← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 6045–6084 · переход к 6050.

стр. 6045

وَقَالَ فِيهِ أَحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢): "لَا تُحِدّ على مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ إلَّا المَرأة فإنَّهَا تُحِدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا"). أصحيح، ١٣/ ٢٩٤٠ - (وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: "المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لا تَلْبَسِ الْمُعَصْفَرِ مِنَ الثِّيَابِ، وَلَا المُمَشَّقَةِ، وَلَا الحُليّ، [وَلَا تَخْتَضِبْ] (٣)، وَلَا تكْتَحِلْ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وأَبُو دَاوُدَ (٥) وَالنّسائيّ) (٦). [صحيح] ١٤/ ٢٩٤١ - (وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ حِينَ تُوُفّيَ أَبُو سَلَمَةَ وَقَدْ جَعَلْتُ عَلَيّ صَبْرًا، فَقَالَ: "مَا هَذَا يا أُمّ سَلَمَةَ؟ "، فَقُلْتُ: إنّمَا هُوَ صَبْرٌ يَا رَسُولَ الله لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ، قَالَ: "إِنَّهُ يشب الوَجْهَ فَلَا تَجْعَلِيهِ إِلَّا بِاللَّيْلِ وَتَنْزعِيهِ بالنّهَارِ، [وَلَا تَمْتَشِطي] (٧) بِالطِّيبِ وَلَا بالْحِنَّاءِ فإنَّهُ خِضَابٌ"، قَالَتْ: قُلْتُ: بِأيّ شَيْءٍ أمْتَشِطُ يا رَسول الله؟ قالَ: "بالسِّدْرِ تُغْلفِينَ بِهِ رأسَكِ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٨) وَالنَّسَائِيُّ) (٩). [ضعيف]

стр. 6046

١٥/ ٢٩٤٢ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: طُلِّقَتْ خَالَتِي ثَلاثًا، فَخَرَجَتْ تَجُدُّ نَخْلًا لَهَا، فَلَقِيَها رَجُلٌ فَنَهَاهَا، فأتَتِ النّبِيّ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهَا: "اخْرُجِي فَجُدّي نَخْلَكِ لَعَلَّكِ أَنْ تَصَدَّقي مِنْهُ أَوْ تَفْعَلِي خَيْرًا"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَمُسْلِم (٢) وَأَبُو دَاوُدَ (٣) وابْنُ مَاجَهْ (٤) وَالنّسائيُّ) (٥). [صحيح] ١٦/ ٢٩٤٣ - (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسِ قَالَتْ: لَمّا أُصِيبَ جَعْفَرٌ أتانا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "تَسَلّبِي ثَلاثًا ثمّ اصْنَعِي مَا شئْتِ". وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ الله ﷺ الْيَوْمَ الثالِثَ مِنْ قَتْلِ جَعْفَرٍ، فَقَالَ: "لَا تُحِدّي بَعْدَ يَوْمِكِ هَذَا"، رَوَاهما أحمدُ (٦). [إسناده صحيح] وَهُوَ مُتأوّلٌ على المُبَالَغَةِ فِي الْإِحْدَادِ وَالجُلُوسِ لِلتّعْزِيَةِ).

стр. 6047

حديث أم سلمة الأول قال البيهقي (١): روي موقوفًا، والمرفوع من رواية إبراهيم بن طهمان، وهو ثقةٌ من رجال الصحيحين، وقد ضعَّفه ابن حزم (٢)، ولا يلتفت إلى ذلك، فإن الدارقطني (٣) قد جزم بأنَّ تضعيف من ضعَّفه إنما هو من قبل الإرجاء، وقد قيل: إنَّه رجع عن ذلك. وحديثها الثاني أخرجه أيضًا الشافعي (٤)، وفي إسناده المغيرة بن الضحاك عن أم حكيم بنت أسيد عن أمها عن مولى لها عن أم سلمة. وقد أعلَّه عبد الحق (٥) والمنذري بجهالة حال المغيرة ومن فوقه. قال الحافظ (٦): وأعلّ بما في الصحيحين (٧) عن زينب بنت أمّ سلمة: "سمعت أمّ سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها … " الحديث وقد تقدم، وقد حسَّن إسناد حديثها المذكور في الباب الحافظ في بلوغ المرام (٨). وحديث أسماء بنت عميس أخرجه ابن حبان (٩) وصححه. وقد تقدم الكلام عليه في الباب الذي قبل هذا. قوله: (نُنْهى) بضم أوّله.

стр. 6048

قوله: (ولا نكتحل) قد تقدم الكلام عليه. قوله: (ولا نتطيَّب) فيه تحريم الطيب على المعتدة وهو كل ما يسمَّى طيبًا ولا خلاف في ذلك، وقد استثنى صاحب البحر (١) اللينوفر (٢) والبنفسج والعرار، وعلَّل ذلك: بأنَّها ليست بطيبٍ، ثم قال: أمَّا البنفسج ففيه نظر. قوله: ([ولا نلبس] (٣) ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عَصْبٍ) (٤) بمهملتين مفتوحة ثم ساكنة ثم موحدة، وهو بالإضافة: برود اليمن، يعصب غزلها: أي يربط ثم يصبغ ثم ينسج معصوبًا فيخرج موشَّى لبقاء ما عصب منه أبيض لم ينصبغ، وإنما ينصبغ السدي دون اللحمة. وقال السهيلي: إنَّ العصب نبات لا ينبت إلا باليمن، وهو غريبٌ، وأغرب منه قول الداودي (٥): إنَّ المراد بالثوب العصب: الخضرة وهي الحبرة. قال ابن المنذر (٦): أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادّة لبس الثياب المعصفرة ولا المصبغة إلا ما صبغ بسواد فرخص فيه مالك (٧) والشافعي (٨) لكونه لا يتخذ للزينة بل هو من لباس الحزن. وقال الإمام يحيى (٩): لها لبس البياض، والسَّواد، والأكهب، وما بلي صبغه، والخاتم، والزقر والودع. وكره عروة العصب أيضًا، وكره مالك (١٠) غليظه.

стр. 6049

قال النووي (١): الأصحُّ عند أصحابنا تحريمه مطلقًا، والحديث حجة عليهم. قال النووي (٢): ورخص أصحابنا ما لا يتزين به ولو كان مصبوغًا. واختلف في الحرير؛ فالأصح عند الشافعية منعه مطلقًا مصبوغًا أو غير مصبوغ لأنَّه من ثياب الزينة، وهي ممنوعة منها. قال في البحر (٣): مسألة: ويحرم من اللباس المصبوغ للزينة ولو بالمغرة والحرير وما في منزلته لحسن صنعته والمطرَّز والمنقوش بالصبغ والحليِّ جميعًا. قال في الفتح (٤): وفي التحلِّي بالذهب، والفضَّة، واللؤلؤ، ونحوه، وجهان: الأصحُّ جوازه، وفيه نظر لأنه من الزينة، ويصدق عليه أيضًا اسم الحلّي المنهي عنه في حديث أمّ سلمة (٥) المذكور. قوله: (في نُبذةٍ) (٦) بضم النون وسكون الموحدة بعدها معجمة: وهي كالقطعة من الشيء. وتطلق على الشيء اليسير. قوله: (من كُسْتِ أظفارٍ) بضم الكاف وسكون المهملة وبعدها مثناة فوقية، وفي رواية: "من قُسط" بقاف مضمومة كما في الرواية الأخرى المذكورة وهو بالإضافة إلى أظفار وفي الرواية الأخرى: "من قسطٍ أو أظفار" وهو أصوب، وخطأ القاضي عياض (٧) رواية الإضافة. قال النووي (٨): القسط والأظفار نوعان معروفان من البخور وليسا من مقصود الطيب رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة تتبع به أثر الدم لا للتطيب.

стр. 6050

وقال البخاري: القسط والكست مثل الكافور والقافور (١)، انتهى. وروي كسط بالطاء بإبدال الكاف من القاف. قال في النهاية (٢): وقد تبدل الكاف من القاف، وقد استدل بهذا على أنَّه يجوز للمرأة استعمال ما فيه منفعة لها من جنس ما منعت منه. قوله: [(ولا الممشقة) (٣)] أي المصبوغة بالمشق وهو المغرة. قوله: (يَشُبُّ الوجه) (٤) بفتح أوّله وضم الشين المعجمة: أي يجمله. وظاهر حديث أمّ سلمة (٥) هذا أنه يجوز للمرأة المعتدة عن موت أن تجعل على وجهها الصبر بالليل وتنزعه بالنهار لأنه يحسن الوجه فلا يجوز فعله في الوقت الذي تظهر فيه الزينة وهو النهار، ويجوز فعله بالليل [لأنها] (٦) لا تظهر فيه. قوله: (ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحنَّاء) فيه دليل: على أنَّه لا يجوز للمرأة أن تمتشط بشيءٍ من الطيب أو بما فيه زينةٌ كالحنَّاء، ولكنَّها تمتشط بالسِّدر. قوله: (تغلفين به رأسك) الغلاف في الأصل الغشاوة، وتغليف الرأس: أن يجعل عليه من الطِّيب أو السِّدر ما يشبه الغلاف. قال في القاموس (٧): تغلف الرجل واغتلف حصل له غلاف. قوله: (تَجُدُّ) (٨) بفتح أوله وضم الجيم بعدها دال مهملة: أي تقطع نخلًا لها، وظاهر إذنه ﷺ لها بالخروج لجدِّ النخل يدل: على أنه يجوز لها الخروج لتلك الحاجة ولما يشابهها بالقياس.

стр. 6051

وقد بوّب النووي (١) لهذا الحديث فقال: باب جواز خروج المعتدة البائن من منزلها في النهار للحاجة إلى ذلك ولا يجوز لغير حاجة. وقد ذهب إلى ذلك عليٌّ وأبو حنيفة (٢) والقاسم (٣) والمنصور بالله (٣)، ويدلّ على اعتبار الغرض الديني أو الدنيوي تعليله ﷺ بالصدقة أو فعل الخير. ولا معارضة بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ (٤) الآية. بل الحديث مخصصٌ لذلك العموم بالمشعور به من النهي، فلا يجوز الخروج إلا للحاجة لغرضٍ من الأعراض. وذهب الثوري (٥) والليث (٦) ومالك (٧) والشافعي (٨) وأحمد (٩) وغيرهم إلى أنه يجوز لها [الخروج] (١٠) في النهار مطلقًا، وتمسكوا بظاهر الحديث، وليس فيه ما يدلّ على اعتبار الحاجة، وغايته اعتبار أن يكون الخروج لقربة من القرب كما يدلّ على ذلك آخر الحديث. ومما يؤيد مطلق الجواز في النهاية القياس على المتوفى عنها كما سيأتي قوله: (تَسَلَّبِي) بفتح أوله وبعده سين مهملة مفتوحة وتشديد اللام، أي: البسي السلاب: وهو ثوب الإحداد. وقيل: هو ثوب أسود تغطي به رأسها (١١)، وقد قدمنا الكلام على حديث أسماء (١٢) هذا وكيفية الجمع بينه وبين الأحاديث القاضية بوجوب الإحداد.

стр. 6052

[الباب الخامس] باب أَيْنَ تعتد المتوفى عنها؟ ١٧/ ٢٩٤٤ - (عَنْ فُرَيْعَةَ بِنْتِ مَالِكٍ قَالَتْ: خَرَجَ زَوْجِي فِي طَلَبِ أعْلاجٍ لَهُ فأدْرَكَهُمْ فِي طَرَفِ القُدُومِ فَقَتَلُوهُ، فأتاني نَعْيُهُ وأنا في دَارٍ شَاسِعَةٍ مِنْ دُورِ أَهْلِي، فأتَيْتُ النّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذلكَ لَهُ، فَقُلْتُ: إنَّ نَعْيَ زَوْجِي أتَانِي فِي دَارٍ شاسِعَةٍ مِنْ دُورِ أَهْلِي، وَلَمْ يَدَعْ نَفَقَةً وَلَا مالًا وَرِثْتُه، وَلَيْسَ المَسْكَنُ لَهُ، فَلَوْ تَحَوّلْتُ إلى أهْلي، وإخْوَتي لَكَانَ أَرْفَقَ لِي فِي بَعْض شأنِي، قَالَ: "تحَوَّلي"، فَلَمَّا خَرَجْتُ إلى المَسْجِدِ أوْ إلى الحُجْرَةِ دَعَانِي أَوْ أَمَرَ بي فَدُعِيتُ، فَقَالَ: "امْكُثي فِي بَيْتك الَّذي أتاك فيه نَعْي زَوْجك حتّى يَبْلُغَ الكتابُ أجَلَهُ"، قَالَتْ: فاعْتَدَدْتُ فيهِ أرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ: وأرْسَلَ إليّ عُثْمَانُ فأخْبَرْتُهُ، فَأَخَذَ بِهِ. رَوَاهُ الخَمْسَةَ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَمْ يَذْكُر النّسائيّ وَابْنُ مَاجَهْ إرْسَالَ عُثْمَانَ) (١). [صحيح] ١٨/ ٢٩٤٥ - (وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَن ابْنِ عَبّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (٢)، نُسخَ ذلكَ بآية الميرَاث بِمَا فَرَضَ الله لَهَا مَنَ الرّبُع وَالثُّمُن، وَنُسِخَ أجَل الحَوْل أنْ جُعِلَ

стр. 6053

أجَلُهَا أَرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا. رَوَاهُ النّسائيُّ (١) وأَبُو دَاوُدَ (٢) [إسناده حسن] حديث فريعة: أخرجه أيضًا مالك في الموطأ (٣)، والشافعي (٤)، والطبراني (٥)، وابن حبان (٦) والحاكم (٧) وصحَّحاه، وأعله ابن حزم (٨)، وعبد الحق (٩) بجهالة حال زينب بنت كعب بن عجرة الرواية له عن الفريعة. وأجيب بأن زينب المذكورة وثقها الترمذي (١٠) وذكرها ابن فتحون (١١) وغيره في الصحابة. وأما ما روي عن عليّ بن المدينيِّ بأنه لم يرو عنها غير سعد بن إسحاق فمردودٌ بما في مسند أحمد (١٢) من رواية سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب في فضل علي ﵁.

стр. 6054

وقد أعلَّ الحديث أيضًا بأن في إسناده سعد بن إسحاق. وتعقبه ابن القطان (١) بأنه قد وثقه النسائي (٢) وابن حبان (٢)، انتهى. ووثقه أيضًا يحيى بن معين (٢) والدارقطني (٢) وقال ابن حاتم (٢): صالح الحديث. وروى عنه جماعة من أكابر الأئمة، ولم يتكلم فيه بجرح، وغاية ما قاله فيه ابن حزم (٣) وعبد الحقّ (٤): إنَّه غير مشهورٍ، وهذه دعوى باطلةٌ، فإنَّ من يروي عنه مثل سفيان الثوريُّ، وحمَّاد بن زيدٍ، ومالكٌ بن أنسٍ، ويحيى بن سعيدٍ، والدراورديُّ، وابن جريج، والزهريُّ مع كونه أكبر منه، وغير هؤلاء الأئمة كيف يكون غير مشهور. وحديث ابن عباس سكت عنه أبو داود (٥)، وفي إسناده عليُّ بن الحسين بن واقد وفيه مقال، ولكنه قد رواهُ النسائيُّ (٦) من غير طريقه. قوله: (عن فُرَيْعَة) بضم الفاء وفتح الراء وبعدها تحتية ساكنة ثم عين مهملة، ويقال لها: الفارعة، وهي بنت مالك بن سنان أخت أبي سعيد الخدري وشهدت بيعة الرضوان. وقد استدلَّ بحديثها هذا على أن المتوفى عنها تعتدُّ في المنزل الذي بلغها نعي زوجها وهي فيه، ولا تخرج منه إلى غيره، وقد ذهب إلى ذلك جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وقد أخرج ذلك عبد الرزاق عن عمر (٧) وعثمان (٨) وابن عمر (٩)، وأخرجه أيضًا سعيد بن منصور عن أكثر أصحاب ابن

стр. 6055

مسعود والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وسعيد بن المسيب وعطاء، وأخرجه حماد عن ابن سيرين. وإليه ذهب مالك (١) وأبو حنيفة (٢) والشافعي (٣) وأصحابهم والأوزاعي (٤) وإسحاق (٧) وأبو عبيد (٧). قال ابن عبد البر (٥): وقد قال بحديث الفريعة جماعة من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر، ولم يطعن فيه أحد منهم. وقد رويَ جوازُ خروج المتوفَّى عنها للعذر عن جماعة، منهم عمرُ، أخرج عنه ابن أبي (٦) شيبة: "أنه رخص للمتَوفى عنها أن تأتي أهلها بياض يومها"، وأن زيد بن ثابت (٧) رخص لها في بياض يومها. وأخرج عبد الرزاق (٨) عن ابن عمر أنه كان له ابنة تعتدّ من وفاة زوجها فكانت تأتيهم بالنهار فتحدّث إليهم، فإذا كان بالليل أمرها أن ترجع إلى بيتها. وأخرج (٩) أيضًا عن ابن مسعود في نساء نعي إليهنَّ أزواجهنّ وشكينَ الوحشةَ، فقال ابن مسعود: يجتمعنَ بالنهار ثم ترجع كل امرأة منهنَّ إلى بيتها بالليل. وأخرج سعيد بن منصور عن عليّ أنه جوّز للمسافرة الانتقال. وروى الحجاج بن منهال: "أن امرأةً سألت أمَّ سلمة بأنَّ أباها مريض وأنها في عدّة وفاة فأذنت لها في وسط النهار". وأخرج الشافعي (١٠) وعبد الرزاق (١١) عن مجاهد مرسلًا: "أن رجالًا

стр. 6056

استشهدوا بأُحدٍ، فقال نساؤهم: يا رسول الله إنا نستوحش في بيوتنا أفنبيت عند إحدانا؟ فأذن لهن أن يتحدثن عند إحداهن، فإذا كان وقت النوم تأوي كل واحدة إلى بيتها". وحكى في البحر (١) عن عليّ وابن عباس، وعائشة، وجابر، والقاسمية، أنه يجوز لها الخروج من موضع عدتها لقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ (٢) ولم يخص مكانًا، والبيان لا يؤخر عن الحاجة. وعن زيد بن علي (٣)، والشافعية (٤) والحنفية (٥) أنه لا يجوز؛ ثم قال (٦): فرع: ولها الخروج نهارًا ولا تبيت إلا في منزلها إجماعًا، انتهى. وحكايةُ الإِجماعِ راجعةٌ إلى مبيتها في منزلها لا إلى الخروجِ نهارًا فإنَّه محلُّ الخلافِ كما عرفت. وحديث فريعةَ لم يأت من خالفهُ بما ينتهضُ لمعارضتِهِ، فالتمسكُ به متعين، ولا حجة في أقوال أفراد الصحابة، ومرسل مجاهد لا يصلح للاحتجاج به على فرض انفراده عند من لم يقبل المراسيل مطلقًا. وأما إذا عارضه مرفوع أصح منه كما في مسألة النزاع فلا يحل التمسك به بإجماع من يعتدّ به من أهل العلم. وقد استدلَّ بحديث ابن عباس (٧) المذكور في الباب من قال: إن المتوفى عنها لا تستحقّ السكنى والنفقة والكسوة. قال الشافعي (٨): حفظت عمن أرضى به من أهل العلم أن نفقة المتوفى عنها زوجها وكسوتها حولًا منسوختان بآية الميراث ولم أعلم مخالفًا في نسخ نفقة المتوفي عنها وكسوتها سنة أو أقل من سنة.

стр. 6057

ثم قال ما معناه: إنه يحتمل أن يحتمل أن يكون حكم السكنى حكمهما لكونها مذكورة معهما، ويحتمل أنها تجب لها السكنى. وقال الشافعي (١) أيضًا في كتاب العدد: الاختيار لورثة الميت أن يسكنوها، لأن قول النبي ﷺ في حديث فريعة: "امكثي في بيتك"، وقد ذكرت أنَّه لا بيت لزوجها، يدلّ على وجوب سكونها في بيت زوجها إذا كان له بيت بالطريق الأولى. وأجيب عن الاستدلال بحديث ابن عباس بأن نسخ بعض المدة إنما يستلزم نسخ نفقة المنسوخ وكسوته وسكناه دون ما لم ينسخ وهو أربعة أشهر وعشر. وأجيب عن الاستدلال به بحديث فريعة بأنه مخالف للقياس لأنها قالت: "وليس المسكن له ولم يدع نفقة ولا مالًا"، فأمرها بالوقوف فيما لا يملكه زوجها وملك الغير لا يستحق غيره الوقوف فيه فيكون ذلك قضية عين موقوفة. وقد حكى في البحر (٢) القول بوجوب نفقة المتوفى عنها عن ابن عمر، والهادي، والقاسم، والناصر، والحسن بن صالح، وعدم الوجوب عن الشافعية (٣) والحنفية (٤) ومالك (٥) والوجوب للحامل لا للحائل، عن علي وابن مسعود وأبي هريرة وشريح وابن أبي ليلى. وحكى (٦) أيضًا لقول بوجوب السكنى عن ابن عمر، وأم سلمة [ومالك (٧)] (٨) والإمام يحيى، والشافعي (٩). وعدمه عن علي وعمر وابن مسعود وعثمان وعائشة وأبي حنيفة (١٠) وأصحابه.

стр. 6058

وقد أخرج أحمد (١) والنسائي (٢) من حديث فاطمة بنت قيس أن النبي ﷺ قال: "إنما النفقة والسُّكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة،، وفي لفظٍ آخر: "إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة؛ فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى"، وسيأتي (٣) هذا الحديث في باب النفقة والسكنى للمعتدة الرجعية، وهو نصَّ في محل النزاع، والقرآن والسنة إنما دلَّا: على أنَّه يجب على المتوفى عنها لزومها لبيتها، وذلك تكليف لها. وجديث الفريعة إنَّما دل على هذا، فهو واضح في أنَّ السكنى والنفقة [ليستا] (٤) من تكليف الزوج، ويؤيد هذا: أنَّ الذي في القرآن في سورة الطلاق هو إيجاب النفقة لذات الحمل لا غير، وفي البقرة إيجابها للمطلقات. وقد خرج من عمومهن البائنة بحديث فاطمة بنت قيس إلا أن تكون حاملًا؛ لذكر ذلك في حديثها كما سيأتي. وخرجت أيضًا المطلقة قبل الدخول بآية الأحزاب، فخرجت المتوفى عنها

стр. 6059

من ذلك، وكذلك لا سكنى لها، لأنَّ قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ (١) وقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ (٢) في الرجعيات لظاهر السياق كما سيأتي تحقيق ذلك. إذا تقرر هذا علمت أنه لم يكن في القرآن ما يدل على وجوب النفقة أو السكنى للمتوفى عنها، كما علمت أن السنة قاضية بعدم الوجوب. وأما حديث الفريعة (٣) وحديث ابن عباس (٤) فقد استدل بهما من قال بعدم الوجوب كما استدل بهما من قال بالوجوب لما فيهما من الاحتمال، والمحتمل لا تقوم به الحجة. وقد أطال صاحب الهدي (٥) الكلام في هذه المسألة وحرر فيها المذاهب تحريرًا نفيسًا. فمن رام الوقوف على تفاصيلها فليراجعه. [الباب السادس] باب ما جاءَ في نفقة المبتوتة وسكناها ١٩/ ٢٩٤٦ - (عَنِ الشعْبِي عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلاثًا قَالَ: "لَيْسَ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةَ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٦) وَمُسْلِم (٧) [صحيح] وفِي رِوَايَةِ عَنْهَا قَالَتْ: طَلّقَنِي زَوْجِي ثَلاثًا فَلَمْ يَجْعَلْ لِي رَسولُ الله ﷺ سُكْنَى وَلَا نَفَقَةَ. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيّ (٨). [صحيح] وَفِي رِوَايَةِ عَنْهَا أَيْضًا قَالَتْ: طَلّقَنِي زَوْجِي ثَلاثًا، فأذِنَ لِي رَسُولُ الله ﷺ أنْ أَعْتَدّ فِي أهْلِي. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) (٩). [صحيح]

стр. 6060

٢٠/ ٢٩٤٧ - (وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ: أَلَمْ تَرَيْ إلى فُلَانَةَ بِنْتِ الحَكَمِ طَلّقَهَا زَوْجُهَا الْبَتّةَ، فَخَرَجَتْ، فَقَالَتْ: بِئْسَمَا صَنَعَتْ؛ فَقَالَ: أَلَمْ تَسْمَعِي إلى قَوْلِ فَاطِمَةَ، فَقَالَتْ: أما إنّهُ لا خَيْرَ لَهَا فِي ذَلِكَ. مُتّفَقٌ عَلَيْهِ (١) [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ: أن عَائِشَةَ عَابَتْ ذَلِكَ أَشَدَّ الْعَيْبِ وَقَالَتْ: إن فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ فَخِيفَ على نَاحِيَتِهَا، فَلِذَلِكَ أرْخَصَ لَهَا رَسُولُ الله ﷺ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢) وَأَبُو دَاوُدَ (٣) وَابْنُ مَاجَهْ) (٤). [صحيح] ٢١/ ٢٩٤٨ - (وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله زَوْجِي طَلّقَنِي ثَلاثًا وَأَخَافُ أَنْ يَقْتَحِمَ عَلَيَّ، فَأمَرَهَا فَتَحَوَّلَتْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥) وَالنّسَائيّ) (٦). [صحيح] ٢٢/ ٢٩٤٩ - (وَعَنْ الشّعْبِيّ أنّهُ حَدّثَ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: أنّ رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةَ، فَأَخَذَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ كَفًّا مِنْ حَضى فَحَصَبَهُ بِهِ وَقَالَ: ويلَكَ تُحَدّثُ بِمِثْلِ هَذَا؟ قَالَ عُمَرُ: لا نَتْرُكُ كِتَابَ الله وَسُنّةَ نَبِيِّنا ﷺ لِقَوْلِ امْرَأةٍ لا نَدْرِي لَعَلّها حَفِظَتْ أوْ نَسِيَتْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) (٧). [صحيح] ٢٣/ ٢٩٥٠ - (وَعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: أَرْسَلَ مَرْوَانُ قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤيب إلى فَاطِمَةَ، فَسَأَلَهَا فَأخْبَرَتْهُ أنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ أبي حَفْصِ بْنِ المُغِيرَةِ، وَكَانَ النّبِيّ ﷺ أمّرَ عَلَيّ بْنَ أبي طالِب على بَعْضِ الْيَمَنِ فَخَرَجَ مَعَهُ زَوْجُها، فَبَعَثَ إِلَيْهَا بِتَطْلِيقَةٍ كَانَتْ بَقِيَتْ لَهَا، وأمَرَ عَيَّاشَ بْنَ أَبي رَبِيعَةَ وَالْحَارِثِ بْنَ هِشَامٍ أَنْ يُنْفِقَا عَلَيْهَا، فَقَالا: وَالله مَا لَهَا نَفَقَةٌ إلَّا أنْ تَكُونَ حامِلًا، فأتَتِ النّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "لَا نَفَقَةَ لَكِ إِلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا"، وَاسْتَأذَنَتْهُ فِي الانْتِقَالِ فأذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ: أيْنَ أنْتَقِلُ يَا رَسُولَ الله؟ فَقَالَ: "عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ"، وَكَانَ

стр. 6061

أَعْمَى تَضَعُ ثِيَابَها عِنْدَهُ وَلَا يُبْصِرُهَا، فَلَمْ تَزَلْ هُنَاكَ حَتّى مَضَتْ عِدَّتُها، فأنْكَحَهَا النبِيّ ﷺ أُسامَة، فَرَجَعَ قَبِيصَةُ إِلى مَرْوَانَ فَأخْبَرَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ مَرْوَانُ: لَمْ نَسْمَعْ هَذَا الحَدِيثَ إِلَّا مِنِ امْرَأَةٍ، فَسَنَأخُذُ بِالْعِصْمَةِ الّتِي وَجَدْنا النَّاسَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ حِينَ بَلَغَها ذَلِكَ: بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ الله، قَالَ الله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، حتّى قالَ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (١)، فأيُّ أمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثلاث؟. رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَأَبُو دَاوُدَ (٣) وَالنّسَائيُّ (٤) وَمُسْلِمٌ (٥) بمَعْنَاهُ). [صحيح] قوله: (ألم تري إلى فلانةٍ بنت الحكم) اسمها عمرة بنت عبد الرحمن بن الحكم، فهي بنت أخي مروان بن الحكم، ونسبها عروة في هذه الرواية إلى جدها. قوله: (بئسما صنعت) في رواية للبخاري (٦): "بئسما صنع"، أي زوجها في تمكينها من ذلك أو أبوها في موافقتها. قوله: (أما إنه لا خير لها في ذلك) كأنها تشير إلى أن سبب الإِذن في انتقال فاطمة ما في الرواية الثانية المذكورة من أنها كانت في مكان وحش، أو إلى ما وقع في رواية أبي داود (٧): "إنما كان ذلك من سوء الخلق". قوله: (وحشٍ) (٨) بفتح الواو وسكون المهملة بعدها معجمة: أي: مكان لا أنيس به. وقد استدلَّ بأحاديث الباب من قال: إن المطلقة بائنًا لا تستحقّ على زوجها شيئًا من النفقة والسكنى (٩)، وقد ذهب إلى ذلك أحمد (١٠) وإسحاق وأبو

стр. 6062

ثور (١) وداود (٢) وأتباعهم، وحكاه في البحر (٣) عن ابن عباس والحسن البصري (٤) وعطاء (٥) والشعبي (٥) وابن أبي ليلى (٥) والأوزاعي (٥) والإمامية (٦)، والقاسم (٦). وذهب الجمهور كما حكى ذلك صاحب الفتح (٧) عنهم إلى أنه لا نفقة لها، ولها السكنى. واحتجوا لإثبات السكنى بقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾، ولإسقاط النفقة بمفهوم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٨) فإنَّ مفهومه: أن غير الحامل لا نفقة لها، وإلا لم يكن لتخصيصها بالذكر فائدة. وذهب عمر بن الخطاب (٩) وعمر بن عبد العزيز (١٠)، والثوري (١١) وأهل الكوفة من الحنفية (١٢) وغيرهم والناصر (١٣) والإمام يحيى (١٣) إلى وجوب النفقة والسكنى. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ (١٤)، فإنَّ آخر الآية - وهو النهي عن إخراجهنّ - يدل على وجوب النفقة والسكنى. ويؤيده قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (١٥) الآية.

стр. 6063

وذهب الهادي (١) والمؤيد (١) بالله، وكان في البحر (١) عن أحمد بن حنبل (٢) إلى أنها تستحق النفقة دون السكنى. واستدلوا على وجوب النفقة بقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣) الآية، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾ (٤) وبأنَّ الزوجة المطلقة بائنًا محبوسةٌ بسبب الزوج. واستدلوا على عدم وجوب السكنى بقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ (٤)، فإنه أوجب أن تكون حيث الزوج، وذلك لا يكون في البائنة. وأرجح هذه الأقوال الأوّل لما في الباب من النص الصحيح الصريح، وأما ما قيل من أنّه مخالف للقرآن فوهم، فإنَّ الذي فهمه السلف من قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ (٥) هو ما فهمته فاطمة من كونه في الرجعية، لقوله في آخر الآية: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ لأنَّ الأمر الذي يرجى إحداثه هو الرجعة لا سوى، وهو الذي حكاه الطبري (٦) عن قتادة والحسن والسديِّ والضَحَّاك، ولم يحك عن أحد غيرهم خلافه. قال في الفتح (٧): وحكى غيره: أنَّ المراد بالأمر: ما يأتي من قبل الله تعالى من نسخٍ أو تخصيصٍ، أو نحو ذلك فلم ينحصر، انتهى. ولو سلم العموم في الآية لكان حديث فاطمة (٨) المذكور مخصصًا له، وبذلك يظهر أن العمل به ليس بترك للكتاب العزيز، كما قال عمر فيما أخرجه عنه مسلم (٩) لما أخبر بقول فاطمة المذكور: "لا نترك كتاب ربنا وسنّة نبينا لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت". فإن قلت: إنَّ قوله: "وسنّة نبينا" يدل على أنه قد حفظ في ذلك شيئًا من

стр. 6064

السنّة يخالف قول فاطمة، لما تقرر أن قول الصحابي: من السنة كذا، له حكم الرفع (١). قلت: صرح الأئمة بأنَّه لم يثبت شيء من السنة يخالف قول فاطمة، وما وقع في بعض الروايات عن عمر أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لها السكنى والنفقة"، فقد قال الإمام أحمد (٢): لا يصحُّ ذلك عن عمر. وقال الدَّارقطنيُّ (٣): السنة بيد فاطمة قطعًا. وأيضًا تلك الرواية عن عمر من طريق إبراهيم النخعي، ومولده بعد موت عمر بسنتين. قال العلامة ابن القيم (٤): ونحن نشهدُ باللهِ شهادة نُسئلُ عنها إذا لقيناه، أن هذا كذبٌ على عُمَرَ، وكذب على رسولِ اللهِ ﷺ ، وينبغي أن لا يَحْمِلَ الإنسانَ فرطُ الانتصارِ للمذاهب والتعصب على معارضة السنن النبوية الصريحة الصحيحة بالكذب البحت، فلو يكونُ هذا عند عمر عن النبيّ ﷺ لَخَرِسَت فاطمة وذووها، ولم [ينبزوا] (٥) بكلمةٍ، ولا دعت فاطمة إلى المناظرة"، انتهى. فإن قلت: إنَّ ذلك القول من عمر يتضمن الطعن علي رواية فاطمة لقوله: "لقول امرأؤ لا ندري أحفظت أم نسيت". قلت: هذا مطعنٌ باطلٌ بإجماع المسلمين للقطع بأنَّه لم ينقل عن أحد من العلماء: أنَّه ردَّ خبر المرأة لكونها امرأة، فكم من سنة قد تلقتها الأمة بالقبول على امرأةٍ واحدةٍ من الصحابة، وهذا لا ينكره من له أدنى نصيب من علم السنة، ولو ينقل أيضًا عن أحد من المسلمين: أنَّه يردّ الخبر بمجرَّد تجويز نسيان ناقله، ولو كان ذلك مما يقدح به لم يبق حديث من الأحاديث النبوية إلا وكان مقدوحًا فيه. لأنَّ تجويز النسيان لا يسلم منه أحدٌ، فيكون ذلك مفضيًا إلى تعطيل السنن

стр. 6065

بأسرها، مع كون فاطمة المذكورة من المشهورات بالحفظ كما يدل على ذلك حديثها الطويل في شأن الدَّجال، ولم تسمعه من رسول الله ﷺ إلا مرّة واحدة يخطب به على المنبر، فوعته جميعه (١)، فكيف يظنُّ بها أن تحفظ مثل هذا وتنسى أمرًا متعلقًا بها مقترنًا بفراق زوجها وخروجها من بيته، واحتمال النسيان أمرٌ، مشترك بينها وبين من اعترض عليها. فإنَّ عمر قد نسي تيمم الجنب وذكّره عمَّار فلم يذكر (٢)، ونسي قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (٣) حتى ذكرته امرأة (٤)، ونسي: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ (٥) حتى سمع أبا بكر يتلوها (٦)، وهكذا يقال في إنكار عائشة (٧)، وهكذا قول مروان (٨): سنأخذ

стр. 6066

بالعصمة، وهكذا إنكار الأسود بن يزيد عن الشعبي (١) لما سمعه يحدّث بذلك، ولم يقل أحد منهم: إن فاطمة كذبت في خبرها. وأما دعوى أن سبب خروجها كان لفحش في لسانها كما قال مروان لما حدّث بحديثها: "إن كان بكم شرّ فحسبكم ما بين هذين من الشرّ"، يعني أن خروج فاطمة كان لشرّ في لسانها (٢)، فمع كون مروان ليس من أهل الانتقاد على أجلاء الصحابة والطعن فيهم، فقد أعاذ الله فاطمة عن ذلك الفحش الذي رماها به، فإنها من خيرة نساء الصحابة فضلًا وعلمًا، ومن المهاجرات الأولات، ولهذا ارتضاها رسول الله ﷺ لحبه

стр. 6067

وابن حبه أسامة، وممن لا يحملها رقة الدين على فحش اللسان الموجب لإخراجها من دارها، ولو صحّ شيء من ذلك لكان أحقّ الناس بإنكار ذلك عليها رسول الله ﷺ . قوله: (لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملًا) فيه دليل: على وجوب النفقة للمطلقة بائنًا إذا كانت حاملًا (١). ويدلّ بمفهومه على أنها لا تجب لغيرها ممن كان على صفتها في البينونة، فلا يرد ما قيل: إنه يدخل تحت هذا المفهوم المطلقة الرجعية إذا لم تكن حاملًا، ولو سلم الدخول لكان الإجماع على وجوب نفقة الرجعية مطلقًا مخصصًا لعموم ذلك المفهوم. قوله: (واستأذنته في الانتقال فأذن لها) فيه دليل: على أنه يجوز للمطلقة بائنًا الانتقال من المنزل الذي وقع عليها الطلاق البائن وهي فيه (٢)، فيكون مخصصًا لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ (٣) كما خصص ذلك حديث جابر المتقدم (٤) في باب ما تجتنب الحادّة. ولا يعارض هذا حديث الفريعة المتقدم (٥)؛ لأنه في عدة الوفاة، وقد قدمنا الخلاف في جواز الخروج وعدمه للمطلقة بائنًا. [الباب السابع] باب النفقة والسُّكنى للمعتدَّة الرَّجعية ٢٤/ ٢٩٥١ - (عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: أتَيْتُ النّبِيّ ﷺ فَقُلْتُ: إن زَوْجِي فُلانًا أَرْسَلَ إليَّ بِطَلَاقٍ، وَإِنِّي سألْتُ أَهْلَهُ النّفَقَةَ والسُّكْنَى فأبَوْا عَليَّ، قالُوا: يا رَسولَ الله إنَّهُ أرْسَلَ إِلَيْهَا بِثَلاثِ تَطْلِيقَاتٍ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّمَا النّفَقَةُ وَالسكْنَى لِلْمَرْأَةِ إِذَا كَانَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٦) وَالنّسَائيُّ (٧). [صحيح]

стр. 6068

وَفِي لَفْظٍ: "إنّمَا النّفَقَةُ وَالسُّكْنَى لِلْمَرْأَةِ على زَوْجِها ما كَانَتْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ، فإذَا لَمْ تَكُنْ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ فَلَا نَفَقَةَ وَلَا سُكْنَى"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١). [صحيح لغيره] الحديث تفرّد برفعه مجالد بن سعيد وهو ضعيف كما بينه الخطيب في المدرج (٢). وقد تابعه في رفعه بعض الرواة. قال في الفتح (٣): ولكنه أضعف من مجالد، وهو في أكثر الروايات موقوف عليها، والرفع زيادة يتعين قبولها كما بيناه في غير موضع، ورواية الضعيف مع الضعيف توجب الارتفاع عن درجة السقوط إلى درجة الاعتبار. والحديث يدلّ بمنطوقه على وجوب النفقة والسكنى على الزوج للمطلقة رجعيًا، وهو مجمع عليه (٤)، ويدلّ بمفهومه على عدم وجوبهما لمن عداها إلا إذا كانت حاملًا لما تقدّم في الباب الأوّل، وقد قدمنا تحقيق ذلك فلا نعيده. [الباب الثامن] باب استبراءِ الأمة إِذا مُلكت ٢٥/ ٢٩٥٢ - (عَنْ أَبي سَعِيدٍ أنَّ النّبِيّ ﷺ قَالَ فِي سَبْيِ أَوْطَاسٍ: "لا تُوْطأُ حامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ حَامِلٍ حَتّى تَحِيضَ حَيْضَةً"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٥) وَأَبُو دَاوُدَ) (٦). [صحيح لغيره]

стр. 6069

٢٦/ ٢٩٥٣ - (وَعَنْ أبي الدَّرْدَاءِ عَنِ النّبِيّ ﷺ : أنَّهُ أتى على امْرَأَةٍ مُجِحٍّ على بابِ فُسْطَاطٍ فَقَالَ: "لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمّ بِها؟ "، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ ألعَنَهُ لَعْنَةً تَدخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ، كَيْفَ يُوَرِّثُه وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُه وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ "، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢) وَأَبُو دَاوُدَ (٣). [صحيح] وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ (٤) وَقَالَ: "كَيْفَ يُوَرِّثَهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ وَكَيْفَ يَسْتَرِقُّهُ وَهُوَ لَا يحِلُّ لَهُ؟ ". [صحيح] وَالْمُجِحُّ: هِيَ الحامِلُ المُقْرَبُ). حديث أبي سعيد أخرجه أيضًا لحاكم وصححه (٥)، وإسناده حسن. وهو عند الدارقطني (٦) من حديث ابن عباس وأعلّ بالإرسال. وعند الطبراني (٧) من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف.

стр. 6070

وأخرج الترمذي (١) من حديث العرباض بن سارية: "أن رسول الله ﷺ حزم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهنّ". وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٢) من حديث علي بلفظ: "نهى رسول الله ﷺ أن توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة"، وفي إسناده ضعف وانقطاع. قوله: (أوطاس) (٣) هو واد في ديار هَوازِنَ. قال القاضي عياض (٤): وهو موضع الحرب بحنين، وبه قال بعض أهل [السير (٥)] (٦). قال الحافظ (٧): والراجح أن وادي أوطاس غير وادي حنين، وهو ظاهر كلام ابن إسحاق في السيرة. قوله: (مجح) (٨) بضم الميم ثم جيمٌ مكسورةٌ ثم حاءٌ مهملةٌ: وهي الحامل التي قد قاربت الولادة على ما فسره المصنف. والحديثان يدلان على أنه يحرم على الرجل أن يطأ الأمة المسبية إذا كانت حاملًا حتى تضع حملها. والحديث الأوّل منهما يدلّ أيضًا على أنه يحرم على الرجل أن يطأ الأمة المسبية إذا كانت حائلًا حتى تستبرأ بحيضة. وقد ذهب إلى ذلك العترة (٩) والشافعية (١٠) والحنفية (١١) والثوري (١٢)

стр. 6071

والنخعي (١) ومالك (٢)، وظاهر قوله: "ولا غير حامل" أنه يجب الاستبراء للبكر. ويؤيده القياس على العدّة فإنها تجب مع العلم ببراءة الرحم. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الاستبراء إنما يجب في حقّ من لم تعلم براءة رحمها، وأمَّا من علمت براءة رحمها فلا استبراء في حقِّها. وقد روى عبد الرزاق (٣) عن ابن عمر: أنَّه قال: إذا كانت الأمة عذراء لم يستبرئها إن شاء وهو في صحيح البخاري (٤) عنه، وسيأتي (٥). ويؤيد هذا حديث رويفع الآتي (٦) فإن قوله فيه: "فلا ينكحن ثيبًا من السبايا حتى تحيض" يرشد إلى ذلك. ويؤيده أيضًا حديث عليٍّ الآتي (٧) قريبًا فيكون هذا مخصصًا لعموم قوله: "ولا غير حامل" أو مقيدًا له. وقد روي ذلك عن مالك. قال [المازري (٨)] (٩) من المالكية: القول الجامع في ذلك: أن كل أمة أمن عليها الحمل فلا يلزم فيها الاستبراء، وكل من غلب على الظن أنها حامل أو شك في حملها أو تردّد فيه فالاستبراء لازم فيها، وكل من غلب على الظنّ براءة رحمها لكنه يجوز حصوله فإن المذهب فيه على وجهين في ثبوت الاستبراء وسقوطه. ومن القائلين بأنَّ الاستبراء إنما هو للعلم ببراءة الرحم فحيث تعلم البراءة لا يجب، وحيث لا يعلم ولا يظن يجب: أبو العباس بن سريج (١٠)، وأبو

стр. 6072

العباس بن تيمية (١)، وابن القيم (٢)، ورجحه جماعة من المتأخرين منهم الجلال (٣) والمقبلي (٤) والمغربي (٥) والأمير (٦)، وهو الحقّ لأن العلة معقولة، فإذا لم توجد المئنة؛ كالحمل، ولا المظنة؛ كالمرأة المزوّجة فلا وجه لإيجاب الاستبراء. والقول بأن الاستبراء تعبدي وأنه يجب في حقّ الصغيرة، وكذا في حق البكر والآيسة ليس عليه دليل. ٢٧/ ٢٩٥٤ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا يَقَعَنَّ رَجُلٌ على امْرأةٍ وَحَمْلُها لغَيْرِهِ"، رَوَاه أحْمَد (٧) [إسناده ضعيف] ٢٨/ ٢٩٥٥ - (وَعَنْ رُويفعٍ بن ثابِتٍ عَنِ النّبِيّ ﷺ قالَ: "مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلا يَسْقِي ماءَه وَلَدَ غَيْرِهِ"، رَواهُ أحْمَدُ (٨) والتِّرْمِذِيُّ (٩) وأبُو دَاوِدَ (١٠)، وَزَادَ: "مَنْ كانَ يُؤْمنُ بالله وَاليَوْمِ الآخرِ فَلا يَقَعُ على امْرأةٍ منَ السّبْيِ حتّى يَسْتَبْرِئَها". [حسن] وفِي لَفْظٍ: "مَنْ كانَ يُؤْمِ بالله واليَوْمِ الآخرِ فَلا يَنْكحَنَّ ثَيِّبًا منَ السّبايا حتّى

стр. 6073

تَحيضَ"، رَوَاه أحْمَدُ (١). [صحيح لغيره] وَمَفْهُومُهُ أن البكْرَ لا تُسْتَبْرأُ. وَقالَ ابْنُ عُمَرَ: إذَا وُهِبَتِ الوَليدَةُ الّتي تُوْطَأُ أوْ بِيعَتْ أوْ أُعْتِقَتْ فَلْتُسْتَبْرَأ بِحَيْضَةٍ، ولَا تُسْتَبْرأُ العَذْرَاءُ، حَكَاهُ البُخارِيُّ فِي صحِيحِهِ (٢). [صحيح] وَقَدْ جاءَ فِي حَدِيثٍ عَنْ عَلي ما الظّاهِرُ حَمْلُهُ على مِثْلِ ذلكَ، فَرَوَى بُرَيْدَةُ قالَ: بَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ عَلِيًّا إلى خالِدٍ، يَعْنِي إلى اليَمَنِ لِيَقْبِضَ الخُمُسِ، فاصطفى عَلِيٌّ مِنْهُ سبيّةً فأصْبَحَ وَقَدِ اغْتَسَلَ، فَقُلْتُ لخالِدٍ: ألا تَرَى إلى هَذَا؟ وكُنْتُ أبْغُضُ عَلِيًّا؟ فَلَقا قَدمْنا على النّبِيّ ﷺ ذَكَرْتُ لَهُ ذلك، فَقال: "يا بُرَيْدَةُ أتبْغُضُ عَلِيًّا؟ "، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقالَ: "لا تَبْغُضْهُ فإن لَهُ فِي الخُمُس أكثَرَ مِنْ ذلكَ" رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَالبُخاريُّ (٤). [صحيح] وفِي روَايَة قالَ: أبْغَضْتُ عَلِيًّا بُغْضًا لَمْ أبْغضْهُ أحَدًا، وأحْبَبْتُ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ لَمْ أُحْبِبْهُ إلَّا على بُغْضه عَلِيًّا، قالَ: فَبَعَثَ ذلكَ الرَّجُلَ على خَيْلٍ فَصَحِبْتُهُ فأصَبْنا سَبايا، قالَ: فَكَتَبَ إلى رَسُول الله ﷺ : ابْعَثْ إلَيْنا مَنْ يُخَمِّسُهُ، قالَ: فَبَعَثَ إلَيْنا عَلِيًّا، وفِي السّبْيِ وَصيفَةٌ؛ هِيَ مِنْ أفْضَل السّبْيِ، قالَ: فَخَمّسَ وَقَسَمَ، فَخَرَجَ وَرأسُهُ يَقْطُرُ، فَقُلْنا: يا أبا الحَسَن ما هَذَا؟ قالَ: ألَمْ تَرَوْا إلى الوَصيفَة التي كانَتْ فِي السّبْيِ فإنّي قَسَمْتُ وخَمَّسْتُ فَصَارَتْ فِي الخُمْس، ثُمَّ صَارَتْ فِي أهْل بَيْتِ النّبِيّ ﷺ ، ثمّ صَارَتْ فِي آلِ عَلِيّ وَوَقَعْتُ بِهَا، قالَ: فَكَتَبَ الرَّجُلُ إلى

стр. 6074

نَبِيّ الله ﷺ ، فَقُلْتُ: ابْعَثْنِي، فَبَعَثَنِي مُصَدِّقًا، فَجَعَلْتُ أقْرأُ الكِتابَ وأقُولُ: صَدَقَ، قالَ: فَأمْسَكَ يَدَيَّ وَالكِتابَ وَقالَ: "أتبْغُضُ عَلِيًّا؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: "فَلا تَبْغضْهُ، وَإنْ كُنْتَ تُحِبُّهُ فازْدَدْ لَهُ حُبًّا، فَوَالّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ لَنَصِيبُ آلِ عَلِيّ فِي الخُمُسِ أفْضَلُ مِنْ وَصيفَةٍ"، قالَ: فَمَا كانَ مِنَ النّاسِ أحَدٌ بَعْدَ قَوْلِ النّبِيّ ﷺ أحَبُّ إليَّ مِنْ عَليّ. رَوَاهُ أحْمَدُ (١). [صحيح] وَفيهِ بَيانُ أنَّ بَعْضَ الشُّرَكاءِ يَصِحّ تَوْكِيلُهُ فِي قِسْمَةِ مالِ الشّرِكَةِ، وَالمُرَادُ بآلِ عَلِي عَليٍّ، نَفْسُهُ). حديث أبي هريرة أخرجه أيضًا الطبراني (٢) وإسناده ضعيف كما تقدمت الإشارة إلى ذلك. قال في "مجمع الزوائد" (٣): في إسناده بقية والحجاج بن أرطأة وكلاهما مدلس، اهـ. ولكنه يشهد لصحته حديث رويفع المذكور بعده والأحاديث المذكورة قبله. وحديث رويفع أخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٤) والدارمي (٥) والطبراني (٦) والبيهقي (٧) والضياء المقدسي (٨) وابن حبان (٩) وصححه والبزار (١٠) وحسنه، واللفظ الآخر أخرجه أيضًا الطحاوي (١١).

стр. 6075

وفي الباب عن ابن عباس عند الحاكم (١): "أن النبيّ ﷺ نهى يوم خيبر عن بيع المغانم حتى تقسم وقال: "لا تسق ماءك زرع غيرك"، وأصله في النسائي (٢). وعن رجل من الأنصار عند أبي داود (٣) قال: "تزوّجت امرأة بكرًا في سترها، فدخلت عليها فإذا هي حبلى … " فذكر الحديث، قال: ففرّق النبيّ ﷺ بينهما. وقد استدلّ من قال بوجوب الاستبراء للمسبية - إذا كانت حاملًا أو حائلًا يجوز عليها الحمل فقط لا مع عدم التجويز كالبكر والصغيرة - بحديث أبي هريرة (٤) ورويفع (٥) المذكورين. وقد تقدم الكلام على ذلك. واستدلّ بالأثر المذكور عن ابن عمر (٦) من قال بوجوب الاستبراء على واهب الأمة وبائعها. وقد حكى ذلك في البحر (٧) عن الهادي والناصر، والنخعي (٨) والثوري (٩) ومالك (١٠). ولم يفرّقوا بين أن يكون البائع أو الواهب رجلًا أو امرأة، وبين كون المبيعة بكرًا أو ثيبًا، صغيرة أو كبيرة.

стр. 6076

وقال الشافعي (١) والمؤيد بالله (٢)، وزيد (٣) بن عليّ، والإمام يحيى (٤): لا يجب. وقال أبو حنيفة: يستحبّ فقط. استدل القائلون بالوجوب بالقياس على عدة الزوجة بجامع ملك الوطء فلا يملكه غيره إلا بعد الاستبراء. وأجيب بالفرق بين الأصل والفرع بوجوه: (أحدها): أن العدة إنما تكون بعد الطلاق. وهذا الاستبراء قبل البيع. (ومنها): تنافي أحكام الملك والنكاح، وإلا لزم أن لا يصح الجمع بين الأختين في الملك قياسًا على عدم صحة النكاح. (ومنها): أن العدّة إنما تجب على المرأة لا على الزوج. (ومنها): أن العدّة إنما تجب على الزوجة بعد الدخول أو الخلوة، ويجب الاستبراء عندهم في الأمة مطلقًا. فالحقّ أن مثل هذا القياس المبني على غير أساس لا يصلح لإثبات تكليف شرعي على جميع الناس. وكما وأنه لا وجه للإيجاب لا وجه للاستحباب لأن لكل واحد منهما حكم شرعي. والبراءة الأصلية مستصحبة حتى ينقل عنها ناقل صحيح. وليس في كلام ابن عمر المذكور ما يدلّ على أن الاستبراء على البائع ونحوه، بل ظاهره أنه على المشتري. لو سلم فليس في كلامه حجة على أحد. واختلف في وجوب الاستبراء على المشتري والمتهب ونحوهما.

стр. 6077

فذهب الجمهور (١) إلى الوجوب، واحتجوا بالقياس على المسبية بجامع تجدّد الملك في الأصل والفرع. وذهب داود (٢) والبتي (٣) إلى أنه لا يجب الاستبراء في غير السبي. أما داود فلأنه لا يقول بثبوت الحكم الشرعي بمجرّد القياس. وأما البتي فلأنه جعل تجدّد الملك بالشراء والهبة كابتداء النكاح وهو لا يجب على من تزوّج امرأة أن يستبرئها بعد العقد. وردّ بالفرق بين النكاح والملك. فإنّ النكاح لا يقتضي ملك الرقبة، كذا في البحر (٤). ولا يخفى أن ملك الرقبة مما لا دخل له في محلّ النزاع فلا يقدح به في القياس. واستدلّ في البحر للجمهور بقول عليّ: "من اشترى جارية فلا يقربها حتى تستبرأ بحيضة" (٥)، قال: ولم يظهر خلافه، وقد عرّفناك غير مرّة أن السكوت في المسائل الاجتهادية لا يدلّ على الموافقة لعدم وجوب الإنكار فيها على المخالف. والأولى التَّعويلُ في الاستدلال للموجبين على عموم حديث رويفع (٦) وأبي هريرة (٧)، فإن ظاهرهما شاملٌ للمسبية والمستبرأة ونحوهما، والتصريح في آخر الحديث بقوله: "فلا ينكحنَّ ثيبًا من السبايا" ليس من باب التقييد للمطلق أو التخصيص للعامّ، بل من التنصيص على بعض أفراد العام.

стр. 6078

ويمكن أن يقال: إن قوله في الحديث: "من السبايا" مفهوم (١) صفة فلا يكون من التنصيص المذكور إلا عند من لم يعملَ به، وأوضح من ذلك حديث أبي سعيد (٢) المتقدم، فإن قوله: "لا توطأ حاملٌ حتى تضع، ولا غير حاملٍ حتى تحيض حيضة" يشمل المستبرأة ونحوها، وكون السبب في ذلك سبايا أوطاس لا يدلّ على قصر اللفظ العامِّ عليهنَّ لما تقرَّر أن العبرة بعموم اللفظ (٣) لا بخصوص السبب، فيكون ذلك عامًا لكلِّ من لم يجوِّز خلوَّ رحمها، لا من كان رحمها خاليًا بيقين كالصغيرة والبكر كما تقدم تحقيق ذلك. وظاهر حديث رويفع (٣) وما قبله أنه لا فرق بين الحامل من زنا وغيرها فيجب استبراء الأمة التي كانت قبل ثبوت الملك عليها تزني؛ إن كانت حاملًا فبالوضع، وإن كانت غير حامل فبحيضة، ويؤيد هذا حديث الرجل من الأنصار (٤) الذي ذكرناه في أوّل الباب. قوله: (فاصطفى عليٌّ منه سبية … إلخ) يمكن حمل هذا على أنَّ السبية التي أصابها كانت بكرًا أو صغيرة أو كان قد مضى عليها من بعد السبي مقدار مدة الاستبراء لأنها قد دخلت في ملك المسلمين من وقت السبي، والمصير إلى مثل هذا متعين للجمع بينه وبين الأحاديث المذكورة في الباب. وظاهر هذا الحديث وسائر أحاديث الباب أنه لا يشترط في جواز وطء المسبية الإسلام، ولو كان شرطًا لبينه النبي ﷺ ، ولم يبينه، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وذلك وقتها، ولا سيما وفي المسلمين في يوم حنين وغيره من هو حديث عهد بالإسلام يخفى عليهم مثل هذا الحكم وتجويز حصول الإسلام من جميع السبايا وهنَّ في غاية الكثرة بعيد جدًّا، فإن إسلام مثل عدد المسبيات في أوطاس دفعة واحدة من غير إكراه لا يقول بأنه يصحّ

стр. 6079

تجويزه عاقل، ومن أعظم المؤيدات لبقاء المسبيات على دينهنّ ما ثبت من ردّه ﷺ لهن بعد أن جاء إليه جماعة من هوازن وسألوه أن يردّ إليهم ما أخذ عليهم من الغنيمة، فردّ إليهم السبي فقط. وقد ذهب إلى جواز وطء المسبيات الكافرات بعد الاستبراء المشروع جماعة منهم طاوس، وهو الظاهر لما سلف. وفي الحديث الآخر منقبة ظاهرة لعلي ﵁ ومنقبة لبريدة، لمصير علي أحب الناس إليه، وقد صح أنَّه لا يحبّه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق، كما في صحيح مسلم (١) وغيره (٢). * * *

стр. 6080

[الكتاب السادس والثلاثون] كتاب الرَّضاع [الباب الأول] باب عدد الرَّضعات المحرِّمة ١/ ٢٩٥٦ - (عَنْ عائشَةَ أنّ النّبِيَّ ﷺ قالَ: "لَا تحرّمُ المَصّة ولَا المَصَّتانِ"، رَوَاه الجَمَاعَة إلَّا البُخاريَّ) (١). [صحيح] ٢/ ٢٩٥٧ - (وَعَنْ أمّ الفَضْل: أن رَجُلًا سألَ النّبِيّ ﷺ : أتحَرّم المَصَّة؟ فَقالَ: "لا تحَرّمُ الرَّضْعَة وَالرَّضْعَتانِ، وَالمَصّة وَالمَصَّتانِ" (٢). [صحيح] وفِي رِوَايَةٍ قالَتْ: دَخَلَ أعْرَابِيّ على نَبِيّ الله ﷺ وهُوَ فِي بَيْتِي فَقالَ: يا نَبِيَّ الله إني كانَتْ لي امْرأةٌ فَتزَوَّجْتُ عَلَيْها أُخْرَى فَزَعَمَتِ امْرأتي الأولى أنَّهَا أرْضَعَت امْرأتي الحَدْثَى رَضْعَةً أوْ رَضْعَتَيْن فَقالَ النّبِيّ ﷺ : "لا تُحَرّمُ الإمْلاجَةُ ولَا الإمْلاجَتانِ"، رَوَاهُمَا أحْمَدُ (٣) وَمُسْلِمٌ) (٤). [صحيح] ٣/ ٢٩٥٨ - (وَعَنْ عَبْد الله بْن الزُّبَيْر أن النّبِيَّ ﷺ قالَ: "لا تُحَرّمُ مِنَ الرَّضاعَةِ المَصَّةُ وَالمَصّتانِ" رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) وَالنّسائيُّ (٦) وَالتِّرْمِذِيُّ) (٧). [صحيح] حديث عبد الله بن الزبير أخرجه أيضًا بن حبان (٨).

стр. 6081

وقال الترمذي (١): الصحيح عن أهل الحديث من رواية ابن الزبير عن عائشة كما في الحديث الأوّل، وأعلَّه ابن جرير الطبري بالاضطراب، فإنه روي عن ابن الزبير عن أبيه، وجمع ابن حبان (٢) بينهما بإمكان أن يكون ابن الزبير سمعه من كل منهم، وفي الجمع بعد كما قال الحافظ (٣). ورواه النسائي (٤) من حديث أبي هريرة. وقال ابن عبد (٥) البرّ: لا يصحّ مرفوعًا. قوله: (الرضعة) هي المرّة من الرضاع، كضربة، وجلسة وأكلة، فمتى التقم الصبيُّ الثدي فامتصَّ منه، ثم تركه باختياره لغير عارضٍ؛ كان ذلك رضعةً. وفي القاموس (٦): رضع أمَّه كسمع، وضرب، رَضْعًا، ويحرَّك، ورضاعًا، [ورَضاعةً] (٧) ويكسران، ورضعًا ككتف، فهو راضعٌ، إلى أن قال: امتصَّ ثديها، ثم قال (٨) في مادّة مصصته: إنَّه بمعنى شربته شربًا رفيقًا. وفي الضياء: أن المصَّة الواحدة من المصِّ، وهي أخذ اليسير من الشيء. قوله: (الإملاجة ولا الإملاجتان) الإملاجة: الإرضاعة الواحدة، مثل المصة. وفي القاموسَ (٩): ملج الصبيّ أمه كنصر وسمع: تناول ثديها بأدنى فمه، وامتلج اللبن: امتصه. وأملجه: أرضعه، والمليج: الرضيع، انتهى. والأحاديث المذكورة تدلُّ: على أن الرضعة الواحدة، والرضعتين، والمصة الواحدة، والمصتين والإملاجة والإملاجتين، لا يثبت بها حكم الرضاع الموجب للتحريم.

стр. 6082

وتدلُّ هذه الأحاديث بمفهومها: على أنَّ الثلاث من الرضعات، أو المصَّات تقتضي التحريم. وقد حكى صاحب البحر (١) هذا المذهب عن زيد بن ثابت (٢)، وأبي (٣) ثور، وابن المنذر (٤)، انتهى. وحكاه في البدر التمام (٥) عن أبي عبيدة وداود الظاهري (٦) وأحمد (٧) في رواية. ولكنه يعارض هذا المفهوم القاضي بأن ما فوق الاثنتين يقتضي التحريم ما ستأتي من أن الرضاع المقتضي للتحريم هو الخمس الرضعات، وسيأتي تحقيق ذلك، وذكر من قال به، نعم هذه الأحاديث دافعة لقول من قال: إن الرضاع المقتضي للتحريم هو الواصل إلى الجوف، ولا شكّ أنّ المصة الواحدة تصل إلى الجوف، فكيف ما فوقها؟ وسيأتي ذكر ما تمسكوا به. ٤/ ٢٩٥٩ - (وَعَنْ عائِشَةَ أنَّهَا قالَتْ: كانَ فِيما نَزَلَ مِنَ القُرآنِ: عَشْرُ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ يُحَرّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسِ مَعْلُوماتٍ، فَتُوُفّيَ رَسُولُ الله ﷺ وَهُنَّ فِيم يُقْرأُ مِنَ القْرآنِ. رواه مُسْلِمٌ (٨) وأبُو دَاوُدَ (٩) والنّسائيُّ (١٠). [صحيح] وفي لَفْظٍ قالَت: وَهي تَذْكُرُ الْذِي يُحَرّمُ منَ الرَّضَاعَةِ: نَزَلَ فِي القُرآنِ عَشْرُ

стр. 6083

رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ، ثُمَّ نَزَلَ أيْضًا خَمْسٌ مَعْلُوماتٌ؟ [رَوَاهُ مُسْلمٌ (١)] (٢). [صحيح] وفِي لَفْظٍ قالَتْ: أنْزِلَ فِي القُرآنِ: عَشْرُ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ، فَنُسخَ مِنْ ذَلِكَ خَمْسُ رَضَعاتٍ إلى خَمْسِ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ وَالأمْرُ على ذلكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٣). وفِي لَفْظٍ: كانَ فِيمَا أنْزَلَ الله مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ سَقَطَ: لا يُحَرّمُ إلّا عَشْرُ رَضَعات أوْ خَمْسٌ مَعْلُوماتٌ. رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ) (٤). [صحيح] ٥/ ٢٩٦٠ - (وَعَنْ عائِشَةَ: أن رَسُولَ الله ﷺ أمَرَ امْرأةَ أبي حُذَيْفَةَ فأرْضَعَتْ سَالِمًا خَمْسَ رَضَعاتٍ وكانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٥). [صحيح] وفِي رِوَايَةٍ: أن أبا حُذَيْفَةَ تَبَنَّى سالِمًا وَهُوَ مَوْلًى لامْرأةٍ مِنَ الأنْصَارِ، كمَا تَبَنَّى النّبِيّ ﷺ زيدًا، وكانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلًا فِي الجَاهِليّة دَعاهُ النّاس ابْنَهُ وَوَرِثَ مِيرَاثَهُ، حتّى أنْزلَ الله : ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (٦)، فَرُدّوا إلى آبائِهِمْ، فَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ أبٌ فَمَوْلى وأخٌ فِي الدّينِ، فَجاءَتْ سَهْلَةُ فَقالَتْ: يا رَسُولَ الله كُنّا نَرَى سالمًا وَلَدًا يَأوِي مَعِي وَمَعَ أبي حُذَيْفَةَ ويرَانِي فُضْلَى، وَقَدْ أنْزَلَ الله فِيهِمْ مما قَدْ عَلِمْتَ، فَقالَ: "أرْضِعيهِ خَمْسَ رَضَعاتٍ"، فَكَانَ بِمَنْزلَةِ وَلَدِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ. رَوَاهُ مالِكٌ فِي المُوَطّأ (٧) وأحْمَدُ) (٨). [صحيح]

стр. 6084

حديث عائشة في قصة سالم أخرج الرواية منه النسائي (١) عن جعفر بن ربيعة عن الزهري كتابة عن عروة عنها. ورواه الشافعي في الأم (٢) عن مالك عن الزهري عن عروة مرسلًا. ورواه أيضًا عبد الرزاق (٣). وأخرج الرواية عن الزهري الثانية عنها أبو داود (٤)؛ وأخرجها أيضًا البخاري (٥) في المغازي من صحيحه من طريق عقيل عن الزهري عن عروة عنها إلى قوله: "فجاءت سهلة النبي ﷺ … " قال: فذكر الحديث ولم يسق بقيته؛ وساقها البيهقي في سننه (٦) عن هذا الوجه كرواية أبي داود. ورواها أيضًا البخاري (٧) من رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عنها، وساق منها إلى قوله: "وقد أنزل الله فيه ما قد علمت". قوله: (معلومات) فيه إشارة: إلى أنَّه لا يثبت حكم الرَّضاع إلا بعد العلم بعدد الرضعات وأنَّه لا يكفي الظنُّ، بل يرجع معه ومع الشكِّ إلى الأصل وهو العدم. قوله: (وهنّ فيما يُقرأ) بضم الياء، وفيه إشارة إلى أنَّه تأخر إنزال الخمس الرضعات، فتوفي ﷺ وهنَّ قرآن يقرأ. قوله: (فُضلى) بضم الفاء والضاد المعجمة. قال الخطابي (٨): أي مبتذلة في ثياب مهنتها، انتهى. والفضل من الرجال والنساء: الذي عليه ثوبٌ واحدٌ بغير إزار. وقال ابن وهب: أي [مكشوف] (٩) الرأس.
следующие страницы →