← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 6010–6049 · переход к 6015.

стр. 6010

قوله: (إن مجزِّزًا) هو بضم الميم وفتح الجيم وكسر الزاي الأولى، اسم فاعل من الجز؛ لأنه جز نواصي القوم، هكذا قيده جماعة من الأئمة، وذكر الدارقطني (١) وعبد الغني عن ابن جريج: أنه مُحْرِز بالحاء المهملة بعدها راء ثم زاي على صيغة اسم الفاعل. قال الخطابي (٢): في هذا الحديث دليل على ثبوت العمل بالقافة وصحة الحكم بقولهم في إلحاق الولد، وذلك لأن رسول الله ﷺ لا يظهر السرور إلا بما هو حق عنده وكان الناس قد ارتابوا في زيد بن حارثة وابنه أسامة، وكان زيد أبيض وأسامة أسود كما وقع في الرواية المذكورة، فتمارى الناس في ذلك وتكلموا بقول كان يسوء رسول الله ﷺ ، فلما سمع قول المدلجي فرح به وسري عنه. وقد أثبت الحكم بالقافة: عمر بن الخطاب (٣) وابن عباس (٤) وعطاء والأوزاعي ومالك (٥) والشافعي (٦) وأحمد (٧).

стр. 6011

وذهبت العترة (١) والحنفية (٢) إلى أنه لا يعمل بقول القائف، بل يحكم بالولد الذي ادعاه اثنان لهما. واحتج لهم صاحب البحر (٣) بحديث: "الولد للفراش" وقد تقدمَّ (٤). ووجه الاستدلال به: أن تعريف المسند إليه واللام الداخلة على المسند للاختصاص يفيدان الحصر. ويجاب: بأن حديث الباب بعد تسليم الحصر المدعى مخصص لعمومه، فيثبت به النسب في مثل الأمة المشتركة إذا وطئها المالكون لها. وروي عن الإمام يحيى (٥) أن حديث القافة منسوخ. ويجاب: بأن الأصل عدم النسخ، ومجرَّد دعواه بلا برهانٍ كما لا ينفع المدعي لا يضرُّ خصمه. وأمَّا ما قيل من أن حديث مجزز لا حجة فيه؛ لأنَّه إنما يعرف القائف بزعمه: أن هذا الشخص من ماء ذاك، لا أنَّه طريقٌ شرعيٌّ، فلا يعرف إلا بالشرع. فيجاب بأن في استبشاره ﷺ من التقرير ما لا يخالف فيه مخالف، ولو كان مثل ذلك لا يجوز في الشرع لقال له: إنَّ ذلك لا يجوز. لا يُقَال: إنَّ أسامة قد ثبت فراش أبيه شرعًا، وإنَّما لما وقعت القالة بسبب اختلاف اللون، وكان [قول] (٦) المدلجيّ المذكور دافعًا لها لاعتقادهم فيه الإصابة وصدق المعرفة، استبشر ﷺ بذلك، فلا يصح التعلق بمثل هذا التقرير على إثبات أصل النسب، لأنا نقول: لو كانت القيافة لا يجوز العمل بها إلا في مثل هذه المتفقة مع مثل أولئك الذين قالوا مقالة السوء لما قرره ﷺ على قوله: "هذه الأقدام بعضها من

стр. 6012

بعض" وهو في قوة: هذا ابن هذا، فإن ظاهره أنه تقرير للإلحاق بالقافة مطلقًا لا إلزام للخصم بما يعتقده، ولا سيما والنبي ﷺ لم ينقل عنه إنكار كونها طريقًا يثبت بها النسب حتى يكون تقريره لذلك من باب التقرير على مضي كافر إلى كنيسة ونحوه مما عرف منه ﷺ إنكاره قبل السكوت عنه. ومن الأدلة المقوِّية للعمل بالقافة: حديث الملاعنة المتقدِّم (١)، حيث أخبر ﷺ بأنها إن جاءت به على كذا فهو لفلانٍ، وإن جاءت به على كذا فهو لفلانٍ، فإنَّ ذلك يدل على اعتبار المشابهة. لا يقال: لو كان ذلك معتبرًا لما لاعن بعد أن جاءت بالولد مشابهًا لأحد الرجال، وتبين له ﷺ ذلك حتى قال: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" (٢). لأنا نقول: إن النسب كان ثابتًا بالفراش وهو أقوى ما يثبت به، فلا تعارضه القافة لأنها إنما تعتبر مع الاحتمال فقط ولا سيما بعد وجود الأيمان التي شرعها الله تعالى بين المتلاعنين ولم يشرع في اللعان غيرها، ولهذا جعلها ﷺ مانعة من العمل بالقافة، وفي ذلك إشعار بأنه يعمل بقول القائف مع عدمها. ومن المؤيدات للعمل بالقافة: ما تقدم من جوابه ﷺ على أم سليم حيث قالت: "أو تحتلم المرأة؟ فقال: فيم يكون الشبه" (٣) وقال: "إن ماء الرجل إذا سبق ماء المرأة كان الشبه له" (٤) الحديث المتقدم. لا يقال: إن بيان سبب الشبه لا يدل على اعتباره في الإلحاق. لأنا نقول: إن إخباره ﷺ بذلك يستلزم أنَّه مناطٌ شرعيٌّ، وإلا لما كان للإخبار فائدة يعتدُّ بها. وأمّا عدم تمكينه ﷺ لمن ذكر له أن ولده أسود من اللعان كما تقدم فلمخالفته لما يقتضيه الفراش الذي لا يعارضه العمل بالشبه ..

стр. 6013

إذا تقرر هذا فاعلم أنه لا معارضة بين حديث العمل بالقافة وحديث العمل بالقرعة الذي تقدم، لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما دلَّ على أن ما اشتمل عليه طريق شرعي فأيهما حصل وقع به الإلحاق، فإن حصلا معًا فمع الاتفاق؛ لا إشكال، ومع الاختلاف؛ الظاهر أن الاعتبار بالأول منهما لأنه طريق شرعي يثبت [به] (١) الحكم ولا ينقضه طريق آخر يحصل بعده. قوله: (دخل قائف) قال في القاموس (٢): والقائف: من يعرف الآثار، الجمع قافة، وقاف أثره: تبعه، كقفاه واقتفاه، انتهى. [الباب الثالث عشر] باب حد القذف ٢٥/ ٢٩٢٤ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمّا أنْزَلَ عُذْرِي قَامَ رَسُولُ الله ﷺ على المِنْبَرِ فَذَكَرَ ذلكَ وَتَلا القُرآنَ، فَلَمّا نَزَلَ أمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأةٍ فَضُرَبُوا حَدَّهُمْ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النّسائيَّ) (٣). [حسن] ٢٦/ ٢٩٢٥ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أبا القاسم ﷺ يَقُولُ: "مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ [يُقَامُ] (٤) عَلَيْهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا أنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ"، مُتّفَقٌ عَلَيْهِ) (٥). [صحيح]

стр. 6014

٢٧/ ٢٩٢٦ - (وَعَنْ أبي الزّنادِ أنّهُ قالَ: جَلَدَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ عَبْدًا فِي فِرْيَةٍ ثَمَانِينَ، قَالَ أَبُو الزّنَادِ: فَسألْتُ عَبْدَ الله بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: أدْرَكْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفانَ وَالْخُلَفَاءَ هَلُم جَرّا ما رأيْتُ أحَدًا جَلَدَ عَبْدًا فِي فِرْيَةٍ أكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ. رَوَاهُ مالك فِي المُوَطَّأ (١) عَنْهُ). [مقطوع صحيح] حديث عائشة حسَّنه الترمذي (٢) وقال: لا يعرف إلا من حديث محمد بن إسحاق. قال المنذري (٣): وقد أسنده ابن إسحاق مرة وأرسله أخرى، انتهى. وقد عنعن ههنا، وقد قدمنا أنه لا يحتج بعنعنته لتدليسه. وقد أشار إلى الحديث البخاري في صحيحه (٤). والأثر الذي رواه أبو الزناد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أخرجه أيضًا البيهقي (٥)، ورواه أيضًا الثوري في جامعه (٦).

стр. 6015

قوله: (لما أنزل عذري) أي براءتي مما نسب إلي أهل الإِفك. والمراد: بالمُنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ إلى قوله: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (١)، هكذا رواه ابن أبي حاتم (٢) والحاكم من مرسل سعيد بن المسيّب وفي البخاري إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣)، وعن الزهري إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤). قوله: (أمر برجلين وامرأة) الرجلان حسان بن ثابت، ومسطح، والمرأة حمنة بنت جحش (٥). وأخرج الحاكم في "الإكليل" (٦): أن من جملة من حدَّه النبيُّ ﷺ في قصة الإفك عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين. والحديث يرد على الماوردي (٧) حيث قال: إنَّ النبيّ ﷺ لم يحدَّ قذفة عائشة، ولا مستند له إلا توهم: أن الحدَّ إنما يثبت بالبينة أو الإقرار، وغفل عن النصِّ القرآني المصرِّح بكذبهم، وصحةُ الكذب تستلزم ثبوت الحدِّ.

стр. 6016

وقد أجمع العلماء على ثبوت حد القذف (١). وأجمعوا أيضًا على أن حده ثمانون جلدة لنص القرآن الكريم بذلك. واختلفوا هل ينصَّف الحدُّ للعبد أم لا؟ فذهب الأكثر إلى الأوَّل، وذهب ابن مسعود (٢) والليث والزهري والأوزاعي وعمر بن عبد العزيز (٣) وابن حزم (٤) إلى أنَّه لا ينصَّف؛ لعموم الآية. وأجاب الأولون: بأنَّ العبد مخصصٌ من ذلك العموم بالقياس على حدِّ الزنا، ويؤيده فعل أكابر الصحابة ﵃. قد تُعُقِّب القياس المذكور: بأنَّ حدَّ الزنا إنَّما نُصِّف في العبد لعدم أهليته لِلْعِفَّة، وحيلولة الملك بينه وبين التحصن بخلاف الحرّ، وبأنَّ القذف حقٌّ لآدمي وهو أغلظ. واعلم: أنَّه لا فرق بين قاذف الرجل والمرأة في وجوب حدِّ القذف عليه. ولا يُعرف في ذلك خلافٌ بين أهل العلم، وقد نازع الجلال في وجوبه على قاذف الرجل، [واستدل] (٥) على عدم الوجوب بما تقدم عنه ﷺ في اللعان أنه لم

стр. 6017

يحد هلال بن أمية لقذفه شريك بن سحماء (١)، ولم يحد أهل الإِفك إلا لعائشة فقط لا لصفوان بن المعطل، ولو كان يجب على قاذف الرجل؛ لحدَّ أهل الإِفك حدين؛ وقد أطال الكلام على ذلك في "ضوء النهار" (٢)، والبسط ههنا يقود إلى تطويل يخرج عن المقصود. قوله: (يقام عليه الحدُّ يوم القيامة) فيه دليل: على أنَّه لا يحدُّ من قذف عبده، لأنَّ تعليق إيقاع الحدّ عليه بيوم القيامة مشعرٌ بذلك. وقد ذهب الجمهور (٣): إلى أنَّه لا يحد قاذف العبد مطلقًا. وحكى صاحب البحر (٤) عن داود (٥): أنه يحدّ. وأجاب عنه: بأنَّه مخالفٌ للإجماع. وذهب الجمهور أيضًا إلى أنَّه لا يحدُّ قاذف أمِّ الولد إِلْحَاقًا لها بالقنِّ. وقال مالك (٦): يحدّ مطلقًا. وقال محمد (٧): يحدُّ إن كان معها ولدٌ، ولعلَّ مالكًا يجعل المحصنات المذكوراتِ في الآية هنَّ العفائفُ لا الحرائر. [الباب الرابع عشر] باب من أقر بالزنا بامرأة لا يكون قاذفًا لها ٢٨/ ٢٩٢٧ - (عَنْ نُعَيْمِ بْنِ هُزَالٍ قَالَ: كانَ مَاعِزُ بْنُ مالِكٍ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أُبَيٍّ، فأصَابَ جارِيَةً مِنَ الحَيّ، فَقَالَ لَهُ أُبَيٌّ: ائْتِ رَسُولَ الله ﷺ فأخْبِرْهُ بِمَا صَنَعْتَ لَعَلّهُ يَسْتَغْفِرُ لَكَ، فأتاهُ فَقَالَ: يا رَسُولَ الله إني زَنَيْتُ فأقمْ عَلَيَّ كِتَابَ الله، فأعْرَضَ عَنْهُ، فَعَادَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إنِّي زَنَيْتُ فَأَقِمْ عَليَّ كِتَابَ الله، فأعْرَضَ

стр. 6018

عَنْهُ، ثُمَّ أتاهُ الثّالِثَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إني زَنَيْتُ فأقِمْ علي كتَابَ الله، ثم أتاهُ الرابعةَ فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأقم عليَّ كتاب الله. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّكَ قَدْ قُلْتَها أرْبَعَ مَرَّات، فَبِمَنْ؟ "، قالَ: بِفُلانَةَ، قَالَ: "ضَاجَعْتَها؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "جَامَعْتَها؟ "، قَالَ: نَعَمْ، فأمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ فَخَرَجَ بِهِ إلى الحَرَّةِ، فَلَمَّا رُجِمَ فَوَجَدَ مَسّ الحِجارَةِ جَزعَ، فَخَرَجَ يَشتَدّ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ وَقَدْ أَعْجَزَ أصْحَابَهُ، فَنَزَعَ بِوَظِيفِ بِعِيرٍ فَرَمَاهُ بِهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أتى النبي ﷺ فَذَكَرَ ذلكَ لَهُ، فَقَالَ: "هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ الله عَلَيْهِ؟ "، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَأَبُو دَاوُدَ) (٢). [صحيح لغيره] الحديث سكت عنه أبو داود (٣) والمنذري (٤) وحسّنه الحافظ، وفي صحبة نعيم بن هزال خلاف. وروى أبو داود (٥) من طريق محمد بن إسحاق قال: ذكرتُ لعاصم بن قتادة قصة ماعز بن مالك فقال لي: حدثني حسن بن محمد بن علي بن أبي طالب قال: حدثني ذلك من قول رسول الله ﷺ : "فهلَّا تركتموهُ" من شئتم من رجال أسلم ممن لا أتهم، قال: ولا أعرف الحديث، قال: فجئت جابر بن عبد الله فقلت: إن رجالًا من أسلم يحدثون أن رسول الله ﷺ قال لهم حين ذكروا له جزع ماعز من الحجارة حين أصابته: "ألا تركتموه؟ "، وما أعرف الحديث، قال: يا ابن أخي أنا أعلم الناس بهذا الحديث، كنت فيمن رجم الرجل: "إنا لما خرجنا به فرجمناه فوجد مس الحجارة صرخ بنا: يا قوم ردُّوني إلى رسول الله ﷺ ، فإن قومي قتلوني وغرُّوني من نفسي وأخبروني أن رسول الله ﷺ غير قاتلي، فلم ننزع عنه حتى قتلناه؛ فلما رجعنا إلى رسول الله ﷺ

стр. 6019

وأخبرناه قال: "فهلَّا تركتموه وجئتموني به؟ "، ليستثبت رسول الله منه، فأما لترك حد فلا، قال: فعرفت وجه الحديث". وأخرجه النسائي (١) وفي إسناده محمد بن إسحاق. وقد اتفق الشيخان (٢) على طرف من هذا الحديث، وسيأتي (٣) الكلام على حديث ماعز هذا في أبواب حد الزاني إن شاء الله تعالى. وإنما أورده المصنف ههنا للاستدلال به على أنه لا يلزم من أقر بالزنا حد القذف إذا قال: زنيت بفلانة، لأن النبي ﷺ طلب منه تعيين من زنى بها فعيَّنها ثم لم يحده للقذف، وإلى ذلك ذهبت الشافعية (٤) والحنفية والهادوية (٥). وقال مالك: يحد، والحديث يرد عليه، وسيأتي تمام الكلام وتحقيق ما هو الحق في باب من أقر أنه زنى بامرأة فجحدت، من أبواب الحدود. قوله: (بوظيفِ) بفتح الواو وكسر الظَّاء المعجمة، ثم ياءِ تحتية ساكنة، بعدها فاءٌ: وهو دقيقُ السَّاقِ من الجمال والخيل (٦). وفي "النهاية" (٧): خفُّ الجمل: هو الوظيف. وسيأتي في باب ما يُذكر في الرجوعِ عن الإِقْرارِ من حديث أبي هريرة (٨) بلفظ: "فرَّ يشتدُّ حتى مرَّ برجلٍ معهُ لحي جملٍ فضربه به وضربهُ الناس حتى ماتَ". * * *

стр. 6020

[الكتاب الخامس والثلاثون] كتاب العدد [الباب الأول] باب إِن عدة الحامل بوضع الحمل ١/ ٢٩٢٨ - (عَنْ أُم سَلَمَة: أن امْرأةً مِنْ أسلَمَ يُقَالُ لَهَا سُبَيْعَةُ كَانَتْ تَحْتَ زَوْجِهَا فَتُوُفّيَ عَنْهَا وَهِيَ حُبْلَى، فَخَطَبَهَا أبُو السّنابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ، فأبَتْ أنْ تَنْكِحَهُ فَقَالَ: والله مَا يَصْلُحُ أنْ تَنْكِحِي حتّى تَعْتَدّي آخِرَ الأجَلَيْنِ، فَمَكَثَتْ قَرِيبًا مِنْ عَشْرِ لَيَالٍ ثُمَّ نُفِسَتْ، ثُمَّ جَاءَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "انْكِحِي"، رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا أَبَا دَاوُدَ وَابْنَ مَاجَهْ (١). [صحيح] وَللْجَمَاعَةِ إلَّا التِّرْمِذِيَّ مَعْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ سُبَيْعَةَ وَقَالَتْ فِيهِ: فأفْتَانِي بأني قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي وأَمَرَنِي بالتَّزْوِيجِ إنْ بَدَا لِي) (٢)، [صحيح] ٢/ ٢٩٢٩ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي المُتَوَفّى عَنْهَا زَوْجُها وَهِيَ حامل قالَ: أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التّغْلِيظَ وَلَا تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ؟ أُنْزِلَتْ سُورَةُ النِّساء الْقُصْرَى بَعْدَ الطّولى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٣) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٤) وَالنّسائي) (٥) [صحيح] ٣/ ٢٩٣٠ - (وَعَنْ أُبيّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ

стр. 6021

أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١) لْلْمُطَلّقَةِ ثَلاثًا وللْمُتَوَفَّى عَنْهَا؟ فَقَالَ: "هِيَ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلاثًا وَللْمُتَوَفَّى عَنْهَا"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَالدَّارَقُطْنِيُّ (٣). [ضعيف] ٤/ ٢٩٣١ - (وَعَنِ الزّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ: أنَّهَا كَانَتْ عِنْدَهُ أُمُّ كُلْثُوم بِنْت عُقْبَةَ فَقَالَتْ لَهُ وَهِيَ حَامِلٌ: طَيّبْ نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ، فَطَلّقَهَا تَطْلِيقَةً ثُمَّ خَرَجَ إلى الصَّلاةِ فَرَجَعَ وَقَدْ وَضَعَتْ، فَقَالَ: ما لَهَا خَدَعَتْنِي خَدَعَهَا الله، ثُمَّ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "سَبَقَ الكِتابُ أجَلَهُ اخْطُبْها إلى نَفْسِها"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) (٤). [صحيح] حديث أبي بن كعب أخرجه أيضًا أبو يعلى (٥)، والضياء في المختارة (٦)، وابن مردويه. قال في "مجمع الزوائد" (٧): في إسناده المثنى بن الصباح، وثقه ابن معين وضعفه الجمهور، انتهى.

стр. 6022

وأخرج نحوه عنه من وجه آخر ابن جرير (١) وابن أبي حاتم (٢) وابن مردويه (٣) والدارقطني (٤). وحديث الزبير إسناده في سنن ابن ماجه (٥) هكذا: حدثنا محمد بن عمر بن هيَّاج، حدثنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان عن عمرو بن ميمون عن أبيه عن الزبير … فذكره، وكلهم من رجال الصحيح إلا محمد بن عمر بن هياج وهو صدوق لا بأس به وفيه انقطاع لأن ميمونًا هو ابن مهران ولم يسمع من الزبير. قوله: (العِدَد) جمع العدَّة، قال في الفتح (٦): العدَّةُ: اسمُ لمدَّةٍ تتربَّصُ بها المرأة عن التزويج بعد وفاة زوجها أو فراقه لها إما بالولادة أو بالأقراء أو الأشهر. قوله: (سُبَيْعَةُ) بضم السين المهملة تصغير سبع، وقد ذكرها ابن سعد (٧) في المهاجرات وهي بنت أبي برزةَ الأسلمي. قوله: (كانت تحت زوجها) هو سَعد بن خَوْلة العامري من بنى عامر بن لؤي، وقيل: إنه من حُلفائهم. قوله: (فتوفي عنها) نقل ابن عبد البر (٨) الاتفاق أنه توفي في حجة الوداع.

стр. 6023

وقد قيل: إنه قتل في ذلك الوقت وهي روايةٌ شاذةٌ. قوله: (أبو السنابل) بمهملة ونون، ثُمَّ موحدة: جمع سنبلة، وقد اختلف في اسمه؛ فقيل: عمرو، وقيل: عامر، وقيل: حبة، بمهملة ثم موحدة، وقيل: أصرم، وقيل: عبد الله، وبعكك بموحدة فمهملة فكافين بوزن جعفر وهو ابن الحارث، وقيل: ابن الحجاج من بني عبد الدار. قوله: (فقال: والله ما يصلح أن تنكحي … إلخ)، قال عياض (١): والحديث مبتورٌ نقصَ منهُ قولها: "فنفست بعدَ ليالٍ فخطبت … إلخ"، قال الحافظ (٢): وقد ثبتَ المحذوفُ في روايةِ ابن ملحانَ عن يحيى بن بكير شيخ البخاري، ولفظهُ: "فمكثت قريبًا من عشرينَ ليلة ثم نفست". وقد وقعَ للبخاريِّ اختصارُ المتن في طريقٍ بأخصرَ من هذه الطَّريق، ووقعَ له (٣) في تفسير سورةِ الطَّلاقِ مطوَّلًا بلفظِ: "إنَّ سبيعةَ بنتَ الحارث أخبرتُه أنها كانت تحتَ سعدِ بن خولةَ فتوفيَ عنها في حجَّةِ الوداع وهي حاملٌ، فلم تنشب أن وضعت حملها، فلما تعلَّت من نفاسها تجمَّلت للخطاب فدخل عليها أبو السنابلِ بْنُ بعككٍ - رجل من بني عبد الدار - فقالَ: ما لي أراك تجمَّلت للخُطَّاب؟ فإنكِ والله ما أنتِ بناكحٍ حتى تمر عليك أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ، قالت سبيعةُ: فلما قال لي ذلك جمعت عليّ ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزويج". وظاهرُ هذا يخالف ما في حديث الباب (٤) حيث قال: "فمكَثَتْ قريبًا من عَشْرِ ليالٍ ثم جاءت النبي ﷺ "، فإن قولها: "فلما قال لي ذلك جمعت عليّ ثيابي حين أمسيت"، يدل على أنها توجهت إلى النبي ﷺ في مساء ذلك اليوم الذي قال لها فيه أبو السنابل ما قال.

стр. 6024

ويمكنُ الجمعُ بينهما بحملِ قولها: "حينَ أمسيت" على إرادة وقتِ توجُّهها، ولا يلزمُ منه أن يكونَ ذلكَ في اليوم الذي قال لها فيه ما قال. قوله: (ثم نُفِست) (١) بضم النون وكسر الفاء، أي: ولدت. قوله: (قريبًا من عشر ليالٍ) في روايةٍ لأحمدَ (٢): "فلم أمكث إلَّا شهرين حتى وضعت"، وفي رواية للبخاري (٣): "فوضعت بعد موته بأربعين ليلة"، وفي أخرى للنسائي (٤): "بعشرين ليلة أو خمس عشرة"، وفي رواية للترمذي (٥) والنسائي (٦): "فوضعت بعد وفاة زوجها بثلاثة وعشرين يومًا أو خمسة وعشرين يومًا"، ولابن ماجه (٧): "ببضع وعشرين"، وفي ذلك روايات أخر مختلفة. قال في الفتح (٨) بعد أن ساقها: والجمع بين هذه الروايات متعذرٌ لاتحاد القصة، ولعلَّ هذا هو السر في إبهام من أبهم المدَّة، إذ محلُّ الخلاف أن تضع لدون أربعة أشهر وعشر، وهنا كذلك، فأقل ما قيل في هذه الروايات: نصف شهر. وأما ما وقع في بعض الشروح أن في البخاري (٩) عشر ليال، وفي رواية للطبراني (١٠) ثمان أو سبع فهو في مدة إقامتها بعد الوضع إلى أن استفتت النبي ﷺ

стр. 6025

لا في مدة بقية الحمل، وأكثر ما قيل فيه بالتصريح [شهران] (١)، وبغيره دون أربعة أشهر. وقد ذهبَ جمهورُ أهل العلم (٢) من السلف، وأئمة الفتوى في الأمصار إلى أن الحامل إذا مات عنها زوجها تنقضي عدتها بوضع الحمل. وأخرج سعيد بن منصور (٣)، وعبد بن حميد عن عليٍّ بسندٍ صحيح: أنَّها تعتد بآخر الأجلين. ومعناه أنها إن وضعت قبل مضي أربعة أشهر وعشر تربصت إلى انقضائها. وإن انقضت المدة قبل الوضع تربصت إلى الوضع، وبه قال ابن عباس (٤). وروي عنه أنه رجع (٥). أو روي عن ابن أبي ليلى: أنه أنكر على ابن سيرين (٦) القول بانقضاء عدتها بالوضع، وأنكر أن يكون ابن مسعود قال بذلك. وقد ثبت عن ابن مسعود (٧) من عدة طرق: أنه كان يوافق الجمهور حتى كان يقول: من شاء لاعنته على ذلك. وقد حكى صاحب البحر (٨) عن الشعبيِّ، والقاسمية، والمؤيد بالله، والناصر، موافقة عليّ على اعتبار آخر الأجلين. وأما أبو السنابل فهو وإن كان في حديث الباب (٩) ما يدل على أنه يذهب إلى اعتبار آخر الأجلين لكنه قد روي عنه الرجوع عن ذلك.

стр. 6026

وقد نقل المازري (١) وغيره عن سحنون من المالكية أنه يقول بقول عليّ. قال الحافظ (٢): وهو مردود لأنه إحداث خلاف بعد استقرار الإِجماع. والسبب الذي حمل القائلين باعتبار آخر الأجلين الحرص على العمل بالآيتين: أعني قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٣)، فإنَّ ظاهر ذلك أنَّه عامٌّ في كلِّ من مات عنها زوجها سواء كانت حاملًا أو غير حامل. وقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٤)، عامٌّ يشمل المطلقة والمتوفى عنها، فجمعوا بين العمومين بقصر الآية الثانية على المطلقة بقرينة ذكر عدد المطلقات كالآيسة والصغيرة قبلها، ولم يهملوا ما تناولته من العموم فعملوا بها وبالتي قبلها في حق المتوفى عنها. قال القرطبيُّ (٥): هذا نظرٌ حسنٌ، فإنَّ الجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول، لكنَّ حديث سبيعة، وسائر الأحاديث المذكورة في الباب نصٌّ بأنها تنقضي عدة المتوفى عنها بوضع الحمل، وفي ذلك أحاديث [أُخر] (٦). (منها) ما أخرجه عبد الرزاق (٧)، وابن أبي شيبة (٨) وعبد بن حميد (٩)، والبخاري (١٠) ومسلم (١١) وأبو داود (١٢) والترمذي (١٣) والنسائي (١٤) وابن ماجه (١٥) وابن جرير (٩) وابن المنذر (٩) وابن مردويه (٩) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: "كنت أنا وابن عباس وأبو هريرة فجاء رجل فقال: أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة، فقال ابن عباس: تعتد آخر الأجلين.

стр. 6027

وقلت أنا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١). قال ابن عباس: ذلك في الطلاق. وقال أبو سلمة: أرأيت لو أن امرأة أخَّرَتْ حملها سنة فما عدتها؟ قال ابن عباس: آخر الأجلين. قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي. يعني أبا سلمة، فأرسل ابن عباس غلامه كريبًا إلى أمّ سلمة يسألها: هل مضت في ذلك سنة؟ فذكرت أن سبيعة الأسلمية وضعت بعد موت زوجها بأربعين ليلة، فخطبت فأنكحها رسول الله ﷺ ". وأخرج ابن أبي شيبة (٢)، وعبد بن حميد (٣)، وابن مردويه (٣)، من حديث أبي السنابل: "أن سبيعة وضعت بعد موت زوجها بثلاثة وعشرين يومًا، فقال ﷺ : قد حلّ أجلها". وأخرج ابن أبي شيبة (٤) وابن مردويه (٥) من حديث سبيعة نحوه. وأخرج عبد الرزاق (٦) وابن أبي شيبة (٧) وعبد بن حميد (٨) من حديث المسور بن مخرمة نحو ذلك. وأخرج عبد الرزاق (٩) وسعيد بن منصور (١٠) وابن أبي شيبة (١١) وعبد بن حميد (١٢) وأبو داود (١٣) والنسائي (١٤) وابن ماجه (١٥) عن ابن مسعودٍ: "أنَّه بلغه أن عليًا يقول: تعتدّ آخر الأجلين فقال: من شاء لاعنته أن الآية التي في سورة النساء القصرى نزلت بعد سورة البقرة بكذا وكذا شهرًا". وأخرج عبد بن حميد (١٦) عنه: "أنها نسخت ما في البقرة".

стр. 6028

وأخرج ابن مردويه (١) عنه: "إنها نسخت سورة النساء الصغرى كل عدّة". وأخرج ابن مروديه (٢) عن أبي سعيد الخدريّ قال: "نزلت سورة النساء بعد التي في البقرة بسبع سنين". وهذه الأحاديث والآثار مصرّحة بأن قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٣) عامة في جميع العدد، وأن عموم آية البقرة مخصصٌ بها. والحاصل: أن الأحاديث الصحيحة الصريحة حجةٌ لا يمكن التخلص عنها بوجه من الوجوه على فرض عدم اتضاح الأمر باعتبار ما في الكتاب العزيز، وأنَّ الآيتين من باب تعارض العمومين، مع أنه قد تقرر في الأصول (٤) أن الجموع المنكرة لا عموم فيها فلا تكون آية البقرة عامة، لأن قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ (٥) من ذلك القبيل فلا إشكال. وحديث أُبيّ بن كعب (٦)، والزبير بن العوام (٧) يدلان على أنها تنقضي عدة المطلقة بالوضع للحمل من الزوج وهو مجمع عليه، كما حكى ذلك في البحر (٨) لدخولها تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ الآية (٩). وإنما [تعتد] (١٠) بوضعه حيث لحق، وإلا فلا عند الشافعي (١١)، والهادي (١٢). وقال أبو حنيفة (١٣): بل تعتدّ بوضعه ولو كان من زنا، لعموم الآية.

стр. 6029

[الباب الثاني] باب الاعتداد بالأَقراءِ وتفسيرها ٥/ ٢٩٣٢ - (عَنِ الأسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أمَرْت بَرِيرَةَ أنْ تَعْتَدَّ بِثَلاث حِيَضٍ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) (١). [صحيح] ٦/ ٢٩٣٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنّ النَّبِيَّ ﷺ خَيَّرَ بَرِيرَةَ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، وَأمَرَهَا أنْ تَعْتَدَّ عِدَّةَ الحُرَّةِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢) وَالدّارَقُطْنِي (٣). [صحيح] وَقَدْ أَسْلَفْنَا قَوْلَهُ ﷺ فِي الْمُسْتَحَاضَة: "تَجْلِسُ أيّامَ أقْرَائِهَا") (٤). [صحيح] ٧/ ٢٩٣٤ - (وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أن النّبِيّ ﷺ قَالَ: "طَلَاقُ الأمَةِ تَطْلِيقَتَانِ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَان"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٥) وَأَبُو دَاوُدَ (٦). [ضعيف] وَفِي لَفْظٍ: "طَلاقُ العَبْد اثْنَتان، وَقُرْءُ الأمَة حَيْضَتَان"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي) (٧). [ضعيف]

стр. 6030

٨/ ٢٩٣٥ - (وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَن النبي ﷺ قَالَ: "طَلَاقُ الأمَة اثْنَتان وَعِدَّتُها حَيْضَتَانِ"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (١) وَالدَّارَقُطْنِي (٢) وَإِسْنَادُ الحَدِيثَيْنِ ضَعِيفٌ. [ضعيف] وَالصَّحِيحُ (٣) عَن ابْنِ عُمَرَ قَوْلُهُ: "عِدَّةُ الحُرة ثَلاثُ حِيَضٍ، وَعدَّةُ الأَمَةِ حَيْضَتَانِ"). [موقوف صحيح] حديث عائشة الأوّل قال الحافظ في بلوغ المرام (٤): رواته ثقات لكنه معلولٌ. وحديث ابن عباس أخرجه أيضًا الطبراني في الأوسط (٥). قال في مجمع الزوائد (٦): ورجال أحمد رجال الصحيح، ويشهد له ما أخرجه أحمد من حديث بريرة بنحوه. والحديث الذي أشار إليه المصنف في المستحاضة تقدم في أبواب الحيض (٧) وتقدم في معناه أحاديث. وحديث عائشة الثاني أخرجه أيضًا البيهقى (٨). قال أبو داود (٩): وهو حديثٌ مجهولٌ. وقال الترمذي (١٠): حديث غريب ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث مُظاهر بن أسلم، ومظاهر لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث، اهـ.

стр. 6031

وحديث ابن عمر أخرجه أيضًا مالك في الموطأ (١) والشافعي (٢)، وفي إسناده عمر بن شبيب (٣) وعطية العوفي (٤) وهما ضعيفان، وصحح الدارقطني الموقوف. وقد ذكر المصنف هذه الأحاديث للاستدلال بها على أن عدّة المطلقة ثلاثة أقراء، وعلى أن الأقراء هي الحيض. أما الأوّل فهو صريح قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٥)، وإنما وقع الخلاف في الأقراء المذكورة في الآية: هل هي الأطهار أو الحيض؟ فظاهر قوله ﷺ : "تعتد بثلاث حيض"، وقوله: "تجلس أيام أقرائها" وقوله: "وعدتها حيضتان"، أن الأقراء (٦) هي الحيض، وقراءة الجمهور (٧): قروء بالهمز. وعن نافع (٨) بتشديد الواو بغير همز. قال الأخفش (٩): أقرأت المرأة: إذا صارت ذات حيض. وعن أبي عبيد (١٠) أن القرء يكون بمعنى الطُّهْر، وبمعنى

стр. 6032

الضم والجمع، وجزم به ابن بطال (١). وفي القاموس (٢): الْقَرْء، ويضم: الحيض والطُّهر، انتهى. وزعم كثير أنَّ القرء مشترك بين الحيض والطُّهر، وقد أنكر صاحب الكشاف (٣) إطلاقه على الطهر. وقال ابن القيم (٤): إنّ لفظ القرء لم يستعمل في كلام الشارع إلا للحيض، ولم يجئ عنه في موضع واحدٍ استعماله للطُّهرِ، فحمله في الآية على المعهود المعروف من خطاب الشارع أولى، بل يتعين، فإنَّه قد قال للمستحاضة: "دعي الصلاة أيام أقرائك" (٥)، وهو ﷺ المعبر عن الله وبلغة قومه نزل القرآن، فإذا أورد المشترك في كلامه على أحد معنييه وجب حمله في سائر كلامه عليه، إذا لم يثبت إرادة الآخر في شيء من كلامه البتة، ويصير هو لغة القرآن التي خوطبنا بها وإن كان له معنى آخر في كلام غيره، وإذا ثبت استعمال الشارع للقرء في الحيض علم أن هذا لغته، فيتعين حمله عليها في كلامه. ويدلّ في ذلك ما في سياق الآية من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ (٦)، وهذا هو الحيض والحمل عند عامة المفسرين، والمخلوق في الرحم إنما هو الحيض الوجودي، وبهذا قال السلف والخلف، ولم يقل أحد إنه الطهر، وأيضًا فقد قال سبحانه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٧)، فجعل كل شهر بإزاء حيضة، وعلق الحكم بعدم الحيض لا بعدم الطهر والحيض، وقد أطال الكلام ابن القيم وأطاب، فليراجع. وحكى في البحر (٨) عن العترة: أن القرءَ - بفتح القاف، وضمها - حقيقة في الحيض مجازٌ في الطُّهر.

стр. 6033

وعن بعض أصحاب الشافعي (١) عكس ذلك، وعن الأكثر أنَّه مشتركٌ، وعن الأخفش الصغير (٢): أنَّه اسم لانقضاء الحيض، ثم قال في البحر (٣): ولا خلاف أن المراد بالآية أحدهما لا مجموعهما. قال: فعن أمير المؤمنين عليّ، وابن مسعود، وأبي موسى، والعترة، والحسن البصري، والأوزاعي، والثوري، والحسن بن صالح، وأبي حنيفة، وأصحابه: المراد به في الآية: الحيض (٤). وعن ابن عمر، وزيد بن ثابت، وعائشة، والصادق، والباقر، والإمامية،

стр. 6034

والزهري، وربيعة ومالك (١)، والشافعي (٢)، وفقهاء المدينة (٣)، ورواية عن علي أنه الأطهار (٤). ثم رجع القول الأوّل واستدل له، وقد أخذ بظاهر حديث عائشة (٥) وابن عمر (٦) المذكورين في الباب الشافعي (٧) فقال: لا يملك العبد من الطلاق إلا اثنتين، حرّة كانت زوجته أو أمة. وقال الناصر (٨) وأبو حنيفة (٩): إلا اثنتانِ في الأمةِ لا في الحرّة فكالحر، وقالوا كلهم: عدّة الحرّة منه ثلاثة قروء، وعدّة الأمة قرءان. وذهبت الهادوية (١٠) وغيرهم أن العبد يملك من الطلاق ما يملكه الحرّ، والعدّة منه كالعدّة من الحرّ مطلقًا. وتمسكوا بعموم الأدلة الواردة في ذلك فإنها شاملة للحرّ والعبد.

стр. 6035

ويجاب بأنَّ ما في الباب مخصصٌ لذلك العموم، ويؤيده ما أخرجه الدارقطني (١) والبيهقي (٢) من حديث ابن مسعود وابن عباس مرفوعًا: "الطلاق بالرجال والعدّة بالنساء"، والإِعلال بالوقف غير قادح، لأن الرفع زيادةٌ. وأيضًا قد روى أحمدُ عن عليٍّ نحوَ ذلكَ. [الباب الثالث] باب إحداد المعتدة ٩/ ٢٩٣٦ - (عَنْ أُمّ سَلَمَةَ: أَنَّ امْرَأَةً تُوُفّيَ زَوْجُها فَخَشَوْا على عَيْنِها فأتَوْا رَسُولَ الله ﷺ فَاستَأذَنُوه فِي الْكُحْلِ، فَقَالَ: "لا تَكْتَحِلْ؛ كانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَمْكُثْ فِي شَرّ أحْلاسِها أو شَر بَيْتِها، فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ فَمَرَّ كلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ فَلا حتى تَمْضيَ أرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ"، مُتّفَقٌ عَلَيْهِ) (٣). [صحيح] ١٠/ ٢٩٣٧ - (وَعَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ زينَبَ بِنْتِ أُمّ سَلَمَةَ أنَّهَا أخْبَرَتْهُ بِهَذِهِ الأحادِيثِ الثّلاثَةِ قَالَتْ: دَخَلْتُ على أُمّ حَبِيبَةَ حِينَ تُوِفِيَ أبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ، فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ خَلُوقٌ أَوْ غَيْرِهِ فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَة، ثمَّ مَسّتْ بِعارضَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: وَالله مَا لِي بالطّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أني سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ على المِنْبَرِ: "لَا يَحِلّ لامْرأةٍ تُؤمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلى مَيّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ إلَّا على زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا"، قَالَتْ زينَبُ: ثُمَّ دَخَلَتْ عَليّ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ حِينَ تُوُفّيَ أخُوهَا فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسّتْ مِنْهُ ثُمّ قالَتْ: وَالله ما لي بالطِّيبِ

стр. 6036

مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أني سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ على المِنْبَرِ: "لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُحِدّ على مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ إلَّا عَلى زَوْجٍ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشرًا"، قَالَتْ زينَبُ: وَسَمِعْتُ أُمِّي أُمُّ سَلَمَةَ تَقُولُ: جاءتِ امْرأةٌ إلى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إنَّ ابْنَتِي تُوُفّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَها أَفَنَكْحُلُها؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا" مَرّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، كُل ذلكَ يَقُولُ: "لا"، ثم قالَ: "إنمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كَانَتْ إحْدَاكُن فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بالْبَعْرَةِ عَلى رأسِ الحَوْلِ"، قَالَ حُمَيْدٌ: فَقُلْتُ لزَيْنَبَ: وَمَا تَرْمي بالبَعْرَةِ على رأسِ الحَوْلِ؟ فَقَالَتْ زينَبُ: كانَتِ الْمَرأةُ إِذَا تُوُفي عَنْهَا زَوْجُها دَخَلَتْ حِفْشًا وَلَبِسَتْ شَرّ ثِيَابِهَا وَلَمْ تَمَسْ طِيْبًا وَلَا شَيْئًا حَتّى تُمرّ بِهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تؤْتَى بِدَابّةٍ حمارٍ أوْ شاةٍ أوْ طَيْرٍ فَتفتضَّ بِهِ، فَقَلّمَا تَفْتَض بشيءٍ إلّا ماتَ، ثُمَّ تخرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً فَتَرْمِي بِهَا، ثُمَّ تُرَاجعُ بَعْدَمَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أوْ غَيْرِهِ. أخْرَجَاهُ) (١). [صحيح] ١١/ ٢٩٣٨ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أن النّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يحِل لامْرأةٍ مُسْلِمَةٍ تُؤْمِن بالله وَالْيَوْم الآخِر أنْ تُحِدّ فَوْقَ ثَلَاثة أيّام إلَّا على زَوْجِها أرْبَعَةَ أشْهُر وَعَشْرًا" أخْرَجَاهُ (٢). [صحيح] وَاحْتَجَّ به مَنْ لَمْ يَرَ الْإِحْدَاد على المُطَلّقَةِ). قوله: (أن امرأة) هي عاتكة بنت نعيم بن عبد الله كما أخرجه ابن وهب عن أمِّ سلمة والطبراني (٣) أيضًا. قوله: (لا تكتحل) فيه دليل على تحريم الاكتحال على المرأة في أيام عِدَّتها من موت زوجها سواء احتاجت إلى ذلك أم لا. وجاء في حديث أم سلمة في

стр. 6037

الموطأ (١) وغيره (٢): "اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار"، ولفظ أبي داود (٣): "فتكتحلين بالليل وتغسلينه بالنهار". قال في الفتح (٤): ووجه الجمع [أنها] (٥) إذا لم تحتج إليه لا يحل. وإذا احتاجت لم يجز بالنهار ويجوز بالليل مع أن الأَولى تركه؛ فإذا فعلت مسحته بالنهار. وتأول بعضهم حديث الباب على أنه لم يتحقق الخوف على عينها. وتعقب: بأنَّ في حديث الباب المذكور: "فخشوا على عينها"، وفي روايةٍ لابن منده: "وقد خشيت على بصرها". وفي رواية لابن حزم (٦): "إني أخشى أن تنفقئ عينها. قال: لا، وإن انفقأت". قال الحافظ (٧): وسنده صحيح. ولهذا قال مالك (٨) في رواية عنه بمنعه مطلقًا. وعنه (٩): يجوز إذا خافت على عينها بما لا طيب فيه، وبه قالت الشافعية (١٠) مقيدًا بالليل. وأجابوا عن قصَّة المرأة باحتمال أنه كان يحصل لها البرء بغير الكحل، كالتضميد بالصبر. (ومنهم) من تأوّل النهي على كحل مخصوص، وهو ما يقتضي التزيُّن به،

стр. 6038

لأنَّ محض التداوي قد يحصل بما لا زينة فيه، فلم ينحصر فيما فيه زينةٌ. وقالت طائفة من العلماء (١): يجوز ذلك ولو كان فيه طيبٌ، وحملوا النهي على التنزيه جمعًا بين الأدلة. قوله: (في شرِّ أحلاسها) (٢)، المراد بالأحلاس: الثياب، وهي بمهملتين: جمع حلس - بكسر ثم سكون -: وهو الثوب، أو الكساء الرقيق يكون تحت البرذعة. قوله: (أو شرِّ بيتها) هو أضعف موضع فيه كالأمكنة المظلمة ونحوها، والشكُّ من الراوي. قوله: (فمرَّ كلبٌ رمت ببعرة) البعرة بفتح الباء الموحدة وسكون العين المهملة ويجوز فتحها، وفي روايةِ مطرف وابن الماجشون عن مالك: "ترمي ببعرة من بعر الغنم أو الإبل، فترمي بها أمامها فيكون ذلك إحلالًا لها"، وظاهر رواية الباب: أن رميها بالبعرة يتوقف على مرور الكلب سواءٌ طال زمن انتظار مروره أم قصر، وبه جزم بعض الشُّرَّاح. وقيل: ترمي بها من عرض من كلبٍ أو غيره تُري من حضرها: أنَّ مقامها حولًا أهون عليها من بعرة ترمي بها كلبًا أو غيره. واختلف في المراد برمي البعرة، فقيل: هو إشارةٌ إلى أنَّها رمت العِدَّة رمي البعرة. وقيل: إشارةٌ إلى أن الفعل الذي فعلته من التربُّص والصبر على البلاء الذي كانت فيه كان عندها بمنزلة البعرة التي رمتها استحقارًا له، وتعظيمًا لحقّ زوجها. وقيل: بل ترميها على سبيل التفاؤل لعدم عودها إلى مثل ذلك. قوله: (حتى تمضي أربعة أشهر وعشر) قيل: الحكمة في ذلك أنَّها تكمل خلقة الولد وينفخ فيه الروح بعد مضيّ مائةٍ وعشرين يومًا، وهي زيادةٌ على أربعة

стр. 6039

أشهر لنقصان الأهلة، فجبر الكسر إلى العقد على طريق الاحتياط، وذكر العشر مؤنثًا لإرادة الليالي، والمراد مع أيامها عند الجمهور فلا تحلّ حتى تدخل الليلة الحادية عشرة. وعن الأوزاعي (١) وبعض السلف تنقضي بمضيِّ الليالي العشر بعد الأشهر، وتحل في أوَّل اليوم العاشر. واستثنيت الحامل كما تقدم شرح حالها. ويعارض أحاديث الباب ما أخرجه أحمد (٢) وابن حبان (٣) وصححه من حديث أسماء بنت عميس قالت: "دخل عليّ رسول الله ﷺ اليوم الثالث من قتل جعفر بن أبي طالب: فقال لا تحدّي بعد يومك هذا" وسيأتي (٤). قال العراقيُّ في شرح الترمذي (٥): ظاهره: أنّه لا يجب الإحداد على المتوفى عنها بعد اليوم الثالث، لأنَّ أسماء بنت عميس كانت زوج جعفر بالاتفاق، وهي والدة أولاده، قال: بل ظاهر النهى أن الإحداد لا يجوز. وأجاب بأنَّ هذا الحديث شاذّ مخالف للأحاديث الصحيحة، وقد أجمعوا على خلافه (٦). وأجاب الطحاوي (٧) بأنه منسوخ، وأن الإحداد كان على المعتدّة في بعض عدتها في وقت، ثم وقع الأمر بالإحداد أربعة أشهر وعشرًا. واستدلَّ على النسخ بأحاديث الباب وليس فيها ما يدلّ على ذلك. وقيل: المراد بالإحداد المقيد بالثلاث قدر زائد على الإحداد المعروف فعلته أسماء مبالغة في حزنها على جعفر. فنهاها عن ذلك بعد الثلاث. ويحتمل أنها كانت حاملًا فوضعت بعد ثلاث فانقضت عدتها. ويحتمل أنه أبانها بالطلاق قبل استشهاده فلم يكن عليها إحداد.

стр. 6040

وقد أعلَّ البيهقي (١) الحديث بالانقطاع فقال: لم يثبت سماع عبد الله بن شداد من أسماء. وتعقب بأنه قد صححه أحمد (٢)، وقد ورد معنى حديث أسماء من حديث ابن عمر بلفظ: "لا إحداد فوق ثلاث"، قال أحمد: هذا منكر، والمعروف عن ابن عمر من رأيه. ويحتمل أن يكون هذا لغير المرأة المعتدة فلا نكارة فيه بخلاف حديث أسماء. قوله: (لا يحل) استدل بذلك على تحريم الإحداد على غير الزوج وهو ظاهرٌ، وعلى وجوب الإحداد على المرأة التي مات زوجها. وتُعُقِّب بأن الاستثناء وقع بعد النفي، وهو يدل على مجرد الجواز لا الوجوب. وردَّ بأنَّ الوجوب استفيد من دليل آخر كالإجماع. وتُعقِّب بأن المنقول عن الحسن البصري (٣) أن الإحداد لا يجب كما أخرجه عنه ابن أبي شيبة (٤). وروي أيضًا عن الشعبي (٥) أنَّه كان لا يعرف الإحداد.

стр. 6041

وقيل: إنَّ السياق دالٌّ على الوجوب. قوله: (لامرأة) تمسك بمفهومه الحنفية (١) فقالوا: لا يجب الإحداد على الصغيرة، وخالفهم الجمهور (٢) فأوجبوه عليها كالعدَّة. وأجابوا عن التقيد بالمرأة بأنَّه خُرّج مخرج الغالب، وظاهر الحديث عدم الفرق بين المدخولة وغيرها والحرة والأمة. قوله: (تؤمن بالله واليوم الآخر) استدل به الحنفية (٣) وبعض المالكية (٤) على عدم وجوب الإحداد على الذمّية. وخالفهم الجمهور (٥)، وأجابوا بأنه ذكر للمبالغة في الزجر فلا مفهوم له. وقال النووي (٦): التقييد بوصف الإيمان لأنَّ المتصف به هو الذي ينقاد للشرع. ورجَّح ابن دقيق العيد (٧) الأوّل. وقد أجاب ابن القيم في الهدي (٨) عن هذا التقييد بما فيه كفاية فراجعه. قوله: (تُحِدُّ) بضم أوّله وكسر ثانيه من الرباعي ويجوز بفتح أوّله وضمّ ثانيه من الثلاثي. قال أهل اللغة: أصل الإحداد: المنع، ومنه تسمية البوّاب حدَّادًا لمنعه الداخل، وتسمية العقوبة حدًّا لأنَّها تردع عن المعصية. قال ابن درستويه (٩): معنى الإحداد: منعُ المعتدة نفسها الزينة وبدنها الطّيبَ ومنع الخطَّاب خطبتها، وحكى الخطابي (٩) أنه يروى بالجيم والحاء، والحاء أشهر، وهو بالجيم مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته، فكأن المرأة انقطعت عن الزينة. قوله: (على ميت) استدلَّ به من قال: إنه لا إحداد على امرأة المفقود لعدم

стр. 6042

تحقق وفاته خلافًا للمالكية (١). وظاهره أنه لا إحداد على المطلقة. فأما الرجعية فإجماع. وأما البائنة: فلا إحداد عليها عند الجمهور (٢). وقال أبو حنيفة (٣) وأبو عبيد وأبو ثور (٤) وبعض المالكية (٥) والشافعية (٦)، وحكاه أيضًا في البحر (٧) عن عليّ، وزيد بن عليّ، والمنصور بالله، والثوري، والحسن بن صالح، أنه يلزمها الإحداد .. والحقُّ الاقتصار على مورد النصِّ عملًا بالبراءة الأصلية فيما عداه، فمن ادّعى وجوب الإحداد على غير المتوفى عنها فعليه الدليل (٨). وأمَّا المطلقة قبل الدخول فقال في الفتح (٩): إنه لا إحداد عليها اتفاقًا. قوله: (فوق ثلاث) فيه دليل: على جواز الإحداد على غير الزوج من قريب ونحوه ثلاث ليال فما دونها، وتحريمه فيما زاد عليها، وكأن هذا القدر أبيح لأجل حظّ النفس ومراعاتها وغلبة الطباع البشرية. وأما ما أخرجه أبو داود في المراسيل (١٠) من حديث عمرو بن شعيب: "أن

стр. 6043

النبيّ ﷺ رخص للمرأة أن تحدّ على أبيها سبعة أيام، وعلى من سواه ثلاثة أيام"، فلو صحّ لكان مخصصًا للأب من هذا العموم لكنه مرسل؛ وأيضًا عمرو بن شعيب ليس من التابعين حتى يدخل حديثه في المرسل. وقال الحافظ (١): يحتمل أن أبا داود لا يخصُّ المرسل برواية التابعيِّ. قوله: (والله ما لي بالطيب من حاجةٍ)، إشارةٌ: إلى أن آثار الحزن باقيةٌ عندها [لكنَّها] (٢) لم يسعها إلا امتثال الأمر. قوله: (وقد اشتكت عينها)، قال ابن دقيق العيد (٣): يجوز فيه وجهان: ضم النون على الفاعلية على أن تكون العين هي المشتكية، وفتحها على أن يكون في اشتكت ضميرُ الفاعل، ويرجح الأوَّل أنه وقع في مسلم: "عيناها"، وعليها اقتصر النووي (٤). قوله: (أفنكحُلها) بضم الحاء. قوله: (حِفْشًا) (٥) بكسر الحاء المهملة وسكون الفاء بعدها معجمة، فسره أبو داود (٦) في روايته من طريق مالك أنه البيت الصغير. قوله: (فتفتض به) بفاء ثم مثناة من فوق ثم [فاء] (٧) ثم مثناة فوقية ثم ضاد معجمة، فسره مالك بأنها تمسح به جلدها، وفي النهاية (٨): فرجها، وأصل الفضِّ: الكسر: أي تكسر ما كانت فيه وتخرج منه بما فعلت بالدَّابة. وفي رواية للنسائي (٩): "تقبص" بعد القاف باء موحدة ثم صاد مهملة، والقبص (١٠): الأخذ بأطراف الأنامل.

стр. 6044

قال الأصبهاني (١) وابن الأثير (٢): هو كناية عن الإسراع: أي تذهب بسرعةٍ إلى منزل أبويها لكثرة جفائها [لقبح] (٣) منظرها أو لشدّة شوقها إلى الأزواج لبعد عهدها. قال ابن قتيبة (٤): سألت الحجازيين عن الافتضاض فذكروا أن المعتدَّةَ كانت لا تمسُّ ماءً ولا تقلم ظفرًا ولا تزيل شعرًا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر، ثم تفتضُّ: أي تكسرُ ما كانت فيه من العدَّةِ بطائر تمسحُ به قبلها فلا يكادُ يعيشُ ما تفتضُّ به. قال الحافظ (٥): وهذا لا يخالف تفسير مالك لكنه أخص منه لأنه أطلق الجلد فتبين أن المراد به جلد القبل. والافتضاض بالفاء: الاغتسال بالماء العذب لإزالة الوسخ حتى تصير بيضاء نقية كالفضة. [الباب الرابع] باب ما تجتنب الحادة وما رخص لها فيه ١٢/ ٢٩٣٩ - (عَنْ أُمّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كُنّا نُنْهَى أنْ نُحِدّ على مَيِّت فَوْقَ ثَلاثٍ إلَّا عَلى زَوْج أَرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا نَكْتَحِلُ، وَلَا نَتَطَيَّبُ، وَلَا نَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَقَدْ رَخّصَ لَهَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إحْدَانا مِنْ مَحِيضِها فِي نُبذَةٍ مِنْ كُسْتِ أظفَارٍ. أخْرَجَاه (٦). [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يحلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بَالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ فَوْقَ ثَلاثٍ إِلَّا على زَوْجٍ، فَإنَّهَا لا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَمَسّ طيبًا إلَّا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أوْ أَظْفَارٍ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٧). [صحيح]

стр. 6045

وَقَالَ فِيهِ أَحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢): "لَا تُحِدّ على مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ إلَّا المَرأة فإنَّهَا تُحِدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا"). أصحيح، ١٣/ ٢٩٤٠ - (وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: "المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لا تَلْبَسِ الْمُعَصْفَرِ مِنَ الثِّيَابِ، وَلَا المُمَشَّقَةِ، وَلَا الحُليّ، [وَلَا تَخْتَضِبْ] (٣)، وَلَا تكْتَحِلْ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وأَبُو دَاوُدَ (٥) وَالنّسائيّ) (٦). [صحيح] ١٤/ ٢٩٤١ - (وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ حِينَ تُوُفّيَ أَبُو سَلَمَةَ وَقَدْ جَعَلْتُ عَلَيّ صَبْرًا، فَقَالَ: "مَا هَذَا يا أُمّ سَلَمَةَ؟ "، فَقُلْتُ: إنّمَا هُوَ صَبْرٌ يَا رَسُولَ الله لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ، قَالَ: "إِنَّهُ يشب الوَجْهَ فَلَا تَجْعَلِيهِ إِلَّا بِاللَّيْلِ وَتَنْزعِيهِ بالنّهَارِ، [وَلَا تَمْتَشِطي] (٧) بِالطِّيبِ وَلَا بالْحِنَّاءِ فإنَّهُ خِضَابٌ"، قَالَتْ: قُلْتُ: بِأيّ شَيْءٍ أمْتَشِطُ يا رَسول الله؟ قالَ: "بالسِّدْرِ تُغْلفِينَ بِهِ رأسَكِ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٨) وَالنَّسَائِيُّ) (٩). [ضعيف]

стр. 6046

١٥/ ٢٩٤٢ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: طُلِّقَتْ خَالَتِي ثَلاثًا، فَخَرَجَتْ تَجُدُّ نَخْلًا لَهَا، فَلَقِيَها رَجُلٌ فَنَهَاهَا، فأتَتِ النّبِيّ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهَا: "اخْرُجِي فَجُدّي نَخْلَكِ لَعَلَّكِ أَنْ تَصَدَّقي مِنْهُ أَوْ تَفْعَلِي خَيْرًا"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَمُسْلِم (٢) وَأَبُو دَاوُدَ (٣) وابْنُ مَاجَهْ (٤) وَالنّسائيُّ) (٥). [صحيح] ١٦/ ٢٩٤٣ - (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسِ قَالَتْ: لَمّا أُصِيبَ جَعْفَرٌ أتانا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "تَسَلّبِي ثَلاثًا ثمّ اصْنَعِي مَا شئْتِ". وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ الله ﷺ الْيَوْمَ الثالِثَ مِنْ قَتْلِ جَعْفَرٍ، فَقَالَ: "لَا تُحِدّي بَعْدَ يَوْمِكِ هَذَا"، رَوَاهما أحمدُ (٦). [إسناده صحيح] وَهُوَ مُتأوّلٌ على المُبَالَغَةِ فِي الْإِحْدَادِ وَالجُلُوسِ لِلتّعْزِيَةِ).

стр. 6047

حديث أم سلمة الأول قال البيهقي (١): روي موقوفًا، والمرفوع من رواية إبراهيم بن طهمان، وهو ثقةٌ من رجال الصحيحين، وقد ضعَّفه ابن حزم (٢)، ولا يلتفت إلى ذلك، فإن الدارقطني (٣) قد جزم بأنَّ تضعيف من ضعَّفه إنما هو من قبل الإرجاء، وقد قيل: إنَّه رجع عن ذلك. وحديثها الثاني أخرجه أيضًا الشافعي (٤)، وفي إسناده المغيرة بن الضحاك عن أم حكيم بنت أسيد عن أمها عن مولى لها عن أم سلمة. وقد أعلَّه عبد الحق (٥) والمنذري بجهالة حال المغيرة ومن فوقه. قال الحافظ (٦): وأعلّ بما في الصحيحين (٧) عن زينب بنت أمّ سلمة: "سمعت أمّ سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها … " الحديث وقد تقدم، وقد حسَّن إسناد حديثها المذكور في الباب الحافظ في بلوغ المرام (٨). وحديث أسماء بنت عميس أخرجه ابن حبان (٩) وصححه. وقد تقدم الكلام عليه في الباب الذي قبل هذا. قوله: (نُنْهى) بضم أوّله.

стр. 6048

قوله: (ولا نكتحل) قد تقدم الكلام عليه. قوله: (ولا نتطيَّب) فيه تحريم الطيب على المعتدة وهو كل ما يسمَّى طيبًا ولا خلاف في ذلك، وقد استثنى صاحب البحر (١) اللينوفر (٢) والبنفسج والعرار، وعلَّل ذلك: بأنَّها ليست بطيبٍ، ثم قال: أمَّا البنفسج ففيه نظر. قوله: ([ولا نلبس] (٣) ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عَصْبٍ) (٤) بمهملتين مفتوحة ثم ساكنة ثم موحدة، وهو بالإضافة: برود اليمن، يعصب غزلها: أي يربط ثم يصبغ ثم ينسج معصوبًا فيخرج موشَّى لبقاء ما عصب منه أبيض لم ينصبغ، وإنما ينصبغ السدي دون اللحمة. وقال السهيلي: إنَّ العصب نبات لا ينبت إلا باليمن، وهو غريبٌ، وأغرب منه قول الداودي (٥): إنَّ المراد بالثوب العصب: الخضرة وهي الحبرة. قال ابن المنذر (٦): أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادّة لبس الثياب المعصفرة ولا المصبغة إلا ما صبغ بسواد فرخص فيه مالك (٧) والشافعي (٨) لكونه لا يتخذ للزينة بل هو من لباس الحزن. وقال الإمام يحيى (٩): لها لبس البياض، والسَّواد، والأكهب، وما بلي صبغه، والخاتم، والزقر والودع. وكره عروة العصب أيضًا، وكره مالك (١٠) غليظه.

стр. 6049

قال النووي (١): الأصحُّ عند أصحابنا تحريمه مطلقًا، والحديث حجة عليهم. قال النووي (٢): ورخص أصحابنا ما لا يتزين به ولو كان مصبوغًا. واختلف في الحرير؛ فالأصح عند الشافعية منعه مطلقًا مصبوغًا أو غير مصبوغ لأنَّه من ثياب الزينة، وهي ممنوعة منها. قال في البحر (٣): مسألة: ويحرم من اللباس المصبوغ للزينة ولو بالمغرة والحرير وما في منزلته لحسن صنعته والمطرَّز والمنقوش بالصبغ والحليِّ جميعًا. قال في الفتح (٤): وفي التحلِّي بالذهب، والفضَّة، واللؤلؤ، ونحوه، وجهان: الأصحُّ جوازه، وفيه نظر لأنه من الزينة، ويصدق عليه أيضًا اسم الحلّي المنهي عنه في حديث أمّ سلمة (٥) المذكور. قوله: (في نُبذةٍ) (٦) بضم النون وسكون الموحدة بعدها معجمة: وهي كالقطعة من الشيء. وتطلق على الشيء اليسير. قوله: (من كُسْتِ أظفارٍ) بضم الكاف وسكون المهملة وبعدها مثناة فوقية، وفي رواية: "من قُسط" بقاف مضمومة كما في الرواية الأخرى المذكورة وهو بالإضافة إلى أظفار وفي الرواية الأخرى: "من قسطٍ أو أظفار" وهو أصوب، وخطأ القاضي عياض (٧) رواية الإضافة. قال النووي (٨): القسط والأظفار نوعان معروفان من البخور وليسا من مقصود الطيب رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة تتبع به أثر الدم لا للتطيب.
следующие страницы →