← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 6080–6119 · переход к 6085.

стр. 6080

[الكتاب السادس والثلاثون] كتاب الرَّضاع [الباب الأول] باب عدد الرَّضعات المحرِّمة ١/ ٢٩٥٦ - (عَنْ عائشَةَ أنّ النّبِيَّ ﷺ قالَ: "لَا تحرّمُ المَصّة ولَا المَصَّتانِ"، رَوَاه الجَمَاعَة إلَّا البُخاريَّ) (١). [صحيح] ٢/ ٢٩٥٧ - (وَعَنْ أمّ الفَضْل: أن رَجُلًا سألَ النّبِيّ ﷺ : أتحَرّم المَصَّة؟ فَقالَ: "لا تحَرّمُ الرَّضْعَة وَالرَّضْعَتانِ، وَالمَصّة وَالمَصَّتانِ" (٢). [صحيح] وفِي رِوَايَةٍ قالَتْ: دَخَلَ أعْرَابِيّ على نَبِيّ الله ﷺ وهُوَ فِي بَيْتِي فَقالَ: يا نَبِيَّ الله إني كانَتْ لي امْرأةٌ فَتزَوَّجْتُ عَلَيْها أُخْرَى فَزَعَمَتِ امْرأتي الأولى أنَّهَا أرْضَعَت امْرأتي الحَدْثَى رَضْعَةً أوْ رَضْعَتَيْن فَقالَ النّبِيّ ﷺ : "لا تُحَرّمُ الإمْلاجَةُ ولَا الإمْلاجَتانِ"، رَوَاهُمَا أحْمَدُ (٣) وَمُسْلِمٌ) (٤). [صحيح] ٣/ ٢٩٥٨ - (وَعَنْ عَبْد الله بْن الزُّبَيْر أن النّبِيَّ ﷺ قالَ: "لا تُحَرّمُ مِنَ الرَّضاعَةِ المَصَّةُ وَالمَصّتانِ" رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) وَالنّسائيُّ (٦) وَالتِّرْمِذِيُّ) (٧). [صحيح] حديث عبد الله بن الزبير أخرجه أيضًا بن حبان (٨).

стр. 6081

وقال الترمذي (١): الصحيح عن أهل الحديث من رواية ابن الزبير عن عائشة كما في الحديث الأوّل، وأعلَّه ابن جرير الطبري بالاضطراب، فإنه روي عن ابن الزبير عن أبيه، وجمع ابن حبان (٢) بينهما بإمكان أن يكون ابن الزبير سمعه من كل منهم، وفي الجمع بعد كما قال الحافظ (٣). ورواه النسائي (٤) من حديث أبي هريرة. وقال ابن عبد (٥) البرّ: لا يصحّ مرفوعًا. قوله: (الرضعة) هي المرّة من الرضاع، كضربة، وجلسة وأكلة، فمتى التقم الصبيُّ الثدي فامتصَّ منه، ثم تركه باختياره لغير عارضٍ؛ كان ذلك رضعةً. وفي القاموس (٦): رضع أمَّه كسمع، وضرب، رَضْعًا، ويحرَّك، ورضاعًا، [ورَضاعةً] (٧) ويكسران، ورضعًا ككتف، فهو راضعٌ، إلى أن قال: امتصَّ ثديها، ثم قال (٨) في مادّة مصصته: إنَّه بمعنى شربته شربًا رفيقًا. وفي الضياء: أن المصَّة الواحدة من المصِّ، وهي أخذ اليسير من الشيء. قوله: (الإملاجة ولا الإملاجتان) الإملاجة: الإرضاعة الواحدة، مثل المصة. وفي القاموسَ (٩): ملج الصبيّ أمه كنصر وسمع: تناول ثديها بأدنى فمه، وامتلج اللبن: امتصه. وأملجه: أرضعه، والمليج: الرضيع، انتهى. والأحاديث المذكورة تدلُّ: على أن الرضعة الواحدة، والرضعتين، والمصة الواحدة، والمصتين والإملاجة والإملاجتين، لا يثبت بها حكم الرضاع الموجب للتحريم.

стр. 6082

وتدلُّ هذه الأحاديث بمفهومها: على أنَّ الثلاث من الرضعات، أو المصَّات تقتضي التحريم. وقد حكى صاحب البحر (١) هذا المذهب عن زيد بن ثابت (٢)، وأبي (٣) ثور، وابن المنذر (٤)، انتهى. وحكاه في البدر التمام (٥) عن أبي عبيدة وداود الظاهري (٦) وأحمد (٧) في رواية. ولكنه يعارض هذا المفهوم القاضي بأن ما فوق الاثنتين يقتضي التحريم ما ستأتي من أن الرضاع المقتضي للتحريم هو الخمس الرضعات، وسيأتي تحقيق ذلك، وذكر من قال به، نعم هذه الأحاديث دافعة لقول من قال: إن الرضاع المقتضي للتحريم هو الواصل إلى الجوف، ولا شكّ أنّ المصة الواحدة تصل إلى الجوف، فكيف ما فوقها؟ وسيأتي ذكر ما تمسكوا به. ٤/ ٢٩٥٩ - (وَعَنْ عائِشَةَ أنَّهَا قالَتْ: كانَ فِيما نَزَلَ مِنَ القُرآنِ: عَشْرُ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ يُحَرّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسِ مَعْلُوماتٍ، فَتُوُفّيَ رَسُولُ الله ﷺ وَهُنَّ فِيم يُقْرأُ مِنَ القْرآنِ. رواه مُسْلِمٌ (٨) وأبُو دَاوُدَ (٩) والنّسائيُّ (١٠). [صحيح] وفي لَفْظٍ قالَت: وَهي تَذْكُرُ الْذِي يُحَرّمُ منَ الرَّضَاعَةِ: نَزَلَ فِي القُرآنِ عَشْرُ

стр. 6083

رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ، ثُمَّ نَزَلَ أيْضًا خَمْسٌ مَعْلُوماتٌ؟ [رَوَاهُ مُسْلمٌ (١)] (٢). [صحيح] وفِي لَفْظٍ قالَتْ: أنْزِلَ فِي القُرآنِ: عَشْرُ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ، فَنُسخَ مِنْ ذَلِكَ خَمْسُ رَضَعاتٍ إلى خَمْسِ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ وَالأمْرُ على ذلكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٣). وفِي لَفْظٍ: كانَ فِيمَا أنْزَلَ الله مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ سَقَطَ: لا يُحَرّمُ إلّا عَشْرُ رَضَعات أوْ خَمْسٌ مَعْلُوماتٌ. رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ) (٤). [صحيح] ٥/ ٢٩٦٠ - (وَعَنْ عائِشَةَ: أن رَسُولَ الله ﷺ أمَرَ امْرأةَ أبي حُذَيْفَةَ فأرْضَعَتْ سَالِمًا خَمْسَ رَضَعاتٍ وكانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٥). [صحيح] وفِي رِوَايَةٍ: أن أبا حُذَيْفَةَ تَبَنَّى سالِمًا وَهُوَ مَوْلًى لامْرأةٍ مِنَ الأنْصَارِ، كمَا تَبَنَّى النّبِيّ ﷺ زيدًا، وكانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلًا فِي الجَاهِليّة دَعاهُ النّاس ابْنَهُ وَوَرِثَ مِيرَاثَهُ، حتّى أنْزلَ الله : ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (٦)، فَرُدّوا إلى آبائِهِمْ، فَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ أبٌ فَمَوْلى وأخٌ فِي الدّينِ، فَجاءَتْ سَهْلَةُ فَقالَتْ: يا رَسُولَ الله كُنّا نَرَى سالمًا وَلَدًا يَأوِي مَعِي وَمَعَ أبي حُذَيْفَةَ ويرَانِي فُضْلَى، وَقَدْ أنْزَلَ الله فِيهِمْ مما قَدْ عَلِمْتَ، فَقالَ: "أرْضِعيهِ خَمْسَ رَضَعاتٍ"، فَكَانَ بِمَنْزلَةِ وَلَدِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ. رَوَاهُ مالِكٌ فِي المُوَطّأ (٧) وأحْمَدُ) (٨). [صحيح]

стр. 6084

حديث عائشة في قصة سالم أخرج الرواية منه النسائي (١) عن جعفر بن ربيعة عن الزهري كتابة عن عروة عنها. ورواه الشافعي في الأم (٢) عن مالك عن الزهري عن عروة مرسلًا. ورواه أيضًا عبد الرزاق (٣). وأخرج الرواية عن الزهري الثانية عنها أبو داود (٤)؛ وأخرجها أيضًا البخاري (٥) في المغازي من صحيحه من طريق عقيل عن الزهري عن عروة عنها إلى قوله: "فجاءت سهلة النبي ﷺ … " قال: فذكر الحديث ولم يسق بقيته؛ وساقها البيهقي في سننه (٦) عن هذا الوجه كرواية أبي داود. ورواها أيضًا البخاري (٧) من رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عنها، وساق منها إلى قوله: "وقد أنزل الله فيه ما قد علمت". قوله: (معلومات) فيه إشارة: إلى أنَّه لا يثبت حكم الرَّضاع إلا بعد العلم بعدد الرضعات وأنَّه لا يكفي الظنُّ، بل يرجع معه ومع الشكِّ إلى الأصل وهو العدم. قوله: (وهنّ فيما يُقرأ) بضم الياء، وفيه إشارة إلى أنَّه تأخر إنزال الخمس الرضعات، فتوفي ﷺ وهنَّ قرآن يقرأ. قوله: (فُضلى) بضم الفاء والضاد المعجمة. قال الخطابي (٨): أي مبتذلة في ثياب مهنتها، انتهى. والفضل من الرجال والنساء: الذي عليه ثوبٌ واحدٌ بغير إزار. وقال ابن وهب: أي [مكشوف] (٩) الرأس.

стр. 6085

وقد استدلَّ بأحاديث الباب من قال: إنَّه لا يقتضي التحريم من الرضاع إلا خمس رضعات معلوماتٍ، وقد تقدم تحقيق الرضعة، وإلى ذلك ذهب ابنُ مسعود، وعائشةُ، وعبد الله بن الزبير، وعطاء، وطاوسٌ، وسعيدُ بنُ جبير، وعروة بن الزبير، واللَّيثُ بنُ سعدٍ (١)، والشافعي (٢) وأحمد (٣) في ظاهر مذهبه وإسحاقُ، وابن حزم (٤) وجماعة من أهل العلم، وقد روى هذا المذهب عن عليّ بن أبي طالب (٥) ﵁. وذهب الجمهور (٦) إلى أن الرضاع الواصل إلى الجوف يقتضي التحريم وإن قلّ. وقد حكاهُ صاحبُ البحر (٧) عن الإمام عليّ وابن عباس، وابن عمر (٨)، والثوري (٩)، والعترة، وأبي حنيفة (١٠) وأصحابه، ومالك (١١)، وزيد بن أوس، انتهى. وروي أيضًا عن سعيد بن المسيب، والحسن، والزهري، وقتادة، والحكم، وحماد، والأوزاعي. قال المغربي في البدر (١٢): وزعم الليث بن سعد أن المسلمين أجمعوا على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم منه ما يفطر الصائم، وهو رواية عن الإمام أحمد (١٣)، انتهى. وحكى ابن القيم (١٤) عن الليث أنه لا يحرّم إلا خمس رضعات كما قدمنا ذلك، فينظر في المرويّ عنه من حكاية الإجماع فإنه يبعد كل البعد أن يحكي العالم الإجماع في مسألة ويخالفها.

стр. 6086

وقد أجاب أهل القول الثاني عن أحاديث الباب التي استدلّ بها أهل القول الأول بأجوبة: (منها): أنها متضمنة لكون الخمس الرضعات قرآنًا، والقرآن شرطه التواتر (١) ولم يتواتر محلُّ النزاع. وأجيب بأن كون التواتر شرطًا ممنوع، والسند ما أسلفنا عن أئمة القراءات كالجزري وغيره في (باب الحجة في الصلاة (٢) بقراءة ابن مسعود، وأُبيّ) من أبواب صفة الصلاة فإنه نقل هو وجماعة من أئمة القراءات الإجماع على ما يخالف هذه الدعوى، ولم يعارض نقله ما يصلح لمعارضته كما بينا ذلك هنالك. وأيضًا اشتراط التواتر فيما نسخ لفظه على رأي المشترطين ممنوع (٣). وأيضًا انتفاء قرآنيته لا يستلزم انتفاء حجيته على فرض شرطية التواتر، لأن الحجة تثبت بالظنّ، ويجب عنده العمل. وقد عمل الأئمة بقراءة الآحاد في مسائل كثيرة: (منها): قراءة ابن مسعود (٤): (فصيام ثلاثة أيَّامٍ متتابعاتٍ)، وقراءة أُبيّ (٥): (وله أخ أو أخت من أم) ووقع الإجماع على ذلك ولا مستند له غيرها.

стр. 6087

وأجابوا أيضًا: بأن ذلك لو كان قرآنًا لحفظ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (١). وأجيب: بانَّ كونه غير محفوظٍ ممنوعٌ، بل قد حفظه الله برواية عائشة له. وأيضًا المعتبر حفظ الحكم، ولو سلم انتفاء قرآنيته على جميع التقادير لكان سنة لكون الصحابي راويًا له عنه ﷺ لوصفه له بالقرآنية وهو يستلزم صدوره عن لسانه، وذلك كافٍ في الحجية لما تقرّر في الأصول من أن المروي آحادًا إذا انتفى عنه وصف القرآنية لم ينتف وجوب العمل به كما سلف. واحتجوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (٢)، وإطلاق الرضاع يشعر بأنه يقع بالقليل والكثير، ومثل ذلك حديث: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (٣). ويجاب بأنه مطلق مقيد بما سلف. واحتجوا بما ثبت في الصحيحين (٤) عن عقبة بن الحارث أنه تزوّج أمّ يحيى بنت أبي إهاب الذي سيأتي في باب شهادة المرأة الواحدة بالرضاع؛ فإن النبيّ ﷺ لم يستفصل عن الكيفية ولا سأل عن العدد. ويجاب أيضًا: بأن أحاديث الباب اشتملت على زيادة على ذلك المطلق المشعور به من ترك الاستفصال، فيتعين الأخذ بها على أنه يمكن أن يكون ترك الاستفصال لسبق البيان منه ﷺ للقدر الذي يثبت به التحريم. فإن قلت: حديث: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء" (٥)، يدلّ على عدم اعتبار الخمس؛ لأن الفتق يحصل بدونها. قلت: سيأتي الجواب عن ذلك في شرح الحديث؛ فالظاهر ما ذهب إليه القائلون باعتبار الخمس، وأما حديث: "لا تحرم الرضعة والرضعتان" (٦)، وكذلك سائر الأحاديث المتقدمة في الباب الأول. وقد سبق ذكر من ذهب إلى العمل بها؛ فمفهومها يقتضي أن ما زاد عليها

стр. 6088

يوجب التحريم كما أن مفهوم أحاديث الخمس أن ما دونها لا يقتضي التحريم فيتعارض المفهومان ويرجع إلى الترجيح، ولكنه قد ثبت عند ابن ماجه (١) بلفظ: "لا يحرّم إلا عشر رضعات أو خمس" كما ذكره المصنف، وهذا مفهوم (حصر) وهو أولى من مفهوم (العدد) (٢). وأيضًا قد ذهب بعض علماء البيان كالزمخشري إلى أن الإخبار بالجملة الفعلية المضارعية يفيد الحصر والإخبار عن الخمس الرضعات بلفظ يحرّمن كذلك. ولو سلم استواء المفهومين وعدم انتهاض أحدهما كان المتجه تساقطهما، وحمل ذلك المطلق على الخمس لا على ما دونها إلا أن يدلّ عليه دليل؛ ولا دليل يقتضي أن ما دون الخمس تحرم إلا مفهوم قوله: "لا تحرّم الرضعة والرضعتان" (٣) والمفروض أنه قد سقط، نعم لا بدّ من تقييد الخمس الرضعات بكونها في زمن المجاعة لحديث عائشة الآتي (٤) في الباب الذي بعد هذا. وأما حديث ابن مسعود عند أبي داود (٥) مرفوعًا: "لا رضاع إلا ما أنشر العظم وأنبت اللحم". فيجاب بأن الإنبات والإنشار إن كانا يحصلان بدون الخمس ففي حديث الخمس زيادة يجب قبولها والعمل بها، وإن كانا لا يحصلان إلا بزيادة عليها فيكون حديث الخمس مقيدًا بهذا الحديث لولا أنه من طريق أبي موسى الهلالي عن أبيه عن ابن مسعود. وقد قال أبو حاتم (٦): إن أبا موسى وأباه مجهولان. وقد أخرجه البيهقي (٧) من حديث أبي حصين عن أبي عطية قال: جاء رجل

стр. 6089

إلى أبي موسى … فذكره بمعناه، وهذا على فرض أنه يفيد ارتفاع الجهالة عن أبي موسى لا يفيد ارتفاعها عن أبيه فلا ينتهض الحديث لتقييد أحاديث الخمس بإنشار العظم وإنبات اللحم. وفي حديث عائشة المذكور في قصة سالم دليل على أن إرضاع الكبير يقتضي التحريم، وسيأتي تحقيق ذلك (١). [الباب الثاني] باب ما جاءَ في رضاعة الكبير ٦/ ٢٩٦١ - (عَنْ زينَبَ بِنْتِ أُمّ سَلَمَةَ قالَتْ: قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ لِعائِشَةَ: إنّهُ يَدْخُلُ عَلَيْكِ الغُلامُ الأيْفَعُ الّذِي ما أُحِبّ أنْ يَدْخُلَ عليَّ؟ فَقالَتْ عائِشَةُ: مَا لَكِ فِي رَسُولِ الله [ ﷺ ] (٢) أُسْوةٌ حَسَنَةٌ؟ وَقالَت: إنّ امْرأةَ أبي حُذَيْفَةَ قالَتْ: يا رَسُولَ الله إنَّ سالمًا يَدْخُل عَليَّ وهُو رَجُل وفِي نَفْسِ أبي حُذَيْفَةَ مِنْه شَيءٌ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أرْضِعيه حتّى يَدْخُلَ عَلَيْك"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَمُسْلِمٌ (٤). [صحيح] وفِي روَايَةٍ عَنْ زَيْنَبَ عَنْ أُمِّها أُمُّ سَلَمَةَ أنهَا قالَتْ: أَبى سائِرُ أزْواج النّبِيّ ﷺ أنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنْ أحَدًا بِتِلْكَ الرضَاعَة وَقُلْنَ لِعائِشَةَ: ما نَرى هَذَا إلا رُخْصَةً أرْخَصَها رَسُولُ الله ﷺ لِسالم خَاصّةً، فَمَا هُوَ بِدَاخِلٍ عَلَيْنا أحَدٌ بهَذه الرَّضَاعَة ولَا رَائينَا. رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) وَمُسْلِمٌ (٦) وَالنّسائيُّ (٧) وَابْنُ ماجَهْ (٨). [صحيح]

стр. 6090

هذا الحديث قد رواهُ من الصحابة: أمَّهات المؤمنين، وسهلة بنت سهيل، وهي من المهاجرات، وزينب بنت أمِّ سلمة، وهي ربيبة النبيّ ﷺ . ورواه من التابعين: القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وحميد بن نافع، ورواه عن هؤلاء: الزهريُّ، وابن أبي مليكة، وعبد الرحمن بن القاسم، ويحيى بن سعيد الأنصاريُّ، وربيعة، ثم رواه عن هؤلاء: أيوب السختياني، وسفيان الثوريُّ، وسفيان بن عيينة، وشعبة، ومالك، وابن جريج، وشعيب، ويونس، وجعفر بن ربيعة، ومعمر، وسليمان بن بلال، وغيرهم، وهؤلاء هم أئمة الحديث المرجوع إليهم في أعصارهم، ثم رواهُ عنهم الجمُّ الغفير، والعدد الكثير. وقد قال بعض أهل العلم: إن هذه السنة بلغت طرقها نصاب التواتر. وقد استدلَّ بذلك من قال: إنَّ إرضاع الكبير يثبت به التحريم، وهو مذهب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كما حكاه عنه ابن حزم (١). وأما ابن عبد البر (٢) فأنكر الرواية عنه في ذلك، وقال: لا يصح، وإليه ذهبت عائشة (٣)، وعروة بن

стр. 6091

الزبير، وعطاء بن أبي (١) رباح، والليث بن سعد (٢)، وابن علية (٣). وحكاه النووي (٤) عن داود الظاهري (٥)، وإليه ذهب ابن حزم (٥). ويؤيد ذلك الإطلاقات القرآنية كقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٦)، وذهب الجمهور (٧) إلى أن حكم الرضاع إنما يثبت في الصغير. وأجابوا عن قصة سالم بأنها خاصة به كما وقع من أمهات المؤمنين لما قالت لهنّ عائشة بذلك محتجة به. وأجيب بأن دعوى الاختصاص تحتاج إلى دليلٍ وقد اعترفن بصحة الحجة التي جاءت بها عائشة، ولا حجة في إبائهن لها كما أنه لا حجة في أقوالهن، ولهذا سكتت أمّ سلمة لما قالت لها عائشة: "أما لك في رسول الله أسوة حسنة؟ ". ولو كانت هذه السنة مختصة بسالم لبيّنها رسول الله ﷺ كما بيّن اختصاص أبي بردة بالتضحية بالجذع من المعز (٨). واختصاص خزيمة بأن شهادته كشهادة رجلين (٩). وأجيب أيضًا بدعوى نسخ قصة سالم المذكورة، واستدلّ على ذلك بأنها كانت في أوّل الهجرة عند نزول قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (١٠)، وقد ثبت اعتبار الصغر من حديث ابن عباس (١١)، ولم يقدم المدينة إلا قبل الفتح، ومن حديث أبي هريرة ولم يسلم إلا في فتح خيبر.

стр. 6092

وردّ ذلك بأنهما لم يصرّحا بالسماع من النبيّ ﷺ ، وأيضًا حديث ابن عباس مما لا تثبت به الحجة كما سيجيء، ولو كان النسخ صحيحًا لما ترك التشبث به أمهات المؤمنين. ومن أجوبتهم أيضًا حديث (١): "لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام"، وحديث (٢): "إنما الرضاعة من المجاعة"، وسيأتي الجواب عن ذلك كما سيأتي الجواب عن حديث (٣): "لا رضاع إلا ما كان في الحولين". وقد اختلفوا في تقدير المدّة التي يقتضي الرضاع فيها التحريم على أقوال: (الأول): أنه لا يحرّم منه إلا ما كان في الحولين، وقد حكاه في البحر (٤): عن عمر (٥)، وابن عباس (٦)، وابن مسعود (٧)، والعترة، والشافعي (٨)، وأبي

стр. 6093

حنيفة (١)، والثوري (٢)، والحسن بن صالح، ومالك (٣)، وزفر (٤)، ومحمد (٥)، اهـ. وروي أيضًا عن أبي هريرة، وابن عمر (٦)، وأحمد (٧)، وأبي يوسف (٥)، وسعيد بن المسيّب (٨)، والشعبي (٩)، وابن شبرمة (١٠)، وإسحاق وأبي عبيد، وابن المنذر (١١).

стр. 6094

(القول الثاني): أنَّ الرَّضاع المقتضي للتحريم ما كان قبل الفطام (١)؛ وإليه ذهبت أمّ سلمة (٢)، وروي عن عليّ (٣) ولم يصحّ عنه، وروي عن ابن عباس (٤)، وبه قال الحسن (٥) والزهري والأوزاعي وعكرمة وقتادة (٦). (القول الثالث): أن الرضاع في حال الصغر يقتضي التحريم (٧) ولم يحدّه القائل بحدّ، وروي ذلك عن أزواج النبيّ ﷺ ما خلا عائشة، وعن ابن عمر (٨)، وسعيد بن المسيّب (٩).

стр. 6095

(القول الرابع): ثلاثون شهرًا، وهو رواية عن أبي حنيفة (١) وزفر (٢). (القول الخامس): في الحولين وما قاربهما. روي ذلك عن مالك، وروي عنه أن الرَّضاعَ بعد الحولين لا يحرّم قليله ولا كثيره كما في الموطأ (٣). (القول السادس): ثلاث سنين (٤)، وهو مرويّ عن جماعة من أهل الكوفة، وعن الحسن بن صالح (٥). (القول السابع): سبع سنين (٦)، روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز. (القول الثامن): حولان [واثنا] عشر يومًا (٧). روي عن ربيعة. (القول التاسع): أن الرَّضاع يعتبر فيه الصِّغَر إلا فيما دعت إليه الحاجة كرضاع الكبر الذي لا يستغنى عن دخوله على المرأة ويشقّ احتجابها

стр. 6096

منه، وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية (١) وهذا هو الراجح عندي، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث، وذلك بأن تجعل قصة سالم المذكورة مخصصة لعموم: "إنَّما الرضاع من المجاعة" (٢)، و"لا رضاع إلَّا في الحولين" (٣)، و"لا رضاع إلا ما فتقَ الأمعاء وكان قبل الفطام" (٤)، و"لا رضاع إلا ما أنشر العظم وأنبتَ اللحمَ" (٥). وهذه [طريق] (٦) متوسطة بين طريقة من استدلّ بهذه الأحاديث على أنه لا حكم لرضاع الكبير مطلقًا، وبين من جعل رضاع الكبير كرضاع الصغير مطلقًا لما لا يخلو عنه كل واحدة من هاتين الطريقتين من التعسف كما سيأتي بيانه. ويؤيدُ هذا أن سؤال سهلة امرأة أبي حذيفة كان بعد نزول آية الحجاب، وهي مصرّحة بعدم جواز إبداء الزينة لغير من في الآية، فلا يخص منها غير من استثناه الله تعالى إلا بدليل [كقضية] (٧) سالم وما كان مماثلًا لها في تلك العلة التي هي الحاجة إلى رفع الحجاب من غير أن يقيد ذلك بحاجة مخصوصة من الحاجات المقتضية لرفع الحجاب ولا بشخص من الأشخاص ولا مقدارٍ من عمر الرضيع معلوم. وقد ثبت في حديث (٨) سهلة أنها قالت للنبيّ ﷺ : "إن سالمًا ذو لحية. فقال: أرضعيه" وينبغي أن يكون الرضاع خمس رضعات لما تقدم في الباب الأول. قوله: (الغلام الأيفع) هو من راهق عشرين سنة على ما في القاموس (٩).

стр. 6097

٧/ ٢٩٦٢ - (وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا يُحَرّمُ مِنَ الرَّضَاع إلَّا ما فَتَقَ الأمْعاءَ فِي الثّدْيِ وكانَ قَبْلَ الفِطام"، رَوَاه التّرْمِذيّ وَصحَّحَهُ) (١). [صحيح] ٨/ ٢٩٦٣ - (وَعَنِ ابْن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرو بْنِ دِينارٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا رَضَاعَ إلَّا ما كانَ فِي الحَوْلَيْن"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ (٢) وَقالَ: لَمْ يُسْنِدْهُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ غَيْرُ الهَيْثَمِ بْنِ جَمِيلٍ، وَهوَ ثِقَة حافِظٌ). [موقوف صحيح]

стр. 6098

٩/ ٢٩٦٤ - (وَعَنْ جابِرٍ عَن النّبِيّ ﷺ قالَ: "لا رضَاعَ بَعْدَ فِصَالٍ، ولَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلامٍ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ الطّيالِسيّ فِي مُسْنَده) (١). [حسن] ١٠/ ٢٩٦٥ - (وَعَنْ عائِشَةَ قالَتْ: دَخَلَ عليَّ رَسُولُ الله ﷺ وَعِنْدِي رَجُلٌ، فَقالَ: "مَنْ هَذَا؟ "، قُلْتُ: أخي مِنَ الرَّضَاعَة، قالَ: "يا عائِشَةُ انْظُرْنَ مِنْ إخْوَانُكُنَّ فإنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجاعَةِ"، رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إلا التِّرْمِذيَّ) (٢). [صحيح] حديث أمّ سلمة أخرجه أيضا الحاكم (٣) وصححه. وأُعلّ بالانقطاع لأنه من رواية فاطمة بنت المنذر بن الزبير الأسدية عن أمّ سلمة ولم تسمع منها شيئًا لصغر سنها إذ ذاك. وحديث ابن عباس رواه أيضًا سعيد بن منصور (٤) والبيهقي (٥) وابن عديّ (٦) وقال: يعرف بالهيثم وغيره. وكان يغلط، وصحح البيهقي (٥) وقفه، ورجح ابن عديّ (٦) الموقوف.

стр. 6099

وقال ابن كثير في الإرشاد (١): رواه مالك في الموطأ (٢) عن ثور بن يزيد عن ابن عباس موقوفًا وهو أصحّ. وكذا رواه غير ثور عن ابن عباس (٣). وحديث جابر قد قدمنا في "باب علامات البلوغ" (٤) من كتاب التفليس عند الكلام على حديث عليّ بن أبي طالب بلفظ: "حفظت عن رسول الله ﷺ : لا يتم بعد احتلام … " الحديث. أن المنذري (٥) قال: وقد روي هذا الحديث - يعني حديث عليّ - من رواية جابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وليس فيها شيء يثبت، اهـ، وهو يشير برواية جابر بن عبد الله إلى حديثه (٦) هذا. ولا يخفى أن حديث ابن عباس المذكور (٧) ههنا يشهد له، وكذلك يشهد له حديث عليّ المتقدّم هناك (٨). قوله: (إلا ما فتق الأمعاء) أي: سلك فيها، والفتق: الشقُّ (٩)، والأمعاء جمع المعي بفتح الميم وكسرها (١٠). قوله: (في الثَّدي) أي: في زمن الثَّدي، وهو لغة معروفة؛ فإنَّ العرب تقول: مات فلان في الثَّدي: أي في زمن الرَّضاع قبل الفطام كما وقع التصريح بذلك في آخر الحديث. قوله: (انظرن من إخوانكن)، هو أمر بالتأمل فيما وقع من الرضاع؛ هل هو رضاعٌ صحيح مستجمع للشروط المعتبرة؟

стр. 6100

قال المهلب (١): المعنى انظرن ما سبب هذه الأخوّة، فإنَّ حرمة الرضاع إنما هي في الصغر حيث تسدّ الرضاعة المجاعة. وقال أبو عبيد (٢): معناه: أن الذي إذا جاع كان طعامه الذي يشبعه اللبن من الرَّضاع هو الصبيُّ، لا حيث يكون الغذاء بغير الرضاع. قوله: (فإنَّما الرَّضاعة من المجاعة) هو تعليل للباعث على إمعان النظر والتفكر بأن الرضاعة التي تثبت بها الحرمة هي حيث يكون الرضيع طفلًا يسدُّ اللبن جوعته. وأما من كان يأكل ويشرب فرضاعه لا عن مجاعة، لأن في الطعام والشراب ما يسدّ جوعته، بخلاف الطفل الذي لا يأكل الطعام. ومثل هذا المعنى حديث: "لا رضاع إلا ما أنشرَ العظم وأنبت اللحم" (٣)، فإن إنشار العظم وإنبات اللحم إنما يكون لمن كان غذاؤه اللبن. وقد احتج بهذه الأحاديث من قال: إن رضاع الكبير لا يقتضي التحريم مطلقًا وهم الجمهور كما تقدّم. وأجاب القائلون بأنَّ رضاع الكبير يقتضي التحريم مطلقًا وهم من تقدّم. ذكره عن هذه الأحاديث، فقالوا: أما حديث: "لا يحرّم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء" (٤)، فأجابوا عنه بأنه منقطع كما تقدم. ولا يخفى أن تصحيح الترمذي (٥) والحاكم (٦) لهذا الحديث يدفع علة الانقطاع فإنهما لا يصححان ما كان منقطعًا إلا وقد صحّ لهما اتصاله، لما تقرّر في علم الاصطلاح أن المنقطع من قسم الضعيف (٧). وأجابوا عن حديث: " [لا رضاع (٨)] إلا ما كان في الحولين" (٩) بأنه موقوف كما تقدم، ولا حجة في الموقوف، وبما تقدم من اشتهار الهيثم بن جميل بالغلط

стр. 6101

وهو المنفرد برفعه، ولا يخفى أن الرفع زيادة يجب المصير إليها على ما ذهب إليه أئمة الأصول (١) وبعض أئمة الحديث، إذا كانت ثابتةً من طريقِ ثقةٍ، والهيثم ثقةٌ، كما قاله الدارقطني، مع كونه مؤيدًا بحديث جابر (٢) المذكور. وأجابوا عن حديث: "فإنما الرضاعة من المجاعة" (٣) بأنَّ شرب الكبير يؤثر في دفع مجاعته قطعًا، كما يؤثر في دفع مجاعة الصغير أو قريبًا منه. وأورد عليهم: أن الأمر إذا كان كما ذكرتم من استواء الكبير والصغير فما الفائدة في الحديث، وتخلصوا عن ذلك بأنَّ فائدته إبطال تعلق التحريم بالقطرة من اللبن والمصة التي لا تغني من جوع. ولا يخفى ما في هذا من التعسُّف؛ ولا ريب أن سدّ الجوعة باللبن الكائن في ضرع المرضعة إنما يكون لمن لم يجد طعامًا ولا شرابًا غيره، وأما من كان يأكل ويشرب فهو لا يسدّ جوعته عند الحاجة بغير الطعام والشراب، وكون الرضاع مما يمكن أن تسدّ به جوعة الكبير أمر خارج عن محل النزاع، فإنه ليس النزاع فيمن يمكن أن تسدّ جوعته به، إنما النزاع فيمن لا تسدّ جوعته إلا به. وهكذا أجابوا عن الاحتجاج بحديث: "لا رضاع إلا ما أنشر العظم وأنبت اللحم" (٤) فقالوا: إنه يمكن أن يكون الرضاع كذلك في حقّ الكبير ما لم يبلغ أرذل العمر، ولا يخفى ما فيه من التعسف، والحقّ ما قدمناه من أن قضية سالم مختصة بمن حصل له ضرورة بالحجاب لكثرة الملابسة (٥)، فتكون هذه الأحاديث

стр. 6102

مخصصة بذلك النوع فتجتمع حينئذٍ الأحاديث ويندفع التعسف من الجانبين. وقد احتج القائلون باشتراط الصغر بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (١). قالوا: وذلك بيان للمدة التي تثبت فيها أحكام الرضاع. ويجاب بأن هذه الآية مخصصة بحديث قصة سالم الصحيح (٢). [الباب الثالث] بابُ يَحْرُم من الرَّضَاعَةِ ما يَحْرُمُ من النَّسَبِ ١١/ ٢٩٦٦ - (عَن ابْن عَبّاس: أن النّبِيّ ﷺ أُريدَ على ابْنَة حَمْزَةَ فَقالَ: "إنَّهَا لَا تحِلُّ لي، إنَّهَا ابْنَةُ أخي مِنَ الرَّضَاعَة، وَيحْرُمُ مِن الرَّضَاعَة ما يَحْرُمُ مِنَ الرَّحِم"، وفي لَفْظٍ: "مِنَ النّسَب" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٣). [صحيح] ١٢/ ٢٩٦٧ - (وَعَنْ عائِشَةَ أنَّ النّبِيّ ﷺ قالَ: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَة ما يَحْرُمُ مِنَ الولادَة" رَوَاهُ الجَماعَة (٤)، وَلَفْظُ ابْن ماجَهْ: "مِنَ النّسَب". [صحيح] ١٣/ ٢٩٦٨ - (وَعَنْ عائِشَةَ أنَّ أفْلَحَ أخا أبي القُعَيْس جاءَ يَسْتأذنُ عَلَيْها، وَهُوَ عَمُّها مِنَ الرَّضَاعَةِ بَعْدَ أنْ نَزَلَ الحجابُ، قالَتْ: فأبَيْتُ أنْ آذَنَ لَهُ؛ فَلَمّا جاءَ رَسُولُ الله ﷺ أخَبَرْتُهُ بالّذي صَنَعْتُ، فأمَرَنِي أنْ آذَنَ لَهُ. رَوَاهُ الجَماعَةُ) (٥). [صحيح]

стр. 6103

١٤/ ٢٩٦٩ - (وَعَن عَلِيّ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّ الله حَرَّمَ منَ الرَّضَاع ما حَرَّمَ مِنَ النّسَب"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَالتِّرْمِذِيُّ وَصحَّحَهُ) (٢). [صحيح لغيره] قوله: (أريد) بضم الهمزة. والذي أراد من النبيّ ﷺ أن يتزوجها هو عليّ ﵁ كما في صحيح مسلم (٣). وقد اختلف في اسم ابنة حمزة على أقوال: أمامة، وسلمى، وفاطمة، وعائشة، وأَمة الله، وعمارة، ويعلى، وإنما كانت ابنة أخي النبي ﷺ لأنه ﷺ رضع من ثُوَيْبَة وقد كانت أرضعت حمزة (٤). قوله: (أفلح) بالفاء والحاء المهملة: وهو مولى رسول الله ﷺ ، وقيل: مولى أمّ سلمة، والقُعيس - بضم القاف وبعين وسين مهملتين - مصغرًا. وقد استدلّ بأحاديث الباب على أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وذلك بالنظر إلى أقارب الموضع لأنهم أقارب للرضيع. وأما أقارب الرضيع فلا قرابة بينهم وبين الموضع. والمحرَّمات من الرضاع سبع: الأمّ، والأخت بنصّ القرآن (٥)، والبنت، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت؛ لأن هؤلاء الخمس يحرمن من النسب.

стр. 6104

وقد وقع الخلاف: هل يحرم بالرَّضاع ما يحرم من الصَّهار؟ وابن القيم قد حقق ذلك في الهدي (١) بما فيه كفايةٌ فليرجع إليه. وقد ذهب الأئمة الأربعة إلى أنه يحرم نظير المصاهرة بالرضاع فتحرم عليه أمّ امرأته من الرضاعة وامرأة أبيه من الرضاعة. ويحرم الجمع بين الأختين من الرضاعة وبين المرأة وعمتها وبنتها وبين خالتها من الرضاعة، وقد نازعهم في ذلك ابن تيمية كما حكاه صاحب الهدي (٢). وحديث عائشة (٣) في دخول أفلح عليها فيه دليل على ثبوت حكم الرضاع في حقّ زوج المرضعة وأقاربه كالمرضعة. وقد ذهب إلى هذا جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين وسائر العلماء، وقد وقع التصريح بالمطلوب في رواية لأبي داود (٤) بلفظ: "قالت عائشة: دخل عليَّ أفلح، فاستترت منه، فقال: أتستترين مني وأنا عمك؟ قلت: من أين؟ قال: أرضعتك امرأة أخي. قلت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، فدخل عليَّ رسول الله ﷺ فحدثته، فقال: إنه عمك فليلج عليك". وروي عن عائشة، وابن عمر، وابن الزبير، ورافع بن خديج، وزينب بنت أمّ سلمة، وسعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، وسالم وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، والشعبي، والنخعي، وأبي قلابة، وإياس بن معاوية القاضي أنه لا يثبت حكم الرَّضاع للزوج، حكى ذلك عنهم ابن أبي شيبة (٥)، وسعيد بن منصور (٦)، وعبد الرزاق (٧)، وابن المنذر (٨)، وروي أيضًا هذا القول عن ابن سيرين، وابن علية، والظاهرية (٩) وابن بنت الشافعي (١٠)، وقد روي ما يدلّ على أنه قول جمهور الصحابة.

стр. 6105

فأخرج الشافعي (١) عن زينب بنت أبي سلمة أنها قالت: "كان الزبير يدخل عليّ وأنا أمتشط أرى أنه أبي وأن ولده إخوتي لأن امرأته أسماء أرضعتني، فلما كان بعد الحرّة أرسل إليَّ عبد الله بن الزبير يخطب ابنتي أم كلثوم على أخيه حمزة بن الزبير وكان للكلبية، فقلت: وهل تحلّ له؟ فقال: إنه ليس لك بأخ إنما إخوتك من ولدت أسماء دون من ولد الزبير من غيرها، قالت: فأرسلت فسألت والصحابة متوافرون وأمهات المؤمنين، فقالوا: إن الرضاع لا يحرّم شيئًا من قبل الرجل فأنكحتها إياه". وأجيب بأنَّ الاجتهاد من بعض الصحابة والتابعين لا يعارض النص ولا يصح دعوى الإجماع لسكوت الباقين. لأنا نقول: نحن نمنع (أوّلًا): أن هذه الواقعة بلغت كل المجتهدين منهم. (وثانيًا): أن السكوت في المسائل الاجتهادية لا يكون دليلًا على الرضا. وأما عمل عائشة بخلاف ما روت فالحُجَّة روايتها لا رأيها، وقد تقرّر في الأصول (٢) أن مخالفة الصحابي لما رواه لا تقدح في الرواية. وقد صحَّ عن عليّ القول بثبوت حكم الرضاع للرجل، وثبت أيضًا عن ابن عباس كما في البخاري (٣). [الباب الرابع] باب شهادة المرأة الواحدة بالرضاع ١٥/ ٢٩٧٠ - (عَنْ عُقْبَةَ بْن الحارِثِ: أنّهُ تَزَوّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أبي إهاب فَجاءَتْ أمَةٌ سَوْدَاءُ فَقالَتْ: قَدْ أرْضَعْتُكُما، قالَ: فَذَكَرْتُ ذلكَ للنّبِيّ ﷺ فأعْرَض عَنِّي، قالَ: فَتَنَحْيْتُ فَذَكَرْتُ ذلكَ لَهُ، فَقالَ: "وكَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ أنَّهَا قَدْ أرْضَعَتْكُما"، فَنهاهُ عَنْها. رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وَالبُخارِيُّ (٥). [صحيح]

стр. 6106

وفِي رِوَايَةٍ: "دَعْها عَنْكَ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا مُسْلِمًا وَابْنَ ماجَه) (١). في رواية للبخاري (٢): فقال النبيّ ﷺ : "كيف وقد قيل؟ ففارقها عقبة ونكحت زوجًا غيره". قوله: (أمّ يحيى) اسمها غَنِيَّة بفتح الغين المعجمة وكسر النون بعدها تحتيةٌ مشدَّدة. وقيل: اسمها زينب. وإهاب: بكسر الهمزة وآخره باءٌ موحدةٌ. وقد استدل بالحديث على قبول شهادة المرضعة ووجوب العمل بها وحدها وهو مرويّ عن عثمان (٣) وابن عباس (٤)، والزهري (٥)، والحسن (٦)، وإسحاق، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل (٧)، وأبي عبيد، ولكنه قال: يجب العمل على الرجل بشهادتها فيفارق زوجته ولا يجب الحكم على الحاكم. وروي ذلك عن مالك (٨). وفي رواية عنه أنه لا يقبل في الرضاع إلا شهادة امرأتين، وبه قال جماعة من أصحابه، وقال جماعة منهم بالأوّل.

стр. 6107

وذهبت العترة (١) والحنفية (٢) إلى أنه لا بدّ من رجلَيْن أو رجل وامرأتين كسائر الأمور. ولا تكفي شهادة المرضعة وحدها بل لا تقبل عند الهادوية (٣) لأن فيها تقريرًا لفعل المرضعة. ولا تقبل عندهم الشهادة إذا كانت كذلك مطلقًا، ولكنه حكي في البحر (٤) عن الهادوية والشافعية والحنفية أنه يجب العمل بالظنّ الغالب في النكاح تحريمًا. ويجب على الزوج الطلاق إن لم تكمل الشهادة، واستدلّ لهم على ذلك بهذا الحديث. وقال الإمام يحيى (٣): الخبر محمول على الاستحباب. ولا يخفى أن النهي حقيقة في التحريم كما تقرر في الأصول (٥) فلا يخرج عن معناه الحقيقي إلا لقرينة صارفة. والاستدلال على عدم قبول المرأة المرضعة بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٦) لا يفيد شيئًا لأن الواجب بناء العامّ على الخاصّ، ولا شكّ أن الحديث أخص مطلقًا. وأما ما أجاب به عن الحديث صاحب "ضوء النهار" (٧) من أنَّه مخالف للأصول فيجاب عنه بالاستفسار عن الأصول. فإن أراد الأدلة القاضية باعتبار شهادة عدلين أو رجلٍ وامرأتين فلا مخالفة لأنَّ هذا خاصّ وهي عامة. وإن أراد غيرها فما هو؟ وأما ما رواه أبو عبيد عن علي وابن عباس والمغيرة وأنهم امتنعوا من التفرقة بين الزوجين بذلك فقد تقرّر أن أقوال بعض الصحابة ليست بحجة على فرض عدم معارضتها لما ثبت عنه ﷺ فكيف إذا عارضت ما هو كذلك (٨)؟ وأما ما قيل من أن أمره ﷺ له من باب الاحتياط فلا

стр. 6108

يخفى مخالفته لما هو الظاهر ولا سيما بعد أن كرّر السؤال أربع مرّات كما في بعض الروايات. والنبيّ ﷺ يقول له في جميعها: "كيف وقد قيل" (١)، وفي بعضها: "دعها عنك" (٢)، كما في حديث الباب، وفي بعضها: "لا خير لك فيها" (٣) مع أنه لم يثبت في رواية أنه ﷺ أمره بالطلاق، ولو كان ذلك من باب الاحتياط لأمره به. فالحقُّ وجوب العمل بقول المرأة المرضعة حرَّةً كانت أو أمة، حصل الظنُّ بقولها، أو لم يحصل، لما ثبت في رواية (٤): "أن السائل قال: وأظنها كاذبة" فيكون هذا الحديث الصحيح هادمًا لتلك القاعدة المبنية على غير أساس. أعني قولهم: إنها لا تقبل شهادة فيها تقرير لفعل الشاهد ومخصصًا لعمومات الأدلة كما خصصها دليل كفاية العَدْلَة في عورات النساء عند أكثر المخالفين. [الباب الخامس] باب ما يستحب أن تعطى المرضعة عند الفطام ١٦/ ٢٩٧١ - (عَنْ حَجّاج بْن حَجّاجٍ - رَجُلٍ مِنْ أسْلَمَ - قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ الله: ما يُذْهِبُ عَني مَذَمّةَ الرَّضَاعِ؟ قالَ: "غُرَّةٌ: عَبْدٌ أوْ أمَةٌ"، رَواهُ الخَمْسَةُ إلا ابْنَ ماجَهْ وَصحَّحَهُ التِّرْمِذيُّ) (٥). [ضعيف]

стр. 6109

الحديث سكت عنه أبو داود (١)، وقال المنذري (٢): إنَّه الحجَّاج بن الحجَّاج بن مالك الأسلميُّ، سكن المدينة. وقيل: كان ينزل العرج. ذكره أبو القاسم البغويُّ وقال: ولا أعلم للحجَّاج بن مالك غير هذا الحديث. وقال أبو عمر النمريُّ: له حديثٌ واحدٌ. وقال الترمذيُّ (٣) بعد إخراجه: هذا حديث حسن صحيح. هكذا رواهُ يحيى بن سعيد القطان، وحاتم بن إسماعيل، وغير واحد عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجَّاج بن حجَّاج، عن أبيه، عن النبي ﷺ . ورواهُ سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجَّاج بن حجَّاج عن النبيّ ﷺ . وحديث ابن عيينة غير محفوظٍ. والصحيح ما رواهُ هؤلاء عن هشام بن عروة. وهشام بن عروة يكنى: أبا المنذر، وقد أدرك جابر بن عبد الله وابن عمر، وفاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام هي أم هشام بن عروة، انتهى كلامه. وقد بوّب أبو داود على هذا الحديث: باب في الرضخ عند الفصال (٤)، وبوّب عليه الترمذيُّ: باب مَا جَاءَ ما يُذْهِبُ مَذَمَّةَ الرَّضاع (٥). وقد استدلّ بالحديث على استحباب العطية للمرضعة عند الفطام وأن يكون عبدًا أو أمة. والمراد بقوله: "ما يذهب عني مذمة الرضاع" أي ما يذهب عني الحقّ الذي تعلق بي للمرضعة لأجل إحسانها إليَّ بالرَّضاع، فإني إن لم أكافئها على ذلك صرت مذمومًا عند الناس بسبب عدم المكافأة، والله أعلم.

стр. 6110

[الكتاب السابع والثلاثون] كتاب النفقات [الباب الأول] باب نفقة الزوجة وتقديمها على نفقة الأقارب ١/ ٢٩٧٢ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "دِينارٌ أنْفَقْتَهُ فِي سَبِيل الله، وَدينارٌ أنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَة، وَدينارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ على مِسْكِينٍ، وَدينارٌ أنْفَقْتَهُ على أهْلِكَ، أعْظَمُها أجْرًا الّذي أنْفَقْتَهُ على أهْلِكَ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ) (٢). [صحيح] ٢/ ٢٩٧٣ - (وَعَنْ جابِر: أن النّبِيّ ﷺ قالَ لِرَجُل: "ابْدأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْها، فإنْ فَضَلَ شَيءٌ فَلأهْلِكَ؛ فإنْ فَضَلَ عَنْ أهْلِكَ شَيءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ؛ فإنْ فَضَلَ [شيء] (٣) عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا" رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وَمُسْلِمٌ (٥) وأبُو دَاوُدَ (٦) وَالنّسائيُّ) (٧). [صحيح] ٣/ ٢٩٧٤ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "تَصَدَّقُوا"، قالَ رَجُل: عِنْدِي دِينارٌ، قالَ: "تَصَدَّقْ بِهِ على نَفْسِكَ"، قالَ: عِنْدِي دِينارٌ آخَرُ، قالَ: "تَصَدَّقْ بِهِ على زَوْجَتِكَ"، قالَ: عِنْدِي دِينارٌ آخَرُ، قالَ: "تَصَدَّقْ بِهِ على وَلَدِكَ"، قالَ: عِنْدِي دِينارٌ آخَرُ، قالَ: "تَصَدَّقْ بِهِ على خادِمِكَ"، قالَ: عِنْدِي دِينارٌ آخَرُ، قالَ: "أنْتَ أبْصَرُ بِهِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٨) وَالنّسائيُّ (٩)، وَرَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (١٠) لَكِنّهُ قَدَّمَ

стр. 6111

الوَلَدَ على الزَّوْجَةِ، وَاحْتَجَّ بِهِ أبُو عُبَيْدٍ فِي تَحْدِيدِ الغِنَى بِخَمْسَةِ دَنانِيرَ ذَهَبًا تَقْوِيَةً لِحدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الخَمْسِينَ دِرْهَمًا). [حسن] حديث أبي هريرة الآخر أخرجه أيضًا لشافعي (١) وابن حبان (٢) والحاكم (٣). قال ابن حزم (٤): اختلف يحيى القطان، والثوريُّ، فقدَّم يحيى الزوجة على الولد، وقدَّم سفيان الولد على الزوجة، فينبغي أن لا يقدم أحدهما على الآخر بل يكونان سواءً؛ لأنَّه قد صحَّ أن النبيّ ﷺ كان إذا تكلم، تكلم ثلاثًا، فيحتمل أن يكون في إعادته إياه مرة قدَّم الولد، ومرَّةً قدّم الزوجة، فصارا سواءً ولكنَّه يمكن ترجيح تقدُّم الزوجة على الولد بما وقع من تقديمها في حديث جابرٍ (٥) المذكور في الباب، وهكذا قال الحافظ في التلخيص (٦). وحديث أبي هريرة (٧) الأوّل فيه دليلٌ: على أن الإنفاق على أهل الرجل أفضل من الإنفاق في سبيل الله، ومن الإنفاق في الرقاب، ومن التصدُّق على المساكين. وحديث جابر (٨) فيه دليل: على أنه لا يجب على الرجل أن يؤثر زوجته وسائر قرابته بما يحتاج إليه في نفقة نفسه. ثم إذا فضل عن حاجة نفسه شيء فعليه إنفاقه على زوجه.

стр. 6112

وقد انعقد الإجماع على وجوب نفقة الزوجة، ثم إذا فضل عن ذلك شيء فعلى ذوي قرابته، ثم إذا فضل عن ذلك شيء فيستحبّ له التصدُّق بالفاضل، والمراد بقوله: "هكذا وهكذا" أي: يمينًا وشمالًا كناية عن التصدُّق. واعلم: أنَّه قد وقع الإجماع على أنه يجب على الولد الموسر مؤنة الأبوين المعسرين كما حكى ذلك في البحر (١). واستدلّ له بقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٢) ثم قال: ولو كانا كافرين لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ (٣)، و"أنت ومالكِ لأبيك" (٤).

стр. 6113

ثم حكى بعد حكاية الإجماع المتقدم عن العترة والفريقين أن الأم المعسرة كالأب في وجوب نفقتها. واستدلّ له بقوله ﷺ : "أمك ثم أمك" الخبر (١). وحكى عن مالك الخلاف في ذلك لعدم الدليل. وأجاب عليه بأن هذا الخبر دليل، وعلى فرض عدم الدليل [فبالقياس] (٢) على الأب، ثم قال: وكذا الخلاف في الجد أبي الأب. ثم حكى (٣) عن عمر، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، والعترة، وأحمد بن حنبل (٤)، وأبي ثور (٥)، أنها تجب النفقة لكل معسرٍ على كل موسر إذا كانت ملَّتهما واحدة (٦) وكانا يتوارثان.

стр. 6114

واستدلّ لذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (١) واللام للجنس (٢). وحكى عن أبي حنيفة (٣) وأصحابه أنها إنما تلزم للرحم المحرم فقط. وعن الشافعي (٤) وأصحابه لا تجب إلا للأصول والفصول فقط. وعن مالك (٥): لا تجب إلا للولد والوالد فقط. وقد أجيب عن الاستدلال بالآية المذكورة بمنع دلالتها على المطلوب ودعوى أنّ الإشارة بقوله ذلك إلى عدم المضارة، وعلى التسليم فالمراد وارث الأب بعد موته. والأولى أن يقال: لفظ الوارث فيه احتمالات: (أحدها): أن يراد [وارث] (٦) المولود له المذكور في صدر الآية وهو المولود، وقد قال بهذا قبيصة بن ذؤيب (٧). (الثاني): أن يراد وارث المولود، وبه قال الجمهور (٨) من السلف وأحمد (٩) وإسحاق وأبو ثور (١٠). (والثالث): أن يراد به الباقي من الأبوين بعد الآخر، وبه قال سفيان وغيره.

стр. 6115

فحينئذٍ لفظ الوارث مجمل لا يحلّ حمله على أحد هذه المعاني إلا بدليل، مع أنه لا يصحّ الاستدلال بالآية على وجوب نفقة كل معسر على من يرثه من قرابته الموسرين، لأن الكلام في الآية في رزق الزوجات وكسوتهنّ، ولكنه يدل على المطلوب عموم: "فلذي قرابتك". قوله: (تصدق به على ولدك)، فيه دليل: على أنَّه يلزم الأب نفقة ولده المعسر. فإن كان الولد صغيرًا فذلك إجماع كما حكاه صاحب البحر (١)، وإن كان كبيرًا فقيل: نفقته على الأب وحده دون الأمّ، وقيل: عليهما حسب الإرث. ويأتي بقية الكلام على نفقة الأقارب في باب النفقة على الأقارب (٢). قوله: (تصدّق به على خادمك)، فيه دليل على وجوب نفقة الخادم، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله في باب نفقة الرقيق (٣). قوله: (بخمسة دنانير ذهبًا) قد قدمنا الكلام على هذا في الزكاة (٤). [الباب الثاني] بابُ اعِتبَارِ حالِ الزَّوْجِ في النَّفَقَةِ ٤/ ٢٩٧٥ - (عَنْ مُعاوَيةَ القُشَيْرِي قالَ: أتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: فَقُلْتُ: ما تَقُولُ فِي نِسائِنا؟ قالَ: "أطْعِمُوهُن مَمّا تَأكُلُون، وَاكْسُوهُنَّ مَمّا تَكْتَسُونَ، ولَا تضْربُوهُنْ ولَا تقَبِّحُوهُنّ"، رَوَاه أبو دَاوُدَ) (٥). [صحيح]

стр. 6116

الحديث أخرجه أيضًا النسائي (١) وابن ماجه (٢) والحاكم (٣) وابن حبان (٤) وصحَّحاه، وعلَّق البخاري (٥) [طرفًا] (٦) منه. وصححه الدارقطني في العلل (٧). وقد ساقه أبو داود في سننه من ثلاث طرق (٨)، في كل واحدة [منها] (٩) بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وهو معاوية القشيري المذكور. قال المنذري (١٠): وقد اختلف الأئمة في الاحتجاج بهذه النسخة، يعني نسخة بهز بن حكيم عن أبيه عن جده؛ فمنهم من احتج بها، ومنهم من أبى ذلك، وخرّج الترمذي (١١) منها شيئًا وصححه. وفي الحديث دليلٌ على أنه يجب على الزوج أن يُطعمَ امرأته مما يأكل ويكسوها مما يكتسي وأنه لا يجوز له ضربها ولا تقبيحها. وقد تقدَّم الحديث وشرحه في باب إحسان العشرة (١٢). وقد استدلّ المصنف بهذا الحديث على أن العبرة بحال الزوج في النفقة، ويؤيد ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (١٣)، وإلى ذلك ذهبت

стр. 6117

العترة (١) والشافعية (٢) وبعض الحنفية (٣). وذهب أكثر الحنفية (٣) ومالك (٤) إلى أن الاعتبار بحال الزوجة. واستدلوا بقصة هند امرأة أبي سفيان الآتية (٥). وأجيب عن ذلك بأنه أمرها بالأخذ بالمعروف، ولم يطلق لها، الأخذ على مقدار الحاجة. [الباب الثالث] باب المرأَة تنفق من مال الزوج بغير علمه إذا منعها الكفاية ٥/ ٢٩٧٦ - (عَنْ عائِشَةَ: أنَّ هِنْدًا قالَتْ: يا رَسُولَ الله إنَّ أبا سُفْيانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي ما يَكْفِينِي وَوَلَدِي إلَّا ما أخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لا يَعْلَمُ فقالَ: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالمَعْرُوفِ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا الترْمِذِي (٦)]. [صحيح] قوله: (إنَّ هندًا) هي بنت عتبة بن ربيعة، والرواية بالصَّرف. ووقع في رواية للبخاري (٧) بالمنع. وأبو سفيان: اسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.

стр. 6118

قوله: (شحيح) (١) أي بخيل حريص. وهو أعمّ من البخل لأن البخل مختصّ بمنع المال. والشحّ يعمّ منع كل شيء في جميع الأحوال. كذا في الفتح (٢). قوله: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)، قال القرطبي (٣): هذا أمر إباحةٍ، بدليل ما وقع في رواية للبخاري (٤) بلفظ: "لا حرج"، والمراد بالمعروف القدر الذي عرف بالعادة أنه الكفاية. قال (٥): وهذه الإباحة وإن كانت مطلقة لفظًا فهي مقيدةٌ معنى، كأنَّه قال: إن صحَّ ما ذكرتِ. والحديث فيه دليل: على وجوب نفقة الزوجة على زوجها، وهو مجمع عليه (٦) كما سلف، وعلى وجوب نفقة الولد على الأب، وأنَّه يجوز لمن وجبت له النفقة شرعًا على شخصٍ أن يأخذ من ماله ما يكفيه إذا لم يقع منها لامتثال وأصرّ على التمرّد، وظاهره أنَّه لا فرق في وجوب نفقة الأولاد على أبيهم بين الصغير والكبير، لعدم الاستفصال، وهو ينزل منزلة العموم. وأيضًا: قد كان في أولادها في ذلك الوقت من هو مكلف كمعاوية فإنَّه أسلم عام الفتح وهو ابن ثمانٍ وعشرين سنة، فعلى هذا يكون مكلفًا من قبل هجرة النبيّ ﷺ إلى المدينة وسؤال هند كان في عام الفتح. [وذهبت] (٧) الشافعية (٨) إلى اشتراط الصغر أو الزمانة، وحكاه ابن المنذر (٩) عن الجمهور. والحديث يردّ عليهم. ولم يصب من أجاب عن الاستدلال بهذا الحديث على وجوب نفقة الأولاد

стр. 6119

بأنه واقعة عين لا عموم لها، لأن خطاب الواحد كخطاب الجماعة كما تقرّر في الأصول (١). وفي رواية متفقٍ عليها (٢): "ما يكفيك ويكفي ولدك". وقد أجيب عن الحديث أيضًا بأنه من باب الفتيا لا من القضاء وهو فاسد، لأنه ﷺ لا يفتي إلا بحق. واستدلّ بالحديث أيضًا من قدّر نفقة الزوجة بالكفاية، وبه قال الجمهور (٣). وقال الشافعي (٤): إنها تقدّر بالأمداد، فعلى الموسر كل يوم مدّان، والمتوسط مدّ ونصف، والمعسر مدّ. وروي نحو ذلك عن مالك (٥). والحديث حجة عليهم كما اعترف بذلك النووي (٦). وللحديث فوائد لا يتعلق غالبها بالمقام، وقد استوفاها في فتح الباري (٧) واستوفى طرق الحديث واختلاف ألفاظه. [الباب الرابع] بابُ إثباتِ الفُرْقَةِ للمرأةِ إِذا تعذَّرَتْ النفقةُ بإعسارٍ ونحوه ٦/ ٢٩٧٧ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النّبِيّ ﷺ قالَ: "خَيْرُ الصَّدَقَةِ ما كانَ مِنْها عَنْ ظَهْرِ غِنَى، وَاليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدْ السّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تعُولُ"، فَقِيلَ: مَنْ أعُولُ يا رَسُولَ الله؟ قالَ: "امْرأتُكَ مِمّن تَعُولُ، تَقُولُ: أطْعِمْنِي وَإلّا فارِقْنِي، جارِيتُكَ تَقُولُ:
следующие страницы →