظاهَرْتُ مِنِ امْرَأتي فَوَقَعْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ أنْ أُكَفِّرَ، فَقالَ: "ما حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ يَرْحَمُكَ الله؟ "، قَالَ: رأيْتُ خَلْخَالَهَا فِي ضَوْءِ القَمَرِ، قَالَ: "فَلَا تَقْرَبْها حَتّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ الله"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا أَحْمَدَ (٥) وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٦)، وَهُوَ حُجّةٌ فِي تَحْرِيمِ الوَطْءِ [قَبْلَ التَّكْفِيرِ] (٧) بِالْإِطْعَامِ وَغَيْرِهِ. وَرَوَاهُ أيْضًا النّسائيّ (٨) عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا وَقَالَ فِيهِ: "فَاعْتَزِلْهَا حَتّى تَقْضِيَ مَا عَلَيْكَ"، وَهُوَ حُجّةٌ فِي ثبوتِ كَفّارَةِ الظّهارِ فِي الذّمّةِ). [حسن] حديث سلمة الأوّل حسّنه الترمذي (٩)، وحديثه الثاني أخرجه أيضًا

стр. 5954

الحاكم (١) والبيهقي (٢) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وأبي سلمة بن عبد الرحمن: أن سلمة بن صخر البياضي … الحديث. وحديث ابن عباس أخرجه أيضًا الحاكم (٣) وصححه، قال الحافظ (٤): ورجاله ثقات. لكن أعله أبو حاتم والنسائي بالإرسال. وقال ابن حزم (٥): رواته ثقاتٌ ولا يضرُّه إرسال من أرسله. وأخرج البزار شاهدًا له من طريق خصيف عن عطاء عن ابن عباس: "أن رجلًا قال: يا رسول الله إني ظاهرت من امرأتي، فرأيت ساقها في القمر فواقعتها قبل أن أكفِّر، فقال: كَفِّرْ ولا تَعُدْ"، وقد بالغ أبو بكر بن العربي (٦) فقال: ليس في الظهار حديثٌ صحيحٌ. قوله: (قال كفارةٌ واحدةٌ) قال الترمذي (٧): والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم وهو قول سفيان الثوري (٨) ومالك (٩) والشافعي (١٠) وأحمد (١١) وإسحاق (١٢). وقال بعضهم: إذا واقعها قبل أن يكفْر فعليه كفارتان، وهو قول عبد الرحمن بن مهدي (١٣). قوله: (فلا تقربها حى تفعل ما أمرك الله)، فيه دليلٌ: على أنه يحرم على الزوج الوطء قبل التكفير، وهو إجماع وأنَّ الكفارة واجبةٌ عليه لا تسقط بالوطء قبل إخراجها.

стр. 5955

وروى سعيد بن منصور (١) عن الحسن وإبراهيم أنه يجب على من وطء قبل التكفير ثلاث كفارات. وذهب الزهري (٢) وسعيد بن جبير (٢)، وأبو يوسف، إلى سقوط الكفارة بالوطء، وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص (٢) أنه يجب عليه كفارتان، وهو قول عبد الرحمن بن مهدي كما سلف. وذهب الجمهور (٣) إلى أن الواجب كفارةٌ واحدةٌ مطلقًا، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم كما تقدم. واختلف في مقدمات الوطء هل تحرم مثل الوطء إذا أراد أن يفعل شيئًا منها قبل التكفير أم لا؟ فذهب الثوري (٤) والشافعي في أحد قوليه (٥) إلى أن المحرّم هو الوطء وحده لا المقدّمات. وذهب الجمهور (٦) إلى أنها تحرم كما يحرم الوطء، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٧)، وهو يصدق على الوطء ومقدماته. وأجاب من قال: بأنَّ حكم المقدمات مخالف لحكم الوطء: بأنَّ المسيس كنايةٌ عن الجماع، وقد قدَّمنا الكلام على ذلك في أبواب الوضوء. واعلم أنَّها تجب الكفارة بعد العود إجماعًا لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ (٨). واختلفوا هل العلة في وجوبها العود أو الظهار؟ فذهب إلى الأوّل ابن عباس وقتادة والحسن وأبو حنيفة (٩) وأصحابه والعترة (١٠).

стр. 5956

وذهب إلى الثاني مجاهد والثوري. وقال الزهري وطاوس ومالك (١) وأحمد بن حنبل (٢) وداود (٣) والشافعي (٤): بل العلة مجموعهما. وقال الإمام يحيى (٥): إنَّ العود شرط [كالإحصان] (٦) مع الزنا. واختلفوا في العود ما هو؟ قال قتادة (٧) وسعيد بن جبير (٨) وأبو حنيفة (٩) وأصحابه والعترة (١٠): إنه إرادة المسّ لما حرم بالظهار، لأنَّه إذا أراد فقد عاد عن عزم الترك إلى عزم الفعل، سواء فعل أم لا. وقال الشافعي (١١): بل هو إمساكها بعد الظهار وقتًا يسع الطلاق ولم يطلق، إذ تشبيهها بالأمّ يقتضي إبانتها، وإمساكها نقيضه. وقال مالك (١٢) وأحمد (١٣): بل هو العزم على الوطء فقط وإن لم يطأ. وقال الحسن البصري (١٤) وطاوس (١٥) والزهري (١٦): بل هو الوطء نفسه. وقال داود (١٧) وشعبة: بل إعادة لفظ الظهار. ٥/ ٢٨٩٧ - (وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَالَتْ: ظَاهَرَ مِنِّي أوْسُ بْنُ الصَّامِتِ، فَجِئْتُ رَسُولَ الله ﷺ أشْكُوا إِلَيْهِ وَرَسُولُ الله ﷺ يُجَادِلُنِي فِيهِ وَيَقُولُ: "اتَّقِي الله فَإنّهُ ابْنُ عَمِّكِ"، فَمَا بَرِحَ حَتّى نَزَلَ القُرآنُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ

стр. 5957

فِي زَوْجِهَا﴾ (١) إلى الفَرْضِ فَقَالَ: "يَعْتِقُ رَقَبَةً"، قَالَتْ: لَا يجِدُ، قَالَ: "فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ"، قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ ما بِهِ مِنْ صِيَامِ، قَالَ: "فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا"، قالَتْ: ما عِنْدَهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَصَدَّقُ بِهِ، قَالَ: "فَإِنِّي سأعينه بعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ"، قَالَتْ: يَا رَسولَ الله فإنّي سأُعِينُهُ بعَرَقٍ آخَرَ، قَالَ: "قَدْ أَحْسَنْتِ اذْهَبِي فَأطْعِمِي بِهِا عَنْهُ سَتِّينَ مِسْكِينًا وَارْجِعِي إلى ابْنِ عَمِّكِ"، وَالْعَرَقُ سِتُّونَ صَاعًا. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٢). وَلِأَحْمَدَ (٣) مَعْنَاهُ لَكِنّهُ لَمْ يَذْكُرْ قَدْرَ العَرَقِ وَقَالَ فِيهِ: "فَلْيُطْعِمْ سِتَينَ مسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ". [صحيح] وَلِأَبِي دَاوُدَ (٤) فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: وَالْعَرَقُ مِكْتَل يَسَعُ ثَلاثِينَ صَاعًا. [حسن دون قوله: "والعرق"] وَقَالَ: هَذَا أَصَحُّ. وَلَه (٥) عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَوْسٍ: أنّ النَّبِيّ ﷺ أعْطَاهُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ إطْعَامَ سِتِينَ مِسْكِينًا. وَهَذَا مُرْسَل. [صحيح] قَالَ أَبُو دَاوُدَ (٦): عَطاءٌ لَمْ يُدْرِكْ أوْسًا). حديث خولة سكت عنه أبو داود (٧) والمنذري (٨)، وفي إسناده محمد بن إسحاق، وسيأتي تمام الكلام على الإسناد.

стр. 5958

وأخرج ابن ماجه (١) والحاكم (٢) نحوه من حديث عائشة قالت: "تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليّ بعضه وهي تشتكي إلى رسول الله ﷺ … " فذكرت الحديث، وأصله في البخاري (٣) من هذا الوجه إلا أنه لم يسمها. وأخرج أيضًا أبو داود (٤) والحاكم (٥) عن عائشة من وجه آخر قالت: "كانت جميلة امرأة أوس بن الصامت وكان امرءًا به لمم، فإذا اشتدَّ لممه ظاهر من امرأته". وحديث أوس أعله أبو داود (٦) بالإرسال كما ذكر المصنف. قوله: (خولة بنت مالك) وقع في تفسير أبي حاتم: خولة بنت الصامت، قال الحافظ (٧): وهو وهم، والصواب: زوج ابن الصامت. ورجح غير واحد أنها خولة بنت [الصَّامت بن] (٨) ثعلبة. وروى الطبراني في الكبير (٩) والبيهقي (١٠) من حديث ابن عباسٍ: أنَّ المرأة خولةُ بنتُ خويلد، وفي إسناده أبو حمزة الثمالي وهو ضعيفٌ، وقال يوسف بن

стр. 5959

عبد الله بن سلام: إنها خويلة، وروي أنها بنت دليج، كذا في الكاشف (١)، وفي رواية عائشة المتقدمة أنها جميلة. قوله: (والعَرَقُ ستون صاعًا)، هذه الرواية تفرّد بها معمر بن عبد الله بن حنظلة، قال الذهبي (٢): لا يعرف، ووثقه ابن حبان، وفيها أيضًا محمد بن إسحاق وقد عنعن. والمشهور عرفًا أن العرق يسع خمسة عشر صاعًا كما روى ذلك الترمذي (٣) بإسناد صحيح من حديث سلمة نفسه. والكلام على ما يتعلق بحديث خولة من الفقه قد تقدم. [الباب الثاني] باب من حرم زوجته أو أَمته ٦/ ٢٨٩٨ - (عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: إذَا حَرَّم الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرها، وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٤)، مُتّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). [صحيح] وَفِي لَفْظٍ: أنّهُ أتاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إنّي جَعَلْتُ امْرأَتِي عَلَيَّ حَرَامًا، فَقَالَ: كَذَبْتَ، لَيْسَتْ عَلَيْكَ بِحَرَامٍ، ثُمَّ تَلا هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٦) عَلَيْكَ أغْلَظُ الكَفّارَةِ عِتْقُ رَقَبَةٍ. رَوَاهُ النّسائيُّ) (٧). [إسناده ضعيف] ٧/ ٢٨٩٩ - (وَعَنْ ثَابتٍ عَنْ أنَسٍ: أنّ رَسُولَ الله ﷺ كانَتْ لَهُ أَمَةٌ يَطَؤها، فَلَمْ تَزَلْ به عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ حتّى حَرَّمَها على نَفْسِهِ، فأنْزَلَ الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ … ﴾ (٦) إلى آخِرِ الآيَةِ. رَوَاهُ النّسائيُّ) (٨). [إسناده صحيح]

стр. 5960

الرواية الثانية من حديث ابن عباس أخرجها ابن مردويه من طريق سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عنه. وحديث أنس قال الحافظ (١): سنده صحيح وهو أصحُّ طرق سبب نزول الآية، وله شاهدٌ مرسلٌ عند الطبرانيِّ (٢) بسندٍ صحيحٍ عن زيد بن أسلم التابعي المشهور قال: "أصاب رسول الله ﷺ أمّ إبراهيم ولده في بيت بعض نسائه، فقالت: يا رسول الله في بيتي وعلى فراشي؟ فجعلها عليه حرامًا، فقالت: يا رسول الله كيف تحرّم عليك الحلال؟ فحلف لها بالله لا يصيبها، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٣) ". وفي الباب عن عائشة عند الترمذي (٤) وابن ماجه (٥) بسند رجاله ثقات قالت: "آلى النبي ﷺ من نسائه وحرم، فجعل الحرام حلالًا، وجعل في اليمين كفارةً"، وقد تقدم في كتاب الإيلاء (٦). وعن ابن عباس غير حديث الباب عند البيهقي (٧) بسند صحيح عن يوسف بن ماهك: "أنَّ أعرابيًا أتى ابن عباس فقال: إني جعلتُ امرأتي حرامًا، قال: ليست عليك بحرام، قال: أرأيت [قول الله] (٨) تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ (٩) الآية، فقال ابن عباس: إن إسرائيل كان به عرق الإنسي فجعل على نفسه إن شفاه الله أن لا يأكل العروق من كل شيءٍ، وليست بحرامٍ يعني على هذه الأمة". وقد اختلف العلماء فيمن حرَّم على نفسه شيئًا، فإن كانت الزوجة فقد

стр. 5961

اختلف فيه أيضًا على أقوال بلغها القرطبي (١) المفسر إلى ثمانية عشر قولًا. قال الحافظ (٢): وزد غيره عليها. وفي مذهب مالك (٣) فيها تفاصيل يطول استيفاؤها. قال القرطبي (٤): قال بعض علمائنا: سبب الاختلاف أنه لم يقع في القرآن صريحًا ولا في السنة نص ظاهر صحيح يعتمد عليه في حكم هذه المسألة، فتجاذبها العلماء، فمن تمسك بالبراءة قال: لا يلزمه شيء، ومن قال: إنها يمين، أخذ بظاهر قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٥) بعد قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٦)، ومن قال (٧): تجب الكفارة وليست بيمين بناه على أن معناه معنى اليمين فوقعت الكفارة على المعنى. ومن قال (٨): يقع به طلقةٌ رجعيةٌ حمل اللفظ على أقلِّ وجوهه الظاهرة وأقلُّ ما تحرم به المرأة طلقة ما لم يرتجعها.

стр. 5962

ومن (١) قال: بائنةٌ، فلاستمرار التحريم بها ما لم يجدِّد العقد. ومن قال (٢): ثلاثًا، حمل اللفظ على منتهى وجوهه. ومن قال (٣): ظهار، نظر إلى معنى التحريم وقطع النظر عن الطلاق فانحصر الأمر عنده في الظهار، انتهى. ومن المطولين للبحث في هذه المسألة الحافظ ابن القيم فإنه تكلم عليها في الهدي (٤) كلامًا طويلًا وذكر ثلاثة عشر مذهبًا أصولًا تفرّعت إلى عشرين مذهبًا، وذكر في كتابه المعروف بإعلام الموقعين (٥) خمسة عشر مذهبًا، وسنذكر ذلك على طريق الاختصار ونزيد عليه فوائد: (المذهب الأوّل): أنَّ قول القائل لامرأته: أنت عليَّ حرامٌ، لغوٌ وباطلٌ لا يترتب عليه شيءٌ، وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس، وبه قال مسروق وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء (٦) والشعبي، وداود وجميع أهل الظاهر (٧)، وأكثر أصحاب الحديث، وهو أحد قولي المالكية، واختاره أصبغ بن الفرج منهم (٨). واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ

стр. 5963

وَهَذَا حَرَامٌ﴾ (١)، وبقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٢)، وسبب نزول هذه الآية ما تقدم، وبالحديث الصحيح وهو قول ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ" (٣)، وقد تقدم (٤) في كتاب الصلاة. (القول الثاني): أنها ثلاث تطليقات، وهو قول عليّ (٥)، وزيد بن ثابت (٦)، وابن عمر (٧)، والحسن البصري (٨)، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٩). وحكاه في البحر (١٠) عن أبي هريرة، واعترض ابن القيم (١١) الرواية عن زيد بن ثابت وابن عمر وقال: الثابت عنهما ما رواه ابن حزم (١٢) أنهما قالا: عليه كفارة يمين ولم يصحّ عنهما خلاف ذلك. وروى ابن حزم (١٣) عن عليّ الوقف في ذلك. وعن الحسن (١٤) أنه قال: إنه يمين. واحتجّ أهل هذا القول بأنها لا تحرم

стр. 5964

عليه إلا بالثلاث فكان وقوع الثلاث من ضرورة كونها حرامًا. (الثالث): أنها بهذا القول حرام عليه. قال ابن حزم (١) وابن القيم في إعلام الموقعين (٢): صحّ عن أبي هريرة والحسن وخلاس بن عمرو وجابر بن زيد وقتادة قال: لم يذكر هؤلاء طلاقًا بل أمروه باجتنابها فقط. قال (٣): وصحّ أيضًا عن عليّ، فإما أن يكون عنه روايتان، أو يكون أراد تحريم الثلاث، وحُجّة هذا القول أن لفظة إنما اقتضى التحريم ولم يتعرّض لعدد الطلاق فحرّمت عليه بمقضى تحريمه. (الرابع): الوقف فيها. قال ابن القيم (٤): صح ذلك عن علي، وهو قول الشعبي، وحجة هذا القول أن التحريم ليس بطلاق، والزوج لا يملك تحريم الحلال، إنما يملك السبب الذي تحرم به وهو الطلاق، وهذا ليس بصريح في الطلاق ولا هو مما له عرف في الشرع في تحريم الزوجة فاشتبه الأمر فيه. (الخامس): إن نوى به الطلاق فهو طلاق، وإن لم ينوه كان يمينًا، وهو قول طاوس، والزهري، والشافعي (٥)، ورواية عن الحسن (٦)، وحكاه أيضًا في الفتح (٧) عن النخعي (٨) وإسحاق وابن مسعود (٩) وابن عمر. وحجة هذا القول أنه كناية في الطلاق فإن نواه كان طلاقًا، وإن لم ينوه

стр. 5965

كان يمينًا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (١) إلى قوله: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (١). (السادس): أنه إن نوى الثلاث فثلاث، وإن نوى واحدة فواحدة بائنة، وإن نوى يمينًا فهو يمين، وإن لم ينو شيئًا فهو كذبة لا شيء فيها، قاله سفيان (٢): وحكاه النخعي (٣) عن أصحابه، وحجة هذا القول أن اللفظ محتمل لما نواهُ من ذلك فتتبع نيته. (السابع): مثل هذا إلا أنه لم ينو شيئًا فهو يمين يكفرها وهو قول الأوزاعي (٤)، وحجة هذا القول ظاهر قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٥)، فإذا نوى به الطلاق لم يكن يمينًا، فإذا أطلق ولم ينو شيئًا كان يمينًا. (الثامن): مثل هذا أيضًا إلا أنه إن لم ينو شيئًا فواحدة بائنًا إعمالًا للفظ التحريم، هكذا في إعلام الموقعين (٦) ولم يحكه عن أحد. وقد حكاه ابن حزم (٧) عن إبراهيم النخعي. (التاسع): أن فيه كفارة ظهار، قال ابن القيم: صح عن ابن عباس (٨) وأبي قلابة (٩)، وسعيد بن جبير، ووهب بن منبه، وعثمان البتي، وهو إحدى الروايات عن (١٠) أحمد.

стр. 5966

وحجة هذا القول أن الله تعالى جعل التشبيه بمن تحرم عليه ظهارًا، فالتصريح منه بالتحريم أولى. قال ابن القيم (١): وهذا أَقْيَسُ الأقوال؛ ويؤيده أن الله تعالى لم يجعل للمكلف التحليل والتحريم، وإنما ذلك إليه تعالى، وإنما جعل له مباشرة الأقوال والأفعال التي يترتب عليها التحريم، فإذا قال: "أنت عليّ كظهر أمي" أو "أنت عليَّ حرام"، فقد قال المنكَر من القول والزور، وكذبَ على الله تعالى فإنه لم يجعلها عليه كظهر أمه، ولا جعلها عليه حرامًا، فقد أوجب بهذا القول المنكر والزور أغلظ الكفارتين وهي كفارة الظهار. (العاشر): أنَّها تطليقةٌ واحدةٌ وهو إحدى الروايتين عن عمر بن الخطاب (٢) وقول حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة (٣)، وحجة هذا القول أن تطليق التحريم لا يقتضي التحريم بالثلاث، بل يصدق باقله، والواحدة متيقنة فحمل اللفظ عليها. (الحادي عشر): أنّه ينوي ما أراد من ذلك في إرادة أصل الطلاق وعدده وإن نوى تحريمًا بغير طلاق فيمين مُكَفَّرة. قال ابن القيم (٤): وهو قول الشافعي (٥)، وحجة هذا القول: أن اللفظ صالح لذلك كله فلا يتعين واحدةٌ منها إلا بالنية. وقد تقدم: أن مذهب الشافعيِّ هو القول الخامس وهو الذي حكاه عنه في فتح الباري (٦)، بل حكاه عنه ابن القيم (٧) نفسه.

стр. 5967

(الثاني عشر): أنَّه ينوي أيضًا ما شاء من عدد الطلاق، إلا أنه إذا نوى واحدةً كانت بائنةً، وإن لم ينو شيئًا فإيلاءٌ، وإن نوى الكذب فليس بشيء، وهو قول أبي حنيفة (١) وأصحابه؛ هكذا قال ابن القيم (٢). وفي الفتح (٣) عن الحنفية أنه إذا نوى اثنتين فهي واحدة بائنة، وإن لم ينو طلاقًا فهو يمين ويصير موليًا. وفي روايةٍ عن أبي حنيفة: أنَّه إذا نوى الكذب دُيِّنَ ولم يقبل في الحكم ولا يكون مظاهرًا عنده، نواه أو لم ينوه، ولو صرح به فقال: أعني به الظهار، لم يكن مظاهرًا؛ وحجة هذا القول احتمال اللفظ. (الثالث عشر): أنَّه يمينٌ يُكفِّره ما يكفِّر اليمين على كل حال. قال ابن القيم (٤): صح ذلك عن أبي بكر (٥)، وعمر بن الخطاب (٦)، وابن عباس (٧)، وعائشة (٨)، وزيد بن ثابت (٩)، وابن مسعود (١٠)، وعبد الله بن عمر (٩)،

стр. 5968

وعكرمة (١)، وعطاء، وقتادة، والحسن، والشعبي، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وجابر بن زيد، وسعيد بن جبير، ونافع، والأوزاعي، وأبي ثور (٢)، وخلق سواهم. وحجة هذا القول ظاهر القرآن، فإن الله تعالى ذكر فرض تحلة الأيمان عقب تحريم الحلال، فلا بد أن يتناوله يقينًا. (الرابع عشر): أنه يمين مغلظة يتعين عتق رقبة. قال ابن القيم (٣): صح أيضًا عن ابن عباس (٤) وأبي بكر (٥)، وعمر (٦)، وابن مسعود (٧) وجماعة من التابعين. وحجة هذا القول أنّه لما كان يمينًا مغلظةً غلظت كفارتها. (الخامس عشر): أنَّه طلاق، ثم إنها إن كانت غير مدخول بها فهو ما نواه من الواحدة فما فوقها، وإن كانت مدخولًا بها فهو ثلاث، وإن نوى أقل منها وهو إحدى الروايتين عن مالك (٨)، ورواه في نهاية المجتهد عن علي وزيد بن ثابت.

стр. 5969

وحجة هذا القول أن اللفظ لمّا اقتضى التحريم وجب أن يترتب عليه حكمه، وغير المدخول بها تحرم بواحدة، والمدخول بها لا تحرم إلا بالثلاث. واعلم أنَّه قد رجَّح المذهب الأول من هذه المذاهب جماعةٌ من العلماء المتأخرين، وهذا المذهب هو الراجح عندي إذا أراد تحريم العين، وأما إذا أراد به الطلاق فليس في الأدلة ما يدل على امتناع وقوعه به، أما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ (١)، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ (٢). فنحن نقول بموجب ذلك: فمن أراد تحريم عين زوجته لم تحرم. وأمَّا من أراد طلاقها بذلك اللفظ فليس في الأدلة ما يدل على اختصاص الطلاق بألفاظٍ مخصوصةٍ، وعدم جوازه بما سواها، وليس في قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ (٣) ما يقضي بانحصار الفرقة في لفظ الطلاق. وقد ورد الإذن بما عداه من ألفاظ الفرقة؛ كقوله ﷺ لابنة الجون: "الحقي بأهلك" (٤)، قال ابن القيم (٥): وقد أوقع الصحابة الطلاق بـ: أنت حرام، وأمرك بيدك، واختاري، ووهبتك لأهلك، وأنت خلية وقد خلوت مني، وأنت برية وقد أبرأتك وأنت مبرأة، وحبلك على غاربك، انتهى. وأيضًا قال الله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٦)، وظاهره أنه لو قال: سرحتك؛ لكفى في إفادة معنى الطلاق. وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز التجوز لعلاقة مع قرينة في جميع الألفاظ إلا ما خص فما الدليل على امتناعه في باب الطلاق؟ وأما إذا حرم الرجل على نفسه شيئًا غير زوجته كالطعام والشراب، فظاهر الأدلة أنه لا يحرم عليه شيء من ذلك، لأن الله لم يجعل إليه تحريمًا ولا تحليلًا فيكون التحريم

стр. 5970

الواقع منه لغوًا، وقد ذهب إلى مثل هذا الشافعي (١)، وروي عن أحمد (٢) أن عليه كفارة يمين. * * *

стр. 5971

[الكتاب الرابع والثلاثون] كتاب اللعان [الباب الأول] [باب صيغ اللعان] ١/ ٢٩٠٠ - (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِها، فَفَرَّقَ رَسُولُ الله ﷺ بيْنَهُمَا وَألْحَقَ الْوَلَدَ بِالمَرْأَةِ. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ) (١). [صحيح] ٢/ ٢٩٠١ - (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنّهُ قَالَ لِعَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ: يا أَبَا عَبْدِ الرّحْمنِ، الْمُتَلَاعِنَانِ أيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: سُبْحَانَ الله، نَعَمْ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فُلانُ بْنُ فُلانٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ الله أرَأيْتَ لَوْ وَجَدَ أحَدُنَا امْرَأَتُهُ عَلى فَاحِشَةٍ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بأمْرٍ عَظِيمٍ، وَإنْ سَكَتَ سَكَتَ على مِثْلِ ذلكَ، قالَ: فَسَكَتَ النّبِيّ ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُ. فَلَمَّا كانَ بَعْدَ ذلكَ أتاه فَقَالَ: إنّ الّذِي سألْتُكَ عَنْهُ ابْتُلِيتُ بِهِ، فأنْزَلَ الله هَؤُلاءِ الآياتِ فِي سُورَةِ النّورِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (٢)، فَتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ وَوَعَظَهُ وَذَكّرَهُ وَأَخْبَرَهُ أن عَذَابَ الدُّنْيَا أهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ، فَقَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ دَعَاهَا فَوَعَظَهَا وأخْبَرَهَا أن عَذَابَ الدُّنْيَا أهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ، قَالَتْ: لا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقّ إنّهُ لَكاذِبٌ؛ فَبَدَأ بالرجُلِ فَشَهِدَ أرْبَعَ شَهَادَاتٍ بالله إنّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةَ أن لَعْنَةَ الله عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ؛ ثُم ثَنَّى بالمَرْأَةِ، فَشَهِدَتْ أرْبَعَ شَهَادَاتٍ بالله إِنَّهُ لَمِنَ الكَاذِبِينَ، والْخَامِسَةَ

стр. 5972

أن غَضَبَ الله عَلَيْهَا إنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا) (١). [صحيح] ٣/ ٢٩٠٢ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: فَرَّقَ رَسُولُ الله ﷺ بيْنَ أَخَوَيْ بَنِي عَجْلانَ وَقَالَ: "الله يَعْلَمُ إنَّ أَحَدَكُما كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا مِنْ تَائِبٍ" ثَلاثًا، مُتّفَقٌ عَلَيْهمَا) (٢). [صحيح] ٤/ ٢٩٠٣ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أن عُوَيْمِرًا العَجْلَانِيَّ أتى رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "قَدْ نَزَلَ فِيكَ وَفي صَاحِبَتِكَ فَاذْهَبْ فأتِ بِهَا"، قَالَ سَهْلٌ: فَتَلَاعنَا وَأنا مَعَ النّاسِ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَلَمّا فَرَغا. قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ الله إنْ أمْسَكْتُهَا، فَطَلّقَهَا ثَلاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ ابْنُ شِهابٍ: فَكَانَتْ سُنّةَ المُتَلَاعِنِيْنِ. رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيُّ (٣). [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ مُتّفَقٍ عَلَيْهَا (٤): فَقَالَ النّبِي ﷺ : "ذَاكُمُ التّفْرِيقُ بَيْنَ كُل مُتَلاعِنَيْنِ". [صحيح] وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ (٥) وَمُسْلِمٍ (٦): وكَانَ فِرَاقُهُ إيّاها سُنّةً فِي الْمُتَلَاعِنِيْنِ). [صحيح] قوله: (لاعن امرأته) قال في الفتح: (٧) اللعان مأخوذ من اللعن، لأن الملاعن

стр. 5973

يقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، واختير لفظ اللعن دون الغضب في التسمية لأنه قول الرجل وهو الذي بدئ به في الآية، وهو أيضًا يبدأ به. وقيل: سمي لعانًا لأن اللعن: الطرد والإبعاد، وهو مشترك بينهما. وإنما خصت المرأة بلفظ الغضب لعظم الذنب بالنسبة إليها. ثم قال: وأجمعوا: على أن اللعان مشروعٌ، وعلى أنَّه لا يجوز مع عدم التحقق. واختلف في وجوبه على الزوج. وظاهر أحاديث الباب أن اللعان إنما يشرع بين الزوجين، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (١) الآية، فلو قال أجنبيّ لأجنبية: يا زانية؛ وجب عليه حدّ القذف. قوله: (ففرق رسول الله ﷺ بينهما) استدلَّ به من قال: إنَّ الفرقة بين المتلاعنين لا تقع بنفس اللعان حتى يوقعها الحاكم. وأجاب من قال: إنَّ الفرقة تقع بنفس اللعان: أن ذلك بيان حكم لا إيقاع فرقة. واحتجوا بما وقع منه ﷺ في رواية بلفظ: "لا سبيل لك عليها" (٢). وتعقب بأن الذي وقع جوابًا لسؤال الرَّجل عن ماله الذي أخذته منه. وأجيب بأن العبرة بعموم اللفظ، وهو نكرةٌ في سياق النفي؛ فيشمل المال والبدن، ويقتضي نفي تسلطه عليها بوجه من الوجوه. ووقع في حديث لأبي داود (٣) عن ابن عباس وقضى أن ليس عليه قوت ولا سكنى من أجل أنهما يفترقان بغير طلاق ولا متوفى عنها، وهو ظاهر في أن الفرقة وقعت بينهما بنفس اللعان، وسيأتي تمام الكلام في الفرقة في الباب الذي بعد هذا: قوله: (وألحق الولد بالمرأة) قال الدارقطني: تفرَّد مالكٌ بهذه الزيادة. وقال ابن عبد البرِّ (٤): ذكروا أن مالكًا تفرَّد بهذه اللفظة، وقد جاءت من

стр. 5974

أوجه آخر، [وقد جاءت] (١) في حديث سهل بن سعد عند أبي داود (٢) بلفظ: "فكان الولد [يدعى] (٣) إلى أمه"، ومن رواية أخرى (٤): "وكان الولد يدعى إلى أمه". ومعنى قوله: "ألحق الولد بأمه": أي صيّره لها وحدها ونفاه عن الزوج فلا توارث بينهما، وأما الأمّ فترث منه ما فرض الله لها. وقد وقع في رواية من حديث سهل بن سعد بلفظ: "وكان ابنها يدعى لأمه"، ثم جرت السُّنَّةُ في ميراثها: أنَّها ترثه، ويرث منها ما فرض الله لهما (٥). وقيل: معنى إلحاقه بأمِّه: أنه صيرها له أبًا وأمَّا، فترث جميع ماله إذا لم يكن له وارث آخر من ولدٍ ونحوه، وهو قول ابن مسعود، وواثلة، وطائفة، ورواية عن أحمد، وروي أيضًا عن القاسم. وقيل: إن عصبة أمه تصير عصبة له؛ وهو قول عليّ وابن عمر، وهو المشهور عن أحمد (٦)، وبه قالت الهادوية (٧). وقيل: ترثه أمه وأخته منها بالفرض والردّ، وهو قول أبي عبيد ومحمد بن الحسن، ورواية عن أحمد (٦) قال: فإن لم يرثه ذو فرض بحال فعصبته عصبة أمه.

стр. 5975

واستُدلَّ بحديث ابن عمر (١) المذكور على مشروعية اللعان لنفي الولد. وعن أحمد (٢) ينتفي الولد بمجرَّد اللعان، وإن لم يتعرّض الرجل لذكره في اللعان. قال الحافظ (٣) وفيه نظر؛ لأنه لو استلحقه لحقه، وإنما يُوثِّر اللعان دفع حدِّ القذف عنه وثبوت زنا المرأة. وقال الشافعي (٤): إن نفي الولد في الملاعنة انتفى وإن لم يتعرّض له، فله أن يعيد اللعان لانتفائه ولا إعادة على المرأة، وإن أمكنه الرفع إلى الحاكم فأخر [بغير] (٥) عذر حتى ولدت لم يكن له أن ينفيه كما في الشفعة، واستدلّ به أيضًا على أنه لا يشترط في نفي الولد التصريح [بأنها] (٦) ولدته من زنا ولا بأنه استبرأها بحيضة. وعن المالكية (٧) يشترط ذلك. قوله (أرأيت لو وجد أحدُنا): أي: أخبرني عن حكم من وقع له ذلك. قوله: (على فاحشةٍ) اختلف العلماء فيمن وجد مع امرأته رجلًا وتحقق وجود الفاحشة منهما فقتله هل يقتل به أم لا؟ فمنع الجمهور (٨) الإقدام وقالوا: يقتصّ منه إلا أن يأتي ببينة الزنا، أو يعترف المقتول بذلك بشرط أن يكون محصنًا. وقيل: بل يقتل به؛ لأنه ليس له أن يقيم الحدّ بغير إذن الإمام. وقال بعض السلف: لا يقتل أصلًا ويعذر فيما فعله إذا ظهرت أمارات صدقه، وشرط أحمد وإسحاق ومن تبعهما أن يأتي بشاهدين أنه قتله بسبب ذلك. ووافقهم ابن القاسم وابن حبيب من المالكية، لكن زاد أن يكون المقتول قد أحصن. وعند الهادوية (٩): أنه يجوز للرجل أن يقتل من وجده مع زوجته وأمته وولده حال الفعل، وأما بعده فيقاد به إن كان بكرًا.

стр. 5976

قوله: (ووعظه وذكره)، فيه دليل على أنه يشرع للإمام موعظة المتلاعنين قبل اللعان تحذيرًا لهما منه وتخويفًا لهما من الوقوع في المعصية. قوله: (فبدأ بالرجل) فيه دليل: على أنه يبدأ الإمام في اللعان بالرجل. وقد حكى الإمام المهدي في البحر (١) الإجماع على أن السنّة تقديم الزوج. واختلف في الوجوب؛ فذهب الشافعي (٢) ومن تبعه وأشهب من المالكية، ورجحه ابن العربي (٣) إلى أنه واجب، وهو قول المؤيد بالله، وأبي طالب، وأبي العباس، والإمام يحيى (٤). وذهبت الحنفية (٥) ومالك (٦) وابن القاسم إلى أنه لو وقع الابتداء بالمرأة صحّ واعتدّ به. واحتجوا بأن الله تعالى عطف في القرآن بالواو وهو لا يقتضي الترتيب. واحتجّ الأوّلون أيضًا بأن اللعان يشرع لدفع الحدّ [عن] (٧) الرجل. ويؤيده قوله ﷺ لهلال: "البينة وإلا حدّ في ظهرك" وسيأتي (٨)، فلو بدأ بالمرأة لكان دفعًا لأمر لم يثبت.

стр. 5977

قوله: (بين أخوي بني عجلان) بفتح العين المهملة وسكون الجيم وهو ابن حارثة بن ضبيعة من بني بكر بن عمرو، والمراد بقوله: "أخوي" الرجلُ وامرأته، واسم الرجل: عويمر، كما في الرواية المذكورة، واسم المرأة خولة بنت عاصم بن عديّ العجلاني، قاله ابن منده في كتاب الصحابة (١)، وأبو نعيم (٢)، وحكى القرطبي (٣) عن مقاتل بن سليمان أنها خولة بنت قيس، وذكر ابن مردويه أنها بنت أخي عاصم المذكور، والرجل الذي رمى عويمر امرأته به هو شريك بن سحماء ابن عمّ عويمر. وفي صحيح مسلم (٤) من حديث أنس: "أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء وكان أخا البراء بن مالك لأمه" وسيأتي (٥)، وكان أوّل رجل لاعن في الإسلام. قال النووي في شرح مسلم (٦): السببُ في نزول آية اللعان قصة عويمر العجلاني، واستدل على ذلك بقوله ﷺ له: "قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك قرآنًا" (٧). وقال الجمهور (٨): السبب قصَّة هلال بن أميَّة لما تقدم من أنَّه كان أوَّل رجلٍ لاعن في الإسلام. وقد حكى أيضًا الماوردي (٩) عن [الأكثرين] (١٠) أن قصة هلال أسبق من قصة عويمر.

стр. 5978

وقال الخطيب والنووي (١) وتبعهما الحافظ (٢): يحتمل أن يكون هلال سأل أوّلًا ثم سأل عويمر فنزلت في شأنهما معًا. وقال ابن الصَّبَّاغ في "الشامل" (٣): قصة هلال بن أميَّة نزلت فيها الآية. وأما قوله ﷺ لعويمر: "إنَّ الله قد أنزل فيك وفي صاحبتك"، فمعناه: ما نزل في قصة هلال، لأنَّ ذلك حكم عام لجميع الناس. واختلف في الوقت الذي وقع فيه اللعان؛ فجزم الطبري (٤) وأبو حاتم (٥) وابن حبان (٥) أنه كان في شهر شعبان سنة تسع، وقيل: كان في السنة التي توفي فيها رسول الله ﷺ ، لما وقع في البخاري (٦) عن سهل بن سعد أنه شهد قصة المتلاعنين وهو ابن خمس عشرة سنة، وقد ثبت عنه أنه قال: توفي رسول الله ﷺ وأنا ابن خمس عشرة سنة. وقيل: كانت القصة في سنة عشر، ووفاته [ ﷺ ] (٧) في سنة أحدى عشرة. قوله: (فطلَّقها ثلاثًا) وفي روايةٍ: أنَّه قال: "فهي الطلاق، فهي الطلاق، فهي الطلاق"، وقد استدلَّ بذلك من قال: إنَّ الفرقة بين المتلاعنين تتوقَّف على تطليق الرَّجل كما تقدم نقله عن عثمان البتي (٨). وأجيب بما في حديث سهلٍ (٩) نفسه من تفريقه ﷺ بينهما. وبما في حديث

стр. 5979

ابن عمر (١) كما ذكر ذلك المصنف فإن ظاهرهما أن الفرقة وقعت بتفريق النبي ﷺ ، وإنما طلقها عويمر لظنه أن اللعان لا يحرمها عليه فأراد تحريمها بالطلاق فقال: هي طالق ثلاثًا، فقال له النبيّ ﷺ : "لا سبيل لك عليها"، أي: لا ملك لك عليها فلا يقع طلاقك. قال الحافظ (٢): وقد توهم أن قوله: "لا سبيل لك عليها" وقع منه ﷺ عقب قول الملاعن هي طالق، وإنه موجود كذلك في حديث سهل، وإنما وقع في حديث ابن عمر (٣) عقب قوله: "الله يعلم أن أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها"، انتهى. وقد قدمنا ما جاء في طلاق البتة الجواب عن الاستدلال بهذا الحديث على أن الطَّلاق المتتابع يقع: قوله: (فكانت سنة المتلاعنين) زاد أبو داود (٤) عن القعنبي عن مالك: "فكانت تلك"، وهي إشارة إلى الفرقة. وفي الرواية الأخرى (٥) المذكورة: "ذاكم التفريق بين كل متلاعنين"، وقال مسلم (٦): إن قوله: "وكان فراقه إياها سُنَّة بين المتلاعنين" مدرج. وكذا ذكر الدارقطني في غريب مالك (٧) اختلاف الرواة على ابن شهاب ثم على مالك في تعيين من قال: "فكان فراقهما سُنَّة"، هل هو من قول سهل، أو من قول ابن شهاب؟ وذكر ذلك الشافعي (٨)، وأشار إلى أن نسبته إلى ابن شهاب لا تمنع نسبته إلى سهل. ويؤيد ذلك ما وقع في رواية لأبي داود (٩) عن سهل قال: "فطلقها ثلاث
следующие страницы →