← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 7655–7694 · переход к 7660.

стр. 7655

وفي الباب عن أبي مريم الأزدي مرفوعًا أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢) بلفظ: "من تولى شيئًا من أمر المسلمين فاحتجب عن حاجتهم وفقيرهم احتجب الله دون حاجته". قال الحافظ في الفتح (٣): إن سنده جيد. وعن ابن عباس عند الطبراني في الكبير (٤) بلفظ: "أيما أمير احتجب عن الناس فأهمهم احتجب الله عنه يوم القيامة". قال ابن أبي حاتم (٥): هو حديث منكر. قوله: (على الراشي) هو دافع الرشوة، والمرتشي: القابض لها، والرائش: هو ما ذكره في الرواية التي في الباب قال ابن رسلان: ويدخل في إطلاق الرشوة للحاكم والعامل على أخذ الصدقات، وهي حرام بالإجماع (٦). اهـ. قال الإمام المهدي في البحر (٧) في كتاب الإجارات منه: مسألة: وتحرم رشوة الحاكم إجماعًا لقوله ﷺ : "لعن الله الراشي والمرتشي". قال الإمام يحيى: ويفسق للوعيد. والراشي إن طلب باطلًا عمه الخبر. قال المنصور بالله وأبو جعفر وبعض أصحاب الشافعي (٨): وإن طلب بذلك حقًّا مجمعًا عليه جاز.

стр. 7656

قيل: وظاهر المذهب المنع لعموم الخبر وإن كان مختلفًا فيه كالباطل إذ لا تأثير لحكمه. اهـ. قلت: والتخصيص لطالب الحقّ بجواز تسليم الرشوة منه للحاكم لا أدري بأيّ مخصص، فالحقّ التحريم مطلقًا أخذًا بعموم الحديث، ومن زعم الجواز في صورة من الصور، فإن جاء بدليل مقبول وإلا كان تخصيصه ردًا عليه، فإن الأصل في مال المسلم التحريم: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١)، "لا يحلّ مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه" (٢). وقد انضمّ إلى هذا الأصل كون الدافع إنما دفعه لأحد أمرين: إما لينال به

стр. 7657

حكم الله إن كان محقًا وذلك لا يحلُّ لأن المدفوع في مقابلة أمر واجب أوجب الله على الحاكم الصدع به، فكيف لا يفعل حتى يأخذ عليه شيئًا من الحطام؛ وإن كان الدفع للمال من صاحبه لينال به خلاف ما شرعه الله إن كان مبطلًا فذلك أقبح، لأنه مدفوع في مقابلة أمر محظور فهو أشدُّ تحريمًا من المال المدفوع للبغيِّ في مقابلة الزنا بها، لأن الرشوة يتوصل بها إلى أكل مال الغير الموجب لإحراج صدره، والإضرار به، بخلاف المدفوع إلى البغيِّ، فالتوصل به إلى شيء محرّم وهو الزنا لكنه مستلذّ للفاعل والمفعول به، وهو أيضًا ذنب بين العبد وربه، وهو أسمح الغرماء ليس بين العاصي [وبين] (١) المغفرة إلا التوبة، ما بينه وبين الله وبين الأمرين بون بعيد. ومن الأدلة الدالة على تحريم الرشوة ما حكاه ابن رسلان في شرح السنن عن الحسن (٢)، وسعيد بن جبير (٣)، أنهما فسرا قوله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (٤) بالرشوة. وحكي عن مسروق عن ابن مسعود (٥) أنه لما سئل عن السحت: أهو الرشوة؟ فقال: لا ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ .... ﴾ ﴿الظَّالِمُونَ … ﴾ ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ (٦)، ولكن السحت أن يستعينك الرجل على مظلمته، فيهدي لك، فإن أهدى لك فلا تقبل. وقال أبو وائل - شقيق بن سلمة، أحد أئمة التابعين -: القاضي إذا أخذ الهدية فقد أكل السحت، وإذا أخذ الرشوة بلغت به الكفر. رواه ابن أبي شيبة (٧) بإسناد صحيح. اهـ. ما حكاه ابن رسلان.

стр. 7658

ويدلُّ على المنع من قبول هدية من استعان بها على دفع مظلمته: ما أخرجه أبو داود (١) عن أبي أمامة عن النبيّ ﷺ قال: "من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا"، وفي إسناده القاسم بن عبد (٢) الرحمن، أبو عبد الرحمن الأمويُّ، مولاهم الشاميُّ وفيه مقال. ويدلّ على تحريم قبول مطلق الهدية على الحاكم وغيره من الأمراء حديث: "هدايا الأمراء غلول"، أخرجه البيهقي (٣) وابن عديّ (٤) من حديث أبي حميد. قال الحافظ (٥): وإسناده ضعيف ولعلّ وجه الضعف أنه من رواية إسماعيل بن عياش عن أهل الحجاز. وأخرجه الطبراني في الأوسط (٦) من حديث أبي هريرة. قال الحافظ (٧): وإسناده أشدّ ضعفًا. وأخرجه سنيد بن داود في تفسيره (٨) عن عبيدة بن سليمان عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن جابر، وإسماعيل ضعيف. وأخرجه الخطيب (٩) في "تلخيص المتشابه" من حديث أنس بلفظ: "هدايا العمال سحت".

стр. 7659

وقد تقدم في كتاب الزكاة (١) في باب العاملين عليها حديث بريدة عن النبيّ ﷺ بلفظ: "من استعملناه على عمل فرزقناه رزقًا فما أخذه بعد ذلك فهو غلول"، أخرجه أبو داود (٢). وقد بوّب البخاري (٣) في أبواب القضاء: باب هدايا العمال، وذكر حديث ابن اللتبية (٤) المشهور. والظاهر: أن الهدايا التي تهدى للقضاة ونحوهم هي نوع من الرشوة، لأن المهدي إذا لم يكن معتادًا للإهداء إلى القاضي قبل ولايته لا يهدي إليه إلا لغرض، وهو إما التقويّة به على باطله، أو التوصل بهديته له إلى حقه، والكلّ حرام كما تقدم. وأقلّ الأحوال أن يكون طالبًا لقربه من الحاكم وتعظيمه ونفوذ كلامه، ولا غرض له بذلك إلا الاستطالة على خصومه أو الأمن من مطالبتهم له فيحتشمه من له حقّ عليه ويخافه من لا يخافه قبل ذلك، وهذه الأغراض كلها تؤول إلى ما آلت إليه الرشوة. فليحذر الحاكم المتحفظ لدينه، المستعدُّ للوقوف بين يدي ربه من قبول هدايا من أهدى إليه بعد توليه للقضاء، فإنَّ للإحسان تأثيرًا في طبع الإنسان، والقلوب مجبولةٌ على حبِّ من أحسن إليها؛ فربما مالت نفسه إلى المهدي إليه ميلًا يؤثر الميل عن الحقّ عند عروض المخاصمة بين المهدي وبين غيره، والقاضي لا يشعر بذلك ويظنّ أنه لم يخرج عن الصواب بسبب ما قد زرعه الإحسان في قلبه، والرشوة لا تفعل زيادةً على هذا، ومن هذه الحيثية امتنعت عن قبول الهدايا بعد دخولي في القضاء ممن كان يهدي إليّ قبل الدخول فيه بل من الأقارب فضلًا عن سائر الناس، فكان في ذلك من المنافع ما لا يتسع المقام لبسطه، أسأل الله أن يجعله خالصًا لوجهه.

стр. 7660

وقد ذكر المغربي في شرح "بلوغ المرام" (١) في شرح حديث الرشوة كلامًا في غاية السقوط فقال ما معناه: إنَّه يجوز أن يرشي من كان يتوصل بالرشوة إلى نيل حق أو دفع باطل. وكذلك قال: يجوز للمرتشي أن يرتشي إذا كان ذلك في حقّ لا يلزمه فعله، وهذا أعمُّ مما قاله المنصور (٢) بالله ومن معه كما تقدمت الحكاية لذلك عنهم، لأنهم خصوا الجواز بالراشي وهذا عممه في الراشي والمرتشي، وهو تخصيص بدون مخصص، ومعارضة لعموم الحديث بمحض الرأي الذي ليس عليه أثارة من علم، ولا يغترّ بمثل هذا إلا من لا يعرف كيفية الاستدلال، والقائل ﵀ كان قاضيًا. قوله: (والخلة) في النهاية (٣): الخلَّة بالفتح: الحاجة والفقر فيكون العطف على ما قبله من عطف العامّ على الخاص. وفي الحديث دليلٌ: على أنَّه لا يحلُّ احتجاب أولي الأمر عن أهل الحاجات. قال الشافعي (٤) وجماعة: إنَّه ينبغي للحاكم أن لا يتخذ حاجبًا. قال في الفتح (٥): وذهب آخرون إلى جوازه، وحمل الأول على زمن سكون الناس واجتماعهم على الخير وطواعيتهم للحاكم. وقال آخرون: بل يستحبُّ الاحتجاب حينئذٍ لترتيب الخصوم، ومنع المستطيل، ودفع الشرِّ. ونقل ابن التين (٦) عن الداودي قال: الذي أحدثه القضاة من شدّة الاحتجاب وإدخال بطائق (٧) من الخصوم لم يكن من فعل السلف. اهـ.

стр. 7661

قلت: صَدَقَ لم يكن من فعل السلف، ولكن من لنا بمثل رجال السلف في آخر الزمان، فإن الناس اشتغلوا بالخصومة لبعضهم بعضًا، فلو لم يحتجب الحاكم لدخل عليه الخصوم وقت طعامه وشرابه وخلوّه بأهله وصلاته الواجبة وجميع أوقات ليله ونهاره، وهذا مما لم يتعبد الله به أحدًا من خلقه ولا جعله في وسع عبد من عباده. وقد كان المصطفى ﷺ يحتجب في بعض أوقاته. وقد ثبت في الصحيح (١) من حديث أبي موسى أنه كان بوّابًا للنبيّ ﷺ لما جلس على قفّ البئر في القصة المشهورة، وإذا جعل لنفسه بوّابًا في ذلك المكان وهو منفرد عن أهله خارج عن بيته، فبالأولى اتخاذه في مثل البيت وبين الأهل. وقد ثبت أيضًا في الصحيح (٢) في قصة حلفه ﷺ أن لا يدخل على نسائه شهرًا أن عمر استأذن له الأسود لما قال له: يا رباح استأذن لي، فذلك دليل على أنه ﷺ كان يتخذ لنفسه بوّابًا، ولولا ذلك لاستأذن عمر لنفسه ولم يحتج إلى قوله: استأذن لي. وقد ورد ما يخالف هذا في الظاهر، وهو ما ثبت في الصحيح (٣) في قصة المرأة التي وجدها تبكي عند قبرٍ فجاءت إلى بابه فلم تجد عليه بوّابًا؛ والجمع ممكن. (أما أولًا): فلأن النساء لا يحجبن عن الدخول في الغالب، لأن الأمر الأهم من اتخاذ الحاجب هو منع دخول من يخشى الإنسان من اطلاعه على ما لا يحلّ الاطلاع عليه.

стр. 7662

(وأما ثانيًا): فلأن النفي للحاجب في بعض الأوقات لا يستلزم النفي مطلقًا، وغاية ذلك أنه لم يكن له ﷺ حاجب راتب. قال ابن بطال (١): الجمع بينهما أنه ﷺ إذا لم يكن في شغل من أهله ولا انفراد بشيء من أمره رفع حجابه بينه ويبن الناس ويبرز لطالب الحاجة وبمثله قال الكرماني (٢). وقد ثبت في قصة عمر في منازعة عليّ والعباس في فدك: أنَّه كان له حاجب يقال له: يرفا. قال ابن التين (٣) متعقبًا لما نقله عن الداودي في كلامه المتقدم: إن كان مراده البطائق التي فيها الإخبار بما جرى فصحيح؛ يعني أنه حادث، وإن كان مراده البطائق التي يكتب فيها للسبق ليبدأ بالنظر في خصومة من سبق، فهو من العدل في الحكم. اهـ. قلت: ومن العدل والتثبت في الحكم أن لا يُدخل الحاكم جميع من كان ببابه من المتخاصمين إلى مجلس حكمه دفعة واحدة إذا كانوا جمعًا كثيرًا، ولا سيما إذا كانوا مثل أهل هذه الديار اليمنية، فإنهم إذا وصلوا إلى مجلس القاضي صرخوا جميعًا فيتشوّش فهمه ويتغير ذهنه فيقلّ تدبره وتثبته، بل يجعل ببابه من يرقم الواصلين من الخصوم الأوّل فالأوّل، ثم يدعوهم إلى مجلس حكمه كل خصمين على حدة، فالتخصيص لعموم المنع بمثل ما ذكرناه معلوم من كليات الشريعة وجزئياتها، مثل حديث نهي الحاكم عن القضاء حال الغضب والتأذي بأمر من الأمور، كما سيأتي. وكذلك أمره بالتثبت والاستماع لحجة كل واحد من الخصمين، وكذلك أمره باجتهاد الرأي في الخصومة التي تعرض. قال بعض أهل العلم (٤): وظيفة البوّاب أو الحاجب أن يطالع الحاكم بحال

стр. 7663

من حضر ولا سيما من الأعيان لاحتمال أن يجيء مخاصمًا، والحاكم يظنّ أنه جاء زائرًا فيعطيه حقه من الإكرام الذي لا يجوز لمن يجيء مخاصمًا. انتهى. ولا شكّ في أنه يكره دوام الاحتجاب إن لم يكن محرّمًا لما في حديث الباب. قال في الفتح (١): واتفق العلماء على أنه يستحبّ تقديم الأسبق فالأسبق والمسافر على المقيم ولا سيما إن خشي فوات الرفقة، وأن من اتخذ بوابًا أو حاجبًا أن يتخذه أمينًا ثقة عفيفًا عارفًا حسن الأخلاق عارفًا بمقادير الناس. انتهى. [الباب السابع] باب ما يلزم اعتماده في أمانة الوكلاء والأعوان ٢٩/ ٣٩٠٠ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "مَنْ خاصَمَ فِي باطلٍ وَهُوَ يَعْلَمُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ الله حتَّى يَنْزعَ" (٢). [صحيح] وفِي لَفْظٍ: "مَنْ أعانَ على خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ الله"، رَوَاهُما أبُو دَاوُدَ) (٣). [ضعيف] ٣٠/ ٣٩٠١ - (وَعَنْ أنَسٍ قالَ: إنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ كانَ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الشُّرُطِ مِنَ الأمِيرِ. رَوَاهُ البُخارِيُّ) (٤). [صحيح]

стр. 7664

حديث ابن عمر أخرجه أبو داود (١) بإسنادين: الإسناد الأول (٢) لا مطعن فيه، لأنه قال: حدثنا أحمد بن يونس - يعني: اليربوعي - حدثنا زهير، حدثنا عمارة بن غزية عن يحيى بن راشد: يعني الدمشقي الطويل، وهو ثقة قال: جلسنا لعبد الله بن عمر … فذكره. والإسناد الثاني (٣) قال: حدثنا عليّ بن الحسين بن إبراهيم، - يعني العامري، وثقه النسائي -، حدثنا عمر بن يونس - يعني اليمامي، وهو ثقة -، حدثنا عاصم بن محمد بن زيد العمري - يعني ابن عبد الله بن عمر -، حدثنا المثنى بن يزيد. قال المنذري (٤): هو مجهول. انتهى. وقد أخرج له النسائي في "عمل اليوم (٥) والليلة" عن مطر؛ يعني ابن طهمان الخراساني الوراق، قال المنذري (٦): ضعفه غير واحد. انتهى. وقد أخرج له مسلم (٧) في مواضع عن نافع عن ابن عمر … فذكره بمعناه. قوله: (من خاصم) قال الغزالي (٨): الخصومة: لجاجٌ في الكلام ليُسْتوفى بها مال أو حقٌّ مقصود، وتارةً تكون ابتداءً، وتارة تكون اعتراضًا. والمراء لا يكون إلا اعتراضًا على كلام سابق. قال بعضهم: إياك والخصومة فإنها تمحق الدِّين، ويقال: ما خاصم قطُّ ورع.

стр. 7665

قوله: (لم يزل في سخط الله) هذا ذمٌّ شديدٌ له شرطان: (أحدهما): أن تكون المخاصمة في باطل. (والثاني): أن يعلم أنه باطل، فإن اختلّ أحد الشرطين فلا وعيد، وإن كان الأولى ترك المخاصمة ما وجد إليه سبيلًا. قوله: (من أعان على خصومة بظلم) في معنى ذلك ما أخرجه الطبراني في الكبير (١) من حديث أوس بن شرحبيل: أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم، فقد خرج من الإسلام". وأما ما ورد في الحديث الصحيح (٢) بلفظ: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" فقد ورد تفسيره في آخر الحديث: "أن نصر الظالم كفه عن الظلم". قوله: (فقد باء بغضب من الله) أي: انقلب ورجع بغضب لازم له. ومعنى الغضب في صفات الله: إرادة العقوبة (٣).

стр. 7666

وفي الحديث دليل: على أنه ينبغي للحاكم إذا رأى مخاصمًا، أو معينًا على خصومة بتلك الصفة أن يزجره، ويردعه لينتهي عن غيِّه. قوله: (إن قيس بن سعد) يعني: ابن عبادة الأنصاري الخزرجي. قوله: (كان يكون) قال الكرماني (١): فائدة تكرار لفظ الكون إرادة بيان الدوام والاستمرار. وقد وقع في رواية الترمذي (٢)، وابن حبان (٣)، والإسماعيلي، وأبي نعيم (٤)، وغيرهم بلفظ: "كان قيس بن سعد … " إلخ. قوله: (بمنزلة صاحب الشرط) زاد الترمذي (٥): "لما يلي من أموره".

стр. 7667

وقد ترجم ابن حبان (١) لهذا الحديث فقال: (احتراز المصطفى من المشركين في مجلسه إذا دخلوا). وقد روى الإسماعيلي (٢): "أن سعدًا سأل النبيّ ﷺ في قيس أن يصرفه عن الموضع الذي وضعه فيه مخافة أن يقدم على شيء فصرفه عن ذلك". والشرط بضم المعجم والراء والنسبة إليها شرطي بضمتين، وقد يفتح الراء فيهما: أعوان الأمير. والمراد بصاحب الشرط كبيرهم، فقيل: سموا بذلك لأنهم رذالة الجند. ومنه في حديث الزكاة المتقدم (٣): "ولا الشرط اللئيمة"، أي: رديء المال. وقيل: لأنهم الأشدَّاء الأقوياء من الجند. ومنه في حديث الملاحم (٤): "ويتشرَّط شرطة للموت"، أي: يتعاقدون على أن لا يفرّوا ولو ماتوا. قال الأزهري (٥): شرطة كل شيء خياره، ومنه الشرط، لأنهم نخبة الجند (٦). وقيل: هم أوّل طائفة تتقدم الجيش (٧). وقيل: سموا شرطًا، لأن لهم علامات يعرفون (٨) بها في اللباس والهيئة؛ وهو اختيار الأصمعي (٩). وقيل: لأنهم أعدّوا أنفسهم لذلك، يقال: أشرط فلان نفسه لأمر كذا إذا أعدّها، قاله أبو عبيد (١٠).

стр. 7668

وقيل: مأخوذ من الشريط، وهو الحبل المبروم لما فيهم من الشدة. وفي الحديث جواز اتخاذ الأعوان لدفع ما يرد على الإمام والحاكم. [الباب الثامن] بابُ النَّهي عن الحُكْمِ في حالِ الغضبِ إلَّا أَنْ يكونَ يسيرًا لا يُشْغِلُ ٣١/ ٣٩٠٢ - (عَنْ أبي بَكْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لا يَقْضِيَنَّ حاكِمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبانُ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ) (١). [صحيح] ٣٢/ ٣٩٠٣ - (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أبِيهِ: أن رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ خاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ فِي شِرَاجِ الحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِها النَّخْلَ، فَقالَ الأنْصَارِيُّ: سَرِّحِ المَاءَ يَمَرُّ، فأَبَى عَلَيْهِ، فاخْتَصَما عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ للزُّبَيْرِ: "اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ [أرْسِلْ إلى] (٢) جاركَ"، فَغَضِبَ الأنْصَارِيُّ، ثُمَّ قالَ: يا رَسُولَ الله أَنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ الله ﷺ ثُمَّ قالَ للزُّبَيْرِ: "اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ حتَّى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ"، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَالله إِني لا أحْسِب أن هَذِهِ الآيةِ نَزَلَتْ إلَّا فِي ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآيةِ (٣). رَوَاهُ الجَماعَةُ (٤). [صحيح] لَكِنَّهُ للْخَمْسَةِ إلَّا النَّسائيَّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ أبِيهِ.

стр. 7669

وَللبُخارِيِّ (١) فِي رِوَايَةٍ قالَ: خاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلًا. وَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَزَادَ فِيهِ: فاسْتَوْعَى رَسُول الله ﷺ حِينَئِذٍ للزُّبَيْرِ حَقَّهُ، وكانَ قَبْلَ ذلكَ قَدْ أشارَ على الزُّبَيْرِ بِرأيٍ فِيهِ سَعَةٌ لَهُ وَلِلأنْصَارِيِّ، فَلَمَّا أحْفَظَ الأنْصَارِيُّ رَسُولَ الله ﷺ اسْتَوْعَى للزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الحُكْمِ. قالَ عُرْوَةُ: قالَ الزُّبَيْرُ: فَوَالله ما أحْسِبُ هَذِهِ الآيَة نَزَلَتْ إلَّا فِي ذلكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ [لَا يُؤْمِنُونَ] (٢)﴾ الآية (٣). رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) كَذَلِكَ لَكِنْ قالَ: عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أن الزُّبير كانَ يُحَدّثُ أنَّهُ خاصَمَ رَجُلًا … وَذَكَرَهُ، جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِهِ. وَزَادَ البُخارِيُّ (٥) فِي رِوَايَةٍ: قالَ ابْنُ شِهابٍ: فَقَدَّرَتِ الأنْصَارُ وَالنَّاسُ قَوْلَ رَسُولِ الله ﷺ : "اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ حتَّى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ"، فَكَانَ ذلكَ إلى الكَعْبَيْنِ. وفِي الخَبرِ مِنَ الفِقْهِ: جَوَازُ الشَّفاعَةِ للْخَصْمِ وَالعَفْوِ عَنِ التَّعْزِيرِ). قوله: (لا يقضينّ … إلخ) قال المهلب (٦): سبب هذا النهي أن الحكم حالة الغضب قد يتجاوز بالحاكم إلى غير الحقّ فمنع، وبذلك قال فقهاء الأمصار. وقال ابن دقيق العيد (٧): النهي عن الحكم حالة الغضب، لما يحصل بسببه من التغير الذي يختل به النظر فلا يحصل استيفاء الحكم على الوجه. قال (٨): وعدَّاه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به تغير الفكر كالجوع والعطش المفرطين، وغلبة النعاس وسائر ما يتعلق به القلب تعلقًا يشغله عن استيفاء النظر، وهو قياس مظنة على مظنة، وكأنَّ الحكمة في الاقتصار على ذكر الغضب لاستيلائه على النفس وصعوبة مقاومته بخلاف غيره.

стр. 7670

وقد أخرج البيهقي (١) بسند ضعيف عن أبي سعيد رفعه: "لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان، ريان" انتهى. وسبب ضعفه أن في إسناده القاسم العمري وهو متهم بالوضع. وظاهر النهي التحريم ولا موجب لصرفه عن معناه الحقيقيِّ إلى الكراهة؛ فلو خالف الحاكم فحكم في حال الغضب: فذهب الجمهور (٢) إلى أنَّه يصحُّ إن صادف الحقَّ، لأنه ﷺ قضى للزبير بعد أن أغضبه، كما في حديث الباب، فكأنهم جعلوا ذلك قرينة صارفة للنهي إلى الكراهة. ولا يخفى أنَّه لا يصحُّ إلحاق غيره ﷺ به في مثل ذلك، لأنه معصوم عن الحكم بالباطل في رضاه وغضبه بخلاف غيره فلا عصمة تمنعه عن الخطأ، ولهذا ذهب بعض الحنابلة: إلى أنه لا ينفذ الحكم في حال الغضب لثبوت النهي عنه. والنهي يقتضي الفساد (٣). وفصل بعضهم بين أن يكون الغضب طرأ عليه بعد أن استبان له الحكم، فلا يؤثر وإلا فهو محل الخلاف. قال الحافظ ابن حجر (٤): وهو تفصيل معتبر. وقيد إمام الحرمين، والبغوي، الكراهة بما إذا كان الغضب لغير الله، واستغرب الروياني (٥) هذا واستبعده غيره لمخالفته لظاهر الحديث، وللمعنى الذي لأجله نهي عن الحكم حال الغضب. وذكر ابن المنير (٦): أن الجمع بين حديثي الباب: بأن يجعل الجواز خاصًّا بالنبيّ ﷺ لوجود العصمة في حقه والأمن من التعدّي، أو أن غضبه إنما كان للحق فمن كان في مثل حاله جاز وإلا منع. وقد تُعقِّب القول بالتحريم، وعدم انعقاد الحكم: بأنَّ النهي الذي يفيد فساد المنهي عنه هو ما كان لذات المنهي عنه، أو لجزئه أو لوصفه الملازم له، لا

стр. 7671

المفارق، كما هنا، وكما في النهي عن البيع حال النداء للجمعة، وهذه قاعدة مقرّرة في الأصول (١) مع اضطراب فيها وطول نزاع وعدم اطراد. قوله: (أن رجلًا من الأنصار) اسمه: ثعلبة بن حاطب. وقيل: حميد. وقيل: حاطب بن أبي بلتعة، ولا يصحّ لأنه ليس بأنصاري. وقيل: إنه ثابت بن قيس بن شماس، وإنما ترك ﷺ قتله بعد أن جاء في مقاله بما يدلُّ على أنه ﷺ جارَ في الحكم: لأجل القرابة؛ لأنَّ ذلك كان في أوائل الإسلام، وقد كان ﷺ يتألف الناس إذ ذاك، كما ترك قتل عبد الله بن أُبيّ بعد أن جاء بما يسوّغ به قتله. وقال القرطبي (٢): يحتمل أنه لم يكن منافقًا، بل صدر منه ذلك عن غير قصدٍ، كما اتفق لحاطب بن أبي بلتعة، ومسطح، وحمنة، وغيرهم ممن بدره لسانه بدرة شيطانية. قوله: (في شِراج) (٣) بكسر الشين المعجمة وراء مهملة بعد الألف جيم: وهي مسايل النخل والشجر. واحدتها شرجة، وإضافتها إلى الحرَّة لكونها فيها، والحرَّةُ (٤) بفتح الحاء المهملة: هي أرض ذات حجارة سود. قوله: (سرّح الماء) (٥) بفتح السين المهملة، وتشديد الراء المكسورة، ثم حاء مهملة؛ أي: أرسله. قوله: (ثم أرسل إلى جارك) [كان] (٦) هذا على سبيل الصلح. قوله: (أن كان ابن عمتك) بفتح الهمزة، لأنه استفهام للاستنكار؛ أي: حكمت بهذا لكونه ابن عمتك.

стр. 7672

قوله: (حتى يرجع الماء إلى الجَدر) بفتح الجيم، وسكون الدال المهملة، وهو: الجدار، والمراد به: أصل الحائط. وقيل: أصول الشجر والصحيح الأوّل. وفي الفتح (١): أن المراد به هنا: المسناة، وهي ما وضع بين شريات النخل كالجدار. ويروى: الجُدُر بضم الجيم والدال: جمع جدار. وحكى الخطابي (٢): الجذر، بسكون الذال المعجمة، وهو: جذر الحساب، والمعنى: حتى يبلغ تمام الشرب. وفي بعض طرق الحديث: "حتى يبلغ الماء إلى الكعبين"، رواه أبو داود (٣). قوله: (فلما أحفظ الأنصاريُّ، رسول الله ﷺ ) بالحاء المهملة؛ أي: أثار حفيظته (٤). قال في الفتح (٥): أحفظه بالمهملة والظاء المشالة؛ أي: أغضبه. قوله: (فاستوعى) (٦) أي: استوفى، وهو من الوعاء، كأنه جمعه له في وعائه. قوله: (فقدرت الأنصار والناس) هو من عطف العائم على الخاصِّ. قوله: (فكان ذلك إلى الكعبين) يعني: أنَّهم لما رأوا أن الجدر يختلف بالطول والقصر قاسوا ما وقعت فيه القصة، فوجدوه يبلغ الكعبين، فجعلوا ذلك

стр. 7673

معيار الاستحقاق الأول فالأوّل؛ والمراد بالأول هنا من يكون مبدأ الماء من ناحيته. وقد تقدم الكلام على ذلك في باب "الناس شركاء في ثلاث" من كتاب إحياء الموات (١). [الباب التاسع] بابُ جلوسِ الخصمينِ بينَ يَدَي الحاكِمِ والتَّسْوِيَةِ بَينهُمَا ٣٣/ ٣٩٠٤ - (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قَضَى رَسُولُ الله ﷺ أن الخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَي الحاكِمِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وأبُو دَاوُدَ) (٣). [إسناده ضعيف] ٣٤/ ٣٩٠٥ - (وَعَنْ عَلِيّ أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "يا عَلِيُّ إذَا جَلَسَ إلَيْكَ الخَصْمانِ فَلا تَقْضِ بَيْنَهُما حتَّى تَسْمَعَ مِنَ الآخَر كما سَمِعْتَ مِنَ الأوَّلِ، فإنَّكِ إذا فَعَلْتَ ذلكَ تبَيَّن لَكَ القَضَاءُ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وأبُو دَاوُدَ (٥) وَالتِّرْمِذِيُّ) (٦). [حسن]

стр. 7674

حديث عبد الله بن الزبير أخرجه أيضًا البيهقي (١) والحاكم (٢) وفي إسناده مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، وهو ضعيف كما قال ابن معين وابن حبان (٣)؛ وبيَّن الذهبي (٤) ذلك الضعف فقال: فيه لين لغلطه. وقال أبو حاتم (٥): صدوق كثير الغلط. وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال المنذري (٦): لا يحتج بحديثه، وقد صحح الحديث الحاكم كما حكاه الحافظ في بلوغ المرام (٧). وحديث علي أخرجه أيضًا ابن حبان (٨) وصححه وحسنه الترمذي (٩)، وله طرق. (منها): عند البزار (١٠) وفيها عمرو بن أبي المقدام، وفيها أيضًا اختلاف على عمرو بن مرة، ففي رواية أبي يعلى (١١) أنه رواه [عنه] (١٢) شعبة عن أبي البختري قال: حدثني من سمع عليًا. ومنهم من أخرجه عن أبي البختري عن عليّ (١٣). ومنهم من رواه عن حارثة بن مضرب عن عليّ (١٤). ومنهم من رواه عن سماك بن حرب عن حنش بن المعتمر عن عليّ (١٥).

стр. 7675

ومنهم من رواه من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس عن عليّ (١). ورواه أبو يعلى (٢)، والدارقطني (٣) والطبراني في الكبير (٤) من حديث أمّ سلمة بلفظ: "من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه، وإشارته، ومقعده، ومجلسه، ولا يرفع صوته على أحد الخصمين ما لا يرفع على الآخر"، وفي إسناده [عبادة بن كثير] (٥)، وهو ضعيف. وفي الباب عن عليّ: أنه جلس بجنب شريح في خصومة له مع يهودي فقال: "لو كان خصمي مسلمًا جلست معه بين يديك، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تساووهم في المجالس"، أخرجه أبو أحمد الحاكم في الكنى (٦) في ترجمة [أبي سمية] (٧) عن الأعمش عن إبراهيم التيمي قال: "عرف عليّ درعًا مع يهودي … " فذكره مطوّلًا وقال: منكر. وأورده ابن الجوزي في العلل (٨) من هذا الوجه وقال: لا يصحّ تفرّد به [أبو سمية] (٧). ورواه البيهقي (٩) من وجه آخر من طريق جابر عن الشعبي قال: "خرج عليّ السوق فإذا هو بنصرانيّ يبيع درعًا، فعرف عليّ الدرع … " وذكر الحديث، وفي إسناده [عمرو بن سمرة] (١٠) عن جابر الجعفي، وهما ضعيفان.

стр. 7676

قال ابن الصلاح (١) في كلامه على الوسيط: لم أجد له إسنادًا يثبت. قوله: (إنَّ الخصمين يقعدان … إلخ) هذا فيه دليل لمشروعية قعود الخصمين بين يدي الحاكم، ولعلّ هذه الهيئة مشروعة لذاتها لا لمجرّد التسوية بين الخصمين، فإنها ممكنة بدون القعود بين يدي الحاكم بأن يقعد أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله أو أحدهما في جانب من المجلس والآخر في جانب يقابله ويساويه أو نحو ذلك. والوجه في مشروعية هذه الهيئة أن ذلك هو مقعد الإهانة والإصغار، وموقف من لا يعتدُّ بشأنه من الخدم ونحوهم، لقصد الإعزاز للشريعة المطهرة، والرفع من منارها، وتواضع المتكبرين لها، وكثيرًا ما ترى من كان متمسكًا بأذيال الكبر يعظم عليه قعوده في ذلك المقعد، فلعلَّ هذه هي الحكمة، والله أعلم. ويؤخذ من الحديث أيضًا: مشروعية التسوية بين الخصمين؛ لأنهما لما أمرا بالقعود جميعًا على تلك الصفة، كان الاستواء في الموقف لازمًا لها، وأوضح من ذلك حديث أمّ سلمة (٢)، وقصة عليّ مع خصمه عند شريح (٣)، كما تقدم. وفيها تخصيص المسلم إذا كان خصمه كافرًا، فلا يساويه في الموقف، بل يرفع موقف المؤمن على موقف الكافر؛ لأن الإسلام يعلو.

стр. 7677

ويستفاد من الحديث: أن الخصمين لا يتنازعان قائمين، أو مضطجعين، أو أحدهما. قوله: (حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول)، فيه دليل: على أنه يحرم على الحاكم أن يحكم قبل سماع حجة كلِّ واحدٍ من الخصمين، واستفصال ما لديه، والإحاطة بجميعه، والنهي يَدل: على قبح المنهي عنه، والقبح يستلزم الفساد، فإذا قضى قبل السماع من أحد الخصمين؛ كان حكمه باطلًا، فلا يلزم قبوله، بل يتوجه عليه نقضه [و] (١) يعيده على وجه الصحة، أو يعيده حاكم آخر، فإن امتنع أحد الخصمين من الإجابة لخصمه جاز القضاء عليه لتمرُّده، ولكن بعد التثبت المسوِّغ للحكم كما في الغائب على خلافٍ فيه معروف. [الباب العاشر] بابُ ملازمةِ الغريمِ إِذَا ثبتَ عليهِ الحقُّ وإعَداءِ الذِّمِّيِّ على المسْلِم ٣٥/ ٣٩٠٦ - (عَنْ هِرْماسِ بْنِ حَبِيبٍ رَجُلٍ مِنْ أهْلِ البادِيَةِ عَنْ أبِيهِ قالَ: أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِغَرِيمٍ لي، فَقَالَ لي: "الْزَمْهُ"، ثُمَّ قالَ لي: "يا أخا بَنِي تَمِيمٍ ما تُرِيدُ أنْ تَفْعَلَ بِأسِيرِكَ؟ "، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٢) وَابْنُ ماجَهْ (٣) وَقالَ فِيهِ: ثُمَّ مَرَّ بي آخِرَ النَّهارِ فَقَالَ: "ما فَعَلَ أَسِيرُكَ يا أخا بَنِي تَمِيمٍ؟ ". [ضعيف] وَقَالَ فِي مُسْنَدِهِ: عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ. وَعَنْ ابْنِ أبي حَدْرَدٍ الأسْلَمِيّ أنَّهُ كانَ لِيَهُوديٍّ عَلَيْهِ أرْبَعَةُ دَرَاهِمَ فاسْتَعْدَى عَلَيْهِ رَسُولَ الله ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ لي على هَذَا أرْبَعَةَ دَرَاهِمَ وَقَدْ غَلَبَنِي عَلَيْها، فَقالَ: "أعْطِهِ حَقَّهُ"، قالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بالحَقّ ما أقْدِرُ عَلَيْها؛ قالَ: "أعْطِهِ حَقَّهُ"، قالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ ما أقْدرُ عَلَيْها، قَدْ أخْبَرْتُهُ أنَّكَ تَبْعَثُنا إلى

стр. 7678

خَيْبَرَ، فأرْجُو أنْ تُغَنِّمَنا شيْئًا فَأرْجِعَ فأقَضِيَهُ؛ قالَ: "أعْطِهِ حَقَّهُ"، قالَ: وكانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا قالَ ثَلاثًا لَمْ يُرَاجَعْ، فَخَرَجَ بِهِ ابْنُ أبي حَدْرَدٍ إلى السُّوقِ وَعلى رأسِهِ عِصَابَةَ وَهُوَ مُتَّزِرٌ بِبُرْدَةٍ، فَنَزَعَ العِمامَةَ عَنْ رأسِهِ فاتَّزَرَ بِها، وَنَزَعَ البُرْدَةَ ثمَّ قالَ: اشْتَرِ مِني هَذِهِ البُرْدَةَ، فَباعَها مِنْهُ بأرْبَعَةِ دَرَاهِمَ، فَمَرَّتْ عَجُوزٌ فَقالَتْ: ما لَك يا صَاحِبَ رَسُولِ الله ﷺ فأخْبَرَها، فَقالَتْ: ها دُونَكَ هَذَا الْبُرْدَ عَلَيْها طَرَحَتْهُ عَلَيْهِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (١). [مرسل صحيح] وَفِيهِ أنَّ الحاكِمَ يُكَرّرُ على النَّاكِلِ وَغْيرِهِ ثَلاثًا). ٣٦/ ٣٩٠٧ - (وَمِثْلُهُ ما رَوَى أنَسٌ قالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ إذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلاثًا، وَإذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أعادَها ثَلاثًا. رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَالبُخَارِيُّ (٣) وَالتِّرْمِذِيُّ وَصحَّحَهُ) (٤). [صحيح] حديث هرماس أخرجه البخاري في "تاريخه الكبير" (٥) عن أبيه عن جده، وقال ابن أبي حاتم (٦): هرماس بن حبيب العنبري، روى عن أبيه عن جده،

стр. 7679

ولجده صحبة، وذكر أنه سأل أحمد بن حنبل ويحيى بن معين عن الهرماس بن حبيب العنبري فقالا: لا نعرفه. وقال (١): سألت أبي عن هرماس بن حبيب فقال: هو شيخ أعرابي لم يرو عنه غير النضر بن شميل ولا يعرف أبوه ولا جده. وحديث ابن أبي حدرد قال في مجمع الزوائد (٢): رواه أحمد (٣) والطبراني في الصغير (٤) والأوسط (٥) ورجاله ثقات، إلا أن محمد بن أبي يحيى لم أجد له رواية عن الصحابة، فيكون مرسلًا صحيحًا. انتهى. قوله: (الزَمه) بفتح الزاي، فيه دليل: على جواز ملازمة من له الدين لمن هو عليه بعد تقرُّره بحكم الشرع، وقد حكاه في البحر (٦) عن أبي حنيفة (٧) وأحد وجهي أصحاب الشافعي (٨)، فقالوا: إنه يسير حيث سار ويجلس حيث جلس غير مانع له من الاكتساب ويدخل معه داره. وذهب أحمد (٩) إلى أن الغريم إذا طلب ملازمة غريمه حتى يحضر ببينته القريبة؛ أجيب إلى ذلك لأنَّه لو لم يمكن من ملازمته ذهب من مجلس الحاكم، وهذا بخلاف البينة البعيدة. وذهب الجمهور (١٠): إلى أن الملازمة غير معمول بها، بل إذا قال: لي بينة غائبة، قال الحاكم: لك يمينه أو أخِّرْهُ حتى تحضر [بينتك] (١١)، وحملوا الحديث على أن المراد إلزام غريمك بمراقبته له بالنظر من بعد. ولعل الاعتذار عن الحديث بما فيه من المقال أولى من هذا التأويل المتعسف. وأما حديث ابن أبي حدرد: فليس فيه دليل: على الملازمة، بل فيه التشديد على المديون بإيجاب القضاء، وعدم قبول دعواه الإعسار لمجرَّدها من دون بينة،

стр. 7680

وعدم الاعتداد بيمينه، من غير فرق بين أن يكون صاحب المال مسلمًا أو كافرًا. قوله: (ما تريد أن تفعل بأسيرك) سماه أسيرًا باعتبار ما يحصل له من المذلة بالملازمة له، وكثرة تذلله عند المطالبة، وكأنه ﷺ يعرِّض بالشفاعة. وقد زاد رزين بعد قوله: "ما تريد أن تفعل بأسيرك، فأطلقه". قوله: (وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا) لعلَّ هذا في الأمور التي يريد ﷺ أن تحفظ عنه، وتنقلها الناس إلى بعضهم بعضًا، بخلاف الكلام في المحاورات التي تجري من دون قصد إلى حفظها، لكونها ليست من الأمور الشرعية، فلعلّ التكرار فيها لم يقع منه ﷺ لعدم الفائدة في ذلك، مثلًا لو أنه ﷺ أراد أن يخبر رجلًا بأنه خرج إلى المسجد وصلى ورجع إلى بيته فكرّر كل كلمة من هذا الخبر ثلاث مرات لم يكن ذلك بمكان من الحسن والقبول. وأما تكرير التسليم فلعله التسليم المراد به الاستئذان، وقد ثبتت مشروعية تكريره لإيقاظ ربِّ المنزل الذي وقع الاستئذان عليه لا أنه كان يكرّر السلام الواقع لمحض التحية مثلًا لا يلقى رجلًا في طريق، فيقوم بين يديه ويسلم عليه ثلاث مرَّات. [الباب الحادي عشر] بابُ الحاكِمِ يشفَعُ للخَصمِ ويستَوْضِعُ لَهُ ٣٧/ ٣٩٠٨ - (عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ تَقاضَى ابْنَ أبي حَدْرَدٍ دَيْنًا كانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي المَسْجِدِ، فارْتَفَعَتْ أصْوَاتُهُما حتَّى سَمِعهما رَسُولُ الله ﷺ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إلَيْهما حتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى: "يا كعْبُ"، فَقالَ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ الله، قالَ: "ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا" وأوْمأ إلَيْهِ: أي الشَّطْرَ، قالَ: قَدْ فَعَلْتُ يا رَسُولَ الله، قالَ: "قُمْ فاقْضِهِ". رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ (١). [صحيح]

стр. 7681

وَفِيهِ مِنَ الفِقْهِ: جَوَازُ الحُكْمِ فِي المَسْجِدِ، وأنَّ مَنْ قيلَ لَهُ: بعْ، أوْ: هَبْ، أوْ: أبْرِ، فَقالَ: قَدْ فَعَلتُ، صَحَّ ذلكَ مِنْهُ، وأنَّ الإيمَاءَ المَفْهُومَ يَقُومُ مَقامَ النُّطْقِ). قوله: (سَجْف حجرته) (١) بكسر السين المهملة، وفتحها، وسكون الجيم: وهو الستر. وقيل: الرقيق منه يكون في مقدم البيت، ولا يسمى سجفًا إلا أن يكون مشقوق الوسط كالمصراعين. والحجرة ما يجعل عليه الرجل حاجزًا في بيته. قوله: (ضع من دينك هذا وأومأ إليه) فيه دليل: على أن الإشارة المفهمة بمنزلة الكلام؛ لأنها تدلُّ كما تدلُّ عليه الحروف والأصوات، فيصحُّ بيع الأخرس، وشرائه، وإجارته، وسائر عقوده إذا فهم ذلك عنه. قوله: (أي الشطر) هو النصف على المشهور. ووقع في حديث الإسراء (٢) ما يدلّ: على أن الشطر يطلق على الجزء. والمراد بهذا الأمر الواقع منه ﷺ الإرشاد إلى الصلح والشفاعة في ترك بعض الدَّين، وفيه: فضيلة الصلح، وحسن التوسط بين المتخاصمين. قوله: (قد فعلت … إلخ) يحتمل أن يكون نزاعهما في مقدار الدين، كأن يدعي صاحب الدين مقدارًا زائدًا على ما يقرّ به المديون، فأمره ﷺ أن يضع الشطر من المقدار الذي ادّعاه، فيكون الصلح حينئذ عن إنكار، ويدلُّ الحديث على جوازه، ويحتمل أن يكون النزاع بينهما في التقاضي باعتبار حلول الأجل وعدمه مع الاتفاق على مقدار أصل الدين فلا يكون في الحديث دليل على جواز الصلح عن إنكار.

стр. 7682

وقد ذهب إلى بطلان الصلح عن إنكار: الشافعي (١)، ومالك (٢)، وأبو حنيفة (٣)، والهادوية (٤). قوله: (قم فاقضه) قيل: هذا أمر على جهة الوجوب؛ لأن ربَّ الدين لما طاوع بوضع الشطر تعين على المديون أن يعجل إليه دينه، لئلا يجمع على ربّ المال بين [الوضيعة] (٥) والمطل. [الباب الثاني عشر] بابُ إنَّ حُكْمَ الحَاكِمِ يَنْفُذُ ظاهِرًا لا بَاطِنًا ٣٨/ ٣٩٠٩ - (عَنْ أُمّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "إنَّمَا أنا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إليَّ، وَلَعَلّ بَعْضَكُمْ أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فأقْضِي بِنَحْوٍ مِمَّا أسمعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقّ أخِيهِ شَيْئًا فَلا يأخُذْهُ فإنَّمَا أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ" رَوَاهُ الجَماعَةُ (٦). [صحيح] وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَرَ أنْ يَحْكُمَ الحاكِمُ بِعِلْمِهِ). قوله: (إنما أنا بشر) البشر: يطلق على الجماعة، والواحد: بمعنى: أنه منهم، والمراد: أنَّه مشارك للبشر في أصل الخلقة، ولو زاد عليهم بالمزايا التي اختُصَّ بها في ذاته وصفاته. والحصر هنا مجازي؛ لأنه يختصُّ بالعلم الباطن، ويسمى: قصر قلب، لأنه أتي به ردًّا على من زعم: أن من كان رسولًا فإنه يعلم كل غيب؛ حتى لا يخفى عليه المظلوم من الظالم.

стр. 7683

وقد أطال الكلام على بيان معنى هذا الحصر (١) علماء المعاني والبيان، فليرجع إلى ذلك. قوله: (ألحن) بالنصب على أنه خبر كان؛ أي: أفطن بها، ويجوز أن يكون معناه: أفصح تعبيرًا عنها، وأظهر احتجاجًا، حتى يخيل أنه محقٌّ؛ وهو في الحقيقة مبطل. والأظهر أن معناه: أبلغ. كما وقع في رواية في الصحيحين (٢)؛ أي: أحسن إيرادًا للكلام، ولا بدّ في هذا التركيب من تقدير محذوف لتصحيح معناه؛ أي: وهو كاذب. ويسمى هذا عند الأصوليين: دلالة اقتضاء (٣)؛ لأن هذا المحذوف اقتضاه اللفظ الظاهر المذكور بعده. [و] (٤) قال في النهاية (٥): اللحن: الميل عن جهة الاستقامة، يقال: لحن فلان في كلامه: إذا مال عن صحيح المنطق، وأراد: أنَّ بعضهم يكون أعرف بالحجة، وأفطن لها من غيره، ويقال: لحنت لفلان: إذا قلت له قولًا يفهمه ويخفى على غيره، لأنك تميله بالتورية عن الواضح المفهوم. انتهى. قوله: (فإنما أقطع لى قطعة من النار) أي الذي قضيت له بحسب الظاهر إذا كان في الباطن لا يستحقه فهو عليه حرام يئول به إلى النار. وهو تمثيل يفهم منه شدة [التعذيب] (٦) على ما يتعاطاه فهو من مجاز التشبيه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (٧). وقد قدمنا الكلام على بعض ألفاظ الحديث في كتاب الصلح (٨) فوقع تكرار البعض هنا لتكرار الفائدة.

стр. 7684

وفي الحديث دليل: على إثم من خاصم في باطل، حتى استحقّ به في الظاهر شيئًا هو في الباطن حرام عليه. وأن من احتال لأمر باطل بوجه من وجوه الحيل، حتى يصير حقًّا في الظاهر، ويحكم له به: أنه لا يحلّ له تناوله في الباطن، ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم. وفيه: أن المجتهد إذا أخطأ لا يلحقه إثم، بل يؤجر كما في الحديث الصحيح (١): "وإن اجتهد فأخطأ فله أجر". وفيه أنه ﷺ كان يقضي بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه شيء، وخالف في ذلك قوم. وهذا الحديث من أصرح ما يحتجّ به عليهم. وفيه أنه ربما أداه اجتهاده إلى أمر فيحكم به، ويكون في الباطن بخلاف ذلك. قال الحافظ (٢): لكن مثل ذلك لو وقع لم يقرَّ عليه ﷺ لثبوت عصمته. واحتجّ من منع مطلقًا، بأنه لو جاز وقوع الخطأ في حكمه؛ للزم أمر المكلفين بالخطأ، لثبوت الأمر باتباعه في جميع أحكامه حتى قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية (٣)، وبأنَّ الإجماع معصوم من الخطأ، فالرسول أولى بذلك. وأجيب عن الأول: بأن الأمر إذا استلزم الخطأ لا محذورَ فيه، لأنه موجود في حقِّ المقلدين، فإنهم مأمورون باتباع المفتي والحاكم ولو جاز عليه الخطأ. وأجيب عن الثاني بردّ الملازمة، فإنَّ الإجماع إذا فرض وجوده دلَّ على أن مستندهم ما جاء عن الرسول [ ﷺ ] (٤)، فرجع الاتباع إلى الرسول لا إلى نفس الإجماع.

стр. 7685

قال الحافظ (١): وفي الحديث أيضًا: أن من ادعى مالًا ولم يكن له بينة، فحلف المدعى عليه، وحكم الحاكم ببراءة الحالف أنه لا يبرأ في الباطن ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم. والحديث حجة لمن أثبت: أنَّه قد يحكم ﷺ بالشيء في الظاهر، ويكون الأمر في الباطن بخلافه. ولا مانع من ذلك؛ إذ لا يلزم منه محالٌ عقلًا ولا نقلًا. وأجاب من منع: بأن الحديث يتعلق بالحكومات الواقعة في فصل الخصومات المبنية على الإقرار أو البينة، ولا مانع من وقوع ذلك فيها، ومع ذلك لا يقرّ على الخطأ. وإنما الذي يمتنع وقوع الخطأ فيه أن يخبر عن أمر بأنَّ الحكم الشرعي فيه كذا ويكون ذلك ناشئًا عن اجتهاده فإنه لا يكون إلا حقًّا لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ (٢). وأجيب بأن ذلك يستلزم الحكم الشرعي فيعود الإشكال كما كان، والمقام يحتاج إلى بسط طويل ومحله الأصول فليرجع إليها. قال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن الحكم بتمليك مال، أو إزالة ملك، أو إثبات نكاحٍ، أو فرقة، أو نحو ذلك، إن كان في الباطن كما هو في الظاهر؛ نفذ على ما حكم به، وإن كان في الباطن على خلاف ما استند إليه الحاكم من الشهادة أو غيرها لم يكن الحكم موجبًا للتمليك، ولا الإزالة، ولا النكاح، ولا الطلاق، ولا غيرها وهو قول الجمهور (٣)، ومعهم أبو يوسف. وذهب آخرون: إلى أن الحكم إن كان في مال، وكان الأمر في الباطن بخلاف ما استند إليه الحاكم من الظاهر لم يكن ذلك موجبًا لحله للمحكوم له. وإن كان في نكاح أو طلاق فإنه ينفذ ظاهرًا وباطنًا؛ وحملوا حديث الباب على ما ورد فيه وهو المال.

стр. 7686

واحتجوا لما عداه بقصة المتلاعنين (١)، فإنه ﷺ فرَّق بين المتلاعنين، مع احتمال أن يكون الرجل قد صدق فيما رماها به. قالوا: فيؤخذ من هذا: أنَّ كل قضاء ليس فيه تمليك مال: أنَّه على الظاهر، ولو كان الباطن بخلافه، وأنَّ حكم الحاكم يحدث في ذلك التحريم، والتحليل، بخلاف الأموال. وتعقب بأن الفرقة في اللعان إنما وقعت عقوبة للعلم بأنَّ أحدهما كاذب، وهو أصل برأسه فلا يقاس عليه. وقال بعض الحنفية (٢) مجيبًا على من استدل بالحديث لما تقدم: بأن ظاهر الحديث يدلُّ على أن ذلك مخصوص بما يتعلق بسماع كلام الخصم، حيث لا بينة هناك، ولا يمين، وليس النزاع فيه، وإنَّما النزاع في الحكم المرتب على الشهادة، وبأنَّ "مَن" في قوله: "فمن قضيت له" شرطية، وهي لا تستلزم الوقوع فيكون من فرض ما لم يقع، وهو جائز فيما يتعلق به غرض، وهو هنا محتمل لأن يكون للتهديد، والزجر عن الإقدام على أخذ أموال الناس بالمبالغة في الخصومة، وهو وإن جاز أن يستلزم عدم نفوذ الحكم باطنًا في العقود والفسوخ لكنه لم يسبق لذلك فلا يكون فيه حجة لمن منع، وبأن الاحتجاج به يستلزم أنه ﷺ يقرّ على الخطأ، لأنه لا يكون ما قضى به قطعة من النار إلا إذا استمرّ الخطأ، وإلا فمتى فرض أنه يطلع عليه فإنه يجب أن يبطل ذلك الحكم ويردّ الحقّ لمستحقه. وظاهر الحديث يخالف ذلك، فإمَّا أن يسقط الاحتجاج به ويؤوَّل على ما تقدم، وإما أن يستلزم استمرار التقرير على الخطأ، وهو باطل. والجواب عن الأول: أنه خلاف الظاهر، بل من التحريف الذي لا يفعله منصفٌ.

стр. 7687

وكذا الثاني. والجواب عن الثالث: أن الخطأ الذي لا يقرُّ عليه هو الحكم الذي صدر عن اجتهاده فيما لم يوح إليه، فليس النزاع فيه، وإنما النزاع في الحكم الصادر منه عن شهادة زور، أو يمين فاجرة، فلا يسمى خطأ للاتفاق على العمل بالشهادة، وبالأيمان، وإلا لكان الكثير من الأحكام يسمى خطأ، وليس كذلك لما في حديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم" (١)، فيحكم بإسلام من تلفظ بالشهادتين ولو كان في نفس الأمر يعتقد خلاف ذلك. ولما في حديث المتلاعنين حيث قال: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" فإنه لو كان خطأ لم يترك استدراكه والعمل بما عرفه. وكذلك حديث: "إني لم أومر بالتنقيب عن قلوب الناس" (٢)، فالحجة من حديث الباب شاملة للأموال والعقود والفسوخ. وقد حكى الشافعي (٣) الإجماع على أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام. قال النووي (٤): والقول بأن حكم الحاكم يحلل ظاهرًا وباطنًا مخالف لهذا الحديث الصحيح وللإجماع المذكور ولقاعدة أجمع عليها العلماء ووافقهم القائل المذكور، وهي أن الأبضاع أولى بالاحتياط من الأموال، وفي المقام مقاولات ومطاولات، ومع وضوح الصواب لا فائدة في الإطناب. وقد استدلّ المصنف ﵀ [تعالى] (٥) بالحديث على أن الحاكم لا يحكم بعلمه.

стр. 7688

وسيأتي الكلام على ذلك في باب مستقلّ إن شاء الله (١). وفيه الردّ على من حكم بما يقع في خاطره من غير استناد إلى أمر خارجي من بينة ونحوها. ووجه الردّ عليه: أنه ﷺ أعلى في ذلك من غيره مطلقًا، ومع ذلك فقد دلَّ حديثه هذا: على أنه إنما يحكم بالظاهر في الأمور العامة، فلو كان المدَّعى صحيحًا؛ لكان الرسول [ ﷺ ] (٢) أحقّ بذلك: فإنَّه أعلم أنه تجري الأحكام على ظاهرها مع أنه يمكن أن الله يطلعه على غيب كل قضية. وسبب ذلك: أن تشريع الأحكام واقع على يده، فكأنه أراد تعليم غيره من الحكام أن يعتمدوا ذلك. نعم لو شهدت البينة مثلًا بخلاف ما يعلمه مشاهدة أو سماعًا أو ظنًا راجحًا لم يجز له أن يحكم بما قامت به البينة. قال الحافظ (٣): ونقل بعضهم فيه الاتفاق وإن وقع الاختلاف فيه في القضاء بالعلم كما سيأتي. [الباب الثالث عشر] بابُ ما يُذْكَرُ في ترجمةِ الواحِدِ ٣٩/ ٣٩١٠ - (في حَدِيثِ زيدِ بْنِ ثابِتٍ أن النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ فَتَعَلَّمَ كِتَابَ اليَهُودِ وَقالَ: حَتَّى كَتَبْتُ للنَّبِيِّ ﷺ كُتُبَهُ وأقْرأتُهُ كُتُبَهُمْ إذَا كَتَبُوا إلَيْهِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وَالبُخَارِيُّ (٥). [حسن]

стр. 7689

قالَ البُخارِيُّ (١): قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَعِنْدَهُ عَلِيٌّ وعُثْمَانُ وَعَبْدُ الرَّحْمنِ: ماذَا تَقُولُ هَذِهِ؟ فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ حاطِبٍ: فَقُلْتُ: نُخْبِركَ بالَّذِي صَنَعَ بِها. قالَ: وَقالَ أبُو جَمْرَةَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ و [بَيْنَ] (٢) النَّاسِ). قوله: (حتى كتبت للنبيّ ﷺ كتبه) يعني: إليهم. هذا الحديث من الأحاديث المعلقة في البخاري، وقد وصله في تاريخه (٣) بلفظ: "إنَّ زيد بن ثابت قال: أتي بي النبيّ ﷺ مقدمه المدينة فأعجب بي، فقيل له: هذا غلام من بني النجار، قد قرأ مما أنزل الله عليك بضع عشر سورة، فاستقرأني، فقرأت (ق) فقال لي: "تعلَّم كتاب يهود، فإني ما آمن يهود على كتابي، فتعلمته في نصف شهر، حتى كتبت له إلى يهود، وأقرأ له إذا كتبوا إليه". وأخرجه أيضًا موصولًا أبو داود (٤) والترمذي (٥) وصححه. وأخرجه أحمد (٦) وإسحاق وأخرجه أيضًا أبو يعلى (٧) بلفظ: "إني [أكتب] (٨) إلى قوم فأخاف أن يزيدوا عليّ وينقصوا فتعلم السريانية" (٩). وظاهره: أن اللغة السريانية كانت معروفة يومئذٍ، وهي غير العبرانية، فكأنَّه ﷺ أمره أن يتعلم اللغتين. قوله: (ماذا تقول هذه) أي المرأة التي وجدت حبلى. قوله: (وقال أبو جمرة) بالجيم المفتوحة والميم الساكنة والراء المهملة.

стр. 7690

وفي الحديث جواز ترجمة واحد. قال ابن بطال (١): أجاز الأكثر ترجمة واحد. وقال محمد بن الحسن (٢): لا بد من رجلين أو رجل وامرأتين. وقال الشافعي (٣): هو كالبينة، وعن مالك (٤) روايتان. ونقل الكرابيسي (٥) عن مالك والشافعي (٦) الاكتفاء بترجمان واحد. وعن أبي حنيفة الاكتفاء بواحد. وعن أبي يوسف باثنين. وعن زفر لا يجوز أقلّ من اثنين. وقال الكرماني (٧): لا نزاع لأحد أنه يكفي ترجمان واحد عند الإخبار، وأنه لا بد من اثنين عند الشهادة، فيرجع الخلاف إلى أنها إخبار أو شهادة، فلو سلم الشافعي أنها إخبار لم يشترط العدد، ولو سلم الحنفي أنها شهادة لقال بالعدد. وقال ابن المنذر (٨): القياس يقتضي اشتراط العدد في الأحكام، لأن كل شيء غاب عن الحاكم لا تقبل فيه إلا البينة الكاملة، والواحد ليس بينة كاملة حتى يضمّ إليه كمال النصاب، غير أن الحديث إذا صحّ سقط النظر. وفي الاكتفاء بزيد بن ثابت وحده حجة ظاهرة لا يجوز خلافها. انتهى. وتعقبه الحافظ (٩) فقال: يمكن أن يجاب بأنه ليس غير النبيّ ﷺ من الحكام في ذلك مثله، لإمكان اطلاعه على ما غاب عنه بالوحي، بخلاف غيره، بل لا بد له من أكثر من واحد، فمهما كان طريقه الإخبار يكتفي فيه بالواحد، ومهما كان طريقه الشهادة لا بد فيه من استيفاء النصاب.

стр. 7691

وقد نقل الكرابيسي (١) أن الخلفاء الراشدين والملوك بعدهم لم يكن لهم إلا ترجمان واحد. وقد نقل ابن التين (١) من رواية ابن عبد الحكم: لا يترجم إلا حرّ عدل، وإذا أقرّ المترجم بشيء وجب أن يسمع ذلك منه شاهدان [ويرفعان] (٢) ذلك إلى الحاكم. [الباب الرابع عشر] باب الحكم بالشاهد واليمين ٤٠/ ٣٩١١ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن رَسُولَ الله ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشاهِدٍ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَمُسْلِمٌ (٤) وأبُو دَاوُدَ (٥) وَابْنُ ماجَهْ (٦). [صحيح]

стр. 7692

وفِي رِوَايَةٍ لِأحْمَدَ (١): إنَّمَا كانَ ذلكَ فِي الأمْوَالِ). [صحيح] ٤١/ ٣٩١٢ - (وَعَنْ جابِرٍ أن النَّبِيَّ ﷺ قَضَى باليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَابْنُ ماجَهْ (٣) وَالتِّرْمِذِيُّ (٤). [صحيح] ولأحْمَد (٥) مِنْ حَدِيثِ عِمَارَةَ بْنِ حَزْمٍ. وَحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ مِثْلُهُ) (٦). [إسناده ضعيف]

стр. 7693

٤٢/ ٣٩١٣ - (وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَلِيّ أن النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِشَهادَةِ شاهِدٍ وَاحِدٍ، ويَمِينِ صَاحِب الحَقّ، وَقَضَى بِهِ عَلِيّ بالعِرَاقِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَالدَّارَقْطْنِيُّ (٢) وَذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ) (٣). [إسناده صحيح] ٤٣/ ٣٩١٤ - (وَعَنْ رَبِيعَةَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أبي صَالِحٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قَضَى رَسُولُ الله ﷺ باليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الوَاحِدِ. رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ (٤) وَالتِّرْمِذِيُّ (٥) وأبُو دَاوُدَ (٦). [صحيح] وَزَادَ: قالَ عَبْدُ العَزِيزِ الدَّارَوَرْدِي: فَذَكَرْتُ ذلكَ لِسُهَيْلٍ، فَقالَ: أخَبْرَنِي رَبِيعَةُ وَهُوَ عِنْدِي ثِقَةٌ أني حَدَّثْتُهُ إيَّاهُ وَلا أحْفَظُهُ. قالَ عَبْدُ العَزِيزِ: وَقَدْ كانَ أصَابَ سُهَيْلًا عِلَّةٌ أذْهَبَتْ بعْضَ عَقْلِهِ وَنَسِيَ بَعْضَ حَدِيثهِ، فَكانَ سُهَيْلٌ بَعْدُ يُحَدّثُهُ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْهُ عَنْ أبِيهِ). ٤٤/ ٣٩١٥ - (وَعَنْ سُرَّقٍ أن رَسُولَ الله ﷺ أجازَ شَهَادَةَ الرَّجُلِ، وَيمِينَ الطَّالِبِ. رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ) (٧). [صحيح لغيره] حديث ابن عباس قال في التلخيص (٨): قال فيه الشافعي (٩): وهذا الحديث

стр. 7694

ثابت لا يردُّهُ أحد من أهل العلم لو لم يكن فيه غيره مع أن معه غيره مما يشدّه. وقال النسائي: إسناده جيد. وقال البزار: في الباب أحاديث حسان أصحها حديث ابن عباس. وقال ابن عبد البرّ (١): لا مطعن لأحد في إسناده. وقال عباس الدوري في تاريخ يحيى بن معين: ليس بمحفوظ. وقال البيهقي (٢): أعله الطحاوي (٣) بأنه لا يعلم قيسًا يحدث عن عمرو بن دينار بشيء، قال: وليس ما لا يعلمه الطحاوي لا يعلمه غيره، ثم روى بإسناد جيد حديثًا من طريق وهب بن جرير عن أبيه عن قيس بن سعد عن عمرو بن دينار حديث الذي وقصته ناقته وهو محرم، ثم قال: وليس من شرط قبول رواية الإخبار كثرة رواية الراوي عمن روي عنه، ثم إذا روى الثقة عمن لا ينكر سماعه منه حديثًا واحدًا وجب قبوله، وإن لم يكن يروي عنه غيره على أن قيسًا قد توبع عليه، رواه عبد الرزاق عن محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار، أخرجه أبو داود (٤)، وتابع عبد الرزاق أبو حذيفة. وقال الترمذي في "العلل" (٥): سألت محمدًا، يعني البخاري عن هذا الحديث فقال: لم يسمعه عندي عمرو [بن دينار] (٦) من ابن عباس. قال الحاكم: قد سمع عمرو من ابن عباس عدّة أحاديث وسمع من جماعة من أصحابه فلا ينكر أن يكون سمع منه حديثًا وسمعه من بعض أصحابه عنه. وأما رواية عصام البلخي وغيره ممن زاد بين عمرو وابن عباس طاوسًا فهم ضعفاء. قال البيهقي (٧): ورواية الثقات لا تعلل برواية الضعفاء. انتهى ما في