← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 6185–6224 · переход к 6190.

стр. 6185

واختلف الجمهورُ هل يتوفى ورثةُ الرجل من ورثة المرأةِ أم لا؟ فذهب الهادي (١)، والقاسم، والناصر، وأبو العباس، وأبو طالب، إلى أنهم يتوفون نصف دية الرجل، وحكاه البيهقي عن عثمان البتي، وحكاه أيضًا السعد في حاشية الكشاف عن مالك. وذهبت الشافعية (٢) والحنفية (٣) وزيد بن عليّ (٤)، والمؤيد بالله (٤)، والإمام يحيى (٤)، إلى أنه يقتل الرجل بالمرأة ولا توفية. وقد احتجّ القائلون بثبوت القصاص بقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٥). ويجاب عن ذلك بما قدمنا في الباب الأول من أن هذه الآية حكاية عن بني إسرائيل كما يدلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ أي في التوراة. وقد صرّح صاحب الكشاف (٦) بأنها واردة لحكاية ما كتب في التوراة على أهلها، فتكون هذه الآية مفسرة أو مقيدة أو مخصصة بقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (٧). وهذه الآية تدلُّ على اعتبار الموافقة ذكورةً وأنوثة وحرية. وقد أجاب السَّعد عن هذا في حاشيته على الكشاف بوجوه: (الأول): أنَّ القول بالمفهوم إنما هو على تقدير أن لا يظهر للقيدِ فائدة، وههنا الفائدة أن الآية إنما نزلت لذلك. (والثاني): أنَّه لو اعتبر ذلك لزم أن لا تُقتَل الأنثى بالذكر نظرًا إلى مفهوم الأنثى، قال: وهذا يردّ على ما ذكرنا أيضًا ويدفع بأنه يعلم بطريق الأولى. (والثالث): أنه لا عبرة بالمفهوم في مقابلة المنطوق الدالّ على قتل النفس بالنفس كيفما كانت. لا يقال: تلك حكاية عمَّا في التوراة، لا بيانٌ للحكم في شريعتنا. لأنا نقول: شرائع من قبلنا - سيَّما إذا ذكرت في كتابنا - حجةٌ، وكم مثلها في أدلة

стр. 6186

أحكامنا حتى يظهر الناسخ، وما ذكر هنا - يعني في البقرة - يصلح مفسرًا فلا يجعل ناسخًا. وأما أنَّ تلك - يعني: آية المائدة - ليست ناسخةً لهذه؛ فلأنها مفسرةٌ بها، فلا تكون هي منسوخة بها. ودليل آخر على عدم النسخ: أنَّ تلك، أعني ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (١) حكايةٌ لما في التوراة، وهذه أعني: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ إلخ، خطابٌ لنا، وحكم علينا، فلا ترفعها تلك، وإلى هذا أشار - يعني: الزمخشريُّ - بقوله: ولأنَّ تلك عطفًا على مضمون قوله، ويقولون: هي مفسرة، لكنهم يقولون: إنَّ المحكيَّ في كتابنا من شريعة من قبلنا بمنزلة المنصوص المقرّر فيصلح ناسخًا، وما ذكرنا من كونه مفسرًا إنما يتمُّ لو كان قولنا: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (١) مبهمًا، ولا إبهام، بل هو عامٌّ، والتنصيص على بعض الأفراد لا يدفع العموم سيَّما والخصم يدعي تأخر العام، حيث يجعله ناسخًا، لكن يرد عليه: أنَّه ليس فيه رفع شيءٍ من الحكم السابق، بل إثبات زيادة حكم آخر، اللهمَّ إلا أن يقال: إن في قوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ الآية؛ دلالة على وجوب اعتبار المساواة في الحرية والذكورة دون الرقّ والأنوثة. انتهى كلام السعد. والحاصلُ: أن الاستدلال بالقرآن على قتل الحرِّ بالعبد، أو عدمه، أو قتل الذكر بالأنثى، أو عدمه لا يخلو عن إشكال يفتّ في عضد الظنّ الحاصل بالاستدلال، فالأولى: التعويل على ما سلف من الأحاديث القاضية: بأنه لا يقتل الحرُّ بالعبد، وعلى ما ورد من الأحاديث والآثار القاضية: بأنه يقتل الذكر بالأنثى. (منها) حديث الباب (٢)؛ وإن كان لا يخلو عن إشكال، لأنَّ قتل الذكر الكافر بالأنثى المسلمة لا يستلزم قتل الذكر المسلم بها لما بينهما من التفاوت، ولو لم يكن إلا ما أسلفنا من الأدلة القاضية: بأنه لا يقتل المسلم بالكافر.

стр. 6187

(ومنها) ما أخرجه مالك (١) والشافعي (٢) من حديث عمرو بن حزم: "أن النبيَّ ﷺ كتب في كتابه إلى أهل اليمن: أن الذكر يقتل بالأنثى". وهو عندهما عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه: "أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: أن الذكر يقتل بالأنثى". ووصله نعيم بن حماد عن ابن المبارك عن معمر عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه عن جده، وجده محمد بن عمرو بن حزم ولد في عهد النبي ﷺ ولكن لم يسمع منه كما قال الحافظ (٣). وكذا أخرجه عبد الرزاق (٤) عن معمر، ومن طريقه الدارقطني (٥). ورواه أبو داود (٦) والنسائي (٧) من طريق ابن وهب عن يونس عن الزهري مرسلًا.

стр. 6188

ورواه أبو داود في المراسيل (١) عن ابن شهاب قال: "قرأت في كتاب رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم". ورواه النسائي (٢) وابن حبان (٣) والحاكم (٤) والبيهقي (٥) موصولًا مطوّلًا، من حديث الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود: حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، وفرّقه الدارمي (٦) في مسنده عن الحكم مقطعًا. قال الحافظ (٧): وقد اختلف أهل الحديث في صحة هذا الحديث، فقال أبو داود في المراسيل (٨): قد أُسنِدَ هذا الحديث ولا يصحُّ، والذي في إسناده سليمانُ بن داود وهم، إنما هو سليمان بن أرقم. وقال (٩) في موضع آخر: لا أحدّث به، وقد وهم الحكم بن موسى في قوله: سليمان بن داود، وقد حدثني محمد بن الوليد الدمشقي أنه قرأ في أصل يحيى بن حمزة: سليمان بن أرقم، وهكذا قال أبو زرعة الدمشقي (١٠): إنه الصواب، وتبعه صالح بن محمد جزرة، وأبو الحسن الهروي وغيرهما.

стр. 6189

وقال صالح جزرة: حدثنا دحيم قال: قرأت في كتاب يحيى بن حمزة حديث عمرو بن حزم، فإذا هو عن سليمان بن أرقم. قال صالح: كتب عني هذه الحكاية مسلم بن الحجاج. قال الحافظ (١) أيضًا: ويؤيدُ هذه الحكاية ما رواه النسائي (٢) عن الهيثم بن مروان (٣)، عن محمد بن بكار (٤)، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم (٥)، عن الزهري، وقال: هذا أشبه بالصواب. وقال ابن حزم في المحلى (٦): صحيفة عمرو بن حزم منقطعة لا تقوم بها حجة، وسليمان بن داود متفق على تركه. وقال عبد الحق (٧): سليمان بن داود الذي يروي هذه النسخة عن الزهري ضعيف، ويقال: إنه سليمان بن أرقم. وتعقبه ابن عديّ (٨) فقال: هذا خطأ، إنما هو سليمان بن داود، وقد جوّده الحكم بن موسى، وقال أبو زرعة (٩): عرضته على أحمد فقال: سليمان بن داود اليمامي ضعيف، وسليمان بن داود الخولاني ثقة، وكلاهما يروي عن الزهري،

стр. 6190

والذي روى حديث الصدقات هو الخولاني، فمن ضعفه فإنما ظنّ أن الراوي هو اليمامي. وقد أثنى على سليمان بن داود الخولاني (١) هذا أبو زرعة، وأبو حاتم، وعثمان بن سعيد، وجماعة من الحفاظ. وحكى الحاكم (٢) عن أبي حاتم أنه سئل عن حديث عمرو بن حزم فقال: سليمان بن داود عندنا ممن لا بأس به. وقد صحح هذا الحديث عمرو بن حزم فقال: سليمان بن داود عندنا ممن لا بأس به. وقد صحح هذا الحديث ابن حبان (٣) والحاكم (٤) والبيهقي (٥) ونقل عن أحمد أنه قال: أرجو أن يكون صحيحًا، وصححه أيضًا من حيث الشُّهرة لا من حيثُ الإسنادُ جماعة من الأئمة منهم الشافعي فإنه قال في رسالته (٦): لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله ﷺ . وقال ابن عبد البرّ (٧): هذا كتاب مشهور عند أهل السير معروف ما فيه عند أهل العلم يستغنى بشهرته عن الإسناد لأنه أشبه المتواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة. قال: ويدلُّ على شُهرته ما رَوَى ابنُ وهب عن مالك عن الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: "وجد كتاب عند آل حزم يذكرون أنه كتاب رسول الله ﷺ ". وقال العقيلي (٨): هذا حديث ثابت محفوظ إلا أنا نرى أنه كتاب غير مسموع عمن فوق الزهري. وقال يعقوب بن أبي سفيان: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتابًا أصحّ

стр. 6191

من كتاب عمرو بن حزم هذا، فإن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم. قال الحاكم (١): قد شهد عمر بن عبد العزيز، وإمامُ عصره الزهريُّ بالصحة لهذا الكتاب، ثم ساق ذلك بسنده إليهما وسيأتي لفظ هذا الحديث في أبواب الديات (٢)، هذا غاية ما يمكن الاستدلال به للجمهور. ومما يقوّي ما ذهبوا إليه قوله ﷺ : "وهم يقتلون قاتلها"، وسيأتي في باب أن الدم حقّ لجميع الورثة من الرجال والنساء. ووجهه ما فيه من العموم الشامل للرجل والمرأة. ومما يقوي ما ذهبوا إليه أيضًا أنا قد علمنا: أن الحكمة في شرعية القصاص هي حقن الدماء وحياة النفوس كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (٣)، وترك الاقتصاص للأنثى من الذكر يفضي إلى إتلاف نفوس الإناث لأمور كثيرة: (منها): كراهيةُ توريثهنَّ. (ومنها): مخافة العار لا سيما عند ظهور أدنى شيء منهن لما بقي في القلوب من حمية الجاهلية التي نشأ عنها الوأد. (ومنها): كونهنَّ مستضعفاتٍ لا يخشى من رام القتل لهنَّ أن يناله من المدافعة ما يناله من الرجال، فلا شكَّ ولا ريب: أن الترخيص في ذلك من أعظم الذرائع المفضية إلى هلاك نفوسهن ولا سيما في مواطن الأعراب المتصفين بغلظ القلوب وشدة الغيرة والأنفة اللاحقة بما كانت عليه الجاهلية. لا يقال: يلزم مثل هذا في الحرِّ إذا قتل عبدًا، لأن الترخيص في القود يفضي إلى مثل ذلك الأمر. لأنا نقول: هذه المناسبة إنما تعتبر مع عدم معارضتها لما هو مقدم عليها من الأدلة فلا يعمل بها في الاقتياد للعبد من الحرّ لما سلف من الأدلة القاضية بالمنع، ويعمل بها في الاقتياد للأنثى من الذكر لأنها لم تعارض ما هو كذلك، بل جاءت مظاهرة للأدلة القاضية بالثبوت.

стр. 6192

وفي حديث الباب دليل على أنه يثبت القصاص في القتل بالمثقل، وسيأتي بيان الخلاف فيه. وفيه أيضًا دليل على أنه يجوز القود بمثل ما قتل به المقتول، واليه ذهب الجمهور (١). ويؤيد ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٤). وما أخرجه البيهقي (٥) والبزار (٦) عنه ﷺ من حديث البراء وفيه: "ومن حرَّق حرَّقناه، ومن غرَّق غرَّقناه". قال البيهقي (٧): في إسناده بعض من يجهل، وإنما قاله زياد في خطبته، وهذا إذا كان السبب الذي وقع القتل به مما يجوز فعله لا إذ كان لا يجوز، كمن قتل غيره بإيجاره (٨) الخمر أو اللواط به (٩). وذهبت العترة والكوفيون (١٠)، ومنهم أبو حنيفة (١١) وأصحابه إلى أن الاقتصاص لا يكون إلا بالسيف. واستدلوا بحديث النعمان بن بشير عند ابن ماجه (١٢) والبزار (١٣)

стр. 6193

والطحاوي (١) والطبراني (٢) والبيهقي (٣) بألفاظ مختلفة. (منها): "لا قود إلا بالسيف"، وأخرجه ابن ماجه (٤) أيضًا والبزار (٥) والبيهقي (٦) من حديث أبي بكرة. وأخرجه الدارقطني (٧) والبيهقي (٨) من حديث أبي هريرة. وأخرجه الدارقطني (٩) من حديث علي.

стр. 6194

وأخرجه البيهقي (١) والطبراني (٢) من حديث ابن مسعود. وأخرجه ابن أبي شيبة (٣) عن الحسن مرسلًا، وهذه الطرق كلها لا تخلو واحدة منها من ضعيف أو متروك حتى قال أبو حاتم (٤): حديث منكر. وقال عبد الحقّ (٥) وابن الجوزي (٦): طرقه كلها ضعيفة. وقال البيهقي (٧): لم يثبت له إسناد ويؤيد معنى هذا الحديث الذي يقوّي بعض طرقه بعضًا، حديث شداد بن أوس عند مسلم (٨) وأبي داود (٩) والنسائي (١٠) وابن ماجه (١١) أن النبيّ ﷺ : قال: "إذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة". وإحسان القتل لا يحصل بغير ضرب العنق بالسيف كما يحصل به. ولهذا كان ﷺ يأمر بضرب عنق من أراد قتله، حتى صار ذلك هو المعروف في أصحابه، فإذا رأوا رجلًا يستحقّ القتل قال قائلهم: يا رسول الله دعني أضربْ عنقه، حتى قيل: إن القتل بغير ضرب العنق بالسيف مُثْلَةٌ. وقد ثبت النهيُ عنها كما سيأتي.

стр. 6195

وأما حديث ابن عمر: أن النبيّ ﷺ قال: "يُقتل القاتل ويُصبر الصابر"، أخرجه البيهقي (١) والدارقطني (٢) وصححه ابن القطان (٣). فالأشهر فيه رواية معمر عن إسماعيل بن أمية مرسلًا. وقد قال الدارقطنيُّ: الإرسال فيه أكثر. وقال البيهقي: الموصول غير محفوظ. وأما حديث أنس المذكور في الباب (٤)، فقد أجيب عنه بأنه فعل لا ظاهر له فلا يعارض ما ثبت من الأقوال في الأمر بإحسان القتلة والنهي عن المثلة وحصر القود في السيف. ١٣/ ٣٠٠٧ - (وَعَنْ حَمَلِ بْنِ مالِكٍ قالَ: كنْتُ بَيْنَ امْرَأتَيْنِ، فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِمسْطَحٍ فَقَتَلَتْها وَجَنِينها، فَقَضَى النبي ﷺ فِي جَنِينِها بِغُرَّة وأنْ تُقْتَلَ بِها. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ) (٥). [صحيح]

стр. 6196

١٤/ ٣٠٠٨ - (وَعَنْ أنَسٍ قال: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يَحُثُّ فِي خُطْبَتِهِ على الصَّدَقَةِ وينْهَى عَنِ المُثْلَةِ. رَوَاهُ النَّسائيُّ) (١). [صحيح] ١٥/ ٣٠٠٩ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: ما خَطَبَنا رَسُول الله ﷺ خُطْبَةً إلَّا أمَرَنا بالصَّدَقَةِ ونَهَانا عَنِ المُثْلَةِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٢). [صحيح] وَلَهُ (٣) مِثْلُهُ مِنْ رِوَايَةِ سَمُرَةَ). [المرفوع منه صحيح] الحديثُ الأوّل أصلُه في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة (٤)، والمغيرة بن شعبة (٥)، ولكن بدون زيادة قوله: "وأن تقتل بها" (٦) التي هي المقصود من ذكر الحديث [ههنا] (٧). وقد قال المنذري (٨): إنَّ هذه الزيادة لم تذكر في [غير] (٩) هذه الرواية. [وحديث أنس رجال إسناده ثقات، فإن النسائي قال: أخبرنا محمد بن المثنى؛ حدثنا عبد الصمد، حدثنا هشام عن قتادة عن أنس … فذكره] (١٠).

стр. 6197

[وحديث عمران بن حصين قال في مجمع الزوائد (١): رواه الطبراني في الكبير وفيه من لم أعرفهم. انتهى] (٢). وأحاديث النهي عن المثلة [أيضًا] (٣) أصلها في صحيح البخاري (٤) من حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري، وفي غيره (٥) من حديث ابن عباس. قال الترمذي (٦): وفي الباب يعني في النهي عن المثلة عن عبد الله بن مسعود (٧)، وشدّاد (٨) بن أوس، وسمرة (٩)، والمغيرة (١٠)، ويعلى بن

стр. 6198

مرة (١)، وأبي أيوب (٢). انتهى. قوله: (بمِسْطَح) بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة أيضًا بعدها حاء مهملة. قال أبو داود (٣): قال النضر بن شميل (٤): المِسْطَح (٥): هو الصولج. اهـ.

стр. 6199

والصولج (١): الذي يرقق به الخبز. وقال أبو عبيد (٢): هو عود من أعود الخباء. وقد استدلَّ المصنف ﵀، بحديث حمل بن مالك (٣) المذكور على أنه يثبت القصاص في القتل بالمثقل وإليه ذهب الجمهور (٤)، ومن أدلتهم أيضًا حديث أنس (٥) المذكور أول الباب. وحكي في البحر (٦) عن الحسن البصري (٧)، والشعبي، والنخعي (٨)، وأبي حنيفة (٩) أنه لا قصاص بالمثقل. واحتجوا بما أخرجه البيهقي (١٠) من حديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "كلُّ شيءٍ خطأ إلا السَّيف، ولكلّ خطأٍ أرشٌ". وفي لفظ (١١): "كلُّ شيءٍ سوى الحديدة خطأ، ولكل خطأٍ أرشٌ". وهذا الحديث يدور على جابر الجعفي (١٢)، وقيس بن الربيع (١٣)، ولا يحتج بهما، وأيضًا هذا الدليل أخص من الدعوى، فإن أبا حنيفة يوجب القصاص بالمحدد ولو كان حجرًا أو خشبًا، ويوجبه أيضًا بالمنجنيق لكونه معروفًا بقتل الناس وبالإلقاء في النار. فالراجح ما ذهب إليه الجمهور؛ لأنَّ المقصود بالقصاص صيانةُ الدماء من الإهدار، والقتل بالمثقل كالقتل بالمحدد في إتلاف النفوس، فلو لم يجب به القصاصُ كان ذلك ذريعة إلى إزهاق الأرواح، والأدلةُ الكليةُ القاضيةُ بوجوب

стр. 6200

القصاص كتابًا وسنة وردت مطلقةً، غير مقيدةٍ بمحدَّدٍ أو غيره، وهذا إذا كانت الجناية بشيءٍ يقصد به القتل في العادة، وكان الجاني عامدًا لا لو كانت بمثل العصا، والسوط، والبندقة، ونحوها، فلا قصاص فيها عند الجمهور وهي شبه العَمد على ما سيأتي تحقيقه. وسيأتي أيضًا بقية الكلام على حديث حمل بن مالك (١) في باب دية الجنين من أبواب الديات. وقد استدلّ بالأحاديث المذكورة في النهي عن المثلة القائلون: بأنَّه لا يجوز الاقتصاص بغير السيف، وقد قدَّمنا الخلاف في ذلك. قال الترمذي (٢): وكره أهل العلم المثلة. [الباب الرابع] بابُ ما جاءَ في شبهِ العَمْدِ ١٦/ ٣٠١٠ - (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "عَقْلُ شِبْه العَمْدِ مُغلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ العَمْدِ، وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ، وذلِكَ أَنْ يَنْزُوَ الشيْطَانُ بَيْنَ النَّاسِ فَتَكُونُ دِمَاءٌ في غَيْرِ ضَغِينَةٍ، وَلا حَمْل سلاحٍ". رَوَاهُ أحمدُ (٣) وأبو داوُد) (٤). [حسن] ١٧/ ٣٠١١ - (وعَنْ عَبدِ الله بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "أَلا إنَّ قَتِيلَ الخَطَإِ شِبْهِ العَمْدِ قَتِيلَ السَّوْطِ أَوِ الْعَصَا فِيهِ مِائة مِنَ الإبلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ في بُطُونِها أوْلادُها"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ (٥). [حسن]

стр. 6201

وَلَهُمْ مِنْ حَديثِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ) (١). [ضعيف] حديث عمرو بن شعيب في إسناده محمد بن راشد الدمشقيُّ المكحوليُّ (٢)، وقد تكلم فيه غير واحدٍ، ووثقه غيرُ واحدٍ. والحديث الثاني: أخرجه أيضًا البخاري في التاريخ (٣)، وساق اختلاف الرواة فيه. وأخرجه الدارقطني في سننه (٤)، وساق أيضًا فيه الاختلاف، وقد صححه ابن حبان (٥). وقال ابن القطان (٦): هو صحيح، ولا يضرّه الاختلاف. وحديث عبد الله بن عمر الذي أشار إليه المصنف لفظه في سنن أبي داود (٧) قال: "خطب رسول الله ﷺ يوم الفتح على درجة البيت أو الكعبة"، وذكر مثل الحديث الذي قبله، وذكر له طرقًا في بعضها عليّ بن زيد بن جدعان ولا يحتجّ بحديثه.

стр. 6202

وسيأتي في باب أجناس مال الدية حديث عقبة بن أوس عن رجل من الصحابة (١)، وهو مثل حديث عبد الله بن عمرو الثاني. وفي الباب عن عليّ عند أبي داود (٢): "أنه قال: في شبه العمد أثلاثًا: ثلاث وثلاثون حقة، وثلاث وثلاثون جذعة، وأربع وثلاثون ثنية إلى بازل عامها كلها خَلِفَة". وفي إسناده عاصم بن ضمرة (٣)، وقد تكلم فيه غير واحد. وعن عليّ أيضًا عند أبي داود (٤): "قال في الخطأ أرباعًا: خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون بنات مخاض". وعن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت عند أبي داود (٥) قالا في المغلظة: أربعون جذعة خلفة، وثلاثون حقة، وثلاثون بنات لبون. وفي الخطأ ثلاثون حقة، وثلاثون بنات لبون، وعشرون بنو لبون ذكورًا، وعشرون بنات مخاض. وأخرج أبو داود (٦) عن علقمة والأسود أنهما قالا: "قال عبد الله في شبه العمد: خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون بنات مخاض". وقد استدلَّ بأحاديث الباب من قال: إن القتل على ثلاثة أضرب: عمدٍ،

стр. 6203

وخطأ، وشبهِ عمدٍ. وإليه ذهب زيد بن عليّ (١)، والشافعية (٢)، والحنفية (٣)، والأوزاعي، والثوري (٤)، وأحمد (٥)، وإسحاق، وأبو ثور (٦)، وجماهير من العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم (٧). فجعلوا في العمد القصاص. وفي الخطإ الدية التي سيأتي تفصيلها. وفي شبه العمد وهو ما كان بما مثله لا يقتل في العادة كالعصا والسوط والإبرة مع كونه قاصدًا للقتل دية مغلظة وهي مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها. وقال ابن أبي ليلى (٨): إن قتل بالحجر أو العصا، فإن كرَّرَ ذلك فهو عمد، وإلا فخطأ. وقال عطاء (٨) وطاوس (٨): شرط العمد أن يكون بسلاح. وقال الجصاص: القتل ينقسم إلى عمد وخطإ، وشبه العمد، وجار مجرى الخطإ، وهو ما ليس إنهاء كفعل الصبي. قال الإمام يحيى (٩): ولا ثمرة للخلاف إلا في شبه العمد. وقال مالك (١٠) والليث والهادي والناصر والمؤيد بالله وأبو طالب (١١): إنَّ القتل ضربان: عمد، وخطأ. فالخطأ ما وقع بسبب من الأسباب، أو من غير مكلف، أو غير قاصد للمقتول أو للقتل، بما مثله لا يقتل في العادة. والعمد ما عداه، والأوّل لا قود فيه.

стр. 6204

وقد حكى صاحب البحر (١) الإجماع على ذلك. والثاني فيه القود. ولا يخفى أن أحاديث الباب صالحة للاحتجاج بها على إثبات قسم ثالث وهو شبه العمد وإيجاب دية مغلظة على فاعله. وسيأتي تفصيل الديات وذكر أجناسها إن شاء الله [تعالى] (٢). [الباب الخامس] بابُ مَنْ أمسكَ رجلًا وقتلَه آخَرُ ١٨/ ٣٠١٢ - (عَن ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "إِذَا أمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَقتلَهُ الآخرُ، يُقْتَلُ الَّذِي قَتَلَ، ويُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَ". رَوَاهُ الدَّارقطنيُّ) (٣). [مرسل صحيح] ١٩/ ٣٠١٣ - (وعَنْ عَلِيّ: أَنَّهُ قَضَى في رَجُلٍ قَتَلَ رجُلًا متَعَمِّدًا وأمْسَكَهُ آخَرُ، قالَ: يُقتَلُ القاتِلُ، وَيُحْبَسُ الآخَرُ في السِّجْنِ حتَّى يَمُوتَ. رَوَاهُ الشَّافعيُّ) (٤). حديث ابن عمر أخرجه الدارقطني (٣) من طريق الثوري عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر.

стр. 6205

ورواه معمر وغيره عن إسماعيل. قال الدارقطني: والإرسال أكثر. وأخرجه أيضًا البيهقي (١) ورجح المرسل وقال: إنه [موصول] (٢) غير محفوظ. قال الحافظ في بلوغ المرام (٣): ورجاله ثقات وصححه ابن القطان (٤). وقد روي أيضًا عن إسماعيل عن سعيد بن المسيب مرفوعًا، والصواب: عن إسماعيل، قال: "قضى رسول الله ﷺ " الحديث. ورواه ابن المبارك عن معمر عن سفيان عن إسماعيل يرفعه قال: "اقتلوا القاتل، واصبروا الصابر" (٥)، يعني: احبسوا الذي أمسك. وأثر عليّ (٦) هو من طريق سفيان عن جابر عن عامر عنه. والحديث فيه دليل: على أن الممسك للمقتول حال قتل القاتل له لا يلزمه القود، ولا يعدّ فعله مشاركة حتى يكون ذلك من باب قتل الجماعة بالواحد، بل الواجب حبسه فقط. وقد حكى صاحب البحر (٧) هذا القول عن العترة والفريقين، يعني الشافعية والحنفية. وقد استدلّ لهم بالحديث والأثر المذكورين، وبقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٨).

стр. 6206

وحكي في البحر (١) أيضًا عن النخعي ومالك (٢) والليث أنه يقتل الممسك كالمباشر للقتل لأنهما شريكان، إذ لولا الإمساك لما حصل القتل. وأجيب: بأنَّ ذلك تسبيب مع مباشرة ولا حكم له معها. والحق العمل بمقتضى الحديث المذكور، لأنَّ إعلاله بالإرسال غير قادح على ما ذهب إليه أئمة الأصول وجماعة من أئمة الحديث وهو الراجح لأن الإسناد زيادة مقبولة يتحتم الأخذ بها، والحبس المذكور جعله الجمهور موكولًا إلى نظر الإمام في طول المدّة وقصرها لأن الغرض تأديبه وليس بمقصود استمراره إلى الموت. وقد أخذ بما روي عن عليّ من الحبس إلى الموت ربيعةُ. [الباب السادس] باب القِصَاصِ في كَسْرِ السِّنّ ٢٠/ ٣٠١٤ - (عَنْ أَنَسٍ: أن الرُّبَيِّعَ عَمَّتَهُ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جارِيةٍ، فَطَلَبُوا إلَيْها العَفْوَ فأبَوْا، فَعَرَضُوا الأرْشَ فأبَوْا، فأتَوْا رَسُولَ الله ﷺ فأبَوْا إلَّا القصَاصَ فأمَرَ رَسُول الله ﷺ بالقصاصِ، فَقالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يا رسُولَ الله أتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ لا وَالَّذِي بَعَثَكَ بالحَقّ لا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُها، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يا أنَسُ كِتابُ الله القِصاصُ" فَرَضِيَ القَوْمُ فَعَفَوْا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّ مِنْ عِبادِ الله منْ لَوْ أقسَمَ على الله لأَبرَّهُ"، رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣) وَالخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ) (٤). [صحيح] قوله: (الربيع) بضم الراء، وهي بنت النضر. قوله: (فطلبوا إليها العفو) أي: طلب أهل الجانية إلى المجنيّ عليها العفو، فأبى أهل المجنيِّ عليها.

стр. 6207

وفي رواية للبخاري (١): "فطلبوا إليهم العفو فأبوا"، أي: إلى أهل المجنيِّ عليها. قوله: (فأمر رسول الله ﷺ … إلخ) فيه دليل: على وجوب القصاص في السنّ. وقد حكى صاحب البحر (٢) الإجماع على ذلك وهو نصّ القرآن (٣). وظاهر الحديث وجوب القصاص ولو كان ذلك كسرًا لا قلعًا، ولكن بشرط: أن يُعْرَف مقدار المكسور. ويمكن أخذ مثله من سنِّ الكاسر فيكون الاقتصاص بأن تُبْرَد سنّ الجاني إلى الحدِّ الذاهب من سنّ المجنيِّ عليه، كما قال أحمد بن حنبل (٤). وقد حكي الإجماع: على أنه لا قصاص في العظم الذي يخاف منه الهلاك، وحكي عن الليث (٥) والشافعي (٦) والحنفية (٧): أنه لا قصاص في العظم الذي ليس بسن، لأن المماثلة متعذرة، لحيلولة اللحم والعصب والجلد. قال الطحاوي (٨): اتفقوا على أنه لا قصاص في عظم الرأس فيلحق به سائر العظام. وتعقّب بأنه مخالفٌ حديث الباب فيكون فاسد الاعتبار، وقد تأوّل - من قال بعدم القصاص في العظم مطلقًا إذا كسر - هذا الحديث: بأنَّ المراد بقوله: كسرَت ثنية جاريةٍ: أي قلعتها، وهو تعسف. قوله: (لا والذي بعثك [بالحقّ] (٩) … إلخ)، قيل: لم يرد بهذا القول ردَّ حكم الشرع، وإنما أراد التعريض بطلب الشفاعة، وقيل: إنه وقع منه ذلك قبل

стр. 6208

علمه بوجوب القصاص إلا أن يختار المجنيُّ عليه، أو ورثته الدية، أو العفو، وقيل غير ذلك، وجميع ما قيل لا يخلو من بعد، ولكنه يقربه ما وقع منه ﷺ من الثناء عليه، بأنه ممن أبرّ الله قسمه، ولو كان مريدًا بيمينه ردّ ما حكم الله به لكان مستحقًا لأوجع القول وأفظعه. قوله: (كتاب الله) الأشهر فيه الرفع على أنه مبتدأ، والقصاص خبره، ويجوز فيه: النصب على المصدرية لفعل محذوف كما في ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ (١) و ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ (٢)، ويكون القصاص مرفوعًا: على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ، وأشار ﷺ بذلك إلى قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٣)، وقيل: إلى قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ (٤) وهو الظاهر. [الباب السابع] باب مَنْ عَضَّ يدَ رجُلٍ فانتزعَهَا فسقطَتْ ثنيَّتُهُ ٢١/ ٣٠١٥ - (عَنْ عمْرَانَ بْنِ حُصيْنٍ: أن رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ فَنَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتاهُ، فاخْتَصَمُوا إلى النَّبِيّ ﷺ فقَالَ: "يَعَضُّ أحَدُكُمْ يَدَ أخِيهِ كما يَعَضُّ الفَحْلُ، لا دِيَةَ لَكَ"، رَوَاهُ الجَماعةُ إلَّا أَبَا داودَ) (٥). [صحيح] ٢٢/ ٣٠١٦ - (وعَنْ يَعْلَى بْنِ أمَيَّةَ قالَ: كانَ لِي أَجِيرٌ فقاتَلَ إنْسَانًا فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَانْتَزَعَ أصْبُعَهُ، فأنْدَرَ ثَنِيّتَهُ فَسَقَطَتْ، فانْطَلَقَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فأهْدَرَ

стр. 6209

ثَنِيَّتَهُ وقالَ: "أيدَع يَدَهُ في فِيكَ تَقْضَمُها كما يَقْضُمُ الفَحْلُ"، رَواهُ الجَمَاعَةُ إلَّا التِّرمذيَّ) (١). [صحيح] في رواية مسلم (٢) عن عمران بن حصين: أنه قال: "قاتل يعلى بن أمية رجلًا، فعضَّ أحدُهما صاحبه"، ظاهره يخالف ما في حديث يعلى المذكور من قوله: "كان لي أجير فقاتل إنسانًا"، وسيأتي الجمع. قوله: (عضَّ يد رجل) في روايةٍ لمسلم (٣): "عضَّ ذراع رجلٍ". وفي رواية للبخاري (٤): "فعضَّ أصبع صاحبه". وقد جمع بتعدد القصة. وقيل: رواية الذراع أرجح من رواية الأصبع، لأنها من طريق جماعة كما حقق ذلك صاحب الفتح (٥). قوله: (ثنيتاه) هكذا في رواية البخاري عند الأكثر. وفي رواية للكشميهني (٦): "ثناياه" بصيغة الجمع. وفي روايةٍ (٧): بصيغة الإفراد، كما وقع في حديث يعلى، ويجمع بين ذلك: بأنه أريد بصيغة الإفراد الجنس، وجعل صيغة الجمع مطابقة لصيغة التثنية عند من يجيز إطلاق صيغة الجمع على المثنى، ولكنه وقع في رواية للبخاريّ (٨): "إحدى ثنيته"، وهي مصرّحة بالأفراد، والجمع بتعدّد الواقعة بَعِيْدٌ. قوله: (فاختصموا) في روايةٍ بصيغة التثنية. قوله: (يعضّ أحدكم) بفتح أوله، وبفتح العين المهملة، بعدها ضاد معجمة

стр. 6210

مشدّدة؛ لأن أصله: عَضِض بكسر الضاد الأولى يعضض بفتحها، ثم أدغمت، ونقلت الحركة التي عليها إلى ما قبلها. والمراد بالفحل: الذكر من الإبل. قوله: (فعضَّ أحدهما صاحبه) لم يصرّح بالفاعل. وقد ورد في بعض الروايات: أن رجلًا من بني تميم قاتل رجلًا فعض يده، ويعلى هو من بني تميم. ويدل على ذلك رواية مسلم المتقدمة (١)، واستبعد القرطبيُّ (٢) وقوع مثل ذلك من مثل يعلى. وأجيب: باحتمال أن يكون ذلك في أول الإسلام. قال النووي (٣): إنَّ الرواية الأولى من صحيح مسلم تدل على أن المعضوض يعلى. وفي الرواية الثانية (٤) والثالثة (٥) منه أن المعضوض أجير يعلى. وقد رجح الحافظ (٦) أن المعضوض أجير يعلى. قال (٧): ويحتمل أنهما قصتان وقعتا ليعلى ولأجيره في وقت أو وقتين. وقد تعقب الزين العراقي في شرح الترمذي (٨) ما قاله النووي بأنه ليس في رواية مسلم ولا غيره من الكتب الستة ولا غيرها ما يدل على أن يعلى هو المعضوض، لا صريحًا ولا إشارة. قال (٩): فيتعين أن يكون يعلى هو العاض. انتهى. ولكنه يشكل على ذلك ما في حديث يعلى (١٠) المذكور في الباب: من أن المقاتلة وقعت بين أجيره وإنسانٍ آخر، فلا بدَّ من الجمع بتعدّد القصة كما سلف.

стр. 6211

قوله: (فأندر) (١) بالنون والدال المهملة والراء، أي: أزال ثنيته. قوله: (تقضمها) (٢) بسكون القاف وفتح الضاد المعجمة على الأفصح، وهو الإمساك بأطراف الأسنان. والحديثان يدلان على أن الجناية إذا وقعت على المجني عليه بسبب منه كالقصة المذكورة وما شابهها، فلا قصاص ولا أرش. وإليه ذهب الجمهور (٣)، ولكن بشرط أن لا يتمكن المعضوض مثلًا من إطلاق يده أو نحوها بما هو أيسر من ذلك، وأن يكون ذلك العض مما يتألم به المعضوض، وظاهر الدليل عدم الاشتراط. وقد قيل: إنه من باب التقييد بالقواعد الكلية، وفي وجه للشافعية (٤) أنه يهدر مطلقًا. وروي عن مالك أنه يجب الضمان في مثل ذلك، وهو محجوج بالدليل الصحيح. وقد تأول أتباعه ذلك الدليل بتأويلات في غاية السقوط وعارضوه بأقيسة باطلة. وما أحسن ما قال يحيى بن يعمر (٥): لو بلغ مالكًا هذا الحديث لم يخالفه، وكذا قال ابن بطال (٦). [الباب الثامن] بابُ مَنْ اطَّلعَ في بيتِ قومٍ مغلق عليهم بغيرِ إذنِهِم ٢٣/ ٣٠١٧ - (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أن رَجُلًا اطَّلَعَ في جُحْرٍ في بابِ رسُولِ الله ﷺ ومَعَ رَسُولِ الله ﷺ مِدْرًى يُرَجِّلُ بِهَا رأسَهُ، فقالَ لهُ: "لوْ أَعْلَمُ

стр. 6212

أَنَكَ تنْظُرُ طَعَنْتُ بهِ في عَيْنِكَ، إنما جُعِلَ الإِذْنُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ") (١). [صحيح] ٢٤/ ٣٠١٨ - (وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رجُلًا اطَّلَعَ فِي بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيّ ﷺ ، فَقامَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِمشْقَصٍ أَوْ بِمَشاقِصَ، فَكأنّي أنْظُرُ إلَيْهِ يَخْتِلُ الرَّجُلَ لِيَطْعَنَهُ) (٢). [صحيح] ٢٥/ ٣٠١٩ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ أن رَسُولَ الله ﷺ قال: "لَوْ أن رَجُلًا اطَّلعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأتَ عَيْنَهُ ما كانَ عَلَيْكَ جُناحٌ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ) (٣). [صحيح] ٢٦/ ٣٠٢٠ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "مَنِ اطَّلعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أنْ يَفْقَؤُوا عَيْنَهُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤) وَمُسْلِمٌ (٥). [صحيح] وفي رِوَايَةٍ: "مَنِ اطّلعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَفَقَؤُوا عَيْنَهُ فَلا دِيَةَ لَهُ وَلا قِصَاصَ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٦) وَالنَّسَائيُّ) (٧). [صحيح] اللفظ الآخر من حديث أبي هريرة الآخر، أخرجه أيضًا ابن حبان وصححه (٨). قوله: (مِدْرًى) المدرى (٩): بكسر الميم، وسكون الدال المهملة: عود يشبه أحَد أسنان المشط، وقد يجعل من حديد. قوله: (بمشقص) بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة، وفتح القاف بعدها

стр. 6213

صاد، قال في القاموس (١): المشقص، كمنبر: نصل عريض، أو سهم فيه ذلك، والنصل الطويل، أو سهم فيه ذلك يُرمى به الوحش. قوله: (يختل) بفتح الياء التحتية، وسكون الخاء المعجمة، بعدها مثناة مكسورة، وهو الخدع والاختفاء على ما في القاموس (٢). قوله: (ليطعنه) بضم العين وقد تفتح. قوله: (فخذفته) (٣) الخذف: بالخاء المعجمة: الرمي بالحصاة، وأما بالحاء المهملة: فهو بالعصا، لا بالحصا. وقد استدلّ بأحاديث الباب من قال: إن من قصد النظر إلى مكان لا يجوز له الدخول إليه بغير إذن، جاز للمنظور إلى مكانه أن يفقأ عينه، ولا قصاص عليه ولا دية؛ للتصريح بذلك في الحديث الآخر، ولقوله: "فقد حلّ لهم أن يفقئوا عينه"، ومقتضى الحِلِّ: أنه لا يضمن، ولا يقتصّ منه، ولقوله: "ما كان عليك من جناح". وإيجاب القصاص أو الدية جناحٌ، ولأن [قوله] (٤) ﷺ المذكور: "لو أعلم أنك تنظر طعنت به في عينك"، يدل على الجواز. وقد ذهب إلى مقتضى هذه الأحاديث جماعة من العلماء منهم الشافعي (٥). وخالفت المالكية (٦) هذه الأحاديث فقالت: إذا فعل صاحب المكان بمن اطلع عليه ما أذن به النبيّ ﷺ وجب عليه القصاص أو الدية، وساعدهم على ذلك جماعة من العلماء، وغاية ما عوّلوا عليه قولهم إن المعاصي لا تدفع

стр. 6214

بمثلها، وهذا من الغرائب التي يتعجب المصنف من الإقدام على التمسك بمثلها في مقابلة تلك الأحاديث الصحيحة، فإن كل عالم يعلم أن ما أذن فيه الشارع ليس بمعصية، فكيف يجعل فقء عين المطلع من باب مقابلة المعاصي بمثلها. ومن جملة ما عوّلوا عليه قولهم: إنَّ الحديث وارد على سبيل التغليظ والإرهاب. ويجاب عنه بالمنع، والسند: أن ظاهر ما بلغنا عنه ﷺ محمول على التشريع إلا لقرينة تدلُّ على إرادة المبالغة، وقد تخلص بعضهم عن الحديث بأنه مؤوّل بالإجماع: على أنَّ من قصد النظر إلى عورة غيره لم يكن ذلك مبيحًا لفقء عينه ولا سقوط ضمانها. ويجاب أوّلًا: بمنع الإجماع، وقد نازع القرطبي (١) في ثبوته، وقال: إنَّ الحديث يتناول كلَّ مُطَّلِعٍ، قال: لأن الحديث المذكور إنما هو لمظنة الاطلاع على العورة، فبالأولى نظرها المحقق؛ ولو سلم الإجماع المذكور لم يكن معارضًا لما ورد به الدليل لأنه في أمرٍ آخر، فإنَّ النظر إلى البيت ربما كان مفضيًا إلى النظر إلى الحرم، وسائر ما يقصد صاحب البيتِ سَتْرَهُ عن أعين الناس. وفرَّق بعض الفقهاء بين من كان من الناظرين في الشارع، وفي خالص ملك المنظور إليه. وبعضهم فرق بين من رمى الناظر قبل الإنذار وبعده. وظاهر أحاديث الباب عدم الفرق. والحاصلُ: أن لأهل العلم في هذه الأحاديث تفاصيلَ وشروطًا واعتباراتٍ يطول استيفاؤها؛ وغالبها مخالفٌ لظاهر الحديث، وعاطل عن دليلٍ خارج عنه، وما كان هذا سبيله فليس في الاشتغال ببسطه ورده كثيرُ فائدة، وبعضُها مأخوذٌ من فهم المعنى المقصود بالأحاديث المذكورة، ولا بد أن يكون ظاهر الإرادة واضح الاستفادة، وبعضها مأخوذ من القياس، وشرط تقييد الدليل به أن يكون صحيحًا معتبرًا على سنن القواعد المعتبرة في الأصول.

стр. 6215

[الباب التاسع] باب النهي عن الاقتصاص في الطرف قبل الاندمال ٢٧/ ٣٠٢١ - (عَنْ جابرٍ: أن رَجُلًا جُرِحَ فأرَادَ أنْ يَسْتَقِيدَ، فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُسْتَقَادَ مِنَ الجارحِ حتَّى يَبْرَأ المَجْرُوحُ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ) (١). [مرسل ضعيف] ٢٨/ ٣٠٢٢ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَجُلًا طَعَنَ رَجُلًا بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتِهِ، فَجاءَ إلى النَّبِيّ ﷺ فَقالَ: أقِدْنِي، فقال: "حتَّى تَبْرَأ"، ثُمَّ جاءَ إلَيْهِ فَقالَ: أَقِدْنِي، فأقادَهُ، ثُمَّ جاءَ إلَيْهِ فَقالَ: يا رَسُولَ الله عَرَجْتُ، قالَ: "قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَني فأبْعَدَكَ الله وَبَطَلَ عَرَجُكَ"، ثمّ نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحٍ حتَّى يَبْرأَ صَاحِبُهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢) وَالدارَقُطْنِيُّ) (٣) [حسن لغيره] حديث جابر أخرجه أيضًا أبو بكر بن أبي شيبة (٤) عن ابن علية عن أيوب عن عمرو بن دينار عنه. وأخرجه أيضًا عثمان بن أبي شيبة بهذا الإسناد. وقال أبو الحسن الدارقطني (٥): أخطأ فيه ابنا أبي شيبة وخالفهما أحمد بن

стр. 6216

حنبل وغيره فرووه عن ابن علية عن أيوب عن عمرو مرسلًا. وكذلك قال أصحاب عمرو بن دينار عنه وهو المحفوظ، يعني المرسل. وأخرجه أيضًا البيهقي (١) من حديث جابر مرسلًا بإسناد آخر. وقال: تفرّد به عبد الله الأموي عن ابن جريج وعنه يعقوب بن حميد. وأخرجه (٢) أيضًا من وجه آخر عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "تقاس الجراحات ثم يتأنى بها سنة ثم يقضى فيها بقدر ما انتهت إليه"، وفي إسناده ابن لهيعة، وكذا رواه جماعة من الضعفاء عن أبي الزبير من وجهين آخرين عن جابر، ولم يصحّ شيء من ذلك (٣). وحديث عمرو بن شعيب، قال الحافظ في بلوغ المرام (٤): وأعلّ بالإرسال. وقد تقدم الخلاف في سماع عمرو بن شعيب واتصال إسناده، وأخرجه أيضًا الشافعي والبيهقي (٥) من طريق [عمرو] (٦) بن دينار عن محمد بن طلحة. وقد استدلّ بالحديثين المذكورين من قال: إنه يجب الانتظار إلى أن يبرأ الجرح ويندمل ثم يقتص المجروح بعد ذلك. وإليه ذهبت العترة (٧) وأبو حنيفة (٨) ومالك (٩).

стр. 6217

وذهب الشافعي (١) إلى أنه يندب فقط، وتمسك بتمكينه ﷺ الرجل المطعون بالقرن المذكور في حديث الباب من القصاص قبل البرء. واستدلّ صاحب البحر (٢) على الوجوب بقوله ﷺ : "اصبروا حتى يسفر الجرح". وأصله: "أنَّ رجلًا طعن حسان بن ثابت، فاجتمعت الأنصار ليأخذ لهم النبيّ ﷺ القصاص فقال: انتظروا حتى يبرأ صاحبكم ثم أقتصّ لكم، فبرأ حسان ثم عفا" (٣). وهذا الحديث إن صحَّ فحديث عمرو بن شعيب قرينة لصرفه من معناه الحقيقي إلى معناه المجازيِّ، كما أنه قرينة لصرف النهي المذكور في حديث جابر (٤) إلى الكراهة. وأما ما قيل من أن ظهور مفسدة التعجيل للنبيّ ﷺ قرينةُ أن أمره الأنصار بالانتطار للوجوب، لأن دفع المفاسد واجب كما قال في "ضوء النهار" (٥). فيجاب عنه: بأن محلَّ الحجة هو إذنه ﷺ بالاقتصاص قبل الاندمال، وهو لا يأذن إلا بما كان جائزًا. وظهور المفسدة غير قادح في الجواز المذكور، وليس ظهورها بكلي ولا أكثري حتى تكون معلومة عند الاقتصاص قبل الاندمال أو مظنونة، فلا يجب ترك الإذن دفعًا للمفسدة الناشئة منه نادرًا، نعم قوله: "ثم نهى أن يتقصّ من جرح … "إلخ.

стр. 6218

يدلّ على تحريم الاقتصاص قبل الاندمال لأن لفظ "ثم" يقتضي الترتيب فيكون النهي الواقع بعدها ناسخًا للإذن الواقع قبلها. [الباب العاشر] بابُ في أن الدَّمَ حقٌّ لجميعِ الورثةِ مِنَ الرِّجَالِ والنِّساءِ ٢٩/ ٣٠٢٣ - (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّه: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَضَى أنْ يَعْقِلَ عَنِ المَرأةِ عَصَبَتُها مَنْ كانُوا، وَلا يَرثُوا مِنْها إلَّا ما فَضَلَ عَنْ وَرَثَتِها، وَإِنْ قَتَلَتْ فَعَقْلُها بَيْنَ وَرَثَتِها وَهُمْ يَقْتُلُونَ قاتِلَها. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا التّرْمِذِيَّ) (١) [حسن] ٣٠/ ٣٠٢٤ - (وَعَنْ عائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: "وَعلى المُقْتَتِلِينَ أَنْ يَنْحَجِزُوا الأوَّلَ فالأوَّلَ وإنْ كانَتِ امْرأةً" رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٢) وَالنَّسَائيُّ (٣). [ضعيف] وأرادَ بالمُقْتَتِلِينَ أَوْلياءَ المَقْتُولِ الطَّالِبِينَ القَوَدَ. وَيَنْحَجِزُوا: أيْ يَنْكَفُّوا عَنِ القَوَدِ بِعَفْوِ أَحَدِهِمْ وَلَوْ كانَ امْرأةً. وَقَوْلُهُ: الأوَّلُ فالأوَّلَ: أي الأَقْرَبَ فالأقْرَبَ).

стр. 6219

حديث عمرو بن شعيب في إسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي، وقد وثقه غير واحد وتكلم فيه غير واحد (١)، وهو حديث طويل هذا طرف منه، وقد بسطه أبو داود في سننه (٢). وحديث عائشة في إسناده حصن بن عبد الرحمن، ويقال: ابن محصن أبو حذيفة الدمشقي. قال أبو حاتم الرازي (٣): لا أعلم روى عنه غير الأوزاعي ولا أعلم أحدًا نسبه. قوله: (أن يعقل) العقل (٤): الدية، والمراد ههنا بقوله: "أن يعقل" أن يدفع عن المرأة ما لزمها من الدية عصبتُها: والعصبة - محركةً - الذين يرثون الرجل عن كلالة من غير والدٍ، ولا ولدٍ. فأمَّا في الفرائض: فكلُّ من لم تكن له فريضة مسماةٌ فهو عصبة إن بقي بعد الفرض [أخذ] (٥). وقوم الرجل الذين يتعصبون له، كذا في القاموس (٦). قوله: (أن ينحجزوا) بحاء مهملة ثم جيم ثم زاي (٧). وقد فسره أبو داود (٨) بما ذكره المصنف. وقد استدلَّ المصنف بالحديثين المذكورين: على أن المستحق للدم جميعُ

стр. 6220

ورثة القتيل من غير فرق بين الذكر والأنثى، والسبب والنسب، فيكون القصاص إليهم جميعًا. وإليه ذهبت العترة (١) والشافعي (٢) وأبو حنيفة (٣) وأصحابه. وذهب الزهري (٤) ومالك (٥) إلى أنَّ ذلك يختصُّ بالعَصَبة. قالا: لأنه مشروع لنفي العار، كولاية النِّكاح، فإنْ وقع العفو من العصبة فالدِّية عندهما كالتركة. وقال [ابن سيرين] (٦): إنه يختصّ بدم المقتول الورثة من النسب إذ هو مشروع للتشفي، والزوجية ترتفع بالموت، وردَّ بأنه شرع لحفظ الدماء. واستدلّ لذلك في البحر (٧) بقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (٨)، وبقول عمر حين عفت أختُ المقتول: عتق من القتل. قال: ولم يخالف. وسيأتي في باب ما تحمله العاقلة (٩) بيان كيفية العقل، واختلاف الأدلة في ثبوته إن شاء الله [تعالى] (١٠). [الباب الحادي عشر] باب فَضْل العَفْوِ عن الاقتِصَاص والشفاعَةِ في ذلكَ ٣١/ ٣٠٢٥ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: "ما عَفا رَجُلٌ عَنْ مَظْلَمَةٍ

стр. 6221

إلا زَادَهُ الله بِهَا عِزًّا"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢) وَالتِّرْمِذِيّ وَصحَّحَه) (٣). [صحيح] ٣٢/ ٣٠٢٦ - (وَعَنْ أنَسٍ قالَ: ما رُفِعَ إلى رَسُولِ الله ﷺ أمْرٌ فِيهِ القِصَاصُ إلا أمَرَ فِيه بالعَفْوِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ) (٤). [صحيح] ٣٣/ ٣٠٢٧ - (وَعَنْ أبي الدَّرْدَاءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "ما مِنْ رَجُل يُصَابُ بِشَيء فِي جَسَدِهِ فَيَتَصَدّقُ بِهِ إلَّا رَفَعَه الله بِهِ دَرَجَةً، وَحَطَّ بِه عَنهُ خَطِيئَةً"، رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ (٥) وَالتّرْمِذِيُّ) (٦). [ضعيف]

стр. 6222

٣٤/ ٣٠٢٨ - (وَعَنْ عَبْدِ الرحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "ثَلاثٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إنْ كُنْتُ لَحالِفًا عَلَيْهِنّ: لا يَنْقُصُ مالٌ مِنْ صَدَقَةٍ فَتَصَدَّقُوا، ولَا يَعْفُو عَبْدٌ عَنْ مَظْلَمَةٍ يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ الله إلَّا زَادَهُ الله بِهَا عِزًّا يَوْمَ القِيامَةِ، ولَا يَفْتَحُ عَبْدٌ بابَ مَسْأَلةٍ إلَّا فَتَحَ الله عَلَيْهِ بابَ فَقْرٍ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ) (١). [حسن لغيره]

стр. 6223

حديث أنس سكت عنه أبو داود (١) والمنذري (٢)، وإسناده لا بأس به. وحديث أبي الدرداء هو من رواية أبي السفر عن أبي الدرداء، قال الترمذي (٣): هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ولا أعرف لأبي السفر سماعًا من أبي الدرداء (٤). وأبو السفر اسمه سعيد بن أحمد، ويقال: ابن محمد الثوري. وحديث عبد الرحمن بن عوف أخرجه أيضًا أبو يعلى (٥) والبزار (٦)، وفي إسناده رجل لم يسمّ (٧). وأخرجه البزار (٨) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه وقال (٩): إن الرواية هذه أصحّ. ويشهد لصحته ما ورد من الأحاديث في الترغيب في الصدقة والتنفير عن المسألة وقد تقدمت (١٠).

стр. 6224

وأما فضل العفو المذكور فيه فهو مثل حديث أبي هريرة (١) المذكور في الباب. والترغيب في العفو ثابت بالأحاديث الصحيحة ونصوص القرآن الكريم. ولا خلاف في مشروعية العفو في الجملة، وإنما وقع الخلاف فيما هو الأولى للمظلوم هل العفو عن ظالمه أو الترك؟ فمن رجح الأوّل قال: إن الله سبحانه لا يندب عباده إلى العفو إلا ولهم فيه مصلحة راجحة على مصلحة الانتصاف من الظالم. فالعافي له من الأجر بعفوه عن ظالمه فوق ما يستحقه من العوض عن تلك المظلمة من أخذ أجر أو وضع وزر لو لم يعف عن ظالمه. ومن رجَّح الثاني قال: إنا لا نعلم هل عوض المظلمة أنفع للمظلوم أم أجر العفو؟ ومع التردّد في ذلك ليس إلى القطع بأولوية العفو طريق. ويجاب بأن غاية هذا عدم الجزم بأولوية العفو لا الجزم بأولوية الترك الذي هو الدعوى، ثم الدليل قائم على أولوية العفو، لأن الترغيب في الشيء يستلزم راجحيته، ولا سيما إذا نصّ الشارع على أنه من موجبات رفع الدرجات وحطّ الخطيئات وزيادة العزِّ كما وقع في أحاديث الباب. ونحنُ لا ننكر: أن للمظلوم الذي لم يعف [عن] (٢) ظلامته عوضًا عنها، فيأخذ من حسنات ظالمه أو يضع عليه من سيئاته، ولكنه لا يساوي الأجر الذي يستحقه العافي لأن الندب إلى العفو والإرشاد إليه والترغيب فيه يستلزم ذلك، وإلا لزم أن يكون ما هو بتلك الصفة مساويًا أو مفضولًا فلا يكون للدعاء إليه فائدة على فرض المساواة أو يكون مضرًّا بالعافي على فرض أن العفو مفضول لأنه كان سببًا في نقصان ما يستحقه من عوض المظلمة، واللازم باطل فالملزوم مثله.
следующие страницы →