← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 6115–6154 · переход к 6120.

стр. 6115

فحينئذٍ لفظ الوارث مجمل لا يحلّ حمله على أحد هذه المعاني إلا بدليل، مع أنه لا يصحّ الاستدلال بالآية على وجوب نفقة كل معسر على من يرثه من قرابته الموسرين، لأن الكلام في الآية في رزق الزوجات وكسوتهنّ، ولكنه يدل على المطلوب عموم: "فلذي قرابتك". قوله: (تصدق به على ولدك)، فيه دليل: على أنَّه يلزم الأب نفقة ولده المعسر. فإن كان الولد صغيرًا فذلك إجماع كما حكاه صاحب البحر (١)، وإن كان كبيرًا فقيل: نفقته على الأب وحده دون الأمّ، وقيل: عليهما حسب الإرث. ويأتي بقية الكلام على نفقة الأقارب في باب النفقة على الأقارب (٢). قوله: (تصدّق به على خادمك)، فيه دليل على وجوب نفقة الخادم، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله في باب نفقة الرقيق (٣). قوله: (بخمسة دنانير ذهبًا) قد قدمنا الكلام على هذا في الزكاة (٤). [الباب الثاني] بابُ اعِتبَارِ حالِ الزَّوْجِ في النَّفَقَةِ ٤/ ٢٩٧٥ - (عَنْ مُعاوَيةَ القُشَيْرِي قالَ: أتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: فَقُلْتُ: ما تَقُولُ فِي نِسائِنا؟ قالَ: "أطْعِمُوهُن مَمّا تَأكُلُون، وَاكْسُوهُنَّ مَمّا تَكْتَسُونَ، ولَا تضْربُوهُنْ ولَا تقَبِّحُوهُنّ"، رَوَاه أبو دَاوُدَ) (٥). [صحيح]

стр. 6116

الحديث أخرجه أيضًا النسائي (١) وابن ماجه (٢) والحاكم (٣) وابن حبان (٤) وصحَّحاه، وعلَّق البخاري (٥) [طرفًا] (٦) منه. وصححه الدارقطني في العلل (٧). وقد ساقه أبو داود في سننه من ثلاث طرق (٨)، في كل واحدة [منها] (٩) بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وهو معاوية القشيري المذكور. قال المنذري (١٠): وقد اختلف الأئمة في الاحتجاج بهذه النسخة، يعني نسخة بهز بن حكيم عن أبيه عن جده؛ فمنهم من احتج بها، ومنهم من أبى ذلك، وخرّج الترمذي (١١) منها شيئًا وصححه. وفي الحديث دليلٌ على أنه يجب على الزوج أن يُطعمَ امرأته مما يأكل ويكسوها مما يكتسي وأنه لا يجوز له ضربها ولا تقبيحها. وقد تقدَّم الحديث وشرحه في باب إحسان العشرة (١٢). وقد استدلّ المصنف بهذا الحديث على أن العبرة بحال الزوج في النفقة، ويؤيد ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (١٣)، وإلى ذلك ذهبت

стр. 6117

العترة (١) والشافعية (٢) وبعض الحنفية (٣). وذهب أكثر الحنفية (٣) ومالك (٤) إلى أن الاعتبار بحال الزوجة. واستدلوا بقصة هند امرأة أبي سفيان الآتية (٥). وأجيب عن ذلك بأنه أمرها بالأخذ بالمعروف، ولم يطلق لها، الأخذ على مقدار الحاجة. [الباب الثالث] باب المرأَة تنفق من مال الزوج بغير علمه إذا منعها الكفاية ٥/ ٢٩٧٦ - (عَنْ عائِشَةَ: أنَّ هِنْدًا قالَتْ: يا رَسُولَ الله إنَّ أبا سُفْيانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي ما يَكْفِينِي وَوَلَدِي إلَّا ما أخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لا يَعْلَمُ فقالَ: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالمَعْرُوفِ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا الترْمِذِي (٦)]. [صحيح] قوله: (إنَّ هندًا) هي بنت عتبة بن ربيعة، والرواية بالصَّرف. ووقع في رواية للبخاري (٧) بالمنع. وأبو سفيان: اسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.

стр. 6118

قوله: (شحيح) (١) أي بخيل حريص. وهو أعمّ من البخل لأن البخل مختصّ بمنع المال. والشحّ يعمّ منع كل شيء في جميع الأحوال. كذا في الفتح (٢). قوله: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)، قال القرطبي (٣): هذا أمر إباحةٍ، بدليل ما وقع في رواية للبخاري (٤) بلفظ: "لا حرج"، والمراد بالمعروف القدر الذي عرف بالعادة أنه الكفاية. قال (٥): وهذه الإباحة وإن كانت مطلقة لفظًا فهي مقيدةٌ معنى، كأنَّه قال: إن صحَّ ما ذكرتِ. والحديث فيه دليل: على وجوب نفقة الزوجة على زوجها، وهو مجمع عليه (٦) كما سلف، وعلى وجوب نفقة الولد على الأب، وأنَّه يجوز لمن وجبت له النفقة شرعًا على شخصٍ أن يأخذ من ماله ما يكفيه إذا لم يقع منها لامتثال وأصرّ على التمرّد، وظاهره أنَّه لا فرق في وجوب نفقة الأولاد على أبيهم بين الصغير والكبير، لعدم الاستفصال، وهو ينزل منزلة العموم. وأيضًا: قد كان في أولادها في ذلك الوقت من هو مكلف كمعاوية فإنَّه أسلم عام الفتح وهو ابن ثمانٍ وعشرين سنة، فعلى هذا يكون مكلفًا من قبل هجرة النبيّ ﷺ إلى المدينة وسؤال هند كان في عام الفتح. [وذهبت] (٧) الشافعية (٨) إلى اشتراط الصغر أو الزمانة، وحكاه ابن المنذر (٩) عن الجمهور. والحديث يردّ عليهم. ولم يصب من أجاب عن الاستدلال بهذا الحديث على وجوب نفقة الأولاد

стр. 6119

بأنه واقعة عين لا عموم لها، لأن خطاب الواحد كخطاب الجماعة كما تقرّر في الأصول (١). وفي رواية متفقٍ عليها (٢): "ما يكفيك ويكفي ولدك". وقد أجيب عن الحديث أيضًا بأنه من باب الفتيا لا من القضاء وهو فاسد، لأنه ﷺ لا يفتي إلا بحق. واستدلّ بالحديث أيضًا من قدّر نفقة الزوجة بالكفاية، وبه قال الجمهور (٣). وقال الشافعي (٤): إنها تقدّر بالأمداد، فعلى الموسر كل يوم مدّان، والمتوسط مدّ ونصف، والمعسر مدّ. وروي نحو ذلك عن مالك (٥). والحديث حجة عليهم كما اعترف بذلك النووي (٦). وللحديث فوائد لا يتعلق غالبها بالمقام، وقد استوفاها في فتح الباري (٧) واستوفى طرق الحديث واختلاف ألفاظه. [الباب الرابع] بابُ إثباتِ الفُرْقَةِ للمرأةِ إِذا تعذَّرَتْ النفقةُ بإعسارٍ ونحوه ٦/ ٢٩٧٧ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النّبِيّ ﷺ قالَ: "خَيْرُ الصَّدَقَةِ ما كانَ مِنْها عَنْ ظَهْرِ غِنَى، وَاليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدْ السّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تعُولُ"، فَقِيلَ: مَنْ أعُولُ يا رَسُولَ الله؟ قالَ: "امْرأتُكَ مِمّن تَعُولُ، تَقُولُ: أطْعِمْنِي وَإلّا فارِقْنِي، جارِيتُكَ تَقُولُ:

стр. 6120

أطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي، وَلَدُك يَقُولُ: إلى مَنْ تَتْرُكنِي؟ "، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَالدَّارَقُطْنِي (٢) بإسْنادٍ صَحِيحٍ. [القسم الأول مرفوع صحيح، والقسم الثاني موقوف صحيح] وأخْرَجَهُ الشّيْخانِ فِي الصَّحِيحَيْنِ (٣) وأحْمَدُ (٤) مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ وَجَعَلُوا الزّيادَةَ المُفَسّرَةَ فِيهِ مِنْ قَوْلِ أبي هُرَيْرَةَ). [صحيح؛ والزيادة موقوف صحيح] ٧/ ٢٩٧٨ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ: عَنْ النّبِيّ ﷺ فِي الرَّجُلِ لا يَجِدُ ما يُنْفِقُ على امْرأتِهِ قالَ: "يُفَرّقُ بَيْنَهُما"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ) (٥). [ضعيف] حديث أبي هريرة الأوّلُ حسَّن إسنادُه الحافظُ (٦). وهو من رواية عاصم، عن أبي صالح عن أبي هريرة. وفي حفظِ عاصم مقالٌ. ولفظُ الحديث الذي أشار إليه المصنف في البخاري (٧) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضلُ الصَّدقةِ ما كان عن ظهرِ غنى، واليدُ العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، تقول المرأة: إما أن تطعمني وإما أن تطلقني،

стр. 6121

ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني، إلى من تدعني؟ " قالوا: يا أبا هريرة سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة. وحديث أبي هريرة الآخر أخرجه أيضًا البيهقي (١) من طريق عاصم القاري عن أبي صالح عن أبي هريرة وأعله أبو حاتم (٢). وفي الباب عن سعيد بن المسيب عند سعيد بن منصور، والشافعي (٣) وعبد الرزاق (٤): "في الرجل لا يجد ما ينفق على أهله قال: يفرّق بينهما"، قال أبو الزناد: قلت لسعيد: سنة؟ قال: سنة. وهذا مرسل قويّ. وعن عمر عند الشافعي (٥) وعبد الرزاق (٦) وابن المنذر: "أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم: إما أن ينفقوا وإما أن يطلقوا ويبعثوا نفقة ما حبسوا". قوله: (ما كان عن ظهر غنى) فيه دليلٌ: على أن صدقة من كان غير محتاجٍ لنفسه إلى ما تصدّق به بل مستغنيًا عنه أفضل من صدقة المحتاج إلى ما تصدّق به. ويعارضه حديث أبي هريرة عند أبي داود (٧) والحاكم (٨) يرفعه: "أفضل الصدقة جهد من مقلّ"، وقد فسره في النهاية (٩) بقدر ما يحتمله حال قليل المال. وحديث أبي هريرة أيضًا عند النسائي (١٠) وابن خزيمة (١١) وابن حبان في

стр. 6122

صحيحه (١) واللفظ له والحاكم (٢) وقال على شرط مسلم قال: قال رسول الله ﷺ : "سبق درهم مائة ألف درهم، فقال رجل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: رجل له مال كثير أخذ من عرضه مائة ألف درهم فتصدّق بها، ورجل ليس له إلا درهمان فأخذ أحدهما فتصدّق به. فهذا تصدّق بنصف ماله … " الحديث. ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٣). ويؤيد الأوّل قوله تعالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (٤). ويمكن الجمع بأن الأفضل لمن كان يتكفف الناس إذا تصدّق بجميع ماله أن يتصدّق عن ظهر غنى. والأفضل لمن يصبر على الفاقة أن يكون متصدّقًا بما يبلغ إليه جهده وإن لم يكن مستغنيًا عنه. ويمكن أن يكون المراد بالغنى غنى النفس كما في حديث أبي هريرة عند الشيخين (٥) وغيرهما (٦): "ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس". قوله: (اليد العليا) هي يد المتصدِّق، واليد السفلى يد المتصدِّق عليه، هكذا في النهاية (٧). وسيأتي في باب النفقة على الأقارب (٨) ما يدلّ على هذا التفسير. قوله: (وابدأ بمن تعول) أي: بمن تجب عليك نفقته. قال في الفتح (٩): يقال: عال الرجل أهله: إذا مانهم: أي قام بما يحتاجون إليه من قوت وكسوة.

стр. 6123

وفيه دليل على وجوب نفقة الأولاد مطلقًا. وقد تقدم الخلاف في ذلك، وعلى وجوب نفقة الأقارب وسيأتي (١). قوله: ([تقول:] (٢) أطعمني وإلا فارقني)، استدلّ به وبحديث أبي هريرة الآخر على أن الزوج إذا أعسر عن نفقة امرأته واختارت فراقه فرّق بينهما، وإليه ذهب جمهور العلماء كما حكاه في فتح الباري (٣) وحكاه صاحب البحر (٤) عن عليّ (٥)، وعمر (٦)، وأبي هريرة (٧)، والحسن البصري (٨)، وسعيد بن المسيب (٩)، وحماد (١٠)، وربيعة (١١)، ومالك (١٢)، وأحمد بن حنبل (١٣)، والشافعي (١٤)، والإمام يحيى (١٥).

стр. 6124

وحكى صاحب الفتح (١) عن الكوفيين أنه يلزم المرأة الصبر وتتعلق النفقة بذمة الزوج. وحكاه في البحر (٢) عن عطاء، والزهري، والثوري، والقاسمية، وأبي حنيفة (٣) وأصحابه، وأحد قولي الشافعي (٤). ومن جملة ما احتجّ به الأولون قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ (٥). وأجاب الآخرون عن الأحاديث المذكورة بما سلف من إعلالها. وأما ما في الصحيحين فهو من قول أبي هريرة كما وقع التصريح به منه حيث قال أنه من كيسه؛ بكسر الكاف: أي من استنباطه من المرفوع. وقد وقع في رواية الأصيلي بفتح الكاف، أي: من فطنته. وأما قول عمر، فليس مما يحتجّ به. وأجابوا عن الآية بأن ابن عباس (٦) وجماعة من

стр. 6125

التابعين (١) قالوا: نزلت فيمن كان يطلق فإذا كادت العدّة تنقضي راجع. ويجاب عن ذلك بأن الأحاديث المذكورة يقوّي بعضها بعضًا مع أنه لم يكن فيها قدح يوجب الضعف فضلًا عن السقوط، والآية المذكورة وإن كان سببها خاصًّا كما قيل فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وأما استدلال الآخرين بقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ (٢)، قالوا: وإذا أعسر ولم يجد سببًا يمكنه به تحصيل النفقة فلا تكليف عليه بدلالة الآية. فيجاب عنه بأنا لم نكلفه النفقة حال إعساره، بل دفعنا الضرر عن امرأته وخلصناها من حباله لتكتسب لنفسها أو يتزوّجها رجل آخر. واحتجوا أيضًا بما في صحيح مسلم (٣) من حديث جابر: "أنه دخلَ أبو بكر وعمرُ على رسول الله ﷺ فوجداهُ حولهُ نساؤه واجمًا ساكتًا وهنّ يسألنه النفقة، فقام كل واحد منهما إلى ابنته، أبو بكر إلى عائشة وعمر إلى حفصة، فوجآ أعناقهما، فاعتزلهنّ رسول الله ﷺ بعد ذلك شهرًا"، فضربهما لابنتيهما في حضرته ﷺ لأجل مطالبتهما بالنفقة التي لا يجدها، يدلّ على عدم التفرقة لمجرّد الإعسار عنها، قالوا: ولم يزل الصحابة فيهم الموسر والمعسر، ومعسروهم أكثر. ويجاب عن الحديث المذكور بأنّ زجرهما عن المطالبة بما ليس عند رسول الله ﷺ لا يدلّ على عدم جواز الفسخ لأجل الإعسار، ولم يروا أنهن

стр. 6126

طلبنه ولم يجبن إليه، كيف وقد خيرهن ﷺ بعد ذلك فاخترنه، وليس محل النزاع جواز المطالبة للمعسر بما ليس عنده وعدمها، بل محله: هل يجوز الفسخ عند التعذر أم لا؟ وقد أجيب عن هذا الحديث: بأنَّ أزواج النبيّ ﷺ لم يعدمن النفقة بالكلية؛ لأن النبيّ ﷺ قد استعاذ من الفقر المدقع، ولعلّ ذلك إنما كان فيما زاد على قوام البدن مما يعتاد الناس النزاع في مثله، وهكذا يجاب عن الاحتجاج بما كان عليه الصحابة من ضيق العيش. وظاهر الأدلة أنَّه يثبت الفسخ للمرأة بمجرّد عدم وجدان الزوج لنفقتها، بحيث يحصل عليها ضرر من ذلك. وقيل: إنه يؤجل الزوج مدة؛ فروي عن مالك (١) أنَّه يؤجل شهرًا، وعن الشافعية (٢) ثلاثة أيام ولها الفسخ في أوّل اليوم الرابع. وروي عن حماد (٣) أن الزوج يؤجل سنة ثم يفسخ قياسًا على العِنِّيْن. وهل تحتاج المرأة إلى الرفع إلى الحاكم؟ روي عن المالكية (٤) في وجه لهم أنها ترافعه إلى الحاكم ليجبره على الإنفاق أو يطلق عنه. وفي وجهٍ لهم آخر: أنَّه ينفسخ النكاح بالإعسار، لكن بشرط أن يثبت إعساره عند الحاكم والفسخ بعد ذلك إليها. وروي عن أحمد (٥) أنها إذا اختارت الفسخ رافعته إلى الحاكم والخيار إليه بين أن يجبره على الفسخ أو الطلاق. وروي عن عبد الله بن الحسن العنبري (٦) أن الزوج إذا أعسر عن النفقة حبسه الحاكم حتى يجدها وهو في غاية الضعف، لأن تحصيل الرزق غير مقدور له إذا كان ممن أعوزته المطالب وأكدت عليه جميع المكاسب، اللهمَّ إلا أن

стр. 6127

يتقاعد عن طلب أسباب الرزق والسعي له مع تمكنه من ذلك، فلهذا القول وجه. وذهب ابن حزم (١) إلى أنه يجب على المرأة الموسرة الإنفاق على زوجها المعسر ولا ترجع عليه إذا أيسر. وذهب ابن القيم (٢) إلى التفصيل: وهو أنها إذا تزوَّجت به عالمة بإعساره أو كان حال [الزوج] (٣) موسرًا ثم أعسر فلا فسخ لها، وإن كان هو الذي غرّها عند الزواج بأنه موسر ثم تبين لها إعساره كان لها الفسخ. واعلم أنه لا فسخ لأجل الإعسار بالمهر على ما ذهب إليه الجمهور (٤). وذهب بعض الشافعية (٥) وهو مرويّ عن أحمد (٦) إلى أنه يثبت الفسخ لأجل ذلك. والظاهر الأوّل لعدم الدليل الدالّ على ذلك. وقد ثبت عنه ﷺ بأن النساء عوان في يد الأزواج كما تقدم (٧): أي حكمهن حكم الإسراء، لأن العاني: الأسير، والأسير لا يملك لنفسه خلاصًا من دون رضا الذي هو في أسره، فهكذا النساء. ويؤيد هذا حديث: "الطلاق لمن أمسك بالساق" (٨)، فليس للزوجة تخليص نفسها من تحت زوجها إلا إذا دلّ الدليل على جواز ذلك كما في الإعسار عن النفقة ووجود العيب المسوّغ للفسخ، وهكذا إذا كانت المرأة تكره الزوج كراهة شديدة. وقد قدمنا الخلاف في ذلك.

стр. 6128

[الباب الخامس] باب النَّفَقَةِ على الأَقَارِبِ ومن يُقَدَّم منهم ٨/ ٢٩٧٩ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله ﷺ أيّ النّاسِ أحَقُّ مِنِّي بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: "أمّك"، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أُمّكَ"، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أُمّكَ"، قَالَ: ثمّ مَنْ؟ قَالَ: "أَبُوكَ" مُتّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ولمُسْلم في رواية (٢): مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: "أُمّكَ"). [صحيح] ٩/ ٢٩٨٠ - (وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: "أمّكَ"، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أُمّكَ"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أمّكَ"، قَالَ: قُلْتُ: ثُمّ مَنْ؟ قَالَ: "أَبَاكَ، ثُمَّ الْأقرَبَ فَالْأقرَبَ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٣) وَأَبُو دَاوُدَ (٤) وَالتِّرْمِذِيُّ) (٥). [حسن] ١٠/ ٢٩٨١ - (وَعَنْ طَارِقٍ المُحَارِبيِّ قَالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ فَإِذَا رَسُولَ الله ﷺ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النّاسَ وَهُوَ يَقُولُ: "يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا، وَابْدأْ بِمَنْ تَعُولُ: أُمّكَ وأباكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أدْناكَ أدْناكَ"، رَوَاهُ النّسائيُّ) (٦). [صحيح] ١١/ ٢٩٨٢ - (وَعَنْ كلَيْبِ بْنِ مَنْفَعَةَ عَنْ جَدِّهِ: أَنّهُ أتى النّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: "أُمّكَ وَأباكَ وَأُخْتَكَ وأخاكَ، وَمَوْلَاكَ الّذِي يَلِي ذَاكَ حَقّ

стр. 6129

وَاجِبٌ وَرَحِمٌ مَوْصُولَةٌ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) (١). [ضعيف] حديث بهز بن حكيم أخرجه أيضًا الحاكم (٢)؛ وحسّنه أبو داود (٣). وحديث طارق المحاربي أخرجه أيضًا ابن حبان (٤)، والدارقطني (٥) وصححاه. وحديث كليب بن منفعة أورده الحافظ في التلخيص (٦) وسكت عنه، وقد أخرجه البغوي [وابن قانع (٧) والطبراني في الكبير (٨) والبيهقي (٩)] (١٠). ورجال إسناد أبي داود لا بأس بهم. وفي الباب عن المقدام بن معديكرب عند البيهقي (١١) بإسناد حسن: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "إنَّ الله يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بآبائكم، ثم بالأقرب فالأقرب". وأخرج البخاري في الأدب المفرد (١٢)، وأحمد (١٣)، وابن حبان (١٤) والحاكم (١٥) وصححاه بلفظ: "إن الله يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم

стр. 6130

بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بالأقرب فالأقرب". وأخرج الحاكم (١) من حديث أبي رمثة بلفظ: "أمك أمك وأباك، ثم أختك وأخاك، ثم أدناك أدناك". قوله: (أمك)، فيه دليل: على أنَّ الأمّ أحقُّ بحسن الصحبة من الأب، وأولى منه بالبرِّ، حيث لا يتسع مال الابن إلا لنفقة واحد منهما. إليه ذهب الجمهور، كما حكاه القاضي عياض (٢) فإنه قال: ذهب الجمهور إلى أن الأم تفضل في البر على الأب. وقيل: إنهما سواء، وهو مرويّ عن مالك (٣) وبعض الشافعية (٤). وقد حكى الحارث المحاسبي (٥) الإجماع على تفضيل الأم على الأب. قوله: (ثم الأقرب فالأقرب)، فيه دليل: على وجوب نفقة الأقارب على الأقارب، سواء كانوا وارثين أم لا. وقد قدمنا تفصيل الخلاف في ذلك. واستدلّ من اعتبر الميراث بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (٦). قوله: (يد المعطي العليا)، هو تفسير للحديث المتقدم (٧) بلفظ: "اليد العليا خير من اليد السفلى". قوله: (وابدأ بمن تعول) قد تقدم تفسيره. قوله: (ثم أدناك أدناك) هو مثل قوله: "ثم الأقرب فالأقرب"، وفي ذلك دليل على أن القريب الأقرب أحقّ بالبرّ والإنفاق من القريب الأبعد وإن كانا جميعًا فقيرين حيث لم يكن في مال المنفق إلا مقدار ما يكفي أحدهما فقط بعد كفايته.

стр. 6131

قولى: (ومولاك الذي يلي ذاك) قيل: أراد بالمولى هنا القريب. ولعلّ وجه ذلك أنه جعله واليًا للأم والأب والأخت والأخ، ولا بد أن يكون الوالي لهم من جنسهم في قرابة النسب. والظاهر أن المراد بالمولى هو المولى لغةً وشرعًا، وجعله واليًا لمن ذكر لا يستلزم أن يكون من جنسهم في القرابة. بل المراد أنه يليهم في استحقاق النفقة حيث لم يوجد معهم من هو مقدم عليه، ولا يلزم من قوله بعد ذلك: "ورحم موصولة" أن تكون الرحامة موجودة في جميع المذكورين، بل يكفي وجودها في البعض كالأم والأب والأخت والأخ. [الباب السادس] باب من أحقُّ بكفالةِ الطِّفْلِ ١٢/ ٢٩٨٣ - (عَن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: أن ابْنَةَ حَمْزَةَ اخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ وَجَعْفَرٌ وَزَيْدٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أنا أحَقُّ بِهَا هِيَ ابْنَةُ عَمِّي، وَقَالَ جَعْفَرٌ: بِنْتُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي، وَقَالَ زَيْدٌ: ابْنَةُ أَخِي، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ الله ﷺ لِخَالَتِهَا وَقَالَ: "الخالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمّ" مُتّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ (٢) أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَلِيّ، وَفِيهِ: "وَالْجَارِيَةُ عِنْدَ خَالَتِها، فإنَّ الخالَةَ وَالِدَةٌ"). [صحيح] حديث عليّ أخرجه أيضًا أبو داود (٣) والحاكم (٤) والبيهقي (٥) بمعناه.

стр. 6132

قوله: (وخالتها تحتي) الخالة المذكورة: هي أسماء بنت عميس. قوله: (وقال زيد: ابنة أخي) إنما سمى حمزة أخاه لأنَّ النبيّ ﷺ آخى بينه وبينه. قوله: (الخالة بمنزلة الأم) فيه دليل: على أن الخالة في الحضانة بمنزلة الأم، وقد ثبت بالإجماع (١): أن الأم أقدم الحواضن، فمقتضى [التشبيه] (٢) أن تكون الخالة أقدم من غيرها من أمهات الأمّ وأقدم من الأب والعمات. وذهبت الشافعية (٣) والهادي (٤) إلى تقديم الأب على الخالة. وذهب الشافعي (٥) والهادوية (٦) إلى تقدم أمّ الأم وأم الأب على الخالة أيضًا. وذهب الناصر (٧) والمؤيد بالله (٧) وأكثر أصحاب الشافعي (٨) وهو رواية عن أبي حنيفة (٩) إلى أن الأخوات أقدم من الخالة. والأولى تقديم الخالة بعد الأم على سائر الحواضن لنصّ الحديث وفاء بحق التشبيه المذكور وإلا كان لغوًا. وقد قيل: إن الأب أقدم من الخالة بالإجماع، وفيه نظر، فإن صاحب البحر (١٠) قد حكى عن الإصطخري (١١) أن الخالة أولى منه، ولم يحك القول بتقديم الأب عليها إلا عن الهادي (١٢) والشافعي (١٣) وأصحابه. وقد طعن ابن حرّم (١٤) في حديث البراء المذكور بأن في إسناده إسرائيل،

стр. 6133

وقد ضعفه عليُّ بن المدينيِّ، وردّ عليه بأنه قد وثقه سائر أهل الحديث، وتعجب أحمد (١) من حفظه وقال: ثقة. وقال أبو حاتم (٢): هو أتقن أصحاب أبي إسحاق، وكفى باتفاق الشيخين على إخراج هذا الحديث دليلًا. واستشكل كثير من الفقهاء وقوع القضاء منه ﷺ لجعفر وقالوا: إن كان القضاء له فليس بمحرم لها، وهو وعليّ سواء في قرابتها، وإن كان القضاء للخالة فهي مزوّجة، وسيأتي أن زواج الأم مسقط لحقها من الحضانة، فسقوط حقّ الخالة بالزواج أولى. وأجيب عن ذلك: بأنَّ القضاء للخالة والزواج لا يسقط حقها من الحضانة مع رضا الزوج كما ذهب إليه أحمد (٣) والحسن البصري (٤) والإمام يحيى (٥) وابن حزم (٦). وقيل: إن النكاح إنما يسقط حضانة الأمّ وحدها حيث كان المنازع لها الأب ولا يسقط حقّ غيرها ولا حقّ الأمّ حيث كان المنازع لها غير الأب وبهذا يجمع بين حديث الباب وحديث: "أنت أحقّ به ما لم تنكحي" الآتي (٧)، وإليه ذهب [ابن جرير] (٨). ١٣/ ٢٩٨٤ - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ: أن امرأةً قَالَتْ: يا رَسُولَ الله إنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَزَعَمَ أَبُوهُ أَنّهُ يَنْزعُهُ مِنِّي، فَقَالَ: "أنْتِ أَحَق بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٩) وأبُو دَاوُدَ (١٠) لَكِنْ فِي لَفْظِهِ: "وأنَّ أَبَاهُ طَلّقَنِي وَزَعَمَ أنّهُ يَنْتَزِعُهُ مِنِّي"). [حسن]

стр. 6134

الحديث أخرجه أيضًا البيهقي (١) والحاكم (٢) وصححه، وهو من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قوله: (وعاء) بفتح الواو والمد وقد يضمّ: وهو الظرف، وقرأ السبعة (٣): ﴿قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ (٤) بالكسر. والحواء بكسر الحاء والمد (٥): اسمٌ لكل شيءٍ يحوي غيره، أي: يجمعه. والسِقاء (٦): بكسر السين: أي يسقى منه اللبن. ومراد الأم بذلك: أنَّها أحق به لاختصاصها بهذه الأوصاف دون الأب. قوله: (أنت أحقّ به)، فيه دليل على أن الأمّ أولى بالولد من الأب ما لم يحصل مانع من ذلك كالنكاح، لتقييده ﷺ للأحقيَّة بقوله: "ما لم تنكحي"، وهو مجمع على ذلك كما حكاه صاحب البحر (٧). فإن حصل منها النكاح بطلت حضانتها، وبه قال مالك (٨) والشافعي (٩) والحنفية (١٠) والعترة (١١). وقد حكى ابن المنذر (١٢) الإجماع عليه.

стр. 6135

وروي عن عثمان أنها لا تبطل بالنكاح، وإليه ذهب الحسن البصري (١) وابن حزم (٢). واحتجوا بما روي: "أن أمّ سلمة تزوّجت بالنبيّ ﷺ وبقي ولدها في كفالتها" (٣)، وبما تقدم في حديث ابن حمزة (٤). ويجاب عن الأوّل: بأن مجرّد البقاء مع عدم المنازع لا يصلح للاحتجاج به على محل النزاع لاحتمال أنه لم يبق له قريب غيرها. وعن الثاني: بأن ذلك في الخالة ولا يلزم في الأمّ مثله. وقد ذهب أبو حنيفة (٥) والهادوية (٦) إلى أن النكاح إذا كان بذي رحم محرم للمحضون لم يبطل به حقّ [حضانتها] (٧). وقال الشافعي: يبطل مطلقًا لأن الدليل لم يفصل وهو الظاهر. وحديث ابنة حمزة (٤) لا يصلح للتمسك به؛ لأن جعفرً ليس بذي رحم محرم لابنة حمزة. وأما دعوى دلالة القياس على ذلك كما زعمه صاحب البحر (٨) فغير ظاهرة. وقد أجاب ابن حزم (٩) عن حديث الباب بأن في إسناده عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه. ولم يسمع أبوه من جدّه وإنما هو صحيفة كما سبق تحقيقه. وردّ بأن حديث عمرو بن شعيب قبله الأئمة وعملوا به. وقد استدلّ لمن قال: بأن النكاح إذا كان بذي رحم للمحضون لم يبطل حقّ المرأة من الحضانة بما رواه عبد الرزاق (١٠) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن:

стр. 6136

"أنها جاءت امرأة إلى النبيّ ﷺ فقالت: إن أبي أنكحني رجلًا لا أريده وترك عمّ ولدي فأخذ مني ولدي. فدعا رسول الله ﷺ أباها ثم قال لها: اذهبي فانكحي عمّ ولدك"، وهذا مع كونه مرسلًا في إسناده رجل مجهول ولم يقع التصريح فيه بأنه أرجع الولد إليها عند أن زوّجها بذي رحم له. ١٤/ ٢٩٨٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيّ ﷺ خَيَّرَ غُلامًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَابْنُ مَاجَهْ (٢) والتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (٣). [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ امْرَأَةٍ جَاءَتْ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بابْنِي وَقَدْ سَقَاني مِنْ بِئْرِ أبي عِنَبَةَ، وَقَدْ نَفَعَنِي، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اسْتَهِمَا عَلَيْهِ"، قَالَ زَوْجُهَا: مَنْ يُحاقِّنِي فِي وَلَدِي؟ فَقَالَ النبيّ ﷺ : "هَذَا أَبُوكَ وَهَذِهِ أمّكَ فَخُذْ بِيَدِ أيّهما شِئْتَ"، فَأخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ فَانْطَلَقَتْ بِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٤) وَكذَلِكَ النّسائي (٥) ولَمْ يَذْكُرْ فَقَالَ: "اسْتَهِما عَلَيْهِ". [صحيح] وَلِأحْمَدَ (٦) مَعْنَاهُ، لَكِنّهُ قَالَ فِيهِ: جَاءَتْ امْرَأةٌ قَدْ طَلّقَهَا زَوْجُها. وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ قَوْلَهَا: قَدْ سَقَانِي وَنَفَعَنِي). [صحيح] ١٥/ ٢٩٨٦ - (وَعَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْأَنْصَارِيّ عَنْ جَدِّهِ: أن جَدّهُ أَسْلَمَ وأبَتِ امْرَأَتُهُ أنْ تُسْلِمَ، فجاءَ بابْنٍ لَهُ صَغِيرٍ لَمْ يَبْلُغْ، قَالَ: فأجْلَسَ النّبِي ﷺ

стр. 6137

الأبَ هاهُنَا وَالْأُمَّ هاهُنا، ثُمَّ خَيَّرَهُ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ اهْدِهِ"، فَذَهَبَ إِلَى أَبِيهِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَالنّسائي (٢). [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أبي عَنْ جَدِّي رَافع بْن سِنَانٍ أنّهُ أسْلَمَ وَأَبَتِ امْرَأَتُهُ أنْ تُسْلِم، فأتَتِ النّبِيّ ﷺ فَقَالَتِ: ابْنَتِي وَهِيَ فَطِيم أوْ شِبْهُهُ، وَقَالَ رَافِعٌ: ابْنَتِي، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اقْعُدْ نَاحِيَةً"، وَقَالَ لَهَا: "اقْعِدِي نَاحِيَةً"، فأقْعَدَ الصَّبِيّةَ بَيْنَهُمَا ثمّ قَالَ: "ادْعوَاها"، فَمَالَتْ إِلَى أُمها، فَقَال النّبِيّ ﷺ : "اللَّهُم اهْدِها"، فَمَالَتْ إلى أبِيها فأخَذَها، رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وأبُو دَاوُدَ (٤). [صحيح] وَعَبْدُ الْحَمِيدِ هَذَا هُوَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ رَافع بْنِ سِنان الأنصاري). حديث أبي هريرة رواه باللفظ الأوّل أيضًا أبو داود (٥). ورواه بنحو اللفظ الثاني بقية أهل السنن (٦) وابن أبي شيبة (٧) وصححه الترمذي (٨) وابن حبان (٩) وابن القطان. وحديث عبد الحميد باللفظ الآخر أخرجه أيضًا النسائي (١٠) وابن ماجه (١١) والدارقطني (١٢). وفي إسناده اختلاف كثير وألفاظه مختلفة.

стр. 6138

ورجّح ابن القطان رواية عبد الحميد بن جعفر. وقال ابن المنذر (١): لا يثبته أهل النقل وفي إسناده مقال، ولكنه قد صححه الحاكم (٢). وذكر الدارقطني أن البنت المخيَّرة اسمها عميرة، وقال ابن الجوزي: رواية من روى أنه كان غلامًا أصح. وقال ابن القطان: لو صحّ رواية من روى أنها بنت، لاحتمل أنهما قصتان لاختلاف المخرجين. قوله: (خيّر غلامًا … إلخ)، فيه دليل على أنه إذا تنازع الأب والأم في ابن لهما كان الواجب هو تخييره فمن اختاره ذهب به. وقد أخرج البيهقي (٣) عن عمر أنَّه خيَّر غلامًا بين أبيه وأمه. وأخرج أيضًا (٤) عن عليّ أنَّه خَيّر عمارة الجذامي بين أمه وعمته، وكان ابن سبع، أو ثمان سنين، وقد ذهب إلى هذا الشافعي (٥) وأصحابه، وإسحاق بن راهويه (٦). وقال: أحبُّ أن يكون مع الأم إلى سبع سنين ثم يخير. وقيل: إلى خمس. وذهب أحمد (٧) إلى أن الصغير إلى دون سبع سنين أمه أولى به. وإن بلغ سبع سنين فالذكر فيه ثلاث روايات: يخيِّر وهو المشهور عن أصحابه، وإن لم يختر أقرع بينهما. والثانية: أن الأب أحقّ به. والثالثة: أن الأب أحقّ بالذكر والأمّ بالأنثى إلى تسع، ثم يكون الأب أحق بها.

стр. 6139

والظاهر من أحاديث الباب: أن التخيير في حق من بلغ من الأولاد إلى سن التمييز هو الواجب من غير فرق بين الذكر والأنثى. وحكي في البحر (١) عن مذهب الهادوية، وأبي طالب، وأبي حنيفة (٢) وأصحابه، ومالك أنه لا تخيير، بل متى استغنى بنفسه فالأب أولى بالذكر والأم بالأنثى. وعن مالك (٣): الأنثى للأم حتى تزوج وتدخل، والأب للذكر حتى يبلغ. وحدّ الاستغناء عند أبي حنيفة (٤) وأصحابه، وأبي العباس (٥)، وأبي طالب، أنّ يأكل ويشرب ويلبس. وعند الشافعي والمؤيد بالله (٦) والإمام يحيى (٦): هو بلوغ السبع. وتمسك النافون للتخيير بحديث: "أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي" (٧)، ويجاب عنه: بأنَّ الجمع ممكن، وهو أن يقال: المراد بكونها أحقُّ به فيما قبل السنّ التي يخير فيها لا فيما بعدها بقرينة أحاديث الباب. قوله: (استهما عليه) فيه دليل على أن القرعة طريق شرعية عند تساوي الأمرين. وأنه يجوز الرجوع إليها كما يجوز الرجوع إلى التخيير. وقد قيل: إنه يقدم التخيير عليها، وليس في حديث أبي هريرة (٨) المذكور ما يدلّ على ذلك بل ربما دلّ على عكسه، لأن النبيّ ﷺ أمرهما أوّلًا بالاستهام، ثم لما لم يفعلا خير الولد. وقد قيل: إن التخيير أولى لاتفاق ألفاظ الأحاديث عليه وعمل الخلفاء الراشدين به. قوله: (من يحاقني) الحقاق والاحتقاق: الخصام والاختصام كما في القاموس (٩): أي من يخاصمني في ولدي.

стр. 6140

قوله: (فمالت إلى أمها، فقال النبيّ ﷺ : "اللهمَّ اهدها")، استدلَّ بذلك على جواز نقل الصبيّ إلى من اختار ثانيًا، وقد نسبه صاحب البحر (١) إلى القائلين بالتخيير. واستدلّ بحديث عبد الحميد (٢) المذكور على ثبوت الحضانة للأم الكافرة؛ لأن التخيير دليل ثبوت الحقّ. وإليه ذهب أبو حنيفة (٣) وأصحابه، وابن القاسم (٤) وأبو ثور (٥). وذهب الجمهور (٦) إلى أنه لا حضانة للكافرة على ولدها المسلم. وأجابوا عن الحديث بما تقدم من المقال وبما فيه من الاضطراب. ويجاب بأن الحديث صالح للاحتجاج به والاضطراب ممنوع باعتبار محل الحجة. وأما احتجاجهم بمثل قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٧)، وبنحو حديث: "الإسلام يعلو " (٨)، فغير نافع لأنه عامّ وحديث الباب خاص. واعلم أنه ينبغي قبل التخيير والاستهام ملاحظة ما فيه مصلحة للصبيّ، فإذا كان أحد الأبوين أصلح للصبيّ من الآخر قدم عليه من غير قرعة ولا تخيير، هكذا قال ابن القيم (٩)، واستدلّ على ذلك بأدلة عامة نحو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (١٠)، وزعم أن قول من قال بتقديم التخيير أو القرعة مقيد بهذا. وحكى عن شيخه ابن تيمية (١١) أنه قال: تنازع أبوان صبيًا عند الحاكم،

стр. 6141

فخُيّر الولد بينهما فاختار أباه، فقالت أمه: سله لأي شيء يختاره؟ فسأله فقال: أمي تبعثني كل يوم للكاتب والفقيه يضرباني، وأبي يتركني ألعب مع الصبيان، فقضى به للأم، ورجح هذا ابن تيمية. واستدلّ له بنوع من أنواع المناسب (١)، ولا يخفى أن الأدلة المذكورة في خصوص الحضانة خالية عن مثل هذا الاعتبار مفوّضة حكم الأحقية إلى محض الاختيار، فمن جعل المناسب صالحًا لتخصيص الأدلة أو تقييدها فذاك، ومن أبى ووقف على مقتضاها كان في تمسكه بالنصّ وموافقته له أسعد من غيره. [الباب السابع] باب نَفَقَةِ الرَّقِيقِ والرِّفْقِ بِهِمْ ١٦/ ٢٩٨٧ - (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ لِقُهْرَمَانٍ لَهُ: هَلْ أعْطَيْتَ الرَّقِيقَ قُوتَهُمْ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فانْطَلِقْ فَأَعْطِهِمْ، فَإِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "كَفَى بالمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] ١٧/ ٢٩٨٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ ما لا يُطِيقُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٣) وَمُسْلِمٌ (٤) [صحيح] ١٨/ ٢٩٨٩ - (وَعَنْ أَبِي ذَرّ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: "هُمْ إِخْوَانُكُمْ وَخَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ - الله تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأكلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ ما يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فأعِينُوهُمْ [عَلَيْهِ] (٥) ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٦). [صحيح]

стр. 6142

١٩/ ٢٩٩٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذا أَتى أَحَدَكُم خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ أَوْ أَكلَةً أَوْ أَكلَتَيْنِ، فَإِنّهُ وَليَ حَرَّهُ وَعِلَاجَهُ". رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ) (١) [صحيح] ٢٠/ ٢٩٩١ - (وَعَنْ أَنسٍ قَالَ: كَانَتْ عَامَّةُ وَصِيَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وهُوَ يُغَرْغِرُ بِنَفْسِهِ: "الصَّلاة وَمَا مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ". رَوَاهُ أحمدُ (٢) وأَبُو دَاوُدَ (٣) وابْنُ مَاجَهْ (٤). [صحيح] حديث أنس أخرجه أيضًا النسائي (٥)، وابن سعد (٦). وله عند النسائي (٧) أسانيد منها ما رجاله رجال الصحيح. وله شاهد من حديث علي عند أبي داود (٨) وابن ماجه (٩). زاد فيه: "والزكاة بعد الصلاة".

стр. 6143

وأحاديث الباب فيها دليل على وجوب نفقة المملوك وكسوته وهو مجمع (١) على ذلك كما حكاه صاحب البحر (٢) وغيره. وظاهر حديث عبد الله بن عمرو (٣)، وحديث أبي هريرة (٤) أنَّه لا يتعين على السيد إطعامه مما يأكل، بل الواجب الكفاية بالمعروف. وظاهر حديث أبي ذر (٥) أنَّه يجب على السيد إطعامه مما يأكل وكسوته مما يلبس، وهو محمول على الندب، والقرينة الصارفة إليه الإجماع على أنه لا يجب على السيد ذلك. وذهبت العترة (٦) والشافعي (٧) إلى أن الواجب الكفاية بالمعروف كما وقع في رواية: فلا يجوز التقتير الخارج عن العادة، ولا يجب بذل فوق المعتاد قدرًا وجنسًا وصفةً. قوله: (ولا يُكَلَّف من العمل ما لا يُطيق)، فيه دليل: على تحريم تكليف العبيد والإماء فوق ما يطيقونه من الأعمال وهذا مجمع عليه. قوله: (إذا أتى أحدَكم خادمه) بنصب أحدكم ورفع خادمه، والخادم يطلق على الذكر والأنثى وهو أعم من الحرّ والمملوك. قوله: (فإن لم يجلسه) أي لم يجلس المخدوم الخادم. قوله: (لُقمةً أو لقمتين) بضم اللام وهي العين المأكولة من الطعام (٨)، وروي بفتح اللام والصواب الأول إذا كان المراد العين وهو ما يلتقم؛ والثاني: إذا كان المراد الفعل وهكذا. قوله: (أكلة أو أكلتين) وهو شك من الراوي. وفي هذا دليل على أنه لا يجب إطعام المملوك من جنس ما يأكله المالك، بل ينبغي أن يناوله منه ملء فمه للعلة المذكورة آخرًا وهي توليه [لحرّه] (٩)

стр. 6144

وعلاجه، ويدفع إليه ما يكفيه من أي طعام أحب على حسب ما تقتضيه العادة لما سلف من الإجماع. وقد نقله ابن المنذر فقال: الواجب عند جميع أهل العلم إطعام الخادم من غالب القوت الذي يأكل منه مثله في تلك البلد، وكذلك الإدام والكسوة، وللسيد أن يستأثر بالنفيس من ذلك وإن كان الأفضل المشاركة. وقال الشافعي (١) بعد أن ذكر الحديث: هذا عندنا على وجهين: (الأول): أن إجلاسه معه أفضل، فإن لم يفعل فليس بواجب. (الثاني): أن يكون الخيار إلى السيد بين أن يجلسه أو يناوله، ويكون اختيارًا غير حتم. قوله: (كانت عامة وصية رسول الله ﷺ ) فيه دليل على وقوع وصية منه ﷺ ، وقد قدمنا الكلام على ذلك في كتاب الوصايا. قوله: (يغرغر) (٢) بغينين معجمتين وراءين مهملتين مبني للمجهول. قوله: (الصلاة وما ملكت أيمانكم) أي حافظوا على الصلاة وأحسنوا إلى المملوكين. [الباب الثامن] باب نفقة البهائم ٢١/ ٢٩٩٢ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "عُذِّبَتِ امْرَأةٌ في هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إذْ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تأكلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ" (٣). [صحيح]

стр. 6145

وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ (١). [صحيح] ٢٢/ ٢٩٩٣ - (وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأكلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ، مِثْلُ الَّذِي كانَ بَلَغَ مِنّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأ خُفَّهُ مَاءً، ثمّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ الله لَهُ فَغَفَرَ لَهُ"، [قَالُوا] (٢): يَا رَسُولَ الله، وَإِنَّ لنَا في الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ فَقَالَ: "في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرًا" (٣). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ). [صحيح] ٢٣/ ٢٩٩٤ - (وَعَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَألتُ رَسُولَ الله ﷺ عَنِ الضَّالَّةِ مِنَ الْإِبِلِ تَغْشَى حِيَاضِي قَدْ لُطْتُها لِلْإِبِلِ، هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِي شَأنِ ما أَسْقِيهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ حَرَّاءَ أَجْرٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤). [صحيح] حديث سراقة أخرجه أيضًا ابن ماجه (٥)، وأبو يعلى (٦)، والبغوي (٧)، والطبراني في الكبير (٨)، والضياء في المختارة. قوله: (عُذِّبَتِ امرأةٌ) قال الحافظُ (٩): لَمْ أقف على اسمها، ووقع في رواية أنَّها حِمْيَريةٌ، وفي أخرى أنها من بني إسرائيل، كما في مسلم (١٠)، والجمع ممكن لأن طائفة من حِمْيَر دخلوا في اليهودية فيكون نسبتها إلى بني إسرائيل لأنهم أهل دينها، وإلى حمير لأنهم قبيلتها.

стр. 6146

قوله: (في هرَّة) أي: بسبب هرة، والهرة: أنثى السِّنور. قوله: (خَشاش الأرض) (١) بفتح الخاء المعجمة ويجوز ضمها وكسرها، بعدها معجمتان بينهما ألف، والمراد هوامّ الأرض وحشراتها. قال النووي (٢): ورويَ بالحاء المهملة، والمراد: نبات الأرض، قال: وهو ضعيف أو غلط. وفي رواية (٣): "من حَشراتِ الأرض". وقد استدل بهذا الحديث على تحريم حبس الهرة وما يشابهها من الدواب بدون طعام ولا شراب، لأن ذلك من تعذيب خلق الله، وقد نهى عنه الشارع. قال القاضي عياض (٤): يحتمل أن تكون عذبت في النار حقيقة أو بالحساب، لأن من نوقش الحساب عُذِّبَ، ولا يخفى أن قوله: "فدخلت فيها النار" يدل على الاحتمال الأول. وقد قيل: إن المرأة كانت كافرة فدخلت النار بكفرها وزيد في عذابها لأجل الهرة. قال النووي (٢): والأظهر أنها كانت مسلمة، وإنما دخلت النار بهذه المعصية. قوله: (يلهث) قال في القاموس (٥): اللهثان: العطشان، وبالتحريك العطش كاللهث واللهاث، وقد لهث كسمع وكغراب: حر العطش وشدة الموت، قال: وَلَهَثَ كمنع، لهثًا، ولهاثًا بالضم: أخرج لسانه عطشًا وتعبًا، أو إعياء كاللهث، واللُّهثة بالضم: التعب والعطش، انتهى. قوله: (الثَّرى) هو التراب النديّ كما في القاموس (٦). قوله: (في كلِّ كبدٍ رطبةٍ) الرطب في الأصل: ضد اليابس، وأريد به هنا الحياة؛ لأن الرطوبة في البدن تلازمها، وكذلك الحرارة في الأصل ضد البرودة، وأريد بها هنا الحياة لأن الحرارة تلازمها.

стр. 6147

وقد استدل بأحاديث الباب على وجوب نفقة الحيوان على مالكه، وليس فيها ما يدل على الوجوب المدعى. أما حديث ابن عمر (١)، وحديث أبي هريرة (٢) الأول الذي أشار إليه المصنف فليس فيهما إلا وجوب إنفاق الحيوان المحبوس على حابسه، وهو أخص من الدعوى، اللهم إلا أن يقال: إن مالك الحيوان حابس له في ملكه، فيجب الإنفاق على كل مالك لذلك ما دام حابسًا له لا إذا سيبه، فلا وجوب عليه لقوله في الحديث: "ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض"، كما وقع التصريح بذلك في كتب الفقه، ولكن لا يبرأ بالتسييب إلا إذا كان في مكان معشب يتمكن الحيوان فيه من تناول ما يقوم بكفايته. وأما حديث أبي هريرة (٣) الثاني فليس فيه إلا أن المحسن إلى الحيوان عند الحاجة إلى الشراب - ويلحق به الطعام - مأجور، وليس النزاع في استحقاق الأجر بما ذكر إنما النزاع في الوجوب. وكذلك حديث سراقة بن مالك (٤) ليس فيه إلا مجرد الأجر للفاعل وهو يحصل بالمندوب فلا يستفاد منه الوجوب، غاية الأمر أنَّ الإحسان إلى الحيوان المملوك أولى من الإحسان إلى غيره، لأن هذه الأحاديث مصرحة بأن الإحسان إلى غير المملوك موجب للأجر، وفحوى الخطاب يدل على أن المملوك أولى بالإحسان لكونه محبوسًا عن منافع نفسه بمنافع مالكه، وأما أن المحسن إليه أولى بالأجر من المحسن إلى غير المملوك فلا، فأولى ما يستدل به على وجوب إنفاق الحيوان المملوك حديث الهرة، لأن السبب في دخول تلك المرأة النار ليس مجرد ذلك الإنفاق، بل مجموع الترك والحبس، فإذا كان هذا الحكم ثابتًا في مثل الهرة، فثبوته في مثل الحيوانات التي تُمْلَكَ أولى؛ لأنها مملوكة محبوسة مشغولة بمصالح المالك.

стр. 6148

وقد ذهبت العترة (١) والشافعي (٢) وأصحابه إلى أن مالك البهيمة إذا تمرد عن علفها أو بيعها أو تسييبها أجبر كما يجبر مالك العبد بجامع كون كل منهما مملوكًا ذا كبد رطبة، مشغولًا بمصالح مالكه محبوسًا عن مصالح نفسه. وذهب أبو حنيفة (٣) وأصحابه إلى أن مالك الدابة يؤمر بأحد تلك الأمور استصلاحًا لا حتمًا، قالوا: إذ لا يثبت لها حق ولا خصومة ولا ينصب عنها فهي كالشجرة. وأجيب بأنها ذات روح محترم، فيجب حفظه كالآدمي. وأما الشجر فلا يجبر على إصلاحه إجماعًا لكونه ليس بذي روح فافترقا، والتخيير بين الأمور الثلاثة المذكورة إنما هي في الحيوان الذي دمه محترم. وأما الحيوان الذي يحل أكله فيخير المالك بين تلك الأمور الثلاثة أو الذبح. قوله: (قد لُطتها) بضم اللام وبالطاء المهملة وهو في الأصل: اللزوم والستر والإلصاق كما حققه صاحب القاموس (٤)، والمراد هنا: إصلاح الحياض، يقال: لاط حوضه يليطه: إذا أصلحه بالطين والمدر ونحوهما، ومنه قيل: اللائط، لمن يفعل الفاحشة. تم ولله الحمد والمنة الجزء الثاني عشر من نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار ويليه الجزء الثالث عشر منه وأوله الكتاب الثامن والثلاثون: كتاب الدماء

стр. 6149

الكتاب الثامن والثلاثون: كتاب الدماء أبواب القصاص: الباب الأول: باب إيجاب القصاص بالقتل العمد، وأن مستحقه بالخيار بينه وبين الدية. الباب الثاني: باب ما جاء لا يقتل مسلم بكافر، والتشديد في قتل الذمي، وما جاء في الحر بالعبد. الباب الثالث: باب قتل الرجل بالمرأة، والقتل بالمثقل، وهل يمثّل بالقاتل إذا مثَّل أم لا؟ الباب الرابع: باب ما جاء في شبه العمد. الباب الخامس: باب من أمسك رجلًا وقتله آخر. الباب السادس: باب القصاص في كسر السن. الباب السابع: باب من عض يد رجل فانتزعها فسقطت ثنيته. الياب الثامن: باب من اطلع في بيت قوم مغلق عليهم بغير إذنهم. الباب التاسع: باب النهي عن الاقتصاص في الطرف قبل الاندمال. الباب العاشر: باب في أن الدم حق لجميع الورثة من الرجال والنساء. الباب الحادي عشر: باب فضل العفو عن الاقتصاص والشفاعة في ذلك. الباب الثاني عشر: باب ثبوت القصاص بالإقرار. الباب الثالث عشر: باب ثبوت القتل بشاهدين. الباب الرابع عشر: باب ما جاءَ في القسامة. الباب الخامس عشر: باب هل يستوفى القصاص والحدود في الحرم أم لا؟. الباب السادس عشر: باب ما جاء في توبة القاتل والتشديد في القتل.

стр. 6150

ثانيًا: أبواب الديات: الباب الأول: باب دية النفس وأعضائها ومنافعها. الباب الثاني: باب دية أهل الذمة. الباب الثالث: باب دية المرأة في النفس وما دونها. الباب الرابع: باب دية الجنين. الباب الخامس: باب من قتل في المعترك من يظنه كافرًا فبان مسلمًا من أهل دار الإسلام. الباب السادس: باب ما جاء في مسألة الزبية والقتل بالسبب. الباب السابع: باب أجناس مال الدية وأسنان إبلها. الباب الثامن: باب العاقلة وما يحمله. الكتاب التاسع والثلاثون: كتاب الحدود أبواب حد الزنا: الباب الأول: باب ما جاء في رجم الزاني المحصن وجلد البكر وتغريبه. الباب الثاني: باب رجم المحصن من أهل الكتاب وأن الإسلام ليس بشرط في الإحصان. الباب الثالث: باب اعتبار تكرار الإقرار بالزنا أربعًا. الباب الرابع: باب استفسار المقر بالزنا واعتبار تصريحه بما لا تردد فيه. الباب الخامس: باب أن من أقر بحد ولم يسمه لا يحد. الباب السادس: باب ما يذكر في الرجوع عن الإقرار. الباب السابع: باب أن الحد لا يجب بالتهم وأنه يسقط بالشبهات. الباب الثامن: باب من أقر أنه زنا بامرأة فجحدت. الباب التاسع: باب الحث على إقامة الحد إذا ثبت والنهي عن الشفاعة فيه.

стр. 6151

الباب العاشر: باب أن السنة بداءة الشاهد بالرجم وبداءة الإمام به إذا ثبت بالإقرار. الباب الحادي عشر: باب ما جاء في الحفر للمرجوم. الباب الثاني عشر: باب تأخير الرجم عن الحبلى حتى تضع، وتأخير الجلد عن ذي المرض المرجوّ زواله. الباب الثالث عشر: باب صفة سوط الجلد وكيف يجلد من به مرض لا يرجى برؤه. الباب الرابع عشر: باب من وقع على ذات محرم أو عمل عمل قوم لوط أو أتى بهيمة. الباب الخامس عشر: باب فيمن وطئ جارية امرأته. الباب السادس عشر: باب حد زنا الرقيق خمسون جلدة. الباب السابع عشر: باب السيد يقيم الحد على رقيقه. ثانيًا: أبواب القطع في السرقة: الباب الأول: باب ما جاء في كم يقطع السارق؟. الباب الثاني: باب اعتبار الحرز والقطع فيما يسرع إليه الفساد. الباب الثالث: باب تفسير الحرز وأن المرجع فيه إلى العرف. الباب الرابع: باب ما جاء في المختلس والمنتهب والخائن وجاحد العارية. الباب الخامس: باب القطع بالإقرار وأنه لا يكتفى فيه بالمرة. الباب السادس: باب حسم السارق إذا قطعت، واستحباب تعليقها في عنقه. الباب السابع: باب ما جاء في السارق يوهب السرقة بعد وجوب القطع والشفع فيه. الباب الثامن: باب في حد القطع وغيره، هل يستوفى في دار الحرب أم لا؟.

стр. 6152

ثالثًا: أبواب حد شارب الخمر: الباب الأول: الجلد في الخمر بالجريد والنعال وغيرها. الباب الثاني: باب ما ورد في قتل الشارب في الرابعة وبيان نسخه. الباب الثالث: باب من وجد منه سكر أو ريح خمر ولم يعترف. الباب الرابع: باب ما جاء في قدر التعزير والحبس في التهم. الباب الخامس: باب المحاربين وقطاع الطريق. الباب السادس: باب قتال الخوارج وأهل البغي. الباب السابع: باب الصبر على جور الأئمة، وترك قتالهم والكف عن إقامة السيف. الباب الثامن: باب ما جاء في حد الساحر وذم السحر والكهانة. الباب التاسع: باب قتل من صرح بسبّ النبي ﷺ دون من عرّض. رابعًا: أبواب أحكام الردة والإسلام: الباب الأول: باب قتل المرتد. الباب الثاني: باب ما يصير به الكافر مسلمًا. الباب الثالث: باب صحة الإسلام مع الشرط الفاسد. الباب الرابع: باب تبع الطفل لأبويه في الكفر ولمن أسلم منهما في الإسلام وصحة إسلام المميز. الباب الخامس: باب حكم أموال المرتدين وجناياتهم.

стр. 6153

[الكتاب الثامن والثلاثون] كتاب الدماء [أولًا أبواب القصاص] [الباب الأول] باب إيجاب القِصاص بالقتلِ العمدِ وأنَّ مستحقَّهُ بالخيارِ بينَهُ وبينَ الدِّيةِ ١/ ٢٩٩٥ - (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا يَحل دَمُ امْرِئٍ مُسلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلا الله، وأنِّي رسُولُ الله، إلَّا بإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبِ الزَّانِي، والنَّفْسِ بالنَّفْسِ، والتَّارِكِ لِدِينِهِ المُفَارِقِ للْجَمَاعَةِ". رَوَاهُ الجَماعةُ) (١) [صحيح] ٢/ ٢٩٩٦ - (وعَنْ عائشةَ: لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا مِنْ ثَلاثَةٍ: إلَّا مَنْ زَنا بَعْدَما أحصِنَ، أَوْ كَفَرَ بَعدَما أَسْلَمَ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا فَقُتِلَ بهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢) والنَّسَائي (٣) ومُسْلِمٌ (٤) بمَعناهُ. وفي لَفْظ: لَا يَحِلُّ قَتْلُ مُسلِمٍ إلَّا في إحْدَى ثَلاثِ خِصالٍ: زَانٍ مُحْصَنٍ فيُرْجَمُ، ورَجُلٍ يَقْتُلُ مُسْلِمًا مُتَعَمِّدًا، أو رَجُلٍ يَخْرُجُ مِنْ الإسَلامِ فَيُحاربُ الله ورَسُولهُ فَيُقْتَلُ أَوْ يُصْلَبُ أَوْ يُنْفَى مِنَ الأَرْضِ. رَوَاهُ

стр. 6154

النَّسَائيُّ (١) [صحيح] وهُوَ حُجَّةٌ في أنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مُسلِمٌ بكافِرٍ). حديث عائشة باللفظ الآخر أخرجه أيضًا أبو داود (٢) والحاكم (٣) وصححه. قوله: (امرئٍ مسلم) فيه دليل على أن الكافر يحل دمهُ لغير الثلاث المذكورة، لأن التوصيف بالمسلم يشعر بأن الكافر يخالفه في ذلك ولا يصحُّ أن تكون المخالفة إلى عدم حلّ دمهِ مطلقًا. قوله: (يشهدُ أن لا إله إلا الله … إلخ)، هذا وصف كاشف لأن المسلم لا يكون مسلمًا إلا إذا كان يَشهد تلك الشهادة. قوله: (إلا بإحدى ثلاث) مفهوم هذا يدلُّ على أنه لا يحلُّ بغير هذه الثلاث. وسيأتي ما يدل على أنه يحل [بغيرها] (٤)، فيكون عموم هذا المفهوم مخصصًا بما ورد من الأدلة الدالة: على أنَّه يحلُّ دم المسلم بغير الأمور المذكورة. قوله: (الثيب الزاني) هذا مجمع عليه على ما سيأتي بيانُهُ إن شاء الله [تعالى] (٥). قوله: (والنَّفس بالنَّفس) المراد به: القِصاص. وقد يستدلُّ به من قال: إنه يقتل الحر بالعبد، والرجل بالمرأة، والمسلم بالكافر، لما فيه من العموم، وسيأتي تحقيق الخلاف وما هو الحق في هذه المواطن. قوله: (والتارك لدينه) ظاهره: أن الردَّة من موجبات قتل المرتدِّ بأيِّ نوع من أنواع الكفر كانت، والمراد بمفارقة الجماعة: مفارقة جماعة الإسلام، ولا يكون ذلك إلا بالكفر، لا بالبغي، والابتداع ونحوهما؛ فإنه وإن كان في ذلك
следующие страницы →